المهاجر
25-08-06, 08:34 PM
كان رجل تخرج من كلية الحقوق ، فمارس المحاماة ردحاً من الزمن ، ثم تسلم وظيفة كتابية في إحدى المحاكم وكانت وظيفته في قضاء من أقضية لواء بغداد .
وكانت المسافة بين مقر وظيفته في المحكمة ، وبين المدينة بغداد لا تزيد على الستين كيلومتراً ، فكان يزور بغداد في عطلة نهاية الأسبوع : يتحرك من مكانه بعد انتهاء الدوام الرسمي من ظهر يوم الخميس ، فيصل إلى بغداد بعد ساعة واحدة بالسيارة ، فيقضي مساء الخميس ويوم الجمعة في بغداد ، ثم يعود إلى عمله فجر يوم السبت من كل أسبوع .
وكان يمضي عطلته الأسبوعية بين أهله في ( الكرادة الشرقية ) يقضي لهم حوائجهم ، ويرتب لهم أمورهم ، ويشتري لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء ، فإذا أكمل واجبات ربه ، انصرف إلى واجبات قبله .
كان شاباً قوياً وسيماً ، لم يكن متزوجاً ولا ممن يردعهم دين أو خلق أو تقاليد عن مزالق الشيطان في الملاهي و الحانات و النوادي الليلية ، وكان له من أصحاب من لداته يأمرونه بالمنكر و ينهونه عن المعروف .
و الخلاصة أنه كان شاباً من شباب العصر بما فيهم من شر و خير قليل : عقله فارغ من تعاليم الدين ، وجيبه مليء بالمال ، وله من وقته فراغ ، وقد تعلم أن من متطلبات العصر التحرر من الفضيلة ، و التظاهر بالرذيلة ، وإلا كان متخلفاً عن ركب الحضارة ، متمسكاً بالتخلف و الجمود .
وما دام شباب أوروبا مائعين مستهترين ، فلا بد من التمتع و الاستهتار .
وقدم بغداد ذات خميس ، فقصد داره واستراح فيها ، وأخذ لنفسه ( السراي ) حيث بدأ جولته في السوق كعادته .
وفي سوق السراي مكتبات للوراقين ، ومحلات لبيع الأقمشة أكثرهن من النساء .
و النساء الرائحات الغاديات في سوق السراي ، الكاسيات العاريات ومن المحتشمات أيضاً ، من كل جنس و لون : يشترين الأقمشة ، ويتفرجن على الغادين و الرائحين من جنسين ومن الجنس الآخر .
وشارع النهر الذي يصل بسوق السراي ، معرض في طوله وعرضه للنساء المتبرجات ، كأنهن من بنات الشياطين فتنة واغراءاً ، نزلن الأرض ليكن أعوناً للشياطين وأحابيل لمكرهم وكأنهن لم يكتفين بسحر الشيطان ، فأضفن من عندهن سحراً جديدا يعجز عن الشيطان ، ومكر إبليس ومكرن فكان مكرهن أعظم وأشد أثراً و تأثيراً ..
وفي سوق السراي حيث تباع الكتب ، يقل رواد المكتبات عاماً بعد عام ، وتكاد وجوه الذين يرتادونه من هواة الكتب لا تتبدل إلا إذا مات أحدهم أو سافر إلى بلد آخر أو سكن بلدة أخرى .
وفي سوق السراي حيث تباع الأقمشة ، يزداد الرواد عاماً بعد عام من الجنسين اللطيف و الخشن ، وتكاد وجوه الذين يرتادونه تتبدل كل يوم أشخاصاً وأزياءً ، ولعل زي الخنافس الذي فيه متحدية كل عرف وكل خلق كريم .
وهكذا يتضاءل أثر العقل في قسم المكتبات من سوق السراي ، و يتضخم أثر العاطفة في قسم الأقمشة .
وسار الشاب بخطوات وئيدة في سوق السراي ، يلتفت يمنتاً و شمالاً و يحصي كل شاردة وواردة فيه ، فإذا وصل إلى آخر السوق عاد يمشي الهوينا إلى أوله .
ولمح امرأتين تحدثان صاحب حانوت و حوانيت الأقمشة ، هما يضاحكان البائع و يناقشانه الحساب نقاشاً باسماً .
