المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصبر طيب ... والعجلة من الشيطان


المهاجر
25-08-06, 08:34 PM
كان رجل تخرج من كلية الحقوق ، فمارس المحاماة ردحاً من الزمن ، ثم تسلم وظيفة كتابية في إحدى المحاكم وكانت وظيفته في قضاء من أقضية لواء بغداد .



وكانت المسافة بين مقر وظيفته في المحكمة ، وبين المدينة بغداد لا تزيد على الستين كيلومتراً ، فكان يزور بغداد في عطلة نهاية الأسبوع : يتحرك من مكانه بعد انتهاء الدوام الرسمي من ظهر يوم الخميس ، فيصل إلى بغداد بعد ساعة واحدة بالسيارة ، فيقضي مساء الخميس ويوم الجمعة في بغداد ، ثم يعود إلى عمله فجر يوم السبت من كل أسبوع .





وكان يمضي عطلته الأسبوعية بين أهله في ( الكرادة الشرقية ) يقضي لهم حوائجهم ، ويرتب لهم أمورهم ، ويشتري لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء ، فإذا أكمل واجبات ربه ، انصرف إلى واجبات قبله .




كان شاباً قوياً وسيماً ، لم يكن متزوجاً ولا ممن يردعهم دين أو خلق أو تقاليد عن مزالق الشيطان في الملاهي و الحانات و النوادي الليلية ، وكان له من أصحاب من لداته يأمرونه بالمنكر و ينهونه عن المعروف .




و الخلاصة أنه كان شاباً من شباب العصر بما فيهم من شر و خير قليل : عقله فارغ من تعاليم الدين ، وجيبه مليء بالمال ، وله من وقته فراغ ، وقد تعلم أن من متطلبات العصر التحرر من الفضيلة ، و التظاهر بالرذيلة ، وإلا كان متخلفاً عن ركب الحضارة ، متمسكاً بالتخلف و الجمود .

وما دام شباب أوروبا مائعين مستهترين ، فلا بد من التمتع و الاستهتار .



وقدم بغداد ذات خميس ، فقصد داره واستراح فيها ، وأخذ لنفسه ( السراي ) حيث بدأ جولته في السوق كعادته .

وفي سوق السراي مكتبات للوراقين ، ومحلات لبيع الأقمشة أكثرهن من النساء .



و النساء الرائحات الغاديات في سوق السراي ، الكاسيات العاريات ومن المحتشمات أيضاً ، من كل جنس و لون : يشترين الأقمشة ، ويتفرجن على الغادين و الرائحين من جنسين ومن الجنس الآخر .



وشارع النهر الذي يصل بسوق السراي ، معرض في طوله وعرضه للنساء المتبرجات ، كأنهن من بنات الشياطين فتنة واغراءاً ، نزلن الأرض ليكن أعوناً للشياطين وأحابيل لمكرهم وكأنهن لم يكتفين بسحر الشيطان ، فأضفن من عندهن سحراً جديدا يعجز عن الشيطان ، ومكر إبليس ومكرن فكان مكرهن أعظم وأشد أثراً و تأثيراً ..



وفي سوق السراي حيث تباع الكتب ، يقل رواد المكتبات عاماً بعد عام ، وتكاد وجوه الذين يرتادونه من هواة الكتب لا تتبدل إلا إذا مات أحدهم أو سافر إلى بلد آخر أو سكن بلدة أخرى .



وفي سوق السراي حيث تباع الأقمشة ، يزداد الرواد عاماً بعد عام من الجنسين اللطيف و الخشن ، وتكاد وجوه الذين يرتادونه تتبدل كل يوم أشخاصاً وأزياءً ، ولعل زي الخنافس الذي فيه متحدية كل عرف وكل خلق كريم .



وهكذا يتضاءل أثر العقل في قسم المكتبات من سوق السراي ، و يتضخم أثر العاطفة في قسم الأقمشة .

وسار الشاب بخطوات وئيدة في سوق السراي ، يلتفت يمنتاً و شمالاً و يحصي كل شاردة وواردة فيه ، فإذا وصل إلى آخر السوق عاد يمشي الهوينا إلى أوله .

ولمح امرأتين تحدثان صاحب حانوت و حوانيت الأقمشة ، هما يضاحكان البائع و يناقشانه الحساب نقاشاً باسماً .



وأقبل يسأل عن قماش ما ، وكل حواسه آذان صافية إلى أحاديث المرأتين الجميلتين .



