المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : && نماذج قصصية في أدب الأطفال &&


حسن خليل
24-04-06, 11:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

يسرني أن أقدم بعض النماذج القصصية في أدب الأطفال راجياً أن نستفيد منها نحن وأطفالنا.

ويطيب لي أن أضع لكم فهرساً مبسطاً لترتيب هذه القصص وأسمائها ومكان تواجدها حسب الصفحات:

القصة الأولى: ميلاد لولو (الصفحة الأولى)

القصة الثانية: لا تبردي يا قطتي (الصفحة الأولى)

القصة الثالثة: ألحان النسمة الباردة (الصفحة الأولى)

القصة الرابعة: غضب الطبيعة (الصفحة الأولى)

القصة الخامسة: بين الحيوانين (الصفحة الثانية)

القصة السادسة: حلم في حديقة الحيوانات (الصفحة الثانية)

القصة السابعة: حارس البستان (الصفحة الثانية)

القصة الثامنة: مغامرات تاله (الصفحة الثانية)

القصة التاسعة: كعكات جدتي (الصفحة الثانية)

القصة العاشرة: حكمة الهدهد (الصفحة الثالثة)

القصة الحادية عشرة: أحلام صبي (الصفحة الثالثة)

القصة الثانية عشرة: مملكة الكراسي الخشبية (الصفحة الثالثة)

القصة الثالثة عشر: متفرقات - قصص قصير جداً - (الصفحة الثالثة)

القصة الرابعة عشر: من أجل قطرة ماء (الصفحة الرابعة)

القصة الخامسة عشر: الأرنوب (الصفحة الرابعة)

القصة السادسة عشر: صورة الزعيم (الصفحة الرابعة)

القصة السابعة عشر: القويقة (الصفحة الرابعة)

القصة الثامنة عشر: القلم الساحر (الصفحة الرابعة)

القصة التاسعة عشر: معنى القوة (الصفحة الرابعة)

القصة العشرون: الحمامة الذهبية (الصفحة الخامسة)

القصة الواحدة والعشرون: أرنوب والتفاح (الصفحة الخامسة)

القصة الثانية والعشرون: لولو تكتشف الطبيعة (الصفحة الخامسة)

القصة الثالثة والعشرون: لماذا سكت النهر (الصفحة الخامسة)

القصة الرابعة والعشرون: رندا تلعب (الصفحة الخامسة)

القصة الخامسة والعشرون: القط الذي لا يحب المطر (الصفحة الخامسة)

القصة السادسة والعشرون: الريح (الصفحة الخامسة)

القصة السابعة والعشرون: الجني (الصفحة السادسة)

القصة الثامنة والعشرون: البطة (الصحفة السادسة)

القصة التاسعة والعشرون: الغيمة والريح والفلاح (الصفحة السابعة)

القصة الثلاثون: اليد أولاً (الصفحة السابعة)

القصة الواحدة والثلاثون: مساكن للعصافير (الصفحة السابعة)

القصة الثانية والثلاثون: دجاجتي العقيم‏ (الصفحة السابعة)

القصة الثالثة والثلاثون: العصفور والطائرة (الصفحة السابعة)

القصة الرابعة والثلاثون: الأعمى والأصم (الصفحة السابعة)

القصة الخامسة والثلاثون: العقل الكبير (الصحفة السابعة)

القصة السادسة والثلاثون: ريبورت مشاغب (الصفحة السابعة)

القصة السابعة والثلاثون: تحدي سكان القمر (الصفحة السابعة)

القصة الثامنة والثلاثون: الليل والأطفال (الصفحة السابعة)

القصة التاسعة والثلاثون: لو كنت حصاناً (الصفحة الثامنة)

القصة الأربعون: نشوان وألعابه (الصفحة الثامنة)

القصة الواحدة والأربعون: ذات ليلة (الصفحة الثامنة)

القصة الثانية والأربعون: الأقوى (الصحفة الثامنة)

القصة الثالثة والأربعون: حكاية المهر "دحنون (الصفحة الثامنة)

القصة الرابعة والأربعون: حديقة الالحان (الصفحة الثامنة)

القصة الخامسة والأربعون: متعة الحياة (الصفحة الثامنة)

القصة السادسة والأربعون: الخيمة المستكشفة (الصفحة التاسعة)

القصة السابعة والأربعون: صراع الحواس (الصفحة التاسعة)

القصة الثامنة والأربعون: أسرار حرب الكائنات الحية (الصفحة التاسعة)

القصة التاسعة والأربعون: النزهة المؤجلة (الصفحة العاشرة)

القصة الخمسون: الزرزور الرمادي (الصفحة العاشرة)

القصة الواحدة والخمسون: تحولات طفلة (الصفحة العاشرة)

القصة الثانية والخمسون: ليلى والذئب (الصفحة الحادية عشرة)

القصة الثالثة والخمسون: الحصان المسحور (الصفحة الحادية عشرة)

القصة الرابعة والخمسون: المهرجان (الصفحة الحادية عشرة)

القصة الخامسة والخمسون: أعواد القصب (الصفحة الحادية عشرة)

القصة السادسة والخمسون: الحاكم العادل (الصحفة الحادية عشرة)

القصة السابعة والخمسون: لعبة مسلية (الصحفة الحادية عشرة)

القصة الثامنة والخمسون: الدجاجة الشجاعة (الصحفة الحادية عشرة)

القصة التاسعة والخمسون: أضمومة ورد (الصحفة الحادية عشرة)

القصة الستون: رندة تصبح كاتبة (الصحفة الثانية عشرة)

القصة الواحدة والستون: بحيرة الأزهار (الصفحة الثانية عشرة)

القصة الثانية والستون: الفأر يحل المشكلة (الصفحة الثانية عشرة)

القصة الثالثة والستون: وفاء كلب (الصفحة الثانية عشرة)

القصة الرابعة والستون: لمسة حنان (الصفحة الثانية عشرة)

القصة الخامسة والستون: سالم وبلاد العباقرة (الصفحة الثالثة عشر)

القصة السادسة والستون: البذور العجيبة (الصفحة الثالثة عشر)

القصة السابعة والستون: المنقذون (الصفحة الثالثة عشر)

القصة الثامنة والستون: ألحان وألوان (الصفحة الثالثة عشر)

القصة التاسعة والستون: شجرة الأحلام (الصفحة الثالثة عشر)

القصة السبعون: الطائر الأبلق (الصفحة الرابعة عشر)

القصة الواحدة والسبعون: دهاء النعامة (الصفحة الرابعة عشر)

القصة الثانية والسبعون: السلحفاة والضب (الصفحة الرابعة عشر)

القصة الثالثة والسبعون: الرسام والعصفور (الصفحة الرابعة عشر)

القصة الرابعة والسبعون: بائع الأحلام (الصفحة الخامسة عشر)

القصة الخامسة والسبعون: أرض الأحلام (الصفحة الخامسة عشر)

القصة السادسة والسبعون: عنقود اللؤلؤ (الصفحة الخامسة عشر)

القصة السابعة والسبعون: عندما تغضب الكتب (الصفحة الخامسة عشر)

القصة الثامنة والسبعون: القط الغدار (الصفحة الخامسة عشر)

القصة التاسعة والسبعون: قشرة الموز (الصفحة الخامسة عشر)

القصة الثمانون: فراش الذئب (الصفحة السادسة عشر)

القصة الواحة والثمانون: أغنية الحقول (الصفحة السادسة عشر)

القصة الثانية والثمانون: ثوب من حجر (الصفحة السادسة عشر)

القصة الثالثة والثمانون: الكسولان (الصفحة السادسة عشر)

القصة الرابعة والثمانون: حكاية حبة القمح (الصفحة السادسة عشر)

القصة الخامسة والثمانون: التلميذ الطماع (الصفحة السادسة عشر)

القصة السادسة والثمانون: لميس والليمونة (الصفحة السابعة عشر)

القصة السابعة والثمانون: الفراشة والكتاب (الصفحة السابعة عشر)

القصة الثامنة والثمانون: نورا (الصفحة السابعة عشر)

القصة التاسعة والثمانون: الطائر الطيب العجيب (الصفحة السابعة عشر)

القصة التسعون: ثوب الدمية سلمى (الصفحة السابعة عشر)

القصة الواحدة والتسعون: لا تبردي يا قطتي (الصحفة السابعة عشر)

القصة الثانية والتسعون: الليمونة الحزينة (الصفحة الثامنة عشر)

ماء الورد
25-04-06, 02:25 PM
كل شيء ينتمي لعالم الصغار يفرحنا

حتى قصصهم

وهذه أروع قصة في المنتدى

يكفي أن فيها كلمة ( ماما ) وأن ( بابا ) هو من يقرأها

سعدنا بلولو وهي تغفو وتتمتم ( هكذا إذا )

شكرا لك

ما أجمل ما طرحت وما أروع ما خترت

ننتظر غيرها

بارك الله فيك

حسن خليل
25-04-06, 06:05 PM
كل شيء ينتمي لعالم الصغار يفرحنا

حتى قصصهم

وهذه أروع قصة في المنتدى

يكفي أن فيها كلمة ( ماما ) وأن ( بابا ) هو من يقرأها

سعدنا بلولو وهي تغفو وتتمتم ( هكذا إذا )

شكرا لك

ما أجمل ما طرحت وما أروع ما خترت

ننتظر غيرها

بارك الله فيك







شرّفني قراءتكِ للقصة واعجابكِ بها.

كما سرّني تعليقكِ الجميل عليها.

والمزيد من هذه القصص قادم إن شاء الله.

لا حرمنا الله تواجدكِ معنا ومشاركتك في هذا القسم.

دمتِ بحفظ الله ورعايته.

حسن خليل
25-04-06, 06:11 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

القصة الثانية بعنوان: لا تبردي يا قطتي

بقلم الكاتبة: لينا كيلاني

(سمر) بنت صغيرة... حلوة ومؤدبة... أمها تحبها كثيراً... وأبوها يدللها... وأخوها (سامي) لا يزعجها أبداً. (سمر) لم تذهب إلى المدرسة بعد... بل إلى حديقة الأطفال القريبة من عمارتهم... توصلها أمها أوأبوها وأحياناً بواب العمارة.

وفي يوم عثرت هي والبواب على قطيطات صغيرات مع أمهن خلف دكان البقال. أسرعت نحوها... وحاولت أن تمسك بالقطيطة البيضاء... لكن القطة الأم نفخت في وجهها، وأخرجت أظافرها لتخمشها.

قال العم البواب:

- هل أحببت هذه القطيطة يا سمر؟

قالت سمر:

- جداً.... جداً.... ليتني آخذها إلى البيت.

قال العم البواب:

- حسناً.... سآتي لك بها بعد أيام عندما تكون أمها قد فطمتها. وتكونين أنت قد طلبت الإذن من أمك برعاية هذه القطيطة الجميلة. ولكن اسمعي ما سأقوله لك يا سمر.

واستمعت (سمر) بكل انتباه إلى العم البواب وهو يقول:

- فالقطيطة يجب أن تتناول أولاً اللبن لأنها صغيرة.... وبعد ذلك تطعمينها ما تشائين. ويجب أن تنام في مكان آمن ودافئ. وأهم من كل ذلك ألا يؤذيها أحد.

قالت (سمر):

- سأفعل كل ذلك يا عم... سأفعل.

وبعد أيام ومن وجود القطيطة التي أسمتها (ماسة)، أصبحت (سمر) لا تفارقها.... تحملها... وتطعمها... وتضعها مساءً في سلة من القش مفروشة بالقطن.

وفي ليلة... وقد نسيت (سمر) قطتها المحبوسة في غرفتها دون أن تقدم لها طعاماً، أخذت (ماسة) تموء وتموء، ولم يسمعها أحد. وما إن فتحت (سمر) باب غرفتها حتى هربت (ماسة) بسرعة كبيرة إلى المطبخ.. ووثبت فوق الطاولة الصغيرة بحثاً عن الطعام فأوقعت الصحون فحطمتها.

أسرعت الأم إلى المطبخ لتعرف ما الخبر... فقالت (سمر):

- ماسة هي التي أوقعت الصحون... ولست أنا.

غضبت الأم وقالت:

- يجب أن نعاقب (ماسة) فلا تنام في سلتها في غرفتك بل في الخارج.

أطرقت (سمر) حزينة.... ولم تعارض أمها التي أخرجت (ماسة) إلى الحديقة، وأغلقت الباب.

ولما كان الفصل شتاء.. وهطلت الأمطار... لم تستطع (سمر) النوم.. وأخذت تبكي لأنها هي السبب فيما جرى مع (ماسة) وهي لم تخبر أمها بالحقيقة.

تسللت (سمر) من فراشها بهدوء وخرجت إلى الحديقة، والتقطت (ماسة) التي كانت ترتجف برداً أمام الباب، وقالت لها:

- لا تبردي يا قطتي... سامحيني أنا السبب.. أنا السبب، فقد نسيتك في الغرفة وما قصدت حبسك.

وكانت أم (سمر) قد سمعت ضجة وحركة، ورأت ابنتها وهي تحتضن القطة وتعتذر منها، فابتسمت... واعترفت لها (سمر) بكل شيء.

قالت الأم:

- عودي إلى فراشك يا سمر.. الطقس بارد.

قالت سمر:

- وهل تعود (ماسة) أيضاً إلى فراشها؟

قالت الأم:

- طبعاً كي لا تبرد هي أيضاً... هيا يا قطتي أسرعي كي لا تبردي.

آمل أن تنال اعجابكم

أخوكم

حسن خليل

حسن خليل
28-04-06, 11:28 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

القصة الثالثة بعنوان "ألحان النسمة الصغيرة الباردة !!"

بقلم الكاتب: جبير المليحان

في الحارات الصغيرة ، تمتد الشوارع الكثيرة مسافة ، ثم تنتهي .

الهواء الذي يملأ تلك الشوارع القصيرة..

يحرك الهواء الغبار وبقايا الأوراق .. والروائح الطائرة من الأكوام المتروكة ..

هذا الهواء يخرج من شارع صغير ، إلى شارع ، إلى شارع ..

يدور في الشارع ، ماشيا على مهل ، ملتفا ، و ملتويا .. حتى يصرفه جدار ما ، فيتكوم قليلا .. وتسقط الأوراق منه ، وتتكوم مخشخة ..

كانت النسمة الصغيرة الباردة من ضمن الحزم الطائرة مع هذا الهواء .

دارت النسمة الصغيرة الباردة معه .. حملت أوراقا .. مبتعدة عن الروائح ..

أسرعت .. الروائح تلحقها ..

وعندما تكوم الهواء وسط الحارة مرة أخرى ، أمام جدار ، تحت تلك الشجرة ..

لم تستطع النسمة الصغيرة الباردة أن تستقر .. دارت ودارت، ثم طارت بسرعة ، وهي تقول :

- لأخرج من هذا الجو الخانق !!

فرت ، لكن الجدار الكبير الواقف صدمها ، تلوت متألمة ، وانحدرت حتى استقرت في الظل ..

كانت أوراق الشجرة الكبيرة تحدق بها وهي واقفة منتظرة ..

هبت النسمة الصغيرة الباردة إلى الأغصان ، و هفهفت بين ثنايا الأوراق الخضراء فرحة ..

فرحت الأوراق و تحركت بطرب ، وأصدرت ألحانا صغيرة وجميلة كالغناء ..

توافدت العصافير : من الجدران القصيرة ، من الشقوق ، من فوق سعف النخيل اليابسة ، من السطوح حيث تخبئ أعشاشها ، من كل مكان ..

جاءت العصافير ، و حطت على الأغصان ..

توقف رجل محني الظهر ، و رفع عينيه الصغيرتين إلى أوراق الشجرة التي تعزف ألحانها .. شاهد العصافير الفرحة

ومن نافذة قريبة أطلت فتاة صغيرة بضفيرتين طويلتين ، وعينين ذكيتين ، كانت تبتسم ، وهي تشرع النافذة للهواء ..
نور الشمس الناعم أخذ يتماوج من بين الأغصان مطاردا قطع الظل المرحة ..

ازداد فرح النسمة الصغيرة الباردة ، وتمدد جسمها و اتسع ..

تراقصت الأشجار الأخرى القريبة واهتزت ..

طربت النسمة ، ولوحت بمناديلها البراقة ، وانطلقت من فوق الجدران ..

ماجت في الشوارع ..

وانطلقت إلى الحقول ..

كانت أسراب العصافير تتبع النسمة الباردة وهي تكسو الأشياء ..

وهاهم الأطفال اللاعبون يجرون خلفها ..

وأوراق الأشجار تلتفت ..

حتى المياه .. مياه البرك النائمة اختضت و تماوجت فرحة ..
الرجل العجوز يهمس باسما : يا لهذه النسمة الصغيرة الباردة !!

البحرين 23/6/2001

ماء الورد
28-04-06, 11:11 PM
يا لهذه النسمة الصغيرة الباردة !!

هنا في منزلي شعرت بها وأنا أقرأ

أسعدتني

ومن قبلها سعدت بسمر وقطتها ماسة

شكر الله لك يأخي أخرجتنا من أحزاننا وهمومنا

وأعدت إلينا بسمة فقدناها وطفولة نسيناها

كانت لي قطة وكنت أحبها ، وكانت امي مثل أم سمر لا تريدها

تقول : لا تتركيها تدخل الى الغرفة ، أبقيها في الخارج .

وكانت قطة شقية ، سحبت خيطا من غطاء السرير فتبعته الخيوط ، لعبت

بها ، وجنت على نفسها ، وضعوها في خيشة رز فارغة وأخذوها الى حيث

لا أدري .

أما نسمة الهواء الباردة ،

فتذكرني بأيام لنا قضيناها في البر

بتنا يومها في بيت الشّعر

لا زلت أتذكر

ذلك الفجر

وتلك النسمة

أسعد الله أيامك

وبارك فيك

ننتظر أخرى

من قصصك الطيب المحبب الى قلوبنا

دمت بحفظ الله ورعايته

حسن خليل
28-04-06, 11:47 PM
يا لهذه النسمة الصغيرة الباردة !!

هنا في منزلي شعرت بها وأنا أقرأ

أسعدتني

ومن قبلها سعدت بسمر وقطتها ماسة

شكر الله لك يأخي أخرجتنا من أحزاننا وهمومنا

وأعدت إلينا بسمة فقدناها وطفولة نسيناها

كانت لي قطة وكنت أحبها ، وكانت امي مثل أم سمر لا تريدها

تقول : لا تتركيها تدخل الى الغرفة ، أبقيها في الخارج .

وكانت قطة شقية ، سحبت خيطا من غطاء السرير فتبعته الخيوط ، لعبت

بها ، وجنت على نفسها ، وضعوها في خيشة رز فارغة وأخذوها الى حيث

لا أدري .

أما نسمة الهواء الباردة ،

فتذكرني بأيام لنا قضيناها في البر

بتنا يومها في بيت الشّعر

لا زلت أتذكر

ذلك الفجر

وتلك النسمة

أسعد الله أيامك

وبارك فيك

ننتظر أخرى

من قصصك الطيب المحبب الى قلوبنا

دمت بحفظ الله ورعايته


أشكر الأخت ماء الورد على كريم مرورها للقصتين واعجابها بهما.

وهذه شهادة أعتز بها من شاعرة وأديبة لها مكانتها في المنتدى الغالي.

كما أشكرها على نشاطها المميز في هذا القسم.

وقريباً إن شاء الله سأطرح قصة بعنوان: غضب الطبيعة بقلم الكاتبة سمر المزغن.

فإلى ذلك الحين استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

وأترككم في حمى المولى والرحمن.

حسن خليل
29-04-06, 08:11 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

القصة الرابعة بعنوان: غضب الطبيعة

بقلم الكاتبة: سمر المزغن

ارسل البحر اذاه المجرجرة الذي يصل الى الاذان كأنه الزئير المنبعث من حلوق الوحوش الضارية ، والعالي كأنه الجبال الشاهقة ، معلنا عن قدومه لحضور اجتماع هام ، تقدم البحر تصحبه امواجه الصاخبة ، مزمجرا غاضبا ثم صرخ – دون القاء السلام - بصوة قوي غريب ، لو سمعته الهضاب لارتجت من مكانها فزعة : " انا مغتاض جدا، ولا يمكنني ان اتحمل اكثر ضرر الانسان ، لوثني بنفطه الذي قتل اسماكي ، لم يترك لي حتى بعض الاصداف تزينني وتلون شاطئي ، ذلك الشاطىء الذي غدا سلة مهملات كبيرة يلقي فيها فضلاته واوساخه …

لقد طفح الكيل والانسان يحرمني من التسلي مع اصدقائي الاسماك … الم ادعه يسبح في هناء ونعيم في مياهي الباردة خلال فصل الصيف ؟ ألم استقبل الشمس وادعوها لالقاء أشعتها الدافئة وهو يلهو ويمرح ؟ ألم أسخر له شاطئي ليلعب برماله ويرتاده متى شاء مع اصدقائه ؟ ألم اتركه يصنع من الرمل قصورا يزينها بأصداف متناثرة ؟ لما كل هذا الجشع والطمع الذي يحركه حتى أنه لم يترك لي أصدافي تمسح لي دمعي حين ابكي ، وتلعب معي أوقات فراغي ؟

ألم أمسك نفسي عن البكاء وأنا أسمح له مضطرا باصطياد أسماكي وهي تنظر لي معاتبة ، لائمة ؟ ثم بعد ذلك اراها تشوى أمامي لتصبح سوداء فاحمة ، وصوتها يرن في أذني يلومني على عدم عدالتي وانصافي ، يحرص ان يصطاد أكبر قدر من أسماكي ، وأشباحها الحمراء المتشحة بالسواد تحاصرني في منامي ويقظتي ، مناظرها مخيفة وهي الملطخة بالدم والسواد ، تعكر صحوتي ومنامي ، وأمام ذلك ألست مذنبا وأنا أسمح له بكل ذلك السلب والنهب ، ساكتا، صامتا ، صابرا ، ومتحملا أذى وخطر أفعاله ؟ " .

طأطأ البحر رأسه وأسنده على أمواجه المتأثرة بكلامه الى حد البكاء . خفت صوته شيئا فشيئا وأخذ يصدر زفرات طويلة بين الفينة والفينة ، لما رفع رأسه انحدرت من عينه دمعة حارة كبيرة لتسقط على الموج المرتطم بالصخور وتختلط بالزبد. كان منظره محزنا للغاية، وغادر المكان قبل أن تضعف ارادته تماما فيختنق بالعبرات … جاء البحر غاضبا قويا ، لو اعترضه الانسان لأغرقه بموجه ثم انصرف ذليلا حزينا منكسر الخاطر لو شاهده الانسان على حالته تلك لسخر منه واستهزأ به .

نفخ الريح بقوة وقال : " كلام البحر صحيح ، الانسان يضر نفسه ويضرنا بافعاله ، انا أيضا لوثني بدخان سياراته السريعة، في حين ان دراجاته أقل سرعة ولا تؤذيه ولا تؤذيني ، طائراته وصواريخه وبواخره وقطاراته مصادر لراحته ومصدر لايذائي … التبغ الكريه الذي يستهلكه في البيت وفي الحي والمقهى ، ألم يعرف لحد الان انه يلوثني ويسبب له افات مميتة، ويشكل اذى لمن حوله ويسبب لهم الامراض … ثم أيضا تلك المصانع التي تدمرني وتجعل مني سوادا في سواد ، ثم … "

قاطعه الحيوان مزمجرا : " على مهلك أيها الهواء ، لست اكثر مني هما ولا أظن أن صدرك يسع غمي ، الانسان جعل مني عبدا ذليلا ، أكل بيضي والتهم لحمي وشرب لبني ، لم يكفه أنه ركبنا وحملنا ما لا طاقة لنا به حتى في الصحراء الجافة ، لم يكفه أنه حثنا على السير بعصاه الغليظة الخشنة، حتى زج بنا في السجون يزين بها بيوته وحدائقه ، ليتمتع بمشاهدتنا في حين لا نطلب سوى الحرية …

يعيش صغارنا محرومين من الحرية ويموتون حزينين لأنهم لم يذوقوا طعم الحرية ولم ينعموا بالغابات الخضراء والجبال العالية … نحرس بيته ليلا نهارا لينام هادئا ونبقى نحن سهارى ، يقظين لحمايته ، وجزائنا في الاخير عظام بليت ولحوم فسدت وضربات توجعنا ، ثم نصاحبه في كل مكان ليتفاخر أمام أصدقائه بالسلسلة الحديدية التي تشد عنقنا كأنها تنوي خنقنا …"

صرخ صرخة مدوية ثم نظر شزرا والشرر يتطاير من عينيه وكشر عن أنيابه متهيئا للهجوم ، لكنه رجع الى الوراء كأن مسا من الجنون أصابه، وانزوى يهذي في ركن بعيد .

تدخلت الشجرة وقالت : " يقطع الانسان خشبي ليصنع منه مهودا لصغاره ، يرتاحون في مهودهم ونبكي بكاء متواصلا، صنع منا قواربا، سفنا ، مراكبا ، وبيوتا تحميه من قر الصيف وبرد الشتاء . وهبته كل شيء حتى الهواء أنقيه له ولكنه ظالم ، فلما نكران الجميل . اكل الانسان ثماري اليانعة ، اقتلع اخوتي ليصنع منهم كراسي يستلقي عليها وطاولات لأكله … رفس جيراني النبتات الصغيرة بأحذيته الضخمة ".

سكتت الشجرة برهة ثم أضافت : " اني أدعو الجميع لمحاسبة الانسان " وبقيت في مكانها صامدة مظهرة شجاعة وصبرا … كل من تكلم قبلها أبدى هيجانا وحزنا ، ولكنها الوحيدة التي تمالكت نفسها ومكثت في مكانها تنتظر رأي الجميع.

سألت الأرض الشمس : " وانت أيتها الشمس ما رأيك "

- أنتظر رأي القمر .

همس القمر : " رأيي معاكس للجميع ، الانسان يحبني في الليالي التي أنيرها، وعلى كل أنا متأكد أن الانسان لم يقصد ايذاء البحر وتلويث الهواء وتخريب الطبيعة وقتل الحيوان، الانسان صنع محميات حتى لا تنقرض الانواع النادرة الفريدة من الحيوانات، الشجرة رفيقة الانسان ولا حياة لها بدونه، أنا أدعو لمسامحته وسأتولى بنفسي تنبيهه لهفواته، سأطلب منه حماية الطبيعة لأنه لا حياة له من غيرنا ولا حياة لنا من غيره، سأبعث للبحر لأحدثه وأرضيه وأهدئه.

انفض المجلس وأسارير الحاضرين مختلفة : بعض الملامح تدل على اليأس ، منها ما تدل على الغيض والندم في نفس الوقت، منها ما تدل على الشك ، ومنها ما تدل على الامل .

نوفمبر 1999

ماء الورد
30-04-06, 03:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف لم ندعى الى اجتماع نحن فيه متهمين ؟
يجتمع البحر والهواء والحيوان والشجر، وتحضر الشمس يتبعها القمر ، يشكوننا الى امنا الأرض ، وينفض الاجتماع دون أن يقول أحد كلمة حق ، الا القمر قالها على استحياء وما فعل ذلك تفضلا بل خوفا من الهجر.

سنمحص هنا أقوالهم ، ليعرف الجميع من الظالم ؟ أنحن أم هم !

لننظر الى ما قاله البحر، جاء مزمجرا يملأ الكون ضجيجا يدّعي علينا ، يقول : لوثنا مياهه بنفطنا ، وسطونا على أصدافه ، تركنا شواطئه تملؤها النفايات ، أعطانا تفضلا شيئا من أسماكه ، فما قنعنا واخذ فوق حاجتنا ،

مهلا أيها البحر : من لوث شواطئك بالنفط ؟ أنحن ؟ أما رأيت غضبنا على من فعل ذلك !، أما رأيتنا هناك ننظف الشواطىء ، نجمع الأصداف نغسلها ، طلبنا اصدار قوانين تمنع من يفعل ، ولا زلنا نعمل بجد من أجل ذاك ،

ذكرت الأصداف ! أنحن من يلفظها ام أنت ؟! تتركها على الرمال حتى تموت أو يأتي طائر فيجهز عليها ، نحن نجمعها ، نمنحها حياة أنت استكثرتها عليها وإذا أخذنا ما فيها وأكلناه فإنا أيضا نهبه حياة في أجسادنا .

بكيت الأسماك أيها البحر، وأظهرتنا قتلة نسفك الدماء ، فبأي حق قلت ذاك ؟! أو ما رأيتها فيك وهي تتقاتل ، والكبير منها يأكل الصغير ، نحن أخذنا منها ما أحله ربنا وربك ايها البحر، ولو لم نفعل لانقضى عمرها وماتت وهي فيك ، وحينها تصبح جيفة أنت ترميها

ذكرت حزنك وانت تراها على الجمر مشوية، أو كنت تريدنا ان نأكلها نيئة ؟1

تحدثت عن الشواطىء ، وأننا نملؤها بالنفايات والقاذورات ، مهلا أيها البحر !! قلة هي الشواطىء التي وصفت وأغلب شواطئنا نظيفة ، نزورها نلعب على رمالها ، نجمع اصدافها ، نسبح في مياهها ، نرقب الشمس عندها وهي تغيب ، ونناجي القمر اذا ظهر ، وقبل أن نغادر نجمع كل ما احضرنا ولا نترك شيئا ، نتأكد من ذلك ، فكيف تدعي علينا بذلك ؟ ربما قلة هي من تفعل ، لكن يا بحر لا تزر وازرة وزر أخرى فتمهل .

عدت بعدما زمجرت وما كانت عودتك انكسارا بل هي استعدادا لجولة غدر تأتينا من قبلك ، سفينة لنا تغرقها ،وأرواحا تزهقها ، كم اخذت منا يابحر؟! كم من بيوت لنا بيناها قرب الشاطىء ، فجئت عليها أنت بأمواجك وتركتها حطاما ، فلم لم نشكوك !

عد يا بحر فليس لك عندنا شيء .

أما انت أيها الهواء ، تقول لوثناك بالأدخنة ! المصانع نحن نحتاجها ،وكذلك السيارات ، أما ما ذكرت من تبغ وغيره فنحن أيضا مثلك نعاني منه ، لكننا أيها الهواء عندما أقمنا المصانع أحطناها بالحدائق زرعناها ورودا وزهورا وكذلك أشجارا فما عتبك بعد ذلك علينا !.

وأنت أيتها الشجرة ، غاضبة لأننا قطعنا منك أخشابا ، صنعنا منها بيوتا وأثاثا أليست هذه حياة اخرى لك تعيشينها أو ليس قد أكرمناك عندما أدخلناك الى بيوتنا بدلا من بقاءك في العراء ،

وكلما قطعنا منك شيئا زرعنا بدلا منه آخر ، فاصمتي ولا تنطقي .

أما أنت أيها الحيوان ما أشد نكرانك للجميل ! لما لا تذكر أننا نرعاك ، نطعمك ونسقيك ، واذا مرضت أحضرنا من يداويك ، لم نصنع لك سجونا بل هي بيوت تأوي اليها ، حتى لا يعدوا عليك من بني جنسك من يقضي عليك ، نعم أخذنا منك بيضا ولبنا ولحما لكننا ما تعدينا ، ذلك ما أحله الله لنا منك ، فأقصر أيها الحيوان .

هذا ردنا على التهم التي رمينا بها

*************************


الأخ حسن خليل

هذا ما ورد في خاطري عندما قرأ ت القصة ( غضب الطبيعة ) فأحببت أن تقرأه

شكرا لك على اختيارك الرائع

في انتظار المزيد من قصص الصغار

دمت بحفظ الله

حسن خليل
30-04-06, 07:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف لم ندعى الى اجتماع نحن فيه متهمين ؟
يجتمع البحر والهواء والحيوان والشجر، وتحضر الشمس يتبعها القمر ، يشكوننا الى امنا الأرض ، وينفض الاجتماع دون أن يقول أحد كلمة حق ، الا القمر قالها على استحياء وما فعل ذلك تفضلا بل خوفا من الهجر.

سنمحص هنا أقوالهم ، ليعرف الجميع من الظالم ؟ أنحن أم هم !

لننظر الى ما قاله البحر، جاء مزمجرا يملأ الكون ضجيجا يدّعي علينا ، يقول : لوثنا مياهه بنفطنا ، وسطونا على أصدافه ، تركنا شواطئه تملؤها النفايات ، أعطانا تفضلا شيئا من أسماكه ، فما قنعنا واخذ فوق حاجتنا ،

مهلا أيها البحر : من لوث شواطئك بالنفط ؟ أنحن ؟ أما رأيت غضبنا على من فعل ذلك !، أما رأيتنا هناك ننظف الشواطىء ، نجمع الأصداف نغسلها ، طلبنا اصدار قوانين تمنع من يفعل ، ولا زلنا نعمل بجد من أجل ذاك ،

ذكرت الأصداف ! أنحن من يلفظها ام أنت ؟! تتركها على الرمال حتى تموت أو يأتي طائر فيجهز عليها ، نحن نجمعها ، نمحنها حياة أنت استكثرتها عليها وإذا أخذنا ما فيها وأكلناه فإنا أيضا نهبه حياة في أجسادنا .