وأقبل يسأل عن قماش ما ، وكل حواسه آذان صافية إلى أحاديث المرأتين الجميلتين .
وأقبلت إحداهن عليه ترشده إلى أحسن أنواع الأقمشة ، فأخبرها بأنه يريد أن يشتري هذا القماش لأعز مخلوقة ، وانه أحبها لأول نظرة ....
و اشترى القماش ودفع ثمنه ، ثم طلب تغليفه وقدمه هاشاً باشاً إلى تلك المرأة ، وهو يقول : أنت التي أحببتها لأول نظرة ...
وشكرته المرأة ، ثم سارت هي وصاحبتها ، وأومأت إليه أن يسير في أثرهما ، حتى دخلتا دارا من دور محلة ( العاقولية ) ، فالتفتت إليه المرأة وودعته بابتسامة مشرقة وأشارت إليه بالانتظار .
وانتظر قليلاً بالقرب من الدار ، حتى خرجت إليه وهمست في أذنه : أنها ستنتظره في هذه الدار ظهر يوم غد الجمعة .
ثم عادت أدراجها من حيث أتت ، وغادر صباحا مكانه وهو يهنئ نفسه على هذا الصيد الثمين .
وعاد إلى بيته مبكراً ، وهو منشرح الصدر باسم الثغر فاستبشر أهله بمقدمه المبكر خلاف عادته ، إذ كان يسهر ليلة الجمعة حتى الهزيع الأخير من الليل .
وأوى إلى فراشه مبكراً ، بعد أن ترك أثراً محموداً في نفوس أهله ، فقد كان لطيفاً معهم ، كما أغدق عليهم الوعود المعسولة .
وقال أبوه لأمه وهو يحدثها عن أمانيه في ابنها الشاب : الحمد الله .. يبدو أنه صحا من سكرته وأذعن للحق بعد امتناع ، ولا بد لنا من الاستمرار على تشجيعه وحثه على الزواج .
وداعبت صاحبنا الأفكار و الأماني في فراشه ، وصاحب دقائق الليل البهيم يعدها عداً ، ولم يزر الكرى عينيه ، فلما أشرقت الشمس ترك فراشه ، ملأ الدار غناءاً ونشيداً ومداعبات .
ولم يدر كيف يقضي الفترة ما بين صباح الجمعة و ظهرها وكان في كل لحظة يحملق في ساعته يستعجلها الحركة .
وقبل ساعة من حلول الموعد المرتقب ، ارتدى أفخر ثيابه ، وأطال الوقوف أمام المراة ينظم شعره ويهندم مظهره ، ثم تعطر بأفخم ما عنده من عطور ، وكأنه عروس تزف إلى زوجها ، فلما اطمئن إلى مظهره الرائع غادر ميمهاً شطر دار حبيبته في محلة العاقولية .
ووجد باب الدار مفتوحاً ، فدخل الدار وجال في أنحائها ، فلم يجد أحداً ، وعندما نزل السرداب وجد إحدى المرأتين اللتين راهما في سوق الراي نائمة على سريرها الفخم ، مرتدية غلالة من اللاذ تظهر من مفاتنها أكثر مما تخفي .
لم تكن تلك الرماة النائمة هي التي كلمته أمس ، ولكنه قال لنفسه : من يدري ؟؟ لعلها قد اتفقتا على ما حدث .. ولعلها في مكان أخر من هذه الدار ...
وجلس صاحبنا مبهوراً بجمال المرأة النائمة ، ولعل هذا النوم قد زادها فتنة وجمالاً وإذا كانت صاحبة الجمال نائمة ، فان جمالها يقظ لا ينام .
وبينما كان صاحبنا مبهوراً بالجمال الحالم ، يحدث نفسه و تحدثه ، ويمنيها و تمنيه ، يعيش لحظاته السعيدة في نشوة و حبور ، إذ سمع صوت أقدام في صحن المنزل تقترب رويداً رويداً ، حتى رأى رجلاً مفتول العضلات طوالاً شامخاً يقف على رأسه في السرداب ، وطارت نشوة صاحبنا فجأة ، وجاءت الصحوة ...
وارتبك صاحبنا ، وأخذت أنفاسه تتصاعد بسرعة ، وأخذ قلبه يدق بسرعة أيضاً .