وأقبلت إحداهن عليه ترشده إلى أحسن أنواع الأقمشة ، فأخبرها بأنه يريد أن يشتري هذا القماش لأعز مخلوقة ، وانه أحبها لأول نظرة ....

و اشترى القماش ودفع ثمنه ، ثم طلب تغليفه وقدمه هاشاً باشاً إلى تلك المرأة ، وهو يقول : أنت التي أحببتها لأول نظرة ...

وشكرته المرأة ، ثم سارت هي وصاحبتها ، وأومأت إليه أن يسير في أثرهما ، حتى دخلتا دارا من دور محلة ( العاقولية ) ، فالتفتت إليه المرأة وودعته بابتسامة مشرقة وأشارت إليه بالانتظار .

وانتظر قليلاً بالقرب من الدار ، حتى خرجت إليه وهمست في أذنه : أنها ستنتظره في هذه الدار ظهر يوم غد الجمعة .

ثم عادت أدراجها من حيث أتت ، وغادر صباحا مكانه وهو يهنئ نفسه على هذا الصيد الثمين .



وعاد إلى بيته مبكراً ، وهو منشرح الصدر باسم الثغر فاستبشر أهله بمقدمه المبكر خلاف عادته ، إذ كان يسهر ليلة الجمعة حتى الهزيع الأخير من الليل .



وأوى إلى فراشه مبكراً ، بعد أن ترك أثراً محموداً في نفوس أهله ، فقد كان لطيفاً معهم ، كما أغدق عليهم الوعود المعسولة .

وقال أبوه لأمه وهو يحدثها عن أمانيه في ابنها الشاب : الحمد الله .. يبدو أنه صحا من سكرته وأذعن للحق بعد امتناع ، ولا بد لنا من الاستمرار على تشجيعه وحثه على الزواج .

وداعبت صاحبنا الأفكار و الأماني في فراشه ، وصاحب دقائق الليل البهيم يعدها عداً ، ولم يزر الكرى عينيه ، فلما أشرقت الشمس ترك فراشه ، ملأ الدار غناءاً ونشيداً ومداعبات .



ولم يدر كيف يقضي الفترة ما بين صباح الجمعة و ظهرها وكان في كل لحظة يحملق في ساعته يستعجلها الحركة .



وقبل ساعة من حلول الموعد المرتقب ، ارتدى أفخر ثيابه ، وأطال الوقوف أمام المراة ينظم شعره ويهندم مظهره ، ثم تعطر بأفخم ما عنده من عطور ، وكأنه عروس تزف إلى زوجها ، فلما اطمئن إلى مظهره الرائع غادر ميمهاً شطر دار حبيبته في محلة العاقولية .



ووجد باب الدار مفتوحاً ، فدخل الدار وجال في أنحائها ، فلم يجد أحداً ، وعندما نزل السرداب وجد إحدى المرأتين اللتين راهما في سوق الراي نائمة على سريرها الفخم ، مرتدية غلالة من اللاذ تظهر من مفاتنها أكثر مما تخفي .

لم تكن تلك الرماة النائمة هي التي كلمته أمس ، ولكنه قال لنفسه : من يدري ؟؟ لعلها قد اتفقتا على ما حدث .. ولعلها في مكان أخر من هذه الدار ...

وجلس صاحبنا مبهوراً بجمال المرأة النائمة ، ولعل هذا النوم قد زادها فتنة وجمالاً وإذا كانت صاحبة الجمال نائمة ، فان جمالها يقظ لا ينام .

وبينما كان صاحبنا مبهوراً بالجمال الحالم ، يحدث نفسه و تحدثه ، ويمنيها و تمنيه ، يعيش لحظاته السعيدة في نشوة و حبور ، إذ سمع صوت أقدام في صحن المنزل تقترب رويداً رويداً ، حتى رأى رجلاً مفتول العضلات طوالاً شامخاً يقف على رأسه في السرداب ، وطارت نشوة صاحبنا فجأة ، وجاءت الصحوة ...



وارتبك صاحبنا ، وأخذت أنفاسه تتصاعد بسرعة ، وأخذ قلبه يدق بسرعة أيضاً .

وكاد يفقد صوابه ، ويخر مغشياً عليه ، ولكن الرجل القادم قبل لحظة بادره بالتحية ، ورحب به بحرارة ، أذهبت عن بعض ما يعانيه .



وفي رفق ودماثة دعاه الرجل إلى مصاحبته إلى غرفته الخاصة في الدار ، وفي تلك الغرفة أعاد الرجل تحياته و ترحيبه وحدثه حديثاً قصيراً أذهب عن الروع كله ، وجعله يطمئن على مصيره كل الاطمئنان .

وتركه الرجل في الغرفة ، وقصد زوجه في السرداب ، ثم أيقضها وطلب إليها أن تحضر الطعام ، و تناولا طعاماً شهياً ، تخللته أحاديث طيلة شهية ، ثم تناولا الشاي و الفاكهة .



وسأل الرجل صاحبنا : أتحسن لعب النرد ؟ ثم جاء بالنرد وأخذا يلعبان في حماسة شديدة و شوق ، حتى سمعا المؤذن ينادي لصلاة المغرب .



واستمرا في اللعب فترة أخرى ، حتى مضت ساعتان من الليل ، فاستأذن الرجل ، وقصد غرفة مجاورة ، وعاد إلى صاحبنا يحمل مسدساً فيه سبع طلقات كافية لنقل سبعة رجال إلى الدار الآخرة .....

كان صاحب الدار موظفاً كبيراً ، وكان معروفاً ببعده نظره ورجاحة عقله و اتزانه بالخلق القويم .

وكان موضع ثقة معارفه من موظفين و غير الموظفين ، وكان يملأ الأعين قدرا وجلالاً .

وكان يعرف زوجه معرفه عملية ، فقد عاشا معاً تحت سقف واحد سبع عشرة سنة ، لم يعكر صفوها خلاف أو نزاع .

ولم يكن صاحبنا يعرف الرجل ومكانته ولا منزلته الاجتماعية ، فقد كانا من جيلين متباعدين ، وكان من محلة ( الكرادة الشرقية ) البعيدة عن العاقولية .

ووضع الرجل بهدوء مسدسه على المنضدة ، ورفع النرد وألقاه على الأريكة المجاورة ، وكان هادئاً كل الهدوء ، متزناً كل الاتزان ، لم تفارق وجهه ابتسامته الحلوة ، كأن كل ما حوله اعتيادي لا غبار عليه .

وبدا على صاحبنا الاستغراب و العجب ، فهو يرى مسدس أمامه على النضدة ، ولكنه يجد الرجل الحصيف هادئاً باسماً .

ومرت لحظات على صاحبنا كأنها سنوات ، لا يعرف ما يفعل وكيف يتصرف .

وساد الصمت الثقيل جو الغرفة ، فأراد صاحبنا أن يقول شيئاً ، لكن لسانه لم يسعفه بكلمة واحدة .

لقد تلبد دماغه ، ونسى لغته ، وخارت قواه ، وأصبح يرتعش كأنه يعاني من برداً شديداً على الرغم من أنه في فصل الصيف الجهنمي ـ صيف بغداد .

وقطع الرجل الصمت الثقيل بقوله : " ذهب وقت الراحة ، وجاء وقت الجد ... لن ينقذك مما أنت فيه غير الصدق ، فما الذي جاء بك إلى هذه الدار ؟ " .

ولوح الرجل بمسدسه إشارة إلى نهاية صاحبنا المرتقبة .. انه الموت رمياً بالرصاص .

وتلعثم صاحبنا ، وبلع ريقه مرات ، ثم تماسك وقص قصته كاملة ، وصاحب الدار يصغي إليه بانتباه شديد .

ونادى الرجل زوجه ، فجاءت تمشي عن استحياء ، فسألها : أين كنت أمس ؟

وحدثته بأنها كانت مع فلانه زوج أحد موظفيه في سوق السراي ، وأنها اشترت أقمشة وعادت إلى دارها .



واستمع الرجل إلى زوجه ، ثم طلب إليها أن تهيئ نفسها لزيارة خاطفة لصاحبتها بالأمس

وقصد الرجل تلك الدار ، ومعه زوجه وصاحبنا ، فاستقبلهم الزوج بترحاب مشوب بالاستغراب ، وبعد السلام و الكلام ، اطلع على الأقمشة التي اشترتها صديقة زوجه ، وعرف كل شيء .



وغادر الرجل تلك الدار ، وفي الطريق سأل صاحبنا عن مكان داره ، وأبى إلا يرافقه بسيارته إليها .



وعلى باب دار صاحبنا ، يكب على يد الرجل يلثمها وكأنه في حلم مرعب طويل .



وسأل صاحبنا الرجل أن ينصحه ، فقال له : لا تعد لمثلها أبداً ... من تعقب عورات الناس تعقب الله عورته ، ومن تعقب الله عورته فضحه ولو كان في جوف رحم ..



وفي الطريق عودته إلى داره ، قص قصة صاحبنا على زوجه ، وكان فكرها خالياً من كل شيء



و تعلم صاحبنا الشاب درسه .

كان أبواه الصالحان يدعوان الله في أعقاب كل صلاة : أن يهدي ولدهما إلى طريق الحق و الصلاح .



و استجاب الله سبحانه وتعالى دعواتهما بهذه الصورة وبهذا الشكل الغريب . ، و حين استقر صاحبنا في داره بين أبويه ، قال لهما : لا بد لي من الزواج العاجل ، فلم أعد أطيق حال العزوبية و التشرد وعدم الاستقرار .

وفتح الأبوان فاهما ، وقلا : كيف حدثت المعجزة ؟

وفي عطلة نهاية الأسبوع القادمة ، اتصل صاحبنا بالرجل صاحب الدار ، وسأله أن يعينه على اختيار زوج له ، وأخبره بأنه أبوه بعد أبيه .

وابتسم الرجل ابتسامة عريضة ، ودعاه إلى تناول الغداء في داره ظهر يوم الجمعة غداً



وفي وقت الغداء ، وجد صاحبنا معه على منضده الغداء شابة ذات جمال واعتدال .



ووجد تلك الشابة تخاطب الرجل : بابا ..

وقال صاحبنا للرجل : وجدتها...

وقال الرجل : هي لك ....

و تزوجا بعد أسبوع ، فوجد زوجه خير الأزواج

ولا يزال صاحبنا في رعاية الرجل الذي أصبح عمه ، وقد أصبح ابنه وبعد ابنه



الصبر طيب ... والعجلة من الشيطان



أعاذنا الله وإياكم من نزغات الشياطين ، وستر الله علينا و عليكم .

المهاجر
25-08-06, 11:19 PM
تجربه

hanoda
25-08-06, 11:24 PM
استمتع كثيرا بقرائتها.......................

فعلا الحلم سيد الاخلاق..........................

والعجله من الشيطان............................

رهينـة
25-08-06, 11:51 PM
الله يعطيك العافيه
مجهود يشكرعليه

((ان الله مع الصابرين))

لميا
26-08-06, 01:04 PM
المهاجر..كالعاده دائما متالق في اختيارك للموضوعات
اعتقد لو حدثت القصه في مجتمعنا السعودي...النتيجه راح تكون معروفه
وزي ما قالت اختي هنوده
الحلم سيد الاخلاق

الحنان البريء
26-08-06, 04:04 PM
المــهـــاجــــر (qq115)


تقبل تحيــــــــاتي

المهاجر
29-09-06, 12:29 AM
استمتع كثيرا بقرائتها.......................

فعلا الحلم سيد الاخلاق..........................

والعجله من الشيطان............................


شكرا هنوده

درة الدنيا
29-09-06, 01:59 AM
اللة يعطيك العافية

المهاجر
27-10-06, 10:25 PM
شكرا لكم احبائي

وكل عام وانتم بخير

MaGNo0o0NK
13-11-06, 11:58 AM
الله يعطيك العافية

لك تحياتي

ŘǻŶąŅ~ •●∫
16-11-06, 10:17 AM
الله يعطيك العافية

المهاجر
06-03-07, 12:24 PM
الشكر للجميع

خالص الود

كاتم الونة
11-03-07, 12:46 AM
لاهنت يالغلاااااااااااااا

المهاجر
02-04-07, 11:51 AM
شكرا لكم :)

أم نايف
10-04-07, 03:34 AM
الله يجزيك الخير
عبر مواعظ حكم
استفدت من موضوعك الكثير

أم أديم
20-08-07, 02:44 PM
الله يعطيك العافية

لاعدمناك

المهاجر
03-11-07, 10:21 AM
شكرا لكم اخواني واخواتي

... بنت الجنوب ...
03-11-07, 12:44 PM
http://abeermahmoud2006.jeeran.com/539-welldone.gif

فــتــون
03-11-07, 06:47 PM
تكرار الرد (qq152)

فــتــون
03-11-07, 06:47 PM
بارك الله فيك على الموضوع

جـــداً مشوقه

ألف شكر

:)

سمي الظبي
04-11-07, 12:27 AM
نورت المنتدى يالمهاجر
ويعطيك العافية
عـــ الطرح الرائع
لاعدمناك ومشكور عــ جهودك
ننتظر جديدك
تقبل مروري
تحيااتي لك :)

المهاجر
30-12-07, 04:12 PM
يعطيكم العافيه

الدلفين الوردي
30-12-07, 09:30 PM
الله يعطيك العافية

*أسيرة الذكرى*
05-01-08, 03:53 PM
http://arbshare.com//images/ArbShaRe-2359363.jpg