المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ~ عُظمــاء .. أثروا تراثَ الأنسانية ~


َعـذَبـةُ الإحســاس
23-11-06, 12:24 PM
السلامُ عليكم ورحمة الله

التراث الأنسانى من الآداب معينٌ لا يَنضب , بغض النظر عن هوية الكاتب أو جنسه , فكل كلمة ساهمت فى دفع البشرية ولو حرفاً إلى الأمام .

هُنا سَتكون حلقاتٌ مٌسلسلة عن أروع ماتم تسطيره في هذا المجال , بدون النظر إلى ما دون الكلمة أو النص الأدبي , فلسنا مُتعلقين بدراسة الهويات السياسية أو الدينية لهؤلاء الكُتـّاب ,

لكم حرية المُشاركة بـِ تفاصيل كُتابِكم المميزين , ولكن بعد الأنتهاء من كل كاتبٍ على حِده .

أرجو أن ينال موضوعى أعجابكم .

دُمتم بخير



لـِ الأمانه .. أغلب ما سَيُكتبُ هُنا إن لم يكن كُله مادةً منقولة .

َعـذَبـةُ الإحســاس
23-11-06, 12:28 PM
"دستويفسكــي".... في أعينهــم

".. لم يكن دوستويفسكي هو كاتب القرن العشرين الأكثر عصرية ومتعة فحسب، بل ثمة كل المبررات للافتراض بأن القرن الحادي والعشرين سيجري تحت رايات " الجريمة والعقاب" حسب رأي الكثيرين من النقاد والمحللين.‏".


إن لدوستويفسكي روحا ما زالت تتعذب في كل منا، وفي كل مرة نقرأ لهذا الرجل فكأننا نقوم بعملية استحضار لتلك الروح المعذبة، تغوص بنا في أعماق الإنسانية لنسبر أغوار أنفسنا نحن، نخرج منها شبه مخنوقين، ولعلنا نصل إلى نتيجة سبقنا إليها بقوله " أنا إنسان مريض "! .
وكم كان -هذا الرجل المصروع - جريئا حين تكلم عن أكثر أفكاره شذوذا، ليثبت أن لاشيء أعمق من الإنسان، وأن البعض ،على علّاتهم، لا بأس بهم في النهاية!


في هذا الموضوع سنُنهض الروح الدوستويفسكية ذاتها ليس بأقلامنا بل بأقلام وعيون أولئك الذين كتبوا عنه مستهلين الحديث بسرد طويل ذو شجون لقصة حياته كما تقدمت روايته الأكثر خلودا " الجريمة والعقاب "، نسرد بعدها قراءات ومقالات أو حتى دراسات عن بعض رواياته الشهيرة، وملامح شخصياته المشهورة التي تحمل في طياتها ملامح العابرين به كوالدته المصدورة، أو والده السكير، ولعلنا نكمل حديثنا بتأثيره على الأدب العربي بصفة عامة...


يرى توماس مان أن دوستويفسكي هو "أول مبدع نفساني في الآداب العالمية على مر العصور"...‏
إن الاهتمام العالمي بإبداع دوستويفسكي ليس وليدالمصادفة. فهذا الإبداع يتميز باندفاع إنساني جارف وشعور عميق بالرأفة "بالمذلين والمهانين". إنه مامن شك في أن دوستويفسكي هو منشد الأمل وداعية لبث روح الثقة والإيمان بالإنسان. كما يرى كثير من النقاد بأنه مؤسس للتيارات الأدبية المتصلة بعلم النفس في القرن العشرين مستشهدين بذلك، بالفرويديين والوجوديين وغيرهم"..‏


سيبقى الأدب الروسي خالدا بكتّابه العظــام، وستبقــى بصمــاته مادام فينـا..

شيخة_دبي
23-11-06, 12:34 PM
يعطيج العافيه عالمجهود الطيـب

َعـذَبـةُ الإحســاس
23-11-06, 12:35 PM
( المقدمة ) بقلم الدكتور فؤاد أيوب
من رواية ( الجريمة والعقاب ) مترجمة عن النص الروسي
ترجمة فايز نقش الكردي
الصادرة عن دار مكتبة الحياة



http://anoutsider.jeeran.com/Dostoyevsky.JPG





إن دوستويفسكي، هذا الذي ليس ما يعادل موهبته الفنية قوة إلا موهبة شكسبير وحده على حد تعبير غوركي، ليشكل بحد ذاته عالما شاسع الأرجاء، عميق الأغوار، متكامل العناصر، تضطرم وتتصارع فيه الأفكار والعواطف المتضاربة، أفكار أصبحت أقوى من البشر، بل ليس البشر أنفسهم إلا تجسيدا لها، وعواطف امتزج فيها الحب بالحقد، والكبرياء بالتواضع، والثورة بالاستسلام، والرحمة بالقسوة، والإيمان بالإلحاد، حتى ضاعت الحدود ما بينها فتداخلت وانصهرت. ههنا يكتشف المرء اللانهاية ، فيستولي عليه تلقاءها القنوط. هذا العالم لن يستطيع قط أن نسبر أغواره، إذ تسود قوة سحرية غريبة عنا، وهو يعرض علينا فكرة تضيع في لانهاية سديمية، ويبشرنا برسالة لعلها ليست موجهة إلينا في الأصل، فنحن نحار في فهم مغزاها.



وهكذا فإن انطباعنا البدائي حيال هذا العالم هو القنوط من جهة، والهلع من جهة أخرى. إلى أين يريد أن يقودنا هذا الإنسان، هذا العملاق، هذا المستنير .؟؟ ، لكننا إذا ما سرنا معه حتى خاتمة المطاف تحول انطباعنا الأول، البدائي والسطحي، إلى شعور جديد، شعور بالعظمة اللامحدودة. ذلك أننا سنكون قد حفرنا في أعماقنا في هذه الأثناء، فنستطيع أن نكتشف في هذه الأعماق، في خفاياها المطوية، الرباط الذي يجمعنا إليه. أجل، يجب أن نفعل مثله، أن ندفع حتى الحد الأقصى ما لا نجرؤ أن نبلغ به أكثر من منتصف الطريق، وأن ننحني أمام اللانهاية، وأن نتمرس بسائر صنوف العذاب التي تمرس بها، فنستطيع عندئذٍ أن نفهمه، أن نحبه.


ذلك أن مختلف أدوات التعذيب قد مزقت هذا الجسد البالي طوال ستين عاما، كما أن العوز الذي لا يرحم قد انتزع من صباه ومن شيخوخته جميعا كل عذوبة وكل نتفة من الهناءة. وكانت الرغبة تلتهمه في الوقت نفسه، وهي رغبة مزدوجة، روحية وجسدية معا، تنخسه مثل الإبر، وتتركه أبدا ظمآن لا يرتوي. ذلك هو القدر يطارده، يقسو عليه حتى درجة السخف، ولا يقسو عليه هذا الغرار إلا كي ينتزع الإبداع منه، ولا يفرط في إيلامه إلا ليجعله أهلا له وكفؤا.


وان الشك ليعذبه أيضا، وعلى الرغم من سائر جهوده ومحاولاته فإنه لن يعرف اليقين قط يخيل إليه، هو الذي يتعثر في الألم مع كل خطوة من خطواته، أن الله لا يعاقبه من أجل شكوكه إلا بسبب من محبته إياه. وهكذا فإنه لا يترك له لحظة واحدة من الراحة أو السعادة، بل يطارده أبدا على طريق اللانهاية. وإذا ما رق قلب القدر له يوما، فغض الطرف عنه برهة، وابتسمت الأيام له قليلا، فما ذلك غلا ليسرع فيقذف به من جديد بين الأشواك، ويدفعه نحو الحضيض، فاتحا عينيه أكثر فأكثر على اتساع اليأس والإشراق على حد سواء، ولن يرحمه قط إلا مع إغماضة الجفنين الأخيرة.

هذه القسوة الغزيرة بالمعاني تجعل من حياة دوستويفسكي أثرا فنيا قائما بذاته، ومن سيرته مأساة كاملة الفصول، بحيث لا تعدو مؤلفاته كلها أن تكون صورا متفرقة عن مصيره الذاتي. ولقد كانت البداية نفسها رمزا لهذه الحياة بمجموعها على حد تعبير ستيفان زفايج، إذ ولد فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي يوم الثلاثين من شهر تشرين الأول عام 1821 في مستشفى الفقراء في موسكو. وهكذا حدد له مكانه، منذ فتح عينيه للنور، في موضع خارج المجتمع، بين أولئك الذين هم موضع الازدراء، بين " المذلين والمهانين"، وفي اتصال دائم بالألم والموت جميعا. وهل المصير الإنساني برمته، في واقع الأمر، إلا تراكيب من الألم والموت.

كان أبوه طبيبا عسكريا معدما، إذا قيست الثروة بمقاييس تلك الأيام، ترك الخدمة ليعمل في مستشفى الفقراء، فنشأ الطفل في بيئة تعاني الضيق المادي، وفي جو تسيطر عليه روح الثكنة التي لم يستطع الأب، أو لم يحاول، التخلص منها. ولعله كان يعاني ضجرا خبيثا، ضجرا سببه العوز في المحل الأول، مما جعل أخلاقه شرسة قاسية، ومعاملته لزوجه وأولاده رديئة ظالمة. كان هذا الرجل يخجل من فقره، فيعيش وعائلته في انطواء على النفس يكاد يضعهم خارج حدود الحياة، فلا مسرح، ولا نزهات، ولا صداقات. وهكذا نشأ دوستويفسكي بعيدا عن كل احتكاك بالعالم الخارجي، محروما من الأصدقاء، ومن التجارب، ومن الحرية، إن الإناء مغلق بإحكام على هذه النبتة المتعطشة إلى الهواء، بحيث أن هذا الحرمان سيدمغه طوال حياته : " نحن جميعا قد فقدنا عادة الحياة" . أجل، إن دوستويفسكي لم يستطع فيما بعد أن يعتاد الحياة.

وأن حاجزا حديدا مشبكا ليفصل حديقة المنزل عن باحة المستشفى الواسعة حيث يتنزه المرضى في ساعات النهار، وقد ارتدوا مناماتهم وغطوا رؤوسهم بطاقيات قطنية. وكان فيودور يحب، متجاوزا في ذلك أوامر أبيه، أن يتعرف إلى هؤلاء المرضى، وأن يبادلهم الحديث من خلال الحاجز المشبك. إن هذه الإنسانية المعذبة القبيحة لا تنفره- وهل عرف الإنسانية حتى الآن إلا على هذه الصورة؟- بل تثير في قلبه حنانا وفضولا وتجتذبه إليها. أجل إن هذا البرجوازي الصغير المتوحد يسعى على صحبة هؤلاء الناس المقهورين- وهل أقهر من الفقر والمرض مجتمعين؟ - الخجولين، اليائسين، المرفوضين من قبل عالم لا يعرف عنه هو شيئا. ما هي مأساتهم يا ترى؟ وأي قدر ظالم رهيب أودى بهم على هذا الحال؟ وكيف يحسهم غير غرباء عنه، رغما عن فارق السن والوضع الاجتماعي؟ وكان الأب، إذا فاجأ ولده في صلته مع هؤلاء المساكين، يوبخه بشدة، بل يعاقبه بقسوة أحيانا.

هذه الطفولة المخنوقة لا يتحدث دوستويفسكي عنها مطلقا، ولا ريب أن هذا الصمت العنيد من قبله ينطوي على الخجل. بيد أننا نستطيع أن نلمس مشاعره الحقيقية من خلال أحاسيس أبطاله الصغار. لابد أنه كان مثل ( نيللي )، هذه الصبية المرهفة الحس حتى الدرجة القصوى، التي انتهى بها البؤس والحرمان والاضطهاد إلى الصرع فالموت، أو مثل ( أيليوتشكا ) ابن الكابتن السكير، الذي يخجل من بؤس عائلته، ومن تصرفات أبيه التي يمليها البؤس عليه، فيموت كمدا وقهرا. أو مثل ( كوليا )، هذا الفتى الناضج باكرا، الواسع الخيال، المتأجج رغبة في الصيرورة شيئا عظيما، المتشرب بذلك الهوس العنيف، هوس دوستويفسكي نفسه، الذي يريد من المرء أن يتجاوز نفسه كي يتألم مع الإنسانية بأسرها...


.

.


يتبـع

َعـذَبـةُ الإحســاس
23-11-06, 12:47 PM
ويهرب دوستويفسكي من ظلمات هذا العالم الحالك، ملتجئا إلى حيث يلتجئ عادة الناقمين، إلى الكتب. إنه يقرأ ليل نهار، ولا يرتوي له ظمأ، يلتهم ولتر سكوت، وديكنز، وجورج صاند، وهوغو، حالما بأروع المغامرات، بالسفر إلى البندقية، أو القسطنطينية، أو البلدان الشرقية النائية حيث الأسرار التي لا حلول لها، تراوده صور الانتصارات العظيمة، وعواطف الحب المتفاني.

وتموت أمه، مصدورة، عام 1837م ، فيفقد بفقدها سنده الروحي الوحيد في الحياة. وتجعل الحاجة منه جنديا فينتسب إلى مدرسة المهندسين بيد أنه لا يبرح، حتى في عالم الجندية الصاخب، منزويا بعيدا عن الناس. إن خجله المرضي، وما يؤدي إليه مثل هذا الخجل من حب مفرط للذات وانطواء متصل عليها، يبعد الرفاق عنه. إذ يلتهب شوقا إلى بذل الذات، إلى منحها لأول قادم، لكنه يعود منذ الوهلة الأولى فيتكوم على بعضه. إنه يخاف أن يعيش. وماذا يجمع بين هؤلاء الفتيان المرحين اللعوبين وبينه هو الذي تئيد كآبة ثقيلة على وجود؟ وما وجه الشبه بين مطامحه الرومانتيكية ورغباته الغامضة في المجد والعظمة وبين تصرفات زملائه السخيفة؟ إن مثل هذه الحياة لتنفره : " لقد أرسلوني مع أخي ميشيل، البالغ السادسة عشرة، إلى سان بطرسبرغ، إلى مدرسة المهندسين، وبذلك أفسدوا مستقبلنا، تلك كانت خطيئة بالنسبة إلي".

ويخاطب أخاه ميشيل في إحدى رسائله قائلا : " إن الحياة مثيرة للاشمئزاز هنا، فما خَلُص من المادية ومن السعادة الأرضية هو وحده جميل". بيد أن سائر ما يجري حوله وجميع تصرفات زملائه تذكره بهذه " المادية " وهذه " السعادة الأرضية " بالضبط. الوصول، الارتقاء في الرتب، المستقبل الزاهر .. وهو، أتراه يفكر في مستقبله؟ إنه يتيه في الأروقة، وحيدا، يائسا، مظلم القسمات، وفي يده كتاب، يتجنب الطلاب والأساتذة على حد سواء. لكنه يقوم في الوقت ذاته بالواجبات المترتبة عليه خير قيام، فهو مجد، ينفذ كل الأوامر الصادرة إليه، ولا يحتج مطلقا : " كائن يعتاد كل شيء، هذا في رأيي أفضل تعريف يمكن أن يعطى عن الإنسان".

لكن أصعب ما يعانيه هو العوز. فلتمطر السماء، وهو لا يملك ما يبتاع به كأسا حارة من الشاي وبعض الملابس الداخلية الدافئة. فلتحرق الشمس الأرض، وهو لا يملك أن ينظف جسده من العرق الناتج عن لبقيظ الشديد. وإن أباه الذي ترك عمله في المستشفى ليقيم في الملكية الصغيرة التي ابتاعها في الريف بفضل تقتيره، لا يبرح على بخله القديم الذي أضيف إليه حاليا عشق شديد للخمرة، وقد رفع بينه وبين العالم، بما فيه أبناؤه، حاجزا لا سبيل إلى اجتيازه. ويتوسل فيودور إليه : " أرسل لي شيئا بأسرع وقت ممكن، وسوف تنقذني من جحيم لا يطاق! أواه، ما أفظع أن يكون المرء في حاجة!" ومرة أخرى : " يا أبي العزيز الطيب، لا تحسب أن ابنك يطالبك بشيء فائض حين يسألك معونة مالية .. إن لي رأسا، وذراعين . ولو كنت طليقا لما سألتك كوبيكا واحدا .. كنت أعتاد البؤس إذن. لكن تذكر يا أبتي العزيز أني في هذا الوقت " أقوم بخدمتي " بكل معنى الكلمة، ولا بد لي شئت أم أبيت أن أتكيف مع قواعد المجتمع الذي أعيش فيه..
وبالفعل، فإن حياة المعسكر تكلف كل طالب 40 روبلا على الأقل ( إني أكتب إليك كل ذلك لأني أتحدث إلى أبي ) ولست أحسب في هذا المبلغ قيمة السكر والشاي. ومع ذلك، فهذه أشياء لا غنى عنها، حين يكون المرء مبتلا بالأمطار حتى عظامه، تحت خيمة من القش، أو حين يعود من تدريب مضنٍ، فتجمد أطرافه من البرد ولا يجد قليلا من الشاي، فإنه قد يقع مريضا – وهذا ما جرى لي في المناورات في العام الفائت- ومهما يكن من أمر، فإني سآخذ بعين الاعتبار ما تعانيه من ضيق وأستغني عن الشاي، إني سأطلب منك الضروري فحسب.. ما ابتاع به زوجين من الأحذية العادية" .


إلا إن الأب لا يعير طلباته أذنا صاغية، بل يعاتبه ويعنفه لجرأته على رفع صوته أمام أبيه، ويروح يشكو الضيق المادي الشديد، مدعيا أنه لا يملك هو نفسه فلسا واحدا، ويتعاظم رأس فيودور أكثر فأكثر: " من المحزن أن يحيا المرء دون رجاء يا أخي.. إني أنظر أمامي، فأرتاع للمستقبل. وإني لغارق في جو جليدي، قطبي، حيث لا يلمع شعاع شمسي واحد. ومنذ زمن طويل لم أعرف همهمات الإلهام، وبالمقابل فما أكثر ما عانيت أحاسيس سجين شيللون في زنزانته، بعد موت أخوته.."
ومرة أخرى: " لا أدري ما إذا كانت أفكاري الكئيبة ستتبدد يوما.. إن لدي مشروعا.. أن أصبح مجنونا .."

إنه تائه، تائه في دروب الحياة المظلمة، يقرأ بلزاك وغوته وشيللر حينا، ويرتمي في تيار الحياة الصاخب حينا، محاولا أن يقتل يأسه بالانغماس في الرذيلة. بيد أنه يظل، حتى في أمواج الرذيلة المتلاطمة، وحيدا على الدوام، اللهم إلا من حس الاشمئزاز من لذته العابرة، ومن الشعور بالخطيئة في ملء السعادة الكاذبة. إنه مثل سائر أبطال كتبه، وحيد لا صديق له، ومثلهم جميعا يحلم، ويفكر، ويتذوق رذائل الفكر والحواس على حد سواء. ويعزيه قليلا ما يحسه من أن فيه قوة كامنة، قوة توشك أن تنفجر، وهو يخاف منها. إنه يرقة لا تبرح عديمة الشكل، ولا يدري إلام ستصير ومتى ستصير. إنه فريسة التشاؤم، طريد الخوف من الحياة، والخوف من نفسه، والخوف من الموت، والخوف من الفوضى الهائلة السائدة في قليه.

وفي ملء هذه الفوضى يأتيه خبر مقتل أبيه على يد بعض فلاحيه الذين لم يطيقوا صبرا على معاملته الفظة. قبل شهر واحد من ذلك كان قد كتب إليه يطالبه بمبلغ من المال دون أن يتلقى جوابا، ومما لا ريب فيه أنه كان يلعن كل ليله بخل هذا الأب وقسوة قلبه، ولعله كان يتمنى موته في نفس تلك الليلة التي قتل العجوز فيها. افلم يهتف إيفان كارامازوف، ولعله يعبر في ذلك عن مشاعر دوستويفسكي نفسه: " من منا لا يتمنى موت ابيه؟" وتنعكس جريمة الفلاحين القذرة في وجدان فيودور ميخائيلوفيتش، فيتهم نفسه بما لم ترتكبه يداه قط. إنه هو المسؤول الأول عن هذه الجريمة، ومسؤوليته لا يمكن أن يفهمها أحد سواه، وهي جسيمة بحيث تبتلع مسؤوليات الآخرين. إنه مذنب بصورة تتجاوز القوانين البشرية. ويهزه هذا الكشف بلك قسوة الحقيقة الواقعة، فإذا انتفاضة هائلة تهزه وتصرعه أرضا، مزبدا متحشرجا : تلك هي نوبة الصرع الأولى منذ كان في السابعة من عمره. ولن يتحدث في رسائله عن حادث القتل مطلقا، لكن أبطاله يتحدثون نيابة عنه بطلاقة عجيبة. إن إيفان لم يقتل أباه، ومع ذلك فإنه مقتنع بكونه القاتل الرئيسي، كما يعلنه بذلك الأجير سميردياكوف الذي يعتبر نفسه مجرد الأداه المنفذة، ولا يفعل إيفان شيئا لينفي عنه هذه التهمة. وكذلك يقبل ستافروغين في " الأبالسة "، مسؤولية قتل زوجته التي ذبحها شخص آخر. إن قبولا ضمنيا، مهما يكن غير واع، يكفي لجعلنا شركاء في الجريمة. " أكنت أرغب في موت أبي حتى هذه الدرجة؟ " وإن هذا السلطان الغريب الذي يتمتع به الفكر على المادة، وهذا التجاوز للمادة من قبل الفكر، ليئيدان على ذهن دوستويفسكي. أجل إن هناك نواميس الطبيعة واستنتاجات العلوم الطبيعية، كما أن ثمة تراكيب العلوم الرياضية الباردة، بل والقوانين الاجتماعية الجامدة أيضا. وإنها لتتراكب جميعا كي تشكل " جدارا حجريا "عاتيا. وما العمل حيال هذا الجدار؟ " من المؤكد أني لن استسلم لمجرد كونه جدارا حجريا". ولن يستسلم دوستويفسكي، بل سيحاول أن يتخطى ذلك الجدار. وأما يتخطاه، فإنه سيقع في ميدان لا منطقي هو الموطن الحقيقي لأبطاله، ميدان عجيب، لا هو بالواقع ولا هو بالعدم، حيث الأبرياء وفقا للقوانين الأرضية هم مذنبون وفقا لقوانين أخرى غير مخطوطة، وحيث الأفعال لا تتعلق بفاعليتها، وحيث المشاعر تقوم مقام الأدلة، وحيث الأفكار تتبخر، وحيث لا يوجد شيء ثابت، مؤكد، معروف سلفا. إن كل طعنة جديدة يوجهها إليه القدر ستبعده أكثر فأكثر عن الواقع كي تقربه أكثر فأكثر من السر الدفين " ثمة أشياء يخشى المرء أن يكشفها حتى لنفسه".

ومهما يكن الأب بخيلا، فقد كان يرسل إلى ولده بعض المال من وقت لآخر، أما الآن فلابد أن يلجأ إلى الغرباء في حاجته. وتتراكم عليه الديون مع مرور الأيام، يحاول أن يفيها بديون جديدة، مناضلا متذللا، متوسلا كي لا يسحقه تيارها الجارف. بيد أنه لا يعرف، مع ذلك، أية قيمة للمال، وإذا وجد أن خادمه، أو خياطه، يسرقانه لم يأبه للأمر مطلقا، ولم يطرد الخادم أو يغير الخياط. وينكب على ( أوجيني غرانديه ) يترجمها في محاولة يائسة لتحسين أوضاعه المالية: " ترجمت أوجيني غرانديه لبلزاك. يا لها من رائعة! إن ترجمتي مدهشة، وأقل ما يدفعونه لي ثمنا لها هو 350 روبلا ورقيا. إن بي رغبة لاهبة في بيعها، لكن المليونير المقبل الذي هو أنا لا يملك مالا من أجل نسخها، ولا وقتا أيضا. بحق ملائكة السماء، أرسل 350 روبلا أجرة النسخ..." وبعد ستة أشهر: " إذا تواني الخنازير الموسكوفيون، فقد ضعت. ولسوف يجرونني في كثير من الجد إلى السجن. يا له من وضع مضحك حقا. إنك تتحدث عن القسمة العائلية، ولكن أتعرف ماذا أطلب؟ التنازل عن كل مشاركة حقيقة في حقوق الملكية، والتنازل التام عند حلول الساعة، مقابل 500 روبل فضي دفعة واحدة، وخمسمائة روبل آخر تدفع على أساس عشرة روبلات من الفضة شهريا – هذا كل ما أريده.. أعترف بأنه قليل، وبأنه لا أسرق أحدا.. وإذا كانوا لا يملكون هذه الإمكانيات، فإن سبعمائة وحتى ستمائة روبل تكون مناسبة في وضعي. وقد أرجع بعد رأيي، أكفلني أنت.. وأن لدي أملا، فأنا أنهي رواية في حجم أوجيني غرانديه، إنها رواية نسيج وحدها، وأنا حاليا أنسخها، ولا ريب أني سأحصل على جواب بشأنها حوالي 14 كانون الثاني. سوف أعطيها إلى ( حوليات الوطن ). إني راضٍ عن عملي، وسأتناول عنه حوالي 400 روبل. هذه كل آمالي!"

