MARISOLE
22-10-06, 12:33 AM
الاشوريون والعقدة البابلية
عوديشو ملكو
تشرين الاول 2005
بغداد
ـ وجد نظام دولة المدينة city state في وسط وجنوب العراق بين (2900 ـ 2400) ق.م. وقد سمي بعصر فجر السلالات، حيث كان فيه البشر والماشية ملكاً للالهة. سمى السومريون يسمون حاكم دولة المدينة Ensi اما الاكاديون فكانوا يسمونه ايشاكو ešaku.
ـ الاكديون انحدروا من الشمال وتحديداً من منطقة جبل سنجار غرب نينوى. سرجون الاكدي (2371 ـ 2316) ق.م مؤسس هذه الدولة. وحدّ البلاد وقضى على نظام دولة المدينة. اتبع سياسة تدمير اسوار المدن من اجل القضاء على مراكز تجمع المناوئين لسلطته. بسط نفوذه على كل بلاد سومر حتى انه يذكر في نص مسماري "غسل سلاحه في مياه البحر السفلي" اي مياه الخليج العربي. اتخذ مدينة أكد عاصمة له والتي ما يزال موقعها غير معروف لحد الان. بنى في عاصمته الجديدة معبداً للالهة عشتار التي يدعي بأنها هي التي منحته الحكم. تذكر النصوص المسمارية بأنه استولى في الغرب على مدينة ايتو (هيت) وماري وغابات الارز (جبال امانوس) وجبال الفضة (جبال طوروس) ومدينة ابلا في شمال سورية. وهناك نص مسماري عثر عليه في تل العمارنة في مصر عنوانه (ملك المعركة) يذكر بأن سرجون الاكدي وصل الى مدينة بورش خندا في اواسط اسيا الصغرى لنصرة جماعة من التجار الاشوريين الذين اصابهم الظلم على يد أحد الحكام هناك. انتهى العهد الاكدي في العراق بموت شار ـ كالي شرّى 2230 ق.م
ـ احتل الكوتيون وادي الرافدين مدة قرن من الزمن تقريباً (2211 ـ 2120) ق.م وكانوا شعباً بربرياً قدم من جبال زاكروس ودمر كل شيء حضاري في العراق خلال فترة احتلاله له.
ـ سلالة اور الثالثة مؤسسها اورنمو دامت هي الاخرى حوالي قرن من الزمن (2113 ـ2006) ق.م سقطت على يد العيلاميين، حيث احرقوا مدينة اور الجميلة ودمروها واخذوا الملك آبي ـ سين أسيراً الى عيلام. وبهذا انتهى آخر حكم سومري في البلاد وقد تردد صدى الفاجعة التي حلت بأور والبلاد كلها في عمل أدبي سومري يعرف بـ (مرثية اور) التي تصف الخراب الكبير على يد العيلاميين. واليكم مقطعاً منها:
"ايه نانا، ان تلك المدينة قد حولت الى رميم.... / في ابوابها العالية، التي كانوا فيها يتنزهون، رميت جثث الموتى / وفي شوارعها المشجرة، حيث كانت تنصب الولائم، استلقوا متناثرين / وفي كل طرقاتها، التي كانوا فيها يتنزهون، سجت جثث الموتى / وفي ميادينها، حيث كانت تقام الاحتفالات / استلقى البشر بالاكوام...." [1] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn1)
ـ قبائل مارتو أو آمورو (الاموريين): كانوا سبباً مباشراً في سقوط سلالة اور الثالثة السومرية، لان هجماتهم المتكررة أضعفت الدولة كثيراً واضطر ملكها شو ـ سن (2038ـ 2030) الى اقامة حصن دفاعي في مكان بين ماري واور لاتقاء شر غزواتهم. والمعروف عن هذه القبائل انهم كانوا يتنقلون في بوادي الشام لذلك كانوا أدنى تحضراً من سكان المدن. وقد وصلنا نصّ سومري يصفهم حسب تعبيره: " كانوا سكان خيام لا يعرفون بناء البيوت وكانوا يأكلون اللحم نياً ولا يدفنون موتاهم..."
ان هذه النظرة السومرية عن البدو الاموريين لا ينبغي تفسيرها كما حاول بعض الباحثين بأنها تنم عن تعصب عنصري، وانما هي تصور واقع الحياة لهذه القبائل البدوية التي كانت أقل تحضراً من البلاد التي جاءوا للاستيطان فيها. [2] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn2) وفي الكتاب المقدس وعلى لسان النبي اشعيا ورد حول تأسيس بابل: " ها هي ذي أرض الكلدانيين الشعب الذي لم يكن فأسسها آشور لساكني القفار...." [3] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn3)
ـ سلالة بابل الاولى (1894ـ1595) ق.م
يعرف هذا العصر تأريخياً بالعصر البابلي القديم, لعدم ذكر وجود بابل بأي شكل قبل هذه الفترة (ويمكن الافتراض ان المدينة كانت عندئذٍ موقعاً غير مهم نسبياً) [4] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn4). لقد اختار احد شيوخ القبائل الامورية الزاحفة الى وسط العراق واسمه (سومو ـ ابوم) منطقة أو قرية بابل الواقعة على الفرات والمفتوحة على الصحراء الغربية موطناً لتلك القبائل واتخذها مقراً له اثناء الصراع الدائر بين سلالتي آيسن و لارسا ذلك في السنة الاولى من حكم ملك لارسا سومو ـ آيل اي في سنة 1894 ق.م. واسمها القديم هو Babilú ، Babila ، Babilim وتعني باب الرب. وبنفس المعنى ورد اسم مدينة كربلاء بصيغة kar-Babila.
استطاع هذا الشيخ الاستقلال في بابل وصار يحصنها , فبنى سوراً حولها وقام ببعض الاعمار واعمال الزراعة في محيطها. وخلفه اربعة ملوك قبل حمورابي اهتموا جميعاً بتحصين المدينة وانشاء المعابد وحفر قنوات الارواء وتوسيع نفوذهم الى بعض المدن المجاورة. وهم سومو لايل وسابيئوم وأبل ـ سين وآخرهم سين موباليت والد الملك البابلي الشهير حمورابي.
وفي شمال بلاد الرافدين ظهر مركز سياسي قوي في ذلك الوقت, أي مع تسلم الملك شمشي أدد الاول (1814ـ1782) السلطة في مدينة آشور. وكان لهذا الموقع (مدينة آشور) في الماضي تاريخ طويل. ومنذ الالف الثالث ق.م في العصر الاكدي كما مرّ لعب دوراً مهماً في الحركة التجارية لاسيما تجارة القصدير. وكانت مملكة آشور في بداية الالف الثاني ايضاً تمتلك محطات تجارية وصلت حتى الاناضول البعيدة. وحسب مدونات اللغة الاشورية القديمة المكتشفة في kultepe (قانيش القديمة). فقد حمل الاشوريون بالدرجة الاولى القصدير الضروري في انتاج النحاس المحبب الى آسيا الصغرى، بالاضافة الى مواد أخرى. وحصلوا مقابل ذلك على الفضة والصفر الذي كانوا ينقلونه على ظهور الحمير عبر اراض جبلية وعرة الى آشور. ونشاهد هنا في آشور ومنذ هذا الوقت المبكر, وحسب واحدة من الاخبار بأن الملك الاشوري ايلوشوما وصل الى منطقة بابل في حوالي (1920) ق.م.
