cardiac
14-11-06, 05:53 PM
البحث عن القسام (قصة رائعة جدا) أرجو الدخول
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه المرة القصة فيها الكثير من الحقيقة أكثر من 80% طبعاً الأسماء كلها مستعارة
القصة تتحدث عن شاب مصري ذهب للبحث عن القسام في قطاع غزة
البداية
تخرج أحمد من كلية الإعلام من أحدى الجامعات المصرية
أحمد مصري حتى النخاع ... فهو من أبوين وجدين مصريين... ولكنه كان من عشاق فلسطين ومن حبه لفلسطين تعرف على القسام من خلال موقع القسام على الانترنت
قرأ أحمد كثيرا عن الشهداء وتأثر بهم كثيرا ...حتى وصل به الأمر أنه تعرف على جميع الشهداء وأصبح يحفظ أسمائهم عن ظهر قلب
وفي يوم جلس أحمد في شرفة منزله ليأخذ قسطا من الراحة وأخذ ينظر إلى الشوارع المزدحمة ويرقب الناس
لاحظ أحمد سرعة حركة الناس واستعجالهم وبدأ يفكر ما الذي يجعل هؤلاء يتحركون بهذه السرعة
أكيد أنه السعي وراء الرزق .. فالحياة في القاهرة صعبة.. والشباب فرصتهم في الحصول على مكان سكن وبناء أسرة أصبح حلما بعيد المنال … وربما لا يتحقق إلا بعد أن يمضي الشاب سنين طوال في العمل ليلا ونهارا حتى يحقق هذا الحلم .. ولكن حينها سيكون أفنى عمره لمجرد الحصول على سكن
الشباب يتطلعون اليوم للكسب السريع و بأية وسيلة .. فهم لا يريدون أن يضيعوا وقتهم في انتظار جواب القوى العاملة التي من الممكن أن تضعهم في مكان بعيدا عن تخصصهم
سرح أحمد في أفكاره وأخذ يفكر في مستقبله فلقد مل من الجلوس في البيت وانتظار سعي والده وأقاربه في واسطة للحصول على وظيفة محترمة
يعود أحمد مرة أخرى إلى الإنترنت ثم يقلب صفحات الموقع ويقرأ ما كان قد قرأه من قبل... شهداء القسام
الشيء الوحيد الذي لم يمل منه أحمد هو قراءة سيرة هؤلاء الشهداء فهو يرى فيهم الصحابة الذين لم يعاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم
فتح أحمد مذكرات حسن سلامة الموجودة في الموقع وأخذ يقرأها ثم أندمج في القراءة وحين وصل للفصل الذي يتحدث فيه الأسير حسن سلامة عن الحديث الذي دار بينه وبين الإستشهادي
وكيف رفض الإستشهادي تناول الطعام اشتياقا منه لتناوله في الجنة والرؤيا التي رآها قبل تنفيذه العملية بساعات... أجهش أحمد في البكاء لدرجة أن أخته سمعته من خارج الغرفة فأسرعت لتتبين الأمر
دخلت عليه وهي في حالة من الجزع خوفا على أخوها وتسأله ما الذي حدث
لم يجبها أحمد على سؤالها أو بالأحر لم يستطع أجابتها على أسئلتها وبدا كأنه لم يسمعها
لولا أنها قالت له لقد نودي لآذان المغرب.. حرام عليك الجلوس على النت كل هذا الوقت
قام أحمد ودون أن يتحدث مع أخته ولو بكلمة وذهب للوضوء للصلاة
وبدورها استغلت ابتعاده عن شاشة الجهاز لتقرأ ما الذي قرأه أخوها فأبكاه إلى هذه الدرجة
عاد أحمد ودخل غرفته وفرش سجادة الصلاة وبدأ الصلاة في خشوع لم يتعوده من قبل .. بينما أخته تقرأ النص الموجود على الشاشة
أنهى أحمد صلاة المغرب وركعتي السنة ورفع يده إلى السماء يدعوا للمسلمين والمجاهدين ..ثم أنتبه أن أخته لازالت في الغرفة .. فلتفت إليها قائلا لو سمحت يا ريم أريد أن أبقى وحدي قليلا
فنظرت إليه وكانت الدموع تملأ عينها وقالت له هل هذا ما أبكاك
فقال لها : هل قراءتيه ؟
قالت : نعم وهو مؤثر حقا
إنهم أُناس من عالم آخر ..سبحان الله ما أقوى عزيمتهم
ثم استطردت قائلة.. ولكن قراءة مثل هذه القصص ليست جيدة بالنسبة لك ... فقد تسبب لك حالة من الكآبة والحزن ..الأفضل أن تدعو الله بأن يحنن قلوب المسلمين عليهم وأن يهبوا لنصرتهم
نظر إليها أحمد وقال : كل واحد في الأمة الإسلامية يقول قولك هذا .. وكل واحد يتكل على الأمة الإسلامية .. ونسي أن الأمة الإسلامية هي نحن ولا أحد سوانا.. فحين يفكر الجميع بهذه الطريقة كيف تصحوا الأمة الإسلامية وكل أبنائها يقولون متى تهب الأمة الإسلامية أليس هذا من عجائب الأمور ؟
قالت وهل الناس البسطاء بيدهم شيء ؟؟ أليست هذه وظيفة الحكام
قال أحمد متعجبا ساخرا ..حكام !
اتركيني يا أختي وحدي .. فأنا أريد أن اختلي بنفسي
قالت له الآن سيبدأ برنامج الأستاذ عمرو خالد … ألا تريد أن تشاهده ؟
قال حين يبدأ نادي علي .. أريد أن أرسل رسالة إلى صديق على الإيميل
مرت الأيام وأحمد بين النت وبين ما يراقبه في الحياة
وفي يوم جاء والده وقال له .. وجدت لك وظيفة في إحدى المجلات المشهورة فلقد توسط لي فلان عند رئيس التحرير ورضي أن يجربك
فرح احمد كثيرا بهذا الخبر فهذا ما كان يتمناه.. وظيفة صحفي
ذهب احمد إلى عنوان المجلة وقابل رئيس التحرير الذي استقبله بحفاوة و حدثه عن تشجيعه للشباب الطموح
وبين نصائح الخبير و السؤال عن الأقارب انقضى الحديث بينهما على أن يقوم احمد بإعداد تحقيق عن أحدى الممثلات المتهمات في احد القضايا
وبالفعل قام احمد بهذا العمل وقد أُعجب رئيس التحرير بأسلوبه في تناول الموضوع
وذات يوم قال أحمد لرئيس التحرير إن ما يحدث في فلسطين يشد العالم هذه الأيام وخصوصا العمليات التي يقوم بها الفلسطينيين من تفجير أنفسهم وسط اليهود .. فلماذا لا نكتب عنهم أو تسمح لي بتناول هذا الموضوع ؟
قال له رئيس التحرير إن هذا من تخصص الجرائد والمجلات المهتمة بالسياسة وأنت تعلم أن مجلتنا خفيفة .. وقراءها من نوعية معينة لا تستهويهم هذه المواضيع
قال أحمد أستطيع أن أتناول الموضوع بطريقة تجعله ملفتا للنظر فما يحدث في فلسطين على ألسنة الناس هذه الأيام
تحدث أحمد في الموضوع مع مسئوله في العمل وقد أبدى حماسة كبيرة في حديثه حتى قال له رئيس التحرير ما لم يكن ليتوقعه منه
فقد اقترح عليه رئيس التحرير أن يسافر إلى فلسطين ويقوم بعمل تحقيق صحفي هناك
لم يكن يتوقع رئيس التحرير استجابة احمد لهذا الأمر.. فلقد خُيل إليه أنه من أنصار العمل والكتابة عن بعد.. فالسفر إلى فلسطين شاق والمجلة لا توجد لديها إمكانيات تغطية مصاريف سفره .. خصوصا وهي ما تزال مجلة ناشئة
ولكن أحمد الذي لم يكن ليحلم بهذا الأمر تمسك بالفكرة وتحمس لها كثيرا لدرجة أنه عرض على رئيس التحرير أن يساهم في مصاريف السفر والإقامة على نفقته الخاصة وبينه وبين نفسه اعتبر أن بدايته كصحفي مشهور ستبدأ من هناك
تتسارع الأحداث ويبدو أن حلم احمد أصبح قريبا من الحقيقة ... فلقد تم تحديد معاد سفره إلى غزة عن طريق معبر رفح الحدودي
وبين إصرار احمد و نصائح الأهل والأصدقاء بعدم الذهاب وجد احمد نفسه أخيرا في المعبر يتمم الاجرائات في الجانب المصري ويدخل إلى الجانب الفلسطيني الذي يشرف عليه اليهود
ولأول مرة في حياته يجد أحمد نفسه أمام اليهود وجها لوجه
الموظفين في المعبر من رجال ونساء كلهم من الجنود ويرتدون الملابس العسكرية ويحملون أسلحة أتوماتيكية
كأنه يدخل إلى قاعدة عسكرية وليس معبر حدودي
ولكن أحمد أخذ انطباع خاطئ عن اليهود في المعبر .. فلقد عامله الموظفون بكل لطف وأدب حتى بدا له أن اليهود يختلفون عن ما سمع عنهم وقرأ
خرج أحمد من مبنى المعبر الخاص باليهود وركب حافلة تقله أمتار معدودة لأنه لا يُسمح لأحد بالتنقل سيرا على الأقدام
خرجت الحافلة من المعبر و سارت به مسافة ثلاثين متر تقريبا ثم توقفت بالقرب من بوابة المعبر وكما يفعل المسافرون نزل أحمد من الحافلة واخذ معه حقيبته واتجه نحو موقف السيارات الذي ينادي على الركاب
في تلك اللحظة كان هناك شاب يقوم بتوصيل صديقا له مسافر نحو إحدى البلاد العربية مارا بمصر
ولا حظ الشاب حديث أحمد مع السائق وانتبه للكنته المصرية الواضحة
ويبدو أن السائق واحمد اختلفا على شيء .. فتدخل الشاب في الحوار وقال هل من مشكلة ؟
نظر إليه السائق وقال له : يريد أن يأخذ السيارة طلب مخصوص إلى خان يونس ويدفع عشرة جنيهات فقط
نظر الشاب إلى احمد وقال له هل لك أقارب في خان يونس قال أحمد لدي صديق يسكن هناك وهذا هو عنوانه
قال الشاب أنا من خانيونس ... يمكنني أن أوصلك معي إلى عنوانك
قال احمد أكون شاكرا لك ولكن كم ستأخذ مني
ضحك الشاب وقال له لا عليك لن نختلف على هذا
تقدم الشاب واحمد نحو السيارة ووضع حقيبته في الكرسي الخلفي ثم قال له هل أنت فلسطيني تسكن في مصر ؟؟
رد احمد لا بل مصري وجئت هنا لزيارة احد الأصدقاء وهو من خان يونس
نظر إليه الشاب وقال جميل أن يزور مصري صديقا له في غزة رغم صعوبة السفر
قال احمد انه صديق حميم تعرفت عليه منذ وقت طويل
ثم سأل احمد الشاب.. هل خان يونس بعيدة من هنا
قال الشاب لا بل قريبة جدا حوالي سبعة كيلو
احمد .. صحيح كم ستأخذ مني أجرة توصيل ؟
قال الشاب لن أأخذ منك شيئا فانا لست سائق تكسي
ركب الاثنان السيارة ثم تذكر احمد السائق وقال : هل رأيت ذلك السائق الذي لم يعجبه عشرة جنيهات في هذه المسافة
ضحك الشاب كثيرا من كلام احمد وقال: الأسعار هنا تختلف عن عندكم
فالعشرة جنيهات لا تساوي الكثير هنا
ثم استطرد الشاب قائلا : عليك أن تبدل نقودك إلى نقود إسرائيلية حتى لا تتعب حين تحتاج شراء شيء
احمد .. إذا كنت تعرف محل صرافة جيد فدلني عليه وأكون شاكرا
قال الشاب هذه أول مرة تزور فيها القطاع أليس كذلك ؟
أحمد .. نعم
الشاب.. ما رأيك أن نمر على رفح في طريقنا وهناك تبدل نقودك في سوق العملة وبالمرة تشاهد رفح
احمد وقد ارتاح للشاب كثيرا ثم مازحه قائلا أرجو أن لا أبدأ زيارتي لغزة بعملية نصب
ضحك الشاب من مزحة احمد وقال : لا عليك هنا لا يوجد نصب والغريب له معاملة خاصة
قال احمد ما غريب إلا الشيطان
اقتربت السيارة من مفترق الطريق الذي يتجه يمينا إلى مدينة رفح أو قلعة الجنوب كما يحب أهلها أن يسموها
ظل احمد والشاب صامتين لبعض الوقت
وهنا نظر احمد إلى شريط تسجيل يخرج نصفه من مسجل السيارة فقام بإدخال الشريط إلى المسجل وأشعله
كان شريط مجاهدون وكانت الأنشودة التي سمعها أنشودة رغم الموت والمذابح والتشريد
أنتبه أحمد أن الشريط لحماس فقال للشاب ..هل هذه الأشرطة ممنوعة عندكم
الشاب.. لا … ومن سيمنعها ؟
أحمد .. السلطة… ألا تقوم بسجن رجال حماس ؟
الشاب .. يحدث هذا أحيانا ولكن ليس بسبب شريط طبعا
توقف الشاب بالسيارة أمام أحد محلات الصرافة وقال لأحمد هيا لكي تقوم بتبديل ما تريده
نزل احمد والشاب من السيارة ودخلا المحل وطرح الشاب على صاحب المحل السلام
فرد عليه الصراف وعليكم السلام.. كيف حالك يا علي
الشاب أو علي ... الحمد لله كله تمام
قال علي بكم يساوي سعر الجنيه اليوم
الصراف .. الجنيه = 1 شيكل بالضبط
علي .. صديقي لديه جنيهات يريد استبدالها
قال الصراف موجها حديثه لأحمد …كم معك ؟
احمد ..أريد أن استبدل مائتي جنيه ومائة دولار
قال الصراف هذا يساوي 646 شيكل
قال احمد حسنا تفضل هذه هي النقود
لم يكد احمد يكمل كلمته حتى قطعها إطلاق الرصاص
قام الجنود في بوابة صلاح الدين بإطلاق النار بصورة مكثفة من موقع ترميد المقام على الحدود باتجاه شارع البوابة دون أدنى سبب
فهم في هذه المنطقة يطلقون النار بصورة مستمرة ومتواصلة على أي حركة تبدو مريبة لهم
وكم قتل هذا الموقع من سكان رفح من شباب وأطفال وشيوخ ونساء
حتى أصبح اسم الشارع بوابة الموت بدلا من بوابة صلاح الدين
هدأ علي من روع احمد الذي أصيب بحالة من الرعب والفزع لكثرة وكثافة النيران و قال له لا تخشى شيئا نحن مستورين عن إطلاق النار
أراد احمد أن يستفسر عن الذي حدث ولكن قاطعه صوت الصراف الذي لم يبدو عليه أي علامات الاكتراث بما حدث وهو يقدم لأحمد وعلي القهوة
احمد ..الرصاص مثل المطر وأنت تريد أن تشرب قهوة !؟
الصراف وقد أضحكه حديث أحمد .. تعودنا على هذا ولم يعد يخيفنا
احمد.. ولكننا قد نقتل إن بقينا هنا
علي.. لا عليك فنحن بعيدين عن مرمى النيران
أحمد.. أريد أن أغادر هذا المكان بسرعة
قال علي موجها حديثه للصراف نشرب القهوة في مرة لاحقة ولا تنسى موضوع البزر السلام عليكم
اسمك علي ؟ سأل أحمد علي وهو يركب السيارة
قال علي : نعم .. وأنت ؟ لم أتشرف باسمك
أحمد.. عاشت الآسامي .. اسمي احمد .. صحفي مصري
قال علي : سعدت بالتعرف عليك ...عليك أن تتعود على ما يحدث هنا وإلا ستمل من القطاع بسرعة
أحمد .. أريد تفسير لما حدث
قال علي هذا شيء طبيعي يقع في كل المناطق الحدودية
أحمد .. وهل كنا قريبين من منطقة حدودية
قال علي نعم حدود بلدك لم تكن تبعد عن محل الصراف سوى أمتار قليلة
ثم أردف علي قائلا ..السياج الذي يفصل بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية يعد من أكثر المناطق الذي استشهد فيها الفلسطينيون... ونحن كنا قريبين منه