.

.

.


يتبــع

َعـذَبـةُ الإحســاس
23-11-06, 01:03 PM
تلك هي ( المساكين ) هذه الرائعة، هذه الدراسة العميقة للنفس الإنسانية! إن دوستويفسكي في الرابعة والعشرين حاليا، ولقد كتبها، هو الوحيد، بنار هواه المحرقة وبدموعه اللاهبة. ذلك أن الإذلال الأقسى الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان، ألا وهو الفقر، قد أوحاها إليه، تدعمه القوة العظمى في هذا العالم، أعني بها حب أولئك الذين يتعذبون.

بيد أنه يتطلع إلى هذه الصفحات في شيء من الخشية، لا يريد أن يسأل القدر لأنه يخاف الحكم الذي قد يصدره، وأخيرا يقرأ المخطوطة لصديقه وشريكه في الغرفة، الكاتب غريغوروفيتش، فيرتمي هذا بين ذراعيه باكيا، ويختطف المخطوطة منه ليحملها إلى نيكراسوف. ويقرآنها معا، الليل بطوله، يضحكان حينا ويبكيان أحيانا، حتى إذا لم يعودا يستطيعان صبرا ينطلقان إلى صاحبهما، حوالي الرابعة صباحا، يوقظانه من نومه، يهنئانه ويقبلانه، لأن ذلك " أهم من النوم ".

ويحمل نيكراسوف المخطوطة إلى بيلنسكي، الناقد الشهير، المرهوب الجانب، الباني أمجاد الكتاب الروس والهادم إياها: " لقد ولد لنا غوغول جديد". فيرد الناقد باستنكار: " إن أمثال غوغول عندكم ينبتون مثل الفطور". لكنه يقبل أن يطلع على المخطوطة، حتى إذا ذهب إليه دوستويفسكي في الغداة شاهده مشرقا بالفرح :" هل تدرك ماذا صنعت هنا؟" ويلتهب بيلنسكي حماسة:" إنك لم تكتب مثل هذا المؤلف إلا لأنك بكل بساطة فنان عظيم الحساسية، ولكن هل قدرت كل سعة الحقيقة الرهيبة التي وصفتها لنا؟ يستحيل أن تكون فهمتها وأنت في العشرين من عمرك.. إن الحقيقة تكشف لك وتعلن بوصفك فنانا، أنت تلقيتها هبة، فاعرف كيف تقدر هذه الهبة. ابق أمينا لها، وسوف تصير كاتبا عظيما".

ويصعق دوستويفسكي، وينتشي، ويصيبه الدوار، إنه يريد أن يقبل كل الناس، وأن يشكرهم، وأن يقسم للبشر جميعا صداقة أبدية. ويهبط الدرج مترنحا كأنه في حلم، ويتوقف عند زاوية الشارع عاجزا عن متابعة السير، يتطلع إلى السماء، وإلى صفاء النهار، وإلى المارة الذين يخيل إليه أنه لم تعد تجمعهم به أية رابطة. الم يرتفع إلى الأعلى منهم بصورة مفاجئة. ويتساءل: " أيمكن أن أكون حقا على هذا القدر من العظمة؟" أجل ، إنه ليشعر الآونة بكل وضوح بأن سائر تلك الأشياء الغامضة الخطيرة التي انبثقت من فؤاده هي أشياء عظيمة حقا، ولعلها بالضبط ذلك ( الشيء العظيم ) الذي كان يحلم به في طفولته: الخلود، والعذاب من أجل الإنسانية بأسرها. ويتعثر في مشيته، يمتزج في دموعه الهناءة والألم جميعا.

وهذا هو بين عشية وضحاها، وبطرسبورغ المثقفة كلها تعرفه، والضواحي أيضا. ولقد أنقذه كتابه نوعا ما من ضائقته المادية، إذ تناول عنه 500 روبل ما أسرع أن ابتلعتها ديونه العتيقة والجديدة معا. وهذا هو ذات صباح مدين بستمائة روبل. ما العمل؟ " إن المرء ليمل في هذا العالم يا سادة! ما عسى أن يكون المستقبل، يا ترى؟ " إن هذا المجد يشكل في الوقت ذاته الحلقة الأولى في السلسة التي ستقيده إلى العمل الإجباري، والإبداع لن يكون بالنسبة إليه، من الآن فصاعدا إلا واسطة لكسب المال، ودفع الديون، والخلاص من السندات، رغما عن كل محاولاته لإنكار ذلك. ولن يكون كل كتاب جديد إلا رهينة لسلفة مالية تلقاها، فالجنين مرهون للعبودية منذ الحمل به، قبل الحمل أيضا.
وهذا دوستويفسكي قد حبس إلى الأبد ضمن جدران سجن الأدب، ولن يحرره سوى الموت وحده.

ولو أنه كان إنساناً آخر, لو كانت أعصابه أقل إرهاقاً, وحبه للإنسانية أقل عنفاً, فلعله كان يستطيع أن يعيش حياة هادئة, وينتج في جو من الدعة والهدوء. بيد أن شيطانه يدفعه دون هوادة, أو قل هو القدر يقف له بالمرصاد, إن الحياة لا يمكن أن تكون بمثل هذا اليسر, بل إن حياة سهلة على هذا الغرار هي حياة ميتة. أما هو فيجب أن يعرف الحياة حتى أعمق أعماقها.

ما باله؟ إن صالونات بطرسبورغ مفتوحة له, وبيلنسكي لا يدري كيف يكيل المديح له, وتورجنيف يبدي له كل عطف ومحبة, والجميع من حول يرددون كل كلمة تسقط من فمه. بيد أنه يشعر بالضيق, ويدفعه هذا الإحساس إلى الانطواء, والتكبر. إنه يحس أن مكانه ليس ههنا, بين هؤلاء القوم السعداء, الأثرياء الرافلين في أبهى الحلول, غير العارفين كيف يزجون الوقت. إنه غريب بينهم, يهاجمهم خوفاً أن يهاجموه, ولا يفكر طوال الوقت. إلا في الفرار بأسرع وقت والعودة إلى غرفته الصغيرة, السيئة الإنارة, الغاصة بدخان التبغ, المزدحمة بالكتب والأوراق. إن الوحدة هي ملجأه الأوحد.

وإنه ليتخبط في بؤسه ـ هذا البؤس الذي أصبح مركب نقص بالنسبة إليه ـ ويريد أن يتحرر منه. إنه لمقتنع بأنه لا بد في سبيل ذلك من فعل اجتماعي يحرره مع سائر إخوته المعذبين في الأرض, بحيث تمنحه هذه الحرية أخيراً الثقة بالنفس, والإيمان بالمستقبل, واليقين بالقدرة على فعل الخير, هو الذي تضيع عليه فوضى حياته كل خير.

وهكذا ينضم إلى حلقة بتراشيفسكي الثورية, حالماً بتحرر روسيا الأم من القيصرية والعبودية والفقر, ورفع البائسين فيها إلى مستوى إنساني حقاً. وإنه ليقرأ في اجتماعات (( الثوار )) السرية صفحات من الشعراء الروس الكبار, ورسالة بيلنسكي إلى غوغل, ويحرر (( اتهامات )) ضد النظام القائم, بل يكاد أن (( ينزل إلى الشارع حاملاً علماً أحمر)).

وهذا هو ذات صباح موقوف بتهمة التآمر على سلامة القيصر.. وتنطبق عليه جدران زنزانة ضيقة في قلعة بطرس وبولس طوال أربعة أشهر, ثم يصدر عليه مع رفاقه الحكم الصاعق: الإعدام رمياً بالرصاص.

ويخيم الموت بجناحه عليه.. إنه يساق مع تسعة من رفاقه مع خيوط الفجر الأولى, وقد رميت الأكفان على أكتافهم, إلى ساحة سيميونوفسكي حيث يقيدون إلى الأعمدة وتغطى عيونهم. هذه هي آخر مرة يرى فيها نور الحياة, وفي هذه الثانية القصيرة, مع انطلاق الرصاص الغدار, يتركز مصيره كله. إنه يصغي إلى قرار الحكم يتلى عليه, وإلى الطبول تقرع لحن الموت, بيد أن رغبته في الحياة مجتمعة, كل قوتها الجارفة, في تلك البرهة من الانتظار, انتظار الموت, في تلك الهنيهة التافهة من الزمان الذي لا حدود له. ولكن هذا الضابط المكلف بحكم الإعدام يلوح بمنديل أبيض في يده, فتتوقف الطبول عن القرع, ويخيم صمت رهيب على الساحة. أهو صمت الموت؟ كلا, بل هذا قرار الرحمة القيصرية يتلى عليهم, مستبدلاً حكم الإعدام بالأشغال الشاقة في سيبيريا لمدة تسعة أعوام.

وتتلقفه الهاوية. إن ألفا وخمسمائة وتد خشبي تشكل طوال أربع سنوات حدود أفقه, وهو يعد عليها أيام سجنه الباقية. إن رفاقه ههنا ـ وقد كانوا في بطرسبورغ نيكراسوف وبيلسنكي وتوجنيف ـ قتلة ومجرمون ولصوص, وبعض البولونيين الذين يكرهون كل ما هو روسي, هؤلاء جميعاً يمنعون عليه, هو المثقف السجين السياسي, صداقتهم الرخيصة. وإن عمله, هو الذي صنع (( المساكين)), صقل الرخام ونقل الأجر ورفع الثلوج. ههنا ليس له من رفيق سوى الكتاب المقدس, وقد دفعته بين يديه على الطريق إلى سيبيريا محسنة طيبة وفي طياته ورقة من فئة الخمسة وعشرين روبلاً, وليس له أصدقاء سوى كلب جربان ونسر كسير الجناح مثله. وتتوالى عليه نوبات الصرع: (( كنت أشرب الشاي, وأكل أحياناً قطعة اللحم الخاصة بي, وهذا ما أنقذني. وإن انهيار أعصابي قد أدى إلى إصابتي بالصرع. إني أحيا في تهديد دائم من العقاب, والقيود, في خنق دائم للفكر. إلام صارت نفسي, ومعتقداتي, وذكائي, وقلبي؟ ذلك حديث طويل جداً. بيد أن التركز الأبدي في ذاتي من الواقع المرير قد آتى ثماره )). ويبقى هكذا أربع سنين في (( بيت الموتى )) في الجحيم, ضائعاً بين الأخيلة, مجرد رقم ليس غير, قد أنكرت عليه سائر صفات الإنسانية على الإطلاق.

وحين رفعت القيود أخيراً من قدميه, وأدار ظهره إلى تلك الأوتاد, لم يعد الشخص نفسه. لقد ذهب مجده هباء, ولم يعد ثمة من يذكره في بطرسبورغ, كما دمرت صحته, فنوبات الصرع تنتابه على أشد ما يكون. لكن فرحته بالحياة بقيت له, بل زادت تأثراً في جسده الناحل الممروض. ولا تبرح أمامه سنوات أخرى يقضيها في سيبيريا, جندياُ بسيطا بادئ الأمر, ثم ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ, بعيداً عن الجو الأدبي, ممنوعاً من نشر أي مؤلف. ولم يكن البعد عن روسيا عذابه الوحيد, بل إن عوز المال يلاحقه دائماً. ويحب أن يتزوج, لكن الزواج يكلف في حسابه ستمائة روبل. ومن أين له هذا المبلغ؟ ويمد يده, ويستجدي (( إني أتصرف بجيبك فكأنه جيبي, لكن السبب في ذلك جهلي بأوضاعك المالية. إن فيليبوف قد أهداني خمسة وعشرين روبلاً فضة )) . وإنه ليكتب أثناء ذلك, بل ينشر أحياناً بأسماء مستعارة, لكنهم لا يدفعون له كما ينبغي: (( أنا لا أجهل أني أكتب بصورة أسوأ من تورجنيف, وآمل ألا أظل كذلك في المستقبل. ولماذا لا أنال, أنا فقير جداً, سوى مائة روبل عن كل ملزمة مطبوعة, بينما ينال تورجنيف, وهو رجل غني يملك ألفي نفس, أربعمائة روبل عن كل ملزمة؟ إن فقري يجبرني على السرعة أبداً. إني أكتب من أجل المال, وأفسد عملي. بحق اليسوع أنقذني )).

.
.
.
.

يتبـع

َعـذَبـةُ الإحســاس
23-11-06, 01:11 PM
ويعود إلى بطرسبورغ وقد نسيه الناس, وهجره رفاق القلم, وتبعثر أصدقاءه. وفي العاصمة لا بد له أن يعيش, ولا بد من المال في سبيل ذلك. ولذا يجب أن يكتب, أن يشرع القلم, منفساً بذلك في الوقت نفسه عن نشوة الحرية التي تعبئ طاقته العصبية.

ويرسل كتابه عن (( بيت الموتى )), هذه اللوحة الخالدة عن حياة إنسان في سجن الأشغال الشاقة, عاصفة من الحماسة في كل روسيا وينتزعها من لا مبالاتها الناعسة. إن الأمة بأسرها تكتشف أن السطح الساكن الهادئ للعالم الروسي يخفي عالماً آخر, عالماً يكدس كل العذابات الممكنة. ويبلغ لهيب الاتهام حتى الكرملين, فيروح القيصر نفسه ـ ويا للسخرية! ـ يسقي صفحات الكتاب بدموعه. وهذا اسم دستويفسكي من جديد على كل لسان: إن سنة واحدة قد كانت كافية لبعثه, لإرجاع إكليل الغار إلى جبينه أعظم بهاء منه قبلاً. ويؤسس مع أخيه مجلة هو محررها الوحيد تقريباً, فتنال نجاحاً عظيماً. أليس مؤلف (( بيت الموتى )) من ورائها؟ وإنه لينهي رواية في الوقت نفسه. أليس من حقه أن يطمئن الآن, وقد ابتسم القدر له قليلاً, وأصبح مستقبله في أمان كما يبدو, وثروته مؤكدة بعد اليوم؟

ولشد ما كان مخطئاً. إن كل شيء يتهدم وينهار في لحظة واحدة, إذ تمنع المجلة دون سبب, وتموت الزوجة وقد كانت مريضة على الدوام, ويلحق بها الأخ, وهذا الصديق الوفي الناصح الأمين, فتتراكم الديون من جديد, ديونه الخاصة وديون الأخ الراحل, فينحني ظهره تحت وطأة هذه الضربات المتلاحقة وإن ظل يناضل بتلك القوة التي يبعثها اليأس في الإنسان, فيشتغل ليل نهار, يكتب وينسخ بيده كي يقتصد أجرة النسخ في محاولة يائسة لتسديد وإنقاذ شرفه وسمعته.

بيد أن التيار أقوى من أن يستطيع مقاومة له, فيفر إلى أوروبا ورفيقه الوحيد فتاة في العشرين, عدمية العقيدة, قد أعجبت بموهبته وتيم بهواها. وهذا هو تائه في دروب العالم الأوروبي الغريبة, بعيداً عن الوطن الأم حيث تغرق جذوره, ويعذبه الحنين إلى روسيا, الأرض المقدسة, مصدر حياته وينبوع إلهامه, وإن الحاجة لتلاحقه ههنا أيضاً دونما هوادة, تدفعه نحو مائدة القمار حيث يغامر بكل شيء, متحدياً قدره. لكن هيهات أن يواتيه الحظ, فالهوة تحت قدميه لا تزداد إلا اتساعاً.

إنه مجبر على الحياة في بلاد أجنبية لا يحبها، بل يبغضها ويبغض سكانها أيضا، لا يعرف فيها أحدا ولا يعرفه أحد، وحيدا تماما بعدما هجرته عشيقته، محاطا بطغمة من البقالين وأصحاب الدكاكين الألمان الذين لا يفقه كلمة واحدة من حديثهم، مقيما في غرفة حقيرة، طعامه الرئيسي الشاي، وبذلته المهترئة لا يملك بديلا لها، وألبسته الداخلية قذرة لا يملك أن يخلعها، لأنه لا يملك سواها، يقصد المقاهي طلبا للدفء وقراءة الصحف الروسية، أو موائد القمار طلبا ( للمائة ألف فرنك )، يربح حينا ويخسر أحيانا، ويعود دائما في آخر الليل وقد نقصت محفظته بضعة روبلات ما كان أعظم حاجته إليها، أو يقف الساعات الطوال أمام شباك المصرف، ينتظر حوالة مالية كتب من أجلها عشرات رسائل السؤال المهين إلى عشرات الأشخاص الذين لا يردون عليه، أو يذهب إلى محلات الربا، يرهن ساعته أو بعض أثاثه القليل أو ثيابه لقاء دريهمات قليله تقيم أوده، أو تشبع حنينه المحرق إلى الأحمر والأسود.

" لقد كنت أسعد حالا في سيبيريا، في السجن "

وأنه ليشتغل طوال النهار والليل دونما كلل، بينما الصرع يصعقه دونما رحمة، وأحيانا أكثر من مرة واحدة في اليوم، ثم يتركه أياما بكاملها في حالة من الخدر التام، لا يستطيع إلى مجرد الحركة البسيطة سبيلا.

لكنه لا يكاد يحس دبيبا من القوة في جسده حتى يزحف من جديد إلى مكتبه. إن العمل هو خلاصه الوحيد، وهو سبيل العودة إلى الوطن.

إنه يكتب " الجريمة والعقاب" و " الأبله" و " المقامر " و " الأبالسة "، هذه الآثار التي هزت القرن التاسع عشر، ولا تبرح غذاء روحيا غنيا لعشرات الملايين في القرن العشرين.

وأخيرا، في ساعة الحزن الأعظم، تأتيه رحمة الأقدار. إنه في الثانية والخمسين، لكنه قد عانى خلال هذه السنوات القليلة قرونا من العذاب.

ولقد مهدت له كتبه أن يعود إلى وطنه، إذ كسفت تولستوي وتورجنيف، وجعلت عيون روسيا كلها تتجه إليه. إن " مذكرات كاتب " قد جعلت منه رسول بلاده، وهو حاليا يكرس قواه وكل فنه فيما يمكن تسميته وصيته الأخيرة " الإخوة كارامازوف ".

إن البذرة قد أتت ثمارها، ولم تيبس وتمت. ذلك أنها بذرة حية قد ألقيت في تربة خصيبة جدا. ويوم تداعى الكتاب الروس إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد الشاعر الأكبر بوشكين، استقبل الجمهور دوستويفسكي، حين انحنى بوجهه الرمادي المتعب، المحفور بسنوات العذاب الطويل، بعاصفة حادة من التصفيق، بعدما كان استقباله بالأمس لتورجنيف، أول المتحدثين، فاترا نوعا ما. ووقف ينتظر ، وبين أصابعه العقدة أوراق محاضرته، إذ استمر الهتاف طويلا رفع يده يلوح بها بخرقة، طالبا الهدوء، ثم بدأ حديثه بصوت لاهث راح يرتفع شيئا فشيئا حتى سيطر على القاعة الواسعة الأرجاء. من أين واتته القوة، هو العجوز المنهك القوى، على الصراخ بكل هذا العنف من أعلى منبر؟ وأي عنفوان عجيب يكهرب هذا الجسد ويلهب تلك النظرة. إنه يعلن، بواسطة بوشكين، عن الرسالة المقدسة لروسيا، رسالة المصالحة العمومية. وفي الحقيقة من هو بوشكين؟ إن بوشكين هو تجسد الروح القومية مع قابليتها العجيبة لالتقاط عبقريات الشعوب الأخرى. إن بوشكين هو روسيا بكل ما تتضمنه من شمول، فهو اسباني في " دون جوان " وانكليزي في " الحفل أثناء الطاعون " و ألماني في " مقطع من فاوست " وعربي في " محاكاة القرآن " وروسي في " بوريس غودونوف ". ولأن بوشكين هو كل هذا، لأنه يعرف كيف يكون كل هذا، فهو روسي. إن مغزى الإنسان الروسي قبل كل شيء مغزى أوروبي وعالمي، فإن يكون المرء روسيا حقيقيا، أن يكون روسيا كليا، ذلك إنما يعني أن يكون أخا لسائر البشر، إنسانا كليا إذا جاز التعبير. وأن سائر شعوب الغرب القديمة عزيزة على الشعب الروسي الفتي، ولسوف ينقذها، لأنه يظل بفضل سذاجته الرائعة الملجأ الأخير للمسيح " لم لا نكون نحن الذين نحتوي على كلمة المسيح الأخيرة؟".

إن القاعة بأسرها ترتعش تحت انفجار الغبطة المنطلق من الجمهور المستمع، ويخر الرجال ساجدين، وتنحني النسوة على يدي دوستويفسكي يقبلنهما، ويغمى على طالب عند قدميه. ويتنازل بقية الخطباء عن حق الحديث، فليس لهم ما يقولون بعد دوستويفسكي. ومنذ تلك اللحظة الفريدة، أصبح المجد مؤكدا، وتم العمل وتحققت الرسالة. ومن ثم، فقد أينعت الثمرة، فسقطت عنها القشرة، الجافة وكان ذلك في العاشر من شباط عام 1881.

وتتدفق الوفود، التي هزها النبأ الفاجع، من سائر الأنحاء، القريبة منها والبعيدة، ومن داخل الحدود وخارجها، لتقدم إلى الراحل العظيم الواجب الأخير. إن الجميع يريدون أن يشاهدوا الميت الذي أجمعوا على نسيانه طوال حياته، فالشارع الذي سجى جثمانه في أحد منازله يغص بالناس الذين يرتقون سلم البيت المتواضع على مهل، ويتكدسون حول النعش يختلسون إليه النظرة الأخيرة، نظرة الوداع.

وتتلاشى الزهور عن سرير الميت، لقد تخاطفها الناس كأثر ثمين يعتزون به. وتنطفئ الشموع في الغرفة التي أصبح جوها خانقا، ويكاد النعش أن يقع أرضا، فتسنده بوهن الأرملة الثكلى وأولادها اليتامى.

ويريد مدير الشرطة أن يمنع الجنازة العامة، إذ ترامى إليه أن في نية الطلاب أن يسيروا خلف النعش حاملين سلاسل المحكوم بالأشغال الشاقة، لكنه لايجرؤ على مجابهة هذه الحماسة التي لا بد أن تفرض نفسها بقوة السلاح إذا اضطرت. ويتحقق حلم دوستويفسكي لساعة من الزمان على الأقل، حول قبره: اتحاد جميع الروس. إن الألم يذيب في كتلة واحدة مئات ألوف الناس السائرين بقلب وجيع خلف نعشه. إن الأمراء ورجال الإكليروس، والضباط والعمال، والطلاب، والأُجراء، يبكون جميعا، تحت سماء من الأعلام والرايات، الراحل العزيز على قلوبهم جميعا.

" يا أبنائي، لا نًحنِنْ إلى حياة أبدية مقبلة! يا أبنائي .. ما لم نتوصل إلى الخلود على هذه الأرض، فإننا لن نبلغه إذن أبدا.. إن الخلود ههنا، وفي هذا الوقت بالذات .. وثمة لحظات ينبغي الوصول إليها، وهي لحظات من الوجود الأمتع والأسمى، وذلك حين يقف الزمان جامدا، وتذوب كل حياة بشرية في حياتكم الخاصة.. تلك هي لحظات الخلود.. وأن الجنس البشري بكاملة لما يتحرك نحو هذه اللحظة الكاملة، هذه اللحظات الخارجة عن نطاق الزمان. ذلك أن معنى الحياة ليس في استمرار الإنسان من جيل إلى جيل، بل في استحالته من وحش إلى ملك رفيع، من خاطئ إلى قديس! إن الحياة صعود مستمر من المستويات المنخفضة إلى المستويات المرتفعة من الوعي حتى صيرورتها لحظة القديس الأسمى وحقيقة الخاطئ الأبدية، وعندها تنتقل الخليقة بأسرها من الدياجير إلى النور".

.





.



.

َعـذَبـةُ الإحســاس
24-11-06, 02:11 PM
يعطيج العافيه عالمجهود الطيـب



؛

شُكراً لـِ مروركـ أختى الفاضلة ..