دولة حمورابي(1792ـ1750) ق.م: في السنوات الاولى من حكمه لم يكن يملك حرية الحركة كما كان يريد حيث ان مجال حكمه ونفوذه لم يتعدى دائرة محيطها 80 كم حول بابل طيلة فترة الملوك الاقوياء وذوي التجربة مثل شمشي ـ أدد في آشور, وريم ـ سين في مدينة لارسا. اتبع حمورابي سياسة التأرجح واستغلال الفرص بين الاقوياء كونه دولة صغيرة طوال فترة حكمه الاولى, ويستدل من حقيقة الوثائق المنسوبة الى السنة العاشرة من حكمه ان القسَمْ لم يكن عند حمورابي فقط وانما تم تأديته كذلك عند شمشي ـ ادد في اشور "ما يدل على ان حمورابي كان يخضع الى السيادة الاعلى لملك اشور" [5] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn5).
كما ان حملة حمورابي في السنة الثامنة من حكمه ضد أموتبال عبر مملكة لارسا والتي كان يحكمها ريم ـ سين: " لايعتقد ان حمورابي كان يستطيع القيام بهذه الحملة دون حماية ظهره على الاقل بل وحتى دون مساعدة آشور" [6] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn6), ولكن حمورابي سرعان ما فقد الحماية الاشورية بعد السنة العاشرة من حكمه أي بعد وفاة شمشي ـ ادد فصار ينتهج سياسة التعايش السلمي مع جيرانه في لارسا وآشنونا واشور نفسها وحتى ماري.
الا اننا نشاهده بعد انتظار طويل قد دخل في حرب ضروس مع آشور في العقد الاخير من حكمه ولكن ليس من الواضح الى أي مدى حقق الانتصار ضد آشور. والى أي حد تم الحاق مركز بلاد آشور بدولة حمورابي، " أما عن تسمية ونينوى على انها من المدن الواقعة تحت سيطرة حمورابي كما ورد في العمود الرابع من المقدمة، الاسطر (55ـ63) لقوانين مسلته والمتكونة من (282) مادة... عدا المقدمة والخاتمة. فيبقى دليلاً غير مؤكد على خضوعها" [7] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn7). وعندما لقب نفسه بـ "الملك العظيم، ملك بابل، ملك بلاد الاموريين كلها، ملك سومر وأكد, ملك الجهات الاربع" لم يذكر كونه ملك آشور!
وقد وصف جورج رو حال نهضة بابل العظيمة هذه والتحلل السريع لمملكة حمورابي كما يلي: (كانت في العراق خمس دويلات ذات ماضٍ عريق في الاستقلال* (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn8)... تمت عملية مركزتها مع بابل بالاكراه... وكانت جهود حورابي بجعل بابل المركز السياسي والاقتصادي والروحي للبلد، مرتبطة بالخير الذي تجلبه العملية الى البلاد... الا ان نائج العملية كان تحطيم المقاطعات بشكل او بآخر وخلق حالة تذمر متزايدة في مدن سومر واشور المجيدة، حيث كانت ذكرى انجازات شمشي ـ ادد الكبيرة ما تزال حية في الاذهان... لذلك لا نستغرب ان نشاهد اندلاع الانفجارات والعصيان بسرعة مع موت حمورابي والتي أدت الى التحلل السريع للمملكة... ومن الطريف ان نذكر ان المجد والقوة التي استعادتها بابل بعد ذلك كانت من عمل اجانب آخرين هم الكاشيون " [8] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn9)
الكاشيون: اقوام سكنت جبال زاكروس قبل غزوهم لبلاد الرافدين واسمهم مشتق من اسم الههم القومي "كشو". ان فترة الخمسة قرون بين (1600 ـ 1100) ق.م التي كانت بابل تحت سيطرتهم تعتبر ذات أهمية كبيرة من حيث التطورات الدولية والعلاقات السياسية في منطقة الشرق الادنى. نتيجة لتعاصر ثلاثة قوى في المنطقة: الحثيون في آسيا الصغرى. والكاشيون في العراق وقيام مملكة الجديدة في مصر. بالاضافة الى الاشوريين في الشمال.
لقد عرف هذا العصر بعصر العلاقات الدبلوماسية والسياسية وتبادل السفراء بين الملوك والامراء لتلك الدول. واستفاد الكاشيون كثيراً من توازن القوى في هذه الفترة من الزمن. حيث تكشف لنا نصوص تل العمارنة المكتشفة عام 1887 في انقاض قصر الملك اخناتون والتي يزيد عددها عن (360) رسالة وتعود الى زمن امنوفس الثالث واخناتون ابنه وهي مكتوبة بالخط المسماري واللغة الاكدية. وقد ارسلت الى هذين الملكين من قبل الملوك الكاشيين والميتانيين والاشوريين وعدد من حكام المقاطعات في سوريا وفلسطين...الخ
ونقرأ في رسالة من الملك الكاشي برنابورياش الثاني (1380 ـ 1350) الى امنوفس الرابع (نو ـ خفيرو ـ رع) ملك مصر. كيف يمتعظ فيها الكاشي من الاستقبال المصري للوفد الاشوري بصفة رسمية ويدعي تبعيتهم اليه ".... أما ما يخص الاشوريين من اتباعي، أفلـَمْ أخبرك برسالتي في شأنهم، فلمَ دخلوا بلادك؟. وانت ستعمل على احباط سعايتهم وجهودهم. وفي الختام لقد ارسلت اليك هدية ثلاثة منات من حجر اللازورد وعشرة افراس لخمس عربات". [9] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn10)
وقد بنى كوريكالزو الاول مدينة جديدة لتكون عاصمة له بدلاً من بابل وهي مدينة دور ـ كوريكالزو (عكركوف) الى الغرب من بغداد 20كم. والتي اقتحمها الملك الاشوري توكلتي ـ ننورتا الاول (1244 ـ 1208) ق.م محرراً بلاد بابل من الكاشيين وضمها الى الحكم الاشوري المباشر اذ وردنا في كتابة له: ".... وفي غمار تلك المعركة اطبقت يدي على كاشتيلياش الملك الكاشي... وجلبته وهو مكبل وعار امام الاله آشور. واخضعت بلاد سومر وأكد حتى ابعد حدودها لسلطتي فأمتدت حدود ارضي الى البحر الاسفل ذي الشمس المشرقة". [10] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn11)
ـ الادوار التي مرت على بلاد آشور:
قد ينسب الاشوريين الى اسم اول مركز حضاري كبير لهم (آشور). والذي تحول فيما بعد الى عاصمة مهمة لدولتهم. وقد اطلق اسم آشور على الاله القومي للاشوريين ايضاً. فلا يعرف على وجه التأكيد ايهما كان اصل الاخر، اسم المدينة أو اسم الاله.
لقد سكن الانسان في بلاد آشور منذ اقدم العصور وحتى الان، واتفق العلماء على تقسيم مراحل التاريخ الاشوري كما يلي:
1 ـ العصر الاشوري القديم (2000 ـ 1500) ق.م
2 ـ = = الوسيط (1500 ـ 911) ق.م
3 ـ = = الحديث (911 ـ 612) ق.م
تشير النصوص الاشورية المكتشفة في موقع (كول تبة) قانش قديماً الى وجود جماعات آشورية تعمل بالتجارة في هذه المنطقة منذ اواسط الالف الثالث ق.م. وان هذه المستوطنات التجارية الاشورية كانت تتمتع بنوع من الاستقلال الاداري والقانوني ضمن اطار سيادة الحكام المحليين. وانها ظلت تحتفظ بولائها لآشور الام وتدين بديانتها وتتبع نظمها وتقاليدها وقوانينها وتعيش حياة آشورية بصورة عامة رغم بعدها الشاسع عن الوطن الام. وكان يطلق لفظة كاروم (Karum) على كل مركز من تلك المراكز التجارية الاشورية والذي يعني (ميناء).