قال احمد : إن ما حدث شيء مخيف ...أول مرة اسمع إطلاق رصاص بهذه الطريقة في حياتي
قال علي : ألم تدخل الجيش في مصر
أحمد.. لا .. لأني وحيد وليس لي إلا أخت واحدة
علي .. ستسمع مثل هذا الرصاص كثيرا وفي الليل يتحول الرصاص إلى قذائف دبابات
قال أحمد الحمد لله أن صديقي يعيش بعيد عن الحدود المصرية
ضحك علي وقال : أرجو أن لا يكون صديقك يسكن بالقرب من حدود المستوطنات
نظر أحمد لعلي متعجبا وقال : هل يحدث هناك كما حدث الآن في رفح
قال علي ليس بالضبط ولكنه أسوأ قيلا
ثم أخذ علي يضحك بصوت عالي حتى انتقلت عدوى الضحك إلى أحمد فأخذا يضحكا سويا
قطعت السيارة الطريق المحاطة بالأشجار العالية بين خان يونس ورفح في عشرين دقيقة تقريبا
اقتربت السيارة من مدينة خان يونس وهنا قال علي.. أعطني عنوان صديقك واسمه فقد وصلنا خان يونس
أعطى أحمد لعلي الورقة وتوجه علي نحو العنوان المكتوب على الورقة وهناك سأل الصبية الموجودين في المنطقة عن اسم صاحب العنوان فقال لهما أحد الصبية هذا هو البيت وأشار نحو منزل أيمن
نزل علي وأحمد بعد أن وصلا إلى البيت ليسألا عن صديق أحمد
طرق أحمد باب المنزل فخرج له شيخ كبير في السن فسلم عليه أحمد وسأله عن أيمن
قال الشيخ.. أيمن خرج اليوم إلى الجامعة في غزة ولم يعد لأن اليهود أغلقوا الحاجز
أحمد.. وهل سيطول غيابه
الشيخ ..لا أحد يمكنه أن يعرف فهذا متعلق بفتح الحاجز
أحمد للشيخ ..سأعود لأسأل عنه مرة أخرى
سأله الشيخ .. حين يأتي نقول له من ؟…
أحمد.. قل له صديقك المصري أحمد الذي يحدثك على المسنجر
قال الشيخ مستغربا ..ماسنجر ؟
هنا تدخل علي وقال للشيخ .. ممكن يا حج تعطيني رقم جواله
الشيخ.. هو لا يحمل جوال .. فقد باعه منذ مدة
علي .. حسنا يا حج نشكرك وسنعود لنسأل عنه مرة أخرى
الشيخ.. لا يصح أن تمشوا هكذا على الأقل كوب شاي
أعتذر علي من الشيخ وقال له.. مرة أخرى يا حج .. سنشربه حين يأتي أيمن
ركب علي وأحمد السيارة ووجه علي كلامه لأحمد قائلا هل أفهم من كلامك أن صديقك هذا تعرفت عليه من الماسنجر؟
أحمد .. نعم.. ولكنني أعرفه جيدا فأنا أحدثه منذ سنة تقريبا
علي.. أرجو أن يكون شاب طيب وألا تذهب زيارتك أدراج الرياح
أحمد.. في الحقيقة أنا هنا لأقوم بعمل صحفي ولكنني قلت أن صديقي أيمن سيساعدني في هذا العمل بالتأكيد
ثم قال أحمد.. توجه بي نحو أقرب فندق من هنا
علي.. لا يوجد في خان يونس ولا رفح فنادق ..وغزة الطريق إليها مغلق .. ثم أضاف علي.. ستبقى في ضيافتي حتى يعود صديقك
أحمد.. لا أريد أن أثقل عليك
علي .. لا تتحدث هكذا.. أنت ضيفي ابتداء من اليوم
أحمد.. أشكرك كثيرا لقد أرهقني السفر واحتاج للنوم بشدة
ذهب علي إلى أحد المطاعم وقام بشراء طعام الغداء ثم ذهبا إلى المنزل 0
لاحظ أحمد أن المنزل خالي من الأثاث إلا من كراسي البلاستيك وغرفة بها فراش ارضي ومطبخ متواضع جدا خالي من أغلب مستلزماته
قال أحمد مازحا أين أثاث المنزل تبدو الشقة خالية ؟
علي .. هذه الشقة ستكون عش الزوجية وهي مقر عزوبية مؤقت وملتقى للأصدقاء
أحمد .. ألا تسكن مع أهلك ؟
علي .. بلى .. ولكن أحيانا آتي إلى هنا لأقيم يوم أو يومين فالمنزل مزدحم لا يصلح للقاء الأصدقاء
أحضر علي طاولة من البلاستيك وأعد الطعام وجلس كلاهما يتناولان طعام الغداء وأثناء الغداء حدثه علي عن طبيعة مدينة خان يونس والمنطقة الجنوبية من قطاع غزة عموما
فهم أحمد أنه في مدينة تختلف كثيرا عن مدن مصر من حيث العادات والتقاليد
خان يونس مدينة نصف سكانها من اللاجئين .. تنقسم إلى بلد ومخيم .. والمخيم يختلف كثيرا عن المدينة ولكنهما متشابكين ومتداخلين
قال أحمد .. لاحظت أن أغلب النساء هنا محجبات حتى طالبات المدارس الصغار يرتدين الإشارب
علي .. هذا صحيح فخان يونس مدينة محافظة جدا و من الصعب ان تجد امرأة تسير في الشارع دون أن تغطي رأسها
ناهيك عن أن عادات القبيلة تحكم الناس هنا أكثر من أي شيء آخر .. وربما تستغرب لو قلت لك أن مسألة الثأر هنا أقوى من ما هي عليه عند الصعايدة في مصر
ضحك أحمد قائلا : كل جنوب له صعايدة
علي ... ربما ... ولو أن خان يونس تعتبر جنوب القطاع وليست جنوب فلسطين .. سأتركك الآن لتأخذ قسطا من الراحة و أ نهي بعض المشاوير .. ثم أعود إليك بعد المغرب لكي نقوم بجولة في خان يونس
ثم قال علي.. هناك هاتف نقال تستطيع أن تتصل منه على مصر لكي تطمئن الأهل في مصر على سلامة وصولك .. و هذا رقمي أن أردت أن تتصل بي أو احتجت لشيء
خرج علي بعد أن أعطى أحمد الهاتف وبقي أحمد في المنزل يستريح من عناء السفر ويأخذ قسطا من النوم .. وفي المساء عاد علي لكي يصحب احمد في جولة داخل المدينة
خرج علي وأحمد سيرا على الأقدام وتوجها نحو قلب المدينة وبعد أن صليا صلاة العشاء في الجامع الكبير توجها نحو أحد المطاعم التي تبيع الفول والفلافل
جلسا في المطعم وبدأ أحمد يراقب الناس ويستفسر عن بعض الكلمات التي يصعب عليها فهمها من التي يتبادلها الصبية
وأثناء تناولهم الطعام تقدم شاب يحمل كلاشن كوف واقترب منهما ثم قال : حلو .. ضمنا العشاء اليوم
نظر كلاهما للمتحدث وهنا قال علي : حماتك بتحبك .. اجلس يا اشرف وتناول معنا العشاء
قال أشرف ..و لو أني أكلت قبل قيل ولكن لا بأس
ضحك علي قائلا .. اجلس وبلا كتر غلبة
وجه أحمد حديثه لأشرف وسأله .. هل أنت من كتائب القسام ؟
نظر أشرف إلى علي قائلا يبدو أن صاحبك يريد أن يدمر المطعم فوق رؤوسنا ثم وجه حديثه لأحمد ... لا يا أخي أنا من كتائب أحمد أبو الريش
قاطع علي الحديث وبدأ يوضح لأحمد الأمر .. كتائب الشهيد أحمد أبو الريش هي تابعة لحركة فتح بينما القسام تابعة لحماس
أحمد .. أعلم عن القسام الكثير ولكن أول مرة أسمع عن أبو الريش
علي لأشرف.. أخونا أحمد من مصر واليوم هو أول يوم له في القطاع
أحمد .. أريد أن ألتقي واحدا من مجاهدي القسام فأنا صحفي وأريد أن أقوم بعمل تحقيق صحفي عن كتائب القسام
قال أشرف ضاحكا .. لو تقوم بهذا التحقيق الصحفي معي يكون أفضل لك على الأقل تضمن أنك لن تتعرض لقصف الطائرات وأنت تحدثني
يبدو أن علي لم يعجبه هذا الكلام فأراد أن يغير الموضوع فقال لأحمد .. ما رأيك بالفلافل ؟
أحمد طعمها جميل ولكنها ليست مثل الفلافل عندنا
أجابه علي .. نعم هذا صحيح ..لأن الفلافل هنا مصنوعة من الحمص.. أما في مصر فهي مصنوعة من الفول ولهذا سألتك عن الفرق
أحمد .. نعم الفلافل هنا طعمها أفضل .. ثم وجه حديثه لأشرف وسأله .. هل يمكن أن تساعدني في الوصول لكتائب القسام ؟
أشرف.. من الصعب الوصول للقسام فهم لا يظهرون شخصيتهم لأحد .. ولكن ممكن أجعلك تصور عملية نقوم بها على المستوطنات
فرح أحمد كثيرا وقال .. ومتى يمكنني هذا
أشرف.. في أي يوم تريده
أحمد حسنا فليكن غدا
قال علي لأحمد .. لا تصدقه فهو يكذب
أشرف لعلي .. هل تراهن ؟
علي .. بدون رهان .. أصلا أنتم أهل السلطة لا ذمة ولا ضمير
أشرف .. ملعون أبو السلطة .. أصلا لولا الراتب لحلقتلها على الناشف
أحمد يسأل .. هل الأخ من السلطة ؟
قال علي نعم .. يعمل في المخابرات
ثم انهمكوا في الحديث عن السلطة والفساد والأجهزة الأمنية
وفي آخر المطاف فهم أحمد أن أشرف لا يكن ولاء للسلطة و العلاقة بينه وبين السلطة هي الراتب الشهري فقط
واتفق أحمد مع أشرف أن يقوم بتصوير عملية أطلاق نار على المستوطنات تقوم بها كتائب أبو الريش
خرج أحمد وعلي من المطعم وتجولا في المدينة وبينما علي يحدثه عن قلعة برقوق وسوق الأربعاء وما تعرضه المحلات كان أحمد ينظر للمسلحين الذي يرتدون الملابس المدنية وكلما شاهد مسلح ملتحي سأل علي هل هذا من كتائب القسام؟ وكان علي يجيب بالنفي دائما
عاد الاثنان إلى المنزل ولكل منهما انطباع عن الآخر
علي لا يرتاح لأسئلة أحمد المتكررة عن كتائب القسام وليس راضيا عن الاتفاق الذي حدث بين أحمد وأشرف
وأحمد بدء يشعر أن علي يتعمد تضليله أو يخفي عنه شيء .. وتمنى أن يعود أيمن من غزة بأسرع وقت .. وربما علي كان يتمنى ذلك أيضا
قال أحمد نسينا أن نذهب إلى بيت أيمن لنسأل عنه
علي .. لازالت الطريق بين غزة والجنوب مغلقة وما من سبيل أن يعود حتى تفتح الطريق أحمد .. هل تتضايق من وجودي معك ؟
علي .. لم تقول ذلك ؟
أحمد .. أرى أن هناك تغير طرأ على معاملتك لي.. فلم تعد تمزح كما كنت في السابق
علي .. أسئلتك عن القسام وحديثك عن المقاومة والفصائل قد يسبب لك المتاعب فهذه الأمور لا يتحدث فيها أحد على الملأ
أحمد .. أنا لم أتحدث إلا معك ومع صديقك فقط
علي .. أولا أشرف ليس صديق .. فعلاقتي به مجرد معرفة وجيرة فقط .. ثم أنك يا رجل تكاد تسأل كل من يحمل قطعة سلاح هل أنت من القسام
أحمد.. وما الضير في هذا .. أليسوا يحملون سلاح.. إذا فهم من المقاومة
علي .. ليس كل من يحمل سلاح يعتبر مقاومة .. أغلب من رأيتهم هم مثل أشرف وأفراد الأجهزة الأمنية وبعض المتسلقين .. يجب أن تعرف أن المقاومين الحقيقيين لا يسيرون في الشوارع بهذه الطريقة الاستعراضية لأنهم سيعرضون أنفسهم للخطر
أحمد .. أليس أشرف من المقاومة
علي .. سترى هذا غدا .. الم تتفقا سويا على أن تصور عملية لهم غدا ؟
أحمد .. بلى
علي .. حسنا إن غدا لناظره قريب
ولكن كن حذراً وحتى لا تتعرض لخطر إلزم الشباب ولا تفارقهم أبدا ..فهم أدرى بالمنطقة وكيف يتصرفون حين تستصعب الأمور
أحمد. . فعلا. . الصحافة مهنة البحث عن المتاعب
سأعمل بنصيحتك فلا تحمل هما
علي مازحا . قضى كلاهما الليلة وكل منهما يتحدث عن نفسه فأحمد لم يكن لديه شيء يخفيه حدث علي عن كل شيء تقريبا حتى عن تصفحه لموقع القسام والشهداء والعمليات والشهيد المصري أبو جندل رحمه الله منفذ عملية القدس
ربما كان هذا التوضيح من أحمد قد خفف قليلا من ريبة علي
ولكن أحمد شعر أن علي لا يثق به ولهذا سأله عن سبب استضافته له وهو لا يعرفه
قال علي أنا اعرف مصر جيدا و لدي فيها أصدقاء وحين رايتك وسمعت لهجتك تذكرت مصر والأصدقاء لهذا عرضت عليك التوصيل و الباقي أنت تعرفه
أحمد مازحا .. تقصد أنك تورطت في استضافتي
علي .. ليست ورطة .. ولكن ظروف عملك وعدم إلمامك بطبيعة الناس هنا قد يسبب لك المشاكل ..خصوصا وأنت على ما يبدو ستخوض مغامرة الله أعلم إلى أين تنتهي
ليس من حقي أن أتدخل في عملك ولكن الموضوع ليس سهل كما تتصور وبما أنك ضيفي فأنا أشعر تجاهك بالمسؤولية
أحمد .. هل أنت مقاوم يا علي ؟
علي.. سؤال غريب .. وما الذي جعلك تقول هذا ؟
أحمد.. مجرد سؤال عابر
علي .. في الحقيقة أنا أقاوم النوم الآن فلدي عملي غداً .. تصبح على خير
أحمد .. وأنت من أهل الخير
في الصباح أتصل أشرف بعلي واخبره انه ينتظره بجوار مسجد السنة في وسط المدينة لكي يقوم أحمد بتصوير بعض الشباب الملثمين ويجري حوار معهم قبل أن يذهب معهم في الليل ليصور العملية
وبالفعل ذهب أحمد وعلي إلى أشرف .. وأوصى علي اشرف أن يهتم بأحمد جيدا .. وشدد على أحمد انه لو احتاج شيئا فليستعمل الهاتف الذي معه ويتصل عليه.. وافترق علي عنهما
قضى احمد نهاره كله مع أشرف وقام بالفعل بتصوير بعض الشباب الملثمين وأجرى معهم حوار صحفي وحين حل الظلام توجه أشرف و أحمد ومعهم ثلاثة من الشباب إلى منطقة النمساوي خلف مستشفى ناصر
دخل الجميع المقبرة القريبة من الحي النمساوي وكان الجميع يحمل الأسلحة باستثناء أحمد الذي كان يحمل كاميرة الفيديو الصغيرة
لم يكن يعرف أحمد أين الهدف الذي سيطلق عليه الشباب النار ولكنه وجه الكاميرا نحو الشباب الذين اتخذوا وضع الاستعداد لإطلاق النيران
صمت مطبق ولحظات صعبة بالنسبة لأحمد الذي بدأ يشعر بشيء من القلق والتوتر خصوصا عندما فهم أن هناك دبابات في المنطقة ولم يكن صوت هذه الدبابات ببعيد مما زاد حالة التوتر والقلق عند أحمد
وفجأة أطلق الشباب النار نحو المستوطنة بكثافة
ولم تكد تمر لحظات حتى ردت جميع نقاط المراقبة الموجودة على السياج النيران بصورة عشوائية ومكثفة
وهنا قال أشرف لأحمد هيا اتبعنا علينا أن نغادر المنطقة فورا
بالكاد استطاع أحمد أن يحرك قدميه فما شاهده كان شيء يحدث له لأول مرة في حياته
ألاف الطلقات تطايرت هنا وهناك وهو يراها بكل وضوح .. ألاف الجمرات الحمراء تحك الهواء بصرير مخيف وقد بدا لأحمد أن دوي الطلقة يعتبر من الأصوات الشاعرية بالنسبة لصوت احتكاك الطلقة في الهواء لأن هذا الصوت يعني أن الطلقة تمر قريبا جدا منه