الله يعافيك ويسلمكـ من كل شر


؛

َعـذَبـةُ الإحســاس
24-11-06, 02:15 PM
يقول الناقد الروسي ميريجكوفسكي، في معرض حديثه عن دوستويفسكي، ما يلي : " إن تورجنيف وليون تولستوي و دوستويفسكي هم زعماء القصة الروسية الثلاثة. وتورجنيف هو الفنان بكل معنى الكلمة، ههنا تكمن قوته، كما يكمن سر ما يعانيه من ضيق الأفق النسبي. وأن ما يستقيه من ينبوع الجمال من ملذات يصالحه بسهولة عظيمة مع الحياة. لقد سبر روح الطبيعة بصورة أشد عمقا وأعظم نفوذا من دراسته قلب أشباهه من البشر، فهو أقل قدرة من تولستوي و دوستويفسكي على الدراسة السيكولوجية. ولكن أي فهم بالمقابل لحياة الكون بأسره، هذا الكون الذي لا يشكل البشر الفانون إلا جزءا يسيرا منه، وأي نقاء في الخطوط، وأية موسيقى في اللغة. إن من يستسلم طويلا لجاذبية هذا الشعر الرقيق يميل إلى الاعتقاد بأن الحياة ذاتها لم توجد إلا في سبيل هذه الغاية الوحيدة، ألا وهي الاستمتاع بجمالها وفتنتها".

"أما ليون تولستوي فقوة عملاقة بالمقارنة مع الصفر البسيط. إن الانسجام ينقطع هنا، فيزول الاستمتاع التأملي المستبشر الهانئ ولا يبقى سوى الحياة وحدها، بكل عظمتها الفائقة، وكمالها البدائي، وطراوتها المتوحشة قليلا، لكن العاتية في الوقت نفسه. لقد فر هذا الرجل من وجه المجتمع بمحض إرادته، وعزل نفسه عنه طائعا مختارا:

غمرت بالرماد رأسي

وهربت، في أطماري، من المدن العامرة...

" ولكن هذه القسوة في إنكار ثقافة يعود تاريخها إلى آلاف الأعوام ينفع خيال الألم والعذاب، مثله مثل تحجر تورجنيف – هذا السائح في تأمل الطبيعة- نفسا جليديا في وجه الفانين العاديين، وجه أولئك الذين لا ينتسبون إلى زمرة الأنبياء.إن هذين الكاتبين يبتعدان عن الحياة كي يتأملاها، فيلجأ أحدهما على سلام مصنعه كفنان، بينما يعتصم الآخر بقمم الأخلاق المجردة.

" أما دوستويفسكي فأوثق بنا صلة وأقرب منا. لقد عاش فيما بيننا، في مدينتنا الكئيبة الباردة، ولم يخف تعقيدات الوجود الحديث، وقضاياه العضالة، ولم يتهرب من عذاباتنا، ولا من عدوى العصر. إنه يحبنا بكل بساطة، كصديق، كند لنا، ليس من أعماق بعد شعري كتورجنيف، ولا بسمو المبشر مثل تولستوي. إنه ملك لنا بكل أفكاره وبكل عذاباته. " لقد شرب معنا كأسا مشتركة، وهو مثلنا جميعا قد أصيب بالعدوى رغما عن سموه". إن تولستوي يضمر ازدراء عظيما للمجتمع الفكري، " هذه النفاية "، إنه يغذي حقدا شديدا على ضعف الخطاة من أشباهه، إنه ينفر ويخيف باحتقاره، وبالقسوة التي يلجأ إليها كي يدين ما هو باق على قلوب البشر مقدسا في أنظارهم رغما عن كل شيء، دون أي اعتبار لسائر التهجمات عليه، وأن دوستويفسكي ليؤثر فينا أحيانا أكثر مما يفعل الأشخاص من أقاربنا وأصدقائنا الذين نحيا فيما بينهم والذين نحبهم. إنه يجعل من نفسه رفيقا لنا في أمراضنا، شريكا لأفعالنا السيئة والحسنة، وليس ما يجمع البشر مثل العيوب المشتركة. إنه يعرف أفكارنا الأكثر خفاء ويعرف مطامح قلوبنا الأكثر إحراجا. وليس من النادر أن ينتاب القارئ الذعر تجاه معرفته الشاملة، تجاه هذا النفوذ العميق بصورة لا متناهية إلى وجدان الآخرين. وأنك لتلقى عنده بعضا من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. وعندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه رغما عن ذلك، عندما يقول لك" آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك "، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال.

" إن دوستويفسكي يفتقر إلى الانسجام، ينقصه ذلك التناظر القديم في ترتيب الأجزاء – ميراث الجمال البوشكيني- ينقصه كل ما أفعم به مؤلف " الآباء والبنون " من تراث مدهش، كما تعوزه تلك القوة البدائية، تلك الصلة المباشرة مع الطبيعة، التي نجدها عند ليون تولستوي. هذا إنسان خرج حديثا من الحياة، قد تألم لتوه وبكى، ولم تجف الدموع بعد عن أجفانه، كما لا يزال صوته يرتجف ويداه ترتعشان بفعل انفعاله. يجب ألا نقرأ مؤلفات دوستويفسكي، بل يجب أن نعيشها، أن نتلمس عذاباتها كي نفهمها، وعندئذ فإنها لن تغادر ذاكرتنا إلى الأبد!".


.

هنا ينتهي الجزء المنقول من رواية "الجريمة والعقاب"...

َعـذَبـةُ الإحســاس
24-11-06, 02:17 PM
مــن كتاب "الرواية الروسية في القرن التاسع عشر"
تأليف: د. مكارم الغمري
من سلسلة "عالم المعرفة"



دستويفسكي أحد أئمة الرواية الروسية الكلاسيكية، فإنتاجه الروائي يشغل مكانة هامة وخاصة لا في تاريخ الرواية الروسية فقط بل وفي الرواية العالمية أيضا.

تشكل تجاه دستويفسكي إلى الرواية كفن تحت تأثير التجربة الروائية لكل من بوشكين و جوجول، كما أشار الكثير من الباحثين أيضا إلى أهمية رواية كل من بلزاك وجورج صاند و فيكتور هوجو وديكنز بالنسبة لروايات دستويفسكي.

برز دستويفسكي في الساحة الأدبية في أربعينيات القرن الماضي، واتسم إنتاجه الروائي منذ أول رواية له وهي " المساكين بالمنهج الفني الجديد، فنجده يبتعد عن الخط الهجائي المميز لرواية معلمه جوجول الذي كان يجذب اهتمامه وصف الحياة الموضوعية المعيشية بأنماطها المتعددة، واتجه دستويفسكي إلى البحث العميق في نفس أبطاله حيث يعطي الكاتب من خلاله صورة للواقع والحياة "الجارية".

كتب دستويفسكي القصة والرواية، وكانت أشهر رواياته " المساكين ( 1845 )، "المحقرون والمهانون" (1861)، "الجريمة والعقاب" (1866)، "الأبله" (1869)، "الشياطين" (1822)،"المراهق"(1875)،"الإخوة كارامازوف" (1880).

ويعتبر وصف حياة فقراء المدينة من أكثر الموضوعات المحببة عند دستويفسكي الروائي وقد اتجه إلى هذا الموضوع في العديد من رواياته، من ذلك "المساكين" "المحقرون والمهانون"،"الجريمة والعقاب".

ودستويفسكي في تصويره لحياة الفقراء ينحو نحوا جديدا، فهو لا يهتم بتصوير اللوحات المعيشية التي تعكس الفقر والتناقضات الاجتماعية التي تحكم وجود الفقراء قدر اهتمامه بتصوير العالم الروحي والأخلاقي للفقراء، والذي يبرز في ارتباط وثيق بوجودهم المادي، فالمشكلة الاجتماعية للفقر تبرز في روايات دستويفسكي من خلال المشكلة الأخلاقية والنفسية. والعالم الداخلي لفقراء دستويفسكي هو عالم صعب ومعقد، فرغم ما يظهر فيه من غيظ وحنق وأنانية ورغم ما يسيطر عليه من أفكار كاذبة أو وعي مريض، فهو مع ذلك عالم الخير والمشاعر الطاهرة ومبادئ الإنسانية والأخوة والضمير الحي والنفس القادرة على التضحية والمعاناة والتصحيح.

حملت روايات دستويفسكي بصمة الواقع المعاصر، فهي تصور الكثير من أحداثه الجارية ومشاكله الملحة كالجريمة، والركض وراء المال، ووقوع الإنسان ضحية الإغراءات والأفكار الشريرة، والانفصام بين الشخصية والمجتمع وبين الطبقات الحاكمة والشعب، وتفكك وسقوط الركائز العائلية التقليدية وأزمة الحياة الاجتماعية المعاصرة، ومشكلة وجود الإنسان بها وخلافه، كما اهتم دستويفسكي أيضا في ستينات وسبعينات القرن الماضي برسم نمط البطل المفكر ذي العقل المتأمل والاتجاه التحليلي تجاه الواقع، وهو الذي برز في أشهر رواياته "الجريمة والعقاب" و "الإخوة كارامازوف". لكن بطل دستويفسكي هذا – ورغم ما يملكه من إمكانات عقلية وفكرية كبيرة- يظهر فريسة للأفكار الكاذبة المضللة ويبدو بعيدا عن الشعب ولا يشارك في الحركة التحريرية لبلاده مع أن فكره يتيه في البحث عن مخرج من أزمة الحياة، وهذا البطل يسيطر عليه شك عميق تجاه المثل الثورية الاشتراكية والليبراليه. ويتأرجح بين الاتجاهات الفوضوية المدمرة وبين الأفكار الدينية التي تدعو إلى الخنوع.

ورغم أن دستويفسكي حاول أن يربط بين هذا النمط من الأبطال وممثلي الحركة الاشتراكية الثورية وأن يسخر ويشوه بشكل أو بآخر ممثلي هذه الحركة، إلا أن روايات دستويفسكي على الرغم من ذلك اعتبرت ذات أهمية بالنسبة لتطور الحركة الثورية في روسيا، فقد كان هؤلاء الأبطال بمثابة تجسيد للأقلية الصغيرة من شباب الحركة الثورية ممن وقعوا تحت تأثير أفكار ونظريات مضللة، وقد أوضحت الدراسة النقدية للأشكال المختلفة لهذه الحركة عدم صلاحيتها وقوتها المدمرة، ومن ثم اكتسبت رواية دستويفسكي قوة تطهيرية كبيرة، وعلاوة على ذلك فأهمية رواية دستويفسكي ترتبط بسماتها العامة وفي مقدمتها الروح الديمقراطية والإنسانية، فدستويفسكي يرفض في رواياته ويهاجم الشر الاجتماعي ويرسم لوحة مريعة للتناقضات بين الأغنياء والفقراء، ويحدق في ألم وتعاطف في مصير الإنسان البسيط المضطهد من الشعب والذي كان يؤمن به إيمانا كبيرا.

كما حملت روايات دستويفسكي حلما حارا بالتغيير وإيمانا بالبعث وبمستقبل مشرق للوطن بغض النظر عن تصورات الكاتب تجاه سبل التغيير. ورواية دستويفسكي هي أيضا نموذج للرواية الاجتماعية النفسية الفلسفية، فإلى جانب الخط الاجتماعي البارز لروايته نجدها أيضا ذات اتجاهات "أيديولوجية" ونفسية في ذات الوقت، فدستويفسكي المفكر كان يسعى في تصويره للحياة الواقعية إلى فهم القوانين التي تحركها، وكان يحاول النفاذ إلى مغزى المشاكل الجوهرية لتطور الإنسانية، ولذا فإن دستويفسكي يصور مصير شخصياته في ارتباط لا ينفصم بالموضوعات الفلسفية والأخلاقية والدينية التي يطرحها في رواياته والتي يضعها في مركز اهتمامه وبحثه، ويتحدد تبعا لها بنيان الرواية وخصائصها، ولذا نجد أن رواية دستويفسكي تتميز بالديالوج الحار وعنصر الإثارة الشكلية الذي يخفف من حدة اصطدامات الشخصيات ومن الديناميكية المتوترة للأحداث التي تنبع من صراع الشخصيات حول ( نعم ) أو ( لا ) حيال الأفكار الواردة في الرواية والتي ترتبط بكل الأحداث وبكل خطوط المضمون والتي تفسر تصرفات الأبطال أنفسهم. وقد أكسبت ديناميكية الحدث وتوتره رواية دستويفسكي طابعا دراميا، ويتدعم هذا الطابع من جهة أخرى بمأساة وجود الشخصيات وبالمصير التراجيدي للإنسان في ظروف التناقضات القاسية. وأيضا بمأساة وجود آلاف العائلات التي يصرعها التناقض الداخلي ، ودراما الانفصام الداخلي للشخصية. إن دستويفسكي قد قدم حقيقة –كما أشار العديد من النقاد- رواية جديدة أطلق عليها لقب " الرواية المأساوية" أو " الرواية المفجعة".

بالإضافة فإن دستويفسكي – كما أشرنا آنفا- أحد رواد الرواية النفسية، فروايته تتسم بتوتر حاد في إحساسات الشخصية وبدقة في تصوير أفكارها ومشاعرها، وبعمق في النفاذ إلى التناقضات الداخلية للإنسان الذي يتكشف في أكثر لحظات حياته الصعبة ومن خلال صراعات عنيفة مع نفسه وتوتر حاد للرغبات، فبطل دستويفسكي لا يتضح جوهره الداخلي في الحالات النفسية العادية بل وهو في قمة معاناته وفي وقت الاهتزازات الروحية المعذبة. ودستويفسكي المحلل النفسي يستند في تحليله لنفسية أبطاله إلى معيار " الشعبية" فنجده يقارن بين أفكار ومعاناة أبطاله الرئيسيين وبين الوعي الأخلاقي للجماهير الذي يقيس به صحة أو خطأ تصرفات الأبطال، وبالإضافة إلى ما ذكرنا فقد اتسمت روايات دستويفسكي بالعديد من الخصائص الفنية الأخرى التي ارتبطت بمهمة تجسد أفكار الكاتب والتي سنتناولها بإيضاح أكثر عند تحليلنا لأهم روايتين لدستويفسكي وهما: "الجريمة والعقاب" و " الإخوة كارامازوف" وهما الروايتان اللتان تظهر من خلالهما أبرز السمات الفكرية والفنية لروايات دستويفسكي..

.


.



.



يتبـــــــع "الجريمـــة والعقــاب"

شيهانة
25-11-06, 06:28 PM
عذبتنا
متألقة ٌ دائماً أينما حللتِ ...غاليتي
سأحرص على حجز مقعد لي في الصف الأمامي ...لمتابعة موضوعكِ القيم
لكِ مني ...كل الود

إبن دواس
27-11-06, 01:45 PM
يعطيك العافية على هذا المجهود الرائع
بارك الله فيك ياعذبة الإحساس

َعـذَبـةُ الإحســاس
27-11-06, 02:06 PM
عذبتنا
متألقة ٌ دائماً أينما حللتِ ...غاليتي
سأحرص على حجز مقعد لي في الصف الأمامي ...لمتابعة موضوعكِ القيم
لكِ مني ...كل الود

؛

غاليتى شيهــانه ..

مروركـ على الموضوع هو ماجعله قيمـاً ..

دُمت بـِ كل الغلا

؛






عَذبةُ الأحساس

َعـذَبـةُ الإحســاس
27-11-06, 02:11 PM
يعطيك العافية على هذا المجهود الرائع
بارك الله فيك ياعذبة الإحساس


؛

الله يعافيكـ ويرضى عليكـ

شاكرةً تـَ فضلكـ بـِ المرور

؛







عَذبةُ الأحساس

َعـذَبـةُ الإحســاس
28-11-06, 01:45 AM
" الجـــريمة والعقــــاب"


نتناول في هذا الجزء رواية دستويفسكي الشهيرة " الجريمة والعقاب" التي تشغل مكانة هامة في تاريخ الرواية الروسية، وينقسم تحليلنا إلى أربعة مقاطع، سنتناول في المقطع الأول الأفكار الرئيسية في الرواية، أما في المقطع الثاني فسنعرض لأهم الأحداث بها، أما المقطع الثالث فسنكرسه للحديث عن شخصية البطل الرئيسي رسكولينكوف الذي أثار حوله جدلا طويلا والذي يعتبر مفتاحا للكثير من القضايا التي تعرض لها الكاتب في روايته، وسنحاول في هذا المقطع أن نتوقف بالذات عند الدوافع المختلفة التي دفعت به إلى الجريمة، أما المقطع الرابع والأخير فسنخصصه لحديث سريع عن الخصائص الفنية للرواية.



الأفكـــار الرئيسية:


تتطرق " الجريمة والعقاب " لمشكلة حيوية معاصرة ألا وهي الجريمة وعلاقتها بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية للواقع، وهي المشكلة التي اجتذبت اهتمام دستويفسكي في الفترة التي قضاها هو نفسه في أحد المعتقلات حيث اعتقل بتهمة سياسية، وعاش بين المسجونين وتعرف على حياتهم وظروفهم.

وتتركز حبكة الرواية حول جريمة قتل الشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف للمرابية العجوز وشقيقتها والدوافع النفسية والأخلاقية للجريمة.

ولا تظهر " الجريمة والعقاب" كرواية من روايات المغامرات أو الروايات البوليسية، بل هي في الواقع نموذج لكل تأملات الكاتب في واقع الستينات من القرن الماضي بروسيا، وهي الفترة التي تميزت بانكسار نظام القنانة وتطور الرأسمالية، وما ترتب على ذلك من تغيرات جديدة في الواقع الذي ازداد به عدد الجرائم، ولذا نجد الكاتب يهتم اهتماما كبيرا في روايته بإبراز ظروف الواقع الذي تبرز فيه الجريمة كثمرة من ثماره. ومرض من الأمراض الاجتماعية التي تعيشها المدينة الكبيرة بطرسبرج ( ليننجراد حاليا ) وهي المدينة التي أحبها الكاتب وبطله حبا مشوبا بالحزن والأسى على ما تعيشه من تناقضات، ولهذا السبب بالذات نجد الكاتب كثيرا ما يخرج بإحداثه للشارع ليجسد من خلاله حياة الناس البسطاء والمدينة الممتلئة بالسكر والدعارة والآلام.

إن حياة الناس البسطاء أمثال البطل الرئيسي رسكولينكوف وأمه وأخته وعائلة مارميلادوف أحد معارف رسكولينكوف وابنته سونيا، تبدو مظلمة وقاتمة يشوبها اليأس والعذاب والفقر وسقوط الإنسان الذي سُدت أمامه كل السبل حتى لم يعد هناك " طريق آخر يذهب إليه" وهي الكلمات التي ساقها الكاتب في أول الرواية على لسان مارميلادوف في حديثه مع رسكولينكوف.

ويجعل هذا الواقع القاسي من مارميلادوف فريسة للخمر ويدفع بابنته سونيا إلى احتراف الدعارة لإطعام أخوتها الصغار الجائعين، ويجعل زوجته عرضه للجنون، كما يدفع هذا الواقع بالشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف إلى الجريمة ويجعل أخته عرضة للإساءة بالبيوت التي تلتحق بخدمتها، إن شخصيات الرواية تبدو مقسمة إلى مجموعتين تمثلان مواقع اجتماعية متعارضة: مجموعة تمثل الشعب المضغوط الذي يطحنه الفقر والحاجة والحرمان، وتتمثل في كل من رسكولينكوف وسونيا وعائلاتهما، ومجموعة أخرى تمثل أصحاب المال الذين تعطيهم ثروتهم "حق" الإساءة إلى المحتاجين، وفي مقدمة هذه المجموعة تبرز المرابية العجوز الشريرة التي تمتص دماء الناس وتقتص منهم والداعر المجرم سفيرديجالوف التي تمكنه ثروته من الإساءة إلى المعوزين بلا رادع ولا عقاب.

وإلى جانب وصف الواقع المعاصر تطرق الكاتب في الرواية من خلال بطله المجرم غير العادي صريع "الفكرة" على نقد الفكر الاشتراكي والليبرالي المعاصر له وانعكست من خلال ذلك مثل دوستويفسكي العليا ومبادئه ونظرته على سبل التغيير وهو ما سنتناوله بالتفصيل عند حديثنا عن رسكولينكوف. ورغم أن دستويفسكي قد رفض شتى الأفكار التي كانت تنادي بالتغيير إلى أنه قد هاجم بشدة الظلم الاجتماعي والمجتمع الذي تعج فيه بكثرة " المنافي والسجون والمحققون القضائيون والأشغال الشاقة"، كما ندد بظروف الواقع الذي تهدر به كرامة الناس والذي تراق به الدماء " التي كانت تراق مثل الشمبانيا" ، وبالإضافة إلى هذه الموضوعات فقد انعكست في الرواية نظرة الكاتب للجريمة كوسيلة من وسائل الاحتجاج ضد الظلم الاجتماعي، كما تجسد فيها تقييم الكاتب للدوافع المختلفة للجرائم والجذور الاجتماعية والنفسية لها وهو ما سنتناوله بإسهاب عند الحديث عن شخصية البطل الرئيسي.



.



.

.

يتبــــــع (أهم الأحداث بالرواية)

َعـذَبـةُ الإحســاس
28-11-06, 01:52 AM
2- أهم الأحداث بالرواية:



( أ ) الجريمــة:





هاهو الشاب رسكولينكوف يخطط لجريمته المزمعة، أو لتلك " الفكرة" التي تختمر برأسه، وهو يرتب ويعد لها بمهارة ودقة وعناية شديدة،
فهو يقوم بزيارة استطلاعية لمكان الجريمة وهو بيت المرابية العجوز، لكن على ما يبدو لم يكن قد قرر نهائيا في تلك اللحظة تنفيذ الجريمة، وهو ما نعرفه من المونولوج الداخلي للبطل:"يا إلهي إن كل هذا لكريه، أحقيقة، أحقيقة أنا...لا،إنه لهراء، إن هذا لسخف، أحقيقة يمكن لهذا الهول أن يخامر رأسي"

كان رسكولينكوف يشعر في الفترة الأخيرة بالنفور الشديد تجاه شيء، وها هو هذا الشعور يتفاقم وهو في طريقه على بيت المرابية، توجه رسكولينكوف إلى بيت المرابية لزيارتها وليرهن ساعته وبالصدفة –وهو مار بالطريق على بيتها- قابل شقيقتها الوحيدة ليزافيتا التي تعيش معها في نفس الشقة، وفهم من حديث ليزافيتا مع الآخرين أن ليزافيتا لن تكون بالمنزل الساعة السابعة مساء وأن المرابية بالتالي ستكون بمفردها في هذا الوقت، وفي التو راودت رسكولينكوف بشدة فكرة الجريمة، فالفرصة في هذا الوقت ستكون سانحة لتدبيرها وقد لا يكون هناك بديل لهذه الفرصة. وعاد رسكولينكوف إلى حجرته بعد أن صمم على تنفيذ الجريمة "كالمحكوم عليه بالموت" "ولم يكن يفكر في شيء، ولم يستطع على الإطلاق أن يفكر بل أحس بكل كيانه فجأة بأنه لم يعد عنده حرية البصيرة والإرادة وأن كل شيء قد حسم فجأة ونهائيا".

ويصف الكاتب بوم الجريمة بأنه كان ذلك اليوم "الذي قرر كل شيء مرة واحدة، فقد اثر عليه بطريقة آلية، وكما لو كان قد أخذه أحد ما من يده وجذبه خلفه بلا مقاومة، بعناء بقوة غير طبيعية، بلا اعتراضات". قبل أن يتوجه رسكولينكوف إلى بيت المرابية فكر في أن يعرج على مطبخ صاحبة الدار التي يقيم بها ويأخذ من هنالك بلطة، ولكن بالصدفة كانت الخادمة هناك تؤدي عملها فلم يتمكن من ذلك، لكنه وجد عند البواب بفناء المنزل بلطه أسفل المقعد، فأخذها وخبأها في ردائه، وسار على بيت المرابية في خطى هادئة ودون أن يتعجل كي لا يثير الشكوك به، وكان ينظر قليلا إلى المارين محاولا ألا يحدق على الإطلاق في الوجوه، وأن يكون ما أمكن غير ملحوظ.

صعد رسكولينكوف على شقة المرابية، ودق جرس الباب، في البداية لم تجبه العجوز، فقد كانت وحيدة وهي شكاكة بطبعها، وهو يعرف عن عاداتها بعض الشيء، الصق رسكولينكوف أذنيه بالباب وأصغى جيدا فسمع حركة يدها الخفيفة بالباب فأصغى جيدا، وبدا له أنها أيضا بالداخل كانت تنصت غليه، وأخيرا فتحت له العجوز الباب وهي تحدق نحوه بنظراتها الحادة المرتابة، مما جعل رسكولينكوف يقبض على الباب بشدة تجاهه خشية أن تعود فتقفله مرة أخرى، وسمحت له العجوز بالدخول غليها بعد أن أخبرها بأنه ندم لإعطائها بعض الرهن. إلى أن نظرات العجوز الغريبة أثارت خوف رسكولينكوف، الشيء الذي أوقعه في خطأ كلفه الكثير، فقد نسي رسكولينكوف من ورائه الباب مفتوحا.

وقدم رسكولينكوف للعجوز الرهن، فاستدارت عنه بظهرها وهي تحاول أن تفك الرابطة المعلقة برقبتها، وهنا فك رسكولينكوف أزرار ردائه لكي يستل البلطة، لكن يديه صارتا ضعيفتين لدرجة أنه " كان مسموعا له نفسه كيف كانت تنملان وتتخشبان مع كل لحظة".