بدأت فترة النهوض القوية الاولى لآشور مع ظهور شمشي أدد الاول (1814 ـ 1782) وتحديداً عندما بدأ هذا الملك بتوسيع رقعة بلاده بضم بمدينة ماري على الفرات ثم امتدت علاقاته الى يمخد (حلب) وقرقميش (جرابلس) وقطنا. وفي الجهة الشرقية للملكة بسط نفوذه على القبائل الكوتية والتركية واللولبية ومع الجنوب أي مع حمورابي كانت له علاقات صداقة ومجاملة.
وخلال العصر الاشوري الوسيط والذي بدأ مع حكم بوزور ـ آشور الثالث (1521) ق.م تقلبت اوضاع بلاد آشور في هذه الحقبة الطويلة من تاريخها والتي استمرت زهاء ستة قرون.
فقد تمكن آشور اوبالط (1365 ـ 1330) من تحرير البلاد من النفوذ الميتاني في الاجزاء الشمالية منها. واعترفت مصر بسيادة قوة الدولة الاشورية واقامت معها علاقات صداقة. أما الكاشيون فقد فشلوا في تأليب المصريين ضد الاشوريين كما فشلوا في السيطرة على بلاد آشور. لذلك اختاروا طريق السلم والصداقة وعقدوا معاهدة مع الملك الاشوري ختمت بزواج سياسي بين ابنة الملك الاشوري وابن الملك الكاشي. ولكن هذه الصداقة سرعان ما تعرضت الى نقض من لدن البابليين فحدثت مؤامرة في البلاط الكاشي أبعد بموجبها صهر الملك الاشوري ونصب شخصاً آخر ملكاً مكانه مما جعل آشور اوبالط ان يتدخل ويعيد تنصيب حفيده من ابنته ملكاً على بابل. غير ان الاضطرابات بين الاشوريين والبابليين سرعان ما اندلعت مرة أخرى مع موت آشور اوبالط.
اصبحت البلاد الاشورية منذ هذا التاريخ مهددة بالاخطار من جهات مختلفة. فكان على الملوك المتعاقبين ان يعملوا على تثبيت سياسة حكيمة لدرء الاخطار عن دولتهم. وقد خلقت هذه الظروف الصعبة زعماء اقوياء وحكماء في خبرتهم الادارية والعسكرية والدبلوماسية فأثبتوا للعالم كفائتهم في ذلك وأسسوا دولة منظمة قوية بسطت نفوذها على جميع انحاء الشرق الادنى القديم.
من هنا صارت تواجه المختص في التاريخ الاشوري مشكلة متكررة وهي: ان الفترات التي كانت فيها دولة آشور قوية وملوكها من الشخصيات الرئيسية كانت تتناوب مع ظاهرة كون كل من الدولة والملوك قد تضاءل الى عدم الاهمية والمقدرة في المحيط الدولي والداخلي. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: هل ان الملوك المقتدرين هم الذين رفعوا شأن آشور الى القوة والرفاهية بكفاءاتهم الغريزية، أم ان تحسن الاوضاع الدولية بالنسبة الى الدولة الاشورية دفع ملوكها نحو الهدف والقوة العسكرية والاقتصادية؟
المؤرخ الشهير هاري ساكز يرى: (ان الحقيقة تقع بين هذين الرأيين المتطرفين. فليس هناك ملك مهما كانت قابلياته يمكن ان يرفع شأن آشور بين فكيّ اوضاع دولية معادية. ولكن عندما تكون الاوضاع الدولية لصالح آشور فأن الملك المقتدر والعزوم فقط يتمكن ان يتسفيد استفادة قصوى من ذلك) [11] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn12). يستنتج من هذا ان معظم الملوك الاشوريين كانوا مقتدرين يتحينون الفرص. ومن بين هؤلاء القادة العظام كان:
شيلمنصر الاول (1274 ـ 1245) ق.م الذي اشتهر بفوتاحته الكبيرة وقضائه على الاقوام الجبلية شمال شرق البلاد الاشورية وبحملته على اورارطو (ارمينيا) لاول مرة. والحاقه دولة خانيكلبات بالدولة الاشورية وتأسيسه عاصمة جديدة للدولة وهي مدينة كالخو.
خلفه ابنه توكلتي ننورتا الاول (1244 ـ 1208) ق.م سار على نفس السياسة الخارجية الاشورية حيث قام بفتوحات عسكرية كبيرة في الغرب والشمال. واتبع سياسة التهجير السكاني. اما بالنسبة الى بابل فقام بهجوم كاسح عليها واخضع الملك الكاشي ودخلت بابل لاول مرة تحت الحكم الاشوري المباشر. فكان ذلك السبب الاول والمباشر في تمازج الحضارتين. وانتقال عبادة مردوخ البابلي الى بلاد الاشوريين ودخول اسمه في تركيب كثير من الاسماء الاشورية وكان ذلك مؤشراً الى ميل الاشوريين للتحرر من الاقليمية والانفتاح الى بلاد بابل واقتباس بعض مقوماتها الحضارية. وفي الوقت نفسه انتقلت كثير من المظاهر الحضارية الاشورية الى بلاد بابل. والسبب الرئيسي وراء هذه الحملة الاشورية واحتلال بابل كانت اطماع الحاكم العيلامي اونتش ـ كال الذي خاض معركة ضد البابليين وربحها وذلك قبل اضطرار الاشوريين للتحرك صوب بابل وجلب ملكها كاشتيلياش اسيراً الى نينوى.
وبعد مقتل الملك الاشوري هذا وانشغال الاشوريين بالاضطرابات الداخلية انتهز العيلامي شترُك ـ تاخنتي الفرصة وزحف بجيش كثير على بابل " واجتاح معظم جنوب العراق ونهبه بشكل لم يسبق له مثيل، فنقلت النصب المشهورة واعمال النحت الفنية الرفيعة ـ مثل مسلة حمورابي ونرام سين ونصب مانشتوسو الى سوسة". [12] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn13)
وفي عام 1115 ق.م اعتلى العرش الاشوري الملك تجلات بليزر الاول الذي استطاع ان يعيد البلاد الاشورية الى قوتها السابقة وأكثر. حيث قضى على الاقوام التي عرفت بالمشكو في آسيا الصغرى وفي الشمال الغربي وصل الاشوريون الى الساحل السوري. اما في الغرب فهاجم القبائل البدوية الرحل أخلامو.
اما سياسته تجاه بابل فليست واضحة تماماً غير انه قام ببعض الغارات العسكرية التأديبية على حدود بابل.
ـ العصر الاشوري الحديث:
يمتد بين (911 ـ 612) ق.م ثلاثمائة سنة غيرت وجه الشرق الادنى بالكامل. حيث وصل الاشوريون خلالها الى قمة مجدهم وازدهارهم وعنفوان قوتهم العسكرية. ان التعاظم الاشوري هذا واتساع نفوذهم لم يكن محض صدفة بل لابد من وجود اسباب وعوامل عدة وراء ذلك. ومن هذه العوامل ما هي داخلية وأخرى خارجية. ومنها ما يمكن معرفته أو استنتاجه من متابعة تطور الاحداث ومنها ما يبقى غامضاً.