ولقد حدث ما كان يخشى منه احمد... بدأت الدبابات بإطلاق القذائف على منطقة المقابر
حالة من الإرباك سببتها القذائف جعلت الجميع يفر كل واحد في مكان مختلف إلا أحمد الذي أخذ وضع الانبطاح ..ثم رفع رأسه ليجد نفسه وحيدا بين القبور بينما نيران اليهود مازالت متواصلة تضرب في كل مكان على غير هدى
لم يعد يعرف أحمد أين يتجه فالظلام دامس والرصاص ما يزال ينهمر على المنطقة
ثلث ساعة تقريبا وبدا له أن الدبابات باتت أقرب إلى المكان فلقد أصبح صوت محركاتها قريبا جدا
توقف عقل أحمد عن التفكير وبدا له أن نهايته قد حانت وتذكر أهله في مصر وآخر مرة كانت توصيه والدته بأن يأخذ حذره في آخر كلماتها له
وفجأة أنقطع تفكيره حين تذكر الهاتف المحمول الذي أعطاه إياه علي
فما كان إلا أخرجه من جيبه لكي يتصل بعلي
ولكن ضوء الهاتف في الظلام يبدو أنه كشف مكانه بالنسبة لليهود
يبدوا أن نقاط المراقبة الموجودة على السياج الحدودي ميزت ضوء هاتف أحمد وهو يحاول الاتصال بعلي ..ولأن شاشات المراقبة الإلكترونية مرتبطة كلها بشبكة واحدة .. قامت جميع نقاط المراقبة بتوجيه صالياتها نحو مصدر الضوء ..ولكن أحمد كان يختبئ خلف أحد القبور وهو في منطقة منخفضة قليلا لا تسمح بأن يصله الرصاص.. وطبعا أحمد لم يكن يعرف هذا … فاختياره للمكان الذي كان يختبئ فيه كان بمحض الصدفة
تحركت إحدى ناقلات الجند لتتخذ مكان يمكنها من ضرب الهدف بصورة أفضل … و هذا التحرك جعلها تقترب أكثر من منطقة المقابر... ولكن كان هناك من ينتظر هذه اللحظة.. مجموعة من كتائب القسام كانت ترابط في المنطقة .. وقد رأت الناقلة اقتربت من العبوة المزروعة منذ ثلاثة أيام .. وحين قدر المجاهد وصول الناقلة إلى مكان العبوة.. قام بتفجير العبوة بواسطة سلك كهرباء
في هذه اللحظة سمع أحمد صوتا كأنه يصدر من أعماق الجحيم … صوت الانفجار كان قويا للغاية .. فعبوات القسام كبيرة الحجم ومتقنة الصنع .. وصوت انفجارها يُسمع من على بعد أميال ..فكيف يكون الأمر وأحمد بعيد عن مكان الانفجار مسافة لا تزيد عن مائتي متر
لم يعد أحمد يسمع شيئا على الرغم من حالة الهستيرية التي انتابت جميع نقاط المراقبة وأخذت تطلق النيران بكل أنواع العيارات والقذائف وينقلب مجمع المقابر إلى كتلة من النار بسبب ما تساقط عليه من قذائف و طلقات الرصاص المختلفة الأنواع
أيقن أحمد أنه أصبح هالكا لا محالة .. و أن نهايته قد حُسمت في هذا المكان ولكنه شعر بيده تهزه وتجذبه نحوها ..نظر أحمد إلى صاحب اليد فتبين له أنه علي وكان الأخير يتحدث إليه ببعض الكلمات ولكن أحمد لم يكن يسمع ولا كلمة واحدة بسبب تأثير صوت الانفجار على أذنيه
أمسك علي أحمد بيد والحقيبة والكاميرا باليد الأخرى و تسللا بين القبور حتى خرجا من سور المقبرة
ومن مقبرة لأخرى حتى أصبح حي النمساوي قريبا منهم .. وقبل أن يقطعا الشارع ليصلا خلف إسكان النمساوي لاحظ علي اقتراب ظلين منهما في الظلام .. فاخرج مسدسه وصوبه نحو الظلين ثم ما لبث أن أعاد المسدس حين تبين له أن الشخصين ملثمين ويضعون على رؤوسهم شارت كتائب الشهيد عز الدين القسام .. وفي نفس اللحظة التي اقترب فيها الملثمين أطلقت دبابة قذيفة عملاقة من القذائف المضيئة فأحالت المنطقة على نهار حقيقي.. فأشار علي على الجميع أن يلزموا مكانهم وأن يحتموا في ظل السور حتى تنطفئ القنبلة المضيئة.. وفي ضوء القنبلة لمح أحمد شارات الكتائب الموضوعة على جباه الملثمين ولكن الظرف لم يكن يسمح له بالكلام
قطع أحمد وعلي الشارع الفاصل بين المقابر ومنطقة إسكان النمساوي بسرعة وفي المنطقة السكنية أفترق الملثمين عن هما
وصل أحمد وعلي إلى مستشفى ناصر حيث تقف سيارة علي.. وكان هناك اشرف بانتظارهم
أراد أشرف أن يشرح لعلي الموقف ولكن علي قال سنتحاسب فيما بعد .. أ هذا ما وصيتك عليه؟
ركب علي وأحمد السيارة عائدين إلى المنزل وفي الطريق حكى أحمد لعلي كل ما حدث من ساعة دخولهم منطقة المقابر
وحين دخلا المنزل قال علي لأحمد ادخل الحمام لكي تستحم فأنت مليء بالغبار
أحمد .. لازالت أذني تصفر و بالكاد أسمعك
علي .. سيزول هذا قريبا المهم أنك بخير
دخل أحمد الحمام لكي يستحم.. ثم رن جرس هاتف علي فرد على الهاتف قائلا حسناً سأفتح الباب لك
فتح علي باب المنزل ليجد صديقه خالد وهو يقول له .. ماذا حدث لقد شاهدك الشباب في منطقة المقابر
علي .. حكى لخالد عن ما حدث وطلب من خالد معلومات عن أيمن بأسرع وقت ممكن
خالد .. أسأل عنه أصدقائي في منطقة سكناه وأخبرك بما يتوفر لدي من معلومات
ثم غادر خالد المنزل ودخل علي المطبخ ليقوم بإعداد الشاي
وقف أحمد على باب المطبخ قائلا .. تصور أن جسمي مليء بالجروح والخدوش ولم انتبه إلا الآن
علي وهو يبتسم .. أرجو أن تكون بسيطة
أحمد خدوش بسيطة ولكن يبدو أن الكاميرا قد انتهت
علي… هل انكسرت ؟
أحمد .. بعض الأجزاء مكسورة والكاميرا مليئة بالرمال
علي .. لا تحمل هما .. سنجد من يصلحها
أحمد .. كيف عرفت بمكاني ؟ لقد حاولت أن أتصل بك ولكن الرصاص كان كثيفا لولا القبر الذي أحتمي خلفه لقد كنت في عداد الأموات
علي .. أتصل بي أشرف وأخبرني أنهم افتقدوك في مقبرة عائلة (…)
فذهبت لأبحث عنك والحمد لله وجدتك بسرعة .. فأنا أعرف هذه المنطقة جيدا
أحمد .. أنا مدين لك بحياتي .. فأنت عرضت نفسك للخطر من أجلي ولولاك…
علي مقاطعا .. أولا أنا أعرف المنطقة جيدا وأعرف المناطق التي يمكن أن يصلها الرصاص دون غيرها .. ولهذا قلت لك أن تلزم الشباب لأنهم يعرفون كيف يخرجون من المنطقة وربما تستغرب لو قلت لك أن هناك من يبيت في هذه المنطقة حتى بعد كل ما شاهدته هناك فما حدث شيء يحدث كل يوم من بداية الانتفاضة دون انقطاع
أحمد .. تخيلت أن الدبابة وصوتها يقترب أنها ستصبح فوق رأسي بين لحظة وأخرى
علي ضاحكا .. من الصعب أن تتقدم الدبابة إلى المنطقة التي كنت فيها ..فالمنطقة هناك مليئة بالعبوات ..واليهود يعرفون هذا جيدا .. ودائما هناك من يرصد تحرك الدبابات لكي يفجر العبوات
أحمد .. ليلة لن أنساها في حياتي .. تعرف ؟… كنت أتمنى أن يكون معي سلاح أطلق الرصاص عليهم ولا أموت هكذا أعزل
علي وهو يبتسم .. أنت شجاع يا أحمد ولكن متهور أيضا
أحمد .. معك حق تسخر مني
علي .. لا والله لا أسخر .. بل هذه هي الحقيقة .. لقد دخلت منطقة كان يمكن أن تموت فيها ودخولك هذه المنطقة دون أن تعرف طبيعتها يعتبر تهور منك
ولكن مجرد أنك فكرت في الخروج لتصوير اشتباك وأنت تعلم أنه قد تُقتل مع المنفذين يُعد شجاعة كبيرة
أحمد .. وهل يفسر أشرف هذا هكذا ؟
علي .. اشرف هذا لي حساب معه .. ما كان ينبغي له أن يتركك وحدك وقد نبهته لهذا كثيرا
أحمد .. في الحقيقة أنا المحق لقد انبطحنا عندما انفجرت قنبلة قريبة منا ولكنني رفعت رأسي ولم أجد أحد .. كان يجب أن أبقى بجوار أحدهم ولكن الموقف كان مخيف بالنسبة لي
علي .. لو كنت تعرف المنطقة جيدا كان يمكنك الاعتماد على نفسك
أحمد مقاطعا .. تعرف يا علي وأنا في تلك المنطقة كنت أتمنى أن أكون في أي مكان آخر في الدنيا غير ذلك المكان .. ولكن بعد أن عدت إلى هنا أتمنى أن أكرر التجربة مرة أخرى ولكن يجب أن يكون معي سلاح ... ثم قال مبتسما ..لكن عليك أن تكون قريبا مني حينها .. لكي تتدخل مرة أخرى
علي وهو يضحك .. نعم.. ولم لا.. أنت تقوم بعملية وأنا أصورك.. وبدلا من أن تقوم بتحقيق صحفي عن المقاومة تقوم بكتبة مغامراتك في القطاع
ضحك أحمد وعلي وتبادلا المزاح وتذكر أحمد بعض النكات المصرية وكان علي يقول ما يعرفه من نكات فلسطينية ، ثم صليا الفجر وأثناء النوم قال أحمد غامزا .. لقد رأيتك وأنت تتحدث مع ملثمين من القسام وشاهدت معك مسدس أيضا
علي .. نم يا أحمد ليس كل من يحمل سلاحا مقاومة
أحمد .. تتهرب كعادتك .. تعرف يا علي ..فكرت في أختي وتحذيرها لي من المجيء إلى هنا حين كنت بين الحياة والموت في تلك المنطقة …لن تصدق لو قلت لها ما حدث .. ولكن لا تقنعني أنك لست من المقاومة
علي .. نم يا أحمد .. خليني أعرف أنام
أحمد .. حسنا حسناً .. ولكن من أين يأتي النوم ..
في الصباح ..أفاق علي على جرس هاتفه وكان المتحدث خالد الذي قال.. أن أيمن قد عاد وهو طالب في كلية التربية جامعة الأزهر وليس له أي ميول تنظيمية .. سأله علي.. والجانب الأمني والأخلاقي ؟
خالد .. أخلاقه لا بأس بها والناحية الأمنية مبدئيا لا يوجد عليه شيء
علي .. حسناً ..شكرا يا خالد .. سأقوم بعمل اللازم.. ثم أنهى المكالمة
خرج أحمد وعلي من المنزل.. وقد علِم أحمد بوصول أيمن .. وبعد صلاة الجمعة توجه علي وأحمد نحو أحد المطاعم وتناولا طعام الغداء ..ثم عادا إلى المنزل وجمع أحمد أغراضه وحقيبته وتوجها نحو بيت أيمن
وفي الطريق نبه علي أحمد أن لا يخبر أحد بما حدث معه مهما كان حتى أيمن ..وقد وعده أحمد بذلك
رحب أيمن بكل من علي وأحمد ودعاهما للدخول.. وفي المنزل شكر أيمن علي على استضافة أحمد أثناء غيابه
وبعد تناول الشاي.. أستأذن علي من الجميع ووصى أيمن على أحمد.. خرج أيمن وأحمد من المنزل لكي يوصلا علي ..وسلم علي على أحمد وقال له ..كن حذرا وانتبه لنفسك جيدا .. وركب علي السيارة ولكن أحمد نادى عليه فتوقف علي ونزل من السيارة .. فقال له أحمد .. نسيت أن أعطيك الهاتف.. ضحك علي وقال اعتبره هدية مني لك.. فلدي هاتفي ولست بحاجة له .. أصر أحمد أن يعطي الهاتف لعلي ولكن علي رفض قائلا .. أبقيه معك حتى تنهي زيارتك …وحين تحتاج إلى شيء اتصل بي .
قال أحمد.. بالتأكيد لن أسافر قبل أن ألقاك وأودعك
وتعانق علي وأحمد الذي جمعت بينهم الصدفة صداقة من نوع غريب
تغيب أحمد عن علي حوالي أحد عشر يوما وكان أحمد يتصل بعلي من وقت لآخر
وقد علم علي أن أحمد استطاع أن يقابل الشيخ ياسين واجري معه حوار وقابل عددا من قيادات الحركة .. وفي يوم اتصل أحمد بعلي وأخبره أنه في الطريق من غزة إلى خان يونس ولكنهم أغلقوا الحاجز من الطرفين .. وبقي محجوز بين الحاجزين في السيارة مدة لا تقل عن تسعة ساعات
وصل أحمد إلى خان يونس بعد أن فُتح الحاجز والتقى بعلي الذي اصطحبه إلى المنزل
أحمد.. تخيل أنني كدت أموت وأنا محشور في السيارة مع سبعة ركاب دون أي حركة.. تسع ساعات.. مع أن في رحلة الذهاب أخذت الطريق تقريبا ساعة ونصف
علي.. أحيانا يتم احتجاز السيارات يوم بليلة والركاب داخلها دون أن يُسمح لهم بالخروج من السيارات
أحمد مستغربا .. لهذه الدرجة ؟
علي .. قبل أن يقيموا هذا الحاجز كانت الرحلة تأخذ من خان يونس إلى غزة بالسيارة نصف ساعة تقريبا .. فالمسافة من هنا إلى هناك تقريبا 35 كيلو أو أقل
أحمد .. لو كنت ذاهبا إلى القاهرة لوصلت في أقل من تسع ساعات
علي مازحا ..حتى تعرف أن القطاع كبير .. فكنا نشعر قبل الانتفاضة بضيق المساحة .. حتى أن الواحد منا كان يجوب القطاع من طرف جنوبه لطرف شماله بالسيارة في أقل من ساعة .. أما الآن ..فالتنقل بين الشمال والجنوب يُعد سفرا طويلا .. ضحك علي ساخرا .. هل ترى كم يحبنا اليهود ؟ يريدون أن يشعرونا أن القطاع كبيييير.. فلا تضيق صدورنا ونفكر في بقية فلسطين أو الذهاب إلى الضفة الغربية
حكى أحمد لعلي كيف أغلقوا الحاجز من كلا الطرفين وحجزوا عشرات السيارات بين الحاجزين .. والدبابات التي كانت تتحدث من خلال مكبرات الصوت مع السيارة المراد تفتيشها بأن تدخل في مكان محاط بمكعبات الأسمنت حتى لا يراها أحد وحتى يستطيعوا السيطرة على ركاب السيارة لو أن أحدهم أراد أن يقوم بشيء ما
قال أحمد.. لقد سمعت عشرات القصص من الركاب عن الحاجز وأنا في السيارة وشاهدت كيف الجنود يأمرون السيارات بالسير أو التوقف من خلال برج المراقبة بلغة الرصاص ..
وسمعت أن الحاجز استشهد فيه عدد كبير من المسافرين على الطريق … ولكن نحن نرى في التلفزيون الحواجز تختلف عن هذا .. فكنا نشاهد الجنود يقفون ويتحدثون مع الناس ويأخذون هوياهم وهكذا
علي .. يحدث هذا في الضفة أو القدس وليس هنا في القطاع .. فاليهود لا يتعاملون مع الناس على الحواجز بصورة مباشرة في القطاع .. وهم يخشون من الاحتكاك بالناس هنا بصورة مباشرة ولهذا يتعاملون بالطريقة التي رأيتها
أحمد ولم يخلوا حديثه من السباب والشتائم تجاه اليهود قائلا .. في المعبر كانت المعاملة في غاية اللطف .. حتى تخيلت أن اليهود مظلومين في الصورة التي ينقلوها عنهم
ولكن ما شهدته خلال إقامتي هنا تبين لي أنهم أحقر بكثير من الوصف الذي اعرفه
علي .. انقل هذا في تحقيقك الصحفي..