لكن رسكولينكوف خشي من ضياع اللحظة المواتية، وفجأة وكما لو كانت رأسه بدأت تدور هوى بالبلطة وبكل قواه على رأس العجوز، فصرخت في ضعف ثم خرت صريعة مضرجة في دمائها. وضع رسكولينكوف البلطة على الأرض بجوار القتيلة وزحف إلى جيبها وهو يحاول ألا "يخدش نفسه بالدم المنسكب منها، فقد كان رسكولينكوف في تلك اللحظة في كامل وعيه وتنبهه، لكن يديه كانتا ما تزالان ترتعدان، واستل المفاتيح من جيب العجوز وكانت في ربطة واحدة وجرى بها على حجرة النوم... وبدأ يفتش بين المفاتيح عن المفتاح الذي يفتح الدولاب الذي تخبئ به العجوز الأموال والأشياء الثمينة التي في حوزتها، وهنا انتابه شعور غريب، فقد شك في أن العجوز لم تمت بعد، فألقى بكل شيء وركض غليها للتأكد، وهنا لاحظ على رقبتها الرابطة المعلقة وتمكن بصعوبة من أن يقطعها، وكان بها صليبان سوى حافظة نقود فأخذها ووضعها بجيبه، ثم عاد مرة أخرى على حجرة النوم ليجرب فتح الدولاب، وفجأة سمع ما يوحي بوجود شخص آخر في الحجرة التي كانت ترقد بها العجوز القتيل فهب رسكولينكوف من مكانه وصمت " كالميت" وخيل له في تلك اللحظة أن شخصا ما يصرخ صرخة خفيفة، وهنا وبدافع من الحفاظ على النفس قبض على البلطة وخرج من الحجرة على مكان الصوت فوجد ليزافيتا شقيقة المرابية والتي حسب من قبل عدم وجودها، وجدها واقفة في منتصف الحجرة تتفحص أختها القتيل وهي مأخوذة بدرجة لا توقى معها على الصراخ، لقد عادت ليزافيتا فجأة ودخلت من الباب الذي تركه رسكولينكوف من ورائه مفتوحا طوال وقت الجريمة.

وارتجفت ليزافيتا حين شاهدت رسكولينكوف. وبال إرادة أخذت تتراجع للخلف دون أن تصرخ، وهو رسكولينكوف على ليزافيتا المسكينة وأرداها قتيلة في الحال هي الأخرى، وارتعدت بعدها أوصال رسكولينكوف من شدة الخوف، فقد اضطر إلى جريمة مفاجئة لم يكن قد حسب حسابها، وإنما اضطر إليها اضطرارا، ومن ثم انتابه شعور شديد بالازدراء. لقد خيل لرسكولينكوف أنه قد خطط بمهارة لجريمته، وأنه قد حسب كل صغيرة وكبيرة، لكن الحياة أعقد من أن تُحسب، فهي دائما أوهى من كل حساباتنا.

فكر رسكولينكوف في الهرب سريعا، فقد كان مضطربا وخائفا لدرجة كبيرة أنسته فتح الدولاب الذي كان يحاول فتحه والذي كانت تحتفظ به العجوز بأهم جزء من ثروتها.

أسرع رسكولينكوف على المطبخ بعد أن أقفل الباب وهناك اغتسل وغسل البلطة وعدل من هيئته ثم اتجه على الباب ليهرب سريعا بعد أن اخذ معه حافظة نقود المرابية وبعض الحلي التي وجدها أسفل سريرها، ولكن كانت هناك مفاجأة تنتظره، فبعد أن فتح الباب وهم بالخروج بلغ مسمعه وقع أقدام أشخاص قادمين إلى شقة العجوز فتراجع للخلف وأوصد الباب في هدوء شديد، واضطر رسكولينكوف أن ينتظر بمنزل العجوز فترة حتى يخلو له الطريق إلى الشارع وحتى ينصرف زبائن العجوز الذين انتابتهم الشكوك في أسباب عدم فتحها لهم، وما إن تمكن رسكولينكوف من الخروج من منزل العجوز حتى سار على حجرته وهو في حالة شديدة من الإعياء وكأنه انتابته حمى شديدة، وقبل أن يصل على حجرته أعاد البلطة على مكانها الذي أخذها منه، أما الأشياء والحافظة التي تمكن من أخذها من عند العجوز فقد ألقى بها في كومة في أحد أركان حجرته وخبأها في فتحة خلف ورق الحائط ودون أن تعتريه أي رغبة في مجرد النظر إلى محتوياتها، بل نجده يفكر في إلقائها جميعا والتخلص من آثار الجريمة، ثم قرر بعد ذلك لإبعاد الشبهات عنه أن يحتفظ بها في مكان مهجور أسفل أحد الأحجار الكبيرة.





( ب ) العقــــاب:





بقتل العجوز وأختها ليزافيتا قتل الكاتب بطله وحطمه تاما،

رسكولينكوف نفسه يتساءل بعد الجريمة " وهل قتلت العجوز؟ لقد قتلت نفسي لا العجوز" ودستويفسكي لم يعاقب بطله بتقديمه إلى حبل المشنقة، فقد بدا العقاب القانوني أخف أشكال العقاب التي لقيها رسكولينكوف، أما العقاب الحقيقي فقد كان من داخل البطل نفسه ومن ضميره حيث ثاب إلى رشده عقب الجريمة، فكما يقول رسكولينكوف نفسه " إن من عنده ضميراً فهو الذي يتعذب إذا وعى الغلطة، وهذا هو عقابه".

وإذا نظرنا إلى صفحات الرواية المخصصة لوصف الجريمة فسنجدها أقل بكثير من تلك المخصصة لوصف العقاب، وعقاب البطل هنا عقاب فريد وقاس يختلف عن أي عقاب تقليدي يناله أي مجرم.

لقد بدأ العقاب النفسي للبطل بعد الجريمة مباشرة، فما أن فرغ رسكولينكوف من محو الآثار المادية لجريمته حتى بات صريع شعور جديد غير محدد بدأ يتعمق تدريجيا بداخله، ألا وهو شعور بالنفور تجاه كل شيء وكل شخص يقابله، أما وجوه الناس فقد كانت تبدو له "قبيحة وكذا مشيتهم وحركاتهم".



لقد بدا لرسكولينكوف أنه قد انفصل تماما عن عالم الأحياء، وأنه كما لو كان قد " قطع نفسه بمقص عن الجميع".

كان رسكولينكوف في تجولاته الكثيرة بشوارع المدينة يبدو شارد الفكر، كانت قدماه كثيرا ما تجرانه بلا إرادة، وكما لو كان يسير بفعل قوة خفية إلى مكان الجريمة، ليعود بعد ذلك إلى حجرته فيسقط في حالة من الغيبوبة والتيه، يتراءى لرسكولينكوف خلالها أحلام مفزعة تمتلئ كلها بالعواء والدموع والدم، ويرقد رسكولينكوف أثناء ذلك يهذي بكلام غير مفهوم يبدو معه أمام القلة المحيطة كالمجنون، وإلى جانب كل هذا العذاب بدأ رسكولينكوف بدأ رسكولينكوف يستشعر شعورا جديدا أحس به لأول مرة بعد تمكنه من الهرب بصعوبة من منزل المرابية، ألا وهو شعور الخوف والاضطهاد عند الإنسان المطارد، وهاهو هذا الشعور يتفاقم بعد معرفة رسكولينكوف بمطاردة الشرطة له، فقد فطن رسكولينكوف إلى ملاحقة المحقق القانوني له الذي كان يسترسل معه في أحاديث طويلة، محاولا الإيقاع به والحصول على اعتراف منه، وقد أثارت هذه الأحاديث غيظ رسكولينكوف الذي شاهد بها محاولة مكشوفة لاستدراجه، فهو يقول "إذن هم لا يريدون أن يخفوا أنهم يطاردونني كقطيع كلاب".

وكان شعور الإنسان المطارد يتفاقم لدى رسكولينكوف مع الأيام، وهاهو شخص يظهر من تحت الأرض ويشير إليه " يا قاتل". واقعة غريبة تحدث مع رسكولينكوف وتثير بداخله المخاوف بدرجة تجعل "قدميه تخوران"، وكما لو كان قد تجمد، ففي إحدى المرات التي خرج فيها رسكولينكوف للتجول شاهد البواب وهو يقف أمام حجرته فلفت نظره مشيرا إلى شخص ما طويل الهيئة، وحين سأل رسكولينكوف البواب عن الموضوع أخبره بأن الرجل كان يسأل عنه، وحينئذ اندفع رسكولينكوف في أعقابه حتى لحق به وسار في محاذاته، وسأله رسكولينكوف عما إذا كان يسأل عنه، فلم يجبه الرجل ولم يرد ولم يعره بالا، حينئذ قال له رسكولينكوف غاضبا: "من أنت..ولماذا إذن حضرت... سالت ثم الآن تسكت...نعم...ماذا يكون هذا؟!"

فرد الرجل عليه بصوت هادئ وواضح " يا قاتل"..لقد أخذ رسكولينكوف بهذه الحادثة، وما أن عاد إلى حجرته حتى رقد بلا حراك على الأريكة، وتمدد عليها وهو يتأوه، فما لبث أن غفا في حلم عن أيام طفولته.. ثم تنبه بعد ذلك على صوت وقع أقدام صديقه "رازوميين" ووضع رسكولينكوف يده على رأسه التي كانت تعتصرها الأسئلة: "من هو، من هو هذا الشخص الذي خرج من تحت الأرض؟ أين كان وماذا شاهد؟ لقد شاهد كل شيء، هذا لا شك فيه، أين كان يقف آنذاك ومن أين كان ينظر؟ لماذا يخرج الآن فقط من تحت الأرض؟ وكيف استطاع أن يرى وهل هذا ممكن؟"

ومالبث أن ضعف جسد رسكولينكوف ووهن مرة واحدة، وأحس لدقائق " كما لو كان يهذي: وسقط في مزاج متهيج منفعل".

لقد وضع الكاتب بطله في مواضع مختلفة من الناس المحيطين به وذلك كي يكشف آلامه وعذابه بعد الجريمة، ورد فعل حالته على هؤلاء الناس، وذلك خلال لقاءات رسكولينكوف مع أمه وأخته اللتين قدمتا إلى بطرسبرج بعد الجريمة وصديقه رازوميين ولوجين الذي يرغب في الزواج من أخته دونيا، وسفيرديجالوف الذي كانت تعمل لديه دونيا كمربية والذي نالت من جرائه إهانات، لقد كان أكثر الناس الذين أحسوا بالتغيير الذي طرأ على رسكولينكوف هم أمه وأخته اللتان انتابتهما الحيرة والحزن لما يعانيه رسكولينكوف من عذاب نفسي. أما رسكولينكوف الذي كان من قبل الجريمة يتجنب الأصدقاء والزملاء فقد أصبح الآن بعد الجريمة يحس بالغربة حتى عن أقرب الناس وأحبهم إليه وهو يقول: " أمي وأختي، كم كنت أحبهما فلم الآن أبغضهما، أبغضهما، ولا أستطيع تحملهما قريبا مني".

لقد استطاع رسكولينكوف أن يهرب بضعة أشهر من الحكم القانوني، ولكنه لم يستطع ولو للحظة واحدة منذ قيامه بالجريمة أن يتخلص من شعور الذنب والخطأ وتعذيب الضمير، وقد كان هذا الشعور هو العقاب الحقيقي المؤلم الذي أوقعه الكاتب ببطله، وكان هذا الشعور هو العقاب الحقيقي المؤلم الذي أوقعه الكاتب ببطله، وكان هذا العذاب يحدث عن وعي من جانب البطل، ففي اعتقاد رسكولينكوف أن : " العذاب والألم ضروريان دائما للوعي الواعي والقلب العميق".

وبعد سلسلة طويلة من العذاب والألم اللذين عاشهما وعي وقلب رسكولينكوف، تقدم بعد ذلك طوعا واعترف بجريمته وأدلى بكل الدقة والوضوح بتفاصيل الجريمة، دون أن يشوه أية حقائق في سبيل مصلحته، كما اعترف بالمسروقات وأوصافها، مما بعث حيرة المحققين والأخصائيين الاجتماعيين في تفسير دوافع رسكولينكوف للجريمة، ولاسيما أنه قد اعترف بأنه لم يستخدم النقود التي أخذها من عند المرابية ولم يحاول حتى أن يتعرف على محتويات المسروقات.

وقد دفعت هذه الملابسات إلى اعتقاد بعض المحققين بأن أسباب الجريمة ترجع على "اختلال عقلي مع ميل انحرافي للقتل والسرقة، بلا أهداف مستقبليه أو حسابات للفائدة"

أما رسكولينكوف فقد كان تبريره للجريمة في وقت المحاكمة يرتبط بوضعه المحتاج ورغبته في التدعيم المادي وبناء أولى خطواته في الحياة بنقود المرابية، وأيضا بسبب بعض الطيش بطبعه وصغير شنه. وحكمت المحكمة بعقاب رسكولينكوف بالأشغال الشاقة لمدة ثماني سنوات فقط، وقد كان هذا الحكم مخففا بالنسبة لشخص ارتكب جريمتي قتل مرة واحدة، وقد نطقت المحكمة بهذا الحكم المخفف لأسباب عديدة، فقد أخذت في الاعتبار كل الظروف الذاتية والموضوعية الخاصة بالمجرم، فهو علاوة على تقدمه طوعا للاعتراف في الوقت الذي لم يكن هناك ثمة أدلة مادية ضده، بل على العكس كان هناك شخص مهتز عقليا ونفسيا كان قد تقدم قبل ذلك واعترف بارتكابه لهذه الجريمة، علاوة على ذلك فقد كانت ظروف رسكولينكوف قبل الجريمة قاسية وصعبة بالفعل، وإلى جانب كل ذلك فقد أخذ المحققون برأي أن رسكولينكوف لم يكن في كامل قواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة، فشخص ينسى قفل الباب وقت الجريمة لابد أن يكون في حالة اضطراب غير عادية وبالإضافة إلى كل هذه الظروف والملابسات، فقد قدّم صديق رسكولينكوف إلى المحكمة معلومات وإثباتات تكشف الجانب الإنساني الحسن من رسكولينكوف طالب الجامعة السابق، فقد أعطى بيانات عن رفقاء الجامعة الفقراء الذين كان يساعدهم رسكولينكوف في الوقت الذي كان يرزح هو نفسه تحت وطأة الفقر، كما حكت صاحبة الدار التي كان يسكن لديها عن كيفية تطوع رسكولينكوف بإخراج طفلين من شقة تحترق وكيف نالته حروق من جراء ذلك.



وبعد انقضاء خمسة شهور من محاكمة رسكولينكوف، نقل إلى المنفى في سيبيريا.

َعـذَبـةُ الإحســاس
29-11-06, 03:06 PM
؛

مساؤُكم خير

عُدت إليكم بروابط تحميل الرواية ..

وهى كما ذكرنا من قبل رواية كبيرة تقع في ستةَ عشرَ جُزءاً , ولكنها تستحق الوقت الذى سَيستغرقه التحميل ومن ثمّ القراءة

أراكم بخير


الجزء الأول (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p1.rar)

الجزء الثاني (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p2.rar)

الجزء الثالث (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p3.rar)

الجزء الرابع (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p4.rar)

الجزء الخامس (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p5.rar)

الجزء السادس (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p6.rar)

الجزء السابع (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p7.rar)

الجزء الثامن (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p8.rar)

الجزء التاسع (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p9.rar)

الجزء العاشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p10.rar)

الجزء الحادي عشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p11.rar)

الجزء الثاني عشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p12.rar)

الجزء الثالث عشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p13.rar)

الجزء الرابع عشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p14.rar)

الجزء الخامس عشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p15.rar)

الجزء السادس عشر (http://www.middleeastmall.com/antc/n134.p16.rar)

..

ملاحظه : خالص الشكر والتقدير للأخ المشرف واحد من الناس لمساهمته الكبيره فى نقل الروابط .

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:24 AM
http://img89.imageshack.us/img89/6743/3c444d89bare0.jpg




اغاثا كريستي (1891-1976)

تعتبر اغاثا كريستي اعظم مؤلفة في التاريخ من حيث انتشار كتبها وعدد ما بيع منها من نسخ,وهي بلا جدل اشهر من كتب الروايات البوليسية على مر التاريخ ,وقد ترجمت رواياتها الى معظم لغات العالم, وقارب ما طبع منها بليوني نسخة.
في العام 1891 تولد اغاثا ماري كلاريسا في ديفون لعائلة امريكية تعيش في انجلترا من المستوى المتوسط تعتمد على الاعمال العائلية لمدخولها الشهري امها كلاريسا مارجريت بوشمر وابوها فريدريك الفا ميلر .
تلقت صدمة عنيفة في العام 1901عندما توفي ابوها ليترك الاسرة في ظروف اقتصادية صعبة.
لم تلتحق بالمدرسة بل تلقت تعليمها على يد امها التي كانت تشجعها على الكتابة ,فحينما كانت نزيلة الفراش من المرض سألتها امها "لماذا لا تكتبين قصة" فاجابت مباشرة "ولكنني لا اظن نفسي قادرة على ذلك"قالت لها امها"جربي وسترين".عندئذ كتبت اغاثا اول رواية لها وهي "ثلوج على الصحراء",فلم يقبلها احد من الناشرين.
وتتزوج اغاثا من الكابتن ارشيبالد كريستي في ليلة عيد الكريسمس للعام 1914 . ومع بداية الحرب العالمية الاولى تبدأ بالعمل كممرضة في مستشفيات ديفون ثم في صيدلياتها ومن هنا تبدأ دراستها للعقاقير و السموم لتقدم على اختبار الصيدلة .
في العام 1919 انجبت ابنة سمتها روزا لند .
حسنا لنعد الى العام 1920 لنعرف تفاصيل نشر اول رواية لها والتي كانت رهانا بينها وبين اختها عندما تحدتها اذا كان بامكانها كتابة قصة غامضة لا يمكن التعرف على قاتلها فكلنت الرواية بعنوان :mysterious affair at styles وكان اول ناشر داربودلي -هيد والتي كان يديرها الين لين .وتقدم لنا القصة هيركول بوارو كشخصية محقق بلجيكي وكان اول ظهور له وقد كتبت له لاحقا حوالي ال30 رواية ليصبح من اشهر رجال التحقيق الى جانب شرلوك هولمز .. وفي العام 1922 تنشر روايتها الثانية لتقدم لنا توبنس وتومي بيرسفورد كمحققين من الطبقة العالية .
وفي العام 1923تقوم هي وزوجها برحلة حول العالم لاستكشاف الامبراطورية الانجليزية تضم استراليا وكندا و جنوب افريقيا ونيو زيلندا . وفي العام 1926 تموت امها ويرافق هذا الحدث قيام زوجها بمتابعة اجراءات الطلاق . وفي ال3 من ديسمبر تختفي اغاثا لتظهر بعد 3 اسابيع في فندق هاروجيت وهي تعاني من فقدان الذاكرة وتحت اسم تيرسيا نيلي - اسم المرأة التي اراد ارشي الزواج بها -.
اخيرا وفي العام 1928تتم اجراءات الطلاق وفي هذه السنة ايضا تقدم الانسة ماربل كشخصية جديدة في روايتها القصيرة ( نادي الثلاثاء الليلي ) .
وفي العام 1929 تسافر بقطار الشرق من خلال تركيا الى بغداد وفي العام 1930 تكرر الزيارة الى بغداد لتلتقي بالعالم الاثري ماكس مولوان ولتتزوجه لاحقا وفي نفس العام تقوم بكتابة روايتها (القتل في الكنيسة -مكان القس ) .
كان زواجها من مولوان طريقة لكتابة بعض الروايات حيث سافرت معه الى العراق وسوريا ومصر فكتبت رواياتها((موت على النيل))و((جاؤوا الى بغداد)) و((جريمة في العراق)).

وعندما سافرت على متن قطار الشرق كتبت افضل رواية لها وهي((جريمة في قطار الشرق السريع)).
وتمثل اول مسرحية لها بعنوان القهوة السوداء في مسرح السفارة في اقصى غرب لندن .ايضا نشرت رواية (خبز المارد) تحت اسم مستعار (ماري ويستماكوت ) وهي ليست رواية بوليسية بل ان الروايات الست التي نشرت تحت هذا الاسم كانت جميعها رومانسية .وفي العام 1952يبدأ عرض المسرحية الرائعة فخ الفأر والتي يستمر عرضها الى الان .
وتعد الفترة الزمنية بين العامين 34-55 الفترة الذهبية لانتاج اغاثا وكما يقول بعض النقاد ان الاعمال التي تلت هذه الفترة كانت اقل مستوى من سابقتها .
ومع العام 1955 تتأسس شركة اغاثا كريستي المحدودة لحماية انتاجاتها الكثيرة وواجهت ردة فعل مستنكرة تشكك بمدى واقعية هدفها و هل يحتاج الكاتب حقا الى شركة تحمي اعماله ...؟؟!وفي العام 1956يتم تكريمها من قبل الامبراطورية الانجليزية .وفي العام التالي تصبح رئيسة نادي الاستشفاف .
توفيت في العام 1976وقد طاولت ال85 عاما بعد ان كتبت سيرة حياتها قبيل وفاتها .
هذه باختصار نبذة عن حياة الكاتبة الاميريكية الاكثر شهرة اغاثا كريستي التي خاطبها رئيس وزراء انجلترا قائلا اجد نفسي دائما مسحورا مبهورا بروايات اغاثا كريستي التي تدل على ذكاء خارق ومقدرة مذهلة على الاحتفاظ بسر اللغز حتى نهاية كل رواية ).
وقد تحولت رواياتها التي بيع منها اكثر من الفي مليون نسخة الى افلام سينيمائية ومسلسلات تلفزيونية وبرامج اذاعية وقد اقتبس منها الكتاب الذين جاؤوا بعدها واصبح لها مذهب خاص يسير عليه كل من يرغب في ان يصبح كاتبا بوليسيا .


اشهر الابطال روايات اغاثا كريستي:

1-هيركيول(هرقل) بوارو: "ولدته" اغاثا كريستي في قتها المشهورة"القضية الغامضة في ستايلز" في عام 1920 , واستمر بالظهور في روايات لاحقة لمدة 55 سنة حتى "قتلته" في الرواية المشهورة "الستارة".هو محقق بلجيكي وشرطي متقاعد اهم ما يميزه ذكائه الخارق (الناتج عن "الخلايا الرمادية الصغيرة" في دماغه!) وشارباه العظيمين اللذين ليس لهما مثيل في الدنيا! ويرافقه في تحرياته رفيقه الشهير الكابتن الضابط المتقاعد ,الكابتن هيستنغز,الذي يتميز بطبيعته الطيبة وذكائه المتواضع وحبه الكبير لبوارو.

2-الآنسة جين ماربل:عانس عجوز ذات ذكاء بالغ وادراك عجيب,وتتمتع بقدرة فذة على الملاحظة والتحليل وفهم عميق للنفس البشرية بحيث تكتشف اسرار الجرائم مستفيدة من شبكة واسعة من الاصدقاء والمعارف والعلاقات الاجتماعية الناجحة.