لتحليل السياسة الاشورية في هذه المرحلة ذهب الباحثون منحيين مختلفين تماماً.
ـ فهناك من الباحثين المحدثين من يعزي الانتصارات العسكرية الاشورية وتعاظم قوتهم العسكرية ومن ثم التجارية والادارية والعلمية الى الاساليب الهمجية البربرية التي اتصفت بها الحملات العسكرية والى تعطش وتلذذ الملوك الاشوريين العظام الى القتل وسفك الدماء وتعذيب الاعداء ونهب خيرات الاخرين..الخ. وقد يبدو هذا التوجه صحيحاً لاول وهلة طبقاً الى المصادر التي اعتمدها هؤلاء الباحثون.
ولكن بمجرد اجراء دراسة تحليلية وعلمية للتاريخ الاشوري السياسي والحضاري للقرون الثلاثة الاخيرة. مع ألاخذ بنظر الاعتبار الظروف والمخاطر التي كانت تمر بها الدولة الاشورية سوف يتبين بوضوح خطأ هذا الرأي وعدم مطابقته لواقع السياسة الاشورية ومتطلبات الحالة انذاك. فالمصدر الرئيسي لمثل هكذا باحثين هو اسفار العهد القديم (التوراة) بالاضافة الى النصوص المسمارية التي دونها الملوك الاشوريون انفسهم عن اخبار حملاتهم العسكرية المتلاحقة الى الشمال والغرب والشرق من البلاد الاشورية. تلك الكتابات التي عرفت بالحوليات الملكية أو النصوص التاريخية الملكية. اضافة الى المشاهد المنحوتة التي صورها الفنانون الاشوريون وحسب رغبات الملك على الواح الرخام والتي كانت تزين جدران القصور الرئاسية.
أما بالنسبة للتوراة نقول بما انه كتب في القرنين السادس والخامس ق.م اثناء السبي البابلي لليهود أي بعد زوال الدولة الاشورية وبعد قضاء الدولة الكلدية (البابلية الحديثة) على مملكة يهوذا وسبي سكانها الى بابل فمن الطبيعي ان يكون مثل هؤلاء الكتّاب من أشد الحاقدين على الاشوريين وبابليين. وجاءت كتاباتهم تظهر هذا الكره والحقد الشديد للاشوريين بصورة خاصة وللعالم غير اليهودي بصورة عامة. هكذا فقد أظهر التوراة الاشوريين بمظهر الطغاة والقتلة وخير صفاتهم الشراسة وسفك الدماء دون مبرر. وكأن ملوك اسرائيل ويهوذا ومصر، ومن قبلهم ومن بعدهم، كانوا حمامات السلام.
أما عن النصوص الملكية المكتوبة فيمكن القول ان الملوك الاشوريين كأسلافهم الملوك العراقيين الذين سبقوهم كانوا يدونون اخبارهم ومنجزاتهم العسكرية والعمرانية على الواح خاصة لوضعها في المعابد والقصور وأمام تمثال الاله القومي للبلد أو المدينة لتكون بمثابة تقرير ملكي رسمي مقدم الى ذلك الاله للاطلاع على أعمال وكيله وقائد بلاده الملك المأمور والمفوض من قبل هذا الاله للقيام بحماية البلاد والعباد. ومن الطبيعي ان تكون لغة أو اسلوب المبالغة هو السائد في هذه النصوص.
ومن هنا تظهر الانجازات والانتصارات فقط، غافلة الاخفاقات والخسائر في معظم الاحيان. ومن الطبيعي ايضاً اظهار قوة الملك وقسوته وقدرته على البطش بالاعداء وقمع الثورات. لانها أي هذه الالواح كانت الوسيلة الوحيدة المتيسرة لبث الدعاية والاعلام للملك ودولته ومقدار سلطته. هكذا فأن ما ذهب اليه المؤرخون المحدثون لايعطي الصورة الحقيقية والواقعية للسياسة الاشورية.
ولكن يجب ان لا يفهم من هذا ان الاشوريين لم يكونوا شجعانا وأقوياء وأشداء على الاعداء وقساة مع المتمردين والعصاة وكل من كان يحاول النيل من أمن بلادهم. وفي هذا الصدد يورد توينبي ترجمة نص مسماري آشوري يصف روحية الجيش الاشوري والانضباط العسكري العالي فيه: " لن يتعب أي منهم أو يتعثر، ولن يتغلب النعاس على أي منهم أو ينام، كما لن يرتخي حزام خاصرة أي منهم أو ينقطع شريط حذاءه " [13] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn14).
ان السياسة التي انتهجها ملوك وقادة آشور كانت هي السياسة الناجحة والوحيدة آنذاك لضمان أمن وسيادة الدولة الاشورية وحماية حضارتها من الدمار. كما ان الاشوريين لم يلجأوا الى القوة الا كحلّ أخير ونهائي لحل المشاكل لان سياستهم الخارجية كانت قد أتصفت بالاتزان والتعقل مقارنة مع سياسة الاقوام التي عاصرتهم وحتى تلك التي جاءت من بعدهم، وان حروبهم رغم قساوتها لم تختلف عن الحروب العيلامية والحثية والمصرية وحتى الحروب الفارسية واليونانية والرومانية التي جاءت بعد الاشوريين بكثير.
كما ذكرنا وكما هو معلوم كانت ثلاثة قوى كبرى تتحكم بمصير بلدان الشرق الادنى القديم قبيل نهاية الالف الثاني قبل الميلاد: وهي الامبراطورية الحثية في آسيا الصغرى وشمال سوريا. والسلالة الكاشية في بابل والامبراطورية المصرية بالاضافة الى دولة آشور المتجهة نحو النمو والازدهار. وقد حصلت تغيرات عظيمة مع بداية الالف الاول ق.م حيث زالت الامبراطورية الحثية. وانكمشت مصر نتيجة الخلافات الداخلية وانهاك قوتها في الصراع مع الحثيين، ولكنها ظلت تحرض الدويلات السورية ومملكة يهوذا واسرائيل وتمدها بالعون للتمرد ضد النفوذ الاشوري الذي كان ينافسها في مصالحها التجارية على ساحل المتوسط. وعندما اصطدم الاشوريون معهم أي مع المصريين نتيجة هذا الموقف، مالبثت مصر أن فتحت ابوابها امام الجيوش الاشورية واصبحت تحت الحكم الاشوري المباشر.
أما الى الجنوب اي في بلاد بابل فبعد زوال السلالة الكاشية في القرن الثاني عشر ق.م تعاقب على حكم البلاد عدد من السلالات المحلية والغريبة الضعيفة التي لم تقو على مجابهة اعدائها واعداء الاشورين، مما جعل الاشوريين في وضع صعب! عليهم الاختيار بين الزحف وضم بابل الى الحكم الاشوري المباشر لدرء الخطر القادم من الجنوب (بلاد البحر) أو تقديم الدعم والاسناد الى تلك السلالات البابلية الضعيفة وغير الملتزمة مع الاشوريين وسياستهم الحازمة. من هنا كانت مشكلة الاشوريين مع بابل أي انها هي العقدة البابلية التي استمرت طوال فترة العصر الاشوري الحديث وحتى بعد سقوط آشور.