أحمد بنبرة حزن … تحقيق .. يبدو أني لم أنجح في رحلتي
علي .. كيف ؟
أحمد لقد كان في خاطري وأنا هنا أن ألتقي بالقساميين واجري معهم حديثا.. وربما أصور لهم عمليات على غرار تحقيقات الجزيرة في افغانستان .. ولكن يبدو أن الأمر أصعب مما تخيلت
علي .. ألم تجري حوار مع الشيخ ياسين ؟
أحمد .. بلى .. و مع قيادات أخرى من مختلف الفصائل … ولكن في كل مرة يقولون أن الجناح العسكري ينفصل عن الجناح السياسي ..وعليك أن تقوم بنفسك في البحث عن القسام
ثم أضاف أحمد قائلا.. تخيل يا علي أنني التقيت بكل أطياف الفصائل هنا ومنهم من كان يطلبني كي اجري معه حوار .. ولكن لم أشاهد ولا مرة أحدا من كتائب القسام أو أحدا يستطيع أن يوصلني أليهم
علي .. لا يختلف القسام عن بقية الأجهزة العسكرية التي التقيت بها فتقريبا كلهم يعملون بنفس الطريقة ولكن القسام لا يُظهر من تواجده كثيرا
أحمد .. يا رجل.. كتائب القسام تقريبا تقوم بأكثر من نصف العمليات وقد تكبد اليهود الكثير من الخسائر بسبب عملياتها..وهذا دليل على أنهم ليسوا مثل كل الفصائل
علي .. ان لقاء القساميين ليس بالسهولة التي تتصورها .. فهم لا يوجد لهم مقر ولا مكان تجدهم فيه.. إلا إذا ذهبت إلى مناطق التماس والتقيت بهم صدفة وهم يفجرون العبوات أو يطلقون الهاون
أحمد .. علمت من أيمن أن الأجهزة التي تعمل هنا بإخلاص هي كتائب القسام و المقاومة الشعبية وسريا القدس وكتائب أبو الريش في الجنوب
ولكن كل هؤلاء التقيت بهم إلا كتائب القسام
علي .. يبدو أنك نويت الرحيل أليس كذلك ؟
أحمد.. لا.. لن أرحل سأقيم هنا بعضا من الوقت
علي .. مهما طالت إقامتك هنا ستكون في عيوننا
أحمد .. على الرغم إني التقيت الكثيرين لكني لم أجد أحدا هنا بقوة شخصيتك ولا ثقتك بنفسك ولدي إحساس كبير انك تستطيع أن تساعدني في مهمتي
علي .. أنا ؟.. وما الذي يدعوك لتقول هذا
أحمد .. حسناُ لنتحدث بصراحة .. أنت يا علي لست شخص عادي فكل الدلائل تشير إلى أنك تخفي شيء عني ولا تريد الإفصاح عنه .. ولكن على ما يبدو أنك لا تثق بي
علي مقاطعا ..تأكد يا أحمد لو بإمكاني مساعدتك لما تأخرت عنك.. وعلى الرغم من الوقت القليل الذي قضيته معك فأنني أشعر أنك شخص جدير بالثقة .. و إلا ما استضفتك هنا
أحمد .. حين قابلت أيمن ساعدني بكل ما يستطيع فقد عرفني على شباب الكتلة في الجامعة.. ومن خلالهم تعرفت على شباب كثيرين وكانت ثقته في بلا حدود ... ولو كان يعرف شيئا عن القساميين لما خبأه عني .. . ثم قال.. والله يا علي أني أحببتك على الرغم من قلة الوقت الذي قضيته معك ..ولم أشعر بهذا الحب تجاه أحد ممن قابلتهم إلا لشخص واحد قابلته في غزة.. وقد وثق في هذا الشخص أيضا .. حتى أنه علمني كيف استخدم الكلاشن كوف والإم 16 .. فكنت أخرج معه ومع بعض الشباب في التدريب على القنص
علي .. من أي فصيل ؟
أحمد .. طبعا لا أستطيع أن أقول لك.. فهذا سر بيني وبين الرجل وأنت أدرى بهذه الأمور
علي .. صدقت وهذا يجعلك تكبر في نظري
أحمد .. هل تتخيل أني قلت لأحد شيء عنك أو عن أشرف ؟
علي .. أنا متأكد أنك تتفهم الأمور جيدا .. وهذا يدل على مدى ذكائك وحسن تصرفك ولو أن الحديث عني ليس خطرا ..فأنا أمشي جنب الحيط
استمر الحوار بين أحمد وعلي وتحول كما العادة إلى مزاح وضحك وأراد أحمد أن يستأذن من علي لأنه وعد أيمن بالمبيت عنده .. ولكن علي قال له نذهب لتعتذر منه.. فكما تعلم بيته ضيق ..و هو بيت الأسرة و لن تأخذ راحتك هناك مثل هنا ...ثم أنني اتفقت مع بعض الأخوة على نزهة نقوم بها بشواء الدجاج واللحم في أرض أحد الأصدقاء.. وجيد أنك جئت لكي تأتي معنا
وافق أحمد وذهبا إلى بيت ايمن .. وبالفعل اعتذروا منه.. وفي الطريق أراد أحمد أن يذهب إلى اشرف لأنه اشتاق إليه .. فذهبا إلى مقر المخابرات في خان يونس.. وأصر أشرف على أن يصطحبهم إلى منزله في مخيم خان يونس وعزمهما على العشاء... وبين منازل المخيم وشوارعه الضيقة جدا.. قال أحمد كأنني في مخيم الشاطىء بالضبط.. نفس الشوارع ونفس البيوت .. فحدثه علي عن المخيمات في كل ربوع الوطن والشتات وأنها لا تختلف عن بعضها ..وأن المخيمات هي وقود المقاومة ومنها دائما تكون الشرارة الأولى
و في بيت أشرف.. أنتبه أحمد أن أشرف يعلق صور كثيرة لشهداء مسلحين أغلبهم من القسام وكتائب أبو الريش ..وحدثه اشرف عن الشهيد( ن) الذي تتوسط صورته الشهداء ببرواز مميز .. وكيف أنه لم يكن يعلم أنه من القسام حتى استشهد وهو يقوم بإعداد عبوة
قضى الشباب الثلاثة سهرتهم في بيت أشرف والرصاص والقذائف تنهال على أطراف المخيم بين لحظة وأخرى كما يحدث كل ليلة
وتذكر أحمد ما حدث معه في المقبرة وتبين أن ما حدث يومها يحدث كل ليلة دون انقطاع في منطقة النمساوي والمقابر والدلتا والتفاح
عاد علي وأحمد إلى المنزل وفي الصباح أتى أصحاب علي إلى المنزل ..وذهب الشباب الستة في رحلة إلى ريف القطاع وهناك قاموا بصلاة الجمعة في مسجد صغير .. وبعد الصلاة قاموا بشواء الدجاج على طريقة (المندي) التي لم تعجب أحمد وفضل اللحم المشوي على الفحم
قضى الشباب اليوم وتناولوا كل الأمور التي يمكن أن يتحدثوا فيها .. وكان المزاح والمرح له نصيب كبير في الرحلة
أُعجب أحمد بأصدقاء علي وشبههم بالشباب المثالي .. وقد تعرف على أسمائهم جميعا وأعطاهم عنوانه في مصر وإيميله على النت
وفي آخر النهار جاء اتصال لعلي يخبره أن اليهود يريدون اقتحام مدينة خان يونس .. وهناك إشتباكات عنيفة عند حاجز التفاح
وعلى الفور قام علي وأصدقائه بالعودة إلى المدينة وافترقوا هناك ..وذهب علي إلى المنزل مع أحمد وقال لأحمد سأذهب إلى الحاجز لأستطلع الأمر
وفتح علي باب غرفة كانت دائما مغلقة .. وكان في الغرفة ملابس للملثمين وعددا من الرشاشات وبعض الأشياء الأخرى التي تنفي براءة علي من ما كان يوهم به أحمد
ارتدى علي ملابسه بسرعة ووضع المقنع على وجهه ولكن أحمد أستوقفه قائلا لن تذهب وحدك سآتي معك
وأمسك أحمد ببندقية كلاشن كوف وقال لعلي لن يستطيع أحد أن يمنعني من الخروج معك أو حتى الخروج لوحدي
فهم علي انه من المستحيل إقناع أحمد بالعدول عن رغبته أمام تصميمه ولم يكن الوقت يسمح بالجدال واليهود يضربون المخيم بعنف
وبالفعل ارتدى أحمد مقنع وحمل سلاحه مع علي وخرجا كلاهما سيرا على الأقدام متجهين نحو مخيم خان يونس الذي تنهشه القذائف.. وكلما اقترابا من حي التفاح كلما علت أصوات القذائف والرصاص أكثر
في الطريق إلى المخيم شاهد أحمد أعدادا كبيرة من الشباب المسلحين وغير المسلحين تسير باتجاه منطقة الاشتباكات وعندما وصلا إلى مسجد بلال قال علي لأحمد.. سندخل لنتوضأ ونصلي ركعتين لله ..حتى إذا لقينا الله وحظينا بالشهادة نكون على وضوء
وبالفعل دخلا المسجد توضأا وصلا ركعتين لله ..خرج علي وأحمد من المسجد ووقف علي على الباب قائلا …سننتظر إخوة لنا سيأتون .. ولكن لا تتحدث مع أي واحد منهم
تفهم أحمد الأمر جيدا
وبعد فترة وصل خمسة شباب ملثمين يحملون بعض العتاد من أسلحة خفيفة و ماسورة هاون
دخلوا جميعهم المسجد واخرج الجميع شارات كتائب القسام الخضراء ووضعوها على جباههم وأعطى علي أحمد شارة ليضعها فوق المقنع
تسلم أحمد الشارة ووضعها على جبهته وهو في حالة شبه ذهول تام ولكنه لم يتحدث بكلمة واحدة
خرج الجميع من المسجد قاصدين منطقة حاجز التفاح وجميعهم يذكر الله في نفسه
في الطريق إلى منطقة التفاح لاحظ الشباب تجمهر الناس على أبواب مستشفى ناصر بينما سيارات الإسعاف والسيارات المدنية تدخل وتخرج من المستشفى بسرعة
فهم الشباب أن اليهود يقصدون مجزرة حقيقية في المخيم وليس الأمر كما يحدث كل يوم
لم تأخذ الطريق من المشفى إلى منطقة التفاح أكثر من عشر دقائق وهناك كان عشرات المسلحين و أعدادا كبيرة من الناس تتجمهر في المنطقة والجميع يستتر من الرصاص في الشوارع الضيقة
يبدو أن الاشتباك قد ازداد ضراوة واليهود عاقدون العزم على اقتحام المخيم بمجنزراتهم ودباباتهم ولكن المقاومة كانت بالفعل عنيفة
طلب علي من الشباب أن ينصبوا مدفع الهاون في مكان مناسب ويطلقوا القذائف نحو معسكر الجيش ونحو المستوطنات
لم يكد يرى الناس والمسلحين المتواجدين في المنطقة كتائب القسام في المنطقة حتى أفسحوا لهم المجال فمن المعروف أن وجودهم سيعطي المكان طابع آخر غير الذي كان عليه
أطلق القساميين قذائف الهاون باتجاه الأهداف مما حذا بنقاط المراقبة وجميع الدبابات بتوجيه نيرانها نحو المنطقة التي تخرج منه قذائف الهاون
وصلت مجموعة أخرى من القساميين يحملون عبوات التوجيه إلى المجموعة الأولى ثم انفصل علي وأحمد عن المجموعة الأولى وذهبوا مع المجموعة الثانية نحو المخيم الغربي
فهناك رتلا من الدبابات وناقلات الجند يصحبه عددا من الجرفات ويبدو أنهم عازمون على هدم بعض المنازل
قال علي لأحمد ..سندخل الآن منطقة خطرة جدا فلا تفارقني والتزم بما أقوله لك جيدا ..أومأ أحمد برأسه متفهما …وحين دخلت المجموعة ووصلت أطراف المخيم
تقدم القساميون يحملون العبوات نحو البيوت المهدمة سابقا ليزرعوا فيها العبوات بينما تسلل أحمد وعلي منطقة أخرى ليقوما بالتغطية على الشباب الذين ذهبوا لزراعة العبوات
لا حظ أحمد شجاعة أطفال المخيم الذين كانوا يرشدون القساميين والمسلحين على المناطق الأكثر أمناً في المنطقة والأماكن التي تدخلها الدبابات
ولاحظ أيضا شراسة اليهود الذين لا يتورعون عن قصف المنازل المتواضعة في المخيم
ربما يبدو الأمر للوهلة الأولى أن المنطقة ساحة من ساحات الحرب تدور فيها معركة غير متكافئة بالمرة بين سكان مدنيين ومسلحين بأسلحة متواضعة..أمام دبابات عملاقة مصفحة ونقاط مراقبة محصنة تحصيناً جيدا
ولكن منظر المقاومة في المنطقة كان يدل على أن المخيم تحول إلى خلية نحل منظمة
فهناك من كان يسعف الجرحى ويوصلونهم إلى سيارات الإسعاف.. والبعض يساعد المقاومين .. وهناك من يساعد الأسر التي لم تستطع الخروج من منازلها وحاصرتها النيران
قال علي لأحمد.. سنكمن هنا ونقوم بإطلاق النيران على برج المراقبة لنشغله عن الشباب …
وبالفعل أطلق علي وأحمد النيران نحو البرج الذي رد بدوره على مصدر النيران.. وأخذ علي وأحمد يتنقلون من منطقة إلى منطقة حتى وصلوا إلى أقرب نقطة من أطراف المخيم
وبين المنازل المهدمة أخذ علي وأحمد يطلقون الرصاص نحو البرج تارة ونحو الدبابات تارة أخرى وكان هناك بعض المسلحين المتواجدين في المنطقة ينضمون إليهم تارة وينفصلون عنهم تارة أخرى
في هذه الأثناء جاء أحد الصبية وأخبر علي وأحمد أن هناك دبابة تقترب جدا من المنطقة
طلب علي من أحمد أن يبقى مكانه.. ثم فك علي مخزنه من سلاحه وأعطاه لأحمد وثبت عليه المخزن الخاص بقذائف الأنرجا
تقدم علي نحو المنطقة التي أشار إليها الصبي وثبت قذيفة أنرجا في بندقيته وصوبها نحو الدبابة التي اقتربت من المكان ثم أطلق عليها قذيفة الانرجا وغادر المكان فورا
كانت هذه القذيفة كفيلة بأن توقف تقدم الدبابة على الرغم من أنها لم تصبها بضرر كبير وعلى الفور تراجعت الدبابة وصوبت فوهة المدفع باتجاه المكان الذي خرجت منه القذيفة
في نفس الوقت عاد علي مرة أخرى إلى أحمد وطلب منه أن يتبعه للخلف في مكان أكثر أمنا
ثم أخذت الدبابات تطلق قذائفها وعياراتها الثقيلة نحو المنطقة
اقتربت الساعة من الواحدة بعد منتصف الليل ومازلت المقاومة تحاول صد التوغل في المخيم
عشرات المسلحين من مختلف الفصائل استماتوا في الدفاع عن المخيم واعطوا لليهود درسا في التضحية والفداء ورسالة واضحة تقول لليهود ..ان دخول المخيم ليس بالنزهة
وبينما يحاول المقاومين صد الاجتياح وتختلط أصوات التكبيرات وسيارات الاسعاف بهدير المروحيات ودوي القذائف وأزيز الرصاص المختلف الأنواع .. حدث أنفجار كبير مميز يعرف صوته الجميع .. أنه صوت القسام الذي يدل على أن هناك دبابة أو ناقلة جند أو جرافة وقعت ضحية لعبوات القسام .. ثم تلا الانفجار تكبيرات عالية من كل المناطق زادت من حماسة المقاتلين والمدافعين عن المخيم.