وكاد يفقد صوابه ، ويخر مغشياً عليه ، ولكن الرجل القادم قبل لحظة بادره بالتحية ، ورحب به بحرارة ، أذهبت عن بعض ما يعانيه .
وفي رفق ودماثة دعاه الرجل إلى مصاحبته إلى غرفته الخاصة في الدار ، وفي تلك الغرفة أعاد الرجل تحياته و ترحيبه وحدثه حديثاً قصيراً أذهب عن الروع كله ، وجعله يطمئن على مصيره كل الاطمئنان .
وتركه الرجل في الغرفة ، وقصد زوجه في السرداب ، ثم أيقضها وطلب إليها أن تحضر الطعام ، و تناولا طعاماً شهياً ، تخللته أحاديث طيلة شهية ، ثم تناولا الشاي و الفاكهة .
وسأل الرجل صاحبنا : أتحسن لعب النرد ؟ ثم جاء بالنرد وأخذا يلعبان في حماسة شديدة و شوق ، حتى سمعا المؤذن ينادي لصلاة المغرب .
واستمرا في اللعب فترة أخرى ، حتى مضت ساعتان من الليل ، فاستأذن الرجل ، وقصد غرفة مجاورة ، وعاد إلى صاحبنا يحمل مسدساً فيه سبع طلقات كافية لنقل سبعة رجال إلى الدار الآخرة .....
كان صاحب الدار موظفاً كبيراً ، وكان معروفاً ببعده نظره ورجاحة عقله و اتزانه بالخلق القويم .
وكان موضع ثقة معارفه من موظفين و غير الموظفين ، وكان يملأ الأعين قدرا وجلالاً .
وكان يعرف زوجه معرفه عملية ، فقد عاشا معاً تحت سقف واحد سبع عشرة سنة ، لم يعكر صفوها خلاف أو نزاع .
ولم يكن صاحبنا يعرف الرجل ومكانته ولا منزلته الاجتماعية ، فقد كانا من جيلين متباعدين ، وكان من محلة ( الكرادة الشرقية ) البعيدة عن العاقولية .
ووضع الرجل بهدوء مسدسه على المنضدة ، ورفع النرد وألقاه على الأريكة المجاورة ، وكان هادئاً كل الهدوء ، متزناً كل الاتزان ، لم تفارق وجهه ابتسامته الحلوة ، كأن كل ما حوله اعتيادي لا غبار عليه .
وبدا على صاحبنا الاستغراب و العجب ، فهو يرى مسدس أمامه على النضدة ، ولكنه يجد الرجل الحصيف هادئاً باسماً .
ومرت لحظات على صاحبنا كأنها سنوات ، لا يعرف ما يفعل وكيف يتصرف .
وساد الصمت الثقيل جو الغرفة ، فأراد صاحبنا أن يقول شيئاً ، لكن لسانه لم يسعفه بكلمة واحدة .
لقد تلبد دماغه ، ونسى لغته ، وخارت قواه ، وأصبح يرتعش كأنه يعاني من برداً شديداً على الرغم من أنه في فصل الصيف الجهنمي ـ صيف بغداد .
وقطع الرجل الصمت الثقيل بقوله : " ذهب وقت الراحة ، وجاء وقت الجد ... لن ينقذك مما أنت فيه غير الصدق ، فما الذي جاء بك إلى هذه الدار ؟ " .
ولوح الرجل بمسدسه إشارة إلى نهاية صاحبنا المرتقبة .. انه الموت رمياً بالرصاص .
وتلعثم صاحبنا ، وبلع ريقه مرات ، ثم تماسك وقص قصته كاملة ، وصاحب الدار يصغي إليه بانتباه شديد .
ونادى الرجل زوجه ، فجاءت تمشي عن استحياء ، فسألها : أين كنت أمس ؟
وحدثته بأنها كانت مع فلانه زوج أحد موظفيه في سوق السراي ، وأنها اشترت أقمشة وعادت إلى دارها .
واستمع الرجل إلى زوجه ، ثم طلب إليها أن تهيئ نفسها لزيارة خاطفة لصاحبتها بالأمس
وقصد الرجل تلك الدار ، ومعه زوجه وصاحبنا ، فاستقبلهم الزوج بترحاب مشوب بالاستغراب ، وبعد السلام و الكلام ، اطلع على الأقمشة التي اشترتها صديقة زوجه ، وعرف كل شيء .