عوديشو ملكو
تشرين الاول 2005
بغداد
ـ وجد نظام دولة المدينة city state في وسط وجنوب العراق بين (2900 ـ 2400) ق.م. وقد سمي بعصر فجر السلالات، حيث كان فيه البشر والماشية ملكاً للالهة. سمى السومريون يسمون حاكم دولة المدينة Ensi اما الاكاديون فكانوا يسمونه ايشاكو ešaku.
ـ الاكديون انحدروا من الشمال وتحديداً من منطقة جبل سنجار غرب نينوى. سرجون الاكدي (2371 ـ 2316) ق.م مؤسس هذه الدولة. وحدّ البلاد وقضى على نظام دولة المدينة. اتبع سياسة تدمير اسوار المدن من اجل القضاء على مراكز تجمع المناوئين لسلطته. بسط نفوذه على كل بلاد سومر حتى انه يذكر في نص مسماري "غسل سلاحه في مياه البحر السفلي" اي مياه الخليج العربي. اتخذ مدينة أكد عاصمة له والتي ما يزال موقعها غير معروف لحد الان. بنى في عاصمته الجديدة معبداً للالهة عشتار التي يدعي بأنها هي التي منحته الحكم. تذكر النصوص المسمارية بأنه استولى في الغرب على مدينة ايتو (هيت) وماري وغابات الارز (جبال امانوس) وجبال الفضة (جبال طوروس) ومدينة ابلا في شمال سورية. وهناك نص مسماري عثر عليه في تل العمارنة في مصر عنوانه (ملك المعركة) يذكر بأن سرجون الاكدي وصل الى مدينة بورش خندا في اواسط اسيا الصغرى لنصرة جماعة من التجار الاشوريين الذين اصابهم الظلم على يد أحد الحكام هناك. انتهى العهد الاكدي في العراق بموت شار ـ كالي شرّى 2230 ق.م
ـ احتل الكوتيون وادي الرافدين مدة قرن من الزمن تقريباً (2211 ـ 2120) ق.م وكانوا شعباً بربرياً قدم من جبال زاكروس ودمر كل شيء حضاري في العراق خلال فترة احتلاله له.
ـ سلالة اور الثالثة مؤسسها اورنمو دامت هي الاخرى حوالي قرن من الزمن (2113 ـ2006) ق.م سقطت على يد العيلاميين، حيث احرقوا مدينة اور الجميلة ودمروها واخذوا الملك آبي ـ سين أسيراً الى عيلام. وبهذا انتهى آخر حكم سومري في البلاد وقد تردد صدى الفاجعة التي حلت بأور والبلاد كلها في عمل أدبي سومري يعرف بـ (مرثية اور) التي تصف الخراب الكبير على يد العيلاميين. واليكم مقطعاً منها:
"ايه نانا، ان تلك المدينة قد حولت الى رميم.... / في ابوابها العالية، التي كانوا فيها يتنزهون، رميت جثث الموتى / وفي شوارعها المشجرة، حيث كانت تنصب الولائم، استلقوا متناثرين / وفي كل طرقاتها، التي كانوا فيها يتنزهون، سجت جثث الموتى / وفي ميادينها، حيث كانت تقام الاحتفالات / استلقى البشر بالاكوام...." [1] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn1)
ـ قبائل مارتو أو آمورو (الاموريين): كانوا سبباً مباشراً في سقوط سلالة اور الثالثة السومرية، لان هجماتهم المتكررة أضعفت الدولة كثيراً واضطر ملكها شو ـ سن (2038ـ 2030) الى اقامة حصن دفاعي في مكان بين ماري واور لاتقاء شر غزواتهم. والمعروف عن هذه القبائل انهم كانوا يتنقلون في بوادي الشام لذلك كانوا أدنى تحضراً من سكان المدن. وقد وصلنا نصّ سومري يصفهم حسب تعبيره: " كانوا سكان خيام لا يعرفون بناء البيوت وكانوا يأكلون اللحم نياً ولا يدفنون موتاهم..."
ان هذه النظرة السومرية عن البدو الاموريين لا ينبغي تفسيرها كما حاول بعض الباحثين بأنها تنم عن تعصب عنصري، وانما هي تصور واقع الحياة لهذه القبائل البدوية التي كانت أقل تحضراً من البلاد التي جاءوا للاستيطان فيها. [2] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn2) وفي الكتاب المقدس وعلى لسان النبي اشعيا ورد حول تأسيس بابل: " ها هي ذي أرض الكلدانيين الشعب الذي لم يكن فأسسها آشور لساكني القفار...." [3] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn3)
ـ سلالة بابل الاولى (1894ـ1595) ق.م
يعرف هذا العصر تأريخياً بالعصر البابلي القديم, لعدم ذكر وجود بابل بأي شكل قبل هذه الفترة (ويمكن الافتراض ان المدينة كانت عندئذٍ موقعاً غير مهم نسبياً) [4] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn4). لقد اختار احد شيوخ القبائل الامورية الزاحفة الى وسط العراق واسمه (سومو ـ ابوم) منطقة أو قرية بابل الواقعة على الفرات والمفتوحة على الصحراء الغربية موطناً لتلك القبائل واتخذها مقراً له اثناء الصراع الدائر بين سلالتي آيسن و لارسا ذلك في السنة الاولى من حكم ملك لارسا سومو ـ آيل اي في سنة 1894 ق.م. واسمها القديم هو Babilú ، Babila ، Babilim وتعني باب الرب. وبنفس المعنى ورد اسم مدينة كربلاء بصيغة kar-Babila.
استطاع هذا الشيخ الاستقلال في بابل وصار يحصنها , فبنى سوراً حولها وقام ببعض الاعمار واعمال الزراعة في محيطها. وخلفه اربعة ملوك قبل حمورابي اهتموا جميعاً بتحصين المدينة وانشاء المعابد وحفر قنوات الارواء وتوسيع نفوذهم الى بعض المدن المجاورة. وهم سومو لايل وسابيئوم وأبل ـ سين وآخرهم سين موباليت والد الملك البابلي الشهير حمورابي.
وفي شمال بلاد الرافدين ظهر مركز سياسي قوي في ذلك الوقت, أي مع تسلم الملك شمشي أدد الاول (1814ـ1782) السلطة في مدينة آشور. وكان لهذا الموقع (مدينة آشور) في الماضي تاريخ طويل. ومنذ الالف الثالث ق.م في العصر الاكدي كما مرّ لعب دوراً مهماً في الحركة التجارية لاسيما تجارة القصدير. وكانت مملكة آشور في بداية الالف الثاني ايضاً تمتلك محطات تجارية وصلت حتى الاناضول البعيدة. وحسب مدونات اللغة الاشورية القديمة المكتشفة في kultepe (قانيش القديمة). فقد حمل الاشوريون بالدرجة الاولى القصدير الضروري في انتاج النحاس المحبب الى آسيا الصغرى، بالاضافة الى مواد أخرى. وحصلوا مقابل ذلك على الفضة والصفر الذي كانوا ينقلونه على ظهور الحمير عبر اراض جبلية وعرة الى آشور. ونشاهد هنا في آشور ومنذ هذا الوقت المبكر, وحسب واحدة من الاخبار بأن الملك الاشوري ايلوشوما وصل الى منطقة بابل في حوالي (1920) ق.م.
