رجال ثاني
20-04-04, 02:42 AM
صدّق .. أو لا تصدّق ..
نحن أمّة من المحظوظين ..
نعم .. نحن محظوظون جداً و محسودون أيضاً ..
رغم أننا نشكو لطين الأرض أحوال هذا الزمان الرديء , و رغم أن أمورنا لا تسرّ عدواً و لا حبيباً .. لكننا في نعمة يحسدنا عليها الأعداء و يغبطنا فيها الأصدقاء ..
فكّروا معي قليلاً .. هل توجد أمّة على وجه الأرض تملك من ﴿ الأخبار العاجلة ﴾ ما نملك ..؟؟؟
هل سمعتم ذات يومٍ خبراً عاجلاً عن نيوزيلاندا مثلاً أو السويد ..؟؟
هل قرأتم منذ سنوات خبراً عاجلاً أو ﴿ غير عاجل ﴾ عن سويسرا على سبيل المثال ..؟؟
كيف يعيش هؤلاء المساكين ..؟؟ و الله إن حياتهم تثير الشفقة و الملل ..
ألا تنشقّ أفواههم من التثاؤب و أخبارهم كلّها محصورة في مشكلة الزبدة التي ارتفعت أثمانها فوق الحدّ المعقول , و أسباب تأخر مواعيد بعض رحلات الطائرات , و النقاش الحامي في البرلمان حول كيفية معالجة مشكلة الأسماك التي تكاد تنقرض , و المصيبة التي ابتلوا بها عندما تحوّلت ملاعب الجولف إلى مستنقعات مائية نتيجة السيول التي اجتاحتها ....
و الله أننا لو كنّا مكانهم لانتحرنا ..
أشكروا ربّكم يا قوم .. أنتم في نعمة يحسدكم عليه العالم كله .. فيكفيكم تذمّراً و شكوى و شتم الأقدار و البكاء على الأطلال ..
هل يوجد شعب على وجه الأرض أصبح مشهوراً كما اشتُهرنا ..؟؟
هل توجد أمة تتصدّر أنباؤها صحف الدنيا و مجلاّتها و شاشات تلفازها كل صباح ..؟؟
ألا يطربكم و أنتم تسمعون أسماءكم تُلفظ بجميع اللغات الحية ﴿ و الميتة أحياناً ﴾ ..؟؟
لكنّكم كعادتكم تتبطّرون على النعم التي فيها تتقلّبون ..
حرب تتلوها حرب .. انتفاضة تتلوها انتفاضة .. اغتيال يعقبه اغتيال .. مؤتمر يلحقه مؤتمر .. تفجير هنا .. مظاهرة هناك .. بيان رسمي و آخر شعبي .. نقل حيّ و مباشر .. بثّ من منطقة الحدث ..
و كلّ هذا عندنا هنا ..
و الله حاجة تسلّي ..
أصبحنا على كلّ شفة و كل لسان .. كلّ الدنيا تعرفنا اليوم ..
يعقدون ندوات عالمية من أجل سواد عيوننا الكحيلة .. لجان تعمل ليل نهار , و مفكّرون يؤّلفون الكتب و مثقّفون يدبّجون المقالات , محاضرات مسائية و صباحية لمحاولة فهم هذا الكائن العجيب الذي يُسمّى ﴿ الإنسان العربي ﴾ ..
فلان يقول أن المشكلة في أدمغتهم , و علاّن يردّ عليه لا بل هي في قلوبهم , بينما يرفض اخر كلا الرأيين و يقول بل المشكلة في كولونهم الغليظ ..
و نحن نراقبهم .. أي و الله .. نجلس أمام شاشات التلفاز نضع ساقاً على ساق , أو نتكّئ اتكاءة الخليّ , نفصفص و نشرب الشاي و نضحك ملء قلوبنا عندما نسمع قفشة من هنا أو نكتة من هناك و ندرك أن هذه ﴿ اللجة ﴾ كلها من أجلنا نحن ..
لا تستصغروا أنفسكم يا ناس .. و الله إن قدركم كبير و أمركم خطير و خبركم مثير ..
و بما أننا أصبحنا مدمنين على الأخبار العاجلة و اعتدنا أن نستيقظ من النوم كلّ صباح فنفرك عيوننا الناعسة و نوضّب شعرنا المنكوش و نتفرّج على التلفاز و هو يعرض ﴿ خبراً عاجلاً ﴾ عنّا , فنشعر بالنشاط و البهجة و نتوكّل على الله إلى أعمالنا مسرورين مبتسمين ..