وغادر الرجل تلك الدار ، وفي الطريق سأل صاحبنا عن مكان داره ، وأبى إلا يرافقه بسيارته إليها .
وعلى باب دار صاحبنا ، يكب على يد الرجل يلثمها وكأنه في حلم مرعب طويل .
وسأل صاحبنا الرجل أن ينصحه ، فقال له : لا تعد لمثلها أبداً ... من تعقب عورات الناس تعقب الله عورته ، ومن تعقب الله عورته فضحه ولو كان في جوف رحم ..
وفي الطريق عودته إلى داره ، قص قصة صاحبنا على زوجه ، وكان فكرها خالياً من كل شيء
و تعلم صاحبنا الشاب درسه .
كان أبواه الصالحان يدعوان الله في أعقاب كل صلاة : أن يهدي ولدهما إلى طريق الحق و الصلاح .
و استجاب الله سبحانه وتعالى دعواتهما بهذه الصورة وبهذا الشكل الغريب . ، و حين استقر صاحبنا في داره بين أبويه ، قال لهما : لا بد لي من الزواج العاجل ، فلم أعد أطيق حال العزوبية و التشرد وعدم الاستقرار .
وفتح الأبوان فاهما ، وقلا : كيف حدثت المعجزة ؟
وفي عطلة نهاية الأسبوع القادمة ، اتصل صاحبنا بالرجل صاحب الدار ، وسأله أن يعينه على اختيار زوج له ، وأخبره بأنه أبوه بعد أبيه .
وابتسم الرجل ابتسامة عريضة ، ودعاه إلى تناول الغداء في داره ظهر يوم الجمعة غداً
وفي وقت الغداء ، وجد صاحبنا معه على منضده الغداء شابة ذات جمال واعتدال .
ووجد تلك الشابة تخاطب الرجل : بابا ..
وقال صاحبنا للرجل : وجدتها...
وقال الرجل : هي لك ....
و تزوجا بعد أسبوع ، فوجد زوجه خير الأزواج
ولا يزال صاحبنا في رعاية الرجل الذي أصبح عمه ، وقد أصبح ابنه وبعد ابنه
الصبر طيب ... والعجلة من الشيطان
أعاذنا الله وإياكم من نزغات الشياطين ، وستر الله علينا و عليكم .
وكانت المسافة بين مقر وظيفته في المحكمة ، وبين المدينة بغداد لا تزيد على الستين كيلومتراً ، فكان يزور بغداد في عطلة نهاية الأسبوع : يتحرك من مكانه بعد انتهاء الدوام الرسمي من ظهر يوم الخميس ، فيصل إلى بغداد بعد ساعة واحدة بالسيارة ، فيقضي مساء الخميس ويوم الجمعة في بغداد ، ثم يعود إلى عمله فجر يوم السبت من كل أسبوع .
وكان يمضي عطلته الأسبوعية بين أهله في ( الكرادة الشرقية ) يقضي لهم حوائجهم ، ويرتب لهم أمورهم ، ويشتري لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء ، فإذا أكمل واجبات ربه ، انصرف إلى واجبات قبله .
كان شاباً قوياً وسيماً ، لم يكن متزوجاً ولا ممن يردعهم دين أو خلق أو تقاليد عن مزالق الشيطان في الملاهي و الحانات و النوادي الليلية ، وكان له من أصحاب من لداته يأمرونه بالمنكر و ينهونه عن المعروف .
و الخلاصة أنه كان شاباً من شباب العصر بما فيهم من شر و خير قليل : عقله فارغ من تعاليم الدين ، وجيبه مليء بالمال ، وله من وقته فراغ ، وقد تعلم أن من متطلبات العصر التحرر من الفضيلة ، و التظاهر بالرذيلة ، وإلا كان متخلفاً عن ركب الحضارة ، متمسكاً بالتخلف و الجمود .
وما دام شباب أوروبا مائعين مستهترين ، فلا بد من التمتع و الاستهتار .
وقدم بغداد ذات خميس ، فقصد داره واستراح فيها ، وأخذ لنفسه ( السراي ) حيث بدأ جولته في السوق كعادته .
وفي سوق السراي مكتبات للوراقين ، ومحلات لبيع الأقمشة أكثرهن من النساء .