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:31 AM
http://www.daralhayat.com/culture/07-2005/Item-20050720-354bc769-c0a8-10ed-00ed-f4c8c231fb13/Agata_16.jpg_200_-1.jpg


ذات مساء من كانون الأول 1926، اختفت عن الأنظار اغاتا زوجة الكولونيل ارشيبالدكريستي ووالدة الطفلة روزاليند، وحين لم تعد إلى منزلها وبعد أن اكتشف غجري عابرسبيل سيارتها على حافة مستنقع كبير، كتبت الصحافة البريطانية خبراً تصدر الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات مفاده ان "الأديبة اغاتا كريستي في عداد المفقودين". وكانت يومها صاحبة حوالي ست روايات بوليسية اشهرها "قضية ستيل الغامضة" الصادرة عام 1920 وآخرها "جريمة قتل روجيه اكرويد".
بعد عشرة أيام على اختفائها ، تم العثورعلى كريستي او بالأحرى هي التي عادت واعترفت بأنها سافرت الى "مكان مجهول" باسم مستعار (وهو اسم عشيقة زوجها) ثم صرحت بأنها في اوتيل "يوركشاير" لتنهي المسألة. ثمة غموض حول هذا الغياب المفاجئ الذي اعتبره البعض مرتبطاً بأزمة فقدان ذاكرة مؤقت مرت به بعد حادثة عابرة تعرضت لها، واعتبره البعض الآخر حملة إعلانية لا غير، وحملةمرتبة بشكل خفي، ذلك انه وبعد خبر اختفائها وحتى بعد عودتها ازدادت مبيعات كتبهابشكل ملحوظ..
كيف تعيش؟
لكن هذه الحقبة تذكرها بعد حين كريستي في مذكرات لها عام 1946 بعنوان "تعال وقلّ لي كيف تعيش" وقعته حينها باسم اغاتا كريستي مالووان وهو يصدر اليوم في طبعة ثانية وبالفرنسية بعنوان "الروائية وعالم الآثار" ترجمة جان ـ نويل ليو وعن دار "بايو" في باريس. يعيد هذا الكتاب اليوم إلى الأذهان هذه الحقبة المثمرة في حياة الكاتبة حين سحرها الشرق وزارت العراق وسوريا وتركيا.. وقد يفهم القارئ من هذا الكتاب الذي لم يلقَ الأثر الكبير في طبعته الأولى لأنه صدر إبان الحرب العالمية الثانية، ورأت المترجمة ليو ان العودة اليه تحمل في طياتهاتفاصيل كثيرة قد تشير إلى وجه غامض او مستتر للاديبة المشهورة.
بعد عودة اغاتامن غياب العشرة أيام الغامضة وحسب كلامها، عادت الى العمل بسرعة ورسمت شخصية ميس ماربل التي أصبحت اكثر شعبية في شخصية بوارو الشهيرة في كتبها. في تلك الحقبة، تم الانفصال وبعده الطلاق السريع مع زوجها. ونصحها الأصحاب بالسفر لاستعادة عافيتهاالنفسية اذ كانت تشعر بنوع من الإحباط. فاتجهت صوب بغداد حيث التقت عالم الآثارالشهير ليونارد وولي وأوحى لها بالكثير بعد مراقبتها له وهو يقوم بالبحث عن الآثارات. بعد حين زارته في بيته حيث زوجته وتعرفت هناك إلى صديقه عالم الآثارالشاب ماكس مالووان. كانت اغاتا قد بلغت الأربعين عاما في ذلك الحين وكان ماكس يبلغ 24 عاما ومع هذا أغرمت به. وهي تقول هنا: لا اعرف إذا أغرمت به أم بالشرق أم بعلمالآثار؟

لا يهم! فتزوجته وصارت تزور معه كل أمكنة الآثار القديمة في بغدادوسوريا خاصة وكانت سوريا حينها تحت الانتداب الفرنسي، كذلك زارت مصر وتركيا...
ومن هذه الزيارات ومن أثرها على مخيلتها، كتبت كريستي مالووان اعظم كتبها في عالم الجريمة والجاسوسية "جريمة قطار الشرق السريع" عام 1943 و"جريمة في بلاد مابين النهرين" عام 1936 حيث تخيلت وقوع جريمة في مكان مغلق حدده بعض علماء الآثارللقيام بعملهم، وبعدها كتاب "موعد مع الموت" عام 1938، وبعده كتاب "ليس الموت نهاية" كتبته من وحي أمكنة الآثارات في مصر القديمة وأيضا "موعد في بغداد". كتبت هعام 1951.
مدن عربية
هذه الشتاءات التي قضتها كريستي في مدن عربية برفقةزوجها عالم الآثار، انتهت مع حلول الحرب عام 1944، فقطعت كريستي هذه الرحلات، وبقيت سجينة منزلها في لندن تعاني نوعاً من الكآبة والقلق والخوف من الحرب. فجلست تكتب مذكراتها التي نعيد قراءتها اليوم في "الروائية وعالم الآثار"، حيث يطلع منه الى القارئ سحر الشرق الذي ترك أثرا عميقاً في الكاتبة وفي مؤلفاتها، وان هي لم تتطرق الى الموضوع مباشرة في كتاباتها، لكنها تختم المذكرات بتعابير بسيطة ومؤثرة: "اعتقد، قلت لماكس، اننا أمضينا هناك أوقاتا سعيدة لاتنسى".

..

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:32 AM
انواع رواياتها:


1-روايات حتى اذكى الاذكياء لا يعرف من القاتل:اهمها "جريمة في قطار الشرق السريع" و" ثم لم يبق احد".

2-روايات يحلها الشخص اذا كان شديد الذكاء:مثل "خداع المرايا" و"ابزيم الحذاء" و"مقتل روجر اكرويد".

3-روايات يحلها الذكي ودقيق الملاحظة:مثل "خطر في البيت الاخير" و "البيت المائل".

4-روايات يحلها اي شخص(كتبتها في اول مسيرتها):مثل"ذو البدلة البنية".



اهم رواياتها ونبذة سريعة عنهم:

1-جريمة في قطار الشرق السريع:


http://img145.imageshack.us/img145/4342/1866ca5.jpg


تسببت الثلوج المتراكِمة في تعطيل القطار بعد منتصف الليل بقليل.
لقد كان "قطار الشرق السريع" مزدحماً بالركاب، وهو أمر غريب في هذا الوقت من العام. لكن الركاب نقصوا واحداً عند الصباح؛ فقد وُجِد أحدهم مقتولاً في مقصورته وفي جسمه اثنتا عشرة طعنة، وكان باب المقصورة مُقْفَلاً من الداخل!
التوتر يتزايد والحيرة تبلغ غايتها، ولكن بوارو يفاجئ الجميع؛ إنه لا يقدّم حلاً واحداً لهذه الجريمة الغريبة، بل حلّين!


2-مقتل روجر اكرويد:


http://img243.imageshack.us/img243/8830/4751rk7.jpg


لقد عرف روجر أكرويد أكثر مما ينبغي! عرف أن المرأة التي أحبها قد سممت زوجها الراحل، وعرف أن شخصاً ما كان يبتزها. والآن يجيء الخبر الجديد بأن هذه المرأة قد انتحرت.
بريد المساء سيحمل للسيد أكرويد اسم الرجل الذي كان يبتز السيدة المنتحرة، ولكن أكرويد نفسه يُقتل فجأة. بوارو يجد نفسه في وسط الأحداث، فماذا سيصنع؟


3-ثم لم يبق احد:


http://img84.imageshack.us/img84/4762/9948vq5.jpg


عشرة أشخاص لا يجمعهم أي قاسم مشترَك ولا انسجامَ بينهم اجتذبتهم دعوة غامضة إلى جزيرة مقفرة معزولة.
وفجأة خلال تناول العشاء دوّى تسجيلٌ صوتي للمُضيف المجهول متّهِماً كل واحد من الحضور بارتكاب جريمة... ولا يلبث أول المدعوين أن يسقط ميتاً!
التوتر يتعاظم حينما يلاحظ المدعوون أن القاتل ليس إلاّ واحداً منهم وأنه جاهز للضرب من جديد. إنهم يتناقصون واحداً بعد واحد، ثم... لم يبقَ أحد!

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:40 AM
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/sittaford.jpg

في بيت بعيد في منطقة غمرتها الثلوج جلس ستة أشخاص حول طاولة صغيرة يقطعون الوقت بلعبة غريبة، ولكن التوتر خيم على الجلسة حين سمعوا تلك الرسالة الغريبة: "الكابتن تريفيليان ميت... مقتول"!
ولكن الكابتن تريفيليان يسكن على بعد ستة أميال من هذا المكان، فمن الذي سيذهب للاطمئنان عليه وسط تلك الثلوج المتراكمة؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/parker.jpg

أحست السيدة باليأس والأسى، ولكن حياتها انقلبت رأساً على عقب بعدما قرأت في الصحيفة إعلاناً يقول: "هل أنت سعيد؟ إن لم تكن كذلك فعليك باستشارة السيد باركر باين".
مَن هو السيد باركر باين هذا؟ إنه أبعد المحققين ورجال التحري عن المألوف، ولكنه -بالتأكيد- الأكثر تألقاً ونجاحاً وغرابة!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/elephant.jpg

وقف هيركيول بوارو على المنحدر الصخري مشرفاً على الصخور أسفل منه وأمواج البحر تتكسّر عليها.
هنا... حيث يقف... وُجدت جثتا رجلٍ وزوجته. وهنا، قبل ثلاثة أسابيع من ذلك الحادث، مشت امرأة خلال نومها فوقعت عن الصخور ميتة.
لقد مضت على هذه الأحداث أعوام طويلة، فلماذا يسعى أيٌّ كان ليكشف حقيقة ما حدث؟
ولماذا وقعت هذه الأحداث؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/marple.jpg

مع فصل تعريفي بالآنسة ماربل (خاص بالطبعة العربية).
تضم هذه المجموعة ست قصص قصيرة من بطولة الآنسة ماربل وقصتين غريبتين لا تظهر الآنسة ماربل فيهما. وقد نُشرت أكثر هذه القصص في الثلاثينيات في بعض المجلات، ولكنها لم تصدر في كتاب إلا بعد وفاة مؤلفتها بثلاث سنوات.
وقد أضفنا إلى الكتاب تعريفاً بالآنسة ماربل وقريتها التي عاشت فيها، وهذا التعريف خاص بالطبعة العربية، قصدنا به تعريف قرائنا بهذه الشخصية العجيبة التي أحبوها وتابعوا قصصها من قديم.

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/thirdgirl.jpg


ثلاث فتيات يشتركنَ في السكن في شقة صغيرة في لندن. الأولى تعمل سكرتيرة، والثانية تشتغل بالرسم، أما الفتاة الثالثة (التي جاءت إلى بوارو طلباً للمساعدة) فقد اختفت وهي تظنّ نفسها قاتلة!
بعد ذلك يسمع بوارو إشاعات عن مسدسات وسكاكين ودماء، ولكن لا أدلة ولا آثار محسوسة. والآن على بوارو أن يقرر: هل الفتاة مجرمة، أم بريئة، أم مجنونة؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/night.jpg

فدان الغجري" هو اسم البيت الغريب الذي قام هناك بين الأشجار. لقد ارتبط البيت بالأساطير الغريبة، ولكن مايكل لم ير فيه غير موقع عظيم لبناء بيت الأحلام الذي يريد أن يقيم فيه للأبد مع الفتاة التي أحبها.
الحوادث الغريبة بدأت تقع في ذلك المكان. فهل كان على مايكل منذ البداية أن يصغي إلى ذلك التحذير العجيب: "لا حظّ لأولئك الذين يعبثون بفدان الغجري، ولم يكن لهم حظ أبداً من قبل"؟!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/christmas.jpg

إنها ليلة عيد الميلاد... وقد اجتمع أفراد عائلة "لي" بعد طول تفرّق. غير أن هذا الاجتماع ما يلبث أن يتكدّر حين يسمع المجتمعون صوتَ صرخة فظيعة، ثم ما يلبثون أن يعثروا على الرجل وسط بركة من الدماء!
لكن حين يأتي بوارو للتحقيق والبحث لا يجد جوّاً من الحزن... بل من الشك المتبادَل. ثم يكتشف أن كل واحد من الموجودين كان يمتلك سبباً كافياً ليكره الرجل القتيل ويتمنى موته!

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:41 AM
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/mcginty.jpg

قُتلت السيدة ماغنتي بضربة وحشية على رأسها. الشكوك توجهت على الفور إلى المستأجر الشاب الذي يقيم في بيتها: السيد جيمس بنتلي، الذي اكتُشِفت على ملابسه آثارٌ من دماء القتيلة وشعرها.
مع ذلك، يبدو في المسألة شيء ما غير طبيعي: إن بنتلي لا يكاد يبدو قاتلاً.
بوارو مقتنع بأن في وسعه إنقاذ الرجل من المشنقة، ولكن الأمر الغريب أن المتهَم نفسه لا يبدو حريصاً على النجاة!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/death.jpg

إنها مصر قبل أربعة آلاف عام... حيث الموت يعطي المعنى للحياة.
تعود رينيسنب إلى بيت أبيها على ضفاف النيل بعد وفاة زوجها، ولكن... تحت السطح الهادئ لتلك الحياة الأسرية الموسرة يكمن الجشع وتمتلئ النفوس بالطمع والكراهية.
ومع وصُول جارية الأب الجديدة المتكبرة، نوفريت، تتفجر مشاعر الأسرة حقداً ويبدأ القتل...
مالذي سيأتي في النهاية؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/vicarage.jpg

كان الكولونيل ميتاً.
لم يكن في الأمر شك. هناك كان منبطحاً مادّاً ذراعيه على المكتب في وضع مرعب غير طبيعي. استجمعتُ نفسي واتجهت إليه. اليد الباردة التي رفعتها سقطت هامدةً بلا حياة!
المشكلة أنني كنت أقول -قبل ذلك بساعات فقط- إن أي شخص يُقدم على قتل الكولونيل بروثيرو سيقدّم خدمة جليلة للعالم.
وقد فعل أحدهم ذلك... في مكتبي!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/brown.jpg

لقد جاءت آن إلى لندن بحثاً عن المغامرة.
وقد عثرت عليها على الفور... على رصيف قطار الأنفاق في محطة الهايد بارك. هناك، حيث تراجع الرجل النحيل مذعوراً ليسقط على قضبان القطار ويموت بالصعقة الكهربائية.
الشرطة يقولون إن الوفاة حادث، ولكن آن غير مقتنعة. وعلى أية حال: مَن كان الرجل ذو البدلة البنية الذي انكبّ على الجثة لفحصها؟ وما هي تلك الرسالة الغريبة التي سقطت منه وهو يولي هارباً؟
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/paddington.jpg

مّر القطاران متحاذيين، وتباطأ أحد القطارين قليلاً قبل أن يتسارع من جديد. وفي تلك اللحظة الخاطفة التي تحاذت فيها نوافذ القطارين شاهدت إيلسبيث الجريمة. كان الرجل (التي رأت ظهره) يضغط على عنق المرأة بكل قوته، ولم تلبث المرأة أن سقطت ميتة وقد احتقن وجهها. ثم ازدادت سرعة القطار ومضى مختفياً عن الأنظار.
ولكن مَن سيصدق هذه القصة غير الآنسة ماربل؟ وخاصة حين لم توجد أدلة، ولم يوجد شهود، ولم توجد جثة!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/tragedy.jpg

ثلاثة عشر ضيفاً وصلوا إلى بيت الممثل المشهور لحضور حفل عشاء، لكنه كان حفلاً مشؤوماً بالنسبة لواحد منهم؛ فقد اختنق السيد بابينغتن وهو يتناول شرابه، ولم يلبث أن سقط ميتاً.
ولكن حين أُرسلت عينة الشراب المتبقية في الكأس إلى المعمل لفحصها لم يتم العثور على أي أثر للسم. أما الأمر الآخر الذي بدا محّيراً لرجل التحري الشهير فهو أن هذه الجريمة قد بدت بلا دافع يدعو إلى ارتكابها!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/mirrors.jpg

الآنسة ماربل تذهب للعيش في قصر ريفي واسع أُقيم فيه مشروع إصلاحي يضم نحو مئتين من الأحداث المنحرفين الذين يسعى أصحاب المشروع إلى تأهيلهم.
لقد جاءت الآنسة ماربل إلى هذا المكان الغريب استجابةً لطلب واحدة من صديقات دراستها القديمات، بعدما سيطر على هذه الصديقة شعور غريب بالخطر على أختها المقيمة في هذا القصر.
والآن تقع الجريمة. هل هذا هو الخطر الذي كانت تخشاه السيدة فان ريدوك؟ ومالذي ستفعله الآنسة ماربل؟

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:41 AM
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/baghdad.jpg

بغداد هي الموقع الذي وقع عليه الاختيار لعقد اجتماع سري يضم قادة الدول العظمى بعد الحرب العالمية الثانية، غير أن هذه المعلومة تسربت -لسوء الحظ- فوصلت إلى منظمة سرية تسعى إلى إفشال هذه القمة.
تجد فكتوريا جونز نفسَها في وسط هذه الأجواء المتوترة. إنها فتاة جريئة تحب المغامرة، ولكنها تحصل على قدر من المغامرة يفوق كلَّ توقعاتها حين يلفظ عميلٌ سري جريحٌ أنفاسَه الأخيرة في غرفتها بالفندق!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/hound.jpg

مجموعة من الألغاز الغريبة التي لا يبدو لأي منها تفسير منطقي مقبول.
علامة دخانية يشبه شكلُها شكلَ الكلب، وبيت مسكون، وحالة غريبة من حالات انفصام الشخصية، وكابوس يتكرر مرة بعد أخرى، ورسالة غريبة عبر الأثير، وشاب يتعرض لفقدان ذاكرة مفاجئ، ونداء استغاثة غريب...
إذا أردت متابعة هذا الفيض الغريب من الألغاز فتعالَ معنا إلى هذه المجموعة المثيرة من أقاصيص أغاثا كريستي.

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/bigfour.jpg

محاطاً بإطار الباب في غرفة نوم بوارو وقف ضيف غير منتظَر، مغطى من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بالغبار. حدق الرجل بوجهه الناحل المضني للحظة، ثم ترنح وسقط على الأرض.
من كان هذا الرجل؟ أكان يعاني من صدمة أم هو الإجهاد فقط؟ ولكن الأهم من ذلك كله: ماذا كان المقصود بالرقم 4 الذي خُربش بخط سيء على امتداد الصفحة مكرَّراً مرات ومرات؟!
كثير من الأحداث ينتظر بوارو.

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/horse.jpg

لكي يفهم الأحداث الغريبة التي تجري في نُزُل الحصان الأشهب، يعلم مارك إيستربروك أن عليه العودة إلى البدايات... ولكن أين تكمن تلك البدايات بالضبط؟
أفي الضربة الوحشية التي تلقاها الأب غورمان على رأسه؟ أم في زيارته -قبل ذلك بدقائق معدودة- لامرأة على فراش الموت؟ أم أنها في ذلك العنف الذي شهده مارك نفسه في وقت ما قبل ذلك؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/golf.jpg

استدعى نداءُ استغاثة عاجلٌ هيركيول بوارو إلى فرنسا حيث يجد أنه قد وصل متأخراً. لقد تم طعن الرجل الذي استدعاه، المليونير الغامض، ببشاعة حتى الموت... وطُرحت الجثة -بلامبالاة- في قبر مفتوح.
ولكن بوارو يعرف أن الأمور ليست كما تبدو، ويبدأ بحل ألغاز الظروف الغريبة المحيطة بهذه الجريمة المحيّرة. وهكذا يكتشف أن الطريق إلى معرفة هوية القاتل يقبع في ثنايا جريمةٍ ارتُكبت قبل عشرين عاماً من الزمن!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/crooked.jpg

كانت عائلة ليونايدز عائلة كبيرة سعيدة يعيش أفرادها بقناعة في بيت واسع (كثير الزوايا والأشكال المثلثة) في بعض ضواحي لندن الفاخرة. ولكنهم يكتشفون -بعد مقتل أريستايد ليونايدز- أن بينهم قاتلاً...
الشرطة يراقبون ويحققون، ولكن جريمة أخرى تقع أمام أنظار الجميع، ثم يكاد شخص ثالث أن يلقى حتفه. هل أمسك الشرطة القاتل الصحيح؟
"إنها واحدة من أفضل رواياتي...
أغاثا كريستي".

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/shoe.jpg

عُثر على طبيب الأسنان ميتاً وقد أُلقي المسدس على الأرض بجوار يده اليمنى، وبعد ذلك عُثر على أحد مرضاه ميتاً بتأثير جرعة ضخمة من المخدر الذي يستعمله الطبيب. إنه سياق واضح لجريمة قتل ثم انتحار. ولكن، لماذا يقدم الطبيب على قتل مريضه وسط نهار مزدحم بالمواعيد؟!
إبزيم حذاء يحمل المفتاح للحل؛ فهل سينجح بوارو في تجميع الخيوط وحل اللغز؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/flood.jpg

قُتل غوردون كلود في ظروف محزنة -بانفجار قنبلة خلال الغارات الجوية على لندن- بعد أسابيع معدودة من زواجه بأرملة شابة. وبين ليلة وضحاها، وجدت الأرملة نفسها المالكة الوحيدة لثروة عائلة كلود.
بعد ذلك بوقت قصير، يتلقى بوارو زيارة من زوجة أخي المُتوفّى، والتي تزعم أنها تلقت تحذيراً عن طريق "الأرواح" يؤكد أن الزوج السابق للأرملة الشابة ما زال على قيد الحياة!
ما الذي سيفعله بوارو؟

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:42 AM
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/mirror.jpg

الممثلة المشهورة، مارينا غريغ، شهدت جريمة قتل في بيتها الريفي المدعو "غوسينغتن هول".
ولكن ما الذي رأته قبل الحادث مباشرة؟ ما هو الشيء الذي تسبّب في ظهور نظرة من الجمود والرعب على وجهها، تلك النظرة التي لم يرها أحد سوى السيدة دولي بانتري؟
دولي تعرف -بالطبع- الشخص الوحيد الذي يمكنه تفسير ذلك: صديقتها القديمة؛ الآنسة ماربل...

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/folly.jpg

يقيم السير ستَبس وزوجته الليدي في أراضيهما احتفالاً... احتفالاً من نوع مختلف. أريادني أوليفر، الكاتبة المشهورة لقصص التحري، ستنظم الحدث الأساسي في الاحتفال: مسابقة البحث عن المجرم. وهي قد رتبت جميع التفاصيل بعبقريتها المألوفة... لقد أُعِدَّ المشهد للجريمة!
ولكن أريادني أوليفر غير مرتاحة؛ شيءٌ ما غير صحيح. ليتها تعرف ما هو هذا الشيء. إنها تتصل بصديقها القديم، هيركيول بوارو، طلباً للمساعدة...

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/edgware.jpg

لقد كُلِّف بوارو بأغرب مهمة يمكن أن يتخيلها حين تقدمت منه جين ويلكنسون قائلة: "أريد مساعدتك يا سيد بوارو... إنني أريد التخلص من زوجي بأية طريقة"!
ولم يلبث الزوج، اللورد إدجوير، أن قُتل. فما الذي سيفعله بوارو لحل لغز مقتل اللورد؟ لقد أرادت جين ويلكنسون أن تتخلص منه بأية طريقة، وها هو ذا قد قُتل الآن. فمن الذي قتله؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/thirteen.jpg

13 من الألغاز المثيرة تواجهها قدرة الآنسة ماربل الفذة في التحري.
من جريمة قتل وحشية بالسم، إلى الاختفاء الغامض لسبائك الذهب من إحدى السفن... ومن رصيف لوثتْه -بشكل مخيف- بقعُ الدم، إلى موت عنيف خارق للطبيعة... ومن الجريمة التي لم تُرتكب بعد، إلى المجرم الذًي ارتكب جريمته مرتين...
مجموعة من أجود القصص القصيرة للعجوز الظريفة، الآنسة ماربل.

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/finger.jpg

الموت يضرب بصمت...

"أذكرُ أن الرسالة وصلت عند الإفطار. كانت رسالة محلية طُبع العنوان فيها على الآلة الكاتبة. فتحتها قبل الرسائل الأخرى، وفي الداخل كانت كلمات ٌ وأحرف مطبوعة قد قُصَّت ولُصقت على ورقة. حدَّقتُ إلى الكلمات للحظاتٍ دون أن أستوعبها، ثم شهقت...".
في البداية لم تسبّب الرسائل الحاقدة المجهولة إلا الرعب، ولكنها أدّت -من بعدُ- إلى جريمة قتل. والسؤال هو: مَن سيكون الضحية التالية؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/poirot.jpg

ينطلق هيركيول بوارو في أعمال التحري؛ ممسكاً باللصوص... كاشفاً المجرمين... محبطاً محاولة اختطاف... حائلاً دون جريمة وشيكة أن تُرتكب... باحثاً عن أشياء ثمينة مسروقة وأناس مفقودين.
ولكن قد لا ينجح بوارو الشهير في كل المرات. مرة واحدة واجه فيها رجل التحري العظيم الفشل!
16 من أفضل ألغاز بوارو وقصص مغامراته القصيرة.

َعـذَبـةُ الإحســاس
02-12-06, 12:44 AM
http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/pudding.jpg

في البداية تلقى بوارو تحذيراً بالابتعاد عن كعكة العيد... ما هو السر الغريب في تلك الكعكة؟
بعد ذلك يأتي الاكتشاف المثير لجثة في صندوق، ثم جريمة يُتّهَم فيها الشخص الخطأ، ثم تلك القضية الغريبة للميت الذي غيّر عادتَه في تناول الطعام، وأخيراً اللغز الغريب للقتيل الذي رأى حادثة قتله في المنام!
ستة ألغاز محيرة تواجه بوارو، لكنه لن يفشل في حل أي واحد منها.

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/endhouse.jpg

في المرة الأولى تعطلت كوابح سيارة الآنسة باكلي وكادت تفقد حياتها، وفي المرة الثانية نجت بأعجوبة حين هوت صخرة بالقرب منها، وفي المرة الثالثة كاد رأسها أن يتهشّم تحت لوحة ثقيلة.
بوارو يظهر في اللحظة المناسبة حينما تمر رصاصة بالقرب من رأس الآنسة باكلي وتخترق قبعتها، وعندئذ يقرر أن الفتاة بحاجة إلى حمايته.
لقد بدأ بوارو بحلّ لغز الجريمة قبل أن تقع، فهل سينجح في منع وقوعها؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/curtain.jpg

عاد الكابتن هيستنغز إلى قصر "ستايلز" بعد كل هذه السنين ليجد صديقه الحميم بوارو عجوزاً مُقعَداً يتحرك على كرسي ذي عجلات.
بالنسبة للكابتن هيستنغز بدا كلُّ الضيوف في "ستايلز" لطفاء مسالمين، لكن بوارو يقول إن بينهم قاتلاً!
هيستنغز يظن أن بوارو قد فقد قدراته وبات يتخيل الأمور، لكنه يكتشف أن صديقه كان على صواب. لقد رأى هيستنغز البرهان: موت بوارو!