فقد قرّر بعض الإعلاميين من أصحاب الدم الخفيف و الروح المرحة أن يزيدوا في نغمنا نغماً و أن يعمّموا الموضوع و يفتحوه إلى آخره زيادة في إبهاج الناس و الترفيه عنهم ..
و رغم أننا مبتهجون أصلاً , و تكاد مراراتنا تنفلق و أكبادنا تنفطر و قلوبنا تنفجر من فرط الحبور و السعادة , فقد أبى علينا هؤلاء إلا أن يمتّعونا و يزيدوا من مساحة ابتساماتنا العريضة ..
منذ فترة كان العبد الفقير لله يتنقّل بين القنوات الفضائية كعادته حين يبدأ بالشعور بالكآبة و الملل من الشبكة والصحف والكتب و لا يجد أمامه غير هذه الطريقة تفرّج عنه قليلاً و تنسيه همّ الدنيا و متاعبها و الأخبار العاجلة عادةً تقدّم له هذا العزاء ..
فجأة .. ظهرت على الشاشة امرأة نصف عارية ﴿ باللواقع أنها ثلاثة أرباع ﴾ .. و أخذت تتدلّل و تتمايل و تغمز و تلمز و تفرد شعرها و تكشف ساقها و تهزّ خصرها و ترجّ صدرها و تفعل كل ما يقدّر لها الله أن تفعل لشحذ عيون المشاهدين و إصابة أفئدتهم بمقتل ..
و بالطبع فمن بداهة القول أنها بالإضافة إلى ذلك كله كانت تغني .
حتى الآن الأمر عادي و لا يدعو للاستغراب فقنواتنا صارت ماجنة ﴿ عادي عادي ﴾ ...
غطست في مقعدي و أنا أتأمّل ﴿ أستمع ﴾ هذه الأغنية ..
و أعتقد أن هذا تصرّف طبيعي يقوم به جميع رجال الأرض حين يشاهدون ما أشاهد ..
لكن ما جعلني أفغر فمي من الدهشة , ظهور خبرٍ عاجل على الشاشة .. نعم .. خبر عاجل هنا أيضاً .. ياللهول .. هنا أيضاً ..!!!!
كان الخبر العاجل يقول : قرّرت الفنانة ﴿ توحة ﴾ تغيير مصفّف شعرها بعد ظهورها غير اللائق في حفل عيد ميلاد صديقها ﴿ شيحا ﴾ ...!!!
طبعاً لا يمكنني أن أقول أن هذا الخبر غير عاجل بشكلٍ مطلق , بل هو عاجل جداً بالنسبة لشخص واحد في هذا العالَم , و هو مصفّف الشعر الذي انقطع رزقه و ﴿ وراح وطي ﴾ على الملأ أمام جميع خلق الله ..
لكنني لم أفهم أبداً كيف يكون هذا الخبر عاجلاً بالنسبة لي ...؟؟
من يومها و أنا أتابع هذه الأخبار العاجلة .. فقد تبيّن لي أنها مسلية أكثر و إليكم هذه العيّنة :
- المطربة ﴿ ازنارين ﴾ قررت تغيير مكان تصوير كليبها الجديد من صحراء كالاهاري إلى حي ﴿ الدقي ﴾ في القاهرة ..
- الممثّل ﴿ علي طل ﴾ مبسوط لنجاح أغنيته الجديدة ﴿ يالله بس خل نستانس ﴾
- صرّحت الفنّانة ﴿ نيفال ﴾ أن الرقص بالكعب العالي لا يتوافق مع مفهومها للرقص الشرقي , و نصحت جميع الراقصات المبتدئات بالرقص و هن حفايا ..
- باشرت الممثلّة ﴿ نور العيون ﴾ انتقاء ملابسها استعداداً لتصوير الكليب الجديد رغم تصريحات المخرج أن هذا الكليب لا يحتاج إلى ملابس أصلاً ..
و هكذا اتخذتُ قراراً ..
سأذيع على الملأ بدوري بعض الأخبار العاجلة التي ربما لا تهمّ أحداً على الإطلاق ..
لكنها تهمّ ﴿ أبطال الحدَث ﴾ و بالتأكيد ..
أنتم .. أنتم أيها المجهولون ..
يا من لا يهتمّ بكم أحد ..
يا من لم يغنّي لكم أحد ..
يا من لم يحبّكم أحد ...
يا من تعيشون بصبر , و تموتون بهدوء ..
أنتم يا أبطال الحكايات التي لا ترويها الجدّات .. و لا تشهرها الروايات , و لا تحكيها القصائد ..
أيها العاديّون جداً ..
ساحكي عني وعنكم .. كحاياتنا فنحن الاهم ...