و النساء الرائحات الغاديات في سوق السراي ، الكاسيات العاريات ومن المحتشمات أيضاً ، من كل جنس و لون : يشترين الأقمشة ، ويتفرجن على الغادين و الرائحين من جنسين ومن الجنس الآخر .
وشارع النهر الذي يصل بسوق السراي ، معرض في طوله وعرضه للنساء المتبرجات ، كأنهن من بنات الشياطين فتنة واغراءاً ، نزلن الأرض ليكن أعوناً للشياطين وأحابيل لمكرهم وكأنهن لم يكتفين بسحر الشيطان ، فأضفن من عندهن سحراً جديدا يعجز عن الشيطان ، ومكر إبليس ومكرن فكان مكرهن أعظم وأشد أثراً و تأثيراً ..
وفي سوق السراي حيث تباع الكتب ، يقل رواد المكتبات عاماً بعد عام ، وتكاد وجوه الذين يرتادونه من هواة الكتب لا تتبدل إلا إذا مات أحدهم أو سافر إلى بلد آخر أو سكن بلدة أخرى .
وفي سوق السراي حيث تباع الأقمشة ، يزداد الرواد عاماً بعد عام من الجنسين اللطيف و الخشن ، وتكاد وجوه الذين يرتادونه تتبدل كل يوم أشخاصاً وأزياءً ، ولعل زي الخنافس الذي فيه متحدية كل عرف وكل خلق كريم .
وهكذا يتضاءل أثر العقل في قسم المكتبات من سوق السراي ، و يتضخم أثر العاطفة في قسم الأقمشة .
وسار الشاب بخطوات وئيدة في سوق السراي ، يلتفت يمنتاً و شمالاً و يحصي كل شاردة وواردة فيه ، فإذا وصل إلى آخر السوق عاد يمشي الهوينا إلى أوله .
ولمح امرأتين تحدثان صاحب حانوت و حوانيت الأقمشة ، هما يضاحكان البائع و يناقشانه الحساب نقاشاً باسماً .
وأقبل يسأل عن قماش ما ، وكل حواسه آذان صافية إلى أحاديث المرأتين الجميلتين .
وأقبلت إحداهن عليه ترشده إلى أحسن أنواع الأقمشة ، فأخبرها بأنه يريد أن يشتري هذا القماش لأعز مخلوقة ، وانه أحبها لأول نظرة ....
و اشترى القماش ودفع ثمنه ، ثم طلب تغليفه وقدمه هاشاً باشاً إلى تلك المرأة ، وهو يقول : أنت التي أحببتها لأول نظرة ...
وشكرته المرأة ، ثم سارت هي وصاحبتها ، وأومأت إليه أن يسير في أثرهما ، حتى دخلتا دارا من دور محلة ( العاقولية ) ، فالتفتت إليه المرأة وودعته بابتسامة مشرقة وأشارت إليه بالانتظار .
وانتظر قليلاً بالقرب من الدار ، حتى خرجت إليه وهمست في أذنه : أنها ستنتظره في هذه الدار ظهر يوم غد الجمعة .
ثم عادت أدراجها من حيث أتت ، وغادر صباحا مكانه وهو يهنئ نفسه على هذا الصيد الثمين .
وعاد إلى بيته مبكراً ، وهو منشرح الصدر باسم الثغر فاستبشر أهله بمقدمه المبكر خلاف عادته ، إذ كان يسهر ليلة الجمعة حتى الهزيع الأخير من الليل .
وأوى إلى فراشه مبكراً ، بعد أن ترك أثراً محموداً في نفوس أهله ، فقد كان لطيفاً معهم ، كما أغدق عليهم الوعود المعسولة .
وقال أبوه لأمه وهو يحدثها عن أمانيه في ابنها الشاب : الحمد الله .. يبدو أنه صحا من سكرته وأذعن للحق بعد امتناع ، ولا بد لنا من الاستمرار على تشجيعه وحثه على الزواج .
وداعبت صاحبنا الأفكار و الأماني في فراشه ، وصاحب دقائق الليل البهيم يعدها عداً ، ولم يزر الكرى عينيه ، فلما أشرقت الشمس ترك فراشه ، ملأ الدار غناءاً ونشيداً ومداعبات .
ولم يدر كيف يقضي الفترة ما بين صباح الجمعة و ظهرها وكان في كل لحظة يحملق في ساعته يستعجلها الحركة .
وقبل ساعة من حلول الموعد المرتقب ، ارتدى أفخر ثيابه ، وأطال الوقوف أمام المراة ينظم شعره ويهندم مظهره ، ثم تعطر بأفخم ما عنده من عطور ، وكأنه عروس تزف إلى زوجها ، فلما اطمئن إلى مظهره الرائع غادر ميمهاً شطر دار حبيبته في محلة العاقولية .
ووجد باب الدار مفتوحاً ، فدخل الدار وجال في أنحائها ، فلم يجد أحداً ، وعندما نزل السرداب وجد إحدى المرأتين اللتين راهما في سوق الراي نائمة على سريرها الفخم ، مرتدية غلالة من اللاذ تظهر من مفاتنها أكثر مما تخفي .
لم تكن تلك الرماة النائمة هي التي كلمته أمس ، ولكنه قال لنفسه : من يدري ؟؟ لعلها قد اتفقتا على ما حدث .. ولعلها في مكان أخر من هذه الدار ...
وجلس صاحبنا مبهوراً بجمال المرأة النائمة ، ولعل هذا النوم قد زادها فتنة وجمالاً وإذا كانت صاحبة الجمال نائمة ، فان جمالها يقظ لا ينام .
وبينما كان صاحبنا مبهوراً بالجمال الحالم ، يحدث نفسه و تحدثه ، ويمنيها و تمنيه ، يعيش لحظاته السعيدة في نشوة و حبور ، إذ سمع صوت أقدام في صحن المنزل تقترب رويداً رويداً ، حتى رأى رجلاً مفتول العضلات طوالاً شامخاً يقف على رأسه في السرداب ، وطارت نشوة صاحبنا فجأة ، وجاءت الصحوة ...
وارتبك صاحبنا ، وأخذت أنفاسه تتصاعد بسرعة ، وأخذ قلبه يدق بسرعة أيضاً .
وكاد يفقد صوابه ، ويخر مغشياً عليه ، ولكن الرجل القادم قبل لحظة بادره بالتحية ، ورحب به بحرارة ، أذهبت عن بعض ما يعانيه .
وفي رفق ودماثة دعاه الرجل إلى مصاحبته إلى غرفته الخاصة في الدار ، وفي تلك الغرفة أعاد الرجل تحياته و ترحيبه وحدثه حديثاً قصيراً أذهب عن الروع كله ، وجعله يطمئن على مصيره كل الاطمئنان .
وتركه الرجل في الغرفة ، وقصد زوجه في السرداب ، ثم أيقضها وطلب إليها أن تحضر الطعام ، و تناولا طعاماً شهياً ، تخللته أحاديث طيلة شهية ، ثم تناولا الشاي و الفاكهة .
وسأل الرجل صاحبنا : أتحسن لعب النرد ؟ ثم جاء بالنرد وأخذا يلعبان في حماسة شديدة و شوق ، حتى سمعا المؤذن ينادي لصلاة المغرب .
واستمرا في اللعب فترة أخرى ، حتى مضت ساعتان من الليل ، فاستأذن الرجل ، وقصد غرفة مجاورة ، وعاد إلى صاحبنا يحمل مسدساً فيه سبع طلقات كافية لنقل سبعة رجال إلى الدار الآخرة .....
كان صاحب الدار موظفاً كبيراً ، وكان معروفاً ببعده نظره ورجاحة عقله و اتزانه بالخلق القويم .
وكان موضع ثقة معارفه من موظفين و غير الموظفين ، وكان يملأ الأعين قدرا وجلالاً .
وكان يعرف زوجه معرفه عملية ، فقد عاشا معاً تحت سقف واحد سبع عشرة سنة ، لم يعكر صفوها خلاف أو نزاع .
ولم يكن صاحبنا يعرف الرجل ومكانته ولا منزلته الاجتماعية ، فقد كانا من جيلين متباعدين ، وكان من محلة ( الكرادة الشرقية ) البعيدة عن العاقولية .
ووضع الرجل بهدوء مسدسه على المنضدة ، ورفع النرد وألقاه على الأريكة المجاورة ، وكان هادئاً كل الهدوء ، متزناً كل الاتزان ، لم تفارق وجهه ابتسامته الحلوة ، كأن كل ما حوله اعتيادي لا غبار عليه .
وبدا على صاحبنا الاستغراب و العجب ، فهو يرى مسدس أمامه على النضدة ، ولكنه يجد الرجل الحصيف هادئاً باسماً .
ومرت لحظات على صاحبنا كأنها سنوات ، لا يعرف ما يفعل وكيف يتصرف .
وساد الصمت الثقيل جو الغرفة ، فأراد صاحبنا أن يقول شيئاً ، لكن لسانه لم يسعفه بكلمة واحدة .
لقد تلبد دماغه ، ونسى لغته ، وخارت قواه ، وأصبح يرتعش كأنه يعاني من برداً شديداً على الرغم من أنه في فصل الصيف الجهنمي ـ صيف بغداد .
وقطع الرجل الصمت الثقيل بقوله : " ذهب وقت الراحة ، وجاء وقت الجد ... لن ينقذك مما أنت فيه غير الصدق ، فما الذي جاء بك إلى هذه الدار ؟ " .
ولوح الرجل بمسدسه إشارة إلى نهاية صاحبنا المرتقبة .. انه الموت رمياً بالرصاص .
وتلعثم صاحبنا ، وبلع ريقه مرات ، ثم تماسك وقص قصته كاملة ، وصاحب الدار يصغي إليه بانتباه شديد .
ونادى الرجل زوجه ، فجاءت تمشي عن استحياء ، فسألها : أين كنت أمس ؟
وحدثته بأنها كانت مع فلانه زوج أحد موظفيه في سوق السراي ، وأنها اشترت أقمشة وعادت إلى دارها .
واستمع الرجل إلى زوجه ، ثم طلب إليها أن تهيئ نفسها لزيارة خاطفة لصاحبتها بالأمس
وقصد الرجل تلك الدار ، ومعه زوجه وصاحبنا ، فاستقبلهم الزوج بترحاب مشوب بالاستغراب ، وبعد السلام و الكلام ، اطلع على الأقمشة التي اشترتها صديقة زوجه ، وعرف كل شيء .
وغادر الرجل تلك الدار ، وفي الطريق سأل صاحبنا عن مكان داره ، وأبى إلا يرافقه بسيارته إليها .
وعلى باب دار صاحبنا ، يكب على يد الرجل يلثمها وكأنه في حلم مرعب طويل .
وسأل صاحبنا الرجل أن ينصحه ، فقال له : لا تعد لمثلها أبداً ... من تعقب عورات الناس تعقب الله عورته ، ومن تعقب الله عورته فضحه ولو كان في جوف رحم ..
وفي الطريق عودته إلى داره ، قص قصة صاحبنا على زوجه ، وكان فكرها خالياً من كل شيء
و تعلم صاحبنا الشاب درسه .
كان أبواه الصالحان يدعوان الله في أعقاب كل صلاة : أن يهدي ولدهما إلى طريق الحق و الصلاح .
و استجاب الله سبحانه وتعالى دعواتهما بهذه الصورة وبهذا الشكل الغريب . ، و حين استقر صاحبنا في داره بين أبويه ، قال لهما : لا بد لي من الزواج العاجل ، فلم أعد أطيق حال العزوبية و التشرد وعدم الاستقرار .
وفتح الأبوان فاهما ، وقلا : كيف حدثت المعجزة ؟
وفي عطلة نهاية الأسبوع القادمة ، اتصل صاحبنا بالرجل صاحب الدار ، وسأله أن يعينه على اختيار زوج له ، وأخبره بأنه أبوه بعد أبيه .
وابتسم الرجل ابتسامة عريضة ، ودعاه إلى تناول الغداء في داره ظهر يوم الجمعة غداً
وفي وقت الغداء ، وجد صاحبنا معه على منضده الغداء شابة ذات جمال واعتدال .
ووجد تلك الشابة تخاطب الرجل : بابا ..
وقال صاحبنا للرجل : وجدتها...
وقال الرجل : هي لك ....
و تزوجا بعد أسبوع ، فوجد زوجه خير الأزواج
ولا يزال صاحبنا في رعاية الرجل الذي أصبح عمه ، وقد أصبح ابنه وبعد ابنه
الصبر طيب ... والعجلة من الشيطان
أعاذنا الله وإياكم من نزغات الشياطين ، وستر الله علينا و عليكم .