لم يكن يعرف أحمد ما الذي حدث .. ولكن صوت التكبير جعله يشعر بشعور غريب وأن هذا الانفجار لم يكن من اليهود.. أو كأنه انفجار صديق
تقدم علي و أحمد نحو برج المراقبة مرة أخرى وعاودا إطلاق النيران عليه
ولكن البرج المعدني الميكانيكي ارتفع عن الأرض أكثر من عشرة أمتار إضافية مما صعب التعامل معه من نفس المنطقة
تراجع علي واحمد مرة أخرى نحو أحد أزقة المخيم الضيقة
وأطلق البرج نحوهم زخات كثيفة من الرصاص كانت كلها تضرب في الجدار الذي خلفهم
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه المرة القصة فيها الكثير من الحقيقة أكثر من 80% طبعاً الأسماء كلها مستعارة
القصة تتحدث عن شاب مصري ذهب للبحث عن القسام في قطاع غزة
البداية
تخرج أحمد من كلية الإعلام من أحدى الجامعات المصرية
أحمد مصري حتى النخاع ... فهو من أبوين وجدين مصريين... ولكنه كان من عشاق فلسطين ومن حبه لفلسطين تعرف على القسام من خلال موقع القسام على الانترنت
قرأ أحمد كثيرا عن الشهداء وتأثر بهم كثيرا ...حتى وصل به الأمر أنه تعرف على جميع الشهداء وأصبح يحفظ أسمائهم عن ظهر قلب
وفي يوم جلس أحمد في شرفة منزله ليأخذ قسطا من الراحة وأخذ ينظر إلى الشوارع المزدحمة ويرقب الناس
لاحظ أحمد سرعة حركة الناس واستعجالهم وبدأ يفكر ما الذي يجعل هؤلاء يتحركون بهذه السرعة
أكيد أنه السعي وراء الرزق .. فالحياة في القاهرة صعبة.. والشباب فرصتهم في الحصول على مكان سكن وبناء أسرة أصبح حلما بعيد المنال … وربما لا يتحقق إلا بعد أن يمضي الشاب سنين طوال في العمل ليلا ونهارا حتى يحقق هذا الحلم .. ولكن حينها سيكون أفنى عمره لمجرد الحصول على سكن
الشباب يتطلعون اليوم للكسب السريع و بأية وسيلة .. فهم لا يريدون أن يضيعوا وقتهم في انتظار جواب القوى العاملة التي من الممكن أن تضعهم في مكان بعيدا عن تخصصهم
سرح أحمد في أفكاره وأخذ يفكر في مستقبله فلقد مل من الجلوس في البيت وانتظار سعي والده وأقاربه في واسطة للحصول على وظيفة محترمة
يعود أحمد مرة أخرى إلى الإنترنت ثم يقلب صفحات الموقع ويقرأ ما كان قد قرأه من قبل... شهداء القسام
الشيء الوحيد الذي لم يمل منه أحمد هو قراءة سيرة هؤلاء الشهداء فهو يرى فيهم الصحابة الذين لم يعاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم
فتح أحمد مذكرات حسن سلامة الموجودة في الموقع وأخذ يقرأها ثم أندمج في القراءة وحين وصل للفصل الذي يتحدث فيه الأسير حسن سلامة عن الحديث الذي دار بينه وبين الإستشهادي
وكيف رفض الإستشهادي تناول الطعام اشتياقا منه لتناوله في الجنة والرؤيا التي رآها قبل تنفيذه العملية بساعات... أجهش أحمد في البكاء لدرجة أن أخته سمعته من خارج الغرفة فأسرعت لتتبين الأمر
دخلت عليه وهي في حالة من الجزع خوفا على أخوها وتسأله ما الذي حدث
لم يجبها أحمد على سؤالها أو بالأحر لم يستطع أجابتها على أسئلتها وبدا كأنه لم يسمعها
لولا أنها قالت له لقد نودي لآذان المغرب.. حرام عليك الجلوس على النت كل هذا الوقت
قام أحمد ودون أن يتحدث مع أخته ولو بكلمة وذهب للوضوء للصلاة
وبدورها استغلت ابتعاده عن شاشة الجهاز لتقرأ ما الذي قرأه أخوها فأبكاه إلى هذه الدرجة
عاد أحمد ودخل غرفته وفرش سجادة الصلاة وبدأ الصلاة في خشوع لم يتعوده من قبل .. بينما أخته تقرأ النص الموجود على الشاشة
أنهى أحمد صلاة المغرب وركعتي السنة ورفع يده إلى السماء يدعوا للمسلمين والمجاهدين ..ثم أنتبه أن أخته لازالت في الغرفة .. فلتفت إليها قائلا لو سمحت يا ريم أريد أن أبقى وحدي قليلا
فنظرت إليه وكانت الدموع تملأ عينها وقالت له هل هذا ما أبكاك
فقال لها : هل قراءتيه ؟
قالت : نعم وهو مؤثر حقا
إنهم أُناس من عالم آخر ..سبحان الله ما أقوى عزيمتهم
ثم استطردت قائلة.. ولكن قراءة مثل هذه القصص ليست جيدة بالنسبة لك ... فقد تسبب لك حالة من الكآبة والحزن ..الأفضل أن تدعو الله بأن يحنن قلوب المسلمين عليهم وأن يهبوا لنصرتهم
نظر إليها أحمد وقال : كل واحد في الأمة الإسلامية يقول قولك هذا .. وكل واحد يتكل على الأمة الإسلامية .. ونسي أن الأمة الإسلامية هي نحن ولا أحد سوانا.. فحين يفكر الجميع بهذه الطريقة كيف تصحوا الأمة الإسلامية وكل أبنائها يقولون متى تهب الأمة الإسلامية أليس هذا من عجائب الأمور ؟
قالت وهل الناس البسطاء بيدهم شيء ؟؟ أليست هذه وظيفة الحكام
قال أحمد متعجبا ساخرا ..حكام !
اتركيني يا أختي وحدي .. فأنا أريد أن اختلي بنفسي
قالت له الآن سيبدأ برنامج الأستاذ عمرو خالد … ألا تريد أن تشاهده ؟
قال حين يبدأ نادي علي .. أريد أن أرسل رسالة إلى صديق على الإيميل
مرت الأيام وأحمد بين النت وبين ما يراقبه في الحياة
وفي يوم جاء والده وقال له .. وجدت لك وظيفة في إحدى المجلات المشهورة فلقد توسط لي فلان عند رئيس التحرير ورضي أن يجربك
فرح احمد كثيرا بهذا الخبر فهذا ما كان يتمناه.. وظيفة صحفي
ذهب احمد إلى عنوان المجلة وقابل رئيس التحرير الذي استقبله بحفاوة و حدثه عن تشجيعه للشباب الطموح
وبين نصائح الخبير و السؤال عن الأقارب انقضى الحديث بينهما على أن يقوم احمد بإعداد تحقيق عن أحدى الممثلات المتهمات في احد القضايا
وبالفعل قام احمد بهذا العمل وقد أُعجب رئيس التحرير بأسلوبه في تناول الموضوع
وذات يوم قال أحمد لرئيس التحرير إن ما يحدث في فلسطين يشد العالم هذه الأيام وخصوصا العمليات التي يقوم بها الفلسطينيين من تفجير أنفسهم وسط اليهود .. فلماذا لا نكتب عنهم أو تسمح لي بتناول هذا الموضوع ؟
قال له رئيس التحرير إن هذا من تخصص الجرائد والمجلات المهتمة بالسياسة وأنت تعلم أن مجلتنا خفيفة .. وقراءها من نوعية معينة لا تستهويهم هذه المواضيع
قال أحمد أستطيع أن أتناول الموضوع بطريقة تجعله ملفتا للنظر فما يحدث في فلسطين على ألسنة الناس هذه الأيام
تحدث أحمد في الموضوع مع مسئوله في العمل وقد أبدى حماسة كبيرة في حديثه حتى قال له رئيس التحرير ما لم يكن ليتوقعه منه
فقد اقترح عليه رئيس التحرير أن يسافر إلى فلسطين ويقوم بعمل تحقيق صحفي هناك
لم يكن يتوقع رئيس التحرير استجابة احمد لهذا الأمر.. فلقد خُيل إليه أنه من أنصار العمل والكتابة عن بعد.. فالسفر إلى فلسطين شاق والمجلة لا توجد لديها إمكانيات تغطية مصاريف سفره .. خصوصا وهي ما تزال مجلة ناشئة
ولكن أحمد الذي لم يكن ليحلم بهذا الأمر تمسك بالفكرة وتحمس لها كثيرا لدرجة أنه عرض على رئيس التحرير أن يساهم في مصاريف السفر والإقامة على نفقته الخاصة وبينه وبين نفسه اعتبر أن بدايته كصحفي مشهور ستبدأ من هناك
تتسارع الأحداث ويبدو أن حلم احمد أصبح قريبا من الحقيقة ... فلقد تم تحديد معاد سفره إلى غزة عن طريق معبر رفح الحدودي
وبين إصرار احمد و نصائح الأهل والأصدقاء بعدم الذهاب وجد احمد نفسه أخيرا في المعبر يتمم الاجرائات في الجانب المصري ويدخل إلى الجانب الفلسطيني الذي يشرف عليه اليهود
ولأول مرة في حياته يجد أحمد نفسه أمام اليهود وجها لوجه
الموظفين في المعبر من رجال ونساء كلهم من الجنود ويرتدون الملابس العسكرية ويحملون أسلحة أتوماتيكية
كأنه يدخل إلى قاعدة عسكرية وليس معبر حدودي
ولكن أحمد أخذ انطباع خاطئ عن اليهود في المعبر .. فلقد عامله الموظفون بكل لطف وأدب حتى بدا له أن اليهود يختلفون عن ما سمع عنهم وقرأ
خرج أحمد من مبنى المعبر الخاص باليهود وركب حافلة تقله أمتار معدودة لأنه لا يُسمح لأحد بالتنقل سيرا على الأقدام
خرجت الحافلة من المعبر و سارت به مسافة ثلاثين متر تقريبا ثم توقفت بالقرب من بوابة المعبر وكما يفعل المسافرون نزل أحمد من الحافلة واخذ معه حقيبته واتجه نحو موقف السيارات الذي ينادي على الركاب
في تلك اللحظة كان هناك شاب يقوم بتوصيل صديقا له مسافر نحو إحدى البلاد العربية مارا بمصر
ولا حظ الشاب حديث أحمد مع السائق وانتبه للكنته المصرية الواضحة
ويبدو أن السائق واحمد اختلفا على شيء .. فتدخل الشاب في الحوار وقال هل من مشكلة ؟
نظر إليه السائق وقال له : يريد أن يأخذ السيارة طلب مخصوص إلى خان يونس ويدفع عشرة جنيهات فقط
نظر الشاب إلى احمد وقال له هل لك أقارب في خان يونس قال أحمد لدي صديق يسكن هناك وهذا هو عنوانه
قال الشاب أنا من خانيونس ... يمكنني أن أوصلك معي إلى عنوانك
قال احمد أكون شاكرا لك ولكن كم ستأخذ مني
ضحك الشاب وقال له لا عليك لن نختلف على هذا
تقدم الشاب واحمد نحو السيارة ووضع حقيبته في الكرسي الخلفي ثم قال له هل أنت فلسطيني تسكن في مصر ؟؟
رد احمد لا بل مصري وجئت هنا لزيارة احد الأصدقاء وهو من خان يونس
نظر إليه الشاب وقال جميل أن يزور مصري صديقا له في غزة رغم صعوبة السفر
قال احمد انه صديق حميم تعرفت عليه منذ وقت طويل
ثم سأل احمد الشاب.. هل خان يونس بعيدة من هنا
قال الشاب لا بل قريبة جدا حوالي سبعة كيلو
احمد .. صحيح كم ستأخذ مني أجرة توصيل ؟
قال الشاب لن أأخذ منك شيئا فانا لست سائق تكسي
ركب الاثنان السيارة ثم تذكر احمد السائق وقال : هل رأيت ذلك السائق الذي لم يعجبه عشرة جنيهات في هذه المسافة
ضحك الشاب كثيرا من كلام احمد وقال: الأسعار هنا تختلف عن عندكم
فالعشرة جنيهات لا تساوي الكثير هنا
ثم استطرد الشاب قائلا : عليك أن تبدل نقودك إلى نقود إسرائيلية حتى لا تتعب حين تحتاج شراء شيء
احمد .. إذا كنت تعرف محل صرافة جيد فدلني عليه وأكون شاكرا
قال الشاب هذه أول مرة تزور فيها القطاع أليس كذلك ؟
أحمد .. نعم
الشاب.. ما رأيك أن نمر على رفح في طريقنا وهناك تبدل نقودك في سوق العملة وبالمرة تشاهد رفح
احمد وقد ارتاح للشاب كثيرا ثم مازحه قائلا أرجو أن لا أبدأ زيارتي لغزة بعملية نصب
ضحك الشاب من مزحة احمد وقال : لا عليك هنا لا يوجد نصب والغريب له معاملة خاصة
قال احمد ما غريب إلا الشيطان
اقتربت السيارة من مفترق الطريق الذي يتجه يمينا إلى مدينة رفح أو قلعة الجنوب كما يحب أهلها أن يسموها
ظل احمد والشاب صامتين لبعض الوقت
وهنا نظر احمد إلى شريط تسجيل يخرج نصفه من مسجل السيارة فقام بإدخال الشريط إلى المسجل وأشعله
كان شريط مجاهدون وكانت الأنشودة التي سمعها أنشودة رغم الموت والمذابح والتشريد
أنتبه أحمد أن الشريط لحماس فقال للشاب ..هل هذه الأشرطة ممنوعة عندكم
الشاب.. لا … ومن سيمنعها ؟
أحمد .. السلطة… ألا تقوم بسجن رجال حماس ؟
الشاب .. يحدث هذا أحيانا ولكن ليس بسبب شريط طبعا
توقف الشاب بالسيارة أمام أحد محلات الصرافة وقال لأحمد هيا لكي تقوم بتبديل ما تريده
نزل احمد والشاب من السيارة ودخلا المحل وطرح الشاب على صاحب المحل السلام
فرد عليه الصراف وعليكم السلام.. كيف حالك يا علي
الشاب أو علي ... الحمد لله كله تمام
قال علي بكم يساوي سعر الجنيه اليوم
الصراف .. الجنيه = 1 شيكل بالضبط
علي .. صديقي لديه جنيهات يريد استبدالها
قال الصراف موجها حديثه لأحمد …كم معك ؟
احمد ..أريد أن استبدل مائتي جنيه ومائة دولار
قال الصراف هذا يساوي 646 شيكل
قال احمد حسنا تفضل هذه هي النقود
لم يكد احمد يكمل كلمته حتى قطعها إطلاق الرصاص
قام الجنود في بوابة صلاح الدين بإطلاق النار بصورة مكثفة من موقع ترميد المقام على الحدود باتجاه شارع البوابة دون أدنى سبب
فهم في هذه المنطقة يطلقون النار بصورة مستمرة ومتواصلة على أي حركة تبدو مريبة لهم
وكم قتل هذا الموقع من سكان رفح من شباب وأطفال وشيوخ ونساء
حتى أصبح اسم الشارع بوابة الموت بدلا من بوابة صلاح الدين
هدأ علي من روع احمد الذي أصيب بحالة من الرعب والفزع لكثرة وكثافة النيران و قال له لا تخشى شيئا نحن مستورين عن إطلاق النار
أراد احمد أن يستفسر عن الذي حدث ولكن قاطعه صوت الصراف الذي لم يبدو عليه أي علامات الاكتراث بما حدث وهو يقدم لأحمد وعلي القهوة
احمد ..الرصاص مثل المطر وأنت تريد أن تشرب قهوة !؟
الصراف وقد أضحكه حديث أحمد .. تعودنا على هذا ولم يعد يخيفنا
احمد.. ولكننا قد نقتل إن بقينا هنا
علي.. لا عليك فنحن بعيدين عن مرمى النيران
أحمد.. أريد أن أغادر هذا المكان بسرعة
قال علي موجها حديثه للصراف نشرب القهوة في مرة لاحقة ولا تنسى موضوع البزر السلام عليكم
اسمك علي ؟ سأل أحمد علي وهو يركب السيارة
قال علي : نعم .. وأنت ؟ لم أتشرف باسمك
أحمد.. عاشت الآسامي .. اسمي احمد .. صحفي مصري
قال علي : سعدت بالتعرف عليك ...عليك أن تتعود على ما يحدث هنا وإلا ستمل من القطاع بسرعة
أحمد .. أريد تفسير لما حدث
قال علي هذا شيء طبيعي يقع في كل المناطق الحدودية