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/sleeping.jpg

أمور غريبة بدأت تحدث مع غويندا بعد انتقالها إلى بيتها الجديد بأمد يسير.
قلق غويندا بدأ يتنامى حين رأت نفسها تعود إلى الماضي مرة بعد أخرى، وزاد من قلقها ذلك الرعب الغامض الذي كانت تحس به كلما همّت بنزول الدرَج إلى الطابق الأرضي.
غويندا تضع مخاوفها بين أيدي الآنسة ماربل، وعلى رأس هذه المخاوف لغز غريب: ذكريات باهتة عن جريمة قتل ارتُكِبت في الماضي البعيد.

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/nemesis.jpg

قرأت الآنسة ماربل الخطاب مرة أخرى. كان خطاباً غريباً من السيد رافائيل الذي مات منذ أيام والذي عرفته الآنسة ماربل قبل سنوات عديدة حين ساعدها في حل لغز جريمة في البحر الكاريبي.
الخطاب يقول إن للآنسة ماربل حاسة لا تخطئ في إدراك الشر وعزيمة لا تعرف التردد في إحقاق العدالة، ويطلب منها التحقيق في جريمة قتل.
لكن الخطاب لا يذكر شيئاً عن الجريمة ولا عن القاتل، فما الذي يمكن لها أن تفعله؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/fraknfurt.jpg

اقتربت منه المرأة بحذر ثم طلبت منه أن يعطيها رداءه وجواز سفره وتذكرة الطائرة لكي تسافر باسمه من فرانكفورت إلى لندن!
كان ستافورد ناي يحسّ بالسأم ويسعى إلى التغيير، ولذلك لم يتردد في الموافقة على هذا الطلب الغريب. لكنه -بعمله هذا- علق في بيت العنكبوت؛ فلم تعد حياته آمنة كما كانت من قبل.
أحداثٌ متشابكة تقوده إلى قلعة قديمة في بافاريا، فهل سيتجرّأ على الدخول إلى الفخ برجليه؟ وماذا سيجد هناك؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/partners.jpg

تومي وتوبنس يعيشان في هدوء، لكن توبنس تتوق إلى المغامرة.
حين كلفتهما إدارة الشرطة بالمسؤولية عن مكتب بلانت للتحريات لم يترددا في قبول المهمة، فقد بدت تلك فرصةً لخوض المغامرات وتحقيق النجاح.
القضية الأولى كانت نجاحاً كبيراً لمكتب التحريات، وكذلك الثانية والثالثة، لكن الأمور لا تسير دائماً على ما يُرام. لقد اقترب تومي وتوبنس من الخطر الحقيقي، فهل ستكتب لهما النجاة؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/bertram.jpg

حينما جاءت الآنسة ماربل إلى لندن لقضاء إجازة خاصة وجدت في فندق بيرترام كل ما تريد: الجو التقليدي والخدمة الراقية وذكريات الأيام القديمة.
لكن حاستها التي لا تخطئ تستشعر جواً من الخطر وراء المظاهر الخارجية البرّاقة للأشياء من حولها!
ما هي العلاقة الخفية التي تربط سلسلة من أعمال العنف والجريمة بتلك الحادثة البسيطة: خروج واحد من صيوف الفندق المحترمين للسفر متأخراً عن موعده؟

http://www.al-ajyal.com/images/uplcovers/innocence.jpg

كان الوقت غسقاً عندما وصل إلى القارب. وقد كان قادراً على الوصول في وقت أبكر من ذلك بكثير، لكنه أجّل الأمر بقدر استطاعته.
وصل الدكتور كالغاري إلى البيت المدعو "صني بوينت" بعد سنتين من تلك الحادثة. لقد قتل جاكو أمه، هذا هو الحكم الذي انتهت إليه المحاكمة التي حكمت عليه بالسجن المؤبَّد، لكنه ما لبث أن مات في سجنه بعد أمد يسير.
لماذا أراد كالغاري أن ينكأ الجرح القديم؟

َعـذَبـةُ الإحســاس
10-12-06, 12:33 AM
طاغور والمثالية الإنسانية



http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/8/89/Rabindranath.png


قال عنه غاندي إنه "منارة الهند". والحق إنه صار منارة للشرق كله، ونداء الإنسانية والمحبة والجمال. كان مبدؤه البساطة والعمل؛ وهكذا فقد أضاء شمعة بدلاً من لعن الظلام، فسطعت وأضاءت في النفوس التوّاقة إلى الحق. لذا، كان ُيعدّ في حياته "أكثر الشعراء صوفية وأكثر الصوفيين شاعرية"؛ وفي ذلك دلالة على ما بلغته نفسه من نقاء وصدق وما وصلت إليه روحه من ارتقاء وحرية.



إنه طاغور الذي سحر الغرب بكتاباته، ثم انتشرت ترجماته في العالم كله، حتى استحق جائزة نوبل للأدب عام 1913. لقد أبدع طاغور على مدى نحو ستين عاماً، فكان معلماً روحياً بالدرجة الأولى، ومجدداً أدبياً واجتماعياً، وفيلسوفاً وروائياً ومسرحياً ورساماً، وقبل ذلك كله شاعراً، كان ينهل من إرث روحي عريق في البنغال، ومن تجربة داخلية عميقة كانت ينبوعاً لا ينضب للإلهام والإبداع.
كان والده من كبار روحانيي البنغال، وكان يعيش في عزلة مستمرة لا يتركها إلا لضرورة الاستمرار وتجدد الحياة. كذا فقد نشأ رابندرانات طاغور في جو من الحساسية والشفافية، وكشفت له زيارتان قام بهما لوالده في الهملايا عن آفاق جديدة وعن تجربة صوفية كان لها أثر كبير في حياته، ويمكن اختصارها بعبارتين: محبة الطبيعة، ومحبة الله.

*** *** ***

ولد شاعر الهند (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%86%D8%AF) والفيلسوف الحكيم عام 1857 فى القسم البنغالى من مدينة كالكتا وتلقى تعليمه فى منزل الأسرة على يد أبيه ديبندرانات وأشقاؤه ومدرس يدعى دفيجندرانات الذى كان عالماً وكاتباً مسرحياً وشاعراً وكذلك درس رياضة الجودو درس طاغور اللغة السنسكريتية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D 8%AA%D9%8A%D8%A9) لغته الأم وآدابها واللغة الإنجليزية ونال جائزة نوبل فى الآداب (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9_%D9%86%D9%88%D8%A8% D9%84_%D9%81%D9%89_%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AF%D8%A7% D8%A8) عام 1913 وأنشأ مدرسة فلسفية معروفة باسم فيسفا بهاراتى أو الجامعة الهندية للتعليم العالى فى عام1918 فى اقليم شانتى نيكتان بغرب البنغال.
وفي الرابعة عشرة من عمره توفيت والدته. واكتشف طاغور في هذا العمر معنى الحب الإنساني عند إحدى قريباته. وفي أحد أيام عام 1883، عرف طاغور في رؤيا أن الحب الإنساني واحد مع حب الطبيعة وحب الله؛ يقول في ذكرياتـه:
كانت الشمس تشرق بتؤدة فوق أوراق الأشجار ؛ وفجأة، بدا وكأن نقاباً انزاح من أمام ناظري. لقد أبصرت العالم كله مغموراً بمجد يفوق الوصف؛ أمواج من الفرح والجمال تومض وتتصادم من كل صوب لم يكن ثمة شيء أو أحد لم أكن أحبه في تلك اللحظة وفي كلية رؤياي لاح لي أنني كنت شاهداً على حركات جسم الإنسانية بأسرها، شاعراً بموسيقى وبإيقاع رقصة سرية.
في العام التالي انتحرت شقيقته، مما سبب له صدمة هائلة. وقاده ذلك إلى محبة الإنسانية جمعاء، بدلاً من التمسك بالحب الفردي والخاص. وتتالت الأحداث المؤلمة في حياته، لكنها كانت تعضد باستمرار روح اللاتعلق عنده. فبين عامي 1902 و 1918، انتزع منه الموت زوجه وثلاثة من أطفاله ووالده. لقد أحس إنه مثل زهرة انتُزِعت بتلاتها واحدة تلو الأخرى، وأصبحت كالثمرة التي سيأتي الموت ليقطفها في كمال نضجها كتقدمة لرب الحياة. ومع ذلك، فقد جعل منه صفاؤه الواسع وضبطه لنفسه وخضوعه أمام الله الذي ورثه من والده، إنساناً نادر العظمة. لم يكن الموت سراً بالنسبة له، ولم يكن ليستدعي الألم. وهكذا، كانت إحدى أغنياته التي استلهمها غاندي منه تقول:
أنا هذا البخور الذي لا يضوع عطره ما لم يُحرق،
أنا هذا القنديل الذي لا يشع ضوؤه ما لم يُشعَل.
كان طاغور يتمتع بموهبة تحويل الألم إلى فرح. وكان يحب الحياة إلى حد أنه أراد ألا يضيع قداستها بالوقوف عند ما تسببه حركتها من شعور بالألم. كانت مهمته مزدوجة: اكتشاف ربه، إله الجمال، في الطبيعة والجسد والفكر والقول والفعل، وتحويل الحياة وتعديلها لتصبح جميلة بكليتها. كتب في الـسادهانا ("تحقيق الحياة"):
أين يمكنني أن ألقاك، إن لم يكن في بيتي الذي أصبح بيتك؟ وأين يمكنني الانضمام إليك، إن لم يكن في عملي الذي صار عملك؟ إذا غادرت بيتي لن أبلغ بيتك… إذا قعدت عن عملي محال عليّ أن أنضم إليك في عملك؛ إذ إنك تقيم فيّ وأنا فيك.
لقد انعكست روحه هذه على مركز التربية شانتي نيكيتان (أو "مرفأ السلام") الذي أسسه عام 1901، فأصبح بؤرة ديناميّة خلاقة لهذا الجمال، حيث تفتح فيه الشعر والرسم والموسيقى والرقص والمسرح والعلوم. لقد حقق طاغور من خلال هذه المدرسة الرؤيا التي عبر عنها في مؤلفه الوحدة المبدعة، حيث تعطي الطبيعة للإنسان معنى التوق إلى اللانهائي. فالإنسان في الطبيعة إنسان حرّ، "ليس في اعتبار الطبيعة كمصدر لتأمين معيشته، بل كينبوع لتحقيق انجذابات روحه إلى ما هو أبعد منه هو نفسه."
لقد فجّرت المعاني السامية للمحبة التي عبر عنها في جيتنجالي أملاً جديداً للإنسانية وهي غارقة في الحرب العالمية الأولى. وعندما كان طاغور يرتقب الموت مريضاً ببصيرة صافية، وكانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت، أعلن في يوم مولده الثمانين:
عندما أجول ببصري من حولي، أقع على أطلال مدنية مغرورة تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث. ومع ذلك فلن أذعن للخطيئة المميتة في فقدان الإيمان بالإنسان؛ بل إنني بالحري سأثبِّت نظري نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه، عندما تنتهي الكارثة ويعود المناخ رائقاً ومتناغماً مع روح الخدمة والتضحية سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان، ذلك الكائن الأبيّ، خطّ مسيرته الظافرة على الرغم من كافة العراقيل، ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.
كانت فلسفة طاغور فلسفة الأمل والثقة بالإنسان، المبنية على تفتح روحه، وتطور وعيه، وتحقيق طاقاته. ولهذا فقد ارتبطت المثالية الإنسانية عند طاغور بالعمل والتطبيق، وكان هو نفسه مثالاً لكل مبدأ أعلنه أو فكرة نادى بها.


المثالية الإنسانية والعالم

قد يصعب علينا أن نحدد بدقة منهجية ما نقصده بالمثالية الإنسانية. يكمن المثال الإنساني فيما نستطيع تحقيقه على صعيد المبادىء الجوهرية للمحبة والمعرفة. فالمثالية هنا هي العمل الدؤوب للارتقاء بالحياة. وفي منظور طاغور فإن استمرار هذا العمل هو الذي يخلق ويهذب الروح المتحررة والنقية. فالأخلاق عند طاغور لا تتقيد بحواجز الشرائع الصارمة، بل هي عمل مبدع يتم على الذات، كما وعلى الأشياء، فيحرر المعاني الكامنة في الطبيعة، ويطلقها إلى ما وراء حدود الخوف والقلق. إن تجلي الجمال الكامن في الكون والإنسان يثبّت حقيقة السلام، لاالصراع، والمحبة، لا البغضاء، والوحدة، لا الكثرة. وهكذا، "ندرك أن الإبداع هو التناغم الأبدي بين المثال اللانهائي للكمال والاستمرارية الأزلية لتحقيقه؛ وبقدر ما لا يكون ثمّ تفريق تام بين المثال الإيجابي والحاجز المادي الذي يعترض اكتماله، يجب علينا ألا نخشى الألم والموت."
يسمي طاغور هذه المثالية بـ"ديانة الشاعر"، لأنها مثالية تفلت من الاعتقادات المتصلبة والطائفية. فهي مرنة وغير محدودة، ولا تريد تقييد اللانهائي وترويضه من أجل مصالحنا، بل تسعى بالحري لمساعدة وعينا على الانعتاق من المادية. وفي حين تُصمّم الأسئلة كلها في العقائد الضيقة بأسلوب محدد، وتُطمأن بالشكوك كلها في النهاية، فإن ديانة الشاعر مثل الهواء الذي يحيط بالأرض، لا تلتزم أبداً بقيادتنا نحو خاتمة محددة، وتكشف في الوقت نفسه أفلاكاً لانهائية من النور لأنها غير محاطة بجدران تحدّها. إنها تختبر أعمال الشر، وتتقبل بانفتاح التعب والمرض والإهانات من العالم، لكنها تذكرنا أن هناك، رغم كل شيء، غناء العندليب الذي لا يعطينا إجابات محددة بل موسيقى تملأ كياننا.
"إنما اللباقة تتويج للأخلاق الحميدة." بهذه العبارة الموجزة والعميقة يختصر طاغور رؤياه للمثالية المطبقة في العالم. فكمال اللباقة يتطلب الصبر وتهذيب النفس وتنظيم الوقت. ذلك أن اللطف الحقيقي إبداع، مثل الرسم والموسيقى. إن هدف اللباقة تجلي الإنسان نفسه. إن تعاملنا مع العالم، مع الإنسان ومع الطبيعة، يعكس لطفنا وذوقنا ومثالنا.
لقد تطورت مدنياتنا خلف الأسوار والحصون، وفصلت الإنسان تدريجياً عن الطبيعة، وباعدت بين الثقافات، الأمر الذي أدى إلى خشية الإنسان من كل ما يقع خارج الحواجز التي بناها. وشيئاً فشيئاً استعاض الإنسان عن اللطف الذي كان يستمدّه من التنوع الطبيعي، والذي يجد صداه في أعماقه، بحب السيطرة على الطبيعة والرغبة بالانتفاع منها فقط، ففقد بذلك الكثير من روح اللباقة والمثالية فيه. ويعطينا طاغور مثالاً على ذلك استخدام الناس لأوعية الوقود الفارغة لنقل الماء؛ فهذه الأوعية العنيفة والخشنة كما يصفها لا تخجل من فظاظتها ولا تهتم لشيء سوى أن تكون نافعة. ومع ذلك، يبرهن أناس كثيرون أن ثمة ما هو أكثر أساسية من الحصول على العيش الرغيد والرفاهية، وأن فيهم مثال الكمال والشعور بالوحدة وفعل التناغم بين الأشياء، وأنهم متناغمون مع ما يحيط بهم، وذلك بلطفهم ولباقتهم.
يمكننا أن ننظر إلى طريقنا في هذا العالم بحسب منظورين: الحواجز التي تفصلنا عن أهدافنا - وعندئذٍ تكون كل خطوة في مسيرتنا أرضاً نكسبها بالقوة والجهاد؛ أو نرى فيه ما يقودنا إلى قدرنا – وفي هذه الحالة يشكل الطريق جزءاً من هدفنا، وما نحققه في سيرنا عليه هو ما يقدمه لنا آنياً. ويعكس ذلك التناغم مع العالم، والعمل فيه على أساس الوحدة معه لا الانفصال عنه. فبالنسبة لطاغور ليست مكوِّنات العالم، كالماء والتراب والثمار، ظواهر فيزيائية نستخدمها ثم نتركها بعد الانتفاع منها، بل هي ضرورية لبلوغ مثال الكمال لأنها لا تخرج عن وحدة الكل.
ليست حقيقة هذا العالم في كتل المادة ولا في عدد الأشياء فيه، بل في صلاتها فيما بينها التي لا نستطيع عدّها وقياسها وتجريدها. إن معرفتنا للعالم هي رؤية التناغم بين أجزائه. فالمادة تجريد، ولن نستطيع فهم ماهيتها أبداً. ذلك أن ما يسترعي انتباهنا دائماً ليس المطبخ، إنما المأدبة، ليس تحليل، العالم بل مكوناته، ليس روابط الوحدة ومعنى الكلية، بل أصناف الأجزاء وأشكالها. كذا فإننا نفقد شيئاً فشيئاً صلتنا مع الحقيقة كلما ابتعدنا في بحثنا عن النجاحات الخارجية عن الروحانية والمعنى العميق الذي يربطنا بالعالم. إن تناولنا للظواهر المادية على هذا النحو يصير مدمراً، إلى أن نفسح للرؤية الكلية وللواء الوحدة والتناغم مكاناً بينها. إن جشعنا للطعام بشع وأناني بحد ذاته، وليس فيه أي اهتمام باللباقة؛ لكننا عندما نُخضِعه لمثال الأخوّة الاجتماعية نتمكن من تنظيمه وجعله مقبولاً، فيصبح عندئذ سروراً يومياً للحياة. كذلك هو الدافع الجنسي في الطبيعة الإنسانية عندما يتحول إلى انفعال ونزوة، فيصير فردياً ومهدِّماً؛ لكنه عندما يُضبط بمثال المحبة، فإنه يتفتح في جمال كامل ليصبح رمز صلة الإنسان مع اللانهائي فيه. وهكذا فإن الوحدة هي التي تتجلى في الكثرة، التي، رغم تبايناتها، تُتِمّ تكشُّف مثال الوحدة فيها. كذا، يجب ألا يكون الفضول العلمي وحده، أو البحث عن مزيد من الطاقات، هما محرض تواصلنا مع الكون، بل الوعي بأن لهذا الكون معنى حيوياً بالنسبة لنا.
ليس الإنسان في جوهره عبداً لنفسه ولا للعالم، بل هو عاشق لهما. فحريته تكمن في المحبة التي ليست سوى تسمية أخرى للفهم الكامل. وبهذه القدرة على الفهم يتحد الكائن مع الروح الذي يتخلل كل شيء. إن معرفة هذه الروح الكلية تستدعي السجود لها بفرح عظيم. فهي الحقيقة الوحيدة التي تجعل كافة الوقائع والمظاهر حقيقية. إن تحقق المثالية الإنسانية لا يتم إلا برؤيا الوحدة التي تجمع الإنسان والعالم.

َعـذَبـةُ الإحســاس
10-12-06, 12:36 AM
معرفة النفس


يتأسس فعل المعرفة على وحدة الأشياء والكائنات. والمعرفة في الجوهر هي معرفة النفس. فما نعرفه عن العالم بمعزل عنا لا يعدو كونه جملة من المعلومات النسبية. إن تفتح وعي الإنسان هو تفتح عالمه الداخلي. "لو كان تفتح الوعي يتم خارج النفس لكان يجب أن يتم بلانهاية. ذلك أن الوقائع متعددة ولانهائية، أما الحقيقة فواحدة." تقول الأوبانيشاد: "اعرف الروح الذي هو روحك." ويفسر طاغور ذلك بقوله: "حقق المبدأ الوحيد والعظيم للوحدة القائم في جميع الناس."
تُعمي رغباتنا الأنانية رؤيتنا الحقيقية للروح. والحق أن النفس لا تجد معناها إلا في التواحد مع الآخر؛ وفي ذلك فرحها أن تجد ذاتها في الآخرين. ومع ذلك فالمحبة أشمل وأوسع من علاقة الفهم الجزئية هذه. فبالمحبة تجتاز الروح حدودها إلى اللانهائي ويختفي معنى الاختلاف تماماً.
"كذا، فإن مفتاح الوعي الكوني، وعي الله، كامن في وعي النفس. ومعرفة النفس بعيداً عن الأنا الضيقة هي الخطوة الأولى باتجاه الانعتاق الأسمى." إن جوهر هذه المعرفة هو المحبة، محبة العالم بما هو واحد معنا، ومحبة الذات بما نحن روح وقبس من اللانهاية. وهذا يعني أننا نستطيع الارتفاع إلى هذه الروح فوق كل رغبة وحقد وخوف، حتى نعلم أن فقدان الأشياء المادية وحتى الموت لا يحرماننا من حقيقة الروح.
إن طاغور لا يطلب منا التخلي عن العالم والانعزال عنه، بل الوصول إلى معناه الأعمق بالتخلص من الأنانية. فطاغور لا يؤمن بالتبشير، ذلك أن المعرفة لاتُحدّ بعقيدة أو طريقة أو منهج. إنما "الحقيقة بلاد لا طرق فيها"، كما يقول كريشنامورتي. إن المعرفة هي العمل على الذات، وتنقيتها المستمرة من الشوائب المترسبة في النفس. "وعندما نجد محور روحنا بالقوة التي توحّد العناصر المتنازعة كلها، تتحول خواطرنا المفكَّكة كلها إلى حكمة، وتجد خلجات قلوبنا كمالها في المحبة، وتنجلي غايات الأبدية في أدق تفاصيل حياتنا. وهكذا فإننا لا نرى الواحد العلوي فينا بالمران أو بالتعليم، بل بالبصيرة المباشرة. يساعدنا الحكماء والمعلمون على فهم أنفسنا وإدراك حقيقة العالم، لكننا نحن من يجب أن يقوم بالعمل العظيم والدؤوب في تنقية نفوسنا حتى يشع النور فينا. إن المعرفة لا تُحصَّل تحصيلاً، ولا تُحقَّق جزءاً فجزءاً، ولو استمر الأمر إلى ما لانهاية. ولهذا يقول طاغور إن أعمق صلاة تصعَّدت من قلب الإنسان كانت: " أيها الواحد المتجلي بذاته، تجلَّ فيّ." إن الخطيئة في نظر طاغور هي تخلي المرء عن كلِّه ليربح جزءاً. وذلك ما يحجب عنا صفاء المعرفة. وعندما تلتقي نهائيّتنا مع اللانهائي تزول الخطيئة، ويتجلى "الواحد المتجلي بذاته" في روحنا.
يقودنا ذلك إلى تناول مسألة الشر في منظور المثالية الإنسانية.