دولة حمورابي(1792ـ1750) ق.م: في السنوات الاولى من حكمه لم يكن يملك حرية الحركة كما كان يريد حيث ان مجال حكمه ونفوذه لم يتعدى دائرة محيطها 80 كم حول بابل طيلة فترة الملوك الاقوياء وذوي التجربة مثل شمشي ـ أدد في آشور, وريم ـ سين في مدينة لارسا. اتبع حمورابي سياسة التأرجح واستغلال الفرص بين الاقوياء كونه دولة صغيرة طوال فترة حكمه الاولى, ويستدل من حقيقة الوثائق المنسوبة الى السنة العاشرة من حكمه ان القسَمْ لم يكن عند حمورابي فقط وانما تم تأديته كذلك عند شمشي ـ ادد في اشور "ما يدل على ان حمورابي كان يخضع الى السيادة الاعلى لملك اشور" [5] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn5).
كما ان حملة حمورابي في السنة الثامنة من حكمه ضد أموتبال عبر مملكة لارسا والتي كان يحكمها ريم ـ سين: " لايعتقد ان حمورابي كان يستطيع القيام بهذه الحملة دون حماية ظهره على الاقل بل وحتى دون مساعدة آشور" [6] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn6), ولكن حمورابي سرعان ما فقد الحماية الاشورية بعد السنة العاشرة من حكمه أي بعد وفاة شمشي ـ ادد فصار ينتهج سياسة التعايش السلمي مع جيرانه في لارسا وآشنونا واشور نفسها وحتى ماري.
الا اننا نشاهده بعد انتظار طويل قد دخل في حرب ضروس مع آشور في العقد الاخير من حكمه ولكن ليس من الواضح الى أي مدى حقق الانتصار ضد آشور. والى أي حد تم الحاق مركز بلاد آشور بدولة حمورابي، " أما عن تسمية ونينوى على انها من المدن الواقعة تحت سيطرة حمورابي كما ورد في العمود الرابع من المقدمة، الاسطر (55ـ63) لقوانين مسلته والمتكونة من (282) مادة... عدا المقدمة والخاتمة. فيبقى دليلاً غير مؤكد على خضوعها" [7] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn7). وعندما لقب نفسه بـ "الملك العظيم، ملك بابل، ملك بلاد الاموريين كلها، ملك سومر وأكد, ملك الجهات الاربع" لم يذكر كونه ملك آشور!
وقد وصف جورج رو حال نهضة بابل العظيمة هذه والتحلل السريع لمملكة حمورابي كما يلي: (كانت في العراق خمس دويلات ذات ماضٍ عريق في الاستقلال* (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn8)... تمت عملية مركزتها مع بابل بالاكراه... وكانت جهود حورابي بجعل بابل المركز السياسي والاقتصادي والروحي للبلد، مرتبطة بالخير الذي تجلبه العملية الى البلاد... الا ان نائج العملية كان تحطيم المقاطعات بشكل او بآخر وخلق حالة تذمر متزايدة في مدن سومر واشور المجيدة، حيث كانت ذكرى انجازات شمشي ـ ادد الكبيرة ما تزال حية في الاذهان... لذلك لا نستغرب ان نشاهد اندلاع الانفجارات والعصيان بسرعة مع موت حمورابي والتي أدت الى التحلل السريع للمملكة... ومن الطريف ان نذكر ان المجد والقوة التي استعادتها بابل بعد ذلك كانت من عمل اجانب آخرين هم الكاشيون " [8] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn9)
الكاشيون: اقوام سكنت جبال زاكروس قبل غزوهم لبلاد الرافدين واسمهم مشتق من اسم الههم القومي "كشو". ان فترة الخمسة قرون بين (1600 ـ 1100) ق.م التي كانت بابل تحت سيطرتهم تعتبر ذات أهمية كبيرة من حيث التطورات الدولية والعلاقات السياسية في منطقة الشرق الادنى. نتيجة لتعاصر ثلاثة قوى في المنطقة: الحثيون في آسيا الصغرى. والكاشيون في العراق وقيام مملكة الجديدة في مصر. بالاضافة الى الاشوريين في الشمال.
لقد عرف هذا العصر بعصر العلاقات الدبلوماسية والسياسية وتبادل السفراء بين الملوك والامراء لتلك الدول. واستفاد الكاشيون كثيراً من توازن القوى في هذه الفترة من الزمن. حيث تكشف لنا نصوص تل العمارنة المكتشفة عام 1887 في انقاض قصر الملك اخناتون والتي يزيد عددها عن (360) رسالة وتعود الى زمن امنوفس الثالث واخناتون ابنه وهي مكتوبة بالخط المسماري واللغة الاكدية. وقد ارسلت الى هذين الملكين من قبل الملوك الكاشيين والميتانيين والاشوريين وعدد من حكام المقاطعات في سوريا وفلسطين...الخ
ونقرأ في رسالة من الملك الكاشي برنابورياش الثاني (1380 ـ 1350) الى امنوفس الرابع (نو ـ خفيرو ـ رع) ملك مصر. كيف يمتعظ فيها الكاشي من الاستقبال المصري للوفد الاشوري بصفة رسمية ويدعي تبعيتهم اليه ".... أما ما يخص الاشوريين من اتباعي، أفلـَمْ أخبرك برسالتي في شأنهم، فلمَ دخلوا بلادك؟. وانت ستعمل على احباط سعايتهم وجهودهم. وفي الختام لقد ارسلت اليك هدية ثلاثة منات من حجر اللازورد وعشرة افراس لخمس عربات". [9] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn10)
وقد بنى كوريكالزو الاول مدينة جديدة لتكون عاصمة له بدلاً من بابل وهي مدينة دور ـ كوريكالزو (عكركوف) الى الغرب من بغداد 20كم. والتي اقتحمها الملك الاشوري توكلتي ـ ننورتا الاول (1244 ـ 1208) ق.م محرراً بلاد بابل من الكاشيين وضمها الى الحكم الاشوري المباشر اذ وردنا في كتابة له: ".... وفي غمار تلك المعركة اطبقت يدي على كاشتيلياش الملك الكاشي... وجلبته وهو مكبل وعار امام الاله آشور. واخضعت بلاد سومر وأكد حتى ابعد حدودها لسلطتي فأمتدت حدود ارضي الى البحر الاسفل ذي الشمس المشرقة". [10] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn11)
ـ الادوار التي مرت على بلاد آشور:
قد ينسب الاشوريين الى اسم اول مركز حضاري كبير لهم (آشور). والذي تحول فيما بعد الى عاصمة مهمة لدولتهم. وقد اطلق اسم آشور على الاله القومي للاشوريين ايضاً. فلا يعرف على وجه التأكيد ايهما كان اصل الاخر، اسم المدينة أو اسم الاله.
لقد سكن الانسان في بلاد آشور منذ اقدم العصور وحتى الان، واتفق العلماء على تقسيم مراحل التاريخ الاشوري كما يلي:
1 ـ العصر الاشوري القديم (2000 ـ 1500) ق.م
2 ـ = = الوسيط (1500 ـ 911) ق.م
3 ـ = = الحديث (911 ـ 612) ق.م
تشير النصوص الاشورية المكتشفة في موقع (كول تبة) قانش قديماً الى وجود جماعات آشورية تعمل بالتجارة في هذه المنطقة منذ اواسط الالف الثالث ق.م. وان هذه المستوطنات التجارية الاشورية كانت تتمتع بنوع من الاستقلال الاداري والقانوني ضمن اطار سيادة الحكام المحليين. وانها ظلت تحتفظ بولائها لآشور الام وتدين بديانتها وتتبع نظمها وتقاليدها وقوانينها وتعيش حياة آشورية بصورة عامة رغم بعدها الشاسع عن الوطن الام. وكان يطلق لفظة كاروم (Karum) على كل مركز من تلك المراكز التجارية الاشورية والذي يعني (ميناء).