أحمد .. وهل كنا قريبين من منطقة حدودية
قال علي نعم حدود بلدك لم تكن تبعد عن محل الصراف سوى أمتار قليلة
ثم أردف علي قائلا ..السياج الذي يفصل بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية يعد من أكثر المناطق الذي استشهد فيها الفلسطينيون... ونحن كنا قريبين منه
قال احمد : إن ما حدث شيء مخيف ...أول مرة اسمع إطلاق رصاص بهذه الطريقة في حياتي
قال علي : ألم تدخل الجيش في مصر
أحمد.. لا .. لأني وحيد وليس لي إلا أخت واحدة
علي .. ستسمع مثل هذا الرصاص كثيرا وفي الليل يتحول الرصاص إلى قذائف دبابات
قال أحمد الحمد لله أن صديقي يعيش بعيد عن الحدود المصرية
ضحك علي وقال : أرجو أن لا يكون صديقك يسكن بالقرب من حدود المستوطنات
نظر أحمد لعلي متعجبا وقال : هل يحدث هناك كما حدث الآن في رفح
قال علي ليس بالضبط ولكنه أسوأ قيلا
ثم أخذ علي يضحك بصوت عالي حتى انتقلت عدوى الضحك إلى أحمد فأخذا يضحكا سويا
قطعت السيارة الطريق المحاطة بالأشجار العالية بين خان يونس ورفح في عشرين دقيقة تقريبا
اقتربت السيارة من مدينة خان يونس وهنا قال علي.. أعطني عنوان صديقك واسمه فقد وصلنا خان يونس
أعطى أحمد لعلي الورقة وتوجه علي نحو العنوان المكتوب على الورقة وهناك سأل الصبية الموجودين في المنطقة عن اسم صاحب العنوان فقال لهما أحد الصبية هذا هو البيت وأشار نحو منزل أيمن
نزل علي وأحمد بعد أن وصلا إلى البيت ليسألا عن صديق أحمد
طرق أحمد باب المنزل فخرج له شيخ كبير في السن فسلم عليه أحمد وسأله عن أيمن
قال الشيخ.. أيمن خرج اليوم إلى الجامعة في غزة ولم يعد لأن اليهود أغلقوا الحاجز
أحمد.. وهل سيطول غيابه
الشيخ ..لا أحد يمكنه أن يعرف فهذا متعلق بفتح الحاجز
أحمد للشيخ ..سأعود لأسأل عنه مرة أخرى
سأله الشيخ .. حين يأتي نقول له من ؟…
أحمد.. قل له صديقك المصري أحمد الذي يحدثك على المسنجر
قال الشيخ مستغربا ..ماسنجر ؟
هنا تدخل علي وقال للشيخ .. ممكن يا حج تعطيني رقم جواله
الشيخ.. هو لا يحمل جوال .. فقد باعه منذ مدة
علي .. حسنا يا حج نشكرك وسنعود لنسأل عنه مرة أخرى
الشيخ.. لا يصح أن تمشوا هكذا على الأقل كوب شاي
أعتذر علي من الشيخ وقال له.. مرة أخرى يا حج .. سنشربه حين يأتي أيمن
ركب علي وأحمد السيارة ووجه علي كلامه لأحمد قائلا هل أفهم من كلامك أن صديقك هذا تعرفت عليه من الماسنجر؟
أحمد .. نعم.. ولكنني أعرفه جيدا فأنا أحدثه منذ سنة تقريبا
علي.. أرجو أن يكون شاب طيب وألا تذهب زيارتك أدراج الرياح
أحمد.. في الحقيقة أنا هنا لأقوم بعمل صحفي ولكنني قلت أن صديقي أيمن سيساعدني في هذا العمل بالتأكيد
ثم قال أحمد.. توجه بي نحو أقرب فندق من هنا
علي.. لا يوجد في خان يونس ولا رفح فنادق ..وغزة الطريق إليها مغلق .. ثم أضاف علي.. ستبقى في ضيافتي حتى يعود صديقك
أحمد.. لا أريد أن أثقل عليك
علي .. لا تتحدث هكذا.. أنت ضيفي ابتداء من اليوم
أحمد.. أشكرك كثيرا لقد أرهقني السفر واحتاج للنوم بشدة
ذهب علي إلى أحد المطاعم وقام بشراء طعام الغداء ثم ذهبا إلى المنزل 0
لاحظ أحمد أن المنزل خالي من الأثاث إلا من كراسي البلاستيك وغرفة بها فراش ارضي ومطبخ متواضع جدا خالي من أغلب مستلزماته
قال أحمد مازحا أين أثاث المنزل تبدو الشقة خالية ؟
علي .. هذه الشقة ستكون عش الزوجية وهي مقر عزوبية مؤقت وملتقى للأصدقاء
أحمد .. ألا تسكن مع أهلك ؟
علي .. بلى .. ولكن أحيانا آتي إلى هنا لأقيم يوم أو يومين فالمنزل مزدحم لا يصلح للقاء الأصدقاء
أحضر علي طاولة من البلاستيك وأعد الطعام وجلس كلاهما يتناولان طعام الغداء وأثناء الغداء حدثه علي عن طبيعة مدينة خان يونس والمنطقة الجنوبية من قطاع غزة عموما
فهم أحمد أنه في مدينة تختلف كثيرا عن مدن مصر من حيث العادات والتقاليد
خان يونس مدينة نصف سكانها من اللاجئين .. تنقسم إلى بلد ومخيم .. والمخيم يختلف كثيرا عن المدينة ولكنهما متشابكين ومتداخلين
قال أحمد .. لاحظت أن أغلب النساء هنا محجبات حتى طالبات المدارس الصغار يرتدين الإشارب
علي .. هذا صحيح فخان يونس مدينة محافظة جدا و من الصعب ان تجد امرأة تسير في الشارع دون أن تغطي رأسها
ناهيك عن أن عادات القبيلة تحكم الناس هنا أكثر من أي شيء آخر .. وربما تستغرب لو قلت لك أن مسألة الثأر هنا أقوى من ما هي عليه عند الصعايدة في مصر
ضحك أحمد قائلا : كل جنوب له صعايدة
علي ... ربما ... ولو أن خان يونس تعتبر جنوب القطاع وليست جنوب فلسطين .. سأتركك الآن لتأخذ قسطا من الراحة و أ نهي بعض المشاوير .. ثم أعود إليك بعد المغرب لكي نقوم بجولة في خان يونس
ثم قال علي.. هناك هاتف نقال تستطيع أن تتصل منه على مصر لكي تطمئن الأهل في مصر على سلامة وصولك .. و هذا رقمي أن أردت أن تتصل بي أو احتجت لشيء
خرج علي بعد أن أعطى أحمد الهاتف وبقي أحمد في المنزل يستريح من عناء السفر ويأخذ قسطا من النوم .. وفي المساء عاد علي لكي يصحب احمد في جولة داخل المدينة
خرج علي وأحمد سيرا على الأقدام وتوجها نحو قلب المدينة وبعد أن صليا صلاة العشاء في الجامع الكبير توجها نحو أحد المطاعم التي تبيع الفول والفلافل
جلسا في المطعم وبدأ أحمد يراقب الناس ويستفسر عن بعض الكلمات التي يصعب عليها فهمها من التي يتبادلها الصبية
وأثناء تناولهم الطعام تقدم شاب يحمل كلاشن كوف واقترب منهما ثم قال : حلو .. ضمنا العشاء اليوم
نظر كلاهما للمتحدث وهنا قال علي : حماتك بتحبك .. اجلس يا اشرف وتناول معنا العشاء
قال أشرف ..و لو أني أكلت قبل قيل ولكن لا بأس
ضحك علي قائلا .. اجلس وبلا كتر غلبة
وجه أحمد حديثه لأشرف وسأله .. هل أنت من كتائب القسام ؟
نظر أشرف إلى علي قائلا يبدو أن صاحبك يريد أن يدمر المطعم فوق رؤوسنا ثم وجه حديثه لأحمد ... لا يا أخي أنا من كتائب أحمد أبو الريش
قاطع علي الحديث وبدأ يوضح لأحمد الأمر .. كتائب الشهيد أحمد أبو الريش هي تابعة لحركة فتح بينما القسام تابعة لحماس
أحمد .. أعلم عن القسام الكثير ولكن أول مرة أسمع عن أبو الريش
علي لأشرف.. أخونا أحمد من مصر واليوم هو أول يوم له في القطاع
أحمد .. أريد أن ألتقي واحدا من مجاهدي القسام فأنا صحفي وأريد أن أقوم بعمل تحقيق صحفي عن كتائب القسام
قال أشرف ضاحكا .. لو تقوم بهذا التحقيق الصحفي معي يكون أفضل لك على الأقل تضمن أنك لن تتعرض لقصف الطائرات وأنت تحدثني
يبدو أن علي لم يعجبه هذا الكلام فأراد أن يغير الموضوع فقال لأحمد .. ما رأيك بالفلافل ؟
أحمد طعمها جميل ولكنها ليست مثل الفلافل عندنا
أجابه علي .. نعم هذا صحيح ..لأن الفلافل هنا مصنوعة من الحمص.. أما في مصر فهي مصنوعة من الفول ولهذا سألتك عن الفرق
أحمد .. نعم الفلافل هنا طعمها أفضل .. ثم وجه حديثه لأشرف وسأله .. هل يمكن أن تساعدني في الوصول لكتائب القسام ؟
أشرف.. من الصعب الوصول للقسام فهم لا يظهرون شخصيتهم لأحد .. ولكن ممكن أجعلك تصور عملية نقوم بها على المستوطنات
فرح أحمد كثيرا وقال .. ومتى يمكنني هذا
أشرف.. في أي يوم تريده
أحمد حسنا فليكن غدا
قال علي لأحمد .. لا تصدقه فهو يكذب
أشرف لعلي .. هل تراهن ؟
علي .. بدون رهان .. أصلا أنتم أهل السلطة لا ذمة ولا ضمير
أشرف .. ملعون أبو السلطة .. أصلا لولا الراتب لحلقتلها على الناشف
أحمد يسأل .. هل الأخ من السلطة ؟
قال علي نعم .. يعمل في المخابرات
ثم انهمكوا في الحديث عن السلطة والفساد والأجهزة الأمنية
وفي آخر المطاف فهم أحمد أن أشرف لا يكن ولاء للسلطة و العلاقة بينه وبين السلطة هي الراتب الشهري فقط
واتفق أحمد مع أشرف أن يقوم بتصوير عملية أطلاق نار على المستوطنات تقوم بها كتائب أبو الريش
خرج أحمد وعلي من المطعم وتجولا في المدينة وبينما علي يحدثه عن قلعة برقوق وسوق الأربعاء وما تعرضه المحلات كان أحمد ينظر للمسلحين الذي يرتدون الملابس المدنية وكلما شاهد مسلح ملتحي سأل علي هل هذا من كتائب القسام؟ وكان علي يجيب بالنفي دائما
عاد الاثنان إلى المنزل ولكل منهما انطباع عن الآخر
علي لا يرتاح لأسئلة أحمد المتكررة عن كتائب القسام وليس راضيا عن الاتفاق الذي حدث بين أحمد وأشرف
وأحمد بدء يشعر أن علي يتعمد تضليله أو يخفي عنه شيء .. وتمنى أن يعود أيمن من غزة بأسرع وقت .. وربما علي كان يتمنى ذلك أيضا
قال أحمد نسينا أن نذهب إلى بيت أيمن لنسأل عنه
علي .. لازالت الطريق بين غزة والجنوب مغلقة وما من سبيل أن يعود حتى تفتح الطريق أحمد .. هل تتضايق من وجودي معك ؟
علي .. لم تقول ذلك ؟
أحمد .. أرى أن هناك تغير طرأ على معاملتك لي.. فلم تعد تمزح كما كنت في السابق
علي .. أسئلتك عن القسام وحديثك عن المقاومة والفصائل قد يسبب لك المتاعب فهذه الأمور لا يتحدث فيها أحد على الملأ
أحمد .. أنا لم أتحدث إلا معك ومع صديقك فقط
علي .. أولا أشرف ليس صديق .. فعلاقتي به مجرد معرفة وجيرة فقط .. ثم أنك يا رجل تكاد تسأل كل من يحمل قطعة سلاح هل أنت من القسام
أحمد.. وما الضير في هذا .. أليسوا يحملون سلاح.. إذا فهم من المقاومة
علي .. ليس كل من يحمل سلاح يعتبر مقاومة .. أغلب من رأيتهم هم مثل أشرف وأفراد الأجهزة الأمنية وبعض المتسلقين .. يجب أن تعرف أن المقاومين الحقيقيين لا يسيرون في الشوارع بهذه الطريقة الاستعراضية لأنهم سيعرضون أنفسهم للخطر
أحمد .. أليس أشرف من المقاومة
علي .. سترى هذا غدا .. الم تتفقا سويا على أن تصور عملية لهم غدا ؟
أحمد .. بلى
علي .. حسنا إن غدا لناظره قريب
ولكن كن حذراً وحتى لا تتعرض لخطر إلزم الشباب ولا تفارقهم أبدا ..فهم أدرى بالمنطقة وكيف يتصرفون حين تستصعب الأمور
أحمد. . فعلا. . الصحافة مهنة البحث عن المتاعب
سأعمل بنصيحتك فلا تحمل هما
علي مازحا . قضى كلاهما الليلة وكل منهما يتحدث عن نفسه فأحمد لم يكن لديه شيء يخفيه حدث علي عن كل شيء تقريبا حتى عن تصفحه لموقع القسام والشهداء والعمليات والشهيد المصري أبو جندل رحمه الله منفذ عملية القدس
ربما كان هذا التوضيح من أحمد قد خفف قليلا من ريبة علي
ولكن أحمد شعر أن علي لا يثق به ولهذا سأله عن سبب استضافته له وهو لا يعرفه
قال علي أنا اعرف مصر جيدا و لدي فيها أصدقاء وحين رايتك وسمعت لهجتك تذكرت مصر والأصدقاء لهذا عرضت عليك التوصيل و الباقي أنت تعرفه
أحمد مازحا .. تقصد أنك تورطت في استضافتي
علي .. ليست ورطة .. ولكن ظروف عملك وعدم إلمامك بطبيعة الناس هنا قد يسبب لك المشاكل ..خصوصا وأنت على ما يبدو ستخوض مغامرة الله أعلم إلى أين تنتهي
ليس من حقي أن أتدخل في عملك ولكن الموضوع ليس سهل كما تتصور وبما أنك ضيفي فأنا أشعر تجاهك بالمسؤولية
أحمد .. هل أنت مقاوم يا علي ؟
علي.. سؤال غريب .. وما الذي جعلك تقول هذا ؟
أحمد.. مجرد سؤال عابر
علي .. في الحقيقة أنا أقاوم النوم الآن فلدي عملي غداً .. تصبح على خير
أحمد .. وأنت من أهل الخير
في الصباح أتصل أشرف بعلي واخبره انه ينتظره بجوار مسجد السنة في وسط المدينة لكي يقوم أحمد بتصوير بعض الشباب الملثمين ويجري حوار معهم قبل أن يذهب معهم في الليل ليصور العملية
وبالفعل ذهب أحمد وعلي إلى أشرف .. وأوصى علي اشرف أن يهتم بأحمد جيدا .. وشدد على أحمد انه لو احتاج شيئا فليستعمل الهاتف الذي معه ويتصل عليه.. وافترق علي عنهما
قضى احمد نهاره كله مع أشرف وقام بالفعل بتصوير بعض الشباب الملثمين وأجرى معهم حوار صحفي وحين حل الظلام توجه أشرف و أحمد ومعهم ثلاثة من الشباب إلى منطقة النمساوي خلف مستشفى ناصر
دخل الجميع المقبرة القريبة من الحي النمساوي وكان الجميع يحمل الأسلحة باستثناء أحمد الذي كان يحمل كاميرة الفيديو الصغيرة
لم يكن يعرف أحمد أين الهدف الذي سيطلق عليه الشباب النار ولكنه وجه الكاميرا نحو الشباب الذين اتخذوا وضع الاستعداد لإطلاق النيران
صمت مطبق ولحظات صعبة بالنسبة لأحمد الذي بدأ يشعر بشيء من القلق والتوتر خصوصا عندما فهم أن هناك دبابات في المنطقة ولم يكن صوت هذه الدبابات ببعيد مما زاد حالة التوتر والقلق عند أحمد
وفجأة أطلق الشباب النار نحو المستوطنة بكثافة
ولم تكد تمر لحظات حتى ردت جميع نقاط المراقبة الموجودة على السياج النيران بصورة عشوائية ومكثفة
وهنا قال أشرف لأحمد هيا اتبعنا علينا أن نغادر المنطقة فورا
بالكاد استطاع أحمد أن يحرك قدميه فما شاهده كان شيء يحدث له لأول مرة في حياته
ألاف الطلقات تطايرت هنا وهناك وهو يراها بكل وضوح .. ألاف الجمرات الحمراء تحك الهواء بصرير مخيف وقد بدا لأحمد أن دوي الطلقة يعتبر من الأصوات الشاعرية بالنسبة لصوت احتكاك الطلقة في الهواء لأن هذا الصوت يعني أن الطلقة تمر قريبا جدا منه
