ثنوى
03-07-06, 11:52 AM
نقلت لكم هذه القصه
العجيبه
&
&
*
*
>>
>>حين تقدمتُ لخطبة زميلتي التي تعمل معي في قسم المشتريات، لم تعترض
>>لأني متزوج أو لدي أبناء أصغرهم في الثالثة، أو أني كبير السن بالنسبة
>>لها، فإني فوق الأربعين بسنتين وهي فوق الخامسة والعشرين بسنة، بل
>>اعترضت على "كرشي". قالت إني سمين جداً, ولي كرش وكأنني لست شاباً في
>>الأربعين، وأضافت أن السمنة والكرش لم يعودا مشكلة اليوم، لأن عمليات
>>"شفط الدهون" منتشرة في المستشفيات الخاصة كما في المستشفيات
>>الحكومية.
>>
>>قبل أن أقرر الذهاب لمستشفى حكومي, ذهبت إلى مستشفى خاص. وبعد الكشف
>>الذي دفعت فيه ثلاثمائة درهم، أخبروني أن عملية شفط الدهون الواحدة
>>ستكلفني ثلاثين ألف درهم، وأن لي كرشاً كبيراً, وقد أحتاج إلى أكثر من
>>عملية حتى أتخلص من جميع الدهون في بطني. بلعتُ ريقي وخرجت. أخبرني
>>أحدهم بعدها أن أحد المستشفيات الحكومية يقوم بنفس العملية وبدون أجر.
>>ذهبت دون تردد، وحين سألت الطبيب عن مضار العملية، قال: ليس لها مضار
>>جانبية، لكنها
>>كغيرها من العمليات حتى وإن كانت بسيطة، قد يكون هناك مضار للتخدير.
>>طمأنتُ نفسي أن ذلك ليس مخاطرة حقيقية، فالآلاف يدخلون غرف العمليات
>>ويخرجون سالمين، فلماذا أنا الوحيد الذي سوف يدخل ولا يخرج؟ وفي
>>الواقع هذه العملية تستحق مني المغامرة، فزوجتي بعد خمسة أطفال أصبحت
>>مستهلكة، تحتاج للمزيد من السمكرة وقطع الغيار، وستكلفني أكثر من قيمة
>>هذه العملية، أو زواجي الثاني، والفتيات يجرين خلفي وأنا بكرش، فكيف
>>وأنا بدونه، وزواجي من أخرى تخاف أن يفوتها قطار الزواج، سيعيدني
>>شاباً وعريساً مرة أخرى, ويعطيها هي الفرصة للموت متزوجة بدل أن تموت
>>عزباء.
>>
>>لم أكن خائفاً، حين بدلت ملابسي ولبست ملابس العملية، ولا حتى حين نمت
>>على السرير المتنقل, ولا وهم يدخلونني إلى غرفة العمليات، التي كانت
>>مثل أية غرفة عمليات، يملؤها اللون الأخضر في كل مكان. كانت الأقدام
>>تتردد في الغرفة داخلة وخارجة. لم أميز أحداً. جاء أحدهم يبتسم لي
>>وأخبرني أنه طبيب التخدير، وأخبرني أنه سوف يبدأ بتخديري. بعد أن قام
>>بتخديري سألني أن أعد حتى العشرة. لا أتذكر إلى أي رقم عددت, ولكنني
>>شعرت بأني أطفو
>>فوق جسدي، وأني أطير في سقف الغرفة حتى جلست مقرفصاً فوق أحد الأرفف
>>أنظر إلى ما يحدث لي.
>>
>>رأيتني نائماً وطبيب التخدير وطبيب آخر يقولان بعض النكات والتعليقات
>>على بطني، جاء الطبيب المعالج ومعه ممرضتان. يبدو أن كرشي كان كبيراً
>>جداً لدرجة أن ممرضة واحدة كانت لا تكفي. أحضرتا جهازاً يشبه الإبرة
>>وأدخلتاه في كرشي. بدا لي بارداً حينما وضعتاه على بطني. مر الوقت
>>بطيئاً ومملاً، وهم يشفطون الدهون الذائبة من ثقوب في أسفل بطني من
>>خلال خرطوم نحيل أبيض ويسقطونها في دلو صغير أبيض أيضاً، كان شكل
>>الدهن مقرفاً، وازداد قرفاً حين بدأ يختلط بالدم.
>>
>>بعد أن انتهوا, رأيت بطني وقد صار صغيراً. كان من المفترض أن أخرج من
>>غرفة العمليات، لكن الطبيب بدأ بعملية شد لبطني، التي لم أكن مهيأً
>>لها، فوضع مشرطاً أسفل بطني، ورأيت الدم يتدفق، لكنني لا أدري لِمَ
>>صاروا يتراكضون في كل مكان؟ ولِمَ صوت الجهاز الذي يقيس دقات القلب
>>صار عالياً؟ فجأة سمعتهم يقولون أني ميت. حاولت أن أخبرهم بأني حي،
>>لكنهم لم يكونوا يروني، فقط كانوا يرون جسدي المسجى على طاولة
>>العملية. غطوا وجهي، ونسوا
>>أن يخيطوا بطني المفتوح، وأخذ الطبيب يلوم طبيب البنج لأنه لم يعطني
>>الجرعة الكافية. إذن فطبيب التخدير قتلني.
>>
>>تركوني وخرجوا من الغرفة، نظرتُ إليّ، تفحصتُ وجهي، وتفحصت جرحي، ثم
>>بكيتُ. سمعت أصواتاً وضجيجاً قرب الباب، كان أخي وكانت زوجتي, وسمعتها
>>وهي تندفع نحو الباب لتراني آخر مرة، وسمعت أخي يحاول منعها، ثم
>>سمعتهما يبتعدان. رقدتُ بالقرب من جسدي وحضنتني، فلربما بعثت الدفء في
>>جسدي، لم أستطع العودة إليه، ظللت معه فقط. مر ما يقارب الساعة حين
>>جاء ممرضان وأخذاني إلى ثلاجة المستشفى. فتحا أحد الأدراج ودفعاني
>>فيه. ظللت أراقب غرفة
>>الثلاجة، وأنا أنتظر أحداً يأتي ويأخذني. لا أدري لِمَ تأخروا بأخذي.
>>أشفقت على نفسي وأنا في الثلاجة.
>>
>>لم يعد الأطباء يهتمون بجرحي المفتوح، وأهلي عاملوني على أني ميت
>>وتركوني في الثلاجة. مرت ساعة أخرى قبل أن يأتي إليّ أبي وأخواي
>>اللذان يصغراني بكثير. فتح لهم الممرض الدرج الذي أرقد فيه. وقعوا على
>>بعض الأوراق. أخرجوني في ملابس (كفن) بيضاء، لا أتذكر متى ألبسوني
>>إياه. وضعوني في سيارة إسعاف. ركب أبي وأحد أخوتي معي، والآخر عاد إلى
>>البيت بالسيارة التي جاؤوا فيها. بدت رحلة العودة إلى البيت طويلة،
>>كان أبي وأخي ينظران
>>إلى بعضهما والدموع تترقرق في عيونهما، لا هي تعود إلى مآقيها، ولا
>>تنساب على خديهما. كان كل منهما خجلاً من ذرف الدمع أمام الآخر، فبكيت
>>لحزنمها على فراقي. سمعت أبي يقول لنفسه: ليته لم يدخل غرفة العمليات.
>>وسمعت أخي يقول لحاله: ليته لم ينوِ الزواج بأخرى. وصلت سيارة الإسعاف
>>إلى البيت، أنزلوني، وضعوني على "الانترلوك" بدون واقٍ. ذهب أخي
>>الأصغر مسرعاً وأحضر مخدة ليضعها تحت رأسي. أشار له أبي بأن لا فائدة.
>>عاد أخي بمخدته وقلبه يتمزق، والدمع يبلل رموشه.
>>
>>جاء المغسل، وآخرون حملوني ووضعوني على سرير بدون مرتبة، مائل والجزء
>>السفلي منه ساقط في حفرة، عندما سأل أحد إخوتي الصغار عن السبب, رد
>>عليه أحدهم: حتى يتمكنوا من دفن بقايا غسلي في التراب. رأيتهم محتارين
>>في جرحي شبه المفتوح، كانت الدماء تختلط بالماء. ربطوه بطريقة ما حتى
>>لا تخرج أمعائي من بطني. ألبسوني قميصاً أبيض طويلاً بلا أكمام ولا
>>إزار, مخاط بطريقة لم أعرفها. أدخلوني غرفة المجلس لأنها كانت الأقرب
>>إلى مكان الغسل.
>>وضعوني على فرش كان هناك لهذا الغرض. وضعوا لي العطر والكافور في كل
>>مكان من جسدي، وركزوا وضعه على لحيتي. لم تكن لي لحية طويلة, لكنهم
>>حاولوا سمتها لاعتقادهم بأن الملكين سوف يسحباني منها، ثم قمطوني من
>>أعلى رأسي حتى أخمص قدمي، ثم قاموا بقص القماط عن وجهي، ثم غطوني
>>بأكملي. خرج الرجال من الغرفة ونادوا بناتي وزوجتي وأخواتي.
>>
>>جاءت ابنتي الكبرى سجدت عليّ، وقبلتني على رأسي وطلبت مسامحتي، وبكتني
>>كثيراً. رأيت عينها تبكي ورأيت قلبها يبكي أيضاً. لم أجد ما أسامحها
>>عليه، فهي لم تخطئ في حقي أبداً. كانت مثال الابنة التي يتمناها أي
>>أب. بكيت لبكائها, وكم وددت بأن أرفعها عني وأضمها إلي، وأخبرها بأن
>>لا تحزن فهذه نهاية كل حي، وأنه لا دائم إلا وجهه، وأنها يجب أن تهتم
>>بدراستها وإخوانها الصغار. رفعتها زوجتي عني، وسألت ابنتيّ الصغيرتين
>>بالاقتراب وتقبيلي
>>على المكان الذي اعتقدت بأنه جبيني. قبلنني لكنهنّ لم يكنّ يَعينَ
>>شيئاً، حتى أنهنّ لم يعين أن النائم هناك كان أنا، والدهنّ. اقتربتْ
>>مني زوجتي لتقبلني، لكن أخواتي منَعْنَها وقُلْنَ أني محرم عليها لأني
>>ميت. لا أدري لِمَ أنا محرم عليها، إذا كانت هي لا تزال زوجتي وستقعد
>>دَيني لأكثر من أربعة أشهر. شعرت بها وهي تبتعد عني ببطء اليائس.
>>بكتني بحرقة. لم أتوقع أنها ستبكيني بهذه الحرقة بعد كل ما فعلته بها.
>>كانت زوجة صالحة، وما كنت لأراها بهذا الصلاح لو لم أكن مستلقياً في
>>هذا المكان. أحسست بصراع عميق بين دموعها وقلبها وعقلها، ورأيت عقلها
>>يخبرها بأني ميت، ورأيت قلبها ينفي ذلك، بل رأيتني حياً أرتع في ربوعه
>>لا يشاركني فيه أحد حتى أبنائي.
>>
>>جاءت أمي، انحنت عليّ، بكتني بصمت كما عهدتها، فهي لم تُرِ أياً منّا
>>مشاعرها. همستْ لي بأن أسامحها، وقالت لي فديتك يا بني. لا أدري كيف
>>كانت ستفديني وأنا ميت, ولا أدري كيف يمكن لإنسان أن يفدي ميتاً،
>>لكنها حتماً قالتها من حبها لي. شعرت بمغناطيسية هذا الحب. لم أكن
>>أريدها أن تبعد. كنت أودها أن تبقى بقربي أقصى ما تستطيع، لكن أخواتي
>>أخبرنها بأن لا ترهق نفسها، وبأن ربي أحبني لذلك أخذني بقربه. رفعنَها
>>وأخرجنها من الغرفة
>>وتداورن بي، قبلنني, طلبنَ مسامحتي, بكينني، أخبرنني بقلوبهنّ أنهنّ
>>لن يتحملن بعدي، حتى وإن كثر إخواني، فأنا كنت بمثابة الأب المتفهم
>>لديهنّ، كنت الجسر الواصل بين جيل أبي المتعسف وجيلهنّ جيل المحطات
>>الفضائية والإنترنت. بكينني بحرقة أحسست لسعها في دموعهن. كم تمنيت لو
>>أجلس بينهنّ أكفكف دموعهنّ، وأقول لهنّ النكات كما اعتدنَ مني, ومن ثم
>>أخبرهن بأني سأكون بخير، وسيكنّ بخير بدوني, وبأننا حتما سنلتقي، فلقد
>>لقينا نفس التربية, والذي جمعنا في الدنيا لابد أنه جامعنا في الآخرة.
>>
>>استغربتُ الهدوء الذي عمّ المكان، واستغربت الأنظار تتجه نحو المرأة
>>القادمة. عرفت تلك المرأة من رائحتها وهيئتها. إنها المرأة التي أنوي
>>أن أتزوج. جاءت تدعي البكاء وتتهدج. حاولت أن تسجد عليّ لتقبلني.
>>تمنيت أن يبعدوها عني. حمدت ربي أن أخواتي فعلنَ. رأيت عيني زوجتي
>>تخرج من جفونها. شممت رائحة غريبة لا أدري إن كانت شماتة أم ماذا.
>>سمعت لسان حالها يقول الحمد لله أني أصبحت أرملة وأنا عذراء، حتى لا
>>تفوتني فرصة الزواج مرة
>>أخرى. تمنيت أن يلقوها خارجاً. تمنيت أن أخبرها بأن الحمد لله أني لم
>>أعاشر امرأة مثلها.
>>
>>جاء إخوتي، فأخرجوا زوجتي وأخواتي وبناتي. وضعوني في النعش، وغطوني
>>بغطاء أسود. خيم عليّ ظلام، ونحن ما زلنا في العصر. خفت من وحدتي.
>>أخذوني إلى المسجد. سمعت الناس يصلون صلاة العصر، فتتبعتها معهم،
>>وتمنيت لو أني أستطيع القيام والصلاة معهم، وندمت أني لم أكن أصلي
>>جميع الصلوات في المسجد. قدموني أمامهم، وصلوا عليّ تلك الصلاة التي
>>لا ركوع لها ولا سجود. لا أتذكر كم مرة صليت تلك الصلاة. ثم حملوني
>>على الأكتاف. كانوا يتناوبون
>>في حملي طلباً للأجر. لا أدري كم ميتاً حملت على كتفي. أخذوني إلى
>>السيارة، ووضعوني فيها. كانت رحلة أخرى إلى المقبرة. لم يركب معي أحد،
>>بل تركوني خارجاً في الشمس ولحقوني بسياراتهم المبردة.
>>
>>كان القبر جاهزاً حين وصلنا. دخل أبي وأخي في القبر، وأوصلني لهم أناس
>>لا أعرفهم أدخلوني في لحدي. كان واسعاً، فلم يحتاجوا إلى توسيعه.
>>وضعوني على جنبي الأيمن ووضعوا علي اللبن حتى لا ينهال عليّ التراب.
>>أحسست بالوحشة وبالظلمة. سمعت أقدامهم تبتعد عني. تمنيت لو أستطيع أن
>>أناديهم أن يبقوا معي قليلاً، لكني لم أستطع. حاولت الجلوس وتحريك
>>فكي.
>>
>>صرخت، قفزت...
>>
>>فرأيتني في سريري وزوجتي ترقد بقربي. حمدت الله أن لا تزال لدي الفرصة
>>للاعتذار منها. تشهدت، فسمعتني زوجتي وأنا أتشهد.
>>
>>استيقظتْ وسألتْني إن كنت بخير. أحضرتْ لي بعض الماء، وحضنتني بحنان،
>>وأخذت تقرأ عليّ ما تحفظه من القرآن، حتى غططتُ مرة أخرى بالنوم، ولم
>>استيقظ إلا على أذان الفجر.
>>
>>كانت المرة الأولى التي أصحو فيها على صوت الأذان بدون منبه. قفزت إلى
>>الحمام وأخذت حماماً دافئاً قبل أن أتوجه إلى صلاة الفجر
>>
>>
العجيبه
&
&
*
*
>>
>>حين تقدمتُ لخطبة زميلتي التي تعمل معي في قسم المشتريات، لم تعترض
>>لأني متزوج أو لدي أبناء أصغرهم في الثالثة، أو أني كبير السن بالنسبة
>>لها، فإني فوق الأربعين بسنتين وهي فوق الخامسة والعشرين بسنة، بل
>>اعترضت على "كرشي". قالت إني سمين جداً, ولي كرش وكأنني لست شاباً في
>>الأربعين، وأضافت أن السمنة والكرش لم يعودا مشكلة اليوم، لأن عمليات
>>"شفط الدهون" منتشرة في المستشفيات الخاصة كما في المستشفيات
>>الحكومية.
>>
>>قبل أن أقرر الذهاب لمستشفى حكومي, ذهبت إلى مستشفى خاص. وبعد الكشف
>>الذي دفعت فيه ثلاثمائة درهم، أخبروني أن عملية شفط الدهون الواحدة
>>ستكلفني ثلاثين ألف درهم، وأن لي كرشاً كبيراً, وقد أحتاج إلى أكثر من
>>عملية حتى أتخلص من جميع الدهون في بطني. بلعتُ ريقي وخرجت. أخبرني
>>أحدهم بعدها أن أحد المستشفيات الحكومية يقوم بنفس العملية وبدون أجر.
>>ذهبت دون تردد، وحين سألت الطبيب عن مضار العملية، قال: ليس لها مضار
>>جانبية، لكنها
>>كغيرها من العمليات حتى وإن كانت بسيطة، قد يكون هناك مضار للتخدير.
>>طمأنتُ نفسي أن ذلك ليس مخاطرة حقيقية، فالآلاف يدخلون غرف العمليات
>>ويخرجون سالمين، فلماذا أنا الوحيد الذي سوف يدخل ولا يخرج؟ وفي
>>الواقع هذه العملية تستحق مني المغامرة، فزوجتي بعد خمسة أطفال أصبحت
>>مستهلكة، تحتاج للمزيد من السمكرة وقطع الغيار، وستكلفني أكثر من قيمة
>>هذه العملية، أو زواجي الثاني، والفتيات يجرين خلفي وأنا بكرش، فكيف
>>وأنا بدونه، وزواجي من أخرى تخاف أن يفوتها قطار الزواج، سيعيدني
>>شاباً وعريساً مرة أخرى, ويعطيها هي الفرصة للموت متزوجة بدل أن تموت
>>عزباء.
>>
>>لم أكن خائفاً، حين بدلت ملابسي ولبست ملابس العملية، ولا حتى حين نمت
>>على السرير المتنقل, ولا وهم يدخلونني إلى غرفة العمليات، التي كانت
>>مثل أية غرفة عمليات، يملؤها اللون الأخضر في كل مكان. كانت الأقدام
>>تتردد في الغرفة داخلة وخارجة. لم أميز أحداً. جاء أحدهم يبتسم لي
>>وأخبرني أنه طبيب التخدير، وأخبرني أنه سوف يبدأ بتخديري. بعد أن قام
>>بتخديري سألني أن أعد حتى العشرة. لا أتذكر إلى أي رقم عددت, ولكنني
>>شعرت بأني أطفو
>>فوق جسدي، وأني أطير في سقف الغرفة حتى جلست مقرفصاً فوق أحد الأرفف
>>أنظر إلى ما يحدث لي.
>>
>>رأيتني نائماً وطبيب التخدير وطبيب آخر يقولان بعض النكات والتعليقات
>>على بطني، جاء الطبيب المعالج ومعه ممرضتان. يبدو أن كرشي كان كبيراً
>>جداً لدرجة أن ممرضة واحدة كانت لا تكفي. أحضرتا جهازاً يشبه الإبرة
>>وأدخلتاه في كرشي. بدا لي بارداً حينما وضعتاه على بطني. مر الوقت
>>بطيئاً ومملاً، وهم يشفطون الدهون الذائبة من ثقوب في أسفل بطني من
>>خلال خرطوم نحيل أبيض ويسقطونها في دلو صغير أبيض أيضاً، كان شكل
>>الدهن مقرفاً، وازداد قرفاً حين بدأ يختلط بالدم.
>>
>>بعد أن انتهوا, رأيت بطني وقد صار صغيراً. كان من المفترض أن أخرج من
>>غرفة العمليات، لكن الطبيب بدأ بعملية شد لبطني، التي لم أكن مهيأً
>>لها، فوضع مشرطاً أسفل بطني، ورأيت الدم يتدفق، لكنني لا أدري لِمَ
>>صاروا يتراكضون في كل مكان؟ ولِمَ صوت الجهاز الذي يقيس دقات القلب
>>صار عالياً؟ فجأة سمعتهم يقولون أني ميت. حاولت أن أخبرهم بأني حي،
>>لكنهم لم يكونوا يروني، فقط كانوا يرون جسدي المسجى على طاولة
>>العملية. غطوا وجهي، ونسوا
>>أن يخيطوا بطني المفتوح، وأخذ الطبيب يلوم طبيب البنج لأنه لم يعطني
>>الجرعة الكافية. إذن فطبيب التخدير قتلني.
>>
>>تركوني وخرجوا من الغرفة، نظرتُ إليّ، تفحصتُ وجهي، وتفحصت جرحي، ثم
>>بكيتُ. سمعت أصواتاً وضجيجاً قرب الباب، كان أخي وكانت زوجتي, وسمعتها
>>وهي تندفع نحو الباب لتراني آخر مرة، وسمعت أخي يحاول منعها، ثم
>>سمعتهما يبتعدان. رقدتُ بالقرب من جسدي وحضنتني، فلربما بعثت الدفء في
>>جسدي، لم أستطع العودة إليه، ظللت معه فقط. مر ما يقارب الساعة حين
>>جاء ممرضان وأخذاني إلى ثلاجة المستشفى. فتحا أحد الأدراج ودفعاني
>>فيه. ظللت أراقب غرفة
>>الثلاجة، وأنا أنتظر أحداً يأتي ويأخذني. لا أدري لِمَ تأخروا بأخذي.
>>أشفقت على نفسي وأنا في الثلاجة.
>>
>>لم يعد الأطباء يهتمون بجرحي المفتوح، وأهلي عاملوني على أني ميت
>>وتركوني في الثلاجة. مرت ساعة أخرى قبل أن يأتي إليّ أبي وأخواي
>>اللذان يصغراني بكثير. فتح لهم الممرض الدرج الذي أرقد فيه. وقعوا على
>>بعض الأوراق. أخرجوني في ملابس (كفن) بيضاء، لا أتذكر متى ألبسوني
>>إياه. وضعوني في سيارة إسعاف. ركب أبي وأحد أخوتي معي، والآخر عاد إلى
>>البيت بالسيارة التي جاؤوا فيها. بدت رحلة العودة إلى البيت طويلة،
>>كان أبي وأخي ينظران
>>إلى بعضهما والدموع تترقرق في عيونهما، لا هي تعود إلى مآقيها، ولا
>>تنساب على خديهما. كان كل منهما خجلاً من ذرف الدمع أمام الآخر، فبكيت
>>لحزنمها على فراقي. سمعت أبي يقول لنفسه: ليته لم يدخل غرفة العمليات.
>>وسمعت أخي يقول لحاله: ليته لم ينوِ الزواج بأخرى. وصلت سيارة الإسعاف
>>إلى البيت، أنزلوني، وضعوني على "الانترلوك" بدون واقٍ. ذهب أخي
>>الأصغر مسرعاً وأحضر مخدة ليضعها تحت رأسي. أشار له أبي بأن لا فائدة.
>>عاد أخي بمخدته وقلبه يتمزق، والدمع يبلل رموشه.
>>
>>جاء المغسل، وآخرون حملوني ووضعوني على سرير بدون مرتبة، مائل والجزء
>>السفلي منه ساقط في حفرة، عندما سأل أحد إخوتي الصغار عن السبب, رد
>>عليه أحدهم: حتى يتمكنوا من دفن بقايا غسلي في التراب. رأيتهم محتارين
>>في جرحي شبه المفتوح، كانت الدماء تختلط بالماء. ربطوه بطريقة ما حتى
>>لا تخرج أمعائي من بطني. ألبسوني قميصاً أبيض طويلاً بلا أكمام ولا
>>إزار, مخاط بطريقة لم أعرفها. أدخلوني غرفة المجلس لأنها كانت الأقرب
>>إلى مكان الغسل.
>>وضعوني على فرش كان هناك لهذا الغرض. وضعوا لي العطر والكافور في كل
>>مكان من جسدي، وركزوا وضعه على لحيتي. لم تكن لي لحية طويلة, لكنهم
>>حاولوا سمتها لاعتقادهم بأن الملكين سوف يسحباني منها، ثم قمطوني من
>>أعلى رأسي حتى أخمص قدمي، ثم قاموا بقص القماط عن وجهي، ثم غطوني
>>بأكملي. خرج الرجال من الغرفة ونادوا بناتي وزوجتي وأخواتي.
>>
>>جاءت ابنتي الكبرى سجدت عليّ، وقبلتني على رأسي وطلبت مسامحتي، وبكتني
>>كثيراً. رأيت عينها تبكي ورأيت قلبها يبكي أيضاً. لم أجد ما أسامحها
>>عليه، فهي لم تخطئ في حقي أبداً. كانت مثال الابنة التي يتمناها أي
>>أب. بكيت لبكائها, وكم وددت بأن أرفعها عني وأضمها إلي، وأخبرها بأن
>>لا تحزن فهذه نهاية كل حي، وأنه لا دائم إلا وجهه، وأنها يجب أن تهتم
>>بدراستها وإخوانها الصغار. رفعتها زوجتي عني، وسألت ابنتيّ الصغيرتين
>>بالاقتراب وتقبيلي
>>على المكان الذي اعتقدت بأنه جبيني. قبلنني لكنهنّ لم يكنّ يَعينَ
>>شيئاً، حتى أنهنّ لم يعين أن النائم هناك كان أنا، والدهنّ. اقتربتْ
>>مني زوجتي لتقبلني، لكن أخواتي منَعْنَها وقُلْنَ أني محرم عليها لأني
>>ميت. لا أدري لِمَ أنا محرم عليها، إذا كانت هي لا تزال زوجتي وستقعد
>>دَيني لأكثر من أربعة أشهر. شعرت بها وهي تبتعد عني ببطء اليائس.
>>بكتني بحرقة. لم أتوقع أنها ستبكيني بهذه الحرقة بعد كل ما فعلته بها.
>>كانت زوجة صالحة، وما كنت لأراها بهذا الصلاح لو لم أكن مستلقياً في
>>هذا المكان. أحسست بصراع عميق بين دموعها وقلبها وعقلها، ورأيت عقلها
>>يخبرها بأني ميت، ورأيت قلبها ينفي ذلك، بل رأيتني حياً أرتع في ربوعه
>>لا يشاركني فيه أحد حتى أبنائي.
>>
>>جاءت أمي، انحنت عليّ، بكتني بصمت كما عهدتها، فهي لم تُرِ أياً منّا
>>مشاعرها. همستْ لي بأن أسامحها، وقالت لي فديتك يا بني. لا أدري كيف
>>كانت ستفديني وأنا ميت, ولا أدري كيف يمكن لإنسان أن يفدي ميتاً،
>>لكنها حتماً قالتها من حبها لي. شعرت بمغناطيسية هذا الحب. لم أكن
>>أريدها أن تبعد. كنت أودها أن تبقى بقربي أقصى ما تستطيع، لكن أخواتي
>>أخبرنها بأن لا ترهق نفسها، وبأن ربي أحبني لذلك أخذني بقربه. رفعنَها
>>وأخرجنها من الغرفة
>>وتداورن بي، قبلنني, طلبنَ مسامحتي, بكينني، أخبرنني بقلوبهنّ أنهنّ
>>لن يتحملن بعدي، حتى وإن كثر إخواني، فأنا كنت بمثابة الأب المتفهم
>>لديهنّ، كنت الجسر الواصل بين جيل أبي المتعسف وجيلهنّ جيل المحطات
>>الفضائية والإنترنت. بكينني بحرقة أحسست لسعها في دموعهن. كم تمنيت لو
>>أجلس بينهنّ أكفكف دموعهنّ، وأقول لهنّ النكات كما اعتدنَ مني, ومن ثم
>>أخبرهن بأني سأكون بخير، وسيكنّ بخير بدوني, وبأننا حتما سنلتقي، فلقد
>>لقينا نفس التربية, والذي جمعنا في الدنيا لابد أنه جامعنا في الآخرة.
>>
>>استغربتُ الهدوء الذي عمّ المكان، واستغربت الأنظار تتجه نحو المرأة
>>القادمة. عرفت تلك المرأة من رائحتها وهيئتها. إنها المرأة التي أنوي
>>أن أتزوج. جاءت تدعي البكاء وتتهدج. حاولت أن تسجد عليّ لتقبلني.
>>تمنيت أن يبعدوها عني. حمدت ربي أن أخواتي فعلنَ. رأيت عيني زوجتي
>>تخرج من جفونها. شممت رائحة غريبة لا أدري إن كانت شماتة أم ماذا.
>>سمعت لسان حالها يقول الحمد لله أني أصبحت أرملة وأنا عذراء، حتى لا
>>تفوتني فرصة الزواج مرة
>>أخرى. تمنيت أن يلقوها خارجاً. تمنيت أن أخبرها بأن الحمد لله أني لم
>>أعاشر امرأة مثلها.
>>
>>جاء إخوتي، فأخرجوا زوجتي وأخواتي وبناتي. وضعوني في النعش، وغطوني
>>بغطاء أسود. خيم عليّ ظلام، ونحن ما زلنا في العصر. خفت من وحدتي.
>>أخذوني إلى المسجد. سمعت الناس يصلون صلاة العصر، فتتبعتها معهم،
>>وتمنيت لو أني أستطيع القيام والصلاة معهم، وندمت أني لم أكن أصلي
>>جميع الصلوات في المسجد. قدموني أمامهم، وصلوا عليّ تلك الصلاة التي
>>لا ركوع لها ولا سجود. لا أتذكر كم مرة صليت تلك الصلاة. ثم حملوني
>>على الأكتاف. كانوا يتناوبون
>>في حملي طلباً للأجر. لا أدري كم ميتاً حملت على كتفي. أخذوني إلى
>>السيارة، ووضعوني فيها. كانت رحلة أخرى إلى المقبرة. لم يركب معي أحد،
>>بل تركوني خارجاً في الشمس ولحقوني بسياراتهم المبردة.
>>
>>كان القبر جاهزاً حين وصلنا. دخل أبي وأخي في القبر، وأوصلني لهم أناس
>>لا أعرفهم أدخلوني في لحدي. كان واسعاً، فلم يحتاجوا إلى توسيعه.
>>وضعوني على جنبي الأيمن ووضعوا علي اللبن حتى لا ينهال عليّ التراب.
>>أحسست بالوحشة وبالظلمة. سمعت أقدامهم تبتعد عني. تمنيت لو أستطيع أن
>>أناديهم أن يبقوا معي قليلاً، لكني لم أستطع. حاولت الجلوس وتحريك
>>فكي.
>>
>>صرخت، قفزت...
>>
>>فرأيتني في سريري وزوجتي ترقد بقربي. حمدت الله أن لا تزال لدي الفرصة
>>للاعتذار منها. تشهدت، فسمعتني زوجتي وأنا أتشهد.
>>
>>استيقظتْ وسألتْني إن كنت بخير. أحضرتْ لي بعض الماء، وحضنتني بحنان،
>>وأخذت تقرأ عليّ ما تحفظه من القرآن، حتى غططتُ مرة أخرى بالنوم، ولم
>>استيقظ إلا على أذان الفجر.
>>
>>كانت المرة الأولى التي أصحو فيها على صوت الأذان بدون منبه. قفزت إلى
>>الحمام وأخذت حماماً دافئاً قبل أن أتوجه إلى صلاة الفجر
>>
>>