بدأت فترة النهوض القوية الاولى لآشور مع ظهور شمشي أدد الاول (1814 ـ 1782) وتحديداً عندما بدأ هذا الملك بتوسيع رقعة بلاده بضم بمدينة ماري على الفرات ثم امتدت علاقاته الى يمخد (حلب) وقرقميش (جرابلس) وقطنا. وفي الجهة الشرقية للملكة بسط نفوذه على القبائل الكوتية والتركية واللولبية ومع الجنوب أي مع حمورابي كانت له علاقات صداقة ومجاملة.
وخلال العصر الاشوري الوسيط والذي بدأ مع حكم بوزور ـ آشور الثالث (1521) ق.م تقلبت اوضاع بلاد آشور في هذه الحقبة الطويلة من تاريخها والتي استمرت زهاء ستة قرون.
فقد تمكن آشور اوبالط (1365 ـ 1330) من تحرير البلاد من النفوذ الميتاني في الاجزاء الشمالية منها. واعترفت مصر بسيادة قوة الدولة الاشورية واقامت معها علاقات صداقة. أما الكاشيون فقد فشلوا في تأليب المصريين ضد الاشوريين كما فشلوا في السيطرة على بلاد آشور. لذلك اختاروا طريق السلم والصداقة وعقدوا معاهدة مع الملك الاشوري ختمت بزواج سياسي بين ابنة الملك الاشوري وابن الملك الكاشي. ولكن هذه الصداقة سرعان ما تعرضت الى نقض من لدن البابليين فحدثت مؤامرة في البلاط الكاشي أبعد بموجبها صهر الملك الاشوري ونصب شخصاً آخر ملكاً مكانه مما جعل آشور اوبالط ان يتدخل ويعيد تنصيب حفيده من ابنته ملكاً على بابل. غير ان الاضطرابات بين الاشوريين والبابليين سرعان ما اندلعت مرة أخرى مع موت آشور اوبالط.
اصبحت البلاد الاشورية منذ هذا التاريخ مهددة بالاخطار من جهات مختلفة. فكان على الملوك المتعاقبين ان يعملوا على تثبيت سياسة حكيمة لدرء الاخطار عن دولتهم. وقد خلقت هذه الظروف الصعبة زعماء اقوياء وحكماء في خبرتهم الادارية والعسكرية والدبلوماسية فأثبتوا للعالم كفائتهم في ذلك وأسسوا دولة منظمة قوية بسطت نفوذها على جميع انحاء الشرق الادنى القديم.
من هنا صارت تواجه المختص في التاريخ الاشوري مشكلة متكررة وهي: ان الفترات التي كانت فيها دولة آشور قوية وملوكها من الشخصيات الرئيسية كانت تتناوب مع ظاهرة كون كل من الدولة والملوك قد تضاءل الى عدم الاهمية والمقدرة في المحيط الدولي والداخلي. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: هل ان الملوك المقتدرين هم الذين رفعوا شأن آشور الى القوة والرفاهية بكفاءاتهم الغريزية، أم ان تحسن الاوضاع الدولية بالنسبة الى الدولة الاشورية دفع ملوكها نحو الهدف والقوة العسكرية والاقتصادية؟
المؤرخ الشهير هاري ساكز يرى: (ان الحقيقة تقع بين هذين الرأيين المتطرفين. فليس هناك ملك مهما كانت قابلياته يمكن ان يرفع شأن آشور بين فكيّ اوضاع دولية معادية. ولكن عندما تكون الاوضاع الدولية لصالح آشور فأن الملك المقتدر والعزوم فقط يتمكن ان يتسفيد استفادة قصوى من ذلك) [11] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn12). يستنتج من هذا ان معظم الملوك الاشوريين كانوا مقتدرين يتحينون الفرص. ومن بين هؤلاء القادة العظام كان:
شيلمنصر الاول (1274 ـ 1245) ق.م الذي اشتهر بفوتاحته الكبيرة وقضائه على الاقوام الجبلية شمال شرق البلاد الاشورية وبحملته على اورارطو (ارمينيا) لاول مرة. والحاقه دولة خانيكلبات بالدولة الاشورية وتأسيسه عاصمة جديدة للدولة وهي مدينة كالخو.
خلفه ابنه توكلتي ننورتا الاول (1244 ـ 1208) ق.م سار على نفس السياسة الخارجية الاشورية حيث قام بفتوحات عسكرية كبيرة في الغرب والشمال. واتبع سياسة التهجير السكاني. اما بالنسبة الى بابل فقام بهجوم كاسح عليها واخضع الملك الكاشي ودخلت بابل لاول مرة تحت الحكم الاشوري المباشر. فكان ذلك السبب الاول والمباشر في تمازج الحضارتين. وانتقال عبادة مردوخ البابلي الى بلاد الاشوريين ودخول اسمه في تركيب كثير من الاسماء الاشورية وكان ذلك مؤشراً الى ميل الاشوريين للتحرر من الاقليمية والانفتاح الى بلاد بابل واقتباس بعض مقوماتها الحضارية. وفي الوقت نفسه انتقلت كثير من المظاهر الحضارية الاشورية الى بلاد بابل. والسبب الرئيسي وراء هذه الحملة الاشورية واحتلال بابل كانت اطماع الحاكم العيلامي اونتش ـ كال الذي خاض معركة ضد البابليين وربحها وذلك قبل اضطرار الاشوريين للتحرك صوب بابل وجلب ملكها كاشتيلياش اسيراً الى نينوى.
وبعد مقتل الملك الاشوري هذا وانشغال الاشوريين بالاضطرابات الداخلية انتهز العيلامي شترُك ـ تاخنتي الفرصة وزحف بجيش كثير على بابل " واجتاح معظم جنوب العراق ونهبه بشكل لم يسبق له مثيل، فنقلت النصب المشهورة واعمال النحت الفنية الرفيعة ـ مثل مسلة حمورابي ونرام سين ونصب مانشتوسو الى سوسة". [12] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn13)
وفي عام 1115 ق.م اعتلى العرش الاشوري الملك تجلات بليزر الاول الذي استطاع ان يعيد البلاد الاشورية الى قوتها السابقة وأكثر. حيث قضى على الاقوام التي عرفت بالمشكو في آسيا الصغرى وفي الشمال الغربي وصل الاشوريون الى الساحل السوري. اما في الغرب فهاجم القبائل البدوية الرحل أخلامو.
اما سياسته تجاه بابل فليست واضحة تماماً غير انه قام ببعض الغارات العسكرية التأديبية على حدود بابل.
ـ العصر الاشوري الحديث:
يمتد بين (911 ـ 612) ق.م ثلاثمائة سنة غيرت وجه الشرق الادنى بالكامل. حيث وصل الاشوريون خلالها الى قمة مجدهم وازدهارهم وعنفوان قوتهم العسكرية. ان التعاظم الاشوري هذا واتساع نفوذهم لم يكن محض صدفة بل لابد من وجود اسباب وعوامل عدة وراء ذلك. ومن هذه العوامل ما هي داخلية وأخرى خارجية. ومنها ما يمكن معرفته أو استنتاجه من متابعة تطور الاحداث ومنها ما يبقى غامضاً.