﴿ حتما يتبع ﴾
نحن أمّة من المحظوظين ..
نعم .. نحن محظوظون جداً و محسودون أيضاً ..
رغم أننا نشكو لطين الأرض أحوال هذا الزمان الرديء , و رغم أن أمورنا لا تسرّ عدواً و لا حبيباً .. لكننا في نعمة يحسدنا عليها الأعداء و يغبطنا فيها الأصدقاء ..
فكّروا معي قليلاً .. هل توجد أمّة على وجه الأرض تملك من ﴿ الأخبار العاجلة ﴾ ما نملك ..؟؟؟
هل سمعتم ذات يومٍ خبراً عاجلاً عن نيوزيلاندا مثلاً أو السويد ..؟؟
هل قرأتم منذ سنوات خبراً عاجلاً أو ﴿ غير عاجل ﴾ عن سويسرا على سبيل المثال ..؟؟
كيف يعيش هؤلاء المساكين ..؟؟ و الله إن حياتهم تثير الشفقة و الملل ..
ألا تنشقّ أفواههم من التثاؤب و أخبارهم كلّها محصورة في مشكلة الزبدة التي ارتفعت أثمانها فوق الحدّ المعقول , و أسباب تأخر مواعيد بعض رحلات الطائرات , و النقاش الحامي في البرلمان حول كيفية معالجة مشكلة الأسماك التي تكاد تنقرض , و المصيبة التي ابتلوا بها عندما تحوّلت ملاعب الجولف إلى مستنقعات مائية نتيجة السيول التي اجتاحتها ....
و الله أننا لو كنّا مكانهم لانتحرنا ..
أشكروا ربّكم يا قوم .. أنتم في نعمة يحسدكم عليه العالم كله .. فيكفيكم تذمّراً و شكوى و شتم الأقدار و البكاء على الأطلال ..
هل يوجد شعب على وجه الأرض أصبح مشهوراً كما اشتُهرنا ..؟؟
هل توجد أمة تتصدّر أنباؤها صحف الدنيا و مجلاّتها و شاشات تلفازها كل صباح ..؟؟
ألا يطربكم و أنتم تسمعون أسماءكم تُلفظ بجميع اللغات الحية ﴿ و الميتة أحياناً ﴾ ..؟؟
لكنّكم كعادتكم تتبطّرون على النعم التي فيها تتقلّبون ..
حرب تتلوها حرب .. انتفاضة تتلوها انتفاضة .. اغتيال يعقبه اغتيال .. مؤتمر يلحقه مؤتمر .. تفجير هنا .. مظاهرة هناك .. بيان رسمي و آخر شعبي .. نقل حيّ و مباشر .. بثّ من منطقة الحدث ..
و كلّ هذا عندنا هنا ..
و الله حاجة تسلّي ..
أصبحنا على كلّ شفة و كل لسان .. كلّ الدنيا تعرفنا اليوم ..
يعقدون ندوات عالمية من أجل سواد عيوننا الكحيلة .. لجان تعمل ليل نهار , و مفكّرون يؤّلفون الكتب و مثقّفون يدبّجون المقالات , محاضرات مسائية و صباحية لمحاولة فهم هذا الكائن العجيب الذي يُسمّى ﴿ الإنسان العربي ﴾ ..
فلان يقول أن المشكلة في أدمغتهم , و علاّن يردّ عليه لا بل هي في قلوبهم , بينما يرفض اخر كلا الرأيين و يقول بل المشكلة في كولونهم الغليظ ..
و نحن نراقبهم .. أي و الله .. نجلس أمام شاشات التلفاز نضع ساقاً على ساق , أو نتكّئ اتكاءة الخليّ , نفصفص و نشرب الشاي و نضحك ملء قلوبنا عندما نسمع قفشة من هنا أو نكتة من هناك و ندرك أن هذه ﴿ اللجة ﴾ كلها من أجلنا نحن ..
لا تستصغروا أنفسكم يا ناس .. و الله إن قدركم كبير و أمركم خطير و خبركم مثير ..
و بما أننا أصبحنا مدمنين على الأخبار العاجلة و اعتدنا أن نستيقظ من النوم كلّ صباح فنفرك عيوننا الناعسة و نوضّب شعرنا المنكوش و نتفرّج على التلفاز و هو يعرض ﴿ خبراً عاجلاً ﴾ عنّا , فنشعر بالنشاط و البهجة و نتوكّل على الله إلى أعمالنا مسرورين مبتسمين ..
فقد قرّر بعض الإعلاميين من أصحاب الدم الخفيف و الروح المرحة أن يزيدوا في نغمنا نغماً و أن يعمّموا الموضوع و يفتحوه إلى آخره زيادة في إبهاج الناس و الترفيه عنهم ..
و رغم أننا مبتهجون أصلاً , و تكاد مراراتنا تنفلق و أكبادنا تنفطر و قلوبنا تنفجر من فرط الحبور و السعادة , فقد أبى علينا هؤلاء إلا أن يمتّعونا و يزيدوا من مساحة ابتساماتنا العريضة ..
منذ فترة كان العبد الفقير لله يتنقّل بين القنوات الفضائية كعادته حين يبدأ بالشعور بالكآبة و الملل من الشبكة والصحف والكتب و لا يجد أمامه غير هذه الطريقة تفرّج عنه قليلاً و تنسيه همّ الدنيا و متاعبها و الأخبار العاجلة عادةً تقدّم له هذا العزاء ..
فجأة .. ظهرت على الشاشة امرأة نصف عارية ﴿ باللواقع أنها ثلاثة أرباع ﴾ .. و أخذت تتدلّل و تتمايل و تغمز و تلمز و تفرد شعرها و تكشف ساقها و تهزّ خصرها و ترجّ صدرها و تفعل كل ما يقدّر لها الله أن تفعل لشحذ عيون المشاهدين و إصابة أفئدتهم بمقتل ..
و بالطبع فمن بداهة القول أنها بالإضافة إلى ذلك كله كانت تغني .
حتى الآن الأمر عادي و لا يدعو للاستغراب فقنواتنا صارت ماجنة ﴿ عادي عادي ﴾ ...
غطست في مقعدي و أنا أتأمّل ﴿ أستمع ﴾ هذه الأغنية ..
و أعتقد أن هذا تصرّف طبيعي يقوم به جميع رجال الأرض حين يشاهدون ما أشاهد ..
لكن ما جعلني أفغر فمي من الدهشة , ظهور خبرٍ عاجل على الشاشة .. نعم .. خبر عاجل هنا أيضاً .. ياللهول .. هنا أيضاً ..!!!!
كان الخبر العاجل يقول : قرّرت الفنانة ﴿ توحة ﴾ تغيير مصفّف شعرها بعد ظهورها غير اللائق في حفل عيد ميلاد صديقها ﴿ شيحا ﴾ ...!!!
طبعاً لا يمكنني أن أقول أن هذا الخبر غير عاجل بشكلٍ مطلق , بل هو عاجل جداً بالنسبة لشخص واحد في هذا العالَم , و هو مصفّف الشعر الذي انقطع رزقه و ﴿ وراح وطي ﴾ على الملأ أمام جميع خلق الله ..
لكنني لم أفهم أبداً كيف يكون هذا الخبر عاجلاً بالنسبة لي ...؟؟
من يومها و أنا أتابع هذه الأخبار العاجلة .. فقد تبيّن لي أنها مسلية أكثر و إليكم هذه العيّنة :
- المطربة ﴿ ازنارين ﴾ قررت تغيير مكان تصوير كليبها الجديد من صحراء كالاهاري إلى حي ﴿ الدقي ﴾ في القاهرة ..
- الممثّل ﴿ علي طل ﴾ مبسوط لنجاح أغنيته الجديدة ﴿ يالله بس خل نستانس ﴾
- صرّحت الفنّانة ﴿ نيفال ﴾ أن الرقص بالكعب العالي لا يتوافق مع مفهومها للرقص الشرقي , و نصحت جميع الراقصات المبتدئات بالرقص و هن حفايا ..
- باشرت الممثلّة ﴿ نور العيون ﴾ انتقاء ملابسها استعداداً لتصوير الكليب الجديد رغم تصريحات المخرج أن هذا الكليب لا يحتاج إلى ملابس أصلاً ..
و هكذا اتخذتُ قراراً ..
سأذيع على الملأ بدوري بعض الأخبار العاجلة التي ربما لا تهمّ أحداً على الإطلاق ..
لكنها تهمّ ﴿ أبطال الحدَث ﴾ و بالتأكيد ..
أنتم .. أنتم أيها المجهولون ..
يا من لا يهتمّ بكم أحد ..
يا من لم يغنّي لكم أحد ..
يا من لم يحبّكم أحد ...
يا من تعيشون بصبر , و تموتون بهدوء ..
أنتم يا أبطال الحكايات التي لا ترويها الجدّات .. و لا تشهرها الروايات , و لا تحكيها القصائد ..
أيها العاديّون جداً ..
ساحكي عني وعنكم .. كحاياتنا فنحن الاهم ...
﴿ حتما يتبع ﴾