المثالية ومسألة الشر


ليس ثمة شرّ بذاته، فالشر هو جهل ونقص في المعرفة والوعي. إن تعلقنا بالجزء دون الكل يحجب عن بصيرتنا رؤيا وحدة العالم في قلب تعدده وتنوعه وثنائيته. "نحن نرى الشرّ متأصلاً لأننا نعطيه شكلاً ثابتاً، في حين أنه متحرك مع حركة الطبيعة. فحركة الموت والحياة حركة واحدة لا يكون فيها الموت حداً نهائياً." وضمن هذه الحركة الكلية، يتمثل الخير في تنبهنا للتوق العميق فينا ولمعنى وجودنا واتجاهه نحو الوحدة والحقيقة، ويكون الشرّ بالتالي عدم الاهتمام بهذا التوق وإسكاته والانصراف عنه.
إن حرية الإنسان ليست في التحرر من الألم، بل في احتماله وتحويله إلى إيجاب وإلى فرح. ولا يتحقق لنا ذلك "إلا عندما ندرك أن نفوسنا الفردية ليست الحقيقة الأسمى في وجودنا، وأن فينا الإنسان الكوني الخالد الذي لا يخشى الموت والألم، والذي يرى في الألم الوجه الثاني للفرح." هكذا نتعلم أن نحول شعورنا السلبي بالألم إلى ثراء من القوة والحكمة والحب.
إن الخلاص الحقيقي هو الخلاص من الجهل أفِديا. فالجهل هو الذي يجعلنا مقيدين بأنفسنا، فنظن أننا غاية أنفسنا ووجودنا. علينا ألا نستكين للشعور بالنقص أو للأنانية، فنستغل أي شعور بالألم لتعظيم وتمجيد نفوسنا. فنحن بذلك إنما نطبق الشر. إنما الألم هو "العذراء الطاهرة المكرَّسة لخدمة الكمال الخالد، وحين تأخذ مكانها إلى جانب مذبح اللانهاية تنزع نقابها الأسود وتكشف وجهها لرائيها كأعظم تجلّ للفرح العلوي."
يشبّه طاغور حقيقة الألم بالمصباح الذي يحوي الزيت ويحفظه في وعائه المقفل كيلا يضيع. لكن غايته الحقيقية ليست في فصل الزيت وعزله عن الأشياء من حوله وإلا فسيكون مثالاً للتعاسة وللشرّ. ويجد الزيت معناه حين يضيء فيحقق صلته بالأشياء ويصبح حراً بما هو داخل وعاء المصباح. إن نفسنا تشبه هذا المصباح؛ فهي تبقى مظلمة مادامت تدخر ممتلكاتها وتقبع في عزلة أنانيتها. لكنها، إذ تجد نورها، ترفعه وتمدّه لأنه معناها وقد وجدته. كذا فإن الطريق الذي أشار إليه البوذا ليس الزهد في النفس، بل رحابة المحبة والتضحية. فالمحبة هي طريق الاستنارة لأنها الاستنارة. ولهذا فإن من يسلك هذا الطريق لا يسأل لماذا، لأن المحبّ لا يسأل لماذا أحبّ! "لأن المحبة مكتفية بالمحبة…". "إنما بالمحبة الكاملة نكتشف حرية أنفسنا. فوحده ما يتم بمحبة يتم بحرية، مهما كان مؤلماً."
ثمة رغبات فينا نحتاج إلى إشباعها، لكن ثمة أيضاً فينا قانون عضوي كلي يسعى دائماً للحفاظ على صحتنا وتوازننا. وكذلك المجتمع محكوم بالتنافس والصراع، لكن ثمة فيه أيضاً إرادة جمعية أعلى تشده إلى الخير. إن خلاص طبيعتنا العضوية يكون في نيل الصحة، ويكون خلاص كائننا الاجتماعي في نيل الخير، ويتحقق خلاص نفوسنا، بالتالي، في نيل المحبة. إن خلاص نفوسنا يتم بعبورها من الصورة السلبية للحرية الأنانية، المتمثِّلة بالفوضى، إلى الصورة الإيجابية للحرية ممثلة بالوعي والمحبة.


المثالية والتحقيق


تبدو المثالية للوهلة الأولى عصية على التحقيق، ولهذا يعدّها الكثيرون عكس "الواقع" الذي لا يحكمه أي انتظام. والحق إن فهمنا للواقع فهم سطحي غالباً، إذ يقتصر على رؤية المتناقضات دون فهم أصولها، ودون رؤية حركتها الكلية في صيرورة الوجود الغائية.
"إن المتعارضات لا تجلب الشواش إلى العالم، بل التناغم." وتؤيد الفيزياء الحديثة هذه الرؤيا، حيث تولّد المنظومات الشواشية حالات الانتظام الذاتي. إن ما ندركه من إيقاعات في الكون لا يمكن أن ينتج عن مصادفات الصراع، بل إن مبدأه الأساسي هو الوحدة، سرّ الأسرار كلها. وهكذا، كما يتجلى الواحد في التنوع والكثرة، فإن الواقع لا يحقق معناه إلا في مثالية الوحدة.
يختبر الإنسان تحقق هذه المثالية في أشكال بسيطة وكثيرة، ففرحنا بطفل أو بزهرة أو بمحبة الآخر تغمرنا أو بفهم الكون والحياة، كلها مظاهر لتحقُّق آني يفجّر مرّة بعد مرّة توقنا إلى اللامحدود. ومع ذلك، فإننا ننساق أحياناً في بحثنا عن المعرفة وراء القوانين العامة، فنعتقد مثلاً أن قانون الجاذبية يفسّر لنا علاقة الأجسام بعضها ببعض، في حين أن مفهوم الجاذبية نفسه لا يزال غامضاً وبلا تفسير علمي. وكذلك الأمر بالنسبة للتطور؛ فالعبور من مملكة إلى مملكة ومن نوع إلى نوع يدهشنا إلى حدّ ينسينا معه أن مفهوم التطور بذاته لايزال سراً أدق وأعمق. والحق أن مفهومي الجاذبية و التطور يحملان بذاتهما، فيما يتعدى القوانين، رؤيا كلية تجمعنا مع العالم وتوحِّدنا معه في تناغم كلي. إن القوانين تفتح لنا نوافذ على كلية الكون، لكنها، إذا ما وقفنا عندها، تحدّ من فهمنا الأعمق والكلي للظاهرة. فعندما نحلل قصيدة ما نصل إلى قوانين لحنية وإيقاعية وفكرية وشكلية، لكنها ليست القصيدة، ولا ما يصلنا منها ويوحدنا معها. كذلك علينا في تأملنا لقصائد الكون ألا نغرق في تحليلها على حساب تناغمنا وتواحدنا معها. وهذا ما يحصل عندما ينصبّ العلم على دراسة القوانين السببية، فتغيب عنه رؤية المعنى الأعمق لموضوعه بما هو مرتبط به. إن شكل القصيدة كامن في قوانينها ونظمها، لكن روحها كامن في جمالها الذي يحرك روح الجمال فينا. القانون هو الخطوة الأولى نحو الحرية، لكن الجمال هو تحقيق الحرية كاملة، من حيث إن الجمال يناغم في ذاته المحدود واللامحدود، القانون والحرية.

َعـذَبـةُ الإحســاس
10-12-06, 12:44 AM
يتحقق المثال بالنسبة لطاغور بالمحبة والعمل، ويتجلى في الجمال واللانهاية:




آ. التحقيق في المحبة:
المحبة كمال الوعي. وبالتالي، يشير نقص فهمنا إلى عدم كمال محبتنا. فالمحبة هي كل ما يحيط بنا، وليست مجرّد إحساس عاطفي، بل الحقيقة والفرح، أصل كل شيء. فإذا كان وعينا مشوشاً، وكانت محبتنا لا تزال تحبو، فكيف نستقبل هذا العالم ونتناغم معه وهو عطاء كامل من الفرح؟ إن قبول عطاء الحبيب لا يكتمل إذا نظرنا إلى الهدية بمنظور الإفادة. ولكن عندما نأخذ الهديّة كهدف بذاته، ونرى إلى أهميتها بذاتها، فإننا نقبل العطاء على أنه الكل وقد وهب الكل. ذلكم مثال المحبة، أن نعطي بفرح كما أخذنا بفرح، فنعي أن الكون هو نحن، وأننا الكون.

ب. التحقيق في الفعل:
إذا حاولنا تحقيق اللانهائي خارج نطاق الفعل والعمل فلن نصل إلى نتيجة. فالحياة الروحية الحقّة توازِن بهدوء بين الداخل والخارج، فيصبح العمل الخارجي عملاً على الذات؛ وينعكس بالمقابل عملنا على أنفسنا على حياتنا لتصبح أكثر فرحاً ولاتعلقاً وإبداعاً. وهكذا نكرس أي عمل ننجزه لله؛ وهذا يعني تكريس الروح في كل ما تفعل لله، وتلكم هي حريتها. وتولد الغبطة عندما يصبح كل عمل نقوم به طريقاً إلى الاتحاد بالله.
تقول الأوبانيشاد: "إن المعرفة والقدرة والفعل من طبيعته." لكننا لم نصل بعد إلى وعي ذلك وعياً طبيعياً فينا، ولهذا نميل إلى فصل الفرح عن العمل. فالعمل مرتبط عندنا بالحاجة، ولهذا لايكون يوم عملنا يوم فرح، بل يوم تعب، ولهذا يلزمنا يوم راحة وعطلة. وغالباً ما نبحث عن الفرح في هذا اليوم بطرق مختلفة، لكننا لا نبلغ في مسعانا أكثر من الترفيه والتسلية. أما الفرح الحقيقي فلسنا نجده إلا عندما نستطيع أن نجد يوم عطلتنا في يوم عملنا، أي يوم يصبح عملنا مصدر فرح لنا. يقول طاغور:
آه، أيها المعطي لنفسه ! إذ نراك في ملامح فرحك، فهلا استطاعت نفوسنا الطيران بحماس نحوك مثل الشعلة، والجري إليك مثل النهر، والتماس كيانك كله مثل عطر الزهرة؟ ألا أعطنا قوة المحبة؛ أن نحب بامتلاء حياتنا في أفراحها وأتراحها، في نجاحها وفشلها، في ربحها وخسارتها! هلا كانت لنا القدرة أن نرى ونسمع كونك وأن نعمل فيه بكامل حماستنا! أن نحيا الحياة التي أعطيتنا بامتلاء، وأن نأخذ ونعطي بشجاعة.

ج. تحقيق الجمال:
مادام تحقيقنا للجمال والحق ناقصاً سيظل ثمة بالضرورة انقسام بين المعلوم والمجهول. فكما في العلم، يدخل إحساسنا بالجمال كل يوم مواقع لمّا تُكتشَف بعد. لكن الجمال لا يُدرك في جوهره تدريجياً، لأنه ليس مجموعة أجزاء. وهو أيضاً لا يُدرك في الخارج بقدر ما يولد من الداخل. إن الجمال مثل الحقيقة، كلي الحضور، ولهذا فكل شيء في الوجود قادر على إعطائنا الفرح، وكل ما في الوجود يمكن أن يعكس الجمال المشع من أعماقنا.
لا يوجد الخطأ والقبح في نظام الكون، بل في فهمنا وفي طريقتنا السلبية في التعامل مع العالم. نحن من يخلق البشاعة كلما زاد إصرارنا على المضي ضد التناغم الكوني. إن فهمنا الفيزيائي والعلمي للعالم يزيد من تفتح روح الجمال فينا، وإن توقنا إلى المعرفة يؤجج شعلته ويذكيها في قلوبنا. وهكذا إنما نحّول إدراكنا للعالم إلى مشاركة في الخلق والإبداع. "إن هدف حياتنا الأكمل هو معرفة أن الجمال حقيقة؛ إنه الحقيقة الجمال."

د. تحقيق اللانهاية:
إن توقنا إلى اللانهاية، إلى الله، هو وجودنا الحق. ولا يمكننا أن نحوِّل هذا التوق إلى مجرد رغبة، فنمتلكه كما نمتلك الأشياء الجميلة، ونضمه إلى ذخائرنا! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍بل إن هذا التوق، على العكس تماماً، هو الذي يمتلك علينا حياتنا، وإذا حولناه إلى مملوك قتلنا أنفسنا. إن الروح لتزهد بكل ما هو محدود، وتسعى في توقها إلى اللانهائي إلى التحرر من ربقة هذا العالم، وهي بذلك فقط إنما تعبّر عن حقيقتها السامية. إنها مثل الطائر الذي يعرف عندما يحلق في السماء أن السماء بلا حدود وأن جناحيه لا يستطيعان حمله إلى ما وراءها وإلى آفاقها اللانهائية. إنما في ذلك فرحه! فرغم أن السماء تكفيه وتزيد عن حاجته للطيران والتحليق، لكن الضرورة ليست بكافية لتسبب فرحه. إن حاجته إلى الطيران ليست مبعث سروره حين يفرد جناحيه للآفاق البعيدة. ذلك إنه يشعر أن ما لديه أكبر بما لا يحدّ ‍‍‍مما يحتاج أو يفهم! كذلك تحلق روحنا في سماء اللانهاية وهي تشعر أن عدم قدرتها الآنية على الوصول إلى كمال إدراكها يحمل مع ذلك فرحها العلوي وحريتها الأخيرة. كذا يهب الإنسان نفسه إلى اللانهائي، فتكون غبطته أشبه بالقطرة وهي تغيب في المحيط.
الإنسان غير كامل في ظرفه الحالي، لكنه يسعى إلى الكمال. إنه ضئيل في موقفه اليوم، لكنه لو ظل واقفاً حيث هو الآن فإنه سيخلق الجحيم القابل للتخيل الأكثر هولاً. فالإنسان لانهائي، وبقاؤه حيث الضرورة يفقده معناه. لهذا فهو يعرف الله بالحرية والفرح والمحبة. إن العقل ينفصل عن الأشياء ليدركها كراصد لها، في حين يحب القلب الأشياء فيعرفها بالاتحاد معها. ومثل هذه المعرفة المباشرة لا تحتمل الشك، ولا يتم لنا ذلك إلا لأننا فُطِرنا على ما لا يحدّه الزمان والمكان، وجُبِلنا بالوحدة الكاملة لروح اللانهاية.
عندما يتم الاتحاد، يختار الروح الأعلى روحنا عروساً له، فيكتمل الزفاف، وتُنشد الترتيلة الخالدة: "فليكن قلبك وقلبي سواء." ويقول طاغور: "لا مكان في هذا العرس للتطور والمراحل والإرشاد. إنه الحضور الذي لا يُعبّر عنه."

خاتمة
لا تكتمل المثل إلا بتطبيقها، ولا تشعّ المبادىء إلا بتحقيقها. إنما المثالية الإنسانية فعل يشمل كلية الإنسان ووجوده. إنها طاقة الفرح الخلاقة التي تطلق اللامحدود من المحدود، وتكشف عن الوحدة في الكثرة. إنها الروح التي يناديها طاغور: "لقد جعلتني لانهائياً، تلك هي لذّتك." وتتحقق هذه الروح فينا بالمحبة والمعرفة اللتين تشكلان وجهي الوحدة. "إن هذه الوحدة تبحث عن نفسها في الآخرين، ويصبح هذا الفعل عبثاً إذا لم تجعله قوة حقيقته واقعاً حقيقياً. إننا لنجد الفرح الأسمى في المحبة لأنه الحقيقة الأسمى. لهذا قيل في الأوبانيشاد: "إن الوحدة لانهائية وإن الوحدة – محبة"."
أن نعطي للوحدة–اللانهاية - بتناغم الكثرة -، وللوحدة–المحبة - بالتضحية بالذات -، كمالهما، ذلكم هو هدف حياتنا الفردية وغاية مجتمعنا.

*** *** ***

َعـذَبـةُ الإحســاس
05-02-07, 11:11 AM
ومن أرض الهند ، نعود للشرق ، إلى النيل .. وعملاق الأدب


http://www.khayma.com/salehzayadneh/poets/3aqqad/3aqqad.jpg

عباس محمود العقاد
حياته

عندما يكون المرء عملاقاً في قامته، فإنه يلفت اهتمام عيون الناس. وعندما يكون عملاقاً في قدره وثقافته وإبداعه وإحساسه بكرامته، فإنه يلفت قلوب وعقول الناس وكان عباس محمود العقاد عملاقاً في قامته، وفي قدره وثقافته وإبداعه، وإحساسه بكرامته فدخل عيون الناس وقلوبهم وعقولهم.

بدأ العقاد عمله في الصحافة في صحيفة "الدستور" سنة 1907 مع المفكر محمد فريد وجدي. ولم يمض عام على عمله في الصحافة حتى أصبح أول صحافي يجري حواراً مع وزير، هو الزعيم الوطني سعد زغلول، وزير المعارف في ذلك الوقت.

أغلقت "الدستور" عام 1909 واضطر العقاد ، تحت ضغط ظروف الحياة المعيشية، إلى بيع كتبه، إضافة إلى قيامه بإعطاء بعض الطلاب دروساً خصوصية. ولكنه لم يتمكن من مجابهة الأعباء المادية، فاضطر إلى السفر عائداً إلى أسوان، حيث ألف كتاب "خلاصة اليومية" واستقر في أسوان سنتين، وعانى في هذه الفترة من آلام المرض وضيق اليد.

عاد العقاد إلى القاهرة، حيث تعرف إلى عبد القادر المازني، وتوثقت الصلة بينهما عام 1911، وكان الأديب محمد المويلحي، صاحب كتاب "عيسى بن هشام" من المعجبين بكتابات العقاد، فأسند إليه سنة 1912 وظيفة مساعد لكاتب المجلس الأعلى لديوان الأوقاف.

وتعرف خلال تلك الفترة إلى الأدباء والشعراء أمثال عبد العزيز البشري ومصطفى الماحي، وأحمد الكاشف، وكان يكتب مقالات في "البيان" و "الجريدة" وألف كتاب "الإنسان الثاني".

وكتب تلك السنة مقدمة الجزء الثاني من ديوان عبد الرحمن شكري، وكتب فصولاً نقدية في مجلة "عكاظ" كما كتب عام 1918 في صحيفة "الأهالي" لصاحبها عبد القادر حمزة، ونجح العقاد بعد عمله في جريدة "الأهرام" سنة 1919 ، في كشف خداع لجنة ملز وتدليسها من خلال تلاعبها في ترجمة النصوص الخاصة بالحكم الدستوري لمصر، وانضم إلى جماعة "اليد السوداء" المعارضة للحكم، واشترك في كتابة منشوراتها.

وحين أعياه المرض عام 1912 عاد إلى أسوان حيث نشر الجزء الثالث من ديوانه، واشتراك مع المازني 1912 في تأليف كتاب "الديوان في النقد والأدب" كما أصدر كتاب "فصول" وإلى جانب مقالاته في "الأهرام" عمل في صحيفة "المحروسة".

انضمّ إلى حزب الوفد بقيادة سعد زغلول عام 1923، وعمل في صحيفة "البلاغ" ونشر كتابه "مطالعات في الكتب والحياة" ثم إنشق عن الوفد سنة 1933، وأصدر ديوانه "وحي الأربعين" كما أصدر العام ذاته ديوان "هدية الكروان".

وأصدر سنة 1936 صحيفة "الضياء"، لكنها لم تستمر، وكتب في صحيفة "الفتاة" مهاجماً معاهدة 1936، وأصدر عام 1937 ديوان "عابر سبيل" وإنضم إلى عبد القادر حمزة في تحرير جريدة "البلاغ".
ونشر سنة 1938 قصة "سارة" وعام 1939 كتاب "رجعة أبي العلاء". وأصدر كتابين عام 1940 هما "هتلر في الميزان" و "النازية والأديان" وعُيّن عضوا في المجمع اللغوي.

سافر إلى السودان سنة 1942، وأصدر تلك السنة ديوان "أعاصير مغرب" ونشر كتابي "عبقرية محمد" و "عبقرية عمر" وعين عام 1956 عضواً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ومقرراً للجنة الشعر، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1959.




بعضٌ منه هُنا

آه من التراب



- ألقيت بمناسبة وفاة الأديبة مي زيادة -



أين في المحفل "مي" يا صحابْ ؟
عودتنا ها هنا فصل الخطاب
عرشها المنبر مرفوع الجناب
مستجيب حين يُدعى مستجاب
أين في المحفل "مي" يا صحاب ؟
***
سائلوا النخبة من رهط النديّ
أين ميَ ؟ هل علمتم أين الندى مي ؟
الحديث الحلو واللحن الشجي
والجبين الحر والوجه السني
أين ولى كوكباه؟ أين غاب ؟
***
أسف الفن على تلك الفنون
حصدتها، وهي خضراء، السنون
كل ما ضمته منهن المنون
غصصٌ ماهان منها لا يهون
جراحات، ويأس، وعذاب
***
شيم غرّ رضيات عِذاب
وججي ينفذ بالرأي الصواب
وذكاء ألمعي كالشهاب
وجمال قدسي لا يعاب
كل هذا في التراب. آه من هذا التراب
***
كل هذا خالدٌ في صفحات
عطرات في رباها مثمرات
إن ذوت في الروض أوراق النبات
رفرفت أوراقها مزدهرات
وقطفنا من جناها المستطاب
***
من جناها كل حسن نشتهيه
متعه الألباب والأرواح فيه
سائغ ميز من كل شبيه
لم يزل يحسبه من يجتنيه
مفرد المنبت معزول السحاب
***
الأقاليم التي تنميه شتى
كل نبت يانع ينجب نبتا
من لغات طوفت في الأرض حتى
لم تدع في الشرق أو في الغرب سمتا
وحواها كلها اللب العجاب
***
يا لذات اللب من ثروة خصبِ
نير يقبس من حس وقلبِ
بين مرعى من ذوي الألباب رحبِ
وغنى فيه، وجود مستحبِ
كلما جاد ازدهى حسنا وطاب
***
طلعه الناضر من شعر ونثر
كرحيق النحل في مطلع فجر
قابل النور على شاطئ نهر
فله في العين سحر أي سحر
وصدى في كل نفس وجواب
***
حي "مياً" إن من شيّع ميا
منصفاً حيا اللسان العربيا
وجزى حواء حقاً سرمديا
وجزى ميا جزاء أريحيا
للذي أسدت إلى أم الكتاب (1)
***



(1) أم الكتاب هي اللغة العربية

َعـذَبـةُ الإحســاس
06-02-07, 10:53 AM
؛


وما زال بعضهُ هُنـــا ..



يا كتبي !!

يا كتبي أشكو ولا أغضبُ ... ما أنتِ من يسمع أو يعتب
يا كتبي أورثتني حسرة ... هيهات لا تنسى ولا تذهب
يا كتبي ألبست جلدى الضنى ... لم يغن عنّي جلدك المذهب
كم ليلة سودا قضّيتها ... سهران حتى أدبر الكوكب
كأنني ألمح تحت الدجى ... جماجم الموتى بدت تخطب(1)
والناس إما غارق في الكرى ... أو غارق في كأسه يشرب
أو عاشق وافاه معشوقه ... فنال في دنياه ما يرغب
أو سادر يحلم في ليله ... بيومه الماضي وما يعقب
ينتفع المرء بما يقتني ... وأنت لا جدوى ولا مأرب
إلا الأحاديث وإلا المنى ... وخبرة احبها متعبُ



(1) الكتب في الغالب موتى يتكلمون فإذا قرأت فيها فكأنك تصغي إلى جماجم تتكلم.






المرأة والخداع

خلِّ الملام فليس يثنيها ... حب الخداع طبيعة فيها
هو سترها ، وطلاء زينتها ... ورياضة للنفس تحييها
وسلاحها فيما تكيد به ... من يصطفيها أو يعاديها
وهو انتقام الضعف ينقذها ... من طول ذل بات يشقيها
أنت الملوم إذا أردت لها ... ما لم يُرده قضاء باريها
خنها ! ولا تخلص لها أبداً ... تخلص إلى أغلى غواليها !

َعـذَبـةُ الإحســاس
12-02-07, 10:19 PM
معاركه السياسية

خاض العقاد العديد من المعارك الفكرية والسياسية بشجاعة وقلم لا يرتجف، ومن أهم المعارك السياسية التي خاضها، عندما كان عضواً في البرلمان، دفاعه عن الدستور وحملته على من يحاولون النيل من حقوق الشعب، وقال آنذاك: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدي عليه" وكان يقصد بأكبر رأس، رأس الملك فؤاد، ولذلك قدّم إلى المحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، وحُكم عليه في آب سنة 1933 بالسجن مدة تسعة شهور.

إنشق العقاد سنة 1933 عن حزب "الوفد" وحمل على وزارة توفيق نسيم، التي كان من المفترض أن تعيد الدستور وتمهد لوزارة وفدية يرأسها مصطفى النحاس، وكان يرى أن هذه الوزارة تعمل لحساب "السراي" الملك فؤاد، تارة ولحساب الإنجليزية طوراً.

كما حارب العقاد الفاشية والنازية في قمة انتصارهما، وتوقع لهما الزوال وفي عهد الزعيم الوطني سعد زغلول لم يُطلب منه الكف عن الكتابة أو تخفيف الحملات ضد خصومه.

ولم يكن العقاد يساق في خصوماته السياسية إلى الحد الذي يُنسيه واجب الخلق ويصرفه عن المثل العليا، فالعقاد السياسي رجل أخلاق قبل كل شيء. وللأخلاق أثر كبير في حياته السياسية والأدبية.

قامت زوبعة في البرلمان ضد كتاب "الشعر الجاهلي" وصاحبه الدكتور طه حسين، الذي كان من خصوم العقاد السياسيين، وكان حزب الوفد هو صاحب هذه الحملة، وكان من المنتظر أن ينضم العقاد إلى حزب الوفد في حملته بوصفه من الأعضاء الوفديين في البرلمان، لكن العقاد دافع عن حرية الرأي وإعطاء الحرية للأديب ليكتب ما يشاء، وتحولت الحملة لصالح صاحب الكتاب نسبياً، وحوّل الكتاب إلى لجنة من أديبين كبيرين لفحصه وتقديم تقرير عنه، فقام العقاد مرة ثانية ليقول:


"إن أعضاء اللجنة لا يبلغون شأو مؤلف الكتاب".

وكانت معاركه الأدبية أيضاً ساخنة. فقد هاجم شعر أحمد شوقي في الوقت الذي كان شوقي ملء الأسماع، يردد الناس أشعاره بشغف لما فيها من جمال وصور وموسيقى، وكانت أشد معاركه الأدبية مع مصطفى صادق الرافعي، فقد استمرت هذه المعركة طويلاً، وكان كل واحد منهما يتربص بالآخر، وقد هاجم العقاد ، الرافعي في كتابه "الديوان".

وكان من الطبيعي أن يرد الرافعي على العقاد وينتقد شعره ويتهمه بالجمود والضعف والركاكة.





كل الناس إلا عباس

ويقول العقاد: إن الأمهات كن يقلن لأولادهن حين يقتربون للعب معه: "امزح مع من شئت يا بني، ولكن: "كل الناس ولا عباس".

لكن العقاد في حقيقته كان ساخراً، ويضحك من قلبه للنكتة إذا ألقاها غيره، ويعلق بقفشات ظريفة. وكان له الكثير من الشعر الخفيف والزجل أيضاً. ومن أشعاره الساخرة، حين ولدت كلبة أحد أصدقائه، قوله محيياً المولود الجديد:


أعلني يا فلَوْرَةُ الأفراحا ... واملئي الأرض والسماءَ نباحاً
ماحبا الدهر بنت كلب بأعلى ... من ذراريك نصرةً ولقاحاً

ومات كلب العقاد "بيجو"، فهجاه قائلاً بسخرية ظريفة، رغم حزنه الشديد:


بيجو

حزناً على بيجو تفيض الدموعْ
حزناً على بيجو تثور الضلوع
حزناً عليه جهدَ ما أستطيع
وإن حزناً بعد ذاك الوَلوع
والله –يابيجو- لحزن وجيع
***
حزناً عليه كلما لاح لي
بالليل في ناحية المنزل
مسامري حيناً ومستقبلي
وسابقي حيناً إلى مدخلي
كأنه يعلم وقت الرجوع
***
وكلما داريت إحدى التحفْ
أخشى عليها من يديه التلف
ثم تنبهت وبي من أسف
ألا يصيب اليوم منها الهدف ...
ذلك خير من فؤاد صديع
***
حزني عليه كلما عزني
صدق ذوي الألباب والألسن
وكلما فوجئت في مأمني
وكلما اطمأننت في مسكني
مستغنياً. أو غانيا بالقنوع
***
وكلما ناديته ناسياً:
بيجو! ولم أبصر به آتيا
مداعباً مبتهجاً صاغياً...
قد أصبح البيت إذن خاويا
لا من صدى فيه ولا من سميع

َعـذَبـةُ الإحســاس
18-02-07, 11:40 AM
متعدد القدرات

لم يكتسب العقاد مكانته الأدبية من جاه ، ولا من وظيفة، أو من لقب علمي، حيث لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية، وقد رفض أن تمنحه الجامعة الدكتوراه قائلا: "من هذا الذي يستطيع أن يمنح العقاد الدكتوراه؟". وكان يقول باستمرار "إن واجب الأدب العربي المعاصر أن يتطور بأدبنا في ضوء الآداب الغربية حتى يخرج به من عالمه التقليدي بقيوده وأغلاله اللفظية والمعنوية إلى عالم حر فسيح، تندفع فيه أمتنا العربية اندفاعاً إلى حرية التفكير والتعبير".

وانفتحت له أبواب الأدب العربي والآداب الغربية على مصاريعها، ونفذ من كل ذلك إلى صورة أدبية عربية جديدة، كما يقول الدكتور شوقي ضيف. وترجم العقاد لطائفة من أعلام العروبة ورجال الإسلام، وابتغى من ترجمته لهم أن ينصفهم وأن يوفيهم حقهم من الثناء والإعجاب، كما ابتغى أن يتخذ الشباب منهم المثال والقدوة الحسنة فيترسموا خطواتهم ويمضوا على نهجهم ويزدادوا صلابة في دينهم وقوميتهم وعروبتهم. وقد جعلته هاتان الغايتان لا يُعنى في أكثر الأمر بسيرة من ترجم لهم، بل بتحليل شخصياتهم الإنسانية، وأن يُعنى بنواحي الكمال في تلك الشخصيات.

وعبقريات العقاد ليست سيراً بالمعنى التاريخي المألوف وإنما هي صور وتشخص الملكات والأخلاق، ولذلك قلما احتفل فيها بالأحداث والوقائع، وحتى أرقام السنوات التي ولد فيها أصحاب العبقرية وتوفوا قلما وقف عندها لأنه لا وزن لها في الصورة التي قصد بها إلى رسم المزايا والخصائص الخلقية والنفسية والإنسانية للعبقرية.

إن عبقرية الإمام علي جديرة بأن نعرفها اليوم فقد حللها المؤلف النابغة تحليلاً دقيقاً. وعرضها في بلاغة وقوة عرضاً يقف القراء على مالها من قيم عالية، وما كان يدين به رضي الله عنه من مبادئ الحق والفضيلة والإصلاح.




حاطم الأصنام

أنا حاطم الأصنام والقبب ... ألحقت منها الرأس بالذنبِ
في أمة الألقاب أسبقهم ... سعياً بلا نعت ولا لقب
في أمة الأموال أتركهم ... بعدي بلا مال ولا نشب
في أمة الأنساب أنشئ لي ... نسباً من العلياء والأدب
عجباً، وقل ما شئت من عجبٍ ... إني شبيهك أنك في عجبي
هب تلكم الأصنام واهبة ... لي غفوها يأساً من الغضب
أتظن عابدهن مغتفراً ... صلواته في غابر الحقب؟

َعـذَبـةُ الإحســاس
18-02-07, 11:45 AM
العملاق العاشق

كان العقاد عاطفياً جداً، لكنه لم يوفق في حبه، ولم يصادف المرأة التي تصون هذه العظمة الفكرية، فشاء القدر أن يحجب عنه القلب الوفي, رغم أنه كان يقول: إنه يتمنى أن يعرف ألف امرأة ويعشقها.

أحب العقاد سارة ومي في وقت واحد، وكانت مي أديبة مفوهة، وكان أسلوبها البلاغي فريداً، وطباعها شرقية، ولعل هذا التميز في شخصيتها هو أول ما جذب انتباه العقاد لها، حين رآها لأول مرة في مجلة "المحروسة" وكان عمره لا يزيد على سبعة وعشرين عاماً وكانت مي لا تتجاوز الحادية والعشرين.

وكتبت ميّ في إحدى رسائلها إلى العقاد: حينما أرسل لها بعض قصائده "إعجابي بقصيدتك البليغة في معناها ومبناها فاق كل إعجاب، وقد اغتبطت بها غبطة لا حد لها، واحتفظت بها في مكان أمين بين أوراقي خوفاً عليها من الضياع، إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة، وحسبي أن أقول لك إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان، بل نني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك فيها في دار "المحروسة" إن الحياء منعني، وقد ظننت أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك، والآن عرفت شعورك وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران".

كانت مي تحبه ، ولم تكن تعلم شيئاً عن حبه لسارة، والتي كانت مثالاً للأنوثة الدافئة، ناعمة رقيقة لا يشغل رأسها إلا الاهتمام بجمالها وإن كانت تهتم أيضاً بالثقافة، وقد ملأت سارة حياة العقاد سروراً ومرحاً، وكان للأيام السعيدة التي قضاها معها أثر كبير في أدبه، إلا أن شبح الشك الرهيب بدأ يكشر عن أنيابه ويعكر صفو تلك العلاقة حتى انتهت، وقد أصبحت قصة الحب هذه عنواناً لقصته الوحيدة.

وعندما شعرت مي بأن هناك شبح امرأة في حياة العقاد زارته على حين غرة في مكتبه، وهي الزيارة الأولى والأخيرة فرحب بها وأبدى استغرابه لزيارتها المفاجئة وابتهاجه بسؤالها عنه، وأنصت لها، فقالت بعد فترة وصوتها يتهدج "لست زائرة ولا سائلة". ونظرت إليه كمن يستحلفه بأن لا يتكلم وانحدرت من عينيها دمعتان، فما تمالك نفسه وتناول يدها ورفعها إلى فمه يريد تقبيلها فمنعته، ولم تكف عن النظر إليه، ثم استجمعت عزمها ونهضت منصرفة وهي تتمتم هامسة "دع يدي ودعني".

وأبرم العقاد هدنة مع قلبه، ولكن الحب عاد في العقد الخامس من عمر العقاد وانتهك هذه الهدنة، ووقع العقاد أسيراً للحب مرة أخرى.

وكانت الحبيبة هذه الفترة فتاة سمراء دعجاء العينين أحبت العقاد، وكان يخشى على قلبه من شبابها، ولم تكن تعرف هنومة، قيمة العقاد، ولم يقبل المحب الكبير المشاركة في الحب، فهو لا يمكن أن يكون واحداً ضمن عشرات من الناس الذين يحبونها أو تحبهم، هنومة ، تلك أصبحت ممثلة مشهورة معروفة، ومازالت تعيش حتى الآن.

نهل العقاد من شؤون المرأة أكثر من غيره وخصص لدراستها أربعة كتب هي: الإنسان الثاني أو المرأة عام 1912، "وهذه الشجرة" دراسة شاملة عن المرأة عام 1945". و"المرأة في القرآن" عام 1960، و "المرأة ذلك اللغز". كما خصص كتابين لشخصيتين من النساء أولاهما: " الصديقة بنت الصديق" عام 1934، عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وثانيتهما "فاطمة الزهراء والفاطميون"، عام 1938، أما " سارة" فهي قصته الوحيدة، وهي تاريخ أدبي للمرأة.





صورة الحبيب

كملت صنعة (المصوّر) فيه ... وتحدّته صنعة الرسام
وجلت طلعةً من الظل إلا ... إنها النور كوكبي الوَسام
هي نورٌ من السماء وظلٌّ ... وارفٌ للجمال والالهام
آمنٌ فيه حسنُه وصباه ... من حؤول السنينَ والأيام
ما أحيلى ابتسامة فيه تبقى ... وعزيز جداً بقاءُ ابتسام
***
ايه يا صورة الحبيب ألمي ... وأنيري ليالي المستَهام
أنت كالطيف بيد أنك طيف ... ليس يسري إلى جفون النيام
وتضنين بالكلام علينا ... ربّ طيف قضى حقوق السلام
فلعل السكوت منك شبيه ... بتناجي الأرواح والأفهام
قد يطول السكوت بين حبيـ ... بـين وقلباهما نجيّا غرام
صادك النور لا كما صاد طيفاً ... في شباك الكرى رسول الظلام




طلب صورة

أولنيِ(1) منك صورةً مثلما صوَّ ... رت نفسي لديك في أشعاري
أتعزى بها إذا غلب الشو ... ق وحال النوى وقلّ اصطباري
آه لو يقرب البعيد وآه ... لو تداني البعيد من أو طاري
أأقاسي بعدين: بعداً من اليأ ... س ، على قربكم، وبعد الديار؟
إن في واحد لما يحطم القلــ ... ــب ويغري المنون بالأعمار
يا حبيبي هل يكون حبيباً ... من بلائي بحبه واشتهاري
برد القلب من ذخول(2) الأعادي ... وفؤادي من الأحباب واري(3)
كن قريباً أو كن بعيداً فما أنـ ... ــت على الحالتين بالمختار
فرضَ البعيدَ والعلوَّ عليكم ... مَن قضى بالعلوِّ للأقمار


(1) أي امنحني
(2) الذحول جمع ذحل وهو الثأر
(3) متقد



اعتراف

قل للمليحة مالها ... غضبى تحرمني الرقاد
تنسى وتجهل قدرها ... في القلب ، وهو لها مهاد
هذا اعترافي يا مليحـ ... ــة فاغفري ذنبي المعاد
أنا إن خدعتك فاعلمي ... ان الخداع إلى نفاد
فخدي الحقيقة كلها ... مني، على رغم السداد (1)
قلبي، فداك، القلب بيـ ... ـن يديك مسلوب القياد
فاطغي عليه واحكمي ... حكم المليك على العباد
أنت الأعز من الحيا ... ة ، وما الحياة بلا وداد؟
بخلت ببعض مرادها ... ومنحتني كل المراد
***
هذا اعترافي يا مليحة ليس ينقص أو يزاد
حصني أبوح بسره ... لك، وهو مرفوع العماد
وأرك كل مقاتلي ... وأخون نفسي في الجهاد
***
وإذا جفوتك مرة ... والغيظ يلعب بالرشاد
وهواك يغلبني فلا ... أدري الوصال من البعاد
قولي: "فؤادك لي أنا" ... "هيهات مالك من فؤاد!"
"أنا ان اردت أعدته ... أو لا أريد فلا معاد"
"فاحفظ غضابك أو رضا ... ك لما ملكت من العتاد"
" وأنا المليكة ها هنا ... حكمي يسود ولا يساد"




في البعد والقرب

لن يطيب يوما لن يطيبا ... هنْ عليّ اليوم أن كنت حبيبا
لا تكن ناراً من الشوق ولا ... دمعةً حرى، ولا قلباً كئيباً
لا تكن صحراء في البعد وقد ... كنت لي في القرب بستاناً رطيبا
إن تغيب شمساً فأوصِ النوم بي ... قبل أن تعرض عني أو تغيبا
***
يا حبيبي – بل فكن ما كنت لي ... صانك الله بعيداً وقريبا
واجعل الأنس نصيبي فإذا ... غبت عني فاجعل السهد نصيبا
كن نعيماً وعذاباً ومُنى ... تملأ النفس ، وحرمانا مذيبا
هكذا الحب دواليك فمن ... لم يكنه، لم يكن قط حبيبا

َعـذَبـةُ الإحســاس
18-02-07, 11:50 AM
فلسفة حياة

كان العقاد فيلسوفاً صاحب رأي ورؤية في كل أمور الحياة، ويقول عن الحب: "الحب قضاء يملك الإنسان ولا يملكه الإنسان ولو دخل في مشيئته لما استولى عليه ولا غلبه على أمره. قال بعض الحكماء: إن الحجر الذي تقذفه بيديك يحسب أنه يطير في الجو بإختياره لو كان له شعور، وهكذا يحسب العاشق وهو يتهالك على معشوقته، يحسب أنه هو الذي يريد ما يصيبه ولا يزال على حسبانه حتى يحاول ألا يريد، فلا يستطيع.

ويوجز العقاد خلاصة فلسفته في الحياة فيقول: "غناك في نفسك ، وقيمتك في عملك، وبواعثك أحرى بالعناية من غاياتك، ولا تنتظر من الناس كثيراً".



خواطر وهواجس

يوم ميلادي
يوم ميلادي تقدم ... وتأخر .. وتكلّم
لا تقل لي قبل عام ... كيف كنا. أنا أعلمْ
لا تقل لي بعد عمري... كيف نمسي. لستَ تعلم
غاية الأمر أظانــ ... ينُ، وبعض الظن يأثم
سوف نمسي مثل ما كنـ ... ــا ، ولم نولد ونفطم
إن يكن ذلك شيئاً ... لستُ بعد الموت أعدم
أو يكن ليس بشيء ... أترى "لا شيء" يندم؟
أية الحالين قل لي ... بعد طول العمر أسلم؟!
تظلم الموت إذا قلـــ ... ت ظلومٌ ليس يرحم
نحن لا بالموت أعطينا ... ولا بالموت نحرم
من يعد يوماً كما كا ... ن فقد تمّ وتمّم
صفقة الأعمار فيها ... قلة الخسران مغنم



البغض والحب

لا تعجبنّ لبغضٍ ... مع المحبة يوجد
بعض المحبة قيدٍ ... والقيد داء المقيد



الاعتراف فعلا

فتى إن هم بالاحسان جهلاً ... ثنى يمناه عرق لا يحول
ويعلم انه نذلٌ ولكن ... يدلك بالفعال ولا يقول




تكريم ورحيل

في سنة 1959 سلم جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية للكاتب الكبير عباس العقاد، الذي توفي بعد خمس سنوات في 13 آذار سنة 1964 بعد أن ترك خلفه حوالي تسعين كتاباً منها أحد عشر ديواناً شعرياً. ومن أشهرها العبقريات، وكانت كلها دليل عبقريته وقد وافقت أخيراً محافظة أسوان على إنشاء مركز ثقافي يحمل اسم العقاد ويضم مكتبته الشخصية التي تضم عشرة آلاف كتاب. وهذا المركز سيكون نواة للمركز الثقافي الجديد الذي سيضم مؤلفاته ومقتنياته الشخصية. وسيجهز المركز بقاعة محاضرات مكيفة وكذلك يتم حالياً إعداد تمثال للعقاد ليوضع في جزيرةٍ وسط النيل.



كأس الموت

إذا شيعوني يوم تُقضى منيتي ... وقالوا أراح الله ذاك المهذبا
فلا تحملوني صامتين إلى الثرى ... فإني أخاف اللحد أن يتهيبا
وغنوا فإن الموت كأس شهية ... ومازال يحلو أن يغنّى ويربا
وما النعش إلا المهد مهد بني ... فلا تحزنوا فيه الوليد المغيبا
ولا تذكروني بالبكاء وإنما ... أعيدوا على سمعي القصيد



صوت من السماء

لما رأتني أهلاً ... لأن تراني محبا
وارسلت لي نوراً ... من قلبها الرحب رحبا
رُدت إليّ حياتي ... روحاً وجسماً وقلباً
وأخصب الشعر عندي ... وكان بالأمس جدبا
لا بل علمت يقيناً ... علماً مع الروح شبا
بأن للحب صوتاً ... من السماء يُلبّى
وان للعيش معنى ... وإن للكون ربا



اغواء

هل درى من أحبه ... أين في الحب مطمعي؟
هل معي الآن قلبه ... مثلما سمعه معي؟!
***
هل أراه بناظري ... أم أرى الطيف بالرجاء
ربما بات زائري ... وهو في البعد كالسماء
***
ليته يُكشِفُ الضمير! ... ليتني بالهوى أبوح!
فاكشف الروض يا عبير ... إنّ عطر الهوى يفوح
***
شرعة القلب شرعتي ... ما احتياجي إلى شفيع
ان تسلْني فحجتي ... في يدي – زهرة الربيع

َعـذَبـةُ الإحســاس
18-02-07, 11:52 AM
المتجهم الظريف

إن من يرى العقاد وهو متجهم في كل صوره يتوقع أنه لم يكن يعرف أن هناك فعلاً اسمه الضحك طيلة حياته وأنه ولد هكذا "مُكشراً" عن أنيابه كما لو كان يتوعد الناظر إليه بشر مستطير، ولكن العقاد كان على النقيض من ذلك تماماً فهو ابن نكتة من الطراز الأول.. وللعقاد مع صديقه المازني طرائف مثيرة غاية الإثارة وقد كان المازني قصير جداً بينما كان العقاد طويلاً ولهذا قال المازني أنهما معا يكونان رقم (10)، أما قفشات العقاد فكانت غاية في الظرف وهكذا شعره.

وهو القائل مؤكداً : أن الضحك مادة ضرورية من مواد الحياة ويقول: إن القدرة على الإضحاك أو انتزاع الضحك عنوة عند اللزوم... هو تكملة لازمة لكل صناعة حتى صناعة التسول. ويسألونه كيف يكون الانسان مضحكاً فيقول:

إذا أردت أن تكون ضاحكاً مرحاً... فالسرور ينبع من السرور والضحك يثير الضحك .. والرجل المرح ينظر إلى الحياة من وجهها المشرق المرح ويحاول أن يفتعل المواقف المرحة ويفتق ذهنه بما عنده من ثروة لغوية.. فهو يتلاعب بالألفاظ والجمل تارة وبالتوريه تارة أخرى ويغوص في بطن المعاني والأفكار وهناك من يغوص بالسلوك المقلوب .. وهذا السلوك المقلوب يأتي عكس ما كنا نتوقع فتصاب بدهشة تُضحكنا. ويفسر العقاد كلمة الضحك فيقول:

- ما الضحك بشيء واحد.. وما نضحك لسبب واحد.. وما نفكر في الضحك على نحو واحد.. إن الضحك كلمة لا غنى عنها. هناك ضحك السرور والرضا، وهناك ضحك السخرية والازدراء، وهناك ضحك المزاح والطرب، وهناك ضحك العجب والإعجاب وهناك ضحك العطف والمودة وهناك ضحك المفاجأة، وهناك ضحك الغرور وضحك البلاهة.

ويواصل القول:

- وربما كان لكل مضحكة من هذه المضحكات ألوان لا تتشابه في جميع الأحوال... فالضاحك المسرور قد يكون سروره زهواً بنفسه واحتقاراً لغيره. وقد يكون سروره فرحاً بغيره لا زهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين.

والضاحك الساخر قد يضحك من عيوب الناس لأنه يبحث عن تلك العيوب ويستريح إليها ولا يتمنى خلاص أحد منها.. وقد يضحك من تلك العيوب لأنه ينفس عن عاطفة لا يستريح إليها عامة بين إخوانه الآدميين.

ويدعو العقاد إلى الضحك والابتسام في إحدى قصائد ديوانه (وحي الأربعين) الصادر عام 1933 م وهي بعنوان "الحسم الضاحك" يقول فيها:

ثغرك الضاحك، لا بل وجهك
الضاحك، لا بل كل جسمك
لا.. بل الدنيا التي تومض
نوراً حول نجمك
هكذا فليبتسم الباسم
إن شاء كبسمك
أو فينسى البشر حتى
ينقل البشر بلثمك
لا يُلام العابس اليائس
إلا بعد لومك


مواقف طريفة

يحكي العقاد بعض المواقف الطريفة في حياته فيقول:

المتسول:

تعود سائل أن يلقاني في طريقي وكان مسكيناً يبدو عليه التعب والحاجة إلى المعونة وسمعت منه أفانين من شفاعة كل يوم ووجوب الحسنة فيه لسبب يتعلق بحرمة اليوم أو حرمة الأسبوع أو حرمة الشهر. واختلف طريقي عن طريقه أيام الأربعاء والخميس والسبت ولم أبرح المنزل يوم الجمعة كعادتي، ولم أبرحه يوم الأحد إلا لأذهب إلى دار الإذاعة وأعود منها بالسيارة.
ثم صادفني يوماً فاولته نصيبه اليومي المعلوم، فقبض يده محتجاً وقال:

- يا أستاذ.. إنت عليك ستة أيام وهذا شهر رجب الحرام وكانت مفاجأة مضحكة للعابس الظريف الذي جابها من قصيرها وأخرج المبلغ المطلوب مع الفوائد وسأله مداعباً.
- ترى هل تحل الفائدة في شرعك على الأيام الحرام؟
ويرد المتسول رداً في منتهى البلاغة على عملاق الأدب العربي قائلاً:
- يمحق الله الربى ويربي الصدقات
وكاد العقاد أن يموت من الضحك ويروح في صدقه ولكن الله لطف.



الزمن والزمان:

في إحدى جلسات المجمع اللغوي وكان الأعضاء يناقشون الفرق بين الزمن والأبدية قال العقاد: إن الزمن ضد الأبدية لأن الزمن محدود والأبدية غير محدودة.
بينما قال الدكتور منصور فهمي: إن الزمن هو الوقت المحدود أما الزمان فهو الوقت غير المحدود.
فرد العقاد:
- قل لي يا دكتور إن كان الزمن هو الوقت المحدود والزمان هو الوقت غير المحدود فكم تقترح أن نمد حرف الألف الذي يفرق بين الزمن والزمان.



إلحقونا:

من نكته السياسية يروي العقاد أن الاتحاد السوفيتي السابق أحضر مجموعة من الفلاحين ليقول كل منهم كلمة واحدة أمام ميكروفون الإذاعة فوقف أحدهم أمام الميكروفون وصرخ:
- إلحقونا



حتى لا يراك أحد

حكى العقاد أنه كان يوماً في القدس هو والمازني وأحد أفراد أسرة النشاشيي فأطلق عليهم مجهول الرصاص فانبطح العقاد أرضاً بينما أطلق النشاشيي ساقيه للريح وبقي المازني مكانه في شبه هزة أرضية جعلته لا يقدر على الحركة من مكانه فانفجر العقاد في الضحك رغم طلقات الرصاص وبعد هدأ الجو سأله العقاد عن السبب في عدم جريه فقال:
- أنا خفت أجرى .. الراجل يشوفني
فرد العقاد مداعباً:
- عندك حق يا عبده - خير ما فعلت علشان إنت لما بتكون واقف ما حدش بيشوفك (نظراً لقصر قامته).

انتهى


شكر خاص لـِ Ophelia (http://www.alsakher.com/vb2/member.php?u=19550) تم النقل لجمال الماده المنقوله .. وجمال السرد والتنسيق

ريم الحمد
12-01-08, 11:03 AM
وكم أحب هذا المتصفح واعشقه

لله در ماخط فيه

ولله در أنامل أبدعت

*أسيرة الذكرى*
15-01-08, 06:56 PM
الله يعطيكـ العافيهـ

:)

... بنت الجنوب ...
16-01-08, 06:51 PM
يعطيك العافيه

كل الشكر

http://majdah.com/img/heartrosebar.gif