ولقد حدث ما كان يخشى منه احمد... بدأت الدبابات بإطلاق القذائف على منطقة المقابر
حالة من الإرباك سببتها القذائف جعلت الجميع يفر كل واحد في مكان مختلف إلا أحمد الذي أخذ وضع الانبطاح ..ثم رفع رأسه ليجد نفسه وحيدا بين القبور بينما نيران اليهود مازالت متواصلة تضرب في كل مكان على غير هدى
لم يعد يعرف أحمد أين يتجه فالظلام دامس والرصاص ما يزال ينهمر على المنطقة
ثلث ساعة تقريبا وبدا له أن الدبابات باتت أقرب إلى المكان فلقد أصبح صوت محركاتها قريبا جدا
توقف عقل أحمد عن التفكير وبدا له أن نهايته قد حانت وتذكر أهله في مصر وآخر مرة كانت توصيه والدته بأن يأخذ حذره في آخر كلماتها له
وفجأة أنقطع تفكيره حين تذكر الهاتف المحمول الذي أعطاه إياه علي
فما كان إلا أخرجه من جيبه لكي يتصل بعلي
ولكن ضوء الهاتف في الظلام يبدو أنه كشف مكانه بالنسبة لليهود
يبدوا أن نقاط المراقبة الموجودة على السياج الحدودي ميزت ضوء هاتف أحمد وهو يحاول الاتصال بعلي ..ولأن شاشات المراقبة الإلكترونية مرتبطة كلها بشبكة واحدة .. قامت جميع نقاط المراقبة بتوجيه صالياتها نحو مصدر الضوء ..ولكن أحمد كان يختبئ خلف أحد القبور وهو في منطقة منخفضة قليلا لا تسمح بأن يصله الرصاص.. وطبعا أحمد لم يكن يعرف هذا … فاختياره للمكان الذي كان يختبئ فيه كان بمحض الصدفة
تحركت إحدى ناقلات الجند لتتخذ مكان يمكنها من ضرب الهدف بصورة أفضل … و هذا التحرك جعلها تقترب أكثر من منطقة المقابر... ولكن كان هناك من ينتظر هذه اللحظة.. مجموعة من كتائب القسام كانت ترابط في المنطقة .. وقد رأت الناقلة اقتربت من العبوة المزروعة منذ ثلاثة أيام .. وحين قدر المجاهد وصول الناقلة إلى مكان العبوة.. قام بتفجير العبوة بواسطة سلك كهرباء
في هذه اللحظة سمع أحمد صوتا كأنه يصدر من أعماق الجحيم … صوت الانفجار كان قويا للغاية .. فعبوات القسام كبيرة الحجم ومتقنة الصنع .. وصوت انفجارها يُسمع من على بعد أميال ..فكيف يكون الأمر وأحمد بعيد عن مكان الانفجار مسافة لا تزيد عن مائتي متر
لم يعد أحمد يسمع شيئا على الرغم من حالة الهستيرية التي انتابت جميع نقاط المراقبة وأخذت تطلق النيران بكل أنواع العيارات والقذائف وينقلب مجمع المقابر إلى كتلة من النار بسبب ما تساقط عليه من قذائف و طلقات الرصاص المختلفة الأنواع
أيقن أحمد أنه أصبح هالكا لا محالة .. و أن نهايته قد حُسمت في هذا المكان ولكنه شعر بيده تهزه وتجذبه نحوها ..نظر أحمد إلى صاحب اليد فتبين له أنه علي وكان الأخير يتحدث إليه ببعض الكلمات ولكن أحمد لم يكن يسمع ولا كلمة واحدة بسبب تأثير صوت الانفجار على أذنيه
أمسك علي أحمد بيد والحقيبة والكاميرا باليد الأخرى و تسللا بين القبور حتى خرجا من سور المقبرة
ومن مقبرة لأخرى حتى أصبح حي النمساوي قريبا منهم .. وقبل أن يقطعا الشارع ليصلا خلف إسكان النمساوي لاحظ علي اقتراب ظلين منهما في الظلام .. فاخرج مسدسه وصوبه نحو الظلين ثم ما لبث أن أعاد المسدس حين تبين له أن الشخصين ملثمين ويضعون على رؤوسهم شارت كتائب الشهيد عز الدين القسام .. وفي نفس اللحظة التي اقترب فيها الملثمين أطلقت دبابة قذيفة عملاقة من القذائف المضيئة فأحالت المنطقة على نهار حقيقي.. فأشار علي على الجميع أن يلزموا مكانهم وأن يحتموا في ظل السور حتى تنطفئ القنبلة المضيئة.. وفي ضوء القنبلة لمح أحمد شارات الكتائب الموضوعة على جباه الملثمين ولكن الظرف لم يكن يسمح له بالكلام
قطع أحمد وعلي الشارع الفاصل بين المقابر ومنطقة إسكان النمساوي بسرعة وفي المنطقة السكنية أفترق الملثمين عن هما
وصل أحمد وعلي إلى مستشفى ناصر حيث تقف سيارة علي.. وكان هناك اشرف بانتظارهم
أراد أشرف أن يشرح لعلي الموقف ولكن علي قال سنتحاسب فيما بعد .. أ هذا ما وصيتك عليه؟
ركب علي وأحمد السيارة عائدين إلى المنزل وفي الطريق حكى أحمد لعلي كل ما حدث من ساعة دخولهم منطقة المقابر
وحين دخلا المنزل قال علي لأحمد ادخل الحمام لكي تستحم فأنت مليء بالغبار
أحمد .. لازالت أذني تصفر و بالكاد أسمعك
علي .. سيزول هذا قريبا المهم أنك بخير
دخل أحمد الحمام لكي يستحم.. ثم رن جرس هاتف علي فرد على الهاتف قائلا حسناً سأفتح الباب لك
فتح علي باب المنزل ليجد صديقه خالد وهو يقول له .. ماذا حدث لقد شاهدك الشباب في منطقة المقابر
علي .. حكى لخالد عن ما حدث وطلب من خالد معلومات عن أيمن بأسرع وقت ممكن
خالد .. أسأل عنه أصدقائي في منطقة سكناه وأخبرك بما يتوفر لدي من معلومات
ثم غادر خالد المنزل ودخل علي المطبخ ليقوم بإعداد الشاي
وقف أحمد على باب المطبخ قائلا .. تصور أن جسمي مليء بالجروح والخدوش ولم انتبه إلا الآن
علي وهو يبتسم .. أرجو أن تكون بسيطة
أحمد خدوش بسيطة ولكن يبدو أن الكاميرا قد انتهت
علي… هل انكسرت ؟
أحمد .. بعض الأجزاء مكسورة والكاميرا مليئة بالرمال
علي .. لا تحمل هما .. سنجد من يصلحها
أحمد .. كيف عرفت بمكاني ؟ لقد حاولت أن أتصل بك ولكن الرصاص كان كثيفا لولا القبر الذي أحتمي خلفه لقد كنت في عداد الأموات
علي .. أتصل بي أشرف وأخبرني أنهم افتقدوك في مقبرة عائلة (…)
فذهبت لأبحث عنك والحمد لله وجدتك بسرعة .. فأنا أعرف هذه المنطقة جيدا
أحمد .. أنا مدين لك بحياتي .. فأنت عرضت نفسك للخطر من أجلي ولولاك…
علي مقاطعا .. أولا أنا أعرف المنطقة جيدا وأعرف المناطق التي يمكن أن يصلها الرصاص دون غيرها .. ولهذا قلت لك أن تلزم الشباب لأنهم يعرفون كيف يخرجون من المنطقة وربما تستغرب لو قلت لك أن هناك من يبيت في هذه المنطقة حتى بعد كل ما شاهدته هناك فما حدث شيء يحدث كل يوم من بداية الانتفاضة دون انقطاع
أحمد .. تخيلت أن الدبابة وصوتها يقترب أنها ستصبح فوق رأسي بين لحظة وأخرى
علي ضاحكا .. من الصعب أن تتقدم الدبابة إلى المنطقة التي كنت فيها ..فالمنطقة هناك مليئة بالعبوات ..واليهود يعرفون هذا جيدا .. ودائما هناك من يرصد تحرك الدبابات لكي يفجر العبوات
أحمد .. ليلة لن أنساها في حياتي .. تعرف ؟… كنت أتمنى أن يكون معي سلاح أطلق الرصاص عليهم ولا أموت هكذا أعزل
علي وهو يبتسم .. أنت شجاع يا أحمد ولكن متهور أيضا
أحمد .. معك حق تسخر مني
علي .. لا والله لا أسخر .. بل هذه هي الحقيقة .. لقد دخلت منطقة كان يمكن أن تموت فيها ودخولك هذه المنطقة دون أن تعرف طبيعتها يعتبر تهور منك
ولكن مجرد أنك فكرت في الخروج لتصوير اشتباك وأنت تعلم أنه قد تُقتل مع المنفذين يُعد شجاعة كبيرة
أحمد .. وهل يفسر أشرف هذا هكذا ؟
علي .. اشرف هذا لي حساب معه .. ما كان ينبغي له أن يتركك وحدك وقد نبهته لهذا كثيرا
أحمد .. في الحقيقة أنا المحق لقد انبطحنا عندما انفجرت قنبلة قريبة منا ولكنني رفعت رأسي ولم أجد أحد .. كان يجب أن أبقى بجوار أحدهم ولكن الموقف كان مخيف بالنسبة لي
علي .. لو كنت تعرف المنطقة جيدا كان يمكنك الاعتماد على نفسك
أحمد مقاطعا .. تعرف يا علي وأنا في تلك المنطقة كنت أتمنى أن أكون في أي مكان آخر في الدنيا غير ذلك المكان .. ولكن بعد أن عدت إلى هنا أتمنى أن أكرر التجربة مرة أخرى ولكن يجب أن يكون معي سلاح ... ثم قال مبتسما ..لكن عليك أن تكون قريبا مني حينها .. لكي تتدخل مرة أخرى
علي وهو يضحك .. نعم.. ولم لا.. أنت تقوم بعملية وأنا أصورك.. وبدلا من أن تقوم بتحقيق صحفي عن المقاومة تقوم بكتبة مغامراتك في القطاع
ضحك أحمد وعلي وتبادلا المزاح وتذكر أحمد بعض النكات المصرية وكان علي يقول ما يعرفه من نكات فلسطينية ، ثم صليا الفجر وأثناء النوم قال أحمد غامزا .. لقد رأيتك وأنت تتحدث مع ملثمين من القسام وشاهدت معك مسدس أيضا
علي .. نم يا أحمد ليس كل من يحمل سلاحا مقاومة
أحمد .. تتهرب كعادتك .. تعرف يا علي ..فكرت في أختي وتحذيرها لي من المجيء إلى هنا حين كنت بين الحياة والموت في تلك المنطقة …لن تصدق لو قلت لها ما حدث .. ولكن لا تقنعني أنك لست من المقاومة
علي .. نم يا أحمد .. خليني أعرف أنام
أحمد .. حسنا حسناً .. ولكن من أين يأتي النوم ..
في الصباح ..أفاق علي على جرس هاتفه وكان المتحدث خالد الذي قال.. أن أيمن قد عاد وهو طالب في كلية التربية جامعة الأزهر وليس له أي ميول تنظيمية .. سأله علي.. والجانب الأمني والأخلاقي ؟
خالد .. أخلاقه لا بأس بها والناحية الأمنية مبدئيا لا يوجد عليه شيء
علي .. حسناً ..شكرا يا خالد .. سأقوم بعمل اللازم.. ثم أنهى المكالمة
خرج أحمد وعلي من المنزل.. وقد علِم أحمد بوصول أيمن .. وبعد صلاة الجمعة توجه علي وأحمد نحو أحد المطاعم وتناولا طعام الغداء ..ثم عادا إلى المنزل وجمع أحمد أغراضه وحقيبته وتوجها نحو بيت أيمن
وفي الطريق نبه علي أحمد أن لا يخبر أحد بما حدث معه مهما كان حتى أيمن ..وقد وعده أحمد بذلك
رحب أيمن بكل من علي وأحمد ودعاهما للدخول.. وفي المنزل شكر أيمن علي على استضافة أحمد أثناء غيابه
وبعد تناول الشاي.. أستأذن علي من الجميع ووصى أيمن على أحمد.. خرج أيمن وأحمد من المنزل لكي يوصلا علي ..وسلم علي على أحمد وقال له ..كن حذرا وانتبه لنفسك جيدا .. وركب علي السيارة ولكن أحمد نادى عليه فتوقف علي ونزل من السيارة .. فقال له أحمد .. نسيت أن أعطيك الهاتف.. ضحك علي وقال اعتبره هدية مني لك.. فلدي هاتفي ولست بحاجة له .. أصر أحمد أن يعطي الهاتف لعلي ولكن علي رفض قائلا .. أبقيه معك حتى تنهي زيارتك …وحين تحتاج إلى شيء اتصل بي .
قال أحمد.. بالتأكيد لن أسافر قبل أن ألقاك وأودعك
وتعانق علي وأحمد الذي جمعت بينهم الصدفة صداقة من نوع غريب
تغيب أحمد عن علي حوالي أحد عشر يوما وكان أحمد يتصل بعلي من وقت لآخر
وقد علم علي أن أحمد استطاع أن يقابل الشيخ ياسين واجري معه حوار وقابل عددا من قيادات الحركة .. وفي يوم اتصل أحمد بعلي وأخبره أنه في الطريق من غزة إلى خان يونس ولكنهم أغلقوا الحاجز من الطرفين .. وبقي محجوز بين الحاجزين في السيارة مدة لا تقل عن تسعة ساعات
وصل أحمد إلى خان يونس بعد أن فُتح الحاجز والتقى بعلي الذي اصطحبه إلى المنزل
أحمد.. تخيل أنني كدت أموت وأنا محشور في السيارة مع سبعة ركاب دون أي حركة.. تسع ساعات.. مع أن في رحلة الذهاب أخذت الطريق تقريبا ساعة ونصف
علي.. أحيانا يتم احتجاز السيارات يوم بليلة والركاب داخلها دون أن يُسمح لهم بالخروج من السيارات
أحمد مستغربا .. لهذه الدرجة ؟
علي .. قبل أن يقيموا هذا الحاجز كانت الرحلة تأخذ من خان يونس إلى غزة بالسيارة نصف ساعة تقريبا .. فالمسافة من هنا إلى هناك تقريبا 35 كيلو أو أقل
أحمد .. لو كنت ذاهبا إلى القاهرة لوصلت في أقل من تسع ساعات
علي مازحا ..حتى تعرف أن القطاع كبير .. فكنا نشعر قبل الانتفاضة بضيق المساحة .. حتى أن الواحد منا كان يجوب القطاع من طرف جنوبه لطرف شماله بالسيارة في أقل من ساعة .. أما الآن ..فالتنقل بين الشمال والجنوب يُعد سفرا طويلا .. ضحك علي ساخرا .. هل ترى كم يحبنا اليهود ؟ يريدون أن يشعرونا أن القطاع كبيييير.. فلا تضيق صدورنا ونفكر في بقية فلسطين أو الذهاب إلى الضفة الغربية
حكى أحمد لعلي كيف أغلقوا الحاجز من كلا الطرفين وحجزوا عشرات السيارات بين الحاجزين .. والدبابات التي كانت تتحدث من خلال مكبرات الصوت مع السيارة المراد تفتيشها بأن تدخل في مكان محاط بمكعبات الأسمنت حتى لا يراها أحد وحتى يستطيعوا السيطرة على ركاب السيارة لو أن أحدهم أراد أن يقوم بشيء ما
قال أحمد.. لقد سمعت عشرات القصص من الركاب عن الحاجز وأنا في السيارة وشاهدت كيف الجنود يأمرون السيارات بالسير أو التوقف من خلال برج المراقبة بلغة الرصاص ..
وسمعت أن الحاجز استشهد فيه عدد كبير من المسافرين على الطريق … ولكن نحن نرى في التلفزيون الحواجز تختلف عن هذا .. فكنا نشاهد الجنود يقفون ويتحدثون مع الناس ويأخذون هوياهم وهكذا
علي .. يحدث هذا في الضفة أو القدس وليس هنا في القطاع .. فاليهود لا يتعاملون مع الناس على الحواجز بصورة مباشرة في القطاع .. وهم يخشون من الاحتكاك بالناس هنا بصورة مباشرة ولهذا يتعاملون بالطريقة التي رأيتها
أحمد ولم يخلوا حديثه من السباب والشتائم تجاه اليهود قائلا .. في المعبر كانت المعاملة في غاية اللطف .. حتى تخيلت أن اليهود مظلومين في الصورة التي ينقلوها عنهم
ولكن ما شهدته خلال إقامتي هنا تبين لي أنهم أحقر بكثير من الوصف الذي اعرفه
علي .. انقل هذا في تحقيقك الصحفي..
أحمد بنبرة حزن … تحقيق .. يبدو أني لم أنجح في رحلتي
علي .. كيف ؟
أحمد لقد كان في خاطري وأنا هنا أن ألتقي بالقساميين واجري معهم حديثا.. وربما أصور لهم عمليات على غرار تحقيقات الجزيرة في افغانستان .. ولكن يبدو أن الأمر أصعب مما تخيلت
علي .. ألم تجري حوار مع الشيخ ياسين ؟
أحمد .. بلى .. و مع قيادات أخرى من مختلف الفصائل … ولكن في كل مرة يقولون أن الجناح العسكري ينفصل عن الجناح السياسي ..وعليك أن تقوم بنفسك في البحث عن القسام
ثم أضاف أحمد قائلا.. تخيل يا علي أنني التقيت بكل أطياف الفصائل هنا ومنهم من كان يطلبني كي اجري معه حوار .. ولكن لم أشاهد ولا مرة أحدا من كتائب القسام أو أحدا يستطيع أن يوصلني أليهم
علي .. لا يختلف القسام عن بقية الأجهزة العسكرية التي التقيت بها فتقريبا كلهم يعملون بنفس الطريقة ولكن القسام لا يُظهر من تواجده كثيرا
أحمد .. يا رجل.. كتائب القسام تقريبا تقوم بأكثر من نصف العمليات وقد تكبد اليهود الكثير من الخسائر بسبب عملياتها..وهذا دليل على أنهم ليسوا مثل كل الفصائل
علي .. ان لقاء القساميين ليس بالسهولة التي تتصورها .. فهم لا يوجد لهم مقر ولا مكان تجدهم فيه.. إلا إذا ذهبت إلى مناطق التماس والتقيت بهم صدفة وهم يفجرون العبوات أو يطلقون الهاون
أحمد .. علمت من أيمن أن الأجهزة التي تعمل هنا بإخلاص هي كتائب القسام و المقاومة الشعبية وسريا القدس وكتائب أبو الريش في الجنوب
ولكن كل هؤلاء التقيت بهم إلا كتائب القسام
علي .. يبدو أنك نويت الرحيل أليس كذلك ؟
أحمد.. لا.. لن أرحل سأقيم هنا بعضا من الوقت
علي .. مهما طالت إقامتك هنا ستكون في عيوننا
أحمد .. على الرغم إني التقيت الكثيرين لكني لم أجد أحدا هنا بقوة شخصيتك ولا ثقتك بنفسك ولدي إحساس كبير انك تستطيع أن تساعدني في مهمتي
علي .. أنا ؟.. وما الذي يدعوك لتقول هذا
أحمد .. حسناُ لنتحدث بصراحة .. أنت يا علي لست شخص عادي فكل الدلائل تشير إلى أنك تخفي شيء عني ولا تريد الإفصاح عنه .. ولكن على ما يبدو أنك لا تثق بي
علي مقاطعا ..تأكد يا أحمد لو بإمكاني مساعدتك لما تأخرت عنك.. وعلى الرغم من الوقت القليل الذي قضيته معك فأنني أشعر أنك شخص جدير بالثقة .. و إلا ما استضفتك هنا
أحمد .. حين قابلت أيمن ساعدني بكل ما يستطيع فقد عرفني على شباب الكتلة في الجامعة.. ومن خلالهم تعرفت على شباب كثيرين وكانت ثقته في بلا حدود ... ولو كان يعرف شيئا عن القساميين لما خبأه عني .. . ثم قال.. والله يا علي أني أحببتك على الرغم من قلة الوقت الذي قضيته معك ..ولم أشعر بهذا الحب تجاه أحد ممن قابلتهم إلا لشخص واحد قابلته في غزة.. وقد وثق في هذا الشخص أيضا .. حتى أنه علمني كيف استخدم الكلاشن كوف والإم 16 .. فكنت أخرج معه ومع بعض الشباب في التدريب على القنص
علي .. من أي فصيل ؟
أحمد .. طبعا لا أستطيع أن أقول لك.. فهذا سر بيني وبين الرجل وأنت أدرى بهذه الأمور
علي .. صدقت وهذا يجعلك تكبر في نظري
أحمد .. هل تتخيل أني قلت لأحد شيء عنك أو عن أشرف ؟
علي .. أنا متأكد أنك تتفهم الأمور جيدا .. وهذا يدل على مدى ذكائك وحسن تصرفك ولو أن الحديث عني ليس خطرا ..فأنا أمشي جنب الحيط
استمر الحوار بين أحمد وعلي وتحول كما العادة إلى مزاح وضحك وأراد أحمد أن يستأذن من علي لأنه وعد أيمن بالمبيت عنده .. ولكن علي قال له نذهب لتعتذر منه.. فكما تعلم بيته ضيق ..و هو بيت الأسرة و لن تأخذ راحتك هناك مثل هنا ...ثم أنني اتفقت مع بعض الأخوة على نزهة نقوم بها بشواء الدجاج واللحم في أرض أحد الأصدقاء.. وجيد أنك جئت لكي تأتي معنا
وافق أحمد وذهبا إلى بيت ايمن .. وبالفعل اعتذروا منه.. وفي الطريق أراد أحمد أن يذهب إلى اشرف لأنه اشتاق إليه .. فذهبا إلى مقر المخابرات في خان يونس.. وأصر أشرف على أن يصطحبهم إلى منزله في مخيم خان يونس وعزمهما على العشاء... وبين منازل المخيم وشوارعه الضيقة جدا.. قال أحمد كأنني في مخيم الشاطىء بالضبط.. نفس الشوارع ونفس البيوت .. فحدثه علي عن المخيمات في كل ربوع الوطن والشتات وأنها لا تختلف عن بعضها ..وأن المخيمات هي وقود المقاومة ومنها دائما تكون الشرارة الأولى
و في بيت أشرف.. أنتبه أحمد أن أشرف يعلق صور كثيرة لشهداء مسلحين أغلبهم من القسام وكتائب أبو الريش ..وحدثه اشرف عن الشهيد( ن) الذي تتوسط صورته الشهداء ببرواز مميز .. وكيف أنه لم يكن يعلم أنه من القسام حتى استشهد وهو يقوم بإعداد عبوة
قضى الشباب الثلاثة سهرتهم في بيت أشرف والرصاص والقذائف تنهال على أطراف المخيم بين لحظة وأخرى كما يحدث كل ليلة
وتذكر أحمد ما حدث معه في المقبرة وتبين أن ما حدث يومها يحدث كل ليلة دون انقطاع في منطقة النمساوي والمقابر والدلتا والتفاح
عاد علي وأحمد إلى المنزل وفي الصباح أتى أصحاب علي إلى المنزل ..وذهب الشباب الستة في رحلة إلى ريف القطاع وهناك قاموا بصلاة الجمعة في مسجد صغير .. وبعد الصلاة قاموا بشواء الدجاج على طريقة (المندي) التي لم تعجب أحمد وفضل اللحم المشوي على الفحم
قضى الشباب اليوم وتناولوا كل الأمور التي يمكن أن يتحدثوا فيها .. وكان المزاح والمرح له نصيب كبير في الرحلة
أُعجب أحمد بأصدقاء علي وشبههم بالشباب المثالي .. وقد تعرف على أسمائهم جميعا وأعطاهم عنوانه في مصر وإيميله على النت
وفي آخر النهار جاء اتصال لعلي يخبره أن اليهود يريدون اقتحام مدينة خان يونس .. وهناك إشتباكات عنيفة عند حاجز التفاح
وعلى الفور قام علي وأصدقائه بالعودة إلى المدينة وافترقوا هناك ..وذهب علي إلى المنزل مع أحمد وقال لأحمد سأذهب إلى الحاجز لأستطلع الأمر
وفتح علي باب غرفة كانت دائما مغلقة .. وكان في الغرفة ملابس للملثمين وعددا من الرشاشات وبعض الأشياء الأخرى التي تنفي براءة علي من ما كان يوهم به أحمد
ارتدى علي ملابسه بسرعة ووضع المقنع على وجهه ولكن أحمد أستوقفه قائلا لن تذهب وحدك سآتي معك
وأمسك أحمد ببندقية كلاشن كوف وقال لعلي لن يستطيع أحد أن يمنعني من الخروج معك أو حتى الخروج لوحدي
فهم علي انه من المستحيل إقناع أحمد بالعدول عن رغبته أمام تصميمه ولم يكن الوقت يسمح بالجدال واليهود يضربون المخيم بعنف
وبالفعل ارتدى أحمد مقنع وحمل سلاحه مع علي وخرجا كلاهما سيرا على الأقدام متجهين نحو مخيم خان يونس الذي تنهشه القذائف.. وكلما اقترابا من حي التفاح كلما علت أصوات القذائف والرصاص أكثر
في الطريق إلى المخيم شاهد أحمد أعدادا كبيرة من الشباب المسلحين وغير المسلحين تسير باتجاه منطقة الاشتباكات وعندما وصلا إلى مسجد بلال قال علي لأحمد.. سندخل لنتوضأ ونصلي ركعتين لله ..حتى إذا لقينا الله وحظينا بالشهادة نكون على وضوء
وبالفعل دخلا المسجد توضأا وصلا ركعتين لله ..خرج علي وأحمد من المسجد ووقف علي على الباب قائلا …سننتظر إخوة لنا سيأتون .. ولكن لا تتحدث مع أي واحد منهم
تفهم أحمد الأمر جيدا
وبعد فترة وصل خمسة شباب ملثمين يحملون بعض العتاد من أسلحة خفيفة و ماسورة هاون
دخلوا جميعهم المسجد واخرج الجميع شارات كتائب القسام الخضراء ووضعوها على جباههم وأعطى علي أحمد شارة ليضعها فوق المقنع
تسلم أحمد الشارة ووضعها على جبهته وهو في حالة شبه ذهول تام ولكنه لم يتحدث بكلمة واحدة
خرج الجميع من المسجد قاصدين منطقة حاجز التفاح وجميعهم يذكر الله في نفسه
في الطريق إلى منطقة التفاح لاحظ الشباب تجمهر الناس على أبواب مستشفى ناصر بينما سيارات الإسعاف والسيارات المدنية تدخل وتخرج من المستشفى بسرعة
فهم الشباب أن اليهود يقصدون مجزرة حقيقية في المخيم وليس الأمر كما يحدث كل يوم
لم تأخذ الطريق من المشفى إلى منطقة التفاح أكثر من عشر دقائق وهناك كان عشرات المسلحين و أعدادا كبيرة من الناس تتجمهر في المنطقة والجميع يستتر من الرصاص في الشوارع الضيقة
يبدو أن الاشتباك قد ازداد ضراوة واليهود عاقدون العزم على اقتحام المخيم بمجنزراتهم ودباباتهم ولكن المقاومة كانت بالفعل عنيفة
طلب علي من الشباب أن ينصبوا مدفع الهاون في مكان مناسب ويطلقوا القذائف نحو معسكر الجيش ونحو المستوطنات
لم يكد يرى الناس والمسلحين المتواجدين في المنطقة كتائب القسام في المنطقة حتى أفسحوا لهم المجال فمن المعروف أن وجودهم سيعطي المكان طابع آخر غير الذي كان عليه
أطلق القساميين قذائف الهاون باتجاه الأهداف مما حذا بنقاط المراقبة وجميع الدبابات بتوجيه نيرانها نحو المنطقة التي تخرج منه قذائف الهاون
وصلت مجموعة أخرى من القساميين يحملون عبوات التوجيه إلى المجموعة الأولى ثم انفصل علي وأحمد عن المجموعة الأولى وذهبوا مع المجموعة الثانية نحو المخيم الغربي
فهناك رتلا من الدبابات وناقلات الجند يصحبه عددا من الجرفات ويبدو أنهم عازمون على هدم بعض المنازل
قال علي لأحمد ..سندخل الآن منطقة خطرة جدا فلا تفارقني والتزم بما أقوله لك جيدا ..أومأ أحمد برأسه متفهما …وحين دخلت المجموعة ووصلت أطراف المخيم
تقدم القساميون يحملون العبوات نحو البيوت المهدمة سابقا ليزرعوا فيها العبوات بينما تسلل أحمد وعلي منطقة أخرى ليقوما بالتغطية على الشباب الذين ذهبوا لزراعة العبوات
لا حظ أحمد شجاعة أطفال المخيم الذين كانوا يرشدون القساميين والمسلحين على المناطق الأكثر أمناً في المنطقة والأماكن التي تدخلها الدبابات
ولاحظ أيضا شراسة اليهود الذين لا يتورعون عن قصف المنازل المتواضعة في المخيم
ربما يبدو الأمر للوهلة الأولى أن المنطقة ساحة من ساحات الحرب تدور فيها معركة غير متكافئة بالمرة بين سكان مدنيين ومسلحين بأسلحة متواضعة..أمام دبابات عملاقة مصفحة ونقاط مراقبة محصنة تحصيناً جيدا
ولكن منظر المقاومة في المنطقة كان يدل على أن المخيم تحول إلى خلية نحل منظمة
فهناك من كان يسعف الجرحى ويوصلونهم إلى سيارات الإسعاف.. والبعض يساعد المقاومين .. وهناك من يساعد الأسر التي لم تستطع الخروج من منازلها وحاصرتها النيران
قال علي لأحمد.. سنكمن هنا ونقوم بإطلاق النيران على برج المراقبة لنشغله عن الشباب …
وبالفعل أطلق علي وأحمد النيران نحو البرج الذي رد بدوره على مصدر النيران.. وأخذ علي وأحمد يتنقلون من منطقة إلى منطقة حتى وصلوا إلى أقرب نقطة من أطراف المخيم
وبين المنازل المهدمة أخذ علي وأحمد يطلقون الرصاص نحو البرج تارة ونحو الدبابات تارة أخرى وكان هناك بعض المسلحين المتواجدين في المنطقة ينضمون إليهم تارة وينفصلون عنهم تارة أخرى
في هذه الأثناء جاء أحد الصبية وأخبر علي وأحمد أن هناك دبابة تقترب جدا من المنطقة
طلب علي من أحمد أن يبقى مكانه.. ثم فك علي مخزنه من سلاحه وأعطاه لأحمد وثبت عليه المخزن الخاص بقذائف الأنرجا
تقدم علي نحو المنطقة التي أشار إليها الصبي وثبت قذيفة أنرجا في بندقيته وصوبها نحو الدبابة التي اقتربت من المكان ثم أطلق عليها قذيفة الانرجا وغادر المكان فورا
كانت هذه القذيفة كفيلة بأن توقف تقدم الدبابة على الرغم من أنها لم تصبها بضرر كبير وعلى الفور تراجعت الدبابة وصوبت فوهة المدفع باتجاه المكان الذي خرجت منه القذيفة
في نفس الوقت عاد علي مرة أخرى إلى أحمد وطلب منه أن يتبعه للخلف في مكان أكثر أمنا
ثم أخذت الدبابات تطلق قذائفها وعياراتها الثقيلة نحو المنطقة
اقتربت الساعة من الواحدة بعد منتصف الليل ومازلت المقاومة تحاول صد التوغل في المخيم
عشرات المسلحين من مختلف الفصائل استماتوا في الدفاع عن المخيم واعطوا لليهود درسا في التضحية والفداء ورسالة واضحة تقول لليهود ..ان دخول المخيم ليس بالنزهة
وبينما يحاول المقاومين صد الاجتياح وتختلط أصوات التكبيرات وسيارات الاسعاف بهدير المروحيات ودوي القذائف وأزيز الرصاص المختلف الأنواع .. حدث أنفجار كبير مميز يعرف صوته الجميع .. أنه صوت القسام الذي يدل على أن هناك دبابة أو ناقلة جند أو جرافة وقعت ضحية لعبوات القسام .. ثم تلا الانفجار تكبيرات عالية من كل المناطق زادت من حماسة المقاتلين والمدافعين عن المخيم.
لم يكن يعرف أحمد ما الذي حدث .. ولكن صوت التكبير جعله يشعر بشعور غريب وأن هذا الانفجار لم يكن من اليهود.. أو كأنه انفجار صديق
تقدم علي و أحمد نحو برج المراقبة مرة أخرى وعاودا إطلاق النيران عليه
ولكن البرج المعدني الميكانيكي ارتفع عن الأرض أكثر من عشرة أمتار إضافية مما صعب التعامل معه من نفس المنطقة
تراجع علي واحمد مرة أخرى نحو أحد أزقة المخيم الضيقة
وأطلق البرج نحوهم زخات كثيفة من الرصاص كانت كلها تضرب في الجدار الذي خلفهم