بكيت الأسماك أيها البحر، وأظهرتنا قتلة نسفك الدماء ، فبأي حق قلت ذاك ؟! أو ما رأيتها فيك وهي تتقاتل ، والكبير منها يأكل الصغير ، نحن أخذنا منها ما أحله ربنا وربك ايها البحر، ولو لم نفعل لانقضى عمرها وماتت وهي فيك ، وحينها تصبح جيفة أنت ترميها

ذكرت حزنك وانت تراها على الجمر مشوية، أو كنت تريدنا ان نأكلها نيئة ؟1

تحدثت عن الشواطىء ، وأننا نملؤها بالنفايات والقاذورات ، مهلا أيها البحر !! قلة هي الشواطىء التي وصفت وأغلب شواطئنا نظيفة ، نزورها نلعب على رمالها ، نجمع اصدافها ، نسبح في مياهها ، نرقب الشمس عندها وهي تغيب ، ونناجي القمر اذا ظهر ، وقبل أن نغادر نجمع كل ما احضرنا ولا نترك شيئا ، نتأكد من ذلك ، فكيف تدعي علينا بذلك ؟ ربما قلة هي من تفعل ، لكن يا بحر لا تزر وازرة وزر أخرى فتمهل .

عدت بعدما زمجرت وما كانت عودتك انكسارا بل هي استعدادا لجولة غدر تأتينا من قبلك ، سفينة لنا تغرقها ،وأرواحا تزهقها ، كم اخذت منا يابحر؟! كم من بيوت لنا بيناها قرب الشاطىء ، فجئت عليها أنت بأمواجك وتركتها حطاما ، فلم لم نشكوك !

عد يا بحر فليس لك عندنا شيء .

أما انت أيها الهواء ، تقول لوثناك بالأدخنة ! المصانع نحن نحتاجها ،وكذلك السيارات ، أما ما ذكرت من تبغ وغيره فنحن أيضا مثلك نعاني منه ، لكننا أيها الهواء عندما أقمنا المصانع أحطانها بالحدائق زرعناها ورودا وزهورا وكذلك أشجارا فما عتبك بعد ذلك علينا !.

وأنت أيتها الشجرة ، غاضبة لأننا قطعنا منك أخشابا ، صنعنا منها بيوتا وأثاثا أليست هذه حياة اخرى لك تعيشينها أو ليس قد أكرمناك عندما أدخلناك الى بيوتنا بدلا من بقاءك في العراء ،

وكلما قطعنا منك شيئا زرعنا بدلا منه آخر ، فاصمتي ولا تنطقي .

أما أنت أيها الحيوان ما أشد نكرانك للجميل ! لما لا تذكر أننا نرعاك ، نطعمك ونسقيك ، واذا مرضت أحضرنا من يداويك ، لم نصنع لك سجونا بل هي بيوت تأوي اليها ، حتى لا يعدوا عليك من بني جنسك من يقضي عليك ، نعم أخذنا منك بيضا ولبنا ولحما لكننا ما تعدينا ، ذلك ما أحله الله لنا منك ، فأقصر أيها الحيوان .

هذا ردنا على التهم التي رمينا بها

*************************


الأخ حسن خليل

هذا ما ورد في خاطري عندما قرأ ت القصة ( غضب الطبيعة ) فأحببت أن تقرأه

شكرا لك على اختيارك الرائع

في انتظار المزيد من قصص الصغار

دمت بحفظ الله

الأخت ماء الورد

ما شاء الله تبارك الله

رد وافٍ ورائع من جميع جوانبه.

وقد كنت متوقعاً ذلك منكِ

وأنا معكِ في كل كلمة ذكرتيها.

ألف شكر لكِ على هذا التفاعل في قسم القصص والروايات.

ألف شكر لكِ على هذا التعليق الرائع.

ألف شكر لكِ على متابعتك لهذه القصص.

ألف شكر لكِ على تشجيعك لي بطرح المزيد منها.

دمتِ بحفظ الله ورعايته.

حسن خليل
30-04-06, 07:41 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

القصة الخامسة بعنوان: بين الحيوانين

أسرعت للغداء ، كان طعامي المفضل فاصوليا باللحم وحساء بالسمك ، لما كنا نلعق شفاهنا قبل الاكل سمعت ضوضاء بعيدة، اقترب كلبي ريكس وقطة اخي ايزبلا من المائدة ، كل منهما اخذ يتوسل ، ذاك يتمنى شريحة لحم وتلك تحب سمكة صغيرة : لم يكن اخي الصغير يعرف الامر لذلك اعطى كلبي " سمكة " وقطته " لحما " ، وعندها نشبت المعركة …

كانت ساحة الوغى هي المطبخ والجيشان هما القطة والكلب ، غرست القطة اظافرها في لحم العدو فنبح نباحا عاليا وعض ذيل خصمه ، حينها اصدرت القطة مواء عاليا وقفزت فوق كلبي ، لكن هذا الاخير تفاداها وسقطت فوق صحن ابي لتهشمه، غضب ابي غضبا شديدا ، عندئذ حاولنا ان ننهي المعركة ولكن ذهبت محاولاتنا ادراج الرياح، فالعراك على اشده والويل كل الويل لمن يقترب …

كانت امي قد افطرت ولبست ثوبها الحريري الناعم لزيارة صديقتها ، ولكن حين دخلت نظرت القطة للثوب وظنته سمكة مشوية اذ كان اسود اللون وعلى شكل سمكة، انقضت القطة على الثوب تنهشه ، ففزعت امي وهرولت خارجة ، لكنها تعثرت بثوبها الذي غدا خرقا بالية ، فسقطت على القمامة وانفجرت غيضا واتجهت الى الحمام … المعركة لم تنته بعد ، لقد كان كلبي ناعم الشعر ، اما الان فقد اصبح شعره أشعث كمسلات القنفذ او الاشواك ، كانت القطة ناعمة الملمس لكن نصف شعرها قد اختفى ، تناثر في ارجاء المطبخ الذي انقلب راسا على عقب … و ها انت ترى القطة مسرورة في عيد الفطر والكلب سعيدا في عيد الاضحى لكن امي ما زالت في العيدين ناقمة عليهما .

حسن خليل
01-05-06, 07:14 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القصة السادسة بعنوان: حلم في حديقة الحيوانات


مفيدة ، فتاة طيبة القلب وفية ، جميلة وذكية ، جميع الناس يحبونها لانها تساعد الكل قدر استطاعتها ... غدا اول ايام العطلة الصيفية ، ارادت مفيدة ان يكون اول يوم عطلة لها في حديقة الحيوانات ، طلبت من امها اسية اصطحابها الى الحديقة فوافقت .

من الغد ، ارتدت بطلتنا اجمل ثيابها وحلت شعرها بضفيرة طويلة متناسقة ، ثم تعطرت وخرجت تصحبها امها ، لم تنس طبعا احضار بعض الطعام لها ولوالدتها .

فتشت عن قطع الخبز القديمة التي لم تعد صالحة للاكل لتقديمها للحيوانات ، كانت مفيدة تقف عند كل قفص لتتفرج على ما بداخله ولتقرأ ما هو مكتوب من معلومات عن كل حيوان اسير القفص ، في الغد روت لنا مفيدة تفاصيل زيارتها للحديقة قائلة : اعترضتنا القرود المرحة وقد كانت تمتع الناظرين بحركاتها البهلوانية وهي على عجلة من امرها كانها تقدم عرضا تدربت عليه في السيرك ، دون ان تهمل التقاط ما يرمي به الزائرون في مهارة وسرعة وفي لمح البصر ، كانت تقلدنا في كل ما نفعله ونحن نضحك ، لم اتمالك نفسي امام حركاتها المضحكة فانفجرت ضحكا ، انتقلنا الى قفص الدب فارعبني صوته وكدت اهرب مستغيثة لكن امي اخبرتني انه لا يستطيع تكسير القفص ، اخذت اصيح قائلة : " لا اريد البقاء في هذا المكان فالننتقل الى قفص اخر " ... مررنا على الزرافة ادهشني طولها الخارق ، ومررنا بقفص النمر الذي اعجبت بفروه الرائع وفرو أخيه الفهد ، لكن في نفس الوقت افزعتني انيابهما ومخالبهما .

لن انس طبعا انني مررت حذو الفيل الرمادي مع امي ، لكن ما اذهلني هو دهاء وذكاء ابن اوى و الذئب وصديقه الثعلب الماكر .

من المواقف الطريفة : اني مررت على النعامة فوجدتها مدخلة رأسها في باطن الارض كعادتها ، انها كالطامع "اشعب" لا ينفك عن التطفل على الموائد .

حيرني ظهر الجمل والناقة فاجابتني ماما اسية بقولها : " ان ظهره هكذا يا حبيبتي ليمكن الجلوس عليه بسهولة وهو يدعى "سفينة الصحراء" كما انه اكثر الحيوانات صبرا على الماء ، وعلى ذكر الماء فقد زرت فرس النهر الكبير والضخم الجثة ، واستغربت من ضخامة جثته الأعظم من جثة الثور وزوجته البقرة وصديقتها وجارتها الجاموسة اللاتي يبعدن عنها ببضع امتار … لن انس طبعا زيارة الفقمة صديقة الدلفين وكذلك القرش المخيف الذي يذكرني " بدراكولا " وقصته الخرافية المخيفة حتى ان اعوان الحديقة تركوه منعزلا لخطورته ، كما لن انس اني شاهدت عدة حيوانات مائية اخرى ، كالسمك والحوت الكبير ، وهلما جرا …

بعد هذا التجوال قررت الاستراحة انا وامي ، جلسنا على مقعد امام المراجيح وشرعنا في اكل بعض الطعام الذي احضرناه ، وكنت استعجل الاكل حتى اكملت لمجتي وانطلقت جريا نحو الارجوحة ، اما امي فقد نصحتني بعدم الركض ، والتحول لمشاهدة الخراف والماعز والفئران والقنافد … واذكر ان علاقة صداقة متينة توثقت بيني وبين بطة فقد كنت اطعمها وصديقاتها البطات وجاراتها الوزات والبجعات ينظرن اليها في حسد شزرا ، فانقذتها من غيرتهن وسلمتهن بعض الطعام ، لذلك نظرت إلي بامتنان وشكر .

عند المرور على مأوى الخنازير فضلت الجري والابتعاد عن المكان مع حرصي على سد انفي لاشمئزازي من الروائح الكريهة … عند زيارة الكنغر ظننت انه يلبس سروالا به جيوب لحماية ابنه ، لكن عندما قرات المعلومات عنه فهمت كل شيء .

اطربتني زقزقة العصافير وهديل الحمام وقد سافرت في بحر الموسيقى عند الاستماع لتغريد البلابل ، وتمنيت ان اكون مثل تلك الفراشات ذات الالوان المبهجة الزاهية ، وقد ازدادت ضحكاتي حتى انقلبت على ظهري عند سماع الببغاء وهو يردد اقوالي مباهيا بالوانه الزاهية كمباهاة الطاووس الموجود قربه بريشه الملون .

بقينا وقتا نتـامل الخيول وهي تملأ المكان بصهيلها وكذلك الحمير بنهيقها ، وقد الححت على امي ان تشتري لي دجاجة ، فرخا ، كلبا او ارنبا لكنها اخبرتني ان الحيوانات الموجودة في حديقة الحيوانات ليست للبيع ووعدتني بان تشتري لي حيوانا لطيفا من السوق عند العودة.

كنت طوال الطريق التهم قطع شوكولاطة لذيذة واتسلى ببالونة وقناع مضحك وبعض اللعب اشترتها لي امي من الحديقة ، وكنا نستغرق في الضحك طوال الوقت عندما المح احد الحيوانات واشبهها بشيء مضحك ، دون ان انسى اننا استمتعنا بمنظر نافورة رقراقة جارية .

قبل ان ننتقل الى قفص الاسد وعائلته ذهبنا الى قفص الثعابين وقمنا بلعبة : من يخرج لسانه اكثر ويحدث فحيحا قويا لكن ماما غلبتني في اللعبة …. راجعت كراسي وكل ما كتبته من معلومات على الحيوانات كما اضفت نكتة على التيس ولحيته الطويلة .

حذو قفص الاسد انتابني بعض الخوف وشعرت بانه سيحصل شيء ما ، واذ بالاسد ينفجر غيضا ويحمر وجهه غضبا ويزأر زئيرا عاليا عندما شاهد ضفيرتي بالذات ولا أدري لماذا ... هرب الجميع عند تحطيم الاسد للقفص ، لم اعرف كيف تسمرت في مكاني من الدهشة ... بغتة نما للاسد جناحان ابيضان طارا بهما وحلق بواسطتهما عاليا ماسكا بي من ثيابي تارة ومن ضفيرتي طورا . نظرت تحتي فاخذت ارتجف كالقصبة في مهب الريح واحسست باعضاء جسمي ترتجف وباسناني تصطك ، دارت الدنيا بي وكاد قلبي يخرج من صدري ، جف ريقي ، لكنني بالكاد تمالكت نفسي ، وتمنيت الا اسقط ، وبالطبع لم اصرخ رغم مسكه القوي لشعري حتى لا يفزع الاسد العجيب ويسقطني ، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، فقد قادت الاقدار حمامة ازعجت الاسد الطائر ، وعندما اراد الفتك بها سقطت من مخالبه من ارتفاع عال، حمدت الله وشكرته لانني سقطت على كومة قش فوق جبل كبير ، ولم اصب الا بخدوش بسيطة لم تألمني كثيرا ، احسست ان احدا يدفعني الى الامام ، وعلى حين غرة وفي غفلة مني سقطت من قمة الجبل ، عند الوصول اصطدم رأسي بصخرة كبيرة فانفلقت جمجمتي وصرخت صرخة مدوية ، كرر الصدى ندائي كانه يسخر مني ، واذ بي انهض فاجد نفسي في غرفتي مرتمية على الارض واقعة من السرير وقد اصطدم راسي بالمنبه فاخذ يرن رنينا عاليا متواصلا حتى ايقظ جميع افراد العائلة ، صببت عليه جام غضبي وقمت بتانيبه تأنيبا شديدا ، عند ذلك سمعت وقع اقدام ثابتة فارتميت فوق فراشي مخفية المنبه بين طيات ملابسي متظاهرة بالنوم متجنبة وخائفة من غيض امي .

اكتوبر 1998

حسن خليل
03-05-06, 08:24 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

القصة السابعة بعنوان

حارس البسـتان

بقلم الكاتب: محمود البدوى

كان نعمان حارسا لبستان الشيخ سليمان ، وهو بستان كبير غنى بالثمر ومن أشهر البساتين فى الصعيد ، ومنذ ثلاثين سنة ونعمان يحرس هذا البستان .. ولم تحدث فى خلال هذه السنين الطوال حادثة سرقة واحدة ..

كانت المنطقة كلها تعيش آمنة .. كان مرهوبا قوى البطش .. وكان الفلاحون ينسجون حول بندقيته المقصوصة الأساطير .. يقولون أنها تفرش .. وتغرد .. وتنطلق منها النيران فى كل اتجاه .. مع أنه لم تطلق من هذه البندقية رصاصة واحدة ..

وكان الغلامان سعيد وعمار يصطادان البط فى البركة القريبة من البستان عندما انطلقت خرطوشة طائشة من بندقية سعيد فأصابت عمار فسقط والدم ينـزف منه ..

وأصاب الذعر سعيدا فجرى إلى نعمان خفير البستان وقص عليه ما حدث وهو يبكى ويرتعش ..

فهدأ نعمان من روعه وذهب معه إلى المصاب فحمله إلى داخل العريشة .. وأسعفه وربط الجرح وتركه هو وسعيد لزوجته لتعنى بالجريح ولا تدع سعيدا يخرج من البستان حتى لا يتعرض لأى سوء ..

وكانت فلاحة قد بصرت بالمصاب وهو ملقى بجوار البـركة وسعيد يجرى مذعورا .. فطارت إلى أهله وأخبرتهم أن سعيدا قتل عمارا ..

وانتشر الخبر فى القرية بسرعة النار فى الهشيم .. وخرجت عائلة عمار وهى مسلحة بالبنادق ، والشوم ، والهراوات .. لتضرب أى إنسان تجده من عائلة سعيد ..

وكانت عائلة سعيد قليلة العدد وضعيفة بالنسبة لعائلة عمار .. فخشيت أن تفنى جميعا .. وهرب أفرادها فى المزارع ..

وأخذ رجال عمار يزحفون إلى مكان الحادث وفى عيونهم الشر والغضب والجهالة .. ورآهم نعمان خفير البستان وهم يتقدمون .. وأدرك أنهم يريدون قتل الغلام المسكين فتناول بندقيته وتحرك من مكانه حتى أصبح قريبا من الطريق الذى يأتى منه الرجال ..

وجلس هادئا وبندقيته ملقاة بجانبه وكانوا يتقدمون فى سواد يسد عين الشمس ، وعجب للجهالة وللغضب الذى يقلب الإنسان إلى شيطان مجنون .. وتساءل هل جاء كل هؤلاء ليقتلوا غلاما مسكينا لاعصبية له فى القرية ولا عائلة قوية تحميه.

ظل يراقبهم وهم مهرولون ويلوحون بالنبابيت .. ومنهم من كان يجرى فى قلب المزارع ويدوس على بساط البرسيم ..
وعندما لمحوه وهو جالس على رأس الطريق حبسوا من خطوهم إذ ندر أن يترك نعمان البستان فى ليل أو نهار ..

وكانوا كلما اقتربوا منه تمهلوا فى سيرهم حتى سمعوه يقول بصوت خافت وهو ينقر الأرض بعصا صغيرة من البوص ..

ـ لا أحد منكم يعبر الطريق ..

فتوقف الرجال واضطربوا ..

ـ إننا بعيدون عن البستان ونبحث عن سعيد .. لقد قتل عمار ..

ـ أعرف هذا .. ولا أحد منكم يتقدم خطوة ..

فسمر الرجال فى أماكنهم كأنما غشيتهم غاشية .. وقال أحدهم ليخفف من حدة الموقف ..

ـ إننا لانريد به شرا .. وسنسلمه للمركز ..

ـ ليضربه العساكر .. وليصنعوا منه مجرما فى يوم وليلة .. لا ..

ـ ولكنه قاتل ..

ـ انه لم يقتل .. والخرطوشة طائشة .. وهذا يحدث لكل إنسان ..

ـ وأين عمار ؟ .. نريد جثته ..

ـ سأحملها إليكم فى المساء .. والآن اذهبوا .. ومن بقى منكم بعد أن أعد العشرة فسأصرعه ..

وعجب الرجال لتخاذلهم وللضعف الذى طرأ عليهم فجأة وقد كانوا أشد ما يكونون حماسة للانتقام .. ماذا جرى لهم أيخذلهم رجل واحد .. ومنهم من هو أشد بطشا منه وقوة .. وسلاحهم أشد فتكا من سلاحه .. وليس معه سوى بندقية عتيقة مقصوصة .. ربطها بالسلك والدوبارة .. فما سر قوته وجبروته طوال هذه السنين ؟..

وقبل أن تغرب الشمس بصر الفلاحون بنعمان قادما على الجسر وهو يمشى ثابت الخطى بجوار حماره .. وقد وضع على كتفه بندقيته العتيقة .. وكان يركب على الحمار سعيد وعمار وكانا ما زالا صديقين متحابين .. وقد احتضن سعيد عمارا ليمنعه من السقوط .. إذ كان الأخير بادي الاعياء ..

وقال أحد الفلاحين .. بعد أن مر عليهم نعمان :

" أرأيت أننا كنا معتدين وحمقى ؟ .. ولقد انتصر علينا هذا الرجل وحده .. لأنه كان مؤمنا .. يدافع عن غلام مسكين وقد ظل طول حياته .. يحمى الضعفاء .. ويسحق الشر .. أينما كان فأعطاه الله هذه القوة الرهيبة "

دمعــه قــمـر
04-05-06, 12:30 PM
الف شكر لك اخوي حسن خليل

حسن خليل
04-05-06, 02:06 PM
الف شكر لك اخوي حسن خليل

العفو أختي بنت القصيمي

شرّفني مرورك لصفحتنا المتواضعة.

كما شرّفنا مروركِ لقسم القصص والروايات.

وألف شكر لكِ على مشاركاتك في الردود على المواضيع في هذا القسم.

تقبلي خالص احترامي وتقديري.

أخوكِ

حسن خليل

حسن خليل
06-05-06, 06:32 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

القصة الثامنة بعنوان: مغامرات تالة

بقلم الكاتبة: ماجدولين الرفاعي

تالة في المطبخ

تالة طفلة لم تتجاوز الخمس سنوات من عمرها جميلة ورقيقة لكنها شقية جدا، وتقوم بأعمال شغب مختلفة، هي لا تعلم بأنها مشاغبة وتظن إنها تقدم المساعدة لامها.

دخلت تالة المطبخ أمس بينما والدتها تجلس مع جارتهم في غرفة الضيوف.

نظرت حولها وقالت :

أصبحت كبيرة وعلي مساعدة ماما في أعمال البيت

حسنا سأجلي لها الصحون

لم يكن في المطبخ صحون متسخة

ماذا تفعل إذا؟؟

قالت في نفسها

سأغسل علبة سائل الجلي لتصبح نظيفة

سكبت كل محتوياتها في حوض الجلي وغلسته جيدا بالماء وعادت لتجلس فخورة بإنجازاتها.


تالة فنانة ماهرة

اليوم تالة تشعر بالملل فهي وحدها واخوتها في الخارج قررت أن ترسم.

فهي تحب الرسم كثيراً.

أحضرت علبة الألوان وبحثت عن ورقة بيضاء كبيرة لكنها لم تجد.

لابد أن ترسم فكرت كثيرا ماذا تفعل

آه

وفجأة صرخت وجدتها سأرسم على الجدار ليصبح كسور الحديقة

كادت والدتها تبكي حين رأت الرسومات تغطي كل جدران الغرفة

لكن والدتها هذه المرة لم تسامحها

أعطتها اسفنجة مليئة بالصابون وتركتها تنظف كل الألوان على الجدار

ساصبح خياطة في المستقبل

شاهدت تالة ووالدتها وهي تخيط ثوبا وجلست تراقبها

وتتأمل المقص وهو في يد أمها

جميلة حركاته وسهلة جدا

ستصبح خياطة ماهرة عندما تكبر لأنها ستتعلم الخياطة في وقت مبكر

صرخت

ماما اعطني المقص أريد أن أتعلم الخياطة

لا يا صغيرتي المقص خطر على فتاة صغيرة مثلك

أف ماما ودعيني أتعلم

لم تجب والدتها وضعت المقص مكانه ونادت على تالة لكي تساعدها في تحضير العشاء

اقتربت تالة من الدرج الذي خبئت به أمها علبة الخياطة وأخرجت المقص

لكنها ماذا تخيط؟

لا يوجد قماش

نظرت حولها

الستائر مناسبة جدا لتعلم الخياطة

كانت العقوبة شديدة

حسن خليل
07-05-06, 11:20 PM
القصة التاسعة

كعكات جدّتي

بقلم: الكاتب: نزار نجار

العيدُ يدقّ الأبوابَ، ويهمس:

- هيّا، يا أطفال، أنا قادم، يومان فقط، وأحلّ ضيفاً عليكم..

نتهيّأ لقدومه، تتهيأ جدّتي أم الطّاهر، يتهّيأ جيراننا، تتهيّأ حارتنا لاستقباله كما يليق الاستقبال..

البيوت في الحارة، كلّ البيوت تستيقظ باكراً، والأطفال ينهضون مع خيوط الفجر الأولى، وأهل الحارة يهرعون إلى فرن النحّاسين، يصلّون الفجر في جامع الأشقر، ثم يقصدون الفرن، يأخذون دوراً عند" أبي صبحي".. والرجل يبلّ قلم ( الكوبيا ) بريقه، ويسجل الأسماء بخطٍّ مرتعش وحروف متشابكة؛ لايفكُّ ارتباطها ولا يعرف تناثر نقاطها غيرُ أبي صبحي نفسه..

ورقة مدعوكة، مقطوعة من دفتر مدرسيّ مسطّر لكنّها- بالنسبة إلينا- ليست ورقة عادية، فهي مطرّزةٌ بالألقاب والأسماء والتوصيات:

- ابو أحمد.. فطائر بالجوز

أم عادل: هريسة بالفستق الحلبي..

أبو علي كرشة .. أقراص مرشوشة بالسمسم أم محمود الطبلة.. صينية صغيرة واحدة..

سعيد الفهمان.. صينية كبيرة..

أمّا جدّتي أم الطّاهر فاسمها لا بدّ أن يكون في رأس الورقة!.

قبقابي يوقظُ النائمين في الحارة، أقفز من الدار إلى الفرن، أقطع الدرجات الحجرية، أجتاز البوابة المعتمة، والزّقاق الصّغير، تتفرّق القطط، تركض بعيدة وقد أزعجها قرع القبقاب، أصير أمام الفرن ، رائحة الخبز الأسمر الطّازج تستقبلني، أرغفةٌ منفوخة كالأقمار المعلّقة على السطوح ، تذوب في الأفواه كما تذوب" غزّولة البنات"..

صوان نحاسية ذات أطرافٍ مدروزة تدخل الفرن أو تخرج منه، وأمام الباب، هناك، يزدحم رجال بحطّاتٍ وقنابيز يحجزون دوراً، نساء قادمات من أطراف الحارة، يجئن مبكّراتٍ ، على رؤوسهنّ أطباق القش الملوّنة، وقد عقدْن المناديل المزركشة وفي عيونهنّ الواسعة لهفة وانتظار.. ترى هل يسبْقن غيرهنّ، ويأخذْنَ أقراص العيد قُبَيل أذان الظّهر

جدّتي تمسح رأسي بكفّها الحانية، وتهمس لي:

- لا يُفرحُ قلبي غيرك.. هيّا.. قمْ.. وخذْ دَوْراً عند أبي صبحي.. كعك العيد- في الصّواني- جاهز..

هذا أنا، أوّل من وصل..

ما أسعدني.. سبقت أولاد الحارة كلّهم، اسم جدّتي أم الطاهر في رأس الصفحة، وكعك جدّتي بحبّة البركة واليانسون يدخل الفرن،...

يتقاطر الأولاد ورائي، حسن وسالم وفادي وعبّودة، ومحمد وأيمن وبشير.. تتألّق عيونهم النّاعسة أمام نور الفرن، يتحلّب ريقهم وهم يَرَوْن الفطائر والهريسة الغارقة في السمن البلدي، والكعك المسمسم، والأقراص المنقوشة..

سهرت جدّتي الليل بطوله مع أمّي وعمّتي من أجل كعك العيد، وجدّي لايحبّ إلاّ كعكات جدّتي.

لا يأكل حلوى إلا من صُنْع يديها.. وأبي كذلك، وأمي وعمّتي وأنا وإخوتي.. والأقارب، والجيران وأهل الحارة..

ما إن يقترب العيد حتى نتحلّق حول الجدّة ما أجمل السهر والسّمر والحكايات التي نسمعها..

ونمدّ أكفّاً صغيرةً منمنمة.. ولا ندري كيف تُرْبَطُ- بعدئذ- في أكياس قماشية، تشدّ جدّتي

وتقول:

- ضمّوا أصابعكم هكذا..

وتحذّر أمّي:

- ارفعوا أيديكم، بعيداً عن الأغطية والملاءات البيض!..

أرفع صوتي محتّجاً:

- ولكنْ.. أكبر كعكة من نصيبي!

تبتسم جدّتي وتهمس في أذني:

- أكبر كعكة يتقاسمها الجميع.. أنت ولد عاقل!

أهزّ رأسي مقتنعاً:

- نعم .. ياجدّتي.. الكعكة الكبيرة لي ولأخوتي..

حكايات جدّتي تحملنا إلى عالم مسحور.. نسافر إلى بلاد مجهولة، نقطع غابة، نتسلّق جبلاً، نعبر نهراً أو بحراً، أو نهبط وادياً أو منحدراً..

الصّواني صارت جاهزة، والكعك الطّازج يخرج من الفرن،جدّتي تفرك كفّيها بلهفة:

- أنت.. منْ يفرحُ قلبي.. كم أحبّك!..

أقفز أمامها..

- أكبر كعكة من نصيبي!

تمسك جدّتي بكفيّ وتقول:

- انتظر.. ليس قبلَ أنْ..

وتساعدها أمي:

- هاتوا أكّفكم يا أولاد!..

وننام تلك الليلة، أكفَّنا مضمومةٌ، وأصابعُنا مأسورة في أكياس جدّتي القماشية، ننام بهدوء بعد أن يئسنا من إظهار مهاراتنا فوق الوسائد والمساند، لا قفز ولا شقلبةَ ولا دحرجة..

وفي الصباح، صباح العيد، نفتح أعيننا مبكّرين، وتحلّ جدّتي عقدة الأكياس، تحرّرُ أصابعنا، فإذا أكفّنا مخضّبةٌ بالحنّاء، تلك نقوش جدّتي النّاعمة السّحرية!..

نفرد أصابعنا أمام وجوهنا، تضيء شموس، وتركضُ نجوم، لقد تلطّخت راحاتنا الوردية برسوم مدهشة، وها نحن نتذوّق مع جدّتي كعكها الّلذيذ.. وأكبر كعكة نتقاسمها جميعاً..

تلك دارنا، فإذا اجتزتم الدرجاتِ الحجرية في أول حارة النحّاسين، وعبرتم البوابة_ هناك ذات القوس القديم، ستجدونني أمام الباب الخشبي، كفّاي ملطّختان بحنّاء جدّتي، وأنا أنتظركم، لتذوقوا كعك الجدّة، ولن تنسوا طعمه أبدأً..

حنين المتيم
08-05-06, 01:06 AM
حسن الخليل

التألق يتحدث بأبلغ صوره

.
.
.

صوت الطفولة يبلغ مداه

ليدخل قلوبنا دون

استئذان

.
.

كم نتمنى أن نرجع لهذا العالم

الوردي

بضفائر تعانق شرائط

ثغور تتلطخ بالحلوى

وحكايات تعبق بعبير الجدات

صور تختزلها الذاكرة

بكل التفاصيل

قصص أعادتنا للبراءة
.
.
حسن الخليل

أيها رائع

جهودك في الصالون بجمال لا يجاريه شكر

ثنائنا قاصر

شكر أخر (الطفولة) بداخلي استمتعت

حسن خليل
08-05-06, 07:40 AM
الأخت الفاضلة حنين المتيم

أرحب بك في قسم القصص والروايات

وأقف عاجزاً عن الرد على كلماتك التي عبرت عن أحداث الطفولة ومجرياتها بشتى صورها.

شكراً يُعجزُ الكتبُ والنطقُ

سعدنا بتواجدك في صفحتنا

تقبلي خالص احترامي وتقديري

أخوكِ

حسن خليل

ماجد الملاذي
08-05-06, 11:14 AM
الأخ حسن خليل
ما أجمل الصور التي تتراءى لنا في قصصك المختارة..
تبدو كما الأحلام الهانئة ،
وتحملنا إلى أجمل الأيام التي عاشها الإنسان... أيام الطفولة .
تارة نحياها في إلفة العائلة الحميمية ..
وتارة في الوهج الذي يغمر قلوبنا ( أطفالاً ) بالسعادة إنتظاراً ليوم العيد ..
وطوراً يحملنا مع النسائم على جناح قوس قزح فوق البحار والأنهار والجبال والحقول ...
ولكن ... دائماً نعيش فيها الأجمل والأسعد والأبهى من الأيام : فترة الطفولة ..
أنت يا أخي مبدع في تذوقك لمناحي الجمال ...وبارع في اختيار العطور العبقة بالود والأصالة
رائع في كل ماتخطه يداك ... وما تنقله .

حسن خليل
08-05-06, 03:34 PM
الأخ حسن خليل
ما أجمل الصور التي تتراءى لنا في قصصك المختارة..
تبدو كما الأحلام الهانئة ،
وتحملنا إلى أجمل الأيام التي عاشها الإنسان... أيام الطفولة .
تارة نحياها في إلفة العائلة الحميمية ..
وتارة في الوهج الذي يغمر قلوبنا ( أطفالاً ) بالسعادة إنتظاراً ليوم العيد ..
وطوراً يحملنا مع النسائم على جناح قوس قزح فوق البحار والأنهار والجبال والحقول ...
ولكن ... دائماً نعيش فيها الأجمل والأسعد والأبهى من الأيام : فترة الطفولة ..
أنت يا أخي مبدع في تذوقك لمناحي الجمال ...وبارع في اختيار العطور العبقة بالود والأصالة
رائع في كل ماتخطه يداك ... وما تنقله .


أخي الفاضل الشاعر/ماجد الملاذي

لقد سرّني كثيراً تواجدك في صفحاتنا المتواضعة.

فعلاً أخي ماجد ما أجمل لحظات السعادة والمرح واللعب في مرحلة الطفولة.

ولقد غمرتني بهذه الحفاوة وهذا الإطراء في اختيار هذا القصص الرائع.

وما هذا وذاك إلا بتوفيق الله عز وجل ثم بفضل دعمكم لنا وتشجيعكم الدؤوب الذي نأمل أن يستمر دون انقطاع.

وختاماً ألف شكر لكم على تشريفكم قسمنا وموضوعنا.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير لشخصكم الكريم.

