دمعــه قــمـر
09-07-06, 03:14 PM
الجزء الاول
إنها الليلة الأولى بعد مضي سنين طويلة أشعر بالخوف يقض مضجعي وبالبرد يأكلني...ففي الماضي عندما تهاجم الكوابيس أحلامي والخوف داري والأصوات المرعبة آذاني ...أفر هاربة من غرفتي تاركه سريري يؤانس الوحدة إلى حيث هناك أخر الرواق أسير بفزع يشل حركتي حتى أصل إلى الباب المطلوب فأسرع إلى فتحه بيد...وبيدي الأخرى حاملة دميتي لأرى عينين بوسط الظلام تبتسم إلي بحنان ينسيني الخوف وأسمع همسات تخشى أن توقظ أمي من النوم تنطق تعالي إلى هنا يا زهراء أبنتي
فسارعت لأنطق له فقطع علي لحظتي كيلا أهمس بأي حرف أعلم أنك خائفة وأن كابوسا مزعجا قد باغتك ولولا ذلك لما أتيت إلي فزعة هكذا نعم إنه أبي الحنون فأتقدم بضع خطوات لأصل إليه وأنام بين ذراعيه والأمان يحطني ويغيظ الكوابيس لأنها لم تعد تخيفني فأما هذه الليلة أشعر بالخوف بالألم بالشوق والحنين ولا أستطيع النوم ولم يعد هناك بأخر الرواق من ينتظرني ليمتص مني خوفي ويبعث بين جوانحي الأمان ويحميني من براثن الكوابيس والقلق فبكيت بمرارة كطفل خائف يخيفه الظلام وتفزعه الوحدة وكعاشق ولهان وحبيب هجر. حتى باغتني صوت الآذان إنه أذان الفجر! يا ألهي أضحى الصباح ولم أنم فقمت بتثاقل لكي أصلي سجدت لله خاشعة أطلت السجود متضرعة باكية حتى جفت دموعي طالبه الرحمة لروح والدي العزيز ولأرواح المؤمنين والمؤمنات بعد لومي لذلك المارد الخفي الذي يزور المنازل على غفلة ليخطف أراوح الأعزة منا حتى أعياني السهر فاستسلمت لسلطان النوم أخيرا .
كان اليوم يوم الجمعة حين صحوت على صوت المنبه فرفعت غطاء السرير عني وكأني أرفع صخرا عن كاهلي لا قماشا رقيقا يدفئني عن برودة الشتاء وحملت قدمي على المشي بتثاقل وأنا أتثاءب وحين انتهيت من الاستحمام جهزت نفسي بتكاسل وبينما أنا شاردة الفكر حيث جسدي بالدار وعلقي وفكري بالكامل بعيدا سمعت طرقات متتالية بصوت خافت فشقت علي صمت وشرودي للحظة فأدركت إن مصدرها منبعث من ناحية باب غرفتي فاغرورقت عيناي بالدموع وتصاعدت الدماء بوجهي وأنشدت أعصابي فأنها طرقات أبي على باب داري كل صباح فلحظتها لم أدرك أن الذي أمامي يقف سوى طيف ووهم ارتسم أمامي ليتمثل لي بصورة والدي بوجه بشوش حنون مشرق وبصوت يداعب سمعي ابنتي العزيزة صباح الورد أنمتي جيدا البارحة
أجبت بصوت يفتت الصخر لقوته
يذبل إثره الزهر
مجيبه كالمجنون الذي يحادث نفسه وكالنائم حينما يحلم ويتحدث وكالواقع تحت تأثير المخدر حينما يهذي
متى عدت أبي؟!
ألم ترحل منذ بضع ليالي عنا؟!
حتى شقت الطرقات على باب داري التي تزايدت وأرتفع صوتها بشكل متتالي علي شرودي ولحظة جنوني
ما بالكِ افتحي الباب، من تحادثين لقد كان هذا صوت أمي الخائف القلق الفزع
فأرتفع صوتي مجيبا على أمي لينطق من بين حشرجة وعبرة تكاد تخنقني لاشيء يا أمي لا أحادث أحدا
فقالت بحزن وصوت حنون افتحي الباب
ففتحت الباب لأرى عينين قد أعيتهما السهر وأرهقتهما الدمع ومصائب الزمن وبهما جمعا من الدموع من خلف أهدابها وهي تنظر إلي نظرة خوف وشفقة على حالي وحالنا
فتجمدت مكاني لم أستطع أن أنبس ببنت شفه وأخذت أبتلع ريقي لحالها
هيا إن الفطور جاهز
فأومت برأسي بالنفي
فقالت وهي كاتمة غيضها ألست جائعة فقد طال بك الوقت حتى بضع ليالي ولم تتناولي شيئا وهي مدبرة عني ستنزلين لتناول الفطور شئتِ أم أبيتِ
وأنا الآن سأنزل لغرفة الطعام وسنكون نحن بانتظاركِ
هل سمعتم ماقد قالته ؟!
قالت كلمة نحن!
إذن ذلك يعني أنا لا أتوهم
فهي قد قالتها((نحن))
لفتت هذه الكلمة انتباهي فقد أدمت قلبي العليل وأصابتني بسهم من النار
فصرخت دون وعي مني كيف لكي يا أمي أن تقولي نحن وبكل برود!
أجابت والدهشة عنوان وجهها واتسعت حدقتا عينيها فاتحه فاهها ما العيب بكلمة نحن وما الذي دعاك للغضب هكذا؟!
أجبتها بقسوة أحتى الآن لم تنتبهي لكلمتكِ، نحن سنكون بانتظاركِ((أنها للماضي وقد ودعناها)) فلن يكون هناك على مائدة الفطور بانتظاري سواكِ فأبي قد رحل عنا وللأبد.
فكسر الألم عنق أمي وسار الإحباط بصوتها متغلغلا ليصل لآذاني وهي خافضة الرأس لم أنتبه لكلمتي فقد أعتدت قولها سابقا
وأدارت وجهها كي تذهب
فأوقفتها بصوت يملئه الألم والحسرة والتأسف إني آسفة يا أمي فقد فلتت مني أعصابي دون أن أشعر بذلك وأرتفع صوتي بوجهك وأنا في غياب عن وعيي وإدراكي الكامل أجابتني لا عليكِ يا زهراء على العموم سأكون بانتظاركِ
وبعد الانتهاء من تناول الفطور جلست أمي تقرأ مجلتها الأسبوعية بينما أنا صعدت لغرفتي لأعتكف على نفسي وأقيد نفسي بالأوهام والدموع فأخذت أجيل بنظري هنا وهناك لعلي أرى ماهو قد يكون أنيسي بغرفتي التي بت أراها مجرد بقايا حطام فوقعت عيني على صندوق صغيرا فعادت بي الذكرى للماضي سريعا وأسعفتني ذاكرتي لتخبرني بأن هذا صندوق للصور، لصور لطالما التقطتها لي ولأمي وأبي في كل مناسبة تمر بنا
فأسرعت باتجاه الصندوق وكأني طفلة خائفة من أن تسرق منها دميتها بعد أن وجدتها وكلي شوق ولهفة لرؤية بقايا ذكرى أبي العزيز فبعثرت الصور من الصندوق بحركات جنونية لأجمع من بينها صور والدي كي أضمها لصدري بعد أن وجدت الكثير من الصور لوالدي والدمع يباغت وجناتي بغزارة ليحرقها وجعا وألما فأرتفع نحيبي حتى شعرت فجأة بأن جفوني ترتخي والدنيا بي تدور
فتحت عيني رأيت السقف مختلفا ففزعت فرفعت نفسي محاولة النهوض ولشدة خوفي لم ألحظ أمي نائمة على كرسي خشبي بجانبي
فانتصبت أمي طارده عن عينيها بقايا آثار النوم
هوني عليكِ لا تقلقي يا زهراء فقد أغمي عليك وتعانين من إرهاق بسيط كما قال الطبيب
الطبيب؟!
أمي أين أنا وماذا حصل وأنا أصرخ بفزع
أننا بالمستشفى وكما قلت قد أغمي عليكِ
بعد عدة أيام عدت للمنزل وكان حينها الصباح فأوصتني أمي بتناول الفطور وهي خرجت للعمل باكرا اليوم
فجلست على طاولة الطعام منتظرة؟!
فوصلني صوت الخادمة أيلين، زهراء أتريدين أن أقدم لكِ طعام الفطور الآن فقد شارف وقت تناول الفطور على الانتهاء
فقلت بحزم ألا تريني أنتظر
زهراء! من تنتظرين
أبي أيزعجك ذلك
زهراء استيقظي من حلمكِ فأبيك قد مات مات لم يعد حيا كي تنتظريه
رددت على كلامها بضربة على وجنتها وبكل قسوة وقوة كيف لكي أن تخاطبيني بهذه اللهجة أبتعدي عن وجهي بعد أن صفعتها دون أن أدرك ذلك
وبينما هي ذاهبة
وصلها صراخي ناطقا بكلمات الرحمن
يا بلهاء قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياءا عند ربهم يرزقون
باغتني صوتها مجيبا بعد أن أدارت لي وجهها أعلم ذلك جيدا
قلت لها اصمتي ألم تقولي منذ قليل إنه قد مات فلاذت بالصمت قلت لها إياكِ أن تعيدي الكره
قولي قد رحل ولن يعود وإنما لا تقولي قد مات فهو حي عند ربه يرزق
نظرت لساعتي فعلمت أن وقت الظهيرة اعلن قدومه وأن أمي حان موعد عودتها من العمل بعد يوما شاق
وبينما أنا أطعم عصفوري حبيس القفص سمعت صوت سيارة أمي معلن لي عن وصولها
فدخلت أمي ورأتني جليسة العصفور أطعمه
ابتسمت
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رددت السلام على مضض
ولحظتها جررت أقدامي معلنه عن انسحابي للداخل فوصلني صوتها مجددا
تأففت بداخلي يا ترى ماذا تريد مني ؟!
فوصلني صوتها مجددا
زهراء سأدخل لأبدل ملابسي وأستحم كي أنزل لتناول وجبة الغذاء
فأجبتها لا بأس سأكون بانتظاركِ حالما تنتهين
وعندما دخلت غرفة الطعام سالت دموعي على خدي كسيل جارف من الأمطار
وأنا أتألم بحرقة لرؤيتي لكرسي والدي فارغا وكأنه منزوي في ركن بعيدا عن بقية الكراسي والصمت قد لفه والحزن قد تلبسة والظلام رسم معالمه
أين بسمت هذا الكرسي وأين ذهبت نكاته المرحة ونصائحة الحكيمة
وعندما سمعت وقع أقدام أحدهم قادم نحوي مسحت دموعي وابتسمت ابتسامة قد لفها الحزن وأعياها الألم
لأسمع كلماتها تصلني قبل أن أرى طيفها هيا لتناول الطعام والمعذرة أن كنت قد تأخرت قليلا
أجبتها لا لم تتأخري
وعندما شارفنا على الانتهاء من الطعام
أمي
نعم ماذا تريدين أن تقولي
اليوم أريد زيارة قبر والدي معكِ
أأنتِ أكيدة مما تقولين
نعم أنا أكيدة
فرأيت الخوف بعين أمي والابتسامة المرسومة على شفتيها ليست سوى شفقة مغلفة بابتسامه باهته
فابتسمت لها ابتسامة أشعرتها بالأمان وهززت رأسي أيجابا ففرحت أمي
أتعلمون لما خوف أمي وقلقها ؟!
فأنا لطالما أغمي علي عند زيارة قبر والدي
إذ أني أشعر بقبره يرتفع وينزل وهذا هو تنفسه
وأسمع صوته يتردد على مسامعي ويشد أعصابي لأكون طريحة التراب لشدة الخوف
أما الآن قد تشجعت وزالت توهماتي وتحررت من قيود الخوف من القبور الذي كان يعجز لساني عن وصفه والنطق به
اليوم أستيقضت صباحا وأنا نشطه على غير عادتي فقد مضت شهورا عديدة وأنا بحاله يرثى لها
وبعد تناولي للفطور وذهاب أمي للعمل طرأت بفكري فكرة الاتصال بصديقتي فاطمة
ألووو وصلني صوت فاطمة
سلام الله عليكِ ورحمته صديقتي العزيزة
زهراء! وعليكِ سلامه ورحمته
صباح الخير
رددت عليها صباح النور
منذ فترة طويلة لم أسمع صوتكِ قالت هذا بخبث
أجبتها على الفور يالكِ من نصابة بالأمس أين كنتِ ومع من ؟
أجابت معكِ أنتش إنسيتي!
لا لم أنسى ذلك وإنما أذكرك لعلك أنتِ من نسيت ذلك
كيف لي أن أنسى
كلامكِ لي منذ قليل يقول ذلك (منذ فترة لم أسمع صوتكِ)
فضحكت، أنا لا أريد الإطالة بالمحادثة ولا تنسي أن توصلي سلامي لأمكِ وأخواتكِ
وإنما لا تنسي موعدنا اليوم (سنذهب عصرا للسوق برفقة أمي وأمها)
وأنتِ كذلك أوصلي سلامي لأمكِ
مع السلامة
مع السلامة
فاطمة صديقتي منذ سنين قليلة ولكن صداقتنا عريقة وقوية كما لو كانت صداقة منذ الطفولة
وهي أصغر أخواتها وأخرهن
على عكسي أنا فأنا وحيدة أمي
بعد أن أغقلت سماعة الهاتف توجهت للمطبخ إذ أني أشعر بالملل ففكرت أن أبدد الملل وأقضي على وقت الفراغ بشيء مفيدا لحين عودة أمي من العمل في صنع بعض الفطائر مع أيلين لنتناولها عصرا أثناء ذهابنا للسوق
((أيلين)) أعتقد أني لم أعرفكم عليها بذلك القدر الكافي
أنها كفرد من العائلة قبل أن تكون خادمة قد جلبها رحمة الله عليه والدي إلى المنزل بحكم الأوضاع التي تقتضي ذلك إذ أمي تعمل من الصباح الباكر حتى وقت الظهيرة ووالدي كذلك
وتبلغ من العمر ستة وثلاثون عاما فقد مضت الكثير من العمر في منزلنا هذا وشهدت أفراحنا وأحزاننا
شهدت يوم ميلادي وقدومي لهذه الدار ويوم وفاة والدي ورحيله عن دارنا
صباح الخير أيلين
صباح النور
ما الذي أتى بكِ هذا الصباح للمطبخ يا ترى ؟!
أنني أشعر بالملل وأردت أن أبدد الملل بصنع بعض الفطائر هل لكِ أن تساعديني في صنعها فأنا خارجة للسوق اليوم برفقة أمي وصديقتي ووالدتها
لا بأس أن كان ذلك يسعدكِ يا زهراء
وبدأنا بصنعها حتى داهمنا الوقت وبعد الانتهاء منها استأذنت منها وصعدت لغرفتي لأرتاح بعد أن استحممت
حان وقت العصر فأقبلت إلى أمي لتوقظني إذ أني طلبت منها أن توقظني حالما يشرف وقت العصر علينا كي لا نتأخر على موعدنا لأني بعد وجبة الغذاء صعدت لغرفتي لأنام قليلا
زهراء استيقظي حتى لا نتأخر على موعدنا المحدد
وصلها صوتي وأنا أتثاءب حسنا أمي امنحيني بضع دقائق لأكون جاهزة
ومسافة الطريق اختصرناها بتناول الفطائر التي أعددتها بمساعدة أيلين وأمي تتحدث مع أم صديقتي
وفاطمة غلبها النوم (يالها من مدمنه كم تعشق النوم كل ما سنحت لها الفرصة للنوم أغلقت عينيها لترحل لعالم آخر ليتني مثلها لا أستطيع النوم بسهوله)
وأنا كنت أجيل بنظري بين زوايا الطرق والمنازل حتى رأيت السوق ونحن نقترب منها
فاطمة استيقظي
اقتربنا من السوق، قالت كم مضى بنا من الوقت وأنا نائمة
أجبت ليس بالكثير سيدة النوم وتبادلنا الضحكات
وبينما نحن نتجول بالسوق أعجب أمي وشاحا أسود اللون فهبت لشرائه فلفت انتباهي صاحب المحل فقد غزا الشعر الأبيض شعره ومشقات هذا الزمان تركت بصمتها على جبينه إنه يشبه أبي يا ألهي لما كل ما حاولت أن أنسى الألم يأتي بحثا عني ويرتسم لي أمامي كالمرصاد لا هرب منه لكني هذه المرة تمالكت نفسي لا أريد أن أخيف والدة صديقتي، بدموعي وحالاتي الهستيرية شعرت بعقارب الساعة تتوقف وحركة هذا الكون في صمت وصمود أمي متى ستنتهين من شراء هذا الوشاح الذي تسبب بالألم لي وأعاد الماضي
لم أصدق نفسي وأنا أرى الجميع يخطو مبتعدا عن هذا المحل وعن صورة ذلك المشيب فأسرعت الخطى خلفهم مبتعدة وشعرت بتحرر نفسي من قيود ثقيلة على قلبي ومؤلمة تشجيني
بدأت السماء تظلم والشمس تعلن عن انهزامها لتسحب جيوش أشعتها راحلة
ها أنا ذي أشعر بحزن الشمس يخيم على السماء عند المغيب وأن الظلام أسدل ستائره
فانسحبنا نحن بدورنا من السوق عائدين لمنازلنا
وهذه المرة غريب أمر هذه العاشقة عاشقة النوم لم تنم أثناء طريق العودة
فاطمة لماذا لم تنامي
ابتسمت لأني أريد أن أحدثك بأمر ما
تحدثينني بماذا يا ترى؟!
أسمعي أنا صديقتك وأعرفك جيدا ولا داعي إلى أن تخفي عني ما يخالجك
يا ترى ماذا تقصد بقولها هذا ألاحظت ماذا اعتراني من شرود حينما رأيت صاحب ذلك المتجر؟!
قطع علي صوتها حيرتي وتساؤلاتي
أعرف إن ذلك الرجل قد ذكرك بوالدكِ حتى توالدت عليكِ الذكريات من جديد لتلتهمك من رجليكِ حتى رأسك وأنتِ واقفة
أسمعتون ما قالته؟!
إذن لم يخب ظني فقد لاحظت ماقد اعتراني وهي لم تكذب بقولها إنها صديقتي وتعرفني جيدا فخفضت رأسي
رفعت رأسي بيديها ووقعت عيناي بعينيها وقالت عيشي حياتكِ استسلمي للواقع إذ لا مهرب من ذلك أنسي الماضي وأقنعي نفسكِ بالحقيقة أنه الماضي، الماضي الذي لا يعود ولا تقفي على آثاره كثيرا فيمضي بكِ الوقت دون أن تشعري وتمضي بكِ السنون دون أن تشعري فحينها لن ينفع الندم بعد فوات الأوان
حسنا يا فاطمة سيكون لكِ ما تريدين وتتمنين
زهراء كل هذا لمصلحتكِ يا عزيزتي
فوصلنا إلى منزلهم وودعتني فاطمة وأمها وكذلك أمي فقد كان لها نصيبها من توديعهم
وأما أنا قد استسلمت للتفكير
يا ترى بماذا أفكر هذه المرة؟
أفكر بحياتي بدون أبي
أفكر بمستقبلي الذي ينتظرني
فالقدر هو من يسيرنا لا نحن من نسيره وحقا هناك صعوبات صعب أن نتخطاها وإنما الصعب يصبح سهلا أن أردنا نحن ذلك بقوة عزيمتنا وأرادتنا فعلينا ألا نجعل من الصعب مستحيل
زهراء مالكِ شاردة أنها أمي تخاطبني
لاشيء يا أمي، هيا لقد وصلنا للمنزل ألن تنزلي من السيارة أجبتها بلى يا أمي
ذهبت أمي لغرفتها وأنا لغرفتي
شعرت بالنعاس يغلبني والتعب يؤرقني فنمت ولم أستيقظ ألا في الصباح الباكر على صوت طرقات الباب إنها أيلين تناديني لأنزل لتناول الفطور فوالدتي بالانتظار
أقبل الصباح علينا وأنا نائمة منذ الأمس
حسنا يا أيلين سأستحم لأنزل فيما بعد
صوتها يكلمني لا تتأخري فوالدتكِ بانتظاركِ ((استعجبت تكرارها لعبارة والدتكِ بانتظاركِ فوخزني قلبي بأن هناك أمر ما فأسرعت الخطى لأستحم))
وبعد أن انتهيت من الاستحمام نزلت إلى غرفة الطعام
صباح الخير أمي
لم ترد علي كانت شاردة الفكر يا ترى ما الذي يشغل فكرها؟!
رددت تحية الصباح بصوت أقوى صباح الخير يا أمي
صباح النور يا وردتي
أسمعتون صوتها؟!
نبرتها مختلفة تنبأني بمصير مجهول قادم
ماذا هناك يا أمي سألتها بعد الانتهاء من تناول الفطور
أنتهيتي من تناول فطورك
أجبت نعم
حسنا سأخبرك
وأخبرتني بكل شيء منذ البداية وحتى النهاية
فثارت أعصابي ورميت بالكأس الذي بيدي على الأرض أبعدت الكرسي للخلف ووقفت صارخة بوجهها كيف له أن يتجرأ على طلب يدكِ؟
إنه عمك يا زهراء وأنا لم أوافق عليه ألا لخوفي عليكِ وتأمينا على مستقبلك وأرثكِ الذي ورثتين من بعد رحيل والدكِ ونحن كما تعلمين كالمقطوعتين من الشجرة إذ أهلي ببلد آخر وليس لدينا هنا سوى عمكِ
صرخت مجددا لا لا لا مستحيل لن توافقي على هذا الزواج ولا أنا أؤيد هذه الزيجة التي لا محال ستكون زيجة فاشلة
فأنا بعد حادثة والدي أصبحت مزاجية لأبعد الحدود وأنانية وحادة الطباع
أومأت برأسها نفيا لقد وافقت وانتهى الأمر شعرت بالقهر يمزقني وبعيني تأكلانها بنظراتي الحاقدة وأدرت وجهي عنها صاعدة لغرفتي
وصلني صوتها مجددا المبحوح إلى أين ذاهبة
أجبتها بغضب إلى أين بربكِ إلى غرفتي لا شك بذلك
حسنا وأنا ذاهبة للعمل الآن بكل برود تخبرني بذهابها للعمل
دخلت غرفتي والألم يعتصرني والقهر يمزقني ويقتل الرحمة بقلبي فلم يسعفني شيئا سوى قلمي ومفكرتي ففتحتها لأخط بها ما يخالجني وكتبت هذه السطور
بين حنايا أضلعي الرقيقة بركان ثائر وبحر هائج وصرخات تدوي تجعلني عاجزة عن سماع أي صوتً آخر
بي قهر يهز جبال شامخات ويبدد غيوم اخترقتها ناطحات سحاب ويذبل له الزهر ويتفتت إثره الصخر
لي قبضة يد تحطم
ودموع تلطم
والسن تنطق بخرس
وأعين تخترق قلوبا محدثه بها رعبا وخوفا لشراستها
بي قهر مكتوم وغيض مرسوم وحسره آن لها أن تدوم
فأصرخ وأصرخ بصمت بألم بقهر بتمرد وقسوة
وكأني لبوأه ثائرة هائجة غاضبة خارجة لتقف بوجه من أعقد لسان طريقها
هكذا أكون لحظات القهر
حتى أستسلم للدمع وأسجد خائرة القوى منهوكة الفكر منزوعة الفؤاد مجروحة النفس
فأشعر وكأنما
صوت غاية في الصمت يدوي بداخلي
يهز أركان وجداني
يأجج النيران بين أجنح كسيرة لجراحاتي
تورمت مآقيي وتوردت وجناتي أثر دمعاتي
يخرج صوت ألمي بين حشرجة قطعت أوصالي
أغلقت دفتري الذي طالما ما أحتضن مشاعري الثائرة الغاضبة تارة والمتألمة اليائسة تارة أخرى وداعب فرحي وخفف حزني ولوعتي
وعلى وجبة الغذاء لم تجرأ أمي أن تستدعيني لتناول الغذاء معها
وبعد بضع ليالي أقيمت حفلة صغيرة بمنزلنا بمناسبة زواجها من عمي
طبعا لم أحضر الحفل ذهبت لأبات بمنزل صديقتي فاطمة
فاطمة أنها صديقتي أتذكرونها لقد نصحتني بحزم على موقفي هذا ونصحتني وكسرت عنادي حتى أستطيع أن أعتاد العيش في المنزل مع وجود الدخيل ((عمي))
مضت أشهر عدة على زواج أمي وذلك الدخيل كثيرا ما كنت أتحاشاه معرضه عنه حينما التقي به بالمنزل لكونه سلب عرش أبي فقد كان كثيرا ما يحاول التودد إلي والتقرب مني ألا أني أصده بقسوة وبعناد طفل وكما يبدو إنه لم ييأس لكثرة صدودي له فكما أعتقد أنه يعتبرني صغيرة بالسن ولا عتاب علي وأن مسألة تقبل فكرة زواج أمي فقط مسألة وقت لا غير حتى أعتاد الأمر وأراه عكس ما كنت أظنه أعتقده محقا بهذا أن كان هذا تفكيره تجاهي
وذات صباح كانت والدتي والدخيل يتجاذبان أطراف الحديث بالساحة الخلفية للمنزل بينما أنا أطعم عصفوري
وصلني صوت صراخ عمي ((قلت عمي هذه المرة وليس الدخيل هذا يعني أن حبه بدأ يتسلسل إلى داخلي ويستوطن قلبي)) ولكني كنت أرضي عنادي بعكس ذلك
قائلة أن لشدة خوفي وفزعي من صوته الأجش القوي الذي وصلني قلت عمي دون أدراك مني فكان يصرخ تعالي إلى هنا بسرعة يا ابنتي وعندما وصلت لساحة المنزل الخلفية لأرى ما أرعبني أكثر من صوت عمي رأيت الشحوب مرتسم على ملامح وجه أمي والدوار قد غلبها وأعياها حتى سقطت لتكون ضحية وطريحة ذلك الكرسي وبينما الدخيل يحاول إيقاظها وملامح الفزع قد ارتسمت عليه
أجبته والهلع يكاد يخنقني
ماذا حصل
يصرخ مجددا أسرعي لإحضار كوبا من الماء يا ابنتي
أصرخ لا تقل ابنتي
حسنا يا زهراء وإنما أسرعي فالوقت يداهمنا
أسرعت كالبرق وقدمي تسابقان الريح وعدت حاملة كوبا من الماء
رش بعض من القطرات على وجهها حتى استفاقت أمي وأشربها الباقي
أجابت والإعياء يكاد يخنقها ماذا حصل يا جاسم
لقد أغمي عليكِ كما أظن
وصلهم صوتي عليكم بالذهاب للمستشفى وعلى الفور
لا لن أذهب ليس هناك داعي للذهاب
أجبت وإنما
قطع علي حديثي الدخيل سنذهب للمستشفى لنطمأن عليكِ استسلمت أمي لطلبه وذهبوا للمستشفى
بقيت بانتظارهم حتى عادوا يزفون إلي تلك البشارة التي لطالما تمنيت أن تتحقق بعدما أيقنت بإحالة تحقيقها بعد وفاة أبي
أنني حامل يا زهراء ومنذ أسابيع قليلة
تهلل وجهي بالفرح وباغتتني الدموع مجددا وإنما تختلف دموعي هذه المرة فأنها دموع الفرح
حقا ما تقولين يا أماه
أجل يا زهراء صحيح ما تقوله والدتكِ أسرعت لأقبل أمي فرحه قائلة أن شاء الله تكون أختا ضحكوا جميعا إن شاء الله يا زهراء إن كان هذا ما تتمنين
وصلني صوت عمي لقد خفنا أن يضايقكِ هذا الأمر أنزلت رأسي خجلة من موقفي السابق معهما إزاء زواجيهما
فقال ولكن الحمد لله على تقبلكِ لهذا الأمر
فابتسمت ووقفت مودعة إياهم أنا سأدخل لأصعد لغرفتي بعد أن تناولنا وجبة العشاء بسعادة وهناء
فتحت دفتري لأكتب ما أشعر به حيال هذا اليوم وبعد انتهائي أويت للفراش
استيقظت على صوت الآذان أذان الفجر فنهضت لتأدية فريضتي وقرأت بعض الأدعية القصيرة بعد انتهائي من صلاتي لأهديها لروح والدي وأرواح المؤمنين والمؤمنات أجمعين بعدها شعرت بالراحة تسري بعروقي وتدب في أوصالي وتنعشها
فطرأت هذه الفكرة علي
أن أقوم بالاتصال بصديقتي فاطمة
لا بد أنها مستيقظة الآن من أجل تأدية الصلاة
بفور اتصالي لها رفعت سماعة الهاتف كأنها كما لو كانت تنتظر اتصالي وصلني صوتها الشجي الذي يبعث بروحي الأمان والطمأنينة ويشجعني على المضي بهذه الحياة بعد رحيل والدي
صباح الخير
صباح الخير زهراء ما المناسبة لهذا الاتصال المفاجىء وبمثل هذا الوقت
نطقت فرحة
صدق أو لا تصدق
قالت ماذا
أمي حامل
حقا !
أجل إنها حامل، مبروك مقدما أوصلي تبريكاتي لأمكِ
حسنا يا فاطمة
أراك فرحة لهذا الحدث
أجل وكثيرا
عسى أن تدوم عليكِ الفرحة
أجمعين يا رب
أستأذنكِ الآن سأخلد للنوم فلم أنم كفايتي حتى الآن
مع السلامة إذن
مع السلامة
بالصباح بعد تناول فطوري معهما (والدتي وعمي)
ذهب كلا منهما في طريقه للعمل
وأنا كعادتي أمارس مثل الروتين الذي بات يشعرني بالملل
بعد أن أطعمت عصفوري
ورويت ورودي التي بفناء منزلنا الخلفي
ناديت أيلين
أيلين أريدكِ أن تأتي بصحبتي
إلى أين
إلى الشاطىء القريب من منزلنا
وكما تعلمون الشاطىء يكون خاليا في الصباح وخصوصا وسط أيام الأسبوع
حسنا يا زهراء سأكمل أشغالي بالمطبخ وأذهب معكِ ريثما أنتهي
لحين تنتهين أنا سأصعد للشرفة لأستنشق بعض الهواء العليل
اتفقنا إذن
لا تنسي سأكون بانتظارك يا أيلين
وبعد مضي ساعة من الوقت أستعدينا أنا وأيلين للذهاب للشاطىء
فحالما وصلنا جلست أيلين ترتشف عصيرها على كرسيا قريبا مني وبينما هي تراقبني
عندها هممت بالنزول شعرت بقلبي يهب استعدادا للانطلاق قبل انطلاق قدمي وشعرت بنسمات البحر تعانق خصلات الشعر المتطايرة مني مداعبتا إياها
فدونت من الشاطىء لتبدأ مياهه تهاجم قدمي وتبللهم بقطراتها التي وصلت برودتها لأعماق عروقي لتنعشها
فجلست على حبيبات الرمل فيما بعد واستيقظت من حلمي لأرى كيف تعبث أصابعي بتلك الحبيبات الناعمة
شيئا فشيئا حتى أدركني الساحل بكاملي ليبللني من أقمع رجلي حتى رأسي وأمواجه الهادئة تشعل بقلبي ذلك الشوق والحنين للبعيد الذي هو لقلبي أقرب من القريب
فزحفت حاملة جسدي للخارج لأرتمي على الرمال الذهبية وعيناي في تأمل للبحر فأشعر بروحي تحلق بين الغيوم
وفي صبيحة اليوم التالي وصلني صوت عمي مخترقا باب غرفتي والجدار فيكفي أن صوته أجش فكيف تتوقعون صوته يكون حينما يصرخ يربكني يشعرني بالخوف يبعثر كلماتي حتى يجعلني اتأتأ ململمة بقايا شتات الحروف لأرد عليه قائلة بعد أن فتحت الباب وأطلت عليه من الأعلى ماذا دهاك تصرخ هكذا لقد أخفتني
أبتسم هامسا المعذرة وإنما أردت أن أخبرك هناك من يطلبك على الهاتف وكما أعتقد إنها صديقتك فاطمة
أجبته بعد أن ردت روحي إلي بعد أن أخافني حسنا سأرد عليها من غرفتي
فرفعت سماعة الهاتف حتى قام عمي بإغلاق السماعة
صباح الخير فاطمة
صباح النور عزيزتي
لم اتصالك هذا، بسببك أجفلت بسبب صراخ عمي وتعرضت للخوف القاتل لوهلة أفقدني تركيزي
وصلني صوتها ضاحكة
إنك مازلتِ طفلة تخاف الأصوات المرتفعة رغم سنكِ
أجبتها على العموم من لا يخاف الأصوات المرتفعة
ما هذا الضجيج الذي أسمعة
إنها أصوات السيارات والمارة
أصوات السيارات والمارة
أين أنتي؟!
أنا بالسوق أبحث لأعز صديقة بهذا الكون هدية
هدية !لماذا؟
ضحكت أنها بمناسبة اقتراب عيد مولدك
أجبتها أجل لقد نسيت ذلك وشكرا لك على تذكر عيد مولدي
ضحكت مجددا أتعلمين كم سيصبح عمرك أم نسيتي ذلك أيضا
ضحكت على أسلوبها الذي يستفزني لأجيبها فهي تعلم أني كثيرة الصمت، طبعا سأبلغ التاسعة عشر بعد بضعة أسابيع
الحمد لله أنك لم تنسي ذلك
وصلها صوتي المتردد بأن ينطق بأخر كلماته ولكن
ولكن ماذا يا زهراء!
سأبلغ قريبا التاسعة عشر ومازلت بداخلي طفلة ترفض أن تكبر
ماذا تهذين
لا أهذي وإنما الآن أستودعك في رعاية الله
في أمانه ورعايته
وأغقلت سماعة الهاتف وذهبت متوجهة بطريقي لإطعام عصفوري فلابد إنه جائع الآن
فهذا الصباح قد تأخرت في إطعامه
وأنا أنزل عتبات الدرج
تذكرت قول الرحمن:يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات
يا ألهي لقد نسيت أمر الجامعة فموعد اقترابها قريب جدا وموعد اقتراب ولادة أمي كذلك قريبا بنفس يوم ذكرى عيد مولدي ونسيت أن أكلمهم فيما يدور بفكري الآن سأطعم عصفوري وهذا الموضوع سأفاتحهم به قريبا
تساءلت اليوم لم أرى أمي!
فمررت بعمي الذي يشاهد التلفاز بغرفة الجلوس
عمي
نعم يا زهراء
أين أمي لم أرها هذا الصباح!
إنها الليلة الأولى بعد مضي سنين طويلة أشعر بالخوف يقض مضجعي وبالبرد يأكلني...ففي الماضي عندما تهاجم الكوابيس أحلامي والخوف داري والأصوات المرعبة آذاني ...أفر هاربة من غرفتي تاركه سريري يؤانس الوحدة إلى حيث هناك أخر الرواق أسير بفزع يشل حركتي حتى أصل إلى الباب المطلوب فأسرع إلى فتحه بيد...وبيدي الأخرى حاملة دميتي لأرى عينين بوسط الظلام تبتسم إلي بحنان ينسيني الخوف وأسمع همسات تخشى أن توقظ أمي من النوم تنطق تعالي إلى هنا يا زهراء أبنتي
فسارعت لأنطق له فقطع علي لحظتي كيلا أهمس بأي حرف أعلم أنك خائفة وأن كابوسا مزعجا قد باغتك ولولا ذلك لما أتيت إلي فزعة هكذا نعم إنه أبي الحنون فأتقدم بضع خطوات لأصل إليه وأنام بين ذراعيه والأمان يحطني ويغيظ الكوابيس لأنها لم تعد تخيفني فأما هذه الليلة أشعر بالخوف بالألم بالشوق والحنين ولا أستطيع النوم ولم يعد هناك بأخر الرواق من ينتظرني ليمتص مني خوفي ويبعث بين جوانحي الأمان ويحميني من براثن الكوابيس والقلق فبكيت بمرارة كطفل خائف يخيفه الظلام وتفزعه الوحدة وكعاشق ولهان وحبيب هجر. حتى باغتني صوت الآذان إنه أذان الفجر! يا ألهي أضحى الصباح ولم أنم فقمت بتثاقل لكي أصلي سجدت لله خاشعة أطلت السجود متضرعة باكية حتى جفت دموعي طالبه الرحمة لروح والدي العزيز ولأرواح المؤمنين والمؤمنات بعد لومي لذلك المارد الخفي الذي يزور المنازل على غفلة ليخطف أراوح الأعزة منا حتى أعياني السهر فاستسلمت لسلطان النوم أخيرا .
كان اليوم يوم الجمعة حين صحوت على صوت المنبه فرفعت غطاء السرير عني وكأني أرفع صخرا عن كاهلي لا قماشا رقيقا يدفئني عن برودة الشتاء وحملت قدمي على المشي بتثاقل وأنا أتثاءب وحين انتهيت من الاستحمام جهزت نفسي بتكاسل وبينما أنا شاردة الفكر حيث جسدي بالدار وعلقي وفكري بالكامل بعيدا سمعت طرقات متتالية بصوت خافت فشقت علي صمت وشرودي للحظة فأدركت إن مصدرها منبعث من ناحية باب غرفتي فاغرورقت عيناي بالدموع وتصاعدت الدماء بوجهي وأنشدت أعصابي فأنها طرقات أبي على باب داري كل صباح فلحظتها لم أدرك أن الذي أمامي يقف سوى طيف ووهم ارتسم أمامي ليتمثل لي بصورة والدي بوجه بشوش حنون مشرق وبصوت يداعب سمعي ابنتي العزيزة صباح الورد أنمتي جيدا البارحة
أجبت بصوت يفتت الصخر لقوته
يذبل إثره الزهر
مجيبه كالمجنون الذي يحادث نفسه وكالنائم حينما يحلم ويتحدث وكالواقع تحت تأثير المخدر حينما يهذي
متى عدت أبي؟!
ألم ترحل منذ بضع ليالي عنا؟!
حتى شقت الطرقات على باب داري التي تزايدت وأرتفع صوتها بشكل متتالي علي شرودي ولحظة جنوني
ما بالكِ افتحي الباب، من تحادثين لقد كان هذا صوت أمي الخائف القلق الفزع
فأرتفع صوتي مجيبا على أمي لينطق من بين حشرجة وعبرة تكاد تخنقني لاشيء يا أمي لا أحادث أحدا
فقالت بحزن وصوت حنون افتحي الباب
ففتحت الباب لأرى عينين قد أعيتهما السهر وأرهقتهما الدمع ومصائب الزمن وبهما جمعا من الدموع من خلف أهدابها وهي تنظر إلي نظرة خوف وشفقة على حالي وحالنا
فتجمدت مكاني لم أستطع أن أنبس ببنت شفه وأخذت أبتلع ريقي لحالها
هيا إن الفطور جاهز
فأومت برأسي بالنفي
فقالت وهي كاتمة غيضها ألست جائعة فقد طال بك الوقت حتى بضع ليالي ولم تتناولي شيئا وهي مدبرة عني ستنزلين لتناول الفطور شئتِ أم أبيتِ
وأنا الآن سأنزل لغرفة الطعام وسنكون نحن بانتظاركِ
هل سمعتم ماقد قالته ؟!
قالت كلمة نحن!
إذن ذلك يعني أنا لا أتوهم
فهي قد قالتها((نحن))
لفتت هذه الكلمة انتباهي فقد أدمت قلبي العليل وأصابتني بسهم من النار
فصرخت دون وعي مني كيف لكي يا أمي أن تقولي نحن وبكل برود!
أجابت والدهشة عنوان وجهها واتسعت حدقتا عينيها فاتحه فاهها ما العيب بكلمة نحن وما الذي دعاك للغضب هكذا؟!
أجبتها بقسوة أحتى الآن لم تنتبهي لكلمتكِ، نحن سنكون بانتظاركِ((أنها للماضي وقد ودعناها)) فلن يكون هناك على مائدة الفطور بانتظاري سواكِ فأبي قد رحل عنا وللأبد.
فكسر الألم عنق أمي وسار الإحباط بصوتها متغلغلا ليصل لآذاني وهي خافضة الرأس لم أنتبه لكلمتي فقد أعتدت قولها سابقا
وأدارت وجهها كي تذهب
فأوقفتها بصوت يملئه الألم والحسرة والتأسف إني آسفة يا أمي فقد فلتت مني أعصابي دون أن أشعر بذلك وأرتفع صوتي بوجهك وأنا في غياب عن وعيي وإدراكي الكامل أجابتني لا عليكِ يا زهراء على العموم سأكون بانتظاركِ
وبعد الانتهاء من تناول الفطور جلست أمي تقرأ مجلتها الأسبوعية بينما أنا صعدت لغرفتي لأعتكف على نفسي وأقيد نفسي بالأوهام والدموع فأخذت أجيل بنظري هنا وهناك لعلي أرى ماهو قد يكون أنيسي بغرفتي التي بت أراها مجرد بقايا حطام فوقعت عيني على صندوق صغيرا فعادت بي الذكرى للماضي سريعا وأسعفتني ذاكرتي لتخبرني بأن هذا صندوق للصور، لصور لطالما التقطتها لي ولأمي وأبي في كل مناسبة تمر بنا
فأسرعت باتجاه الصندوق وكأني طفلة خائفة من أن تسرق منها دميتها بعد أن وجدتها وكلي شوق ولهفة لرؤية بقايا ذكرى أبي العزيز فبعثرت الصور من الصندوق بحركات جنونية لأجمع من بينها صور والدي كي أضمها لصدري بعد أن وجدت الكثير من الصور لوالدي والدمع يباغت وجناتي بغزارة ليحرقها وجعا وألما فأرتفع نحيبي حتى شعرت فجأة بأن جفوني ترتخي والدنيا بي تدور
فتحت عيني رأيت السقف مختلفا ففزعت فرفعت نفسي محاولة النهوض ولشدة خوفي لم ألحظ أمي نائمة على كرسي خشبي بجانبي
فانتصبت أمي طارده عن عينيها بقايا آثار النوم
هوني عليكِ لا تقلقي يا زهراء فقد أغمي عليك وتعانين من إرهاق بسيط كما قال الطبيب
الطبيب؟!
أمي أين أنا وماذا حصل وأنا أصرخ بفزع
أننا بالمستشفى وكما قلت قد أغمي عليكِ
بعد عدة أيام عدت للمنزل وكان حينها الصباح فأوصتني أمي بتناول الفطور وهي خرجت للعمل باكرا اليوم
فجلست على طاولة الطعام منتظرة؟!
فوصلني صوت الخادمة أيلين، زهراء أتريدين أن أقدم لكِ طعام الفطور الآن فقد شارف وقت تناول الفطور على الانتهاء
فقلت بحزم ألا تريني أنتظر
زهراء! من تنتظرين
أبي أيزعجك ذلك
زهراء استيقظي من حلمكِ فأبيك قد مات مات لم يعد حيا كي تنتظريه
رددت على كلامها بضربة على وجنتها وبكل قسوة وقوة كيف لكي أن تخاطبيني بهذه اللهجة أبتعدي عن وجهي بعد أن صفعتها دون أن أدرك ذلك
وبينما هي ذاهبة
وصلها صراخي ناطقا بكلمات الرحمن
يا بلهاء قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياءا عند ربهم يرزقون
باغتني صوتها مجيبا بعد أن أدارت لي وجهها أعلم ذلك جيدا
قلت لها اصمتي ألم تقولي منذ قليل إنه قد مات فلاذت بالصمت قلت لها إياكِ أن تعيدي الكره
قولي قد رحل ولن يعود وإنما لا تقولي قد مات فهو حي عند ربه يرزق
نظرت لساعتي فعلمت أن وقت الظهيرة اعلن قدومه وأن أمي حان موعد عودتها من العمل بعد يوما شاق
وبينما أنا أطعم عصفوري حبيس القفص سمعت صوت سيارة أمي معلن لي عن وصولها
فدخلت أمي ورأتني جليسة العصفور أطعمه
ابتسمت
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رددت السلام على مضض
ولحظتها جررت أقدامي معلنه عن انسحابي للداخل فوصلني صوتها مجددا
تأففت بداخلي يا ترى ماذا تريد مني ؟!
فوصلني صوتها مجددا
زهراء سأدخل لأبدل ملابسي وأستحم كي أنزل لتناول وجبة الغذاء
فأجبتها لا بأس سأكون بانتظاركِ حالما تنتهين
وعندما دخلت غرفة الطعام سالت دموعي على خدي كسيل جارف من الأمطار
وأنا أتألم بحرقة لرؤيتي لكرسي والدي فارغا وكأنه منزوي في ركن بعيدا عن بقية الكراسي والصمت قد لفه والحزن قد تلبسة والظلام رسم معالمه
أين بسمت هذا الكرسي وأين ذهبت نكاته المرحة ونصائحة الحكيمة
وعندما سمعت وقع أقدام أحدهم قادم نحوي مسحت دموعي وابتسمت ابتسامة قد لفها الحزن وأعياها الألم
لأسمع كلماتها تصلني قبل أن أرى طيفها هيا لتناول الطعام والمعذرة أن كنت قد تأخرت قليلا
أجبتها لا لم تتأخري
وعندما شارفنا على الانتهاء من الطعام
أمي
نعم ماذا تريدين أن تقولي
اليوم أريد زيارة قبر والدي معكِ
أأنتِ أكيدة مما تقولين
نعم أنا أكيدة
فرأيت الخوف بعين أمي والابتسامة المرسومة على شفتيها ليست سوى شفقة مغلفة بابتسامه باهته
فابتسمت لها ابتسامة أشعرتها بالأمان وهززت رأسي أيجابا ففرحت أمي
أتعلمون لما خوف أمي وقلقها ؟!
فأنا لطالما أغمي علي عند زيارة قبر والدي
إذ أني أشعر بقبره يرتفع وينزل وهذا هو تنفسه
وأسمع صوته يتردد على مسامعي ويشد أعصابي لأكون طريحة التراب لشدة الخوف
أما الآن قد تشجعت وزالت توهماتي وتحررت من قيود الخوف من القبور الذي كان يعجز لساني عن وصفه والنطق به
اليوم أستيقضت صباحا وأنا نشطه على غير عادتي فقد مضت شهورا عديدة وأنا بحاله يرثى لها
وبعد تناولي للفطور وذهاب أمي للعمل طرأت بفكري فكرة الاتصال بصديقتي فاطمة
ألووو وصلني صوت فاطمة
سلام الله عليكِ ورحمته صديقتي العزيزة
زهراء! وعليكِ سلامه ورحمته
صباح الخير
رددت عليها صباح النور
منذ فترة طويلة لم أسمع صوتكِ قالت هذا بخبث
أجبتها على الفور يالكِ من نصابة بالأمس أين كنتِ ومع من ؟
أجابت معكِ أنتش إنسيتي!
لا لم أنسى ذلك وإنما أذكرك لعلك أنتِ من نسيت ذلك
كيف لي أن أنسى
كلامكِ لي منذ قليل يقول ذلك (منذ فترة لم أسمع صوتكِ)
فضحكت، أنا لا أريد الإطالة بالمحادثة ولا تنسي أن توصلي سلامي لأمكِ وأخواتكِ
وإنما لا تنسي موعدنا اليوم (سنذهب عصرا للسوق برفقة أمي وأمها)
وأنتِ كذلك أوصلي سلامي لأمكِ
مع السلامة
مع السلامة
فاطمة صديقتي منذ سنين قليلة ولكن صداقتنا عريقة وقوية كما لو كانت صداقة منذ الطفولة
وهي أصغر أخواتها وأخرهن
على عكسي أنا فأنا وحيدة أمي
بعد أن أغقلت سماعة الهاتف توجهت للمطبخ إذ أني أشعر بالملل ففكرت أن أبدد الملل وأقضي على وقت الفراغ بشيء مفيدا لحين عودة أمي من العمل في صنع بعض الفطائر مع أيلين لنتناولها عصرا أثناء ذهابنا للسوق
((أيلين)) أعتقد أني لم أعرفكم عليها بذلك القدر الكافي
أنها كفرد من العائلة قبل أن تكون خادمة قد جلبها رحمة الله عليه والدي إلى المنزل بحكم الأوضاع التي تقتضي ذلك إذ أمي تعمل من الصباح الباكر حتى وقت الظهيرة ووالدي كذلك
وتبلغ من العمر ستة وثلاثون عاما فقد مضت الكثير من العمر في منزلنا هذا وشهدت أفراحنا وأحزاننا
شهدت يوم ميلادي وقدومي لهذه الدار ويوم وفاة والدي ورحيله عن دارنا
صباح الخير أيلين
صباح النور
ما الذي أتى بكِ هذا الصباح للمطبخ يا ترى ؟!
أنني أشعر بالملل وأردت أن أبدد الملل بصنع بعض الفطائر هل لكِ أن تساعديني في صنعها فأنا خارجة للسوق اليوم برفقة أمي وصديقتي ووالدتها
لا بأس أن كان ذلك يسعدكِ يا زهراء
وبدأنا بصنعها حتى داهمنا الوقت وبعد الانتهاء منها استأذنت منها وصعدت لغرفتي لأرتاح بعد أن استحممت
حان وقت العصر فأقبلت إلى أمي لتوقظني إذ أني طلبت منها أن توقظني حالما يشرف وقت العصر علينا كي لا نتأخر على موعدنا لأني بعد وجبة الغذاء صعدت لغرفتي لأنام قليلا
زهراء استيقظي حتى لا نتأخر على موعدنا المحدد
وصلها صوتي وأنا أتثاءب حسنا أمي امنحيني بضع دقائق لأكون جاهزة
ومسافة الطريق اختصرناها بتناول الفطائر التي أعددتها بمساعدة أيلين وأمي تتحدث مع أم صديقتي
وفاطمة غلبها النوم (يالها من مدمنه كم تعشق النوم كل ما سنحت لها الفرصة للنوم أغلقت عينيها لترحل لعالم آخر ليتني مثلها لا أستطيع النوم بسهوله)
وأنا كنت أجيل بنظري بين زوايا الطرق والمنازل حتى رأيت السوق ونحن نقترب منها
فاطمة استيقظي
اقتربنا من السوق، قالت كم مضى بنا من الوقت وأنا نائمة
أجبت ليس بالكثير سيدة النوم وتبادلنا الضحكات
وبينما نحن نتجول بالسوق أعجب أمي وشاحا أسود اللون فهبت لشرائه فلفت انتباهي صاحب المحل فقد غزا الشعر الأبيض شعره ومشقات هذا الزمان تركت بصمتها على جبينه إنه يشبه أبي يا ألهي لما كل ما حاولت أن أنسى الألم يأتي بحثا عني ويرتسم لي أمامي كالمرصاد لا هرب منه لكني هذه المرة تمالكت نفسي لا أريد أن أخيف والدة صديقتي، بدموعي وحالاتي الهستيرية شعرت بعقارب الساعة تتوقف وحركة هذا الكون في صمت وصمود أمي متى ستنتهين من شراء هذا الوشاح الذي تسبب بالألم لي وأعاد الماضي
لم أصدق نفسي وأنا أرى الجميع يخطو مبتعدا عن هذا المحل وعن صورة ذلك المشيب فأسرعت الخطى خلفهم مبتعدة وشعرت بتحرر نفسي من قيود ثقيلة على قلبي ومؤلمة تشجيني
بدأت السماء تظلم والشمس تعلن عن انهزامها لتسحب جيوش أشعتها راحلة
ها أنا ذي أشعر بحزن الشمس يخيم على السماء عند المغيب وأن الظلام أسدل ستائره
فانسحبنا نحن بدورنا من السوق عائدين لمنازلنا
وهذه المرة غريب أمر هذه العاشقة عاشقة النوم لم تنم أثناء طريق العودة
فاطمة لماذا لم تنامي
ابتسمت لأني أريد أن أحدثك بأمر ما
تحدثينني بماذا يا ترى؟!
أسمعي أنا صديقتك وأعرفك جيدا ولا داعي إلى أن تخفي عني ما يخالجك
يا ترى ماذا تقصد بقولها هذا ألاحظت ماذا اعتراني من شرود حينما رأيت صاحب ذلك المتجر؟!
قطع علي صوتها حيرتي وتساؤلاتي
أعرف إن ذلك الرجل قد ذكرك بوالدكِ حتى توالدت عليكِ الذكريات من جديد لتلتهمك من رجليكِ حتى رأسك وأنتِ واقفة
أسمعتون ما قالته؟!
إذن لم يخب ظني فقد لاحظت ماقد اعتراني وهي لم تكذب بقولها إنها صديقتي وتعرفني جيدا فخفضت رأسي
رفعت رأسي بيديها ووقعت عيناي بعينيها وقالت عيشي حياتكِ استسلمي للواقع إذ لا مهرب من ذلك أنسي الماضي وأقنعي نفسكِ بالحقيقة أنه الماضي، الماضي الذي لا يعود ولا تقفي على آثاره كثيرا فيمضي بكِ الوقت دون أن تشعري وتمضي بكِ السنون دون أن تشعري فحينها لن ينفع الندم بعد فوات الأوان
حسنا يا فاطمة سيكون لكِ ما تريدين وتتمنين
زهراء كل هذا لمصلحتكِ يا عزيزتي
فوصلنا إلى منزلهم وودعتني فاطمة وأمها وكذلك أمي فقد كان لها نصيبها من توديعهم
وأما أنا قد استسلمت للتفكير
يا ترى بماذا أفكر هذه المرة؟
أفكر بحياتي بدون أبي
أفكر بمستقبلي الذي ينتظرني
فالقدر هو من يسيرنا لا نحن من نسيره وحقا هناك صعوبات صعب أن نتخطاها وإنما الصعب يصبح سهلا أن أردنا نحن ذلك بقوة عزيمتنا وأرادتنا فعلينا ألا نجعل من الصعب مستحيل
زهراء مالكِ شاردة أنها أمي تخاطبني
لاشيء يا أمي، هيا لقد وصلنا للمنزل ألن تنزلي من السيارة أجبتها بلى يا أمي
ذهبت أمي لغرفتها وأنا لغرفتي
شعرت بالنعاس يغلبني والتعب يؤرقني فنمت ولم أستيقظ ألا في الصباح الباكر على صوت طرقات الباب إنها أيلين تناديني لأنزل لتناول الفطور فوالدتي بالانتظار
أقبل الصباح علينا وأنا نائمة منذ الأمس
حسنا يا أيلين سأستحم لأنزل فيما بعد
صوتها يكلمني لا تتأخري فوالدتكِ بانتظاركِ ((استعجبت تكرارها لعبارة والدتكِ بانتظاركِ فوخزني قلبي بأن هناك أمر ما فأسرعت الخطى لأستحم))
وبعد أن انتهيت من الاستحمام نزلت إلى غرفة الطعام
صباح الخير أمي
لم ترد علي كانت شاردة الفكر يا ترى ما الذي يشغل فكرها؟!
رددت تحية الصباح بصوت أقوى صباح الخير يا أمي
صباح النور يا وردتي
أسمعتون صوتها؟!
نبرتها مختلفة تنبأني بمصير مجهول قادم
ماذا هناك يا أمي سألتها بعد الانتهاء من تناول الفطور
أنتهيتي من تناول فطورك
أجبت نعم
حسنا سأخبرك
وأخبرتني بكل شيء منذ البداية وحتى النهاية
فثارت أعصابي ورميت بالكأس الذي بيدي على الأرض أبعدت الكرسي للخلف ووقفت صارخة بوجهها كيف له أن يتجرأ على طلب يدكِ؟
إنه عمك يا زهراء وأنا لم أوافق عليه ألا لخوفي عليكِ وتأمينا على مستقبلك وأرثكِ الذي ورثتين من بعد رحيل والدكِ ونحن كما تعلمين كالمقطوعتين من الشجرة إذ أهلي ببلد آخر وليس لدينا هنا سوى عمكِ
صرخت مجددا لا لا لا مستحيل لن توافقي على هذا الزواج ولا أنا أؤيد هذه الزيجة التي لا محال ستكون زيجة فاشلة
فأنا بعد حادثة والدي أصبحت مزاجية لأبعد الحدود وأنانية وحادة الطباع
أومأت برأسها نفيا لقد وافقت وانتهى الأمر شعرت بالقهر يمزقني وبعيني تأكلانها بنظراتي الحاقدة وأدرت وجهي عنها صاعدة لغرفتي
وصلني صوتها مجددا المبحوح إلى أين ذاهبة
أجبتها بغضب إلى أين بربكِ إلى غرفتي لا شك بذلك
حسنا وأنا ذاهبة للعمل الآن بكل برود تخبرني بذهابها للعمل
دخلت غرفتي والألم يعتصرني والقهر يمزقني ويقتل الرحمة بقلبي فلم يسعفني شيئا سوى قلمي ومفكرتي ففتحتها لأخط بها ما يخالجني وكتبت هذه السطور
بين حنايا أضلعي الرقيقة بركان ثائر وبحر هائج وصرخات تدوي تجعلني عاجزة عن سماع أي صوتً آخر
بي قهر يهز جبال شامخات ويبدد غيوم اخترقتها ناطحات سحاب ويذبل له الزهر ويتفتت إثره الصخر
لي قبضة يد تحطم
ودموع تلطم
والسن تنطق بخرس
وأعين تخترق قلوبا محدثه بها رعبا وخوفا لشراستها
بي قهر مكتوم وغيض مرسوم وحسره آن لها أن تدوم
فأصرخ وأصرخ بصمت بألم بقهر بتمرد وقسوة
وكأني لبوأه ثائرة هائجة غاضبة خارجة لتقف بوجه من أعقد لسان طريقها
هكذا أكون لحظات القهر
حتى أستسلم للدمع وأسجد خائرة القوى منهوكة الفكر منزوعة الفؤاد مجروحة النفس
فأشعر وكأنما
صوت غاية في الصمت يدوي بداخلي
يهز أركان وجداني
يأجج النيران بين أجنح كسيرة لجراحاتي
تورمت مآقيي وتوردت وجناتي أثر دمعاتي
يخرج صوت ألمي بين حشرجة قطعت أوصالي
أغلقت دفتري الذي طالما ما أحتضن مشاعري الثائرة الغاضبة تارة والمتألمة اليائسة تارة أخرى وداعب فرحي وخفف حزني ولوعتي
وعلى وجبة الغذاء لم تجرأ أمي أن تستدعيني لتناول الغذاء معها
وبعد بضع ليالي أقيمت حفلة صغيرة بمنزلنا بمناسبة زواجها من عمي
طبعا لم أحضر الحفل ذهبت لأبات بمنزل صديقتي فاطمة
فاطمة أنها صديقتي أتذكرونها لقد نصحتني بحزم على موقفي هذا ونصحتني وكسرت عنادي حتى أستطيع أن أعتاد العيش في المنزل مع وجود الدخيل ((عمي))
مضت أشهر عدة على زواج أمي وذلك الدخيل كثيرا ما كنت أتحاشاه معرضه عنه حينما التقي به بالمنزل لكونه سلب عرش أبي فقد كان كثيرا ما يحاول التودد إلي والتقرب مني ألا أني أصده بقسوة وبعناد طفل وكما يبدو إنه لم ييأس لكثرة صدودي له فكما أعتقد أنه يعتبرني صغيرة بالسن ولا عتاب علي وأن مسألة تقبل فكرة زواج أمي فقط مسألة وقت لا غير حتى أعتاد الأمر وأراه عكس ما كنت أظنه أعتقده محقا بهذا أن كان هذا تفكيره تجاهي
وذات صباح كانت والدتي والدخيل يتجاذبان أطراف الحديث بالساحة الخلفية للمنزل بينما أنا أطعم عصفوري
وصلني صوت صراخ عمي ((قلت عمي هذه المرة وليس الدخيل هذا يعني أن حبه بدأ يتسلسل إلى داخلي ويستوطن قلبي)) ولكني كنت أرضي عنادي بعكس ذلك
قائلة أن لشدة خوفي وفزعي من صوته الأجش القوي الذي وصلني قلت عمي دون أدراك مني فكان يصرخ تعالي إلى هنا بسرعة يا ابنتي وعندما وصلت لساحة المنزل الخلفية لأرى ما أرعبني أكثر من صوت عمي رأيت الشحوب مرتسم على ملامح وجه أمي والدوار قد غلبها وأعياها حتى سقطت لتكون ضحية وطريحة ذلك الكرسي وبينما الدخيل يحاول إيقاظها وملامح الفزع قد ارتسمت عليه
أجبته والهلع يكاد يخنقني
ماذا حصل
يصرخ مجددا أسرعي لإحضار كوبا من الماء يا ابنتي
أصرخ لا تقل ابنتي
حسنا يا زهراء وإنما أسرعي فالوقت يداهمنا
أسرعت كالبرق وقدمي تسابقان الريح وعدت حاملة كوبا من الماء
رش بعض من القطرات على وجهها حتى استفاقت أمي وأشربها الباقي
أجابت والإعياء يكاد يخنقها ماذا حصل يا جاسم
لقد أغمي عليكِ كما أظن
وصلهم صوتي عليكم بالذهاب للمستشفى وعلى الفور
لا لن أذهب ليس هناك داعي للذهاب
أجبت وإنما
قطع علي حديثي الدخيل سنذهب للمستشفى لنطمأن عليكِ استسلمت أمي لطلبه وذهبوا للمستشفى
بقيت بانتظارهم حتى عادوا يزفون إلي تلك البشارة التي لطالما تمنيت أن تتحقق بعدما أيقنت بإحالة تحقيقها بعد وفاة أبي
أنني حامل يا زهراء ومنذ أسابيع قليلة
تهلل وجهي بالفرح وباغتتني الدموع مجددا وإنما تختلف دموعي هذه المرة فأنها دموع الفرح
حقا ما تقولين يا أماه
أجل يا زهراء صحيح ما تقوله والدتكِ أسرعت لأقبل أمي فرحه قائلة أن شاء الله تكون أختا ضحكوا جميعا إن شاء الله يا زهراء إن كان هذا ما تتمنين
وصلني صوت عمي لقد خفنا أن يضايقكِ هذا الأمر أنزلت رأسي خجلة من موقفي السابق معهما إزاء زواجيهما
فقال ولكن الحمد لله على تقبلكِ لهذا الأمر
فابتسمت ووقفت مودعة إياهم أنا سأدخل لأصعد لغرفتي بعد أن تناولنا وجبة العشاء بسعادة وهناء
فتحت دفتري لأكتب ما أشعر به حيال هذا اليوم وبعد انتهائي أويت للفراش
استيقظت على صوت الآذان أذان الفجر فنهضت لتأدية فريضتي وقرأت بعض الأدعية القصيرة بعد انتهائي من صلاتي لأهديها لروح والدي وأرواح المؤمنين والمؤمنات أجمعين بعدها شعرت بالراحة تسري بعروقي وتدب في أوصالي وتنعشها
فطرأت هذه الفكرة علي
أن أقوم بالاتصال بصديقتي فاطمة
لا بد أنها مستيقظة الآن من أجل تأدية الصلاة
بفور اتصالي لها رفعت سماعة الهاتف كأنها كما لو كانت تنتظر اتصالي وصلني صوتها الشجي الذي يبعث بروحي الأمان والطمأنينة ويشجعني على المضي بهذه الحياة بعد رحيل والدي
صباح الخير
صباح الخير زهراء ما المناسبة لهذا الاتصال المفاجىء وبمثل هذا الوقت
نطقت فرحة
صدق أو لا تصدق
قالت ماذا
أمي حامل
حقا !
أجل إنها حامل، مبروك مقدما أوصلي تبريكاتي لأمكِ
حسنا يا فاطمة
أراك فرحة لهذا الحدث
أجل وكثيرا
عسى أن تدوم عليكِ الفرحة
أجمعين يا رب
أستأذنكِ الآن سأخلد للنوم فلم أنم كفايتي حتى الآن
مع السلامة إذن
مع السلامة
بالصباح بعد تناول فطوري معهما (والدتي وعمي)
ذهب كلا منهما في طريقه للعمل
وأنا كعادتي أمارس مثل الروتين الذي بات يشعرني بالملل
بعد أن أطعمت عصفوري
ورويت ورودي التي بفناء منزلنا الخلفي
ناديت أيلين
أيلين أريدكِ أن تأتي بصحبتي
إلى أين
إلى الشاطىء القريب من منزلنا
وكما تعلمون الشاطىء يكون خاليا في الصباح وخصوصا وسط أيام الأسبوع
حسنا يا زهراء سأكمل أشغالي بالمطبخ وأذهب معكِ ريثما أنتهي
لحين تنتهين أنا سأصعد للشرفة لأستنشق بعض الهواء العليل
اتفقنا إذن
لا تنسي سأكون بانتظارك يا أيلين
وبعد مضي ساعة من الوقت أستعدينا أنا وأيلين للذهاب للشاطىء
فحالما وصلنا جلست أيلين ترتشف عصيرها على كرسيا قريبا مني وبينما هي تراقبني
عندها هممت بالنزول شعرت بقلبي يهب استعدادا للانطلاق قبل انطلاق قدمي وشعرت بنسمات البحر تعانق خصلات الشعر المتطايرة مني مداعبتا إياها
فدونت من الشاطىء لتبدأ مياهه تهاجم قدمي وتبللهم بقطراتها التي وصلت برودتها لأعماق عروقي لتنعشها
فجلست على حبيبات الرمل فيما بعد واستيقظت من حلمي لأرى كيف تعبث أصابعي بتلك الحبيبات الناعمة
شيئا فشيئا حتى أدركني الساحل بكاملي ليبللني من أقمع رجلي حتى رأسي وأمواجه الهادئة تشعل بقلبي ذلك الشوق والحنين للبعيد الذي هو لقلبي أقرب من القريب
فزحفت حاملة جسدي للخارج لأرتمي على الرمال الذهبية وعيناي في تأمل للبحر فأشعر بروحي تحلق بين الغيوم
وفي صبيحة اليوم التالي وصلني صوت عمي مخترقا باب غرفتي والجدار فيكفي أن صوته أجش فكيف تتوقعون صوته يكون حينما يصرخ يربكني يشعرني بالخوف يبعثر كلماتي حتى يجعلني اتأتأ ململمة بقايا شتات الحروف لأرد عليه قائلة بعد أن فتحت الباب وأطلت عليه من الأعلى ماذا دهاك تصرخ هكذا لقد أخفتني
أبتسم هامسا المعذرة وإنما أردت أن أخبرك هناك من يطلبك على الهاتف وكما أعتقد إنها صديقتك فاطمة
أجبته بعد أن ردت روحي إلي بعد أن أخافني حسنا سأرد عليها من غرفتي
فرفعت سماعة الهاتف حتى قام عمي بإغلاق السماعة
صباح الخير فاطمة
صباح النور عزيزتي
لم اتصالك هذا، بسببك أجفلت بسبب صراخ عمي وتعرضت للخوف القاتل لوهلة أفقدني تركيزي
وصلني صوتها ضاحكة
إنك مازلتِ طفلة تخاف الأصوات المرتفعة رغم سنكِ
أجبتها على العموم من لا يخاف الأصوات المرتفعة
ما هذا الضجيج الذي أسمعة
إنها أصوات السيارات والمارة
أصوات السيارات والمارة
أين أنتي؟!
أنا بالسوق أبحث لأعز صديقة بهذا الكون هدية
هدية !لماذا؟
ضحكت أنها بمناسبة اقتراب عيد مولدك
أجبتها أجل لقد نسيت ذلك وشكرا لك على تذكر عيد مولدي
ضحكت مجددا أتعلمين كم سيصبح عمرك أم نسيتي ذلك أيضا
ضحكت على أسلوبها الذي يستفزني لأجيبها فهي تعلم أني كثيرة الصمت، طبعا سأبلغ التاسعة عشر بعد بضعة أسابيع
الحمد لله أنك لم تنسي ذلك
وصلها صوتي المتردد بأن ينطق بأخر كلماته ولكن
ولكن ماذا يا زهراء!
سأبلغ قريبا التاسعة عشر ومازلت بداخلي طفلة ترفض أن تكبر
ماذا تهذين
لا أهذي وإنما الآن أستودعك في رعاية الله
في أمانه ورعايته
وأغقلت سماعة الهاتف وذهبت متوجهة بطريقي لإطعام عصفوري فلابد إنه جائع الآن
فهذا الصباح قد تأخرت في إطعامه
وأنا أنزل عتبات الدرج
تذكرت قول الرحمن:يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات
يا ألهي لقد نسيت أمر الجامعة فموعد اقترابها قريب جدا وموعد اقتراب ولادة أمي كذلك قريبا بنفس يوم ذكرى عيد مولدي ونسيت أن أكلمهم فيما يدور بفكري الآن سأطعم عصفوري وهذا الموضوع سأفاتحهم به قريبا
تساءلت اليوم لم أرى أمي!
فمررت بعمي الذي يشاهد التلفاز بغرفة الجلوس
عمي
نعم يا زهراء
أين أمي لم أرها هذا الصباح!