لتحليل السياسة الاشورية في هذه المرحلة ذهب الباحثون منحيين مختلفين تماماً.
ـ فهناك من الباحثين المحدثين من يعزي الانتصارات العسكرية الاشورية وتعاظم قوتهم العسكرية ومن ثم التجارية والادارية والعلمية الى الاساليب الهمجية البربرية التي اتصفت بها الحملات العسكرية والى تعطش وتلذذ الملوك الاشوريين العظام الى القتل وسفك الدماء وتعذيب الاعداء ونهب خيرات الاخرين..الخ. وقد يبدو هذا التوجه صحيحاً لاول وهلة طبقاً الى المصادر التي اعتمدها هؤلاء الباحثون.
ولكن بمجرد اجراء دراسة تحليلية وعلمية للتاريخ الاشوري السياسي والحضاري للقرون الثلاثة الاخيرة. مع ألاخذ بنظر الاعتبار الظروف والمخاطر التي كانت تمر بها الدولة الاشورية سوف يتبين بوضوح خطأ هذا الرأي وعدم مطابقته لواقع السياسة الاشورية ومتطلبات الحالة انذاك. فالمصدر الرئيسي لمثل هكذا باحثين هو اسفار العهد القديم (التوراة) بالاضافة الى النصوص المسمارية التي دونها الملوك الاشوريون انفسهم عن اخبار حملاتهم العسكرية المتلاحقة الى الشمال والغرب والشرق من البلاد الاشورية. تلك الكتابات التي عرفت بالحوليات الملكية أو النصوص التاريخية الملكية. اضافة الى المشاهد المنحوتة التي صورها الفنانون الاشوريون وحسب رغبات الملك على الواح الرخام والتي كانت تزين جدران القصور الرئاسية.
أما بالنسبة للتوراة نقول بما انه كتب في القرنين السادس والخامس ق.م اثناء السبي البابلي لليهود أي بعد زوال الدولة الاشورية وبعد قضاء الدولة الكلدية (البابلية الحديثة) على مملكة يهوذا وسبي سكانها الى بابل فمن الطبيعي ان يكون مثل هؤلاء الكتّاب من أشد الحاقدين على الاشوريين وبابليين. وجاءت كتاباتهم تظهر هذا الكره والحقد الشديد للاشوريين بصورة خاصة وللعالم غير اليهودي بصورة عامة. هكذا فقد أظهر التوراة الاشوريين بمظهر الطغاة والقتلة وخير صفاتهم الشراسة وسفك الدماء دون مبرر. وكأن ملوك اسرائيل ويهوذا ومصر، ومن قبلهم ومن بعدهم، كانوا حمامات السلام.
أما عن النصوص الملكية المكتوبة فيمكن القول ان الملوك الاشوريين كأسلافهم الملوك العراقيين الذين سبقوهم كانوا يدونون اخبارهم ومنجزاتهم العسكرية والعمرانية على الواح خاصة لوضعها في المعابد والقصور وأمام تمثال الاله القومي للبلد أو المدينة لتكون بمثابة تقرير ملكي رسمي مقدم الى ذلك الاله للاطلاع على أعمال وكيله وقائد بلاده الملك المأمور والمفوض من قبل هذا الاله للقيام بحماية البلاد والعباد. ومن الطبيعي ان تكون لغة أو اسلوب المبالغة هو السائد في هذه النصوص.
ومن هنا تظهر الانجازات والانتصارات فقط، غافلة الاخفاقات والخسائر في معظم الاحيان. ومن الطبيعي ايضاً اظهار قوة الملك وقسوته وقدرته على البطش بالاعداء وقمع الثورات. لانها أي هذه الالواح كانت الوسيلة الوحيدة المتيسرة لبث الدعاية والاعلام للملك ودولته ومقدار سلطته. هكذا فأن ما ذهب اليه المؤرخون المحدثون لايعطي الصورة الحقيقية والواقعية للسياسة الاشورية.
ولكن يجب ان لا يفهم من هذا ان الاشوريين لم يكونوا شجعانا وأقوياء وأشداء على الاعداء وقساة مع المتمردين والعصاة وكل من كان يحاول النيل من أمن بلادهم. وفي هذا الصدد يورد توينبي ترجمة نص مسماري آشوري يصف روحية الجيش الاشوري والانضباط العسكري العالي فيه: " لن يتعب أي منهم أو يتعثر، ولن يتغلب النعاس على أي منهم أو ينام، كما لن يرتخي حزام خاصرة أي منهم أو ينقطع شريط حذاءه " [13] (http://www.bethsuryoyo.com/articles/OdishoMalkoResearch/OdishoMalkoResearch.htm#_ftn14).
ان السياسة التي انتهجها ملوك وقادة آشور كانت هي السياسة الناجحة والوحيدة آنذاك لضمان أمن وسيادة الدولة الاشورية وحماية حضارتها من الدمار. كما ان الاشوريين لم يلجأوا الى القوة الا كحلّ أخير ونهائي لحل المشاكل لان سياستهم الخارجية كانت قد أتصفت بالاتزان والتعقل مقارنة مع سياسة الاقوام التي عاصرتهم وحتى تلك التي جاءت من بعدهم، وان حروبهم رغم قساوتها لم تختلف عن الحروب العيلامية والحثية والمصرية وحتى الحروب الفارسية واليونانية والرومانية التي جاءت بعد الاشوريين بكثير.
كما ذكرنا وكما هو معلوم كانت ثلاثة قوى كبرى تتحكم بمصير بلدان الشرق الادنى القديم قبيل نهاية الالف الثاني قبل الميلاد: وهي الامبراطورية الحثية في آسيا الصغرى وشمال سوريا. والسلالة الكاشية في بابل والامبراطورية المصرية بالاضافة الى دولة آشور المتجهة نحو النمو والازدهار. وقد حصلت تغيرات عظيمة مع بداية الالف الاول ق.م حيث زالت الامبراطورية الحثية. وانكمشت مصر نتيجة الخلافات الداخلية وانهاك قوتها في الصراع مع الحثيين، ولكنها ظلت تحرض الدويلات السورية ومملكة يهوذا واسرائيل وتمدها بالعون للتمرد ضد النفوذ الاشوري الذي كان ينافسها في مصالحها التجارية على ساحل المتوسط. وعندما اصطدم الاشوريون معهم أي مع المصريين نتيجة هذا الموقف، مالبثت مصر أن فتحت ابوابها امام الجيوش الاشورية واصبحت تحت الحكم الاشوري المباشر.
أما الى الجنوب اي في بلاد بابل فبعد زوال السلالة الكاشية في القرن الثاني عشر ق.م تعاقب على حكم البلاد عدد من السلالات المحلية والغريبة الضعيفة التي لم تقو على مجابهة اعدائها واعداء الاشورين، مما جعل الاشوريين في وضع صعب! عليهم الاختيار بين الزحف وضم بابل الى الحكم الاشوري المباشر لدرء الخطر القادم من الجنوب (بلاد البحر) أو تقديم الدعم والاسناد الى تلك السلالات البابلية الضعيفة وغير الملتزمة مع الاشوريين وسياستهم الحازمة. من هنا كانت مشكلة الاشوريين مع بابل أي انها هي العقدة البابلية التي استمرت طوال فترة العصر الاشوري الحديث وحتى بعد سقوط آشور.