حمام البر
31-08-06, 06:18 PM
للاستماع اضغط هنا (http://audio.islamweb.net/audio/listenbox.php?audioid=100402&type=ram)
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
كلام ابن القيم عن قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا..)
وإذا جئت إلى دقة استنباطه من كتاب الله، لوجدت أمراً عجيباً، خذ مثلاً كلام ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين عن قول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [لأعراف:175-176] يقول ابن القيم رحمه الله: "تأمل قوله تعالى: آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175] فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو- أي: أن الله عندما يؤتي أحدنا علماً، أو بصيرة، فليعرف أن الله هو الذي أعطاه، وليس العبد هو الذي أخذ بنفسه وبقدرته وبذكائه آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175]، ثم قال: فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] ولم يقل: فسلخناه؛ بل أضاف الانسلاخ إليه أي: إلى هذا العبد المذموم، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ، أي: أنه انسلخ، يصور ابن القيم الدقة في التعبير فهذا العبد انسلخ من الآيات بالكلية، وهذا شأن الكافر، أما المؤمن ولو عصى الله؛ فإنه لا ينسلخ من الدين، ثم قال ابن القيم : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175] ولم يقل: فتبعه، والفرق أن أتبعه تعني: تبعه وأدركه ولحقه؛ ولذلك قال الله عن فرعون: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:60-61]، ولذلك يقول ابن القيم : فأتبعه الشيطان، أي: وصل إليه الشيطان واستحوذ عليه، وكذلك قال: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: 176] أي: سكن إليها ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية.. إلى آخر كلامه رحمه الله.
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
استنباطات ابن القيم من قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل...
ولما أتى رحمه الله مثلاً إلى قول الله عز وجل: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:266] هذا المثل ضربه الله للمرائين يوم القيامة، قال تعالى: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] هذا المثل لأناس لهم أعمال جاءوا يوم القيامة محتاجين إليها جداً، فوجدوها هباءً منثوراً فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة:266] فيقول ابن القيم رحمه الله: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] ذكر الله في هذه الآية أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعاً، فإن منهما القوت والغذاء، والدواء والشراب، والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطباً ويابساً. ثم يقول: وهذه الجنة- أي: البستان- فيها أنهار تجري، وهذا أكمل وأعظم، وهل فقط فيها نخيل وأعناب؟ لا، بل فيها من كل الثمرات. ثم يقول: -وهذا الرجل أصاب جنته إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت، وقبل أن تحترق قد كبر سنه- يقول ابن القيم رحمه الله: انظر مدى تعلق قلب الرجل بهذا البستان، لو كان عنده جنة، أو بستان ليس فيه نبات ولا زرع فإنه لا يحزن عليه؛ فإذاً قلبه متعلق -أولاً- بالبستان؛ لنفاسة ما في البستان من النخيل والأعناب وأنواع الثمرات، وفيه أنهار تجري، وهذا الرجل قد أصابه الكبر. يقول ابن القيم رحمه الله: إذا كبر ابن آدم، اشتد حرصه، لأن ابن آدم يشيب ويشب معه اثنتان: الحرص وطول الأمل. يقول: أصابه الكبر، فالآية تعبر عن معانٍ قد لا نفقهها إذا قرأناها لأول مرة، لكن عندما يأتي مثل: ابن القيم رحمه الله يبين لنا، يقول: تعلق أول شيء قلبه بسبب نفاسة البستان، وبسبب أنه كبر سنه، فعجز عن الكسب والتجارة، واشتد حرصه بطبيعة كبر السن، وثالثاً: له ذرية ضعفاء، فهو حريص أن يبقى هذا البستان للذرية، وهؤلاء الذرية ليسوا أقوياء، لكنهم ضعفاء يحتاجون إلى من يكد عليهم، ورابعاً: أن نفقته عليهم- أي: هو أبوهم- فإذا تصورت هذه الحادثة من تعلقه بالبستان أشد ما يكون، وهو في هذا التعلق أصابه إعصار فيه نار فاحترقت، كيف يكون وضع الرجل؟ هذا مثل المرائين يوم القيامة.. يأتون بأعمال أمام النار، الواحد يحتاج لكل عمل، وعندهم أعمال، ولكن شبَّه حال احتياجهم للأعمال يوم القيامة بحال هذا الشيخ الكبير في السن، وأصاب أعمالهم إعصار الرياء فأحرقها، وأفلسوا وهم في أشد الحاجة، وفي وقت عصيب أشد ما تكون الحاجة إلى هذه الأعمال.
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
آية ضيافة إبراهيم وفقه ابن القيم فيها
خذ مثلاً قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:24-27] هذه الآيات استنبط ابن القيم رحمه الله منها خمسة عشر أدباً من آداب الضيافة. أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. ثانياً: قال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات:25] فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان قد عرف بإكرام الضيفان، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان. ثالثاً: قوله سلامٌ بالرفع، وهم قالوا: سلاماً وهذه جملة فعلية دالة على التجدد والحدوث والتغير، لكنه قال: سلامٌ، وهذه جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات فليست متغيرة، فكان رد سلامه أفضل من سلامهم. رابعاً: أنه حذف المبتدأ من قوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم، احتشم من مواجهتهم بلفظ الضيف، أي: ما قال: سلامٌ.. أنا لا أعرفكم أنتم غريبون عليَّ، وإنما قال سلامٌ وربطها بقوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] أي: سلام على قوم لأول مرة أراهم. خامساً: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] ولم يقل: أنا أنكرتكم، فهناك فرق بين أن تقول: سلام قوم غير معروفين، وهذه ألطف من أن تقول: سلامٌ عليكم قوم أنا لا أعرفكم. سادساً: أنه راغ إلى أهله لكي يأتي بالطعام، والروغان هو الذهاب في اختفاء. سابعاً: أنهم ما شعروا به إلا وقد جاءهم بالطعام مع أنه عجل مشوي، وهذا يدل على أنه كان مشغولاً بإكرام الضيف، ما ذهب واشترى وذبح واشتوى فانظر السرعة! فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] ولم يقل: ثم جاء، معناها أشياء مجهزة، يأتي إليه الضيف فيجد الطعام جاهز فيقول ابن القيم رحمه الله: يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فيقول له: لا. ليس هناك داعي أن تأتي بالطعام، وبعد ذلك يحلف عليهم. ثامناً: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً. تاسعاً: فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم بعجل سمين، مثل أن يكون عند أحدهم خدم، فمن آداب الضيافة أن يأتي لك بالأكل بنفسه، ولا يقل للخادم: هات الطعام؟ بل يأتي بالطعام بنفسه؛ لأن في هذا زيادة في الإكرام. عاشراً: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعضه. الحادي عشر: أنه سمين لا هزيل، ومعروف أن ذلك من أفخر أموالهم. الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه. الثالث عشر: أنه قال: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27] وهذا في غاية التلطف في العرض. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل، لأنه رآهم لا يأكلون. الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل، خاف منهم ولم يظهر لهم، لأن الإنسان إذا لم يمد يده على الطعام فمعنى ذلك أن في نفسه شيئاً، فإبراهيم لم يقل: لماذا لم تأكلوا؟ إذن أنتم تريدون الشر؛ بل سكت، فالله أمرهم أن يقولوا له: لا تخف، نحن ملائكة لا نأكل؛ جئنا لغرض كذا وكذا. ومسألة استنباط ابن القيم من الآيات مسألة عجيبة؛ حتى أنه قال في كتاب الجواب الكافي : وفي هذه القصة- التي هي قصة يوسف- من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.
http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up]http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif)
[/url]
كلام ابن القيم عن قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا..)
وإذا جئت إلى دقة استنباطه من كتاب الله، لوجدت أمراً عجيباً، خذ مثلاً كلام ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين عن قول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [لأعراف:175-176] يقول ابن القيم رحمه الله: "تأمل قوله تعالى: آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175] فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو- أي: أن الله عندما يؤتي أحدنا علماً، أو بصيرة، فليعرف أن الله هو الذي أعطاه، وليس العبد هو الذي أخذ بنفسه وبقدرته وبذكائه آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175]، ثم قال: فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] ولم يقل: فسلخناه؛ بل أضاف الانسلاخ إليه أي: إلى هذا العبد المذموم، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ، أي: أنه انسلخ، يصور ابن القيم الدقة في التعبير فهذا العبد انسلخ من الآيات بالكلية، وهذا شأن الكافر، أما المؤمن ولو عصى الله؛ فإنه لا ينسلخ من الدين، ثم قال ابن القيم : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175] ولم يقل: فتبعه، والفرق أن أتبعه تعني: تبعه وأدركه ولحقه؛ ولذلك قال الله عن فرعون: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:60-61]، ولذلك يقول ابن القيم : فأتبعه الشيطان، أي: وصل إليه الشيطان واستحوذ عليه، وكذلك قال: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: 176] أي: سكن إليها ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية.. إلى آخر كلامه رحمه الله.
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
استنباطات ابن القيم من قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل...
ولما أتى رحمه الله مثلاً إلى قول الله عز وجل: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:266] هذا المثل ضربه الله للمرائين يوم القيامة، قال تعالى: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] هذا المثل لأناس لهم أعمال جاءوا يوم القيامة محتاجين إليها جداً، فوجدوها هباءً منثوراً فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة:266] فيقول ابن القيم رحمه الله: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] ذكر الله في هذه الآية أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعاً، فإن منهما القوت والغذاء، والدواء والشراب، والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطباً ويابساً. ثم يقول: وهذه الجنة- أي: البستان- فيها أنهار تجري، وهذا أكمل وأعظم، وهل فقط فيها نخيل وأعناب؟ لا، بل فيها من كل الثمرات. ثم يقول: -وهذا الرجل أصاب جنته إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت، وقبل أن تحترق قد كبر سنه- يقول ابن القيم رحمه الله: انظر مدى تعلق قلب الرجل بهذا البستان، لو كان عنده جنة، أو بستان ليس فيه نبات ولا زرع فإنه لا يحزن عليه؛ فإذاً قلبه متعلق -أولاً- بالبستان؛ لنفاسة ما في البستان من النخيل والأعناب وأنواع الثمرات، وفيه أنهار تجري، وهذا الرجل قد أصابه الكبر. يقول ابن القيم رحمه الله: إذا كبر ابن آدم، اشتد حرصه، لأن ابن آدم يشيب ويشب معه اثنتان: الحرص وطول الأمل. يقول: أصابه الكبر، فالآية تعبر عن معانٍ قد لا نفقهها إذا قرأناها لأول مرة، لكن عندما يأتي مثل: ابن القيم رحمه الله يبين لنا، يقول: تعلق أول شيء قلبه بسبب نفاسة البستان، وبسبب أنه كبر سنه، فعجز عن الكسب والتجارة، واشتد حرصه بطبيعة كبر السن، وثالثاً: له ذرية ضعفاء، فهو حريص أن يبقى هذا البستان للذرية، وهؤلاء الذرية ليسوا أقوياء، لكنهم ضعفاء يحتاجون إلى من يكد عليهم، ورابعاً: أن نفقته عليهم- أي: هو أبوهم- فإذا تصورت هذه الحادثة من تعلقه بالبستان أشد ما يكون، وهو في هذا التعلق أصابه إعصار فيه نار فاحترقت، كيف يكون وضع الرجل؟ هذا مثل المرائين يوم القيامة.. يأتون بأعمال أمام النار، الواحد يحتاج لكل عمل، وعندهم أعمال، ولكن شبَّه حال احتياجهم للأعمال يوم القيامة بحال هذا الشيخ الكبير في السن، وأصاب أعمالهم إعصار الرياء فأحرقها، وأفلسوا وهم في أشد الحاجة، وفي وقت عصيب أشد ما تكون الحاجة إلى هذه الأعمال.
(http://http://audio.islamweb.net/audio/listenbox.php?audioid=100402&type=ram)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
آية ضيافة إبراهيم وفقه ابن القيم فيها
خذ مثلاً قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:24-27] هذه الآيات استنبط ابن القيم رحمه الله منها خمسة عشر أدباً من آداب الضيافة. أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. ثانياً: قال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات:25] فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان قد عرف بإكرام الضيفان، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان. ثالثاً: قوله سلامٌ بالرفع، وهم قالوا: سلاماً وهذه جملة فعلية دالة على التجدد والحدوث والتغير، لكنه قال: سلامٌ، وهذه جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات فليست متغيرة، فكان رد سلامه أفضل من سلامهم. رابعاً: أنه حذف المبتدأ من قوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم، احتشم من مواجهتهم بلفظ الضيف، أي: ما قال: سلامٌ.. أنا لا أعرفكم أنتم غريبون عليَّ، وإنما قال سلامٌ وربطها بقوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] أي: سلام على قوم لأول مرة أراهم. خامساً: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] ولم يقل: أنا أنكرتكم، فهناك فرق بين أن تقول: سلام قوم غير معروفين، وهذه ألطف من أن تقول: سلامٌ عليكم قوم أنا لا أعرفكم. سادساً: أنه راغ إلى أهله لكي يأتي بالطعام، والروغان هو الذهاب في اختفاء. سابعاً: أنهم ما شعروا به إلا وقد جاءهم بالطعام مع أنه عجل مشوي، وهذا يدل على أنه كان مشغولاً بإكرام الضيف، ما ذهب واشترى وذبح واشتوى فانظر السرعة! فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] ولم يقل: ثم جاء، معناها أشياء مجهزة، يأتي إليه الضيف فيجد الطعام جاهز فيقول ابن القيم رحمه الله: يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فيقول له: لا. ليس هناك داعي أن تأتي بالطعام، وبعد ذلك يحلف عليهم. ثامناً: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً. تاسعاً: فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم بعجل سمين، مثل أن يكون عند أحدهم خدم، فمن آداب الضيافة أن يأتي لك بالأكل بنفسه، ولا يقل للخادم: هات الطعام؟ بل يأتي بالطعام بنفسه؛ لأن في هذا زيادة في الإكرام. عاشراً: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعضه. الحادي عشر: أنه سمين لا هزيل، ومعروف أن ذلك من أفخر أموالهم. الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه. الثالث عشر: أنه قال: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27] وهذا في غاية التلطف في العرض. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل، لأنه رآهم لا يأكلون. الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل، خاف منهم ولم يظهر لهم، لأن الإنسان إذا لم يمد يده على الطعام فمعنى ذلك أن في نفسه شيئاً، فإبراهيم لم يقل: لماذا لم تأكلوا؟ إذن أنتم تريدون الشر؛ بل سكت، فالله أمرهم أن يقولوا له: لا تخف، نحن ملائكة لا نأكل؛ جئنا لغرض كذا وكذا. ومسألة استنباط ابن القيم من الآيات مسألة عجيبة؛ حتى أنه قال في كتاب الجواب الكافي : وفي هذه القصة- التي هي قصة يوسف- من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.
الى لقاء مع حلقه جديده من==فقه الواقع عند ابن القيم
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
كلام ابن القيم عن قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا..)
وإذا جئت إلى دقة استنباطه من كتاب الله، لوجدت أمراً عجيباً، خذ مثلاً كلام ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين عن قول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [لأعراف:175-176] يقول ابن القيم رحمه الله: "تأمل قوله تعالى: آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175] فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو- أي: أن الله عندما يؤتي أحدنا علماً، أو بصيرة، فليعرف أن الله هو الذي أعطاه، وليس العبد هو الذي أخذ بنفسه وبقدرته وبذكائه آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175]، ثم قال: فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] ولم يقل: فسلخناه؛ بل أضاف الانسلاخ إليه أي: إلى هذا العبد المذموم، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ، أي: أنه انسلخ، يصور ابن القيم الدقة في التعبير فهذا العبد انسلخ من الآيات بالكلية، وهذا شأن الكافر، أما المؤمن ولو عصى الله؛ فإنه لا ينسلخ من الدين، ثم قال ابن القيم : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175] ولم يقل: فتبعه، والفرق أن أتبعه تعني: تبعه وأدركه ولحقه؛ ولذلك قال الله عن فرعون: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:60-61]، ولذلك يقول ابن القيم : فأتبعه الشيطان، أي: وصل إليه الشيطان واستحوذ عليه، وكذلك قال: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: 176] أي: سكن إليها ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية.. إلى آخر كلامه رحمه الله.
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
استنباطات ابن القيم من قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل...
ولما أتى رحمه الله مثلاً إلى قول الله عز وجل: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:266] هذا المثل ضربه الله للمرائين يوم القيامة، قال تعالى: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] هذا المثل لأناس لهم أعمال جاءوا يوم القيامة محتاجين إليها جداً، فوجدوها هباءً منثوراً فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة:266] فيقول ابن القيم رحمه الله: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] ذكر الله في هذه الآية أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعاً، فإن منهما القوت والغذاء، والدواء والشراب، والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطباً ويابساً. ثم يقول: وهذه الجنة- أي: البستان- فيها أنهار تجري، وهذا أكمل وأعظم، وهل فقط فيها نخيل وأعناب؟ لا، بل فيها من كل الثمرات. ثم يقول: -وهذا الرجل أصاب جنته إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت، وقبل أن تحترق قد كبر سنه- يقول ابن القيم رحمه الله: انظر مدى تعلق قلب الرجل بهذا البستان، لو كان عنده جنة، أو بستان ليس فيه نبات ولا زرع فإنه لا يحزن عليه؛ فإذاً قلبه متعلق -أولاً- بالبستان؛ لنفاسة ما في البستان من النخيل والأعناب وأنواع الثمرات، وفيه أنهار تجري، وهذا الرجل قد أصابه الكبر. يقول ابن القيم رحمه الله: إذا كبر ابن آدم، اشتد حرصه، لأن ابن آدم يشيب ويشب معه اثنتان: الحرص وطول الأمل. يقول: أصابه الكبر، فالآية تعبر عن معانٍ قد لا نفقهها إذا قرأناها لأول مرة، لكن عندما يأتي مثل: ابن القيم رحمه الله يبين لنا، يقول: تعلق أول شيء قلبه بسبب نفاسة البستان، وبسبب أنه كبر سنه، فعجز عن الكسب والتجارة، واشتد حرصه بطبيعة كبر السن، وثالثاً: له ذرية ضعفاء، فهو حريص أن يبقى هذا البستان للذرية، وهؤلاء الذرية ليسوا أقوياء، لكنهم ضعفاء يحتاجون إلى من يكد عليهم، ورابعاً: أن نفقته عليهم- أي: هو أبوهم- فإذا تصورت هذه الحادثة من تعلقه بالبستان أشد ما يكون، وهو في هذا التعلق أصابه إعصار فيه نار فاحترقت، كيف يكون وضع الرجل؟ هذا مثل المرائين يوم القيامة.. يأتون بأعمال أمام النار، الواحد يحتاج لكل عمل، وعندهم أعمال، ولكن شبَّه حال احتياجهم للأعمال يوم القيامة بحال هذا الشيخ الكبير في السن، وأصاب أعمالهم إعصار الرياء فأحرقها، وأفلسوا وهم في أشد الحاجة، وفي وقت عصيب أشد ما تكون الحاجة إلى هذه الأعمال.
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
آية ضيافة إبراهيم وفقه ابن القيم فيها
خذ مثلاً قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:24-27] هذه الآيات استنبط ابن القيم رحمه الله منها خمسة عشر أدباً من آداب الضيافة. أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. ثانياً: قال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات:25] فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان قد عرف بإكرام الضيفان، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان. ثالثاً: قوله سلامٌ بالرفع، وهم قالوا: سلاماً وهذه جملة فعلية دالة على التجدد والحدوث والتغير، لكنه قال: سلامٌ، وهذه جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات فليست متغيرة، فكان رد سلامه أفضل من سلامهم. رابعاً: أنه حذف المبتدأ من قوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم، احتشم من مواجهتهم بلفظ الضيف، أي: ما قال: سلامٌ.. أنا لا أعرفكم أنتم غريبون عليَّ، وإنما قال سلامٌ وربطها بقوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] أي: سلام على قوم لأول مرة أراهم. خامساً: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] ولم يقل: أنا أنكرتكم، فهناك فرق بين أن تقول: سلام قوم غير معروفين، وهذه ألطف من أن تقول: سلامٌ عليكم قوم أنا لا أعرفكم. سادساً: أنه راغ إلى أهله لكي يأتي بالطعام، والروغان هو الذهاب في اختفاء. سابعاً: أنهم ما شعروا به إلا وقد جاءهم بالطعام مع أنه عجل مشوي، وهذا يدل على أنه كان مشغولاً بإكرام الضيف، ما ذهب واشترى وذبح واشتوى فانظر السرعة! فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] ولم يقل: ثم جاء، معناها أشياء مجهزة، يأتي إليه الضيف فيجد الطعام جاهز فيقول ابن القيم رحمه الله: يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فيقول له: لا. ليس هناك داعي أن تأتي بالطعام، وبعد ذلك يحلف عليهم. ثامناً: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً. تاسعاً: فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم بعجل سمين، مثل أن يكون عند أحدهم خدم، فمن آداب الضيافة أن يأتي لك بالأكل بنفسه، ولا يقل للخادم: هات الطعام؟ بل يأتي بالطعام بنفسه؛ لأن في هذا زيادة في الإكرام. عاشراً: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعضه. الحادي عشر: أنه سمين لا هزيل، ومعروف أن ذلك من أفخر أموالهم. الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه. الثالث عشر: أنه قال: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27] وهذا في غاية التلطف في العرض. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل، لأنه رآهم لا يأكلون. الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل، خاف منهم ولم يظهر لهم، لأن الإنسان إذا لم يمد يده على الطعام فمعنى ذلك أن في نفسه شيئاً، فإبراهيم لم يقل: لماذا لم تأكلوا؟ إذن أنتم تريدون الشر؛ بل سكت، فالله أمرهم أن يقولوا له: لا تخف، نحن ملائكة لا نأكل؛ جئنا لغرض كذا وكذا. ومسألة استنباط ابن القيم من الآيات مسألة عجيبة؛ حتى أنه قال في كتاب الجواب الكافي : وفي هذه القصة- التي هي قصة يوسف- من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.
http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up]http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif)
[/url]
كلام ابن القيم عن قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا..)
وإذا جئت إلى دقة استنباطه من كتاب الله، لوجدت أمراً عجيباً، خذ مثلاً كلام ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين عن قول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [لأعراف:175-176] يقول ابن القيم رحمه الله: "تأمل قوله تعالى: آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175] فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو- أي: أن الله عندما يؤتي أحدنا علماً، أو بصيرة، فليعرف أن الله هو الذي أعطاه، وليس العبد هو الذي أخذ بنفسه وبقدرته وبذكائه آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175]، ثم قال: فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] ولم يقل: فسلخناه؛ بل أضاف الانسلاخ إليه أي: إلى هذا العبد المذموم، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ، أي: أنه انسلخ، يصور ابن القيم الدقة في التعبير فهذا العبد انسلخ من الآيات بالكلية، وهذا شأن الكافر، أما المؤمن ولو عصى الله؛ فإنه لا ينسلخ من الدين، ثم قال ابن القيم : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175] ولم يقل: فتبعه، والفرق أن أتبعه تعني: تبعه وأدركه ولحقه؛ ولذلك قال الله عن فرعون: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:60-61]، ولذلك يقول ابن القيم : فأتبعه الشيطان، أي: وصل إليه الشيطان واستحوذ عليه، وكذلك قال: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: 176] أي: سكن إليها ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية.. إلى آخر كلامه رحمه الله.
(http://www.alnarges.com/up)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
استنباطات ابن القيم من قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل...
ولما أتى رحمه الله مثلاً إلى قول الله عز وجل: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:266] هذا المثل ضربه الله للمرائين يوم القيامة، قال تعالى: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] هذا المثل لأناس لهم أعمال جاءوا يوم القيامة محتاجين إليها جداً، فوجدوها هباءً منثوراً فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة:266] فيقول ابن القيم رحمه الله: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة:266] ذكر الله في هذه الآية أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعاً، فإن منهما القوت والغذاء، والدواء والشراب، والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطباً ويابساً. ثم يقول: وهذه الجنة- أي: البستان- فيها أنهار تجري، وهذا أكمل وأعظم، وهل فقط فيها نخيل وأعناب؟ لا، بل فيها من كل الثمرات. ثم يقول: -وهذا الرجل أصاب جنته إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت، وقبل أن تحترق قد كبر سنه- يقول ابن القيم رحمه الله: انظر مدى تعلق قلب الرجل بهذا البستان، لو كان عنده جنة، أو بستان ليس فيه نبات ولا زرع فإنه لا يحزن عليه؛ فإذاً قلبه متعلق -أولاً- بالبستان؛ لنفاسة ما في البستان من النخيل والأعناب وأنواع الثمرات، وفيه أنهار تجري، وهذا الرجل قد أصابه الكبر. يقول ابن القيم رحمه الله: إذا كبر ابن آدم، اشتد حرصه، لأن ابن آدم يشيب ويشب معه اثنتان: الحرص وطول الأمل. يقول: أصابه الكبر، فالآية تعبر عن معانٍ قد لا نفقهها إذا قرأناها لأول مرة، لكن عندما يأتي مثل: ابن القيم رحمه الله يبين لنا، يقول: تعلق أول شيء قلبه بسبب نفاسة البستان، وبسبب أنه كبر سنه، فعجز عن الكسب والتجارة، واشتد حرصه بطبيعة كبر السن، وثالثاً: له ذرية ضعفاء، فهو حريص أن يبقى هذا البستان للذرية، وهؤلاء الذرية ليسوا أقوياء، لكنهم ضعفاء يحتاجون إلى من يكد عليهم، ورابعاً: أن نفقته عليهم- أي: هو أبوهم- فإذا تصورت هذه الحادثة من تعلقه بالبستان أشد ما يكون، وهو في هذا التعلق أصابه إعصار فيه نار فاحترقت، كيف يكون وضع الرجل؟ هذا مثل المرائين يوم القيامة.. يأتون بأعمال أمام النار، الواحد يحتاج لكل عمل، وعندهم أعمال، ولكن شبَّه حال احتياجهم للأعمال يوم القيامة بحال هذا الشيخ الكبير في السن، وأصاب أعمالهم إعصار الرياء فأحرقها، وأفلسوا وهم في أشد الحاجة، وفي وقت عصيب أشد ما تكون الحاجة إلى هذه الأعمال.
(http://http://audio.islamweb.net/audio/listenbox.php?audioid=100402&type=ram)http://www.alnarges.com/up/uploads/8cae222e40.gif (http://www.alnarges.com/up)
آية ضيافة إبراهيم وفقه ابن القيم فيها
خذ مثلاً قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:24-27] هذه الآيات استنبط ابن القيم رحمه الله منها خمسة عشر أدباً من آداب الضيافة. أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. ثانياً: قال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات:25] فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان قد عرف بإكرام الضيفان، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان. ثالثاً: قوله سلامٌ بالرفع، وهم قالوا: سلاماً وهذه جملة فعلية دالة على التجدد والحدوث والتغير، لكنه قال: سلامٌ، وهذه جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات فليست متغيرة، فكان رد سلامه أفضل من سلامهم. رابعاً: أنه حذف المبتدأ من قوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم، احتشم من مواجهتهم بلفظ الضيف، أي: ما قال: سلامٌ.. أنا لا أعرفكم أنتم غريبون عليَّ، وإنما قال سلامٌ وربطها بقوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] أي: سلام على قوم لأول مرة أراهم. خامساً: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] ولم يقل: أنا أنكرتكم، فهناك فرق بين أن تقول: سلام قوم غير معروفين، وهذه ألطف من أن تقول: سلامٌ عليكم قوم أنا لا أعرفكم. سادساً: أنه راغ إلى أهله لكي يأتي بالطعام، والروغان هو الذهاب في اختفاء. سابعاً: أنهم ما شعروا به إلا وقد جاءهم بالطعام مع أنه عجل مشوي، وهذا يدل على أنه كان مشغولاً بإكرام الضيف، ما ذهب واشترى وذبح واشتوى فانظر السرعة! فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] ولم يقل: ثم جاء، معناها أشياء مجهزة، يأتي إليه الضيف فيجد الطعام جاهز فيقول ابن القيم رحمه الله: يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فيقول له: لا. ليس هناك داعي أن تأتي بالطعام، وبعد ذلك يحلف عليهم. ثامناً: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً. تاسعاً: فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم بعجل سمين، مثل أن يكون عند أحدهم خدم، فمن آداب الضيافة أن يأتي لك بالأكل بنفسه، ولا يقل للخادم: هات الطعام؟ بل يأتي بالطعام بنفسه؛ لأن في هذا زيادة في الإكرام. عاشراً: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعضه. الحادي عشر: أنه سمين لا هزيل، ومعروف أن ذلك من أفخر أموالهم. الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه. الثالث عشر: أنه قال: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27] وهذا في غاية التلطف في العرض. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل، لأنه رآهم لا يأكلون. الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل، خاف منهم ولم يظهر لهم، لأن الإنسان إذا لم يمد يده على الطعام فمعنى ذلك أن في نفسه شيئاً، فإبراهيم لم يقل: لماذا لم تأكلوا؟ إذن أنتم تريدون الشر؛ بل سكت، فالله أمرهم أن يقولوا له: لا تخف، نحن ملائكة لا نأكل؛ جئنا لغرض كذا وكذا. ومسألة استنباط ابن القيم من الآيات مسألة عجيبة؛ حتى أنه قال في كتاب الجواب الكافي : وفي هذه القصة- التي هي قصة يوسف- من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.
الى لقاء مع حلقه جديده من==فقه الواقع عند ابن القيم