أخوكم

حسن خليل

حسن خليل
08-05-06, 08:01 PM
القصة العاشرة

حكمة الهدهد

بقلم الكاتبة: حنان درويش

دعا الهدهد طيور الغابة منذ الصباح الباكر إلى اجتماع طارئ، وبدا وكأنّ أمراً خطيراً قد وقع، أو هو على وشك الوقوع... فمثل هذه الدعوات لا تحدث إلاّ في حالات نادره.‏

سارعت الطيور تمسح عن عيونها آثار النوم، ومضت في طريقها نحو الساحة الكبيرة، محاولة أن تخمّن سبب هذه الدعوة المفاجئة، وعندما اكتمل الحضور، انبرى الهدهد يتكلّم:‏

- أنتم تعلمون أيّها الأعزّاء أنّ هذه الغابة هي موطننا وموطن آبائنا وأجدادنا، وستكون لأولادنا وأحفادنا من بعدنا.. لكنّ الأمور بدأت تسوء منذ أن استطاعت بندقيّة الصياد الوصول إلى هنا، فأصبحت تشكّل خطراً على وجودنا.‏

- كيف؟.. قل لنا..‏

تساءل العصفور الصغير.‏

- في كلّ يوم يتجوّل الصيادون في الغابة متربصين، ولعلّكم لاحظتم مثلي كيف أخذ عددنا يتناقص، خصوصاً تلك الأنواع الهامّة لهم.‏

مثل ماذا؟‏

تساءل الببغاء‏

- مثل الكنار والهزار والكروان ذات الأصوات الرائعة..‏

ومثل الحمام والدجاج والبط والإوز والشحرور والسمّان ذات اللحم المفيد، والبيض المغذي، ومثلك أيّها الببغاء... فأنت أفضل تسلية لهم في البيوت، نظراً لحركاتك الجميلة وتقليدك لأصواتهم.‏

وقف الطاووس مختالاً، فارداً ريشه الملوّن.. الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأسود..‏

قال:‏

- لا بد وأنّك نسيتني أيّها الهدهد، فلم يَردْ اسمي على لسانك، مع أنني أجمل الطيور التي يحبّ الإنسان الحصول عليها، ليزيّن بها حدائقه.‏

- لا لم أنسك، وكنتُ على وشك أن أذكرك... فشكلك من أجمل الأشكال.. ولكنْ حذار من الغرور.‏

قال الحجل بدهاء:‏

- معك حق فيما قلته أيّها الهدهد.. حذار من الغرور. نظر الطاووس نحو الحجل بغضب شديد، اتجّه إليه وهو يؤنّبه:‏

- إنّك لا تقلّ خبثاً عن الثعلب الماكر، ولذا لن أعيرك أيّ اهتمام.‏

حاول الحجل أنْ يردَّ له الإهانة، لكنّ الهدهد هدّأ من حاله قائلاً له:‏

- دعونا الآن من خلافاتكم... فأنتم إخوة ويجب أن لا تنشغلوا عن المشكلة الكبيرة التي تواجهنا جميعاً.‏

قال الشحرور:‏

- أيها الصديق معك حق.. لقد لامست كبد الحقيقة.. قل لنا ماذا نفعل؟‏

رفع الهدهد وجهه، فاهتزّت ريشاته المغروسة في رأسه... قال:‏

- لقد دعوتكم لنتبادل الرأي في هذا الموضوع.. فليذهب كلّ منكم إلى عشّه الآن، ويأتني غداً في مثل هذا الوقت بالتحديد، وقد حمل إليّ حلاً نستطيع به حماية أنفسنا من بنادق الصيادين

ماء الورد
09-05-06, 09:29 PM
الأخ حسن خليل

اعود اليوم الى واحتك الصغيرة هنا حيث ترتاح النفس وتهدأ وتجد بردا

وسلاما

أحسنت يا أخي بتقديمك قصصا من أدب الصغار، إن قلت انها أجمل

القصص في هذا المنتدى فلن أتجاوز الحقيقة

تأخذنا معك فيها إلى عالم البراءة والمحبة بعيدا عن الهموم والآحزان

تقدم لنا معارف وحكم نستفيد منها نحن الكبار في تربية أبنائنا

كل قصصك رائعة ، أنا أحببت قصة حارس البستان ، وكذلك قصة مفيدة في

حديقة الحيوان نسيت وانا اقرأها أنك ذكرت في البداية انه حلم ومضيت

معها أتجول .

وكذلك قصة تالا التي وجدت فيها شيئا مني ، لم اكن شقية لكنها

طبيعة الأطفال ، كم من تجارب خضتها وكم من أغراض أتلفتها ، أنا اعتقد

ان التجارب الشخصية التي يقوم بها الصغار ( رغم ان بعضها يمثل خطورة

على حياتهم ) هي التي يتعلمون منها أكثر .

ذكرتني بليلة العيد وجدتي رحمها الله وكفي الذي كان يبيت في لفافة الحناء

وأجمل لون وأزكى رائحة تشمها في صبيحة العيد .

قصتك الأخيرة لا تظهرفقط حكمة الهدهد بل أيضا غرورالطاووس ودهاء

الحجل

سؤال يا أخي كثيرا ما أفكر فيه كلما رأيت طاووسا أو جاء ذكره

لماذا الذكر أجمل من الأنثى ؟ سبحان من خلق كل شيء

لكني أرى في بقية الأجناس أن الغالب ان تكون الأنثى أجمل

هل تعرف الحكمة من ذلك ؟

لك كل الشكر على هذه الواحة الغناء بين القصص والروايات

تقبل تحيتي

دمت بحفظ الله

حسن خليل
10-05-06, 10:13 AM
الأخ حسن خليل

اعود اليوم الى واحتك الصغيرة هنا حيث ترتاح النفس وتهدأ وتجد بردا

وسلاما

أحسنت يا أخي بتقديمك قصصا من أدب الصغار، إن قلت انها أجمل

القصص في هذا المنتدى فلن أتجاوز الحقيقة

تأخذنا معك فيها إلى عالم البراءة والمحبة بعيدا عن الهموم والآحزان

تقدم لنا معارف وحكم نستفيد منها نحن الكبار في تربية أبنائنا

كل قصصك رائعة ، أنا أحببت قصة حارس البستان ، وكذلك قصة مفيدة في

حديقة الحيوان نسيت وانا اقرأها أنك ذكرت في البداية انه حلم ومضيت

معها أتجول .

وكذلك قصة تالا التي وجدت فيها شيئا مني ، لم اكن شقية لكنها

طبيعة الأطفال ، كم من تجارب خضتها وكم من أغراض أتلفتها ، أنا اعتقد

ان التجارب الشخصية التي يقوم بها الصغار ( رغم ان بعضها يمثل خطورة

على حياتهم ) هي التي يتعلمون منها أكثر .

ذكرتني بليلة العيد وجدتي رحمها الله وكفي الذي كان يبيت في لفافة الحناء

وأجمل لون وأزكى رائحة تشمها في صبيحة العيد .

قصتك الأخيرة لا تظهرفقط حكمة الهدهد بل أيضا غرورالطاووس ودهاء

الحجل

سؤال يا أخي كثيرا ما أفكر فيه كلما رأيت طاووسا أو جاء ذكره

لماذا الذكر أجمل من الأنثى ؟ سبحان من خلق كل شيء

لكني أرى في بقية الأجناس أن الغالب ان تكون الأنثى أجمل

هل تعرف الحكمة من ذلك ؟

لك كل الشكر على هذه الواحة الغناء بين القصص والروايات

تقبل تحيتي

دمت بحفظ الله

الأخت ماء الورد:

أحاول قدر المستطاع طرح ما هو مسلي ومفيد ومتنوع في نفس الوقت. وهذه القصص تكاد لا تكون موجودة في المنتديات بشكل عام. ولقد قمت بانتقائها وتنزيلها تدريجياً في المنتدى لأني وجدت بأنها ستكون مفيدة جداً للآباء والأمهات والأطفال.

والقصص التي ذكرتِ بأنها أعجبتك، فأنا كذلك أعجبت بها أشد الاعجاب.

وأما بخصوص سؤالك عن ذكر الطاؤوس لماذا هو أجمل من الأنثى، فلم أقف على السبب في حكمة الله عز وجل في خلقه هذا. وعندما يحضرني ذلك سوف أبلغك بذلك إن شاء الله.

شاكراً لكِ كريم مروركِ لهذه القصص والتعليق الجميل عليها ومواصلتك المستمرة في جهودك ونشاطك المميز في هذا القسم.

وتفضلي بقبول فائق الاحترام والتقدير،،،

دمتِ بحفظ الله ورعايته.

حسن خليل
10-05-06, 02:29 PM
القصة الحادية عشر

بعنوان: أحلام صبي

بقلم الكاتبة: جمانة طه


أحس فارس بالضجر من القراءة، ومن حلّ المسائل الحسابية.

فتح التلفاز، وراح يشاهد بعض أفلام الكرتون التي أدخلت الدهشة إلى قلبه، والخيال إلى عقله. فاندمج مع بطل الفيلم الذي كان فارساً من فرسان أيام زمان، يرتدي الدرع ويضع الخوذة على رأسه والقناع على وجهه ويحمل بيده سيفاً طويلاً.

تخيل فارس أنه بطل يدافع عن أخوته وأصدقائه في فلسطين المحتلة.

نادى أمه، وقال: أنا فارس من الفرسان، أريد أن أذهب وأنقذ المظلومين.

قالت لـه أمه: لا تزال صغيراً يا فارس، افعل هذا عندما تكبر.

- أنا ضجر جداً وأريد أن أفعل هذا الآن.

ضحكت أمه، وقالت: إنك لست فارساً، بل صبي صغير.

- ولكني ضجر ومتضايق، وسأذهب الآن بعيداً.

مسحت أمه على رأسه بحنان، وقالت: إذا ذهبت يا صغيري، فسألحق بك إلى أي مكان تذهب إليه.

- إذا لحقتِ بي، فسأصبح سمكة في جدول غزير المياه، وأسبح بعيداً.

- إذا أصبحتَ سمكة في جدول غزير المياه، فسأصير صياداً، وأصطادك.

- إذا صرتِ صياد سمك، فسأصبح أنا صخرة على جبل عال، ولن تتمكني من الوصول إلي.

- إذا أصبحتَ صخرة على جبل عالٍ، فسأتعلم كيف أتسلق الجبل، وأتبعك أينما كنت.

- إذا تسلقتِ الجبل، فسأختبئ في حديقة بعيدة عن الأنظار.

- إذا اختبأتَ في حديقة بعيدة عن الأنظار، فسأصبح بستانياً وأجدك.

- لن تستطيعي، لأني سأتحول إلى طائر وأحلق بعيداً في السماء.

- إذا تحولتَ إلى طائر، فسأصبح شجرة تأتي إليها، وترتاح على أغصانها.

- إذا أصبحتِ شجرة، فسأصير قارباً صغيراً وأبحر بعيداً.

- إذا صرتَ قارباً صغيراً، فسأصير ريحاً وأحرك قاربك إلى حيثما أشاء.

- عندها سألتحق بسيرك، ألعب على الأرجوحة وأطير من طرف إلى طرف.

- إذا التحقتَ بسيرك، فسأصير لاعبة سيرك، أمشي في الهواء على حبل مشدود، وأصل إليك.

- إذاً سأصبح أرنباً، وأقفز في الغابة من مكان إلى مكان آخر.

- إذا أصبحتَ أرنباً، فسأصير حقلاً من الجزر لتأكل منه ما تشاء.

سكت الصبي برهة، ثم قال: في هذه الأحوال من الأفضل لي، أن أبقى في البيت كما أنا.

ردت عليه أمه: وستجدني دائماً بقربك يا صغيري، أرعى شؤونك، وأسهر على راحتك، وأبعد عن نفسك الضجر.

قبَّل الصبي أمه، فقبلته وضمته إلى صدرها في عناق حنون.

مــوجــه دعوات
11-05-06, 04:12 PM
نمــــــــــــاذج احتوت على الكثير من الدروس المفيده

سلمت يداك

حسن خليل
11-05-06, 06:23 PM
نمــــــــــــاذج احتوت على الكثير من الدروس المفيده

سلمت يداك

الله يسلمك

وأرحبُ بكِ معنا في قسم القصص والروايات.

وأشكركِ على المرور لهذه النماذج القصصية.

بارك الله فيكِ جزاكِ الله خيراً

حسن خليل
12-05-06, 01:23 PM
القصة الثانية عشرة

مملكة الكراسي الخشبيّة

بقلم الكاتب: محيي الدين مينو

إلى صديقي عبد اللّطيف الباير:

-"بُصرى مملكتك، ولا أرضى لك أن تكون ملكاً".

يُحكى أن في قديمِ الزمانِ جندياً، غافلَ يوماً الملكَ، وجلسَ على عرشه، وراحَ يصرخُ صراخاً مُدويّاً:

-"أنا الآن ملكُ البلادِ".

تردّدتْ صرختُه في أرجاءِ القصرِ، ووصلتْ أسماعَ الملكِ وحاشيتِه الّذين فاجؤوا الجنديَّ، وهو ما زالَ جالساً على العرشِ، يرتجفُ من هَوْلِ المفاجأةِ، والجنودُ يُشهرون سيوفَهم الّلامعةَ في وجهِه، ولكنّ الملكَ أمرهم أن ينصرفوا عنه، ويتركوه وهذا الجنديَّ.

نهضَ عندئذٍ الجنديُّ من مكانِه، فأشار إليه الملكُ أن يجلسَ، فجلس، والسّيافُ يتراءى أمام عينيه المذعورتين شاهراً سيفه، يهُمّ بضربِ عُنقِه، فيرتعدُ هَلَعاً وخوفاً. حاول الجنديّ أن يفتحَ عينيه، ويرفعَ رأسَه قليلاً، فلم يستطعْ، وحاولَ أن ينهضَ من مكانِه ثانيةً، فلم تحملْه قدماه، والقصرُ يدورُ به، فلا يهدأُ، ولا يستقرُّ.

سأله الملكُ مستغرباً:

-أتظنُّ أنّ هذا الكرسيَّ الخشبيَّ يجعلُكَ ملكاً؟!".

أجابَ الجنديُّ، وهو يتلعثمُ:

-"هو مجرّدُ حُلُمٍ، يا صاحبَ الجلالةِ، ظلَّ يراودني منذ صغري".

ثمُ أردفَ الملكُ ضاحكاً:

-"أنتَ الآن ملكٌ، وأنا أحدُ رعاياكَ. بمَ ستحكمُ عليّ لو انقلبتُ عليكَ".

هبَّ الجنديُّ واقفاً، وقالَ معتذراً:

-"أستغفرُ اللهَ، يا صاحبَ الجلالةِ، ما أنا إلاّ عبدٌ من عبيدِكَ".

قالَ الملكُ:

-"اجلسْ، اجلسْ، أيّها الجنديُّ، وقلْ لي: كيف ستحكمُ بين هؤلاء النّاسِ الذين لا همَّ لهم إلاّ التآمرُ عليّ وعلى مملكتي".

قالَ الجنديُّ، وهو مطرقُ الرّأسِ:

-"إنّهم-يا صاحبَ الجلالةِ- لا يستحقّون إلاّ الموتَ، فلا رأفةَ بهم، ولا عطفَ عليهم".

قالَ الملكُ:

-"لا شكّ في أنّكَ جنديٌّ مخلصٌ لي وللوطنِ. أيّها الجنديُّ، أنتَ منذ اليومِ وليُّ عهدي الأمينُ".

يُحكى بعدئذٍ أنّ وليَّ العهدِ انقلبَ يوماً على الملكِ، وزجّه في السِّجنِ، حتّى ماتَ، وجلسَ على عرشِه منتشياً، لا يفارقُه لحظةً، ولكنّ جنديّاً غافله يوماً، وجلسَ عليه، وهو يقولُ:

-"أنا الآن ملكُ الزّمانِ".

ويحكى أنّ الملكَ تلمّسَ عندئذٍ رأسَه، وهو يرى أحدَ جنودِه يجلسُ مكانَه، وأمرَ من فوره السّيافَ أن يضرِبَ عنقَه، حتّى يكونَ عِبرةً لغيره من الجنودِ الذين لا يروقُ لهم من كراسي القصرِ جميعِها إلاّ كرسيُّ الملكِ.

دبيّ في 10/3/1999

حسن خليل
13-05-06, 05:52 PM
القصة الثالثة عشر

بعنوان: الأجمل

بقلم الكاتب: محمد قرانيا

قصص قصير جداً


في الربيعِ، والشمسُ مشرقة

حطّ عصفورٌ دوريٌّ على سور المدرسة

سمعَ المعلمةَ

تسألُ الأطفالَ

عن أجملِ امرأةٍ في الوجودِ

لكنَّ العصفورَ طار.

وتنقَّلَ من مكانٍ لمكان.

يسألُ عن أجملِ امرأة

وحين عادَ

والشمسُ لا تزالُ دافئةً.

حكى للفراخِ الصغارِ.

عمّا رأى في النهار.

قال:

ذهبتُ إلى الرسّام.

قلتُ: يا فنَّانَ اللونِ الأجمل

أريدُ لوحةً

لأجملِ امرأةٍ في الوجود.

قال: اذهبْ إلى البستانيّ

***


قلت: يا فنّانَ الروضِ الأخضرِ.

أريدُ وردةً ناضرةً

لامرأةٍ رائعةٍ

قال: اذهبْ إلى بائعِ الوردِ.

***


يا بائعَ الورد:

أريدُ وردةً صافيةً مثل عينيها

قال: اذهب إلى بائع الزنابقِ.

***


يا بائع الزنبقِ:

هل مَسَحَتْ على رأسِكَ أصابعُ الحنان؟

وهل ربتتْ على كتفك يدٌ حانية؟

أريدُ زنبقاً كأصابعها.

قال: اذهبُ إلى بائع الحرير..

***


يا بائعَ الحريرِ:

هل شاهدَتْ أزهارَ الياسَمين؟

أريدُ ثوباً لأجملِ امرأةٍ.

قال: اذهبْ إلى ذلك البيتِ القريبِ.

***


في البيت القريبِ المجاور.

وجدتُ اللوحةَ الجميلة.

رأيتُ امرأةً تعمل بمهارةِ.

تمسحُ زجاج النافذة.

تسقي أصيصَ الزهرِ.

تقتربُ من طفلٍ صغير.

تُسرّحُ شعرَه.

تعطيه قطعةَ حلوى..


***

الطفلُ الصغيرُ يحملُ حقيبتَهُ المدرسية.

وعلى ثغرهِ ابتسامة

يُقَبّلُ يدَ المرأةِ.

وقبلَ أن ينطلقَ

يقولُ: "شكراً يا ماما"

حسن خليل
14-05-06, 09:27 PM
تابع قصص قصير جداً


كأس ماء


غسلتْ ليلى الكأسَ جيَّداً، ثم ملأتْها ماءً، وسارتْ نحو أبيها.

كانَ أبوها يقرأُ الجريدةَ في ظلِّ شُجيرةِ الياسَمين.

عندما صارتْ ليلى قربَ أبيها. طارتْ زهرةُ ياسَمينٍ، وسقطتْ في الكأسِ.

توقَّفتْ ليلى، وفكَّرتْ لحظةً...

سألها أبوها:

ـ ما بكِ يا ليلى؟ أعطني الكأسَ.

ابتسمتْ ليلى وهي ترى أوراقَ الياسَمينةِ يُحَرِّكُها الهواءُ، فتصلُ إليها رائحتُها المنعشةُ، وظلَّتْ واقفةً.

أعاد الأبُ سؤالَهُ:

ـ ما بكِ يا ليلى؟!

ابتسمتْ ليلى من جديدٍ، وقالتْ:

ـ الياسَمينةُ تشيرُ إليَّ... إنها عطشى!

سقتْ ليلى الياسَمينَة، ثم ملأتِ الكأسَ من جديدٍ، وانحنتْ قليلاً، ثم قالتْ مبتسمةً:

ـ تفضَّلْ يا بابا...




الوردة


شمَّتْ (عبير) الوردةَ الحمراءَ، وقالتْ:

ـ هذه الوردةُ جميلةٌ. سأقدّمها إلى معلَّمتي.

لكنَّ أخاها (خالداً) اعترضَ، وقالَ:

ـ سآخذها ـ أنا ـ وأقدِّمُها إلى معلِّمي.

أمسكتْ (عبير) الوردةَ وأبعدتها.

لكنَّ (خالداً) شدَّها...

فحزنتِ الوردةُ، وتناثرتْ أوراقُها على الأرضِ.




انظروا

راقبوا جيِّداً

صديقيَ الصغيرَ

إنه يأخذُ من أبيهِ قطعةَ النقودِ

ويركضُ مسرعاً إلى الحانوتِ.

انظروا إليه

انظروا جيِّداً

إنه كعادتهِ كلَّ يومٍ

يشتري (بالوناً).

انظروا كيف ينفخ (البالون).

ينفخُ....

والبالونُ يكبرُ.. يكبرُ...

ثم ينفجرُ!!!...




بالون سامر

كنتُ مع أهليّ على ضفِّةِ النهرِ، نتمتَّعُ بالمنظرِ الجميلِ...

قلتُ لأخي سامر:

ـ تعالَ نشاهدِ الصيَّادين.

وقفنا دقائقَ ننظرُ إلى الصيادين، وهم يصطادون السمكَ... تمنَّيتُ لو كان معنا (سنارة) نصطادُ بها، ونجرِّبَ حظَّنا...

قلتُ لسامر:

ـ سأشتري شيئاً أتسلَّى به، من الدكان.

ذهبنا إلى الدكانِ القريبِ. كان يحتوي على كلِّ شيءٍ... اشتريتُ قصَّةً ملوَّنةً، لكنَّ سامراً قرَّرَ شراء (بالون).

سألتهُ:

ـ لماذا اخترتَ (البالون)؟

فأجابَ:

ـ لأنَّه يسلِّيني طوالَ الوقتِ.

ضحكتُ في سرِّي، وجلستُ على مَرجٍ أخضرَ بجانب أُمِّي وأبي، أمامَ النهر، وأخذتُ أقرأُ القصَّة، بينما نفخَ سامرٌ (البالون) فصارَ كبيراً.. كبيراً، حتى ظننتُ أنَّهُ سينفجرُ!...

بدأ سامرُ يلعبُ بالبالون. يضربه بيده، فيعلو قليلاً في الجوِّ، ثم يلحقُ به، والسعادةُ تغمرُ نفسَه. لكنَّه ضربَه ضربةً قويةً بيدهِ، فاندفع (البالونُ) بعيداً...

لاحقناه جميعاً بأنظارنا، حتى رأيناه يحطُّ مثلَ بطَّة فوق الماءِ! ... وذهبَ مع النهرِ... مسكينٌ سامر!!.. ظلَّ ينظرُ إليه حتى غابَ عن الأنظارِ، وقد بدتِ الخيبةُ على وجهه... وحين التفتَ إليَّ حزيناً. شاهدَني أطالعُ قصَّتي الملوَّنةَ، ولكني كنت ـ في الحقيقةِ ـ أضحكُ من أعماقِ قلبي، ضحكةً طويلةً...



سهرة

ذاتَ ليلٍ ربيعيٍّ دافئٍ، أحبَّتْ ليلى السهرَ في ضوءِ القمر، حتى ساعةٍ متأخِّرةٍ.

قالتْ لها أُمُّها:

ـ هيَّا يا ليلى. اذهبي إلى النوم.

قالتْ ليلى:

ـ لكنِّي أحبُّ القمرَ.

ـ القمرُ (سيزعلُ) منكِ. إذا لم تنامي الآنَ.

قالت ليلى للقمرِ:

ـ هل صحيحٌ (ستزعلُ) منِّي لأني أُحبُّ السهرَ معك؟

ابتسمَ القمر، وغمرها بأشعَّتهِ الفضيَّة.

عندَ الصباحِ استيقظْت ليلى متأخَّرةً، ونظرتْ إلى أمّها تعاتُبها:

ـ لماذا لم توقظيني باكراً؟

ردَّتِ الأمُّ:

ـ لأنَّ القمرَ قد (زعلَ) منكِ.

عندئذٍ أدركتْ ليلى خطأها، واعتذرتْ من أُمِّها قائلةً:

ـ لن يزعلَ القمرُ مني بعدَ اليوم، لأني سأنامُ باكراً.

حسن خليل
15-05-06, 11:26 AM
القصة الرابعة عشر

بعنوان: من أجل قطرة ماء

بقلم الكاتبة: لبنى ياسين


طق... طق... طق ... يكاد رأسه ينفجر وتدوي الضربات فوق دماغه بطريقة مرعبة ... وضع الوسادة فوق رأسه عله يهرب من هذا الصوت المزعج إلا انه لم يفلح ...طق ...طق... طق ... اللعنة على هذا الصنبور, منذ شهور وهو ينقط بالطريقة نفسها إلا أنها المرة الأولى التي يزعجه فيها ذلك فعلا ... ربما كان السبب في ذلك طفلاه اللذان فاجآه وهو يغسل سيارته, فأخذا يرميان في وجهه بحماس وأدب كل ما قالته لجنة ترشيد المياه والتي كانت لحظه العاثر في زيارة للمدرسة في أسبوع التوعية لتعليم الأطفال فوائد الترشيد كي تطلعهم على مضار هدر المياه بطريقة مستهترة, طق... طق ...طق ... يا لهذه القيلولة المزعجة, يكاد رأسه ينفجر والصنبور يرفض أن يغلق فمه مبتلعا صرخة الاستغاثة المشؤومة التي كانت تنطلق من فمه دون استجابة, بينما تتردد الآية الكريمة التي زرعها ابنه في رأسه ناصحاً "إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين ", وأخيرا وبعد حرب ضروس بين رأسه وأذنيه وصنبور الماء استكان مستسلما لإغفاءة هو في أمس الحاجة إليها.

الصنبور مرة أخرى وهو ينقط في وعاء كبير هاجمه في الحلم, امتلأ الوعاء حتى بدأ الماء بالسيلان عن حوافه, ثم تضخم و تضخم وعاء الماء حتى وجد نفسه فجأة في لجة أمواج عاتية قزما يحاول النجاة بحياته, لم يستطع أن يقاوم لأمواج التي تتقاذفه يمنة ويسرى وترفعه تارة فوقها ثم ترميه تارة أخرى في عمق جسدها الغاضب وهو عاجز عن فعل أي شئ ... حتى الصراخ, فجأة رمت به موجة ضخمة على الشاطئ الرملي, تلفت حوله فإذا بالرمال تحيط به من كل صوب وقد كشفت الشمس عن نواجذها بينما اختفى الماء تماما كأنه لم يكد يغرق فيه منذ لحظة, بدأ يتصبب عرقا من شدة اللظى القادم من قرص الشمس, تلفت يمنة ويسرى عـله يرى ولو جدول ماء صغيراً إلا أن المكان كان صحراء قاحلة ...على امتداد النظر لم يكن ثمة كائن غيره برفقة الشمس والسماء والرمال المشتعلة بلهيب الشمس... لا شئ مطلقا سواهم.

شد قدميه شداً ليُخرج نفسه من هذا المكان, إلا انه لم يكن هناك أية إشارة لوجود كائن حي واحد ولا حتى شجرة صغيرة يحتمي بها من أشعة الشمس الحارقة, بينما بلغ العطش مبلغه وجف حلقه وتيبست شفتاه, قال في نفسه: قد ادفع نصف عمري الآن من أجل كأس واحد من الماء لكن أحداً لن يرغب بهذا الثمن أو غيره إذ لا أحد مطلقا سواه في هذا المكان .

اشتد عطشه اكثر ... لم يعد يستطيع التنفس ... أحس انه يوشك على الاختناق ودارت في خلده ذكريات كان فيها الماء متوفرا بشكل مريح ... لم يكن يعلم أن الماء ثمين إلى هذا الحد ... تذكر سيارته التي كان يرويها بمئات الليترات من الماء لتبدو لامعة ... لو أن كأسا واحدا من هذه الليترات يأتيه الآن وسيدفع مقابله كل ثروته ... إلا أن شيئا من هذا لم ولن يحصل ...هربت من عينه دمعة رسمت طريقا لها على خده ... فكر في نفسه ملهوفاً إنها قطرة ماء ومد لسانه صوبها في محاولة لاصطيادها علها تخفف من لوعة الكبد لقطرة ماء ... هل كان الماء غاليا حتى هذا الحد ؟؟؟

نزلت من عينه دمعة أخرى كان يحاول اصطيادها عندما رنت الساعة معلنة انتهاء قيلولته, فتح عينيه فإذا هو في المنزل وإذا بالصحراء كابوسا دمرته رنة الساعة, لكن صنبور الماء ما زال ينقط ... طق... طق... طق... ودون أدنى تفكير هرول نحو الهاتف يطلب السمكري ليقوم بإصلاح الصنبور وفحص بقية أنابيب المياه .

حسن خليل
17-05-06, 09:15 PM
القصة الخامسة عشر:

بعنوان: الأرنوب

بقلم الكاتب: د. أسد محمد

مرّ فيل ضخم وسط بيوت الأرانب فهدم بيت الأرنب الكبير ، انزعج الجميع من أجله، و قرروا مساعدته في بناء بيت جديد له ، رفض قائلا:

- إن الطقس بارد و لا احتمل الانتظار حتى تبنوا لي بيتا جديداً .

حاولوا أن يفهموا منه ماذا يريد، و اقترحوا عليه أن يجهزوا له البيت المهجور مؤقتاً، فقال لهم:

- أنا الأرنب الكبير وتريدونني أن أنام في بيت مهجور وغير نظيف.

قدموا له عدة اقتراحات أخرى، تظاهر بالغضب وابتعد عنهم، تفقد البيوت مساءً فأعجبه بيت الأرنوب النشيط،ودون أن يسأله، دخل البيت وقال:

- هذا بيتي الجديد، هيا اخرج منه.

تدخلت الأرانب وقالت:

- البيت للأرنوب ولا يحق لك أخذه.

هزّ رأسه ساخراً، وقال،

- لن أسمح له بالدخول إليه أبدا.

تجنبت الأرانب الدخول معه في خلاف لأنهم يعرفون جيداً قوته و المشاكل التي يمكن أن يسببها في حال غضبه، تدخل الأرنوب، وقال:

- قد يغضب ويؤ ذيننا جميعاً، سأبني بيتا جديداً.

اختار المكان وبدأ يحفر وكراً، فجآت الأرانب وساعدته، وتمكن من بناء بيت بسرعة كبيرة، شكرهم على مساعدته، عاشت الأرانب بعد ذلك بسلام، لكن الأرنب الكبير انزعج وظن أنهم تحدوه بسبب مساعدتهم للأرنوب، واعتقد أنهم لا يزورونه بسبب انزعاجهم منه.

فيما بعد أوضحت له الأرانب أنهم كانوا منشغلين بجمع الطعام لذا لم يتمكنوا من زيارته، لم يقتنع بكلامهم، وقال في نفسه:

- لا يزالون غاضبين مني، وسأعاقبهم.

اندفع مساء اليوم التالي واحتل بيت الأرنوب النشيط وطرده منه، ثم نام فيه، توقع في الصباح أن مشكلة ستحدث وسيخرب على الأرانب حياتهم الآمنة، لكن الأرنوب ترك الأمر سراً كي لا يزعج أحداً، تصرف بذكاء ونام في بيته القديم الذي أخذه منه الأرنب، وهكذا راح الأرنوب ينتظر حتى ينام الأرنب في أحد البيتين، ثم ينام في الآخر، وقال:

- لقد أصبح لي بيتان: بيت قديم و بيتي الجديد.

بعد فترة سأل الأرنب الكبير نفسه:

- لماذا لم تحدث أية مشكلة؟ و أين ينام الأرنوب؟

راقب الأرنوب واكتشف السر، فقرر أن يمنعه، ووقف في منتصف المسافة بين البيتين، وقال:

- سأحرسهما جيدا، وأنام هنا، أو الأفضل أن أبني بيتا بينهما، وأمنعه من النوم في بيتي.

فكر في الأمر قليلا وتابع:

- لن أتمكن من بنائه وحدي، و لن يساعدوني.

وقف مساءً بين البيتين، أحس الأرنوب بما يخطط له الأرنب وبأنه سيمنعه من النوم، فراقبه حتى تعب ونام، ثم تسلل ونام في بيته، وعندما علم الأرنب بذلك، اعترف أن الأرنوب النشيط أذكى منه ، وبأن خطته فشلت، فكر في الأمر طويلاً، وأخيرا قال:

- يكفيني بيت واحد، ولا يمكنني النوم في بيتين في الوقت نفسه.

حسن خليل
18-05-06, 11:25 AM
القصة السادسة عشر:

بعنوان: صورة الزعيم

للكاتب الدكتور/ أسد محمد

للتو تباهت أمام والده بأسئلته البريئة ، طبع الأب قبلة على جبينه وخرج لعمله ، تقافز في بهو البيت كهر صغير ، اغتنمت أمه فرصة لعبه وانشغلت عنه في ترتيب أشيائها ، لحق بها ، وطرح عليها سؤالا ، كان الخامس أو ربما السادس كما خمنت لهذا اليوم ، سحبت سبابتها على وجنته حتى انتهت عند هلال جبينه ، وأجابت بهدوء : نمتُ مساءً متأخرةً ، وضعتُ تحت وسادتي حبةَ سكر نبات ، وعندما استيقظتُ صباحا تحولتْ قطعة السكرِ ، وأصبحتْ أنت .

فأجاب مبتسما :

- الآن فهمت كيف أصبحتُ ابنك .

مسحت شعره الناعم كشعر أرنب صغير بيديها الطريتين، ونام في حضنها متأثراً بالحكاية الجميلة التي أكملتها له حول الطيور التي استقبلته ودخلت إلى غرفته من النافذة ، وكيف راح يلعب معها ، وعن الشمس التي تشبه قنديل جدته التي أنارت وجهه الجميل وجعلتها تراه مثل وردة ، والمرآة الكبيرة التي أرسلها له خاله كهدية كي يمشط شعره ويتأمل صورته .

في اليوم التالي سألها ، كيف جاءتْ أخته الصغيرة ، فحكت له حكاية مماثلة عن قطعة سكر النبات ، ففرح ، وحكى الحكاية لأخته الصغيرة التي لم تفهم منها شيئا ، لكنها ابتسمت وراحت تلعب وتشد طرف شرشف سريرها بشغب .

***

كان يقلب وريقات كتاب حضانته ، عندما اقتربت منه أمه ، جثت على ركبتيها بجانبه، وراحت تهجّي له الحروف بدافع إثارة انتباهه وتعليمه ، شرد وهو ينظر إلى لوحة غلاف الكتاب الداخلية ، ثم عبثت يداه بالدفتر الوحيد الذي سحبه من حقيبته ، طلبت منه أن يردد وراءها ، فتثاءب ، ثم كرر بعض الحروف بصوت خافت غير آبه لجهد أمه ، وفجأة سألها :

- ماما ، ماما ، لماذا هذه الصورة هنا ، ومكررة هنا بالقرب من الشمس ؟

أشار إلى صورة الغلاف ، وقارنها بالصورة التي ترافق الحروف التوضيحية في الصفحة التي تحاول شرح حروفها له .

لم تجبه ، وطلبت منه أن يردد ما تلفظه بدقة ، فكرر السؤال نفسه ، عندئذ اضطرت للجواب بصوت خافت " هذه صورة الزعيم " ، فسألها :

- لماذا وضعوها بالقرب من الشمس الحارة مثل النار ؟

تلعثمت الأم ، همهمت ، ثم أرغمته على تكرار كلمة "ضابط" كمثال على حرف الضاد في الصفحة التالية التي قلبت إليها هاربة من الصفحة السابقة محاولة إخفاء الصورة ، وجد صعوبة في نطق كلمة " ضابط" ، وقال بأن المعلمة لم تعطه هذا الدرس ، حاولت الضغط عليه، وكررت الكلمة عدة مرات طالبة منه أن يقلدها ، انتبهت أنها تفعل ذلك لأول مرة معه، وتضغط عليه ، أحست ببعض الضيق، رمشت صغيرها الذي راح يلعب بقلم الرصاص غير مكترث لما تردد من حروف لم يستسغها ، سحبت القلم من يده ، وتوعدته بألا تعطيه مصروفه ليوم غدٍ ، فصاح قائلا، والدهشة تعلو وجهه :

- أريده ، أريده .

- لن أعطيك المصروف إذا لم تلفظ الحروف جيدا .

- أنا بحاجته ، يا ماما ، كي أشتري به قطعة سكر نبات .

- سكر نبات ؟!

- نعم ، اشتريت البارحة ، قطعة سكر نبات ، ووضعتها تحت وسادتي ، ولم يأتِني ولد جميل ، وغداً سأشتري قطعة ثانية وأضعها تحت مخدة أختي ، يمكن أن تأتيها بنت حلوة .

نظرت الأم إلى صورة الزعيم بالقرب من صورة الشمس ، ثم رمقت وجه ابنها البريء مرتبكة، ولديها خشية من سؤال أكيد قد يطرحه أمام المعلمة حول الصورة ، ومِنْ ..

شيهانة
18-05-06, 11:58 AM
اخي حسن خليل
قصص رائعة ومفيدة ..تلك الذي اتحفتنا بها
مجهود متميز ... أحييك عليه
لك مني وافر التقدير والإحترام

حسن خليل
18-05-06, 03:12 PM
اخي حسن خليل
قصص رائعة ومفيدة ..تلك الذي اتحفتنا بها
مجهود متميز ... أحييك عليه
لك مني وافر التقدير والإحترام


أختي شيهانة:

لقد سرّني وشرّفني مروركِ لهذه القصص الرائعة والمفيدة.

لكِ مني فائق التقدير والاحترام.

حسن خليل
20-05-06, 07:50 AM
القصة السابعة عشر

بعنوان: القويقة

حكايات عمتي حكاية شعبية للأطفال

بقلم الكاتب: نزار ب. الزين

كانت جمانة إحدى جواري ملك مملكة سهرورد ، وكانت أثيرته ، يحيطها بعنايته وحبه ؛ وذات يوم أسرَّت له أنها حامل . فرح الملك و وعدها إن أنجبت ذكرا أن يعتقها ويضمها إلى زوجاته ؛ ومن ثم أمر قهرمانته* ألا تسند إليها بعد اليوم أي عمل ، وحتى إشعار آخر . وهكذا قضت شهور حملها محاطة بالرعاية و التدليل إلى أن حان وقت ولادتها .

كانت المفاجأة صاعقة ، عندما إكتشفت الداية أن المولود طائر أنثى من فصيلة الغربان يطلق عليه العامة إسم (القاق) . ما أن رأت النور ، حتى رفرفت بجناحيها ثم طارت إلى أعلى نافذة من نوافذ الغرفة العلوية .

استغرب الحضور هذه الظاهرة العجيبة ثم أطلقوا على جمانة لقب ( أم القويقة ) ، وعندما تنامى خبر ( القويقة ) وأمها إلى مسامع الملك ، غضب غضبا شديدا ، وأمر بإعادة جمانة إلى المطبخ ، لتقوم فيه بوظيفة تقشير البصل و الثوم .

ثم أخذت جواري القصر و سيداته وعبيده وأطفالهم ، يرشقون القويقة بأي شيء يقع في متناول أيديهم في كل مرة يصادفونها، دون يتمكنَّ من إصابتها أحد ، فقد كانت تتنقل بين النوافذ العلوية من إفريز لأخر بمهارة فائقة ، وهي تصيح محتجة : " قاق .. قاق .. "

ولكن في الليل ، كانت تنحول (القويقة) إلى طفلة حلوة تندس في فراش أمها ، فتضمها هذه إلى صدرها حانية وترضعها من لبنها ، وقد آلت على نفسها أن تكتم سرها وأن تحتمل إضطهاد الجميع لها ، خشية أن يظن الآخرون أنها من الجن أو العفاريت ، فيلحقون بهما الأذى .

واستمرت (القويقة) في سلوكها هذا ، تتحول إلى طائر في النهار وإلى طفلة رائعة الجمال في فراش أمها في الليل .

وذات يوم ربيعي ، سمعت ( القويقة ) أن بنات القصر سيقمن بنزهة يجمعن خلالها الزهور البرية ونباتات الخبيزة والفطر من بساتين القصر الفسيحة وروابيه ، فقررت (القويقة) أن ترافقهن ، فحملت سلة في منقارها وطارت بها فوق رؤوسهن، ثم إختفت ، و كم كانت مفاجأتهن كبيرة عندما شاهدنها وقد ملأت سلتها بالخبيزة والفطر قبلهن ، ثم وهي تسبقهن نحو القصر ، فدخلت إلى حيث أمها تقشر الثوم والبصل ، فهبطت بسلتها فوضعتها بين يديها ، ثم إنطلقت طائرة إلى اقرب نافذة علوية .

وعندما قدم الصيف ، قررت فتيات القصر أن يذهبن إلى بحيرة قريبة ضمن أسوار القصر ليقضين يومهن هناك .

وبينما كن يلعبن و يتراشقن بالماء وتسبح منهن من تجيد السباحة ، لحقتهن (القويقة) ثم وقفت في أعلى شجرة جوز وأخذت تشاهدهن وتراقب لعبهن ، وتبحث في الوقت ذاته عن ركن يمكنها أن تسبح فيه وهي متوارية عن أنظارهن .

وما لبثت أن عثرت على المكان المناسب في طرف البحيرة، تظلله أشجار الصفصاف وقد أمتدت أغصانها فوق سطح البحيرة .

طارت إليه في الحال ، وابتدأت تخلع ثوب الطائر الأسود الذي كانته ، لتخرج منه ( صبية لبية تقول للقمر غيب لأجلس مكانك قاضي ومفتي ونقيب )* ثم إبتدأت تغطس في الماء البارد المنعش و تعبث به وهي في غاية النشوة والحبور.

تصادف أن مر صفي الدين إبن وزير الملك الأول قرب البحيرة أثناء عودته من رحلة صيد و قنص ، فشاهدها وهو في غاية الذهول وهي تنض عنها ثوبها لتتحول من طائر إلى فتاة رائعة الجمال ، فاختطف الثوب وخبأه ، فغطست (القويقة) في الماء فلم يعد يظهر منها غير رأسها ، وأخذت ترجوه أن يستر عليها ويعيد إليها الثوب .

أجابها جادا : " لن أعيده إليك ، قبل أن تخبريني ، هل أنت أنسية أم جنية " فأقسمت له أنها إنسية بنت أنسي وأنسية ، و أن ما شاهده منها إن هو إلا قدرة إلهية لا يعلم سرها إلا الله وحده .

رمى إليها بعبائته قائلا : " اما ثوب الطائر الأسود فلن ترتديه بعد اليوم ، لأنك سوف تصبحين زوجتي على سنة الله ورسوله ، ثم أردفها خلفه فوق حصانه و مضى بها إلى حيث سلمها لوالدتها .

حدَّث صفي الدين والدته بشأنها و أنه قد وقع في حبها و غرامها ، التي نقلت خبرها لزوجها وزير المملكة الأول ، الذي أخبر الملك – بدوره – في شأنها ، ثم شاع الخبر في القصر والكل في غاية الدهشة و التعجب بين مصدق ومكذب .

وفي اليوم التالي استدعى الملك جمانة التي أقسمت له أغلظ الأيمان بأنها لم تعاشر من الرجال غيره ، لا من الإنس ولما من الجن ، وأن ( القويقة ) هي إبنته ، وأن ما جرى لا تستطيع تفسيره إلا بأنه من قدرة الله .

تعرف الملك – من ثم - على ( القويقة ) فضمها إلى صدره وهو يناديها بأعذب عبارات الحب والحنان ، فبكت من شدة الفرح وأبكت كل من حولهما ؛ ثم أعلن للجميع أن اسم إبنته أصبح منذ الساعة شمس الشموس ، وحذر من يناديها بالقويقة بعد اليوم بأوخم العواقب، ثم أعلن للملأ إعتاق جاريته جمانة ، وطلب من مفتي الديار عقد قرانه عليها ، لتصبح واحدة من زوجاته ، حرة كريمة ، وأقربهن إلى قلبه . ثم تقدم الوزيرالأول لخطبة شمس الشموس من أبيها الملك لإبنه صفي الدين ، فوافق في الحال .

وعمت الأفراح و الليالي الملاح ، وارتفعت الأعلام وإنتصبت الزينات ، وقُرعت الطبول وصدحت المزامير ، وأقيمت حلقات الدبكة والزار ، في كل أرجاء المملكة ، وأعلن المنادي لسكان العاصمة ألا يأكل أحد أو يشرب إلا في قصر الملك ، سبعة أيام بلياليها ؛ زُفت في نهايتها شمس الشموس لعريسها صفي الدين .

(وتوتة توتة خلصت الحدوته )*
----------------------------

*قهرمانة : رئيسة الجواري

*صبية لبية تقول للقمر غيب لأجلس مكانك قاضي و مفتي و نقيب : تعبير عامي شائع يستخدم لوصف الفتيات رائعات الجمال

*(و توتة توتة خلصت الحدوته) : تعبير شعبي يقال عند إنتهاء الحكاية .

ماء الورد
20-05-06, 06:26 PM
*(و توتة توتة خلصت الحدوته) *

أستاذنا المبجل حسن خليل

كلما شعرت بضيق أو قرأت شيئا أحزنني جئت إلى هنا
لا أكتب ردا لكن أمتع نفسي وأسليها بما تسطره أنت من قصص تبعث الراحة في النفس وتعيدها إلى صباها ، أقرأها أكثر من مرة
أسجل اعجابا بما اخترته
أردت ان أختار بعضها فأبت إلا أن تأتي كلها
أحلا م صبي وحب أم كلما فكر في الابتعاد وجد أنه لا مفر من حضن أمه
قصص قصيرة جدا ( وأجمل امرأة في الوجود ، كأس ماء ، بالون سامر )
من أجل قطرة ماء
الأرنوب
صورة الزعيم ( سنعمم وصفتك على من يرغبون في الانجاب حبة سكر نبات توضع تحت الوسادة تصبح يوما صبيا ويوما صبية )
القويقة (و صبية لبية تقول للقمر غيب لأجلس مكانك قاضي و مفتي ونقيب)
شكر الله لك وأسعدك كما أسعدتنا

ننتظر المزيد من هذا القصص الرائع
ومثلك أستاذي وكما عودتنا لن تتوانى في إجابة سؤلنا

بارك الله فيك

تقبل تحيتي

دمت بحفظ الله

حسن خليل
20-05-06, 07:18 PM
*(و توتة توتة خلصت الحدوته) *

أستاذنا المبجل حسن خليل

كلما شعرت بضيق أو قرأت شيئا أحزنني جئت إلى هنا
لا أكتب ردا لكن أمتع نفسي وأسليها بما تسطره أنت من قصص تبعث الراحة في النفس وتعيدها إلى صباها ، أقرأها أكثر من مرة
أسجل اعجابا بما اخترته
أردت ان أختار بعضها فأبت إلا أن تأتي كلها
أحلا م صبي وحب أم كلما فكر في الابتعاد وجد أنه لا مفر من حضن أمه
قصص قصيرة جدا ( وأجمل امرأة في الوجود ، كأس ماء ، بالون سامر )
من أجل قطرة ماء
الأرنوب
صورة الزعيم ( سنعمم وصفتك على من يرغبون في الانجاب حبة سكر نبات توضع تحت الوسادة تصبح يوما صبيا ويوما صبية )
القويقة (و صبية لبية تقول للقمر غيب لأجلس مكانك قاضي و مفتي ونقيب)
شكر الله لك وأسعدك كما أسعدتنا

ننتظر المزيد من هذا القصص الرائع
ومثلك أستاذي وكما عودتنا لن تتوانى في إجابة سؤلنا

بارك الله فيك

تقبل تحيتي

دمت بحفظ الله

الأخت الفاضلة ماء الورد:

يطيب لي ويسرّني تواجدكِ في صفحاتنا بين هذه القصص المختارة في أدب الأطفال.

وكما سبق وذكرت بأن هذه القصص تبعث الراحة في النفس والطمأنينة والسعادة.

وما هذا الاختيار إلا بتوفيق الله عز وجل في البحث عما هو مفيد ومسلي وممتع في نفس الوقت ثم بفضل تشجيعكم المتواصل لنا في بذل المزيد من الجهود.

وأبشري بالمزيد من القصص في هذا الجانب فما زال في جعبتنا الكثير منها. (قريباً جداً إن شاء الله).

تقبلي خالص شكري وتقديري واحترامي.

ودمتِ بحفظ الله ورعايته.

حسن خليل
20-05-06, 09:36 PM
القصة الثامنة عشر:

بعنوان: القلم الساحر

بقلم الكاتب: السيد نجم

ما أن تستضاء الأرض في مطلع كل نهار, حتى ينهض "توما" من النوم, ويمسح بجبهته التراب, تحية لله, ثم يجمع أدوات الكتابة .. القلم المصنوع من أعواد الغاب, وأحبار سوداء صنعها من نبات النيلة, وملف كبير من أوراق البردي.

بعدها يذهب إلى مدخل سوق القرية, فيكتب للفلاحين الشكاوى والمظالم, وما جعل الجميع يحبونه كثيرا, كما أحبهم.

في صباح كل يوم جديد , يتربع "توما" في جلسته فوق المقعد الحجري. فهو صاحب لقب "حامل القلم", بعد أن درس الحكمة وفنون الكتابة في "بيت الحياة" وهو الملحق بمعبد مدينة "طيبة" عاصمة الدولة. في هذا الصباح بالذات, شاف "توما" علامات الفزع على وجوه الناس, علم أن اللصوص هاجموا كل حظائر القرية في ليلة الأمس, وسرقوا البهائم وأيضا القمح والشعير من المخازن.

حزت "توما" حزنا شديدا, وبينما جلس يفكر ويبحث عن حل مناسب, دخل عليه ثلاثة رجال يعرفهم .. شيخ البلد, شيخ الخفر, أحد أشراف القرية. رحب بهم, وبدأوا جميعا في حديث طويل.

قال شيخ البلد:

"يا "توما"..إن المسافر يجئ إلينا بالحمير المحمّلة بالتوابل والملح والأخشاب.

أما أنت فقد سافرت وعدت إلينا بالعلم والمعرفة والحكمة .. وميزك الله بالقلم"

تابع شيخ الخفر:

"أعترف أني عاجز عن مواجهة هؤلاء الأشرار, لم تعد قوة رجالي تكفى, أنا وكل الخفر في حاجة للاستماع إلى حكمة قلمك"

شارك الشريف قائلا:

"أهل قريتنا طيبون, ليس فينا من يسئ إلى آخر, ونحن معا نطعم الجائع, ونكسو العاري, ونحترم المسن, ونساعد الأرامل واليتامى"

بانفعال قال شيخ الخفر معلقا:

"ليس عندي غير الرمح والسهم, نمزق بها أجسادهم .. ماذا يفعل "القلم" المصنوع من الغاب الضعيف؟ الناس في القرية خائفين من اللصوص!"

وقف "توما" وكأنه اكتشف الفكرة الساحرة, والحل العجيب المدهش, قال لهم:

" وجدت الحل.. لن نقضى على الأشرار قبل أن نقضى على الخوف الذي يملأ قلوب الناس"

فنظر ثلاثتهم إلى بعضهم البعض في دهشة!! .. من جديد تابع "توما" قائلا:

"من يحاول أن يخرس القلم, سوف يخرسه الله إلى الأبد"

ففهموا ما يعنيه حامل القلم "توما", وانتظروا تفاصيل الفكرة التي يريد تنفيذها.
...... ....... ...... ....

وفى اليوم الجديد, سمع أهل القرية غواق الغربان كلها (صوت الغراب), تساءلوا في حيرة وقلق:

"هذا الصوت نذير سوء, ماذا حدث ليلة الأمس؟؟"

وخرج شيخ الخفر ورجاله يبحثون عما حدث, فعلموا أن الفلاح الفقير الأخرس "نو" اختفى في ليلة الأمس !. فلما كانت زوجته ممن يتكلمون وليست خرساء, أخبرتهم بالتفاصيل كلها .. وقالت وهى حزينة حزنا شديدا:

"بعد منتصف ليلة الأمس, دخل علينا ثلاثة لصوص ملثمين, يضعون قطعا من الكتان فوق وجوههم .. هددوا زوجي المسكين الأخرس, ثم سرقوا كل ما نملك. سرقوا الصندوق الخشبي الأسود الذي نحتفظ بداخله بكل ما نملك"

وبعد أن فر اللصوص بالصندوق, خرج الفلاح الأخرس الفقير "نو" ولم يعد حتى الصباح.
..... ....... ....... ......

وبينما جلس الفلاح "نو" عند ضفة النهر يبكى, منذ شروق الشمس وحتى غروبه, ظل الرجل يبكي وهو يبتهل إلى الله.. أن يسمع شكواه, وأن يستجيب إلى دعواته في التخلص من اللصوص .. وعودة ثروته القليلة التي يملكها.

وفجأة لمح سطح مياه النهر يعلو .. نعم, يرتفع إلى أعلى, ثم تنشق المياه إلى نصفين. وإذا بحورية جميلة تخرج من الشق الذي رآه في النهر .. كانت جميلة ورشيقة, ولها شعر أسود طويل يصل إلى نصفها السفلي, نصفها الذي هو على هيئة زعنفة سمكة.

بكل ما يملك من قوة حاول "نو" أن يبدو قويا, وأشار لها بيده وهو يرجوها ألا تؤذيه. فضحكت الجميلة, وقالت له:

" لا تخف يا عم نو... جئت كي أراك وأطلب منك الاطمئنان لأن الله يحمى الضعفاء, وأنت قاومت اللصوص, لكنهم كانوا أقوى منك"

ثم اختفت بسرعة, وعادت مياه النهر إلى سابق حالها, وكأن شيئا لم يكن..!

من شدة الخوف, بدأ الفلاح المسكين الأخرس "نو" يدعو الله قائلا في نفسه:

"أنت الله, سيد السماء والأرض, ولا تشرق الشمس إلا بأمرك....

أدعوك أن تبدد شقائي, وخوفي, وتعيد لي الصندوق الخشبي"

بينما هو هكذا, إذا بسطح مياه النهر تنشق ثانية, وتخرج العروس الجميلة مبتسمة. اقتربت منه, وأعطته قطعة صغيرة من الغاب , صفراء اللون, ذهبية المظهر مع ضوء القمر الساطع في كبد السماء.

أمسك "نو" بقطعة الغاب دهشا, ومن جديد بدأ يبكى. وكلما سقطت دمعة فوق قطعة الغاب تشكلت بشكل القلم الذي يشبه قلم "حامل القلم توما"!!

أسرع عائدا إلى زوجته التي فرحت بعودته, أخبرها بطريقته بكل ما حدث, وفهمت كل الحكاية. معا خرج إلى بيت شيخ البلد فورا.

قصت الزوجة المخلصة كل تفاصيل الحكاية, حكاية القلم السحري هذا. ولم ينتظر شيخ البلد طويلا, استدعى شيخ الخفر وشريف القرية, وأسرعوا جميعا إلى دار توما".

قالوا جميعا لتوما:

"الآن حان الوقت ليبرز دورك يا حامل القلم.. أنها رسالة الله إليك في هذا القلم,

وعلى يد هذا الفقير "نو"."
...... ....... ....... ........

في الصباح الجديد, جلس "توما" عند رأس السوق, فوق المقعد الحجري كعادته .. يكتب على الورق البردي, ثم يدور بين لناس في السوق يوزعها عليهم.

كتب في اليوم لأول يقول: (أهلي قريتي الأحباء..كل صباح ومساء قولوا معي .. أيها اللصوص ستصيرون شعلة من النار, وستغرقون , بسبب شروركم) لفترة تجاهل الناس ما يقرأون, ويديرون وجوههم أمام نظرات "توما" المعاتبة لهم كلما التقى بهم داخل السوق أو خارجه.

في يوم آخر كتب "توما" يقول: (أنت يا من تقرأ تلك البردية .. لا تجعل وجهك يعبس مما حدث وحسب, يجب أن تدبر أمرك في هدوء وبسرعة) فبدأ الناس يتساءلون, ويتناقشون معا:

" ماذا نفعل واللصوص أقوياء وأشرار؟"

" كيف نواجههم ؟؟"

فرح "توما" بالأسئلة, وقال لهم جميعا:

"الخطوة الأولى, أن تقلعوا الخوف من قلوبكم, وأن تزرعوا الشجاعة مكانها).

رويدا بدأ الجميع يردد أقوال توما, وحفظها الأطفال الصغار, وحتى إن لم يفهموا معناها. وفى الأسواق وفى كل مكان بدأ الجميع يغنى, بقلع الخوف وزرع الشجاعة !!

وأصبحت كلمات "توما" تردد في الأفراح, وأيام تحنيط موتاهم.
....... ...... ....... ......

كانت السيدة العجوز "حور" تجمع البيض في السلة كل أسبوع, لتبيعها في السوق وتشترى ما تحتاجه من قمح وفاكهة وغيرها. وهى في طريقها إلى السوق, قابلها اللصوص واستولوا على السلة الممتلئة بالبيض!!

الحقيقة لم يكن الأمر هكذا ببساطة وسهولة, لأن السيدة العجوز لم تستسلم للصوص. فقد قال لها كبيرهم:

"أعطنا السلة أيتها العجوز "

فقالت لهم:

" أنا سيدة عجوز, وبهذا البيض سوف أحضر طعامي لأسبوع كامل...

أرجوكم , اتركوه لي ..."

فضحك اللصوص, وسخروا منها ومن دموعها, حتى قال أحدهم:

" لماذا العناد أيتها العجوز, سوف تنفذين أوامرنا فورا؟ "

فلما لمحت العجوز أحد شباب القرية, قادم من بعيد, تشجعت, وصرخت في اللصوص بصوت مرتفع, قالت:

" لن يحدث, لن أعطيكم طعامي لأسبوع كامل..."

فلما ضحك اللصوص ثانية, قالت:

" لن يرحمكم الله لو حاولتم استخدام القوة معي..."

أحد اللصوص صرخ فيها:

" دعك من الحكمة التي يصيح بها "توما" ليل نهار"

فهمس أحد اللصوص إلى كبيرهم:

" يبدو أننا سوف نعانى كثيرا بعد كلمات "توما" هذا"

وما أن بدأ أحدهم انتزاع السلة من يد العجوز بالقوة, بدأت العجوز في المقاومة, وضمت السلة إلى صدرها بقوة, وبدأت تصرخ بكل قوتها:

"لن أدعكم تسرقوني .... اقتلوني ولا تأخذوا طعامي"

ما بين الشد والجذب بين اللصوص والعجوز..سقطت السلة إلى الأرض, وتحطم البيض!

وكانت لحظة وصول شباب القرية, اندفعوا جميعا نحو اللصوص, للمرة الأولى يفاجأ اللصوص بمقاومة شباب القرية, فأسرعوا يجرون في كل اتجاه, وفى كل مكان بعيدا عن العجوز والشباب القوى !

للمرة الأولى يعدو اللصوص, ويرجون النجاة من أحد أفراد القرية!
..... ...... ..... ......

بسرعة وصل اللصوص إلى المغارة البعيدة القاطنة في قلب الجبل القريب من القرية, بدأ كبيرهم الكلام محذرا من المستقبل وهو يتساءل:

" ما حدث اليوم خطير يا رجالي .. يجب أن نبدأ خطة جديدة"

علق آخر:

" بل يجب أن ننزل بكل سكان القرية العقاب الشديد على ما بدر من شبابهم اليوم..."

وبعد مناقشات طالت, علق كبيرهم في حسم قائلا:

"اسمعوا.. يجب تنفيذ كل كلمة أنطق بها الآن.

إن سر ما حدث كان بسبب كلمات الكاتب "توما", ولا حل إلا أن نسكت هذا القلم."

فعلق الجميع في دهشة:

" وماذا نفعل مع الكلمات أو هذا القلم المصنوع من الغاب؟؟!"

جادا علق كبيرهم:

" نعم.. سوف نسرق هذا القلم, مهما كلفنا ذلك من جهد أو مشقة"

ردوا عليه بصوت متردد:

" موافقون!!!"
...... ....... ....... .......

بينما كان صاحب القلم الساحر "توما" خارج داره, يتأمل السماء الصافية والنجوم المتلألئة ليلا في منتصف الليل. إذا باللصوص يتسللون إلى داره , يبعثرون كل شئ, يبحثون عن القلم الساحر. ولم يشعر بهم "توما" لفترة طويلة, حتى نجحوا في مهمتهم الشريرة !

في الصباح انتشر الخبر, وعلم أهل القرية بما حدث مع "توما" وقلمه السحري. ومع ذلك ردد الجميع, وقالوا لتوما:
"كلماتك الآن في قلوبنا, لسنا في حاجة لي القلم المسروق"

فرح "توما " بما سمع, ولم يعلق.

وبينما شيخ القرية وشيخ الخفر وشريف القرية , كلهم معا يتحدثون مع "توما". سمع الجميع بعض الضوضاء في مؤخرة السوق هناك.

اندفعوا ...

كلموا اقتربوا أكثر من مصدر الهرج والمرج والضجيج, كلما اتضح الموقف أكثر..لقد حاول اللصوص سرقة الماشية كعادتهم في الأسواق..لكن ما حدث اليوم, أن قاومهم الجميع.. الصغير والكبير, الرجال والنساء.. كل أهل القرية الموجودون في السوق قاوموا اللصوص. أنزلوا بهم إصابات شديدة, وعجز كل اللصوص عن الفرار!!

وبدأت مهمة الخفر, ليعلن شيخ الخفر أنه تم القبض على كل اللصوص. وبعده أعلن شيخ القرية عن شكره إلى الجميع, وقبلهم كلهم "توما" الكاتب المخلص الأمين .. وابتسم وهو يقول:

"بل كل الشكر إلى قلمه الساحر العجيب"

هلل الجميع, وزغردت السيدات, ثم طلبوا أن يسمعوا كلمات "توما" إليهم, بعد انتصارهم على اللصوص, فقال:

"سوف يهلك كل من يحاول سرقة أهل قريتنا ....

ليس بسبب القلم الساحر كما تقولون.. لأنه سرق!!"

فعبر الجميع عن خوفهم, وانزعجوا, ليتابع "توما" قائلا:

" الآن القلم الساحر أصبح في قلوبكم.. وكل كلمة أنتم قادرون على تنفيذها قبل أن يكتبها, لأنكم أصحاب حق, ولا تقولون أو تفعلون إلا الحق".

ومن جديد هلل الجميع فرحا بعد خوف وقلق. وقضت القرية ليلة من أسعد الليالي, ما بين الغناء والرقص والأفراح في كل مكان.

حسن خليل
24-05-06, 02:54 PM
القصة التاسعة عشر

معنى القوة

قصة أطفال (المرحلة السنية من 9 حتى 11 سنة)

كنت في طفولتي أحب الأسد كثيرا, وكلما اشتقت لرؤيته, أطلب من أبى زيارة حديقة الحيوان, أو الذهاب إلى السينما التي تعرض فيلما فيه أسد.

ذات مرة انشغل أبى في عمله, ولفترة طويلة لم أر الأسد. وفى صباح جديد, وأنا أمشط شعري أمام المرآة, تهيأ لي فجأة وقد نبتت "شوارب" طويلة في وجهي, وكذا رأيت "لبدة" من الشعر الكثيف الأصفر حول رقبتي. كان لونها مثل لون الذهب, ففرحت لأنني أصبحت أسدا قويا !!

فخرجت من الحجرة أزأر, تماما مثل صوت الأسد الذي أعرفه وأحبه. وببساطة تقدمت نحو الأكواب الزجاجية أعلى المائدة في الصالة, كي أحطمها.

لما سألني أبى عن سبب فعلتي تلك, أجبت مبتسما:

"لأنني قوى مثل الأسد"

فورا قرر أبى قرارا همس به في أذن أمي. فطلبت منى ومن أخوتي الاستعداد كي نذهب إلى حديقة الحيوان.

بعد فترة قصيرة, قدم أبى لي كتابا عن عادات الأسد, وطلب منى الاطلاع عليه ونحن في الطريق, وحتى نرى الأسد في عرينه.

عرفت أنه الحيوان الوحيد الذي لقبه العرب بالكثير من الألقاب والأسماء, منها..الليث, أسامة, غضنفر, ضرغام, هزبر..وغيرها الكثير.

دهشت, عندما قرأت أن من عادات الأسد, أنه لا يأكل إلا عندما يشعر بالجوع, ولا يهاجم فريسته في الغابة إلا عندما يجوع, ولا يأكل من الفريسة إلا بقدر حاجته ويتركها لبقية الحيوانات تأكل منها.

قبل أن أنتهي من الكتاب, صرخت فرحا بتلك المعلومات, ولما أخبرت أبى عن شعوري, طلب منى الانتظار حتى نهاية الرحلة.

فلما وقفنا جميعا أمام عرين الأسد (أو بيته) في حديقة الحيوان, رأيته قلقا حائرا ويدور حول شبلين صغيرين, هما أولاده. كان دوما يحرص على إبعادهما عن سور القفص الحديدي الخارجي. فلما سألت الحارس عن سبب قلق الأسد على أولاده.. قال:

" لأنه يحبها ويخاف عليها من الزوار"

دهشت أكثر في نفسي, أسأل: "كيف يكون الأسد قويا هكذا, وعطوفا جدا, بل وكريما مع الحيوانات الأخرى؟!!"

يبدو أن صوتي كان مرتفعا, وسمعنى أبى, وإلا لماذا سألني أبى قائلا:

"والآن هل عرفت المعنى الحقيقي للقوة؟؟"

حسن خليل
29-05-06, 09:14 PM
القصة العشرون

الحمامة الذهبية

بقلم الكاتب: عز الدين جلاوجـي


ما إن فرغَ جدُّنا من صلاة العشاء حتى أحطْنا به وأمسكنا بعنقه نُلِحَّ في أن يقصَّ علينا قصة طريفةً كما تعود كل ليلة…وجدُّنا طيب القلب لا يمكن أن يرفض لنا طلبا… ضحك من أعماق قلبه… عدل كوفيته جيدا فوق رأسه وقال وقد علا وجهَهُ حزنٌ عميقٌ:

-سأقص اليوم عليكم ياأحفادي الأعزاءَ قصةَ الحمامةِ والقردِ والخنزير …

يُروَى أن حمامة بيضاءَ ناصعةَ البياض لها رأس ذهبيُ اللونِ وجناحان خضراوان، وهي كما تلاحظون تحفةٌ عجيبةُ لم ترَ الخليقةُ مثلها قطُ وكانت هذه الحمامة تعيش آمنةً مطمئنةً في حضن شجرة زيتون وارفة الظلال كثيرة الثمارِ، ولم يكن لتلك الحمامةِ ما يشغلها غير الهديلِ والتحليق على التلال والتمتعِ بروعة الطبيعة أو كانت تقضي وقتها مع فراخها الصغارِ، تناغيها وتداعبها أو تقص عليها القصص الطريفةَ الجميلةَ، وحدث ذات يومٍ أن فاجأها قرد أبيضُ وجدته ممددا على فروع شجرة الزيتون النضرةِ، وهاجت الحمامةُ ذاتُ الرأس المذهَّبِ وصاحت في القرد: الشجرةُ شجرتي، عشت فيها منذ طفولتي، وفيها عاش آبائي وأجدادي، فما الذي جاء بك إليها؟

أظهر القرد غضبه الشديدَ وقال: ما ينبغي لك أيتها المعتوهة أن تنطقي، أنت ضعيفة وأنا قوي ولا حيلة لك سوى أن تغادري هذه الشجرة .

وهزت الدهشة الحمامةَ فرفرفت قريبا منه وقالت:

- أنت تهددني ظلما وعدوانا أيها المغتر بقوته، ولكن لا تنس أنني أقوى منك.

ضحك القرد حتى ظهرت أضراسه المسوسة وقال: كم أنا نهم إلى رأسِكِ المذهب وجناحيك الخضراوين.

خشيتْ الحمامة على نفسِها فحملت أولادها ورفرفت بهم بعيدا إلى أعلى غصن في الشجرة، وباتت مرتجفة بعيدة عن عشها… ولكنها باتَتْ تفكر في كيفيةِ الخلاصِ من هذا القرد اللعين، واهتدت في الليل إلى حيلة ذكيةٍ قررت أن تنفذها في تلك الليلة.

وما كاد الظلام يخيمُ ويشتد حتى تركت الحمامة فراخها حيث هيَ، ونزلت إلى الأرض فاختارت صخرةً كبيرةً، وراحت تحدد منقارها عليها حتى إذا تأكدت من حدَّتِه رفرفت بهدوء إلى حيث يغط القرد في سبات عميق، واختارت عينَه اليمنى وبقوة نقرتها نقرة حادةً، وارتفع عويل القردِ وصياحُه يشقُّ عتَمَةَ الليلِ متألما، وقفزَ إلى الأرض …

فرِحت الحمامةُ المذهبةُ الرأس بهذا الانتصارِ وصاحت: أرني قوتَك أيُّها المُغترُّ بنفسه وبضخامة جثتِه... وراح القردُ يتمرغُ ويهدد، فلم تجبه الحمامة المذهبة الرأس، ورفرفت بجناحيها الخضراوين إلى قمة الزيتونةِ، فحملت فراخَها، وعادت بهم إلى عشِّها الهادئِ الآمنِ.

في الصباح حين أشرقت الشمسُ الذهبية استيقظت الحمامة من نومها، وأيقظَت فراخها الصغيرةَ ليبدؤوا جميعا يوما جديدا سعيدا لكنَّهم فوجئوا بصياح القرد مهددا:

- لن أدَعَكِ تهنئين بهذه الزيتونة المباركة، وإني عائدٌ إليك لا محالةَ، كل حلمي أن أحصل على رأسِك المذهب وجناحيك الخضراوين.

ضحكتْ منه الحمامةُ وقالت: لقد أشفقت عليك ففقأتُ أحدَ عينيك، وتركت لك الأخرى، فإنْ عاندت وعدتَ فقأتُ عينك الثانيةَ وتركتك أعمى لا تبصر شيئا، فلا تفكرْ في العودة أيها الشقيُّ.

و لم يبرحِ القردُ المكانَ إلا وهو يهددُ الحمامةَ بالويل والثبورِ، وأنه عائدٌ لا محالةَ لينتقم منها ويستوليَ على الشجرةِ المباركةِ.

فكَّر القردُ كثيرا حزينا منكسرَ البالِ والدمُ ينزفُ من عينهِ المفقوءةِ، ولمعتْ في ذهنِه فكرةٌ جهنميةٌ فصرخَ بأعلى صوتِه: قضيتُ عليكِ أيتُها الحمامةُ، قضيتُ عليك.

وراح يحدِّث نفسه، لا حيلة لي إلاَّ أن أستعينَ بصديقي العزيزِ في تحقيقِ هدفي، هو لنْ يردَّ لي طلبا إذْ طالما خدمتُه خدَماتٍ جليلةٍ.

وانطلق القردُ يطوي الجبالَ والوديانَ حتى وصلَ إلى بيتِ صديقِه، دقَّ البابَ مرةً وثانية وثالثةً، فلما يئِسَ ولَّى راجعا، وإذا بالباب يُشقُّ ببطءٍ شديدٍ وحذرٍ كبيرٍ، ويطلُّ منه رأسُ الخنزيرِ الأسودِ، وماكادَ يتعرفُ على الطارقِ حتى خرجَ إليه وارتمى في حضنِه قائلا:

- لا تلُمْني ياصديقي أنتَ تعرفني كثيرَ الحرصِ والحذرِ، ضحكَ القردُ متناسياً آلامَه وقال:

- أهو الحذرُ أمِ الجبنُ أيها الرِّعديدُ؟

ثم سكت فجأةً، ووضع يدَه على عينه المفقوءةِ، وراحَ يئِنُّ ويتألمُ قائلا: أنا في ورطةٍ يا صديقي العزيزَ، تصورْ مجردُ حمامةٍ لعينةٍ فقأتْ عيني بهذا الشكلِ المَشينِ، لقد ذهبْت إليها، أتَرَجاها مرةً، وأُرْهِبُها مرةً، كي تتنازلَ لي عن شجرةِ الزيتونِ المباركةِ التي تسكنُها في أعلى الربوةِ، فرفضتْ ذلك وقابلتُ أنا الأمرَ باستهزاءٍ وإذا بها تباغِتُني ليلاً فتفقأ عَيني.

صاحَ الخنزيرُ هلعًا وقال: ما أشرسَها ! ، حمامةٌ هذه أم أفعى سامةٌ؟ وأنتَ يا صديقي العريزَ ما الذي قرَّبَك من هذه الحمامةِ؟

حزنَ القردُ لما سمعَ هذا الكلامَ وقال بغضبٍ:

- تَعسًا لك أيُّها الجبانُ، وأنا الذي قلتُ لن يأخذَ بثأري، ولن يشفيَ غليلي إلا صديقي العزيزَ الخنزيرُ الشجاعُ الجميلُ.
-
وأحسَّ الخنزيرُ أن القردَ يغريهِ كيْ يحققَ بهِ حلمَه، ففتحَ فاهُ ليرفضَ فكرةَ صديقِه، لكن القردَ قاطعَه مواصلا كلامَه: ولقدْ أشفقتُ عليك لا تنسَ أنك لا تملكُ بيتاً، وأنت مطاردٌ في الأرضِ، منبوذٌ محتقرٌ، وهذا الغارُ الذي تسكنُه الآن ليسَ ملكَك، وقد تُطردُ منه في أيةِ لحظةٍ.

كان الخنزيرُ يستمعُ إلى صديقِه والحزنُ يجلِّلُه، حقيقةٌ أنه يعيشُ من زمنٍ طويلٍ مشرداً منبوذاً هائماً كأنَّ لعنة الله قد حلَّتْ به … وفطنَ من شرودِه والقردُ يكملُ حديثَه بقوله:

- أما إذا تغَلبتَ على الحمامةِ المذهبةِ الرأسِ الخضراءِ الجناحينِ فإنك ستأخذُ بثأري أولاً، وتعيشُ في شجرةِ الزيتونِ المباركةِ هانئاً آمناً يحترمُك الجميعُ ويقدرونَك.

ردَّ الخنزيرُ وقد اختلطَ عليه الطمعُ والخوفُ: فكرةٌ جميلةُ ياصديقي العزيز ولكنَّ فرائصِي تصطَكُّ من شدةِ الخوفِ، لقد فقأتُ عينَك، وأخشى أن تفقئَ لي عينيَّ الاثنتين.

طمأنَه القردُ وأكَّدَ له أنه سيمُدُّه بالدعمِ الكاملِ مادياً ومعنوياً، وأنه سيكونُ إلى جانبِه في السرَّاءِ والضراءِ مادامَ عدوُهما مشتركاً، وانطلق القردُ من ساعته قاصدا التلةَ الجميلةَ التي تعرشُ فوقها الزيتونةُ المباركةُ، حينما وصلَها لم يجد فوقها الحمامةَ، فصعدَ بسرعةٍ، وقام برميِ الفراخِ بعيدا عن العشِ، ثم قام ببناء بيت محصنٍ فوق الشجرةِ التي بدت حزينةً كئيبةً.

عادتِ الحمامةُ في المساءِ منسابةً في الهواء، محلقةً في الجوِّ، حالمةً بعشِّها الدافئِ وبفراخها الصغارِ، وما كادت تقتربُ حتى هزتها المفاجأةُ، لقد رأتْ عشَّها متناثرا، وفراخَها على الأرض العراءِ يبكون، اشتد غضبُها حين علمتْ بالحقيقةِ، وزاد غضبُها حين خاطبها الخنزيرُ من داخلِ بيتِه الذي ابتناه فوق الشجرةِ قائلا:

- انتهى أمرُكِ أيتُها الحمامةُ المغرورةُ، لقد أصبحتِ الشجرةُ مِلكي، ولا تعتقدينَ أنني سهلُ المأخذِ كالقردِ فقأتِ عينه اليمنى بِيُسْرٍ، اذهبي بعيدا وابحثِي لك عن مكانٍ آخرَ تعيشين فيه … انتبهتِ الحمامةُ إليه والشررُ يتطايرُ من عينيها وصاحتْ فيه: إنك أجبنُ من القردِ وإلَّا ما كنتَ تحدثني من داخلِ البيتِ، انزلْ وسترى ما أفعلُ بك.

لم ينطقِ الخنزيرُ ولم يخرجْ إليها، سلامتُه في الاحتماءِ بجدرانِ بيته الحصينِ، وحينَ يئستِ الحمامةُ المذهبةُ الرأسِ الخضراءُ الجناحين حملت فراخَها واختارَت لهم مكاناً آمنا في سفح الجبلِ، ثم ضمتْهم تحت جناحَيها وهم يرتعدُون من البردِ والخوفِ، وقضتِ الحمامةُ ليلَها تواسيهُم وتشجعُهم وتعِدُهُم بالعودةِ.

ومضتِ الأيامُ الطويلةُ، تذهبُ الحمامةُ إلى الشجرةِ تصيحُ في الخنزيرِ القذرِ أن يخرجَ إليها، لكنه كان يرفضُ، يُرهبُها مرةً، ويبصقُ عليها مرةً ثانية، ويُغْريها أحياناً بأن يسمحَ لها بالعيْشِ في أسفلِ الشجرةِ مع فراخِها شريطةَ أن تخضعَ له وتكفَّ عن معاداتِه، وتعودَ الحمامةُ كلَّ مساءٍ إلى فراخِها الصغارِ يائسةً حزينة، تقصُّ عليهم وتواسِيهم، وتزرعُ في قلوبهم أملَ العودةِ إلى الشجرةِ المباركة.

وانصرفتِ الحمامةُ عن الذهاب إلى الشجرةِ، واكتفتْ بالبقاءِ ليلا ونهارا مع فراخِها لعلَّها يئستْ وصرفتْ تفكيرَها في الأمرِ.

تنهضُ الحمامةُ كلَّ صباحٍ باكرا فتوقظَ أطفالها، فتصعدَ بهم إلى الجبلِ تعلمُهم الطيرانَ والعملَ والقدرة على مواجهةِ المصاعبِ والشدائدِ.

مرتْ الأيامُ، غَدَتْ بعدَها الفراخُ قويةً تحسنُ الطيرانَ والتحليقَ والعملَ ومواجهة المتاعبِ كلِّها … ومساءً ذاتَ يومٍ جمعتهم جميعا في سفحِ ذاك الجبلِ، وراحت تذكرُهم أن بيتهم الحقيقي هو شجرةُ الزيتونِ التي اغتصبَها الخنزيرُ القذرُ، وأن الواجبَ يدعوهم إلى أن يعودوا إليه، وأن يسترجعوها، ولو كلَّف ذلك موتَهم جميعا.

وذكَّرَها أحدُ فراخها أن الخنزيرَ القذرَ ضخمَ الجثةِ، وأنه لا يخرجُ من حصنِه الذي أقامَه، وبالتالي فإن استردادَ الشجرةِ أمرٌ مستحيلٌ، ولا حلَّ إلا أن نبقى حيثُ نحن في عراءِ هذا السفحِ خاصةً وقد تعودْنا عليه، أو أن نقبلَ بفكرةِ الخنزيرِ فنعيشَ في أسفلِ الشجرةِ معه.

ولم تمتلِكِ الحمامةُ نفسَها فصفعَتْ ابنَها حتى أسقطتْه أرضاً، فلزمَ إخوانُه الصمتَ، ولم ينطقْ هو ثانيةً، بل قامَ من مكانِه ووقفَ صامتاً معهم.

صمتَتِ الحمامةُ لحظاتٍ تتجرعُ حزنا غاضباً وقالت: اسمعوا يا أولادي سنذهبُ هذه المرةَ جميعا، ولن نعودَ حتى ننتصرَ، فإن الله لا يخيِّبُ كلَّ مطالبٍ بحقِه … صمتتْ برهةً ثم واصلَت: لقد استقرَّ تفكيرِي على حيلةٍ، إن الخنزيرَ في الشجرةِ ينزلُ ليلا لينالَ طعامَه، وطعامُه يوفرُه له القردُ اللعينُ، وأنا أخطأتُ أولَ الأمرِ حينَ حاربتُ الخنزيرَ نهارا ونسيتُه ليلا، وحين حاربتُ الخنزيرَ ونسيتُ القردَ.

واستبشرَ الأولادُ خيرا، وانطلقوا مع أمِّهم، وكلُّهم إصرارٌ على النصرِ، وما كادوا يقتربونَ من الشجرةِ المباركةِ حتى كَمَنوا ينتظرونَ الليل، وماكادَ يظلمُ حتى لمحوا من بعيدٍ القردَ الأعورَ يتعثرُ في مِشيتِه، يسقطُ وينهضُ، وهو معبأُ بأكياسِ الطعامِ، وأعطتِ الحمامةُ إشارةَ الانطلاقِ فانطلق أبناؤها بكلِّ عزمٍ صوبَ القردِ الأعورِ، ونزلوا فيه ضرباً مبرحاً، وهو يصيحُ ويستغيثُ حتى أسقطوه أرضاً جثةً هامدةً لا حراك بها.

وانتظرَ الخنزيرُ صديقَه القردَ تلك الليلةَ فلم يحضرْ، وثانية وثالثة حتى يئسَ واشتدَّ به الجوعُ فتحَ البابَ بحذرٍ شديدٍ، وتسلَّل خارجا، لكنه ما كادَ يحسُّ بوجودِ حركاتٍ غريبةٍ حتى عادَ وأغلقَ البابَ خلفَه وهو يصيحُ:

- أين أنت يا صدِيقي القرد أنقذنِي.. كدت أموتُ جوعا؟ أين أنت ياصديقي لقد وعدْتني بالمساعدةِ فلماذا تخليتَ عني؟

ولم يجبْه أحدٌ، عندَ ذاك نطقتِ الحمامةُ وهي تحلقُ قريبا منه: إما أن تخرجَ لنقتلَك أيُّها القذرُ، أو أن تبقى خلفَ جدرانِ حصنِك لتموتَ جوعاً …

وانفجرَ الخنزيرُ القذرُ باكياً نادباً حظَّه التعيسَ صائحا: أين أنت أيها القردُ الحقيرُ؟ تبا لك لقد ورَّطْتَنِي أين أنت أيها القرد الحقير؟

الكلُّ كان يسمعُه، وكانت الجبالُ المحيطةُ ترددُ صياحَه وصراخَه ونداءه لكن القردَ لم يكن يسمعُه أبدا.

ضحكتِ الحمامةُ البيضاءُ المذهبةُ الرأسِ الخضراءُ الجناحينِ وقالتْ لأبنائها:

- هل رأيتم جزاءَ الظالمِ المغترِّ بقوته؟ تستطيعون قهرَ كلِّ الظالمين بإصرارِكم وإرادتِكم.

بقيَ الخنزيرُ أياما بلياليها سجيناً يتألمُ من شِدةِ الجوعِ منتظرا قدوم صديقه القردِ، ولما يئسَ وخارتْ قوَاهُ لجأَ إلى الحيلةِ فطلبَ من الحمامةِ أن تسمح له بمغادرة البيتِ، وأقسم بأغلظِ الأيْمان أنه لن يعودَ إلى فعلته أبدا، بل سيكونُ صديقا حميماً وسيعوضُها عن كلِّ ما لحق بها.

فرح الفراخُ بهذا العرضِ وطالبوا أمَّهم أن تقبَله لمِاَ يعودُ عليهم مِنه من الفائدةِ الجَمَّةِ.

غضبتِ الحمامةُ غضباً شديداً، وردَّتْ على أبنائها: إياكم أن تنتظروا من عدوٍّ خيرا وإياكم أن تثقُوا بماكرٍ مخادع.

صمتَ الأبناءُ مقتنعينَ بقولِ أمِّهم، وفي هذا الوقتِ فتحَ الخنزيرُ القذرُ باب حصنِه بهدوء تامٍ، وتسلَّل منه دون أن يفطنَ إليه أحدٌ، ثم رفعَ جثتَه الغليظةَ إلى الأعلى وقفزَ ليسقطَ فوق الحمامةِ وأبنائِها فيسحقَهم جميعا، ياله من ماكر ! غيرَ أن الحمامةَ كانت يقظةً فدفعتْ أبناءَها بعيدا وطارت محلقةً.

كانت السقطةُ قويةً جدا تكسرتْ معها عظامُ الخنزيرِ وسال دمُه … اجتمعَ الفراخُ حولَ الخنزيرِ والغضبُ يتطايرُ من أعينِهم، وطلبوا من أمهم التعجيلَ بقتلِه، لكن الحمامةَ المذهبةَ الرأسِ الخضراءَ الجناحين قالت في هدوء: الدفاعُ عن الحقِّ لا يعني الحقدُ دعوه لقد نال جزاءَه.

تدحرجَ الخنزيرُ بعيدا والدماءُ تنزفُ من جسدِه كلِّه إلى أن وصل إلى حافةِ الوادي فهوى إلى أعماقِه حيث قضى نحْبَه.

حلقتِ الحمامةُ مع فراخِها سعداءَ باسترجاع الزيتونةِ المباركةِ وكلُّهم عزمُ على تنظيفِها والاعتناءِ بها والدفاعِ عنها بكلِّ ما يملكون.

الجزائر في: رمضان 1421 /ديسمبر 2000

تبارك الله

على الغصْنِ كانتْ حمامه
وكان أبى فى صلاةٍ
وكنْتُ إمامَه،
أردَدُ "الله أكْبْر"
فأسمعُ منها هديلاً،
ينيرُ المدى وظلامَه،
ويُنْسى الوجودَ منامَه.
ورتَّلْتُ قرآنَ فجْرٍ،
وحينَ قرأتُ "تباركْ"
سَمعْنا "تباركَ ربَى"
وليْس سوى الماءِ والزرْعِ جنْبى،
ووخْزِ الضيا فى ظلام الفضاءْ
فزدْتُ الدعاءْ
إلى "حسْبُنا أنْتَ" قالت "وحسْبى"
نَظرْتُ إليها بعينى وقلْبى
فكان جناحُ الحمامةِ نحْو السماءُ
ككف تلبّى،
فسبّحتُ ربَى،
ودمعى على الخدّ يجرى
وَلُبّى مَن الأمْرِ ما عاد لُبّى
سجدْتُ
وقمْتُ،
جلسْتُ،
وقلتُ "السلامُ عليكمْ"
وقال أبى وسَمِعْنا "السلامُ عليكمْ"
وطارتْ

حسن خليل
30-05-06, 08:47 PM
القصة الواحدة والعشرون:

أرنوب والتفاح

بقلم الكاتب: ضرغام فاضل

في الطريق .. وبينما كان أرنوب مع أمّه عائدين إلى بيتهما ، صادفتهما السلحفاة .. فبادرتها أمّ أرنوب بالتحيّة :

- مرحباً يا صديقتي السلحفاة . إلى أين تذهبين ؟

أجابتها السلحفاة :

- إلى ضفة النهر. فقد سمعت من جارتنا السنجابة أنّ ثمار التفاح قد سقطت من أشجارها على الأض ، وأولادي يحبّون التفاح

قالت أمّ أرنوب :

- ولكنّ الوقت متأخّر، والشمس شارفت على المغيب. لماذا لا تنتظرين حتّى الصباح؟

أجابتها السلحفاة :

- لو ظلّ التفّاح على الأرض حتّى الصباح، فإنني أخشى أن تصل إليه دودة الأرض قبلي.

ما إن سمع أرنوب بكلمة ( تفاح ) حتّى لعق شفتيه بلسانه، وتوسّل بأمّه قائلاً :

- ماما.. أرجوك..أنا أحبّ التفّاح..دعيني أذهب مع عّمتي السلحفاة .

أجابته الأمّ :

- ولكن يا أرنوب ..

قاطعتها السلحفاة :

- سترافقاني أنتما الاثنان . فهذا سيخّفف علّي وحشة الطريق .

قالت أمّ أرنوب :

- اعذريني يا صديقتي السلحفاة. فزوجي سيحضر بعد قليل، وعليّ أن أعدّ له الطعام .

قال أرنوب :

- لقد سئمت أكل الجزر،وأشتهي أن آكل التفّاح .

قالت السلحفاة :

- إذن سترافقني بعد أن تسمح لك أمّك بذلك .

بعد أن أوصت الأرنبة ابنها الأرنوب أن يسمع كلام عمّته السلحفاة، وتعهّد لها بذلك، صعد أرنوب على ترس السلحفاة، متوجّهين إلى ضفة النهر. وفي الطريق شعر أرنوب أنّ السلحفاة بطيئة في مشيها، فنزل من على ترسها وهو يقول :

- ما هذا يا عمتي السلحفاة ؟! لو بقيت تمشين هكذا فإنّنا لن نصل إلى ضفة النهر قبل الصباح .

ابتسمت السلحفاة قائلة :

- لا تتعجّل يا أرنوب .. لم يبقَ إلاّ القليل .

فقال أرنوب :

- لا .. سأسبقك إلى هناك .. لأجمع التفّاح وأبقى بانتظارك .

ابتعد أرنوب عن السلحفاة مسرعاً، بينما ظلّت السلحفاة تناديه :

- ارجع يا أرنوب.. لقد تعهّدت لأمّك بأن تسمع كلامي .

صاح أرنوب :

- لقد مللت من خطواتك البطيئة .

كان ثعلوب يستلقي على بطنه, وهو يقاوم الجوع.. بانتظار الحصول على وجبة من الطعام, يملأ بها معدته الفارغة. وفي هذه الأثناء أحسّ برائحة بدأت تنفذ في أنفه. فنهض وهو يحكّ أنفه ويقول :

- هذه الرائحة أعرفها .. إنّها ليست غريبة عنّي. فأنفي لا يخطيء أبداً .

ثمّ داعب بطنه وهو يضحك ويقول :

- لقد أتتك وجبة شهيّة يا معدتي العزيزة . آه .. ما أشهى طعم الأرانب!! .

ما إن مّر أرنوب من أمام العشب الذي كان يختبيء فيه ثعلوب، حتى قفز عليه وأمسك به بأسنانه .ارتعب أرنوب، وصار يصرخ بأعلى صوته :

- النجدة .. النجدة .. الثعلب سيأكلني .. أنجدوني ..

ولكنّ أحداً لم يسمع صيحات أرنوب واستغاثته.

بعد أن وصلت السلحفاة إلى ضفة النهر ، ورأت ثمار التفاح تملأ الأرض، عرفت أنّ أرنوب لم يصل إليها .. وأنّه ربما يكون بحاجة للمساعدة . فقّررت أن تخبر صديقتها الأرنوبة بذلك ..لكنّها فكّرت ثم قالت :

- ولكنّ رجوعي إلى بيت الأرنوبة سيستغرق وقتاً طويلاً ، وربّما يكون أرنوب في خطر . عليّ أن أتصرف بسرعة .

في بيت ثعلوب كان أرنوب يصرخ متوسّلاً :

- أرجوك يا ثعلوب .. لا تأكلني .. أنا خائف ..

فضحك ثعلوب وهو يقول :

- وأنا جائع .. كفاك ثرثرة ودعني أهيء مائدة الطعام .

وراح ثعلوب يعدّ مائدته لاستقبال وجبة شهيّة . وضع الصحون والسكاكين .. لكنّه عندما بحث عن الشوكة لم يجدها . فصاح :

- ترى أين اختفت الشوكة ؟

لم يشعر ثعلوب إلاّ والشوكة تنغرس بقوّة في رجله ، وصوت يأتيه من الخلف يقول :

- هذه هي شوكتك يا ثعلوب .. إيّاك أن تغدر بأصدقائك الحيوانات بعد الآن .

قفز ثعلوب من شدّة الألم فصاح :

- آه .. آه رجلي ..

سارعت السلحفاة لإنقاذ أرنوب من الحبل ، وخرجا من بيت ثعلوب الذي انشغل بمعالجة رجله . احتضن أرنوب عّمته السلحفاة وهو يقول لها خجلاً :

- لقد كنت بطيئة في مشيك يا عّمتي السلحفاة ، لكنّك كنت سريعة في إنقاذي . إني نادم على فعلتي هذه . ومن الآن لن أعصي كلام مَن هو أكبر منّي أبداً .

ماء الورد
03-06-06, 03:17 PM
أستاذنا الفاضل


عدنا والعود أحمد إلى واحتك الغناء
نبحث فيها عن الراحة والابتسامة والفائدة الجمة


أسعدني الرقم (21)
هو رقم القصة الأخيرة أتمنى أن أراه يتعدى الخمسين
وأن لا ينقطع هذا الخير


اختيارك هذه المرة ربما طغى عليه تأثرك بما آلت إليه أحوال العرب والمسلمين قاطبة
الأربع قصص الأخيرة لمست فيها شيئا من ذلك

كبر الصغار في قسمك يا أستاذي وماعاد عالمهم عالم اللهو واللعب




في القلم الساحر


رغم أن القصة تدور في قرية لا تمت إلى قرانا بأي صلة إلا أنني وجدتنا نحن اهل تلك القرية استطاع توما أن يطرد الخوف من قلوبهم ويزرع الشجاعة فهل من توما في قرانا ؟
وهل لأقلام مثل أقلامنا تفكر في الحرف ألف مرة ، هل تخطه ؟
أقلامنا أستاذي أكثر منا رعبا وخوفا وربما نحن أكثر منها شجاعة
نحن من يجبرها على أن تكتب ، تتكسر في أيدينا فنقوم ببريها مرة أخرى
ونخط بها ما نريد .


سؤال في اللغة : كلمة ( شاف ) وردت بمعنى نظر
وهي اللفظة التي نتخاطب بها ( شفت ، شف ، ماشفتو)
هل هي من العربية الفصحى أم لهجة دارجة ؟




معنى القوة


أب حكيم عرف كيف يوجه ابنه باسلوب يفتقر إليه الكثير من الآباء اليوم
أنت أستاذي وجهت القصة إلى الأشبال ليعرفوا معنى القوة وأنا أوجهها إلى الكبار ليروا كيف نربي أبنائنا وكيف ننظر فيما يستهويهم ويشدهم فنستغله في تعليمهم وتوجيهم




الحمامة الذهبية
والزيتونة المباركة


لن أسجل هنا إلا أن النصر آت
لكنه يريد حمامة تعمل من أجله ، لا تنسى أن لها حقا مسلوبا
أما تصفع ابنا متخاذلا وتحمل الأخرون على العمل بجد
من أجل استعادة زيتونة سلبها يوما عدوا غادرا




أرنوب والتفاح


أسجل بِدءا اعجابي بأم أرنوب نعم الزوجة الصالحة هي
ثم العمة السلحفاة جمعت الأناة والحكمة والشجاعة تستحق تحية من قسمك


ذكرتني قصتك بقول الشاعر :
قد يُدرِكُ المتأني بَعضَ حاجَتِهِ *** وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ




شكرا لك


تقبل تحيتي
دمت بحفظ الله

حسن خليل
03-06-06, 08:19 PM
الأخت الفاضلة ماء الورد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أرحب بعودتك الميمونة مرة أخرى إلى قسم القصص والروايات لتتحفينا بتعليقاتك الجميلة على هذه النماذج القصصية في أدب الأطفال.

ويسعدني أن تكون هذه بمثابة الواحة التي ترتاحون فيها وتنهلون منها الحكم والفوائد الجمة.

وسوف أواصل معكم تقديم هذا النوع من القصص الرائع في أدب الأطفال وإن شاء الله يتعدى الرقم الخمسين.

واختيارنا لهذه القصص الأربع كنوع من التغيير والتنوع في سرد القصص وللإلقاء نظرة على واقع المسلمين قاطبة.

وربما يكون في قرانا مثل توما ولكنه قليل جداً لأن أسلوب التربية تختلف كثيراً.

وأما عن سؤال اللغة في كلمة شاف فهي لهجة دارجة وإليك نبذة عن ذلك:

اللغة المصرية القديمة المنطوقة والمكتوبة لم تكن تعتمد على الحروف الأبجدية وتكويناتها كما هو الحال في اللغة العربية اليوم .. بل كانت تعتمد أساسا على المكونات الصوتية الثنائية النغمة ( المثاني) .. بالإضافة إلى الحروف الأبجدية . لذلك نجد أن هناك العديد من الكلمات المصرية تتكون من حرفين اثنين فقط ولها معاني محددة وقاطعة .. والأمثلة بالمئات : بـص : بمعنى انظر / نظر أو يرى أو شاهد .. وأيضا كلمة ( شوف / شاف )

شـب : بمعنى قـم أو انهض .. أو بمعنى فتى يافع أر : بمعنى حسد .. أو تمنى زوال النعمة

لأ : بمعنى لا للنفي

مـش : أيضا بمعى لا للنفي .. مثل :

مش عايز - مش زعلان - مش جاي - مش شايل .. إلخ

نش : بمعنى بمعنى تحريك الهواء .. أو طرد الحشرات الطائرة

زن : بمعنى طنين .. أو يكرر الكلام مرات عديدية

دش : بمعنى الثرثرة أو كسر الأشياء

سـو : بمعنى سيئ أو سوء أو شؤم

ضب : بمعنى فـك غليظ وهكذا نستطيع أن نذكر مئات بل آلاف الكلمات الثنائية المصرية (المثاني) التي يتحدث بها الشعب المصري والتي لم ترد في أي مراجع عربية فصحى .

لذلك كانت أحد العناصر الهامة في نظرية أسامة السعداوي هي :

اللغة المصرية هي اللغة الوحيدة التي تتكون فيها جذور الكلمات من الـمـثـانـي المكونة من حرفين اثنين فقط أمثلـة :

قد - غد - رد - در - أر - من - نم - جن - هل - بل - بص - صب - صر - لص - صد - شب - شن - نص - تم - ضم - شم - شق - شك - شل - ضن - أم - أل - لأ - أش - أو - ء ف - نج - خر - غر - رغ - رخ - رش - نش - مص - سم - حم - مح - دم زم - مز - حل - خل - غل - دل - سد - دس - حد - زد - سب - بس - لم - بم - كم - كش - تل - مل - كل - زل - ول - لو - بو - نو - سو - ون - ور - وش - نف - تف - فن - هو - هم - هس هب - هن - هر - هش - حض - ضح - دش - مش - خط - غط - عط - بط - طز - حظ - حز - بز - شز - جز - زك - نز - لن - لب - سر- تب - بت - ود - ست - تص - رج - جر - رص - رض - جب - بج - قن - قر - فـع - إلخ .

حذفت كلمتين من هذه الكلمات أعلاه لأن لفظيهما غير مناسب هنا.

وإن أردت المزيد عن هذا الموضوع فسوف أورد ذلك لاحقاً.

وأنا معك في معنى القوة بأن نوجهها للكبار لكي يتعلموا منها كيف تكون تربية الأبناء.

والحمامة المباركة والزيتونة والنصر آت لا محالة إن شاء الله ولا بد من العمل بجد كما سبق وتفضلت بذلك.

وأم أرنوب كانت مثالاً للزوجة الصالحة في الشجاعة والحكمة والقصة لا تخلو من الفكاهة في أسلوبها.

وفي الختام أشكركِ جزيل الشكر على مروركِ وتعليقكِ الرائع على هذه القصص.

دمتِ بحفظ الله ورعايته.

حسن خليل
05-06-06, 07:45 AM
تعلم يا صغيرى

بقلم الكاتب: جابر البسيوني




مــن كتـاب العلم فانْهلْ= يــا صغيـــــرى وتَعَلَّــــمْ
خَيـــــْرُ ردٍّ حيــنَ تُسْـــألْ=خيْـــرُ خــــلٍّ يتكـــلَّــمْ


كم من البلدان هانت=حين ضـاع العلمُ منها
تـركتْــــــــهُ واستهـــانت=فنأى الإشراقُ عنهــــا


اقـــرأ التــــاريخَ ينطقْ=إنَّ للعــــلْـم بقـــــــــــاءْ
أىُّ عقــلٍ أىُّ منطـــقْ=يــرفــعُ العلَــمَ لــــــواء


لو أردْتَ النصرَ- دوما=خُذْ من العلمِ طريقــاً
وإذا نـاقشْــت خصمـــا=صـــار بالعلْمِ صديقـــا
واسْتشرْ أهْــلَ العلــــومْ=فى كثيــــرٍ أو قليــــلْ
كـــلُّ أنــــواعِ الغيــــوم= ستــراها فى رحيـــلْ


خشيـــةُ العـــالـمِ كـانت=خيْرُ ذكْرٍ فى الكتابْ
كم من الأسرارِ دانـت=بالهُــدى بعْد الغيـاب


ورســـولُ اللهِ أوْصــــى=بإتخاذِ العلْمِ ذرعـــــا


من كتاب العلم فانهلْ=يـــا صغيــرى وتعلَّـــمْ
خيرُ ردٍ حيـن تُـسْــــأل=خيــرُ خــــلٍّ يتكلَّـــمْ

حسن خليل
05-06-06, 09:57 PM
القصة الثانية والعشرون

لولو تكتشف الطبيعة

بقلم الكاتب: يحيى الصوفي

وصلت لولو برفقة والديها المنطقة الريفية الجميلة القريبة من المدينة فوجدتها قد لبست حلتها الخضراء الجميلة كعادتها في فصل الربيع، فراحت تركض فرحة وهي تلامس بساقيها الصغيرتين العشب الأخضر الرطب فتثير من حولها المئات من الحشرات الصغيرة الطائرة منها والنطاطة والتي بدأت بالهروب تاركة الزهور البرية المتناثرة بينها، وقد شكلت بتموجاتها الداكنة لوحة متقنة مليئة بالألوان تشبه تلك التي تغمس ريشتها الصغيرة بها عندما تحب أن ترسم على الأوراق البيضاء في حضانتها التي بدأت ترتادها منذ أول العام.

فجأة وقع نظرها على عينتين كبيرتين تنظران إليها بدهشة واستغراب !. اقتربت لولو منهما متفحصة بفضول... فهي لم تشاهد مثلهما من العيون ملقاة على إحدى الزهور دون رأس أو جسد من قبل !. مدت إصبعها الصغير تحاول أن تتعرف إليهما باللمس أكثر فانطبقتا على بعضيهما البعض ليصبحا عينا واحدة ؟ .قبضت لولو على تلك العين الغريبة المسطحة بإصبعيها الصغيرتين فسمعت من يصيح بها

- أي ...أي ...أنت تؤلمينني ...اتركيني...اتركي جناحي !!!.

استغربت لولو من ذلك الصوت وتركت العين الرقيقة لتتفاجأ بها اثنتين تصفقان وتطيران بعد إن تركتا أثارا تشبه البودرة الناعمة على إصبعيها !؟.

صاحت لولو مستغربة:

- عيون تطير

ضحكت نبتة للورد قريبة منها وقالت:

- فراشة...تلك العيون اسمها فراشة، كانت ضيفتي تتناول من رحيق أزهاري فطورها، لقد أفزعتها...هربت منك ؟.

لولو مستغربة:

- ولكن لها عينتين كبيرتين

نبتة الورد وهي تبتسم:

- أنها عيون وهمية مرسومة على جناحيها الرقيقين تتخفى خلفهما حتى تخيف وتبعد عنها الطيور !.

سألتها لولو:

- تطعمينها لماذا ؟.

نبتة الورد: إنها كغيرها من الفراشات تسدي لي خدمة جليلة !.

لولو: كيف؟.

نبتة الورد: تنقل ما لدي من غبار الطلع إلى زهرات أخرى لتختلط وتلقح... إنها وسيلتنا للملامسة والتزاوج تشبه القبلات عندكم... وهكذا وبعد كل قبلة تنضج بذرة تعطي إذا ما زرعت نبتة وزهرة جديدة.

لولو: وأنت ما اسمك ؟

نبتة الورد: أنا يسمونني الأقحوان، يأخذون مني الدواء والعطور والألوان.

أجابتها لولو وقد لحظت حشرة ملونة تسعى على إحدى أوراقها:

- وهذه تطعمينها أيضا، إنها صغيرة جدا تنزلق انزلاقا لا أرى لها أرجل ؟.

الأقحوان: إنها خنفساء تعرفينها من النقاط السود المبعثرة بانتظام على ظهرها الأملس الأحمر الذي يشبه الدرع، هي تأكل عندي أيضا ولكن من حشرات المن السوداء الصغيرة المتخفية تحت أوراقي،

لولو: ولكن البقع السوداء ولونها الأحمر لا يخيف كيف تتخفى عن أعدائها ؟

الأقحوان: أنها تنذرهم بلونها الصاخب لتقول لهم بأنها لا تصلح للأكل، فان هاجمها عصفور ما انقلبت على ظهرها وتظاهرت بالموت حتى يذهب عنها الخطر . !

أمسكت لولو بإحدى الأوراق تقلبها فوجدت جيش من النمل يرسم خطا طويلا قادما من الأرض نحو عش للمن فاستغربت من ذلك وقالت: والنمل أيضا ؟.

الأقحوان: النمل يا صغيرتي لا أحبه أبدا هو يأتي ليحلب المن ويحمل ما يستخرجه من بطونها من عسل إلى العش ليطعم صغاره... وهو يحميها ويربيها تحت أوراقي ولهذا فهو ليس من أصدقائي !.

لولو: هل تتألمين عندما يقضمون أوراقك ؟

ضحكت الأقحوان منها وقالت:

- نحن النباتات لا نتألم، ليس لنا جهاز عصبي مثلكم لنحس به ولا جهاز للهضم، ! ولكن قد نصاب بالمرض أو نموت من الجوع أو العطش، أو بكل بساطة نختنق من قلة النفس.

استغربت لولو منها وقالت:

- تتنفسين وتأكلين وتشربين ؟ لا أرى فماً لك فكيف تفعلين؟

قهقهت الأقحوان وقالت:

- أنا أتغذى واشرب من التربة عن طريق جذور لي مدفونة فيها ؟

لولو: غريب فمك تحت التراب ؟

الأقحوان: لا... أنا لا فم لي... أنا لي جذور تشبه القصبة الرفيعة التي تشربين العصير بها، واطرح عن طريق أوراقي ما يزيد من الماء ولهذا تجدينني غضة وطرية ونضرة وأزهاري جميلة تحوي كل الألوان... ومنها تعرف الإنسان عليها وأخذها ليخط بها ويرسم لوحاته بإتقان... ولون بها الشفا والخدود لتصبح كل فتاة رقيقة مثلك أخاذة للجمال... وصنع من أريجنا العطر ليفتن بها الروح ويقرب القلوب ويطهر الأبدان.

مدت لولو يدها الصغيرة تتفحص أوراقها الخضراء وزهورها الصفراء الجميلة ثم قبضت عليها براحة كفها وهزتها برفق ثم قالت: -لا تقولي بأنك تتنفسين كما تتكلمين معي وتتفصحين ؟ !.

أخذت نبتة الأقحوان تتمايل بدلال وهي تضحك وتقول:

- أنت تدغدغينني وعلى ما يبدو لم تصدقينني... ما رأيك إذا قلت لك بأنك بحياتك لي تدينين ؟

تفاجأت لولو بها وبغرورها بعد أن أطلقت سراحها وقالت:

- كيف ؟ ! بهذا أيضا تتدخلين ؟.

الأقحوان بفخر: لما لا فانا التي اصنع الأكسجين وأنظف جو المدينة المقيت المليء بالمازوت والكربون لأصنع به غذائي وأعطي بدلا منه الهواء النظيف التي تتنفسين.

لولو وقد شعرت بالغيرة:

- وان قطفتك ولوالدتي هديتك فماذا تفعلين ؟

الأقحوان بشيء من الزهو:

- تكوني قد أكملت عطائي وزينت المائدة بزهوري... فنحن نطعم ونفرح وفي كل يوم نعطي الآلاف منا دون أن نكل أو نمل أو نستكين.

وما إن همت لولو بقطاف الأقحوان حتى وجدت نفسها بين ذراعي والدها وهو يصيح بها:

- أين ذهبت تعالي لكي تتناولي فطورك... وهو يطبطب على ظهرها برفق: هيا ...هيا

سرت لولو وقد وجدت المائدة جاهزة تتوسطها كأس فيها ماء وبعض من أزهار الأقحوان فقالت وهي تمسك صحنها المزخرف: -فراشة انظر بابا هذه فراشة... ثم أشارت إلى الناحية الثانية منه وقالت: خنفساء هذه خنفساء ماما أليس كذلك ؟... وتلك أزهار الأقحوان جميلة هي ورائحتها عطرة ويوجد منها العديد من الألوان.

تفاجأت والدة لولو بها وقد تعرفت على الرسوم وقالت:

- من علمك كل هذا ؟

نظرت لولو إلى أزهار الأقحوان فرأتها تبتسم وتشير إليها بان تحفظ سرها... سر الحياة... سر الوجود...إذا كان لسرهم في قلبها من مكان... فرددت ببراءة:

- ماما هذه فراشة وهذه أقحوان...

حسن خليل
07-06-06, 09:30 PM
القصة الثالثة والعشرون


لماذا سكت النهر؟‏


بقلم الكاتب: زكريا تامر


كان النهر في الأيام القديمة قادراً على الكلام، وكان يحلو له التحدث مع الأطفال الذين يقصدونه ليشربوا من مائه ويغسلوا وجوههم وأيديهم، فيسألهم مازحاً: "هل الأرض تدور حول الشمس أم الشمس تدور حول الأرض؟".‏

وكان النهر يبتهج لحظة يسقي الأشجار فيجعل أوراقها خضراء.‏

وكان يهب ماءه بسخاء للورد كي لا يذبل. ويدعو العصافير إلى الشرب من مائه حتى تظل قادرة على التغريد.‏ ويداعب القطط التي تأتي إليه فيرشقها بمائه، ويضحك بمرح بينما هي تنتفض محاولة إزالة ما علق بها من قطرات الماء.‏

وفي يوم من الأيام أتى رجل متجهم الوجه يحمل سيفاً فمنع الأطفال والأشجار والورد والعصافير والقطط من الشرب من النهر زاعماً أن النهر ملكه وحده.‏

فغضب النهر، وصاح: "أنا لست ملكاً لأحد".‏

وقال عصفور عجوز: "لا يستطيع مخلوق واحد شرب ماء النهر كله".‏

فلم يأبه الرجل الذي يملك سيفاً لصياح النهر وأقوال العصفور إنما قال بصوت خشن صارم:‏

"من يبغي الشرب من ماء نهري، يجب أن يدفع لي قطعة من الذهب".‏

قالت العصافير: "سنغني لك أروع الأغاني".‏

قال الرجل: "الذهب أفضل من الغناء".‏

قالت الأشجار: "سأمنحك أشهى ثماري".‏

قال الرجل: سآكل من ثمارك متى أشاء، ولن يستطيع أحد منعي".‏

قال الورد: "سأهبك أجمل وردة".‏

قال الرجل ساخراً: وما الفائدة من أجمل وردة؟!.‏

قالت القطط: "سنلعب أمامك كل صباح ارشق الألعاب، وسنحرسك في الليل".‏

قال الرجل: "لا أحب ألعابكم، وسيفي هو حارسي الوحيد الذي أثق به".‏

وقال الأطفال: "نحن سنفعل كل ما تطلب منا".‏

فقال الرجل: "لا نفع منكم فأنتم لا تملكون عضلات قوية".‏

عندئذ استولت الحيرة واليأس على الجميع بينما تابع الرجل الكلام قائلاً: إذا أردتم أن تشربوا من ماء نهري، ادفعوا لي ما طلبت من الذهب".‏

لم يحتمل عصفور صغير عذاب العطش، فأقدم على الشرب من ماء النهر، فسارع الرجل إلى الإمساك به ثم ذبحه بسيفه.‏

بكى الورد. بكت الأشجار. بكت العصافير. بكت القطط. بكى الأطفال، فهم لا يملكون ذهباً، وليس بمقدورهم العيش دون ماء، ليكن الرجل الذي يملك سيفاً لم يسمح لهم بالشرب من ماء النهر، فذبل الورد، ويبست الأشجار، ورحلت العصافير والقطط والأطفال، فغضب النهر، وقرر الامتناع عن الكلام.‏

وأقبل فيما بعد رجال يحبون الأطفال والقطط والورد والأشجار والعصافير، فطردوا الرجل الذي يملك سيفاً، وعاد النهر حراً يمنح مياهه للجميع دونما ثمن غير أنه ظل لا يتكلم، ويرتجف دوماً خوفاً من عودة الرجل الذي يملك سيفاً.‏

حسن خليل
14-06-06, 06:29 PM
القصة الرابعة والعشرون

رندا تلعب‏


رسمت رندا بطباشيرها الملونة على الحائط ولداً صغيراً، ولما تأملته الفته عابس الوجه، فسألته: "ما اسمك يا ولد؟".‏

قال الولد العابس الوجه: "اسمي وضاح. لماذا تسألين؟".‏

قالت رندا: "أنا أبغي مساعدتك. لماذا أنت حزين؟".‏

قال وضاح: "ضاعت طابتي".‏

فضحكت رندا، وبادرت إلى رسم طابة كبيرة ذات ألوان حمراء وزرقاء وبيضاء، ففرح وضاح، وسارع إلى اللعب بها، فقالت له رندا: "دعني ألعب معك".‏

فلم يوافق وضاح، فغضبت رندا، ورسمت بالطباشير نهراً أزرق كثير المياه.‏

رمي وضاح الطابة بقوة إلى أعلى، فطارت ثم سقطت في النهر، فبكى وضاح منادياً الطابة التي حملتها مياه النهر بعيداً عنه.‏

قالت رندا: "لا تبك".‏

ظل وضاح يبكي حتى أشفقت رندا عليه، ورسمت دراجة لها ثلاثة دواليب، فشهق وضاح مغتبطاً، وامتطى الدراجة مطلقاً صيحات قصيرة حادة مرحة، ولكنه فجأة زال فرحه، وعبس وجهه، فسألته رندا: "ما بك؟".‏

قال وضاح: "أنا جائع".‏

قالت رندا: "اذهب إلى بيتك وكل".‏

قال وضاح: "لا بيت لي".‏

قالت رندا: "إذن اذهب إلى مطعم".‏

قال وضاح: "لا نقود معي".‏

قالت رندا مبتسمة: "أنا مثلك جيوبي فارغة خاوية".‏

فبكى وضاح مردداً: "أنا جائع. أنا جائع".‏

احتارت رندا ولم تدر ما تفعل، ولكنها بعد تفكير قليل، أخرجت من جيبها منديلاً، وبللته بماء النهر ومسحت به ما رسمت على الحائط، فتلاشى عندئذ وضاح والدراجة والنهر، وظلت رندا تقف وحدها محنية الرأس حزينة لأن ولداً صغيراً لم يجد ما يأكل.‏

حسن خليل
14-06-06, 11:45 PM
القصة الخامسة والعشرون

القط الذي لا يحب المطر‏


القط الصغير يلعب مبتهجاً، والرجال الذين يحبون الأشجار الخضراء يحرثون ويبذرون حبات القمح ثم يتوسلون إلى الريح أن تأتي الغيوم.‏

وأقبلت الغيوم رمادية اللون، وهطل المطر، وركض الفرع عبر الحقول مطلقاً صيحات عالية مرحة.‏

فرح التراب العطشان، وشرب بنهم من ماء النهر.‏

فرحت حبات القمح لأنها ستصير سنابل خضراء.‏

فرح الرجال الذين حرثوا الأرض، فسيحصدون القمح في الصيف، وعندئذ يصبح باستطاعتهم شراء ما يحتاج إليه أولادهم من طعام وثياب وكتب.‏

فرحت الغيوم لأنها تخلصت من ماء يتعبها حمله، وصار بإمكانها التنقل برشاقة من مكان إلى مكان.‏

فرح العصفور إذ غسلت الأمطار ريشه، وحين ستسطع الشمس، سيحط على غصن شجرة، ويغرد فخوراً بريشه النظيف.‏

وهكذا عمّ الفرح، غير أن القط الصغير الذي لم يكن يملك مظلة، غضب لأن الأمطار بللته، وهرع إلى أمه ساخطاً مرتجف الذيل، وقال لها: "أنا لا أحب المطر".‏

فنظرت إليه الأم مؤنبة مستنكرة، وقالت: "يجب أن تحب ما ينفع الجميع".‏

صاح القط الصغير: "لن أحب المطر".‏

قالت الأم بهدوء: "يجب أن تكره ما يؤذي الجميع".‏

فقال القط الصغير بإصرار: "أتمنى ألا يهطل المطر أبداً"‏

وبعد أيام، تحقق ما تمنه القط الصغير، فقد رحلت الغيوم، وكّف المطر عن الهطول قبل أن تنال حبات القمح ما تحتاج إليه منا ماء، وحينئذ سارع التجار إلى زيادة ثمن القمح حتى يتكاثر ما يملكون من مال، وبات الخبز لا يستطيع شراءه إلا الأغنياء، ولم يعد بمقدور القطط الحصول على الخبز، فالقطط فقيرة لا تملك سيارات أو أبنية.‏

جاع القط الصغير، فقال لأمه باكياً: "أنا جائع".‏

فقالت له أمه بحزن: "ماذا أفعل؟ لا يوجد خبز في الأسواق".‏

فقال القط الصغير متسائلاً: "وأين الخبز؟".‏

فأجابت الأم مبتسمة: "الخبز يصنع من القمح، والقمح لا ينبت إلا إذا شرب الكثير من المطر.. المطر الذي لا تحبه".‏

فخجل القط الصغير، وعاهد أمه على أن يحب المطر.‏

***********

حسن خليل
15-06-06, 08:12 PM
القصة السادسة والعشرون

الريح‏


قال الغزال الصغير للريح: "احمليني إلى شاطئ البحر".‏

فضحكت الريح، وقالت بلهجة مؤنبة: "أنت كسول، فلماذا أحملك ما دمت سريع الركض؟.".‏

قال الغزال: "أنا متعب جداً فهيا ساعديني".‏

قالت الريح: لا أستطيع تلبية طلبك، فأنا لا أشتغل في الصيف".‏

قال الغزال بغيظ: "إذن متى تشتغلين؟".‏

قالت الريح: "اشتغل في الشتاء فقط".‏

قال الغزال متسائلاً بهزء: "وما هو عملك؟".‏

فأجابت الريح بصوت دهش مستنكر: "ألا تعلم؟ أنا أخلص الأشجار من أوراقها الصفراء اليابسة، وأنا أثقل الغيوم المحملة بالمطر إلى الحقول العطشى".‏

غضب الغزال، واتهم الريح بأنها لا تريد مساعدته، وأبلغها أنه لم يتحدث معها، غير أنه ابتسم حين أبصر أرنباً يتواثب مرحاً، فصاح به: "أنا أسرع منك في الركض".‏

قال الأرنب فوراً: "ماذا تنتظر؟ هيا نتسابق".‏

وانطلق الغزال والأرنب يركضان، وهمت الريح أن تتحداهما وتشترك في السباق، ولكنها ظلت صامتة هادئة إذ تذكرت أنها لا تشتغل في الصيف إنما تستسلم للراحة منتظرة الشتاء.‏

دمعــه قــمـر
08-07-06, 07:28 PM
مشكووووووور أخوي

حسن خليل
09-07-06, 09:01 AM
مشكووووووور أخوي


العفو وأشكركِ جزيل الشكر أختي رافعه الراس على المرور للموضوع.

تقبلي تقديري واحترامي

بنت زايد"الله يرحمه "
04-08-06, 12:36 AM
يسلمــــــــــــــــــ (^_^) ـــــــــــــــــــو
أخوي على هذا الموضوع الروعة
و تسلم اناملك الي كتبت و أبدعت
في كتابة هذا الموضوع .. ثانكــس

حسن خليل
06-08-06, 09:49 AM
يسلمــــــــــــــــــ (^_^) ـــــــــــــــــــو
أخوي على هذا الموضوع الروعة
و تسلم اناملك الي كتبت و أبدعت
في كتابة هذا الموضوع .. ثانكــس


الله يسلمك اختي بنت زايد "الله يرحمه"

وأشكركِ على المرور لموضوع نماذج من قصص أدب الأطفال.

تقبلي فائق الاحترام والتقدير

سارة 2007
07-08-06, 12:45 AM
http://gallery.7oob.net/data/media/19/330.gif


http://gallery.7oob.net/data/media/19/s27771.gif



http://gallery.7oob.net/data/media/19/WwW_7OoB_COm_27.gif

واس
14-08-06, 05:34 PM
بارك الله بجهودك اخي الفاضل حسن

حسن خليل
15-08-06, 12:33 AM
http://gallery.7oob.net/data/media/19/330.gif


http://gallery.7oob.net/data/media/19/s27771.gif



http://gallery.7oob.net/data/media/19/WwW_7OoB_COm_27.gif

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

شرّفني مروركِ أختي الفاضلة سارة 2007 للموضوع وتعليقكِ الرائع عليه.

تقبلي فائق الاحترام والتقدير

(qq140)

حسن خليل

حسن خليل
15-08-06, 12:36 AM
بارك الله بجهودك اخي الفاضل حسن

الله يبارك فيك اخوي الفاضل واس

شرّفني مروركم للموضوع وأشكركم جزيل الشكر على مداخلتكم الطيبة.

حسن خليل
28-08-06, 09:47 PM
القصة السابعة والعشرون

بعنوان: الجني

بقلم الكاتب: عادل أبو شنب

كانت فاطمة تقفز من الفرح، تنط كعصفور جائع في بيدر والأولاد يتحلقونها مأخوذين بهذا الفرح الغامر غير المألوف الذي حولها إلى جنية صغيرة. وأمينة رفيقتها التي لا تفارقها تحاول عبثاً معرفة السبب.‏

وكان النهر ينساب على بعد خطوات في مسكنة، يملأ ماؤه الأخضر اللون.. مجراه المحفور منذ مئات السنين وعلى ضفتيه تشمخ شجرات الحور بجباهها التي تعانق الشمس وترنو إلى الماء الكسول في احتقار.‏

قالت أمينة:‏

-قولي. قولي يا فاطمة.‏

قالت فاطمة:‏

-الآن أبدأ. حتى لو أطعمتني بقلاوة لن أقول. بعد قليل تشاهدين كل شيء بنفسك.‏

ونطت على قدم واحدة كما تفعل في سباق القدم الواحدة في المدرسة ونهداها الصغيران يثبان والأولاد يتبعونها.. باتجاه النهر.‏

كان الوقت خريفاً والأشجار تتعرض لنسيم بارد يسقط الأوراق، ومن بعيد كانت تسمع أصوات الفلاحين الذين يعملون في الأرض.‏

وكانت شجرة الحور الكبيرة المنتصبة في خيلاء.. ترسم على صفحة ماء النهر ظلاً، والظل المستحم في الماء يعطي الشجرة امتداداً معاكساً ذاهباً نحو الأعماق، وكثيراً ما كان أولاد القرية يقفون على الضفة يحدقون إلى الظل المرسوم على صفحة الماء:‏

- هاهنا أعمق مكان في النهر.‏

- الماء يغمر ثلاثة جمال فوق بعضها.‏

- كل سنة يأكل الظل المرسوم على الماء.. ولداً.‏

وكان النهر العجوز في انسيابه غير مكترث بالأولاد هادئاً رزيناً نائماً أو متناوباً.. كأنه غيلان حكايات الجدات تنام بعيون مفتوحة الأحداق.‏

ورثت الجدات قصة النهر عن جداتهن وهؤلاء ورثنها عن جداتهن من قبل وأصبح العرف الشائع في القرية التي تحتضن النهر إن الاستحمام في نقطة وقوع ظل شجرة الحور الكبيرة على الماء.. يؤدي إلى الهلاك بسبب من وجود جني هائل الحجم في أعماق النهر، يبتلع الذين يقذفون بأجسادهم إلى الماء. ولقد حدث أن حاول فتيان، في الماضي الاستحمام في النقطة الخطرة فابتلعهم الجني – تقول الجدات – ولم ينج منهم أحد.‏

وصل الأولاد الذين كانوا يجرون وراء فاطمة إلى ضفة النهر وكان أحمد بوجهه الناحل القلق ينتظر، كتفه تستند إلى ساق شجرة الحور، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة شجاعة لم تستطع أن تخفي اضطراب عينيه. كان بلا ملابس تقريباً وبدنه البني اللون يرتجف من لسعات نسيم الخريف.‏

قال فاطمة:‏

- أأنت عازم فعلاً؟‏

قال أحمد:‏

- أجل‏

وتهيب الأولاد الموقف، كان ظل أحمد على صفحة الماء ملاصقاً لظل شجرة الحور الكبيرة المنتصبة وكان النهر يسير هادئاً كسولاً.‏

وعندما صمت الأولاد.. سمع من الضفاف القريبة نقيق الضفادع.. كأنه صلاة، فدب الخوف في القلوب الفتية وأيقن الجميع أن أحمد، سيد لذاته من صبيان القرية، سيختطفه الجني القابع في أعماق النهر.‏

كانت فاطمة من مطلع الثالثة عشرة حلوة فمها منمنم وعيناها سوداوان واسعتان يعيش فيهما مكر صبياني وجديلتاها الفاحمتان.. تتقاتلان مع المنديل المزركش الذي يلف وجهها الأبيض ويمنع تسللهما إلى الخارج. وكان أحمد يبدي في كل مناسبة اهتماماً خاصاً بها وعندما قالت له قبل ساعة واحدة أثناء جولة قضياها معاً على ضفاف النهر:‏

- أأنت على استعداد لعمل ما أطلبه منك؟‏

قال بسرعة:‏

- نعم حتى ولو طلبت حليب السبع.‏

وقالت:‏

- وإذا طلبت منك العوم في النهر قرب شجرة الحور الكبيرة؟‏

أجاب:‏

-افعل..‏

وقالت تسأله، وتدعم سؤالها بحركة حائرة من ذراعها:‏

- ألا تخاف؟‏

- ممن؟‏

- من الجني.‏

- أنا؟ أنا أخاف؟ سأعوم من أجلك أمام جميع أولاد الضيعة.‏

نظر أحمد إلى عيني فاطمة ونظرت فاطمة إلى عينيه بدورها.‏

كان الأولاد واجمين ينقلون أبصارهم ما بين جسد أحمد البني اللون والجسد المائي الممتد في كسل وتراخ داخل المجرى المحفور منذ مئات السنين، كانوا مذعورين وكانت شجرة الحور الكبيرة المادة ظلها في فوق الماء.. تبدو في عيونهم كمارد مخيف ولو لم يكونوا مجتمعين للجأ كل منهم إلى البكاء.‏

واستعد أحمد للعوم: رفع ذراعيه إلى أعلى بعملية شهيق طويلة وراح يحدق بسرعة إلى الوجوه الصغيرة المحتقنة بالقلق التي أذهلتها المفاجأة.‏

وتمتمت فاطمة:‏

- الله معك.‏

وأسبل أحمد أهدابه.. كمن يستسلم لمصير مجهول وتسارعت دقات قلب الأولاد وهبت نسمة باردة أسقطت أوراقاً خريفية أخرى اضطجعت على صفحة الماء كأنها.. جثث، وسمع النقيق الجنائزي بوضوح وراحت أمينة تلهث من الإعياء وظهر الندم في عيني فاطمة غير أن ارتطام جسد أحمد.. بالجسد المائي المنساب في المجرى بدل كل شيء وجعل الأولاد يصرخون.‏

انشقت نقطة وقوع ظل شجرة الحور على الماء.. عندما لامسها أحمد فكأنها شدق هائل الاتساع.. ابتلع الجسد الفتي، وكف الأولاد عن الصراخ، وعادوا إلى الذهول والصمت والترقب، ولأول مرة رأوا تكسر الظل المرسوم على صفحة الماء، غير أنهم لم يفكروا جميعاً في هذه اللحظة إلا بالجني الهال الحجم القابع في أعماق النهر.‏

ومرت ثوان..‏

وعاد النهر العجوز بسرعة إلى انسيابه الكسول، ومن جديد أسقطت نسمة خريفية أوراق الشجر فوق صفحة الماء وراحت الضفادع تؤدي دورها وشجرة الحور الكبيرة تشمخ بأنفها..‏

كأنها آلهة، وأصوات الفلاحين البعيدة تختلط بخوار البقر الأجش، وكان الأولاد ممتقعي اللون لا يتحركون.. كأنهم دمى خشبية يملأ عيونهم ترقب ملوث بالدموع.‏

فجأة.. انشقت صفحة الماء في النهر المنساب بكسل.. عن جسد أحمد بالذات، ورأى الأولاد الوجه مبتلاً بالماء وبالسعادة فراحوا يصيحون.. كأنهم يمتطون أرجوحة العيد.‏

وسمع صوت أحمد، لأول مرة بعد خروجه من الأعماق:‏

- الماء بارد لكنه منعش..‏

وتتابعت الأسئلة التي كانت حائرة على شفاه الصغار:‏

- والأعماق؟‏

- .. كأعماق أي نهر آخر‏

- والجني؟‏

- لا شيء حتى ولا سمكة صغيرة.‏

- والماء؟‏

- بارد، بارد.. لكنه منعش.‏

- وصرخت فاطمة في فرح وقلق:‏

- اخرج يا أحمد لئلا تبرد.‏

وكان أحمد يسبح تارة على بطنه وأخرى على ظهره.. في ثقة وسعادة ولقد بدا وجهه الناحل هذه المرة أكثر عافيه.‏

وتنادى الأولاد للعودة إلى دورهم. كانت وجوههم تطفح بشراً متوقداً، وعيونهم تخبئ الخبر الجديد: ميتة الجني الهائل الحجم.. بذراعي أحمد القويتين.‏

حسن خليل
29-08-06, 12:43 PM
القصة الثامنة والعشرون

البطة الثقيلة‏

بقلم الكاتب: عبد الله عبد

كانت بطة في قرية بعيدة تسبح كل يوم في بركة صغيرة.‏

ولكن ذات صيف، جف ماء البركة، فحزنت البطة حزناً شديداً وتساءلت:‏

- متى يسقط المطر فتمتلئ البركة بالماء؟‏

فسمعها عصفور وقف، لتوه، على غصن شجرة. فقال لها:‏

- في الشتاء طبعاً.‏

قالت البطة:‏

- وهل انتظر مجيء الشتاء حتى تمتلئ البركة بالماء؟‏

أنا عطشى جداً. وأرغب في السباحة.‏

فسأل العصفور:‏

- ولماذا لا تطيرين إذن إلى بحيرة ما؟ أعرف بحيرة تحيط بها الأشجار من كل جانب.‏

فقالت البطة:‏

- وهل هي بعيدة؟‏

فأجاب العصفور:‏

- لا، إنها وراء هذه التلال.‏

فقالت البطة:‏

- لا أقدر على الذهاب إلى هناك، لأني لا أستطيع الطيران.‏

وسأل العصفور:‏

- عجباً كيف لا تستطيعين الطيران وأنت تملكين جناحين كبيرين؟‏

قالت البطة:‏

- حقاً إني أملك جناحين كبيرين ولكنهما لا يقويان على حملي.‏

سأل العصفور:‏

قصة‏

- لماذا؟‏

قالت البطة:‏

- لقلة الاستعمال يا عزيزي العصفور. لم أكن أحتاج إليهما في القرية. كنت أتنقل على رجلي، والتقط طعامي من هنا وهناك، فلم أفرد جناحاً يوماً وأحلق في الفضاء.‏

فقال العصفور:‏

- وهكذا ثقل وزنك، وضعف جناحاك فلم تعودي قادرة على الطيران.‏

فهزت البطة رأسها بالإيجاب. وتابع العصفور:‏

- وآثرت حياة الراحة والكسل في القرية على حياة السفر والرحيل؟‏

أجابت البطة بندم:‏

- نعم هذا ما فعلت حقاً.‏

فقال العصفور:‏

- يا للأسف تحملين جناحين ولا تطيرين بهما. سمعت طفلاً يقول مرة: ليتني أملك جناحين كي أطير بهما.‏

ورفرف العصفور بجناحيه فقالت البطة:‏

- احملني معك إلى البحيرة أيها العصفور، فإني أكاد أهلك عطشاً.‏

فقال العصفور وهو يغادر الشجرة طائراً:‏

- لا أستطيع يا عزيزتي البطة. كل عصفور يطير بجناحيه.‏

ثم تركها وحلق في الفضاء باتجاه البحيرة. عندئذ صفقت البطة بجناحيها وحاولت أن تقلد العصفور في الطيران. لكنها كانت ثقيلة جداً فلم تستطع أن ترتفع فوق الأرض.‏

حسن خليل
30-08-06, 04:34 PM
القصة التاسعة والعشرون

الغيمة والريح والفلاح‏

مرت الريح فوق البحر فقالت له:‏

-أيها البحر هل ترافقني؟‏

فقال البحر:‏

- إلى أين؟‏

فقالت الريح:‏

- للقيام برحلة في البلاد.‏
-
فقال البحر:‏

- لا أستطيع.‏
-
سألته الريح:‏

- لماذا؟‏

فأجاب البحر:‏

- لأني أنا البحر:‏

ولم يعجب هذا الجواب الريح فقالت:‏

- يا له من متكبر!‏

وتابعت الريح طريقها فوق البحر فشاهدت مركباً فقالت له:‏

- هل ترافقني؟‏

فقال المركب:‏

- إذا سمحت لي، فالتجار ينتظرون على الشاطئ الآخر وعنابري حافلة بالجوز واللوز والفراء والفلفل واللؤلؤ والمرجان.‏

ونفخت الريح في الأشرعة فانتفخت وتهادى المركب فوق البحر حتى وصل إلى الشاطئ حيث كان تجار الجوز والفراء والتوابل والصنوبر واللؤلؤ والمرجان ينتظرون، ثم توقف عند الشاطئ ولم يتقدم بعد ذلك.‏

وتابعت الريح طريقها فشاهدت شجرة فقالت لها:‏

- أيتها الشجرة هل ترافقينني في رحلتي؟‏

أجابت الشجرة:‏

- كلا.‏

فسألتها الريح:‏

- لماذا؟‏

فردت الشجرة:‏

- لأني أنتظر الربيع كي أورق وأزهر وأصنع ثمراً للناس.‏

وجرت الريح بين البيوت فقالت لأحدها:‏

- هل ترافقني في رحلتي؟‏

فقالت البيت:‏

- بودي لو أرحل معك، فقد ضجرت من البقاء في مكان واحد. ولكن البيوت وا أسفاه لا ترحل لأنها ثابتة.‏

وواصلت الريح سيرها فالتقت بجبل فقالت له:‏

- هل تسافر معي؟‏

فقال لها الجبل:‏

- كيف أسافر معك وأنا أحمل على ظهري الثلج والغابة.‏

وانحدرت الريح إلى الطريق العامة وقد عللت النفس بأنه من الممكن أن تجد هناك أحداً ما، فصادفت عمود كهرباء، فقالت له:‏

- أيها العمود هل تمضي معي فتتفرج على الدنيا بدلاً من أن تقف هنا ثابتاً فيدخل الملل إلى قلبك؟‏

فقال عمود الكهرباء‏

- ليتني أستطيع أن أفعل، ولكن عما قليل تغيب الشمس ويعم الظلام وهنا تأتي مهمتي فأحمل النور إلى البيوت؛ وعندئذ ينحني التلاميذ على كتبهم لحفظ دروسهم، وتحمل آلام صنارتها وخيطانها لتتابع نسج الصوف، ويفتح الأب صحيفته ليستطلع الأخبار قرب الموقد.‏

وشعرت الريح بالوحدة فأنت وأعولت. تلفتت هنا وهناك فرأت غيمة فقالت لها:‏

- أيتها الصديقة هل تسافرين معي؟‏

فقالت الغيمة بفرح:‏

- نعم.. نعم فأنا على موعد مع فلاح بذر حبوبه وغرس شتوله في الأرض ثم راح ينتظرني في حقله. لعلي قد تأخرت في السفر إليه. وأخشى أن أصل بعد فوات الأوان.‏

فقالت الريح:‏

- أمتطي ظهري وسأحملك إليه قبل أن تذوي شتوله وتموت بذوره في باطن الأرض.‏

وامتطت الغيمة ظهر الريح التي سرعان ما انطلقت في طريقها فرحة جذلى لأنها تحمل الأمل والخير لفلاح ينتظر.‏

حسن خليل
03-09-06, 09:12 AM
القصة الثلاثون

اليد أولاً‏


عندما مات الملك ترك سيفه الذي قتل به كثيراً من الأعداء، وكان لهذا السيف صيت في كل البلاد. فقبضته من الذهب ونصله المرهف قد صنع من صاعقة سقطت على كوخ حطاب.‏

وكان للملك ولد يحب اللهو واللعب كثيراً، ولا يهتم بشؤون رعيته ويقضي أوقاته في أمور تافهة لا تليق بحاكم مسؤول عن رعيته.‏

وكانت والدته كلما قالت له: "يجب أن تتدرب على القتال وحمل السيوف". كان يرد عليها:

- ولماذا أتدرب على السيوف؟ إن سيف أبي الذي قبضته من ذهب ونصله من صاعقة كفيل بدحر الأعداء وقطع رقابهم.‏

حينئذ كانت الأم تخلد إلى الصمت ولا تنبس ببنت شفة.‏

حتى جاء يوم أغار فيه الأعداء على البلاد. وكان هؤلاء الأعداء يتحينون الفرص للثأر من الملك الذي هزمهم كثيراً. ذلك الملك الذي لم يستطيعوا أن يتغلبوا عليه وهو وحي.‏

حمل ابن الملك سيف أبيه باحتفال مهيب، ثم سار على رأس جيشه لملاقاة أعدائه.‏

عندما التقى بأعداء بلاده نشبت بينه وبينهم معركة صغيرة، لكنه لم يستطع أن يصمد طويلاً أمامهم وسرعان ما انهزم.‏

ذهل ابن الملك واستبد به العجب فقال لمن حوله وهو يرمي سيف أبيه على الأرض:

- أي سيف تافه هذا: إنه لا يستأهل الصيت الذي أذيع عنه.‏

فقال له أحد قواده:‏

- بل إنه سيف عظيم جداً يا مولاي.‏

فقال ابن الملك:‏

- أين هذه العظمة التي تتحدث عنها. إنه سيف مثلوم الحد لم يقطع رقاب أحد من الأعداء.‏

فأجاب القائد:‏

- السيف لا يقطع الرقاب يا مولاي.‏

قال ابن الملك:‏

- عجباً ومن يقطع رقاب الأعداء إذا لم يكن السيف هو الذي يقطعها إذن؟‏

- إن الذي يقطعها يا مولاي اليد التي تحمل السيف.‏

قال ابن الملك:‏

- ماذا تقول أيها القائد؟‏

فقال القائد:‏

- أقول يا مولاي أن الذي يقطع رقاب الأعداء هو اليد التي تحمل السيف. حسناً أترك السيف في غمده ألف سنة فإنه لا يتحرك ولا يقتل أحداً من الأعداء، أما اليد فتستطيع أن تقتل الأعداء بدون سيف.‏

فقال ابن الملك:‏

- وكيف تستطيع اليد أن تقتل الأعداء بدون سيف؟‏

فأجاب القائد:‏

- تستطيع أن تفعل ذلك بأية أداة قاطعة: بالمنجل.. بالفأس أو بالرفش. المهم يا مولاي أن تكون اليد مصممة على قتل الأعداء.‏

قال ابن الملك:‏

- ما تقوله أيها القائد غريب حقاً.‏

وقرر أن يبدأ صفحة جديدة. ثم ركب حصانه وانطلق يتدرب على السيف. بعد مدة من الزمن صار ابن الملك يجيد استعمال السيوف وكل أدوات القتال.‏

قال:‏

- والآن يجب أن نقاتل الأعداء ونهزمهم.‏

ثم مضى بجنوده لقتال الأعداء الذين كانوا يغطون في نومهم عند الفجر.‏
حينما استيقظ الأعداء سخروا من ابن الملك وجيشه لأنهم كانوا يعتقدون أن ابن الملك وجيشه لا يحبون القتال، ولا يجيدون استعمال السيوف.‏

قال ابن الملك:‏

- أيها الأعداء اتركوا أراضينا وعودوا إلى دياركم.‏

فضحك الأعداء من ابن الملك وقالوا له:‏

- كلا لن نترك هذه الأراضي.‏

فقال ابن الملك:‏

- أيها الأعداء إذا لم تتركوا بلادنا وتعودوا إلى دياركم فستهلكون.‏

قال الأعداء ساخرين:‏

- أنتم لا تستطيعون إخراجنا من بلادكم، لأن سيوفكم لا تقطع.‏

فقال ابن الملك:‏

- ليست السيوف هي التي تقطع.‏

فقال الأعداء:‏

- وما الذي يقطع إذن. إذا كانت السيوف ليست هي التي تقطع؟‏

قال ابن الملك:‏

- إن الذي يقطع حقاً هو اليد التي تحمل السيف. لقد غلبتمونا في المرة السابقة لأننا اعتمدنا على سيوفنا. أما الآن فنحن نعتمد على أيدينا.‏

ثم هجم ابن الملك وجيشه على الأعداء هجوماً صاعقاً وانتصروا عليهم. ولم يكن ابن الملك في هذه المرة يحمل سيفاً قبضته من ذهب، ونصله من صاعقة سقطت على كوخ حطاب.‏

وإنما كان يحمل بيده شيئاً آخر غير السيف. ربما كان فأساً. وربما كان منجل حصاد. وكذلك فعل بقية أفراد الجيش.‏

حسن خليل
04-09-06, 11:02 AM
القصة الواحدة والثلاثون

مساكن للعصافير‏

بقلم الكاتب: وليد إخلاصي


كانت العصافير التي تسكن (الحديقة العامة) سعيدة ومطمئنة البال، تغرد وترقص في السماء ثم تحط على أعشاشها الصغيرة المتناثرة على قمم الأشجار وأغصانها.‏

وظلت العصافير سعيدة إلى أن جاءها إنذار من رئيس الحديقة يقول إما أن تدفع العصافير أجرة الأعشاش التي تسكنها، أو أن تغادرها إلى مكان آخر. فقالت العصافير بأسى: ولكننا لا نملك مالاً، ونحن لا نعرف كيف يأتي الناس بالمال. وشكل العصافير وفداً لاسترحام رئيس الحديقة وشرح أوضاعهم، ولكنه كرر عليهم مضمون إنذاره، وهددهم بالطرد إن لم يستجيبوا للإنذار.‏

وحزنت الأشجار وأصاب الأزهار يأس كبير، إلا أن ارتباطهم الشديد بالتراب منعهم من تقديم شكوى رسمية فاكتفوا بالبكاء.‏

قالت الأشجار: - من يسلينا بعد الآن بالغناء صباح مساء؟!‏

وهتفت الأزهار: - من يغني لنا أناشيد الحب والصفاء؟!‏

ولكن رئيس الحديقة لم يأبه لما سمع، واضطرت العصافير إلى الرحيل، فانطلقت مهاجرة أفواجاً والحيرة قد تملكتها لا تعرف لها مستقراً.‏

وأصاب الأشجار حزن عميق، واستسلمت الأزهار لبكاء ساخن عميق سرعان ما أغرقها فجعلت تموت واحدة تلو الأخرى، كذلك الأشجار جفف الألم أغصانها تتساقط على الأرض لتحلق بها الأغصان نفسها. ودخل الناس ذات يوم إلى الحديقة يطلبون الراحة والمتعة، فهالهم الصمت والحزن، وكأن الحديقة أصبحت مقبرة قاتمة الألوان.‏

لا عصافير ولا أزهار، والأشجار تجف مقبلة على الموت بأجساد وأهنة. مل الرجال المنظر فتركوا الحديقة إلى بيوتهم، وتساءل الأطفال عن سر التعاسة المقيمة، فاستجوبوا شجرة سرو هرمة، فقصت عليهم الحكاية كلها، هاجرت العصافير لأنها لا تملك مالاً تدفعه أجرة لأعشاشها الصغيرة!‏

وتوجه الأطفال إلى رئيس الحديقة يستعطفونه ويطلبون للعصافير الرحمة والغفران، فصدهم الرئيس بقسوة وقال لهم: يجب أن يدفع الساكن مالاً لقاء البيت الذي يقطنه.‏

فصاح الأطفال: ومن أين يأتي العصافير بالمال؟‏

فلم يعرهم رئيس الحديقة التفاتاً فخرجوا إلى الحديقة الميتة يبكون. وقال طفل طيب: لنجمع للعصافير أجرة لبيوتهم.‏

وصمم الأطفال آنذاك على أن يساهموا في إعادة الحياة إلى الحديقة فقتروا على أنفسهم في المصروف، لا حلوى ولا ألعاب. ورغم معارضة الآباء فقد تم جمع مبلغ كاف من المال دفع إلى رئيس الحديقة، فدعيت العصافير للعودة إلا أن العصافير لم تتمكن جميعها من العودة، لأن أعداداً كبيرة منها قتلها التعب والتجوال في سماء لا أعشاش فيها فسقطت على الأرض قتيلة، وبالرغم من أن أعداداً ضئيلة عادت إلى الحديقة فإن الحياة دبت في الأشجار ونمت الأزهار من جديد، فعادت السعادة إلى الحديقة.‏

حسن خليل
08-09-06, 07:56 PM
القصة الثانية والثلاثون

دجاجتي العقيم‏

بقلم الكاتب: مراد السباعي

لم أكن قد تجاوزت التاسعة بعد، عندما نازعتني رغبة ملحة، في استغلال المبلغ الزهيد الذي ادخرته من (خرجيتي) خلال بضعة أشهر.. ورأيت بعد طول التفكير أن ابتاع ديكاً حسن الصوت والشكل ودجاجة أنيقة عريقة، تعطيني من البيض أفخمه وأطيبه..‏

وكان ذلك.. وجئت بالديك والدجاجة فوضعتهما في قفص من الخشب صنعته بنفسي، وكلفني صنعه من المشقة الشيء الكثير، لقد جرحت يدي بالمنشار في مواضع عديدة وأدخلت أحد المسامير في إصبعي.‏

ومضت الأيام وأنا أراقب باهتمام عظيم سلوك الديك والدجاجة، وأنتظر بشوق ولهفة ذلك اليوم السعيد الذي أشاهد فيه شيئاً أبيض يتدحرج بين رجلي دجاجتي السوداء..‏

وكانت الظواهر كلها تشير إلى أن أحلامي وشيكة التحقيق، وأن البيضة المنتظرة ستكون في متناول يدي بين ساعة وساعة..‏

فهاهو ذا الديك العظيم يملأ القفص حركة ونشاطاً، ويصيح بصوته الجميل صياحاً متواصلاً لا هوادة فيه، ويصفق بجناحيه تصفيق الفرح المستبشر، ويدور حول دجاجته الحبيبة بزهو متعجرف أين منه زهو الطواويس.. ولا عجب، فالدجاجة في (زحمة) من أمرها.‏

ولكن الأيام تمضي، والشهور تتعاقب، ولا شيء في القفص غير الصياح والضجيج، والجلبة الفارغة، ولا شيء غير الريش المتساقط..‏

آه، يا للدجاجة الممثلة..‏

رأيتها ذات مرة تقبع على القش المهيأ لبيضها، وتدور حول نفسها ببطء وإعياء، وتقوقي بصوت خفيض جداً، كأنها تعاني أشد آلام الوضع، فقلت في نفسي كان الله في عونك وشد ما كانت دهشتي عندما شاهدتها بعد لحظات قصيرة تنتصب واقفة، وتنتفض عدة انتفاضات قوية، ثم تدرج في أرض القفص باحثة عن الطعام، وكأنما الذي فعلته لم تقصد به إلا اللعب بعواطفي.. ورأيتها مرة أخرى... هي وديكها اللعين، يقيمان الدنيا ويقعدانها صياحاً وعربدة وتصفيقاً بالأجنحة، وقفزاً على القضبان، فقلت لقد آن أوانها، ولن يمضي النهار إلا وتكون البيضة في كفي، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ومضت تلك المشكلة كزوبعة في فنجان..‏

بيد أن المفاجأة قد حدثت ذات صباح.. فقد لمحت بين رجلي دجاجتي شيئاً أبيض كالثلج يأخذ مكانه على القش المبعثر، فتناولته والسرور يرعش يدي، والسعادة تغمر كياني، وانطلقت به إلى جدتي كالمأخوذ..‏

وأخذت جدتي البيضة من يدي فقلبتها بإمعان وتدقيق، وأطالت إليها النظر، وفجأة أطلقت ضحكة ساخرة، ورمت بالبيضة إلى الأرض.. ورأيت البيضة تتدحرج على الأرض دون أن تنكسر، وفي غمرة من الدهش الصاعق لما أصابني أمام هذه المعجزة، سمعت جدتي تقول: هذه بيضة من الجص.. ولا أدري أي خبيث قد وضعها تحت دجاجتك ليسخر منك.. إن دجاجتك يا ولدي عقيم، وما كان العقم لينتج شيئاً على الإطلاق...‏

حسن خليل
08-09-06, 08:07 PM
القصة الثالثة والثلاثون

العصفور والطائرة‏

بقلم الكاتبة: ليلى صايا سالم

طلع الصباح.. اهتزت أوراق الشجرة وأفاق العصفور. فتح عينيه وصفق بجناحيه وطار. كان نشيطاً تغمره البهجة.. حط على الأرض وتمرغ بالعشب الأخضر، ابتل ريشه بالندى فنفضه وطار. استمع إلى زقزقات العصافير البعيدة، كان يفهم ما تقول. أجابها بزقزقة ممطوطة، واستنشق هواء الصباح بعمق.. كان الصباح جميلاً والعصفور مسروراً.‏

فجأة سمع صوتاً غريباً.. كان صوتاً قوياً مزمجراً لم يسبق له أن سمع مثله من قبل خفق قلبه. اهتزت الشجرة.. صمتت العصافير وتوقفت الصراصير عن الغناء، وركضت الحشرات تختبئ في شقوق الأرض.. صمت كل شيء. رفع العصفور رأسه نحو السماء.. كانت زرقاء صافية، وشاهد فيها طائراً كبيراً يمرق بسرعة من غير أن تخفق أجنحته.‏

كان يهدر بشدة. تعجب العصفور من أمر هذا الطائر وتساءل في سره: أي طائر غريب هو. قد يكون أكبر من شجرة التوت الكبيرة التي اعتاد أن يقف عليها في بيت صديقه غسان. ولكن لماذا يبدو غاضباً إلى هذا الحد؟ وكيف يستطيع أن يطير من غير أن يرف بأجنحته أو يحركها؟ ودفعه فضوله إلى أن يسأله عنه، فطار مسرعاً إلى بيت صديقه غسان.‏

كانت الجدة في الحديقة تنزع بعض الأعشاب اليابسة. زقزق العصفور قائلاً:‏

- صباح الخير أيتها الجدة.‏

- صباح الخير أيها الجميل.‏

- هل رأيت يا جدتي ذاك الطائر الكبير المزمجر؟ إنه يلتمع تحت أشعة الشمس، ويطير ثابتاً وكأنه لا يخشى السقوط.‏

- إنه ليس بطائر أيها العصفور.. إنه طائرة.. ألم تر أو تسمع بالطائرة؟‏

- لا. وما هي الطائرة؟‏

- هي حوت ضخم من الحديد.. جوفه كبير.. يبتلع الناس وأمتهم ويطير بهم ويأخذهم إلى أماكن بعيدة حيث يخرجهم ثانية من جوفه.‏

فكر العصفور في نفسه: لا شك أن الطائرة أفضل مني فأنا لا أستطيع أن أحمل سوى القش بمنقاري.‏

ثم سأل الجدة:‏

- وهل تطير مسرعة.. أسرع مما أطير؟‏

ضحكت الجدة وقالت:‏

- أسرع بكثير.‏

- وماذا تحمل في جوفها أيضاً؟‏

- تحمل أشياء تشبه الكرات. هل تعرف الكرات؟. إنها تلك الأجسام المستديرة الملونة التي يلعب الصغار بها، وحين ترمي تلك الأشياء تزرع الموت والدمار.‏
خاف العصفور وارتعش. سأل الجدة:‏

- وهل يحب الأطفال الطائرة يا جدتي؟‏

- إنهم يخرجون حين يسمعون صوتها، يرفعون رؤوسهم نحو السماء، ويصفقون لها بأيديهم وتعلوا ضحكاتهم وهي تمرق بسرعة فوق رؤوسهم.‏

حزن العصفور وقال في نفسه: لا شك سيأتي يوم ينصرف فيه الأطفال عن الطيور ويتعلقون بالطائرات.‏

ترك العصفور الجدة واقترب من النافذة. كان غسان الصغير يحبو وهو يضرب بيديه لعبة صغيرة.‏

عادت الطائرة يسبقها صوتها المزمجر.. اهتزت جدران المنزل.. صرخ غسان.. بدأ يبكي بشدة، كان الرعب يهز جسمه الصغير.‏

نقر العصفور زجاج النافذة.. نظر إليه الطفل سكت ثم ضحك وبانت أسنانه الصغيرة. صفق العصفور بجناحيه منتصراً. قال في نفسه: لن تكون الطائرة أفضل طالما هي تبكي الأطفال وأنا أجعلهم يضحكون.‏

حسن خليل
11-09-06, 11:29 PM
القصة الرابعة والثلاثون

الأعمى والأصم‏

بقلم الكاتب: أيوب منصور

كان لحاكم إحدى المدن القديمة ولدان، أحدهما أعمى لا يبصر، والآخر أصم لا يسمع. وبعد وفاته حدث خلاف بين الولدين على الحكم، لكن قاضي المدينة اقترح أن يحكم المدينة في النهار الولد الأعمى، ويحكمها في الليل الولد الأصم. وافق الولدان على الاقتراح وصار كل منهما يحكم خلال أوقاته المحددة، ففي النهار يأمر الوالي الأعمى الناس بالامتناع عن تأدية أعمالهم وتكريس الوقت كله للكلام عن عدالته وعن ظلم أخيه.. أما في الليل فكان الوالي الأصم يمنع الناس من النوم ويجبرهم على ترديد أغاني المديح لشخصه حتى مطلع الفجر. وبعد مضي مدة قصيرة نفدت مؤنة المدينة وهلك الناس لأن حاكم النهار يسمع ولا يرى وحاكم الليل يرى ولا يسمع.‏

حسن خليل
11-09-06, 11:32 PM
القصة الخامسة والثلاثون

العقل الكبير‏

كان الحمار الصغير يتنزه ليلاً، فانقض عليه الضبع يريد أن يأكله فأشفق الفيل على الحمار، وسارع إلى إنقاذه وطرد الضبع.‏

قال الفيل للحمار: أنت صغير السن، ولذا سأرعاك حتى تصير حماراً كبير السن.‏

وبعد أمد قال الحمار للفيل: ها أنذا أصبحت كبير السن، ولم أعد بحاجة إلى رعاية أحد.‏

قال الفيل: هيا قدم إلي دليلاً على أنك أصبحت أيضاً كبير العقل.‏

فهجم الحمار فوراً على شجرة، وراح يرفسها حتى أوشك أن يحطم حوافره فضحك الفيل وقال:‏

ما فعلته ليس دليلاً على اكتمال العقل؟ قالت الضفدعة:‏

أن تتمكن من النهيق وأنت في الماء.‏

فقفز الحمار إلى ماء النهر، وعندما حاول النهيق امتلأ جوفه بالماء وأوشك أن يغرق.‏

والتقى الحمار بفأرة فقال لها متسائلاً: كيف أستطيع أن أصبح مكتمل العقل؟‏

قالت الفأرة: تزوج.‏

قال الحمار: لا أحد يوافق على الزواج من حمار.‏

قالت الفأرة: أنا موافقة على الزواج منك ولكن يجب أن تمتنع عن الطعام حتى تصبح نحيلاً مثلي وتتمن من الإقامة في بيتي.‏

صار الحمام أياماً ولكنه تخلى عن صيامه إذ أوشك الجوع أن يهلكه. قابل الحمار جرادة، فقال لها: كيف أستطيع أن أملك عقلاً كبيراً؟‏

قالت الجرادة: سيصبح عقلك كبيراً إذا أكلت كل ما في الغابة من أعشاب وأشجار.‏

عمل الحمار بنصيحة الجرادة، وانطلق في الغابة يأكل ما يصادفه فأصيب بالتخمة ومات.‏

سار الفيل في جنازة الحمار وهو يقول: الحمير لا تكتمل عقولها إلا بعد الموت.‏

حسن خليل
14-09-06, 07:03 PM
القصة السادسة والثلاثون:

روبوت مشاغب

بقلم الكاتب: السيد نجم

كان الاحتفال بسيطا وجميلا, فقد التف أفراد الأسرة كلهم حول المائدة ,ومع أنغام الموسيقى المفرحة, وغناء "مي وبسمة" لأمهما "د.عزة", أطفأ الجميع الشمعة المضيئة وسط التورتة التي شارك جميع أفراد الأسرة في إعدادها.
أشار الأب الى الجميع يأمرهم بالهدوء قليلا, ثم قال:

"نحن جميعا سعداء بمناسبة حصول ماما د.عزة على جائزة علمية كبيرة,
ونتمنى لها التقدم دائما في أبحاثها العلمية "

عقبت "مي" بسرعة:

"وما جائزتنا نحن, لقد ساهمنا كثيرا في هذا النجاح..."

ألحقتها "بسمة" وتابعت قائلة:

"صحيح..يكفى أننا نساعدها في أعمال المطبخ"

وضحك الجميع.

لم يمض وقتا طويلا حتى صاح الأب ثانية , يطلب منهم الانتباه له, ثم قال:

"أنت على حق يا "مي" , لذلك سوف أقدم لكما هدية ثمينة جدا"

هلل البنتان بسعادة, وفى شوق لأن يسمعا تفاصيل الهدية, وزادت سعادتهما عندما أخبرهما الأب بالهدية المنتظرة:

"سوف أشترى لكما مكتبة كبيرة وقيمة "ميكروفيلم", وسوف أحرص أن تضم
الكثير من الموضوعات المسلية في الأدب والعلوم , بل وفى التاريخ أيضا"
وقبل أن ينتهي الأب من تفاصيل الهدية, تابعت الأم قائلة:

" أما هديتي , سوف تكون لنا جميعا..بابا, وأنا, وأنتما , كلنا معا؟!"

شعر الجميع بالدهشة, وانتظروا تفاصيل أكثر عن تلك الهدية التي تتحدث عنها د.عزة بثقة واعتزاز. مع ذلك انتهت الحفل ولم تخبرهم الأم عن أية تفاصيل أخرى. ولفترة طويلة كان موضوع تلك الهدية حديث الأسرة كلها, والأم مصرة على عدم البوح بتفاصيلها..!
..... ....... ......
لم يكف أحد أفراد الأسرة السؤال عن سر الهدية المفاجأة التي وعدتهم بها الأم, ولم تبح د.عزة بتفاصيلها!. كلما تجدد السؤال , تبتسم الأم , ولا تعلق بأكثر من كلمتين اثنتين: "سوف نرى!!".

انقضى شهر كامل , وفى تمام الساعة الثانية بعد الظهر حسب الميعاد المتفق عليه , دخلت د.عزة الى مكتب المهندس "علم الدين" صاحب المصنع الصغير لصناعة "الربوت". فهو أمهر من يصنع الإنسان الآلي في كل المدينة , ويتميز "الربوت" الذي صممه بنفسه ويشرف على تصنيعه بالمهارة في تنفيذ الأوامر , مهما كانت شاقة أو متعبة!. لذلك أطلق عليه اسم "الأسطى سعيد" !!

فور أن لمحها المهندس "علم الدين", نظر الى ساعة الحائط المعلقة أمامه, وأشار إليها صامتا مع بسمة واثقة . فعلقت د.عزة دهشة:

"وصلت في الميعاد المحدد ..أليس كذلك؟!"

هز المهندس رأسه وقال:

"بل وصلت قبل الميعاد بساعتين يا سيدتي"!

لم تعلق..ولم يسمح لها المهندس بأكثر من دقيقتين لعرض طلبها, لأنه في عجلة من أمره, ولا يوجد عنده أي وقت فراغ وهو داخل مصنعه كي يضيعه في الثرثرة.

لم تغضب د.عزة منه, وأعادت عليه التأكد من تحقيق كل المواصفات التي عرضها عليها أثناء المقابلة الأولى. وقبل أن تغادر حجرة المكتب, أخبرها المهندس علم الدين بضرورة انتظاره بمنزلها في تمام الساعة الرابعة لاستقبال الضيف الجديد.

..... ...... ......
عادت الأم الى المنزل في انتظار "الأسطى سعيد", وضح على وجهها علامات الحيرة. فسألتها "مي"عن سر القلق والشرود الواضح عليها,وسألتها "بسمة" الصغيرة:"هل أنت جائعة يا ماما؟".

ابتسمت الأم, وأخبرتهما عما يدور في رأسها. هل من الأفضل أن تخبرهما عن سر المفاجأة التي وعدتهما بها..أم تنتظر ؟!. فتعلقت الابنتان بها أكثر, وطلبا التفاصيل, لأنهما في شوق الى معرفتها.

فقالت:

"سوف يحضر حالا الآن الأسطى سعيد, وسوف يساعدكما ويساعدني...."

وقبل أن تتابع, عبرت الابنتان عن دهشتهما ..من يكون الأسطى سعيد هذا؟, وأي مفاجأة في أن تحضر أمهما رجلا يعمل على راحتهما ؟؟!

فضحكت الدكتورة عزة, وقالت:

" بل الأسطى سعيد هذا ..ربوت, أو إنسان آلي. سوف يعيش معنا هنا في المنزل وينفذ كل الأوامر التي سنطلبها منه !"

على غير التوقع, تلاحقت الأسئلة وكثرت, بل وسألت الابنتان بطريقة لم تسمح لأمهما بالإجابة..أسئلة كثيرة, متلاحقة, ولم ينتظرا ردا ؟!

.. "هل هو مثلنا, من لحم ودم وعظم؟"

.. " هل يأكل ويشرب؟"

.. " هل يجيد شراء ما نريده من السوق؟"

.. " هل يجيد القراءة , ويمكن أن يقرأ القصص معي؟"

.. " وأنا أحب أشغال التريكو..هل يجيد تلك الأشغال ويساعدني فيها؟"
في تلك اللحظة, دخل الأب الذي فهم سر تلك الأسئلة وغيرها , فضحك ثم قال:

"إذن..ننتظر, فأنا في شوق الى الأسطى سعيد مثلكما تماما"

بقى بعض الوقت على الرابعة , ويمكن لهن الاستماع الى أية إجابة من الأب حتى يصل الإنسان الغامض الآلي هذا. وافق الأب وقال:

"الربوت هو آلة على شكل جسم الإنسان, له رأس داخلها يوجد "المخ" أو الجزء
المسئول عن إصدار الأوامر أو السيطرة على الآلة, وهو في ذلك مثل الإنسان...!

كما توجد بالآلة "الذاكرة" وهى عبارة عن اسطوانة صغيرة , عليها ثقوب كثيرة"
علقت "بسمة " قائلة:

" إذن صف لنا مخ الإنسان الآلي ؟"

ابتسم الأب وتابع:

" أنت المتعجلة يا بسمة.. حالا كنت سأوضح لك تركيب المخ فيه.....

مخ الربوت يشبه سويتش التليفونات, السويتش هو الذي يربط بين كل خطوط
التليفونات وكذلك يوصل المكالمات ..أيضا مخ الربوت يقوم بوظيفة الربط بين
أجزاء الربوت, وعلى الرغم من صغر حجمه إلا أنه قادر على أداة توصيلات
كثيرة جدا..جدا"

فضحت "مى" و"بسم’" وقالتا معا وفى صوت مشترك, وكأنهما اتفقا على ذلك, وقالا:

" ياه .. هذا الربوت هام جدا.

سوف يريحنا من الأعمال الشاقة, وسوف يجعلنا سعداء بإصدار الأوامر فقط!!"
فهمت د.عزة ما يقصدانه , فأسرعت إليهما وحذرتهما ..إن لم يستفيدا بالوقت والجهد الذي سيوفره لهما الربوت, لن تتردد في إرجاعه إلى المهندس علم الدين. لكنها لم تسمع ردا, سمعوا جميعا صوت جرس باب الشقة, فنظرت الأم الى الساعة, وتأكدت أنها الرابعة تماما.
..... ....... ......

المهندس "علم الدين" ويده في يد "الأسطى سعيد", صرخت مي:

"ما هذا ..وكأنه إنسان ولكن من زجاج وحديد!!"

تابعت بسمة بسرعة:

"له عينان وفم , ذراعان وقدمان!!"

وعندما طلب منه المهندس الى يدخل مكان عمله الجديد, رد الربوت بصوت حاد وسريع قائلا:

"بل تفضل أنت أولا..هذا من آداب السلوك"

فضحك الجميع, وعلقت بسمة في نفسها بصوت دهش: "انه يتكلم أيضا!!"

مضى المهندس بعض الوقت مع الأسرة السعيدة, وتحدث معهم جميعا عن الضيف الجديد, وكيف أنه مطيع وقادر على تنفيذ كل الأعمال الشاقة, والتي قد تعجز عليها سيدة المنزل؟!

قبل أن يترك الشقة , اقتربت مي من الربوت وهى تردد :"يجب أن نطلق عليه اسم يناسبه , ونناديه به ونحن نلعب معه".

فوجئت بالربوت يرد وحده قائلا:

" أنا اسمى الأسطى سعيد."

فأسرعت بسمة اليه تقول:

" بل أنت كىكى..اسمك من الآن كىكى"

ضربت الربوت الأرض بقدميه غاضبا, ثم قال:

"ما هذا الاسم؟ انه لا يناسبني أبدا...

أنا لست كلبا جئت كي أتدلل والهو..أنا إنسان آلي, جئت للعمل!!"

فطلبت "مي" منه أن يبدأ العمل ويقرأ معها قصة "رحلات السندباد السبعة" فورا.
....... ....... .......

أحضرت الكتاب, تأملت الغلاف للحظات, ثم بدأت يقلب أوراقه , توقفت أمام الصفحة الأولى, ثم تناولت كوب الماء , شربت الماء, ثم أرتكنت على ظهر الأريكة وبدأت تقرأ.

ما أن بدأت في القراءة, أسرع "سعيد" معترضا:

" ما كل هذا أنت بطيئة جدا...!

لماذا تفقدين كل هذا الوقت في الإعداد لقراءة القصة ؟؟!"

لم تعقب "مي", ابتسمت..فضلت أن تتابع القراءة باستمتاع وهدوء, وببطء أيضا , ربما تتخيل كل رحلة من رحلات سندباد الشيقة, والتي سمعت عنها لكنها لم تقرأ الكتاب من قبل .

خلال ثوان قليلة , سمعت "الأسطى سعيد" يردد جملة واحدة , ولا يريد أن يصمت..تماما كما الرضيع الجائع. فضحكت "مي" وطلبت منه أن ينتظر, ويكف الصياح بتلك الجملة المملة والتي لم تتوقعها:

"اقلبي الصفحة من فضلك...

اقلبي الصفحة من فضلك..."

لم تنته من الصفحة الأولى, ماذا يريد منها ؟. نفذت طلبه, انتقلت الى الصفحة التالية, قبل أن تنتهي من الجملة الأولى, عاد المشاغب الى سابق جملته المملة:" اقلبي الصفحة من فضلك!!".فشعرت بالحيرة والاضطراب.

أسرعت الى أمها التي انشغلت عنها في حجرة المكتب, أخبرتها بما حدث بغضب وانفعال. لفترة قصيرة شردت الأم , ثم ابتسمت..وجدت التفسير, فقالت:
"لا تغضبي يا مي, فالربوت يقرأ فوتوغرافيا أو تصويريا.."

دهشت مي أكثر, سألتها:

" لم أفهم, ماذا تعنين؟"

تابعت الأم:

"انه يصور الصفحة التي يطلع عليها بالكامل, ويفهمها في نفس اللحظة."

اشتركت "بسمة " في الحوار, وقد أعلنت عن رفضها لهذا القادم الجديد الذي لا يحترم قدراتهم في القراءة. ما زال الوقت أمامهما حتى يصدرا حكما نهائيا على الضيف الجديد..هذا بالضبط ما أخبرتهن به الأم, ثم طلبت منهما أن يصبرا لوقت أطول. وكان من الممكن أن يطول الحوار طويلا بين ثلاثتهن, لولا أنهن سمعوا صوتا حادا يصيح وإلحاح:

"حان ميعاد الغداء...

حان ميعاد الغداء..."

كان الأسطى سعيد انتهى على التو من إعداد السفرة لتناول وجبة الغداء. ولأنها المرة الأولى التي يعد فيها المائدة, أسرعت الأم كي ترى, وربما لتطمئن عما يشغلها من أمور المنزل..فقد كانت دوما تتمنى أن تجد من يساعدها في إعداد الطعام وتجهيز المائدة.
...... ........ ..........

كانت تلك الجلسة حول المائدة لتناول وجبة الغداء, من المرات القليلة التي يشترك فيها الأب, فهو دوما منشغلا بعمله, وربما النهار كله خارج المنزل. لذلك عبر عن سروره بوجوده بين أفراد أسرته في هذا اليوم , وعلى مائدة الغداء, وقال:

"منذ فترة لم أجلس معكم لنتناول وجبة الغداء..أنا سعيد اليوم لأنني معكم"
لم يتردد الابنتان في التعبير عن سرورهما.

وما أن بدأ كل منهم في تناول شيئا من الطعام, حتى بدا عليه التذمر, والإحساس بالضيق, وربما الرغبة في عدم متابعة تناول الطعام!

في البداية لم ينطق أحدهم, لكن تأكد الجميع أن هناك مشكلة ما في كل الأطباق. وما أن صاحت "بسمة" معبرة عن تذمرها:

"انظري يا ماما..الأسطى سعيد لم يسخن الأرز, الأرز باردا!"

فمالت د.عزة الى الأسطى سعيد الواقف كما الجنود في ميدان المعركة صامتا الى جوارهم, وقالت له مستفسرة:

"لماذا لم تسخن الأرز يا أسطى سعيد؟"

بعد فترة صمت, علق قائلا:

"أنا لا أسخن أي شئ"

فعلقت د.عزة قائلة:

" لكننا نحب الطعام ساخنا, والأرز بالتحديد يجب أن يكون كذلك!"

بنفس الوقفة العسكرية, والرد بالصوت الحاد, قال سعيد:

"لا أفهم ماذا تقصدين يا سيدتي..عفوا"

بكثير من الدهشة, علق الأب قائلا:

" يا خسارة, لم تكتمل فرحتي بالجلوس معكم اليوم للغداء معا....
يبدو أن الأسطى سعيد هذا سوف يجعلنا غير سعداء..."

فعلقت "مي" ضاحكة:

"ليبقى هو وحده سعيدا في هذا المنزل"
.... ...... .......

لم ينقض سوى عشر دقائق على نوم د.عزة خلال فترة العصرية. من عادتها النوم لنصف ساعة تقريبا, لكن الأسطى سعيد له رأيا آخر!

انتبهت د.عزة وهى تشعر بشيء من الاضطراب, وتتساءل عما حدث..فاضطر الأسطى سعيد إيقاظها بسرعة وبطريقته الواثقة تلك:

"د.عزة .. استيقظي .. حالا.

د.عزة ..استيقظي .. حالا."

وجدته الى جوار رأسها, وهو ما فزعها أكثر, خصوصا أنها لم تعتد أن يدخل غرفة نومها أي شخص دون استئذان, حتى ابنتيها يطرقان على الباب قبل الدخول..؟
حكت جفونها, تحدق بشدة نحو الأسطى سعيد, تأمره أن يكف عن صياحه. ينفذ سعيد الأمر ويتجه نحو باب الغرفة. إلا أنه يعود ويقول:

"يجب أن تشربي , وتشربوا جميعا ما أعدته الآن"

فلما سألته عما أعده, لم يجب اكتفى بكلمة :"شكرا", "شكرا"...!!

ابتسمت وقالت في نفسها: "يبدو أنه شاي العصر", واتجهت لتناول الشاي مع ابنتيها وقد خرج الأب الى عمله فور تناول الغداء البارد!

ما أن جلس ثلاثتهن ونظروا الى أكواب الشاي, عادوا الى سابق عهدهن في التعليق و الإحساس بالغضب. هذه المرة اعترضت د.عزة وقالت:

"أنا أحب أن أشرب شاي العصر بدون حليب..

لماذا جهزت الثلاثة أكواب شاي مخلوط بالحليب..يجب أن تسألنا أولا؟؟"

تدخلت "بسمة" وقالت:

" هنا, كل فرد فينا له رغباته الخاصة"

فرد بسرعة متسائلا:

" ماذا تعنى كلمة رغباته؟"

فتابعت مي وقالت:

" تعنى أن كل فرد هنا له مزاجه الخاص"

فرد بنفس السؤال:

" وماذا تعنى كلمة مزاجه؟"

تدخلت الأم وهى تضحك هذه المرة, قالت:

" يجب أن نعد ما تعده على حسب ما يريد كل فرد في الأسرة..لن نأكل
ونشرب حسب رغبتك ومزاجك أنت ..هل فهمتني الآن؟"

بهدوء وثقة , علق الأسطى سعيد قائلا وهو يدير ظهره متحركا الى حيث يرغب , وقال:

"حتى الآن لم أفهم ماذا تقصدين بكلمة رغبة أو مزاج, هاتين الكلمتين لا أفهمهما!

وردد كلمة "شكرا" كثيرا, حتى ذهب الى شرفة الحجرة . مع كثير من الحيرة, رددت الأم السؤال في نفسها: "كيف أشرح له حتى يفهم هذا الإنسان الآلي"؟!
........ ........ ......

في صباح اليوم الجديد, و قبل أن يستيقظ أحد أفراد الأسرة, انتبهوا جميعا واضطربوا بسبب صوت تهشم شيئا ما!

لاحظت د.عزة أن ضوء الشمس مازال بعيدا, وأن عقربي الساعة تشير الى الخامسة . دهشت, وتساءلت عما حدث في تلك الساعة المبكرة, والجميع نائم.."هل اقتحم لصا المنزل؟ أم ريح قوية فتحت النوافذ؟ أم ماذا؟؟!

استيقظ الأب وتحرك بسرعة نحو مصدر الصوت, فكانت المفاجأة. ابتسم الأب وقال لزوجته:

"انه الأسطى سعيد أيضا!!"

لقد هشم سعيد "الفازة" الثمينة التي اشترتها الأم من إحدى المزادات بثمن مرتفع اعتزازا بها وبجمالها. صرخت:

"يا خسارة.. الفازة تهشمت تماما"

لم تكن لمحت "الأسطى سعيد" بعد, ما أن نبهها الأب الى مكان وجوده في ركن الغرفة البعيد, حتى صاحت في وجهه:

"أنت أيضا؟!"

بهدوء رد الأسطى سعيد قائلا:

"عفوا لم أكن أعرف كيف يحملون هذا الشيء"

فقال الأب وهو يحاول أن يكون أكثر هدوءا من زوجته, قال:

" ومن قال لك تقترب من هذه الأشياء في تلك الساعة من النهار؟"

برر الأسطى سعيد ما فعله, بأنه لا يعرف الليل من النهار, وأنه ظل يعمل كيفما يشاء, حتى كانت تلك الفازة التي تهشمت عفوا !!

لم يجد الأب ما يعلق به, اكتفى بنظرات حزينة الى الفازة, وعاد الى حجرة نومه, بينما ظلت الأم نتجمع في أجزاء الفازة. إلا أنها عادت وقالت لسعيد:

"يجب أن تحترس في المرات القادمة"

فكانت إجابته التي لم تحتملها, حين قال بثقته المعهودة:

"آسف..لا أستطيع أن أوعدك بشيء مثل هذا يا سيدتي.. شكرا"!!

ثم أدار ظهره وذهب بعيدا.

وجدت د.عزة نفسها أمام موقف لا تعرف كيف تتصرف حياله؟!, رغما عنها ابتسمت, ثم عادت الى حجرة نومها ثانية , ربما مع بداية اليوم الجديد تستطيع أن تفكر بهدوء أكثر.

لا تدرى كم انقضى من الوقت حتى انتبهت على صوت الأسطى سعيد الى جوار رأسها , يردد بصوته الحاد:

"استيقظي يا سيدتي.. لقد ملأ ضوء الشمس كل مكان..شكرا"

فقالت له بغضب, وبعد أن نظرت الى ساعتها:

" لكنني لا أستيقظ في السادسة..ميعادي السادسة والنصف, اتركني الآن"

فتابع الأسطى سعيد:

" بل يجب أن تستيقظي الآن .. شكرا"

انفعلت د.عزة أكثر, وهى لا تدرى كيف إقناع هذا الإنسان الآلي. أمرته أن يغرب عن وجهها , ثم حذرته من إيقاظ الطفلتين. فرد عليها قائلا:

"وما فائدتي إذن؟"
....... ....... .........

جلست د.عزة على طرف السرير , تشعر بالحيرة, تسأل نفسها:"ماذا على أن أفعل..تمنيت أن يكون هذا الإنسان الآلي هدية لكل أفراد الأسرة؟؟"

قبل أن يبدأ المهندس علم الدين في عمله صباحا , كانت د.عزة أمامه, وفى كفها كف الأسطى سعيد. وهو ما أدهش المهندس!

عندما سمع منها تفاصيل كل ما حدث خلال تلك الساعات القليلة, وأن الأسطى سعيد هذا لا يحترم رغبات الآخرين. ابتسم وقال لها:

"نعم هو يفعل كل ما هو محفور في اسطوانة الذاكرة التي وضعتها أنا له,
الآن فهمت ما تريدين.. أعطني مائة جنيه أخرى مع هذا الربوت , وسوف

أصنع لك ربوت آخر يحترم رغباتك ورغبات الأسرة كلها..هل توافقين؟"

انتظرت د.عزة لفترة قصيرة , ثم قالت: "موافقة, فقط يحتاج الى تطوير برنامجه". وعادت الى أفراد أسرتها في انتظار الربوت الجديد!!

حسن خليل
15-09-06, 11:01 AM
القصة السابعة والثلاثون

تحدي سكان القمر


ظهر المذيع التليفزيوني على الشاشة مبتسما وهو يعلن لجميع سكان الأرض عن بداية المباراة المنتظرة بين فريقي "مهاجرو القمر" و "الأرض"!

منذ عدة سنوات ظهرت مشكلة حقيقية بين سكان القمر, هؤلاء الذين هاجروا من الأرض إلى القمر. لقد نجحوا على سطح القمر وأقاموا مجتمعات جديدة ومنتجة, كما أقاموا المصانع واستصلحوا الأراضي الوعرة هناك. إلا أنهم وبعد تلك السنوات أعلنوا تمردهم وغضبهم على كل سكان الأرض!

اجتمعت هيئة الأمم المتحدة التي تضم معظم دول العالم مع الوفد القادم من القمر للتعرف على سر هذا الغضب, وربما لمنع تدهور العلاقات بين الكوكبين, أي حرصا على السلام الكون, وحسن الجوار بين الكواكب.

ومنذ اللحظات الأولى للاجتماع, تبين للجميع أن المهاجرين تحولوا إلى سلوك لا يعرف الخبث أو الضغينة أو الدهاء. وأعلنوا صراحة أن سبب غضبهم هو تجاهل سكان الأرض لهم, على الرغم من أنهم (أي سكان القمر) كانوا منذ زمن بعيد من سكان الأرض, وقد هاجر أجدادهم إلى القمر من أجل حياة أفضل.

وقد لخص رئيس وفد سكان القمر طلبات وفده.. التعاون التجاري العادل حيث أن سكان الأرض يصعدون ويجمعون الثروات من فوق سطح القمر, ولا يدفعون القيمة المناسبة لتلك الثروات من معادن وغيرها. لم تطل المفاوضات أكثر من يومين, وأعلن سكرتير عام الأمم المتحدة بأنه تم تحديد المشاكل, وأيضا وضعت الحلول المناسبة لها.

أعلن الخبر على العالم اجمع, فسعد الجميع للنجاح في تلافى أسباب صراع محتمل , قد يكون سببا للحروب بين الكوكبين. وبهذه المناسبة وتعبيرا عن التعاون المنتظر, تقرر إقامة مباراتين لكرة القدم التي يعشقها الجميع..واحدة على سطح الأرض, والأخرى على سطح القمر.

حان وقت بداية المباراة الأولى على سطح الأرض. ما أن ظهر الفريقين معا في طريقهم الى أرض الملعب, دهش الجميع, سكان القمر يرتدون تلك البذلة التي يعرفونها لرجال الفضاء. وتساءل الكبير قبل الصغير:

"إن كانت تلك البذلة من أجل الحفاظ على عمل أجهزة الداخلية لرواد الفضاء فوق سطح القمر, حيث أن الجاذبية هناك أقل الى الثلث منها على سطح الأرض..وإذا كان هؤلاء المهاجرون من أصل الإنسان على الأرض, لماذا إذن يرتدونها؟؟"


وهو التساؤل الذي فرض نفسه على المذيع وهو يتحاور مع أحد العلماء. فأجاب العالم بثقة وهدوء:


"صحيح سكان القمر الآن من أصول الإنسان على الأرض, لكن أجسادهم الآن وجيل بعد جيل بدأ يتكيف على جاذبية القمر..وبالتالي أصبحت الحياة على الأرض الآن مستحيلة, ويجب أن يرتدى تلك البذلة الوقاية!!"

فورا انتقل المذيع للحديث مع أحد الخبراء في الاتحاد الدولي لكرة القدم, سأله: المذيع: لماذا مساحة الملعب أقل من المساحة التي نعرفها ؟

الخبير: حتى يتمكن سكان القمر اللعب لفترة أطول, نظرا لأن البذلة التي يرتدونها تعيقهم بعض الشيء. كما يجب أن تعرف أننا عدلنا من زمن الأشواط وأصبحت نصف ساعة فقط لكل شوط, وللسبب نفسه.

المذيع شكره, ثم طلب من الجميع الاستماع الى نشيد المحبة والسلام الذي يردده أفراد الفريقين, وقد ألفه أكبر شعراء الأرض.

ثم بدأت أحداث المباراة المنتظرة, كانت مفاجأة للجميع. فقد كانت الكرة أقل حجما, وأقل وزنا عن تلك التي يلعبون بها على سطح الأرض. وأعلن المعلق على المباراة أن السبب هو عدم قدرة فريق القمر على التعامل مع الكرة العادية, وأن الفريق وصل الى كوكب الأرض منذ أسبوعين , ومع ذلك لم يستطع التكيف على اللعب فوق أرضية الملعب المزروع "نجيلة" أو نجيلة صناعية "التي تسمى "ترتان".

وبعد مضى فترة قليلة بدأ اللاعبون يتساقطون. ما أن يصطدم أحدهم بزميل منافس له على الكرة, يسقط على الأرض ولا يتحمل الاصطدام!. ربما هذا هو السبب الذي تعاطف من أجله جمهور الملعب مع سكان القمر, وما أن أعلن الحكم عن ضربة جزاء لفريق القمر.. لم يغضب!!

أحرز فريق القمر هدفه, فارتفعت الحمية والتحمس عند أفراد فريق الأرض, ونال مرمى فريق القمر عشرة أهداف متتالية!. أحرز الأخير منها قبل نهاية المباراة بثوان قليلة..!

وتصالح الجميع على أرض الملعب, لكن كابتن فريق سكان القمر توعد جميع أفراد فريق سكان الأرض قائلا:

"نحن نتحداكم على سطح القمر قريبا!!"
...... ...... .......

بسرعة انقضت فترة استعداد فريق "الأرض" للعب المباراة الثأرية على سطح القمر مع أحفاد المهاجرين الأوائل.

كان التدريب شاقا وغير تقليدي. لم يكن أعضاء فريق الأرض يتدربون على الملاعب العادية التي يعرفونها. كانوا يتدربون في مبان مغلقة ضخمة, الجاذبية فيها أقل من جاذبية الأرض, كما أن أرض الملعب ترابية, وكانوا يتدربون وهم يرتدون البذلة الخاصة برواد الفضاء!

وكلما فتر عزم اللاعبين من شدة الإجهاد يقف المدرب ويذكرهم بأن أعضاء فريق القمر يتحدون!

وكما التف سكان الأرض والقمر حول أجهزة التليفزيون لمتابعة المباراة الأولى, التفوا أيضا لمتابعة أحداث المباراة الثأرية.

ظهرت المذيعة هذه المرة وهى متحمسة ومنفعلة, وأعلنت عن انتقال الإرسال حالا الى سطح القمر, ثم طلبت دعوات سكان الأرض كلهم لفريقهم بالنصر المبين على فريق القمر الذي يلعب على ملعبه, ومتحمسا للثأر من هزيمة المباراة الأولى.

إلا أن الإرسال ظل معلقا حتى انتهت من تحية كل من شارك في الإعداد لتلك المباريات , سواء هيئة الأمم المتحدة على الأرض, أو هيئة الاتصال الكوني على القمر. ثم أشادت بالجهد الرائع الذي بذله العلماء والمهندسين والفنيين باللجان العلمية التي تولت تنفيذ الفكرة, حتى تحقق الحلم ونفذت المباراة.

ثم التقت بأحد العلماء وسألته عن سبب قلقه الواضح على وجهه, فأجاب:

"انه القلق الإيجابي, أريد أن تنفذ كل خطوة بنجاح تام"

إلا أن العالم توقف فجأة كي يطلب الإشارة الى حادثة هامة حدثت معه منذ فترة بعيدة. وافقته المذيعة وطلبت معرفة تفاصيل تلك الحادثة, قال:

"منذ عدة سنوات, كنت أرافق أحد المهاجرين الى القمر, وفى الطريق الى قاعدة إطلاق الصاروخ , لمحت الحزن على وجهه, فسألته عن سبب ذلك, قال بصوت منخفض:

"يا سيدي العالم, إننا نهاجر الى القمر من أجل تعمير هذا الكوكب, لكن ما أخشاه

أن تعتبروا هجرتنا هي النهاية ..نهاية العلاقة بيننا وبينكم على سطح الأرض"

فقلت له: "يوما ما سوف تتأكد أننا لم ننساكم, فأنتم الرواد وتستحقون كل التقدير"

وفجأة انتهى الحوار, وبدأ التليفزيون في عرض أولى المشاهد على سطح القمر.كان اللاعبون من الفريقين وطاقم الحكام . بعد حوالي الدقيقة وصل صوت المعلق الرياضي والمذيع القمري أو أحد أحفاد المهاجرين الى القمر.

بينما ظهر لاعبو فريق القمر يرتدون الشورت والفانلة, مثل تلك التي يلعب بها فرق الأرض, كان فريق الأرض يرتدى البذلة الفضائية!

الجديد أن علق كل لاعب ما يشبه علبة صغيرة على صدره وظهره, وشئ يشبه الدخان ينطلق من ظهورهم, ومن شئ يحمله حكم المباراة!!. وأعلن مذيع القمر عن سر هذا الدخان, وأنه جهاز دفع خاص حتى يتمكن لاعبو الأرض من الحركة بل والجري على أرض الملعب.

بدأت المباراة حماسية, وقوية كما توقع الجميع, وكانت المفاجأة أن أحرز فريق الأرض الهدف الأول !

وقبل أن ينتهي المعلق من شرح تفاصيل هذا الهدف المباغت السريع, كان رد فريق القمر بهدف سريع أيضا. ولم تمض دقائق وكان الهدف الثاني ثم الثالث..ولم يجد المتابعون على الأرض إلا القول بأن هؤلاء المهاجرين تعودوا على الحياة على سطح القمر, وعلى هذا الملعب الترابي.

وبين الشوطين تساءلت المذيعة عن وقت إذاعة هذه المباراة, فرد الخبير بأنه في نهار يوم عادى هناك, على الرغم من الظلمة التي تبدو على الشاشة. وتابع قائلا:

"يجب أن أخبرك أن الضوء يحتاج الى الهواء حتى ينتقل فيه ونشعر به, وسطح القمر بلا هواء. لكن يجب أن يلاحظ الجميع مشهد قرص الشمس الدائري في أعلى الشاشة"

توالت أسئلة المذيعة, واستفسرت عن كيفية التصرف أمام تلك الضبابية الواضحة. فابتسم الرجل وأخبرها:

"حلت تلك المشكلة بأن استخدم العلماء مادة خاصة يطلون بها الكرة والملابس, ثم الملعب, وغير ذلك. وهذه المادة يمكن أن تلتقطها عدسات الكاميرات المستخدمة."

قبل أن يبدأ المعلق الرياضي أحداث الشوط الآخر من المباراة, قال:

" ويسرني أن أخبر سكان القمر والأرض, أن المنطقة التي نلعب عليها الآن بجوار جبل يسمى "جبل ناصر الدين"..وهى منطقة منبسطة وبلا جبال.

ويقال أنه اسم أحد علماء الفلك العرب أيام دولة الأندلس, وأعتقد أنه مبعث فخر لكل العرب على سطح الأرض والقمر. والوثائق العلمية تؤكد أنه أول فلكي تعرف على هذا المكان على سطح القمر, على الرغم من تواضع الإمكانيات
من أجهزة ومعدات مقارنة بزمننا هذا.

ولن أطيل عليكم, إليكم الشوط الثاني من المباراة الهامة, التي أحرز فيها
فريق القمر خمس أهداف حتى الآن."

وضح أن فريق الأرض تخلص من رهبة المباراة تماما, ومن أثر الهزيمة الثقيلة بالشوط الأول من المباراة, وإلا ما كان نجح في إحراز كل تلك الأهداف!
كان هذا هو تعليق المعلق الرياضي, لكنه من شدة التحمس, صاح وزعق بشدة ,غاضبا..على الرغم أنه يعلم استحالة سماع صوته للاعبين!

وفى خطوة جريئة, تقدم المدرب واستبدل لاعب ثم ثان, وركز على الهجوم بلاعبين جديدين, فتحقق له ما أراد ونجحا في إحراز الهدف السادس ثم السابع..وهكذا حتى الهدف العاشر!!

انتهت المباراة وقد أحرز فريق سكان القمر الفوز, وثاروا لأنفسهم ومن الهزيمة التي لحقت بهم في مباراة فريق الأرض.

وقبل أن يتركوا الملعب , تحدثوا إلى مذيعة التليفزيون يعربون عن سعادتهم, أولا لبدء التواصل مع أهاليهم من سكان القمر.. ثم بالنتيجة التي أكدت تفوقهم وأنهم ليسوا أقل من سكان الأرض!!

حسن خليل
17-09-06, 07:21 PM
القصة الثامنة والثلاثون

الليل والأطفال

بقلم الكاتب: آصـف عبد الله

من قديم الزّمان كان الليل حزيناً جداً، كان يسمع أطفالاً يقولون: "لا نحبّ الليل".

وآخرون يقولون: "الليل موحشٌ ومخيف".

والآباء والأمهات يحاولون إبعاد الخوف، دون جدوى ويطلبونَ من الأولاد الذّهاب إلى النّوم، فالليل مخصص للرّاحة والنهار للعمل، وتُطفأ الأضواء؛ فيظهر الليل خلف النّوافذ قاتماً يغطي كلّ شيء: الأشجار والبيوت، والشوارع، فيجزع الأولاد ويأوون إلى الفراش مكرهين، ودائماً يقولون:

ـ "الليل مخيف، نحن لا نحبّ الليل".

تجوَّلَ الليلُ كثيراً؛ حكى قصّته لكل من صادفه، قال لـه القمر:"لا تحزن يا صديقي، سأساعدك، وسيحبّك الأطفال".

فرح الليل حين سمع ذلك، وبعد مدّة أطلّ القمر وسطع ببهاء؛ سمع الليلُ الأطفالَ يقولون:

ـ "ما أجمل الليل في ضوء القمر!"..

ولكنّ القمر لا يستطيع أن يبقى طويلاً، وعندما ينتهي من عمله كان يذهب إلى مكان آخر ليبدأ عملاً جديداً؛ فيشعر الليلُ أنّ الأطفال عاودهم الخوف، وقبل أنْ يبحث عن حلٍ كانت النجوم تلمع في بحر السماء، والضفادع تنقُّ مغنيةً أجمل الأغاني، وكان يسمع صوت البومة وهي تتمتم:

ـ "الليل جميل ورائع، وأنتم أيها الأطفال جميلون فاذهبوا إلى الفراش".

صار الأولاد ينتظرون القمر، وبعضهم ينتظر النجوم فيبدأ يعدّها من نافذته حتى يغفو، وآخرون كانوا يسعدون بأغاني الضفادع وحكمة البومة، وعندما يذهبون إلى الفراش يبدؤون رحلة الأحلام.

حسن خليل
17-09-06, 07:25 PM
القصة التاسعة والثلاثون

لو كنت حصاناً

عندما دخل سعيد إلى البيت، كان ملطخ الثياب بالوحل، وملوث الوجه أيضاً! نظرت أمّه إليه نظرة خاصة، فوقف مرتبكاً، قالت الأم:

ـ "ماذا فعلت بنفسك؟! هيّا إلى الحمام".

كان سعيد يكره الاستحمام كثيراً، وغالباً ماكان يهرب إلى اللعب، عندما يشعر أنّ موعد الاستحمام قد حان، فهو لا يطيق الصّابون؛ لأنّه يخرش عينيه، ويقرسه بقسوة.

وكانت أم سعيدٍ تصبر عليه وهو ينطّ ويصرخ:

ـ "لا أريد أن أستحم.. لا أريد لا أريد"…

والآن عرف أنّه لا خلاص من الاستحمام، بعد أن لوّث وجهه ويديه وملابسه بالوحل!…

دخل إلى الحمام وراح يحدث نفسه:

ـ "لو كنت حصاناً صغيراً أنط وألعب حيث أشاء، أنام فوق الوحل الطري، أجري بسرعة كبيرة، أقضم العشب الغضّ، لا تجبرني أمي على الاستحمام، فلا يدخل الصابون في عيني، لكن لا.. لا لا أريد أن أكون حصاناً، فالحصان الصغير سيكبر، وسيجرّ عربة، ويحمل الأثقال.

لقد رأيت حصاناً يجرّ عربة المازوت، والرجل يضربه بالسوط بقسوة! أنا لا أحبّ أن يضربني أحد!

لو كنت كلباً صغيراً… لا… لا… لا أريد أن أكون كلباً، بعض الأولاد يعذبون الكلاب الصّغيرة، يشدّونها من آذانها، ويجرّونها من أذنابها! لقد شاهدت كلباً جائعاً يأكل من الفضلات المرمية في مجمع القمامة.

أريد أن أكون نمراً قوياً لا أخاف من شيء….لا…لا…لا أريد… رأيت نمراً محبوساً في قفص في حديقة الحيوان، قال لي أبي: "لقد اصطاده رجل قوي ووضعه في هذه الحديقة". يمكن أن يطلق عليّ أحد الصيادين النّار فأموت… لا أريد أن أموت لا أريد".

دخلت الأمّ وسعيد ما يزال واقفاً يحدّث نفسه! وكانت قد سمعت كل مانطق به منذ البداية…

قالت: "ما بك أَلَمْ تخلع ملابسك بعد يا حصاني الصغير؟!"..

ـ "حالاً…حالاً يا ماما، لكني أخاف الصّابون، إنّه يكوي عينيّ".

قالت الأمّ مشجعة:

ـ "لا تخف.. هيّا أغمض عينيك وتصوّر نفسك حصاناً صغيراً لطيفاً، أو جرّواً مهذباً، لكن إياك أن تتصور نفسك نمراً ذا مخالب طويلة وحادة تخبّئ الأوساخ تحتها، وتخيف رفاقك بها، فينفضون عنك"..

خلع سعيد ملابسه، وأغمض عينيه بسرعة، رأى نفسه حصاناً صغيراً يجري بسرعة، ثمّ جرواً يلحس بلسانه يد أمّه، بينما كانت الأم قد غمرت جسده الطري برغوة الصابون كان سعيد يرغب أن يرى نفسه نمراً، وحين هَمَّ بتقليد صوت النمر، فتح فمه وعينيه، وشدّ أصابع يديه، صرخ بصوت قوي من لذع الصابون، وأطبق عينيه بقوّة؛ ضحكت الأم وقد قدّرت ما خطر لسعيد، فقالت بعد إزالة الصابون بالماء الفاتر:

ـ "هل رأيت نفسك نمراً؟"..

صمت ولم يجب، ثمّ فتح عينيه.. فركهما جيّداً، كان الماء منعشاً، سرّ سعيد وأخذ يلعب بالماء وتمنى أن يخرج إلى الساحة ليلعب مع رفاقه، ولم يرغب بعد ذلك أن يكون غير سعيد الإنسان، وتعلّم كيف لا يخاف من الصّابون!…

حسن خليل
18-09-06, 04:04 PM
القصة الأربعون

نشوان وألعابه


جمع نشوان ألعابه، البطّة ذات العجلات، الكلب ذا الشعر الطويل والدّب صاحب معطف الفرو، والسَّيارة الحمراء والبيانو الصّغير.

قال نشوان لألعابه: "الآن، نحن أصدقاء، سأعلمكم الرّقصَ، ثم نحتفل بصداقتنا"..

قالت البطّة ذات العجلات:

ـ "أنا بطّة لا أعرف غير السباحة، ولا أحبُّ غيرها.."..

قال نشوان: "وهذه العجلات، ماذا تعملين بها؟"..

قالت البطّة: "أسابق بها رفيقاتي".

صاح الكلب ذو الشعر القصير: "وأنا أجلس هنا؛ أحرس أصدقائي، ولا أتقن غير ذلك…".

هزّ الدّب معطَفهُ الثقيل قائلاً:

ـ "وأنا لا أترك معطفي الثقيل؛ أخاف البرد كثيراً… ربما أصاب بالزكام".

أطلقت السيارة الحمراء صوتاً طويلاً من مزمارها: "وأنا جاهزة لإطفاء الحرائق…".

أمّا البيانو الصّغير فقد ظلّ صامتاً. قال نشوان:

ـ "وأنت يا صاحب الصّوت الجميل… ماذا تقول؟"..

ولم يقل البيانو الصّغير شيئاً… دهش نشوان من صمت البيانو، لكنه سرعان ما لاحظ مطرقتين صغيرتين جانب البيانو، أخذهما نشوان وطرق بهما طرقاً خفيفاً فوق صفائح البيانو الصغير فانبثقت أنغام عذبة، رقص الدّب والكلب ورقصت البطة، لكن السيارة راقبت سعادة أصدقائها بسرور، دون أن تطلق صوت مزمارها وبقي نشوان يعزف ألحاناً جميلة تبعث في النفس الفرح…

حسن خليل
18-09-06, 04:10 PM
القصة الواحدة والأربعون

ذات ليلة

اعتادت عبير أن تنام باكراً، وذات ليلة لم تستطع أن تنام، وبقيت جالسة في سريرها، كان أخوتها ينامون إلى جانبها، نظرت إليها بودّ وفي نفسها تساؤل عن النّوم وسرّه:

ـ "لماذا ينام النّاس؟.. ألا يستطيع المرء أن يبقى مستيقظاً؟"..

نظرت من النّافذة؛ كان القمر يسكب ضوءاً رائعاً!

قالت: "لماذا يسهر القمر كلّ الليالي؟"..

ولما لم تجد أحداً مستيقظاً في مثل هذه الساعة، أزاحت الغطاء عنها، بهدوء وغادرت الغرفة، فقد شعرت أنها بحاجة إلى قليل من الماء، تسللت على رؤوس أصابع قدميها؛ حتى لا تزعج أحداً، لكنها دهشت حين وجدت أمّها جالسة تنسج الصوف، فسألتها:

ـ "ماما.. لماذا لم تنامي بعد…؟.‎"…

قالت الأمّ: "شعرت أنّني لا أستطيع النوم، فجلست لأكمل هذه "الكنزة"…".

عادت عبير إلى فراشها وبدأت تكلّم نفسها:

ـ "القمر يسهر، يسكب ضوءه ليرشد الناس في الدروب البعيدة، ويسلّيهم لينسوا تعبهم"…. أمي تسهر لتنسج الصوف وتمنحنا الدّفء… وأنا أسهر وحيدة أفكّر في هذه الحياة الجميلة".. نامت عبير في ساعة متأخرة.. نامت نوماً عميقاً وحلمت أحلاماً جميلة…. وفي الصَّباح جاءت الأمّ ومسحت بيدها اللطيفة وجهَ عبير… فتحت عبير عينيها، كانت أمُّها تبتسم لها وتدعوها لتتناول الفطور، فالوقت يمرّ بسرعة.. نهضت عبير، نظرت من النّافذة، كانت الغيوم تغطي وجه السماء.. يبدو أنّ الشتاء يطرق الأبواب.

تذكّرت ليلة البارحة، السماء الصافية بنجومها اللامعة، وقمرها الواسع المنير…

قالت الأم: "الطقس تغيّر بسرعة، إنّه يميل إلى البرودة، لا تخرجي قبل أن ترتدي (كنزتك) الجديدة، عرفت عبير أنّ أمّها سهرت الليلة الماضية من أجل إنجاز هذه (الكنزة)!! كم كانت (الكنزة) جميلة!!

لبست عبير كنزتها الجديدة، نظرت في المرآة، ابتسمت وتمتمت:"كم أنت جميلة يا كنزتي!" لكنها لم تنس أن تشكر أمّها.

أشرق وجه الأم وهي ترى ابنتها ترتدي الكنزة، وفي المدرسة بدا التلاميذ يزهون بملابسهم الصوفية الجديدة، لم تقل عبير هذه المرّة: "كم أنت جميلة يا كنزتي!".. بل قالت:

ـ "كم هي جميلة أيدي الأمهات التي حاكت هذه الكنزات، وأدركت أنّ كلّ الأمهات يسهرن مع القمر يصنعن شيئاً جميلاً…

حسن خليل
18-09-06, 04:39 PM
القصة الثانية والأربعون

الأقـوى

بقلم الكاتب: د. موفق أبو طوق

أربع سمكات ذهبية، وثلاث وردية، واثنتان حمراوان، وواحدة زرقاء..

جميعهنّ يسْبَحْنَ في حوض كبير، مياهه نقية لا تشوبها شائبة، وهواؤه دائم التبديل.. تغذّيه فقاعة هنا وفقاعات هناك!.

وعلى قاعٍ مفروشٍ بالحصى؛ استقّرت قوقعة جميلة، تفتح فاها بين حين وآخر، وإلى جانبها ناعورة لطيفة.. تدور وتدور من غير توقّف!..

* * *

كانت السمكات العشر يعشْنَ في هدوء وأمان، فلا شيء يعكّر صفوهنّ، أو ينغص حياتهنّ... كنّ متفاهمات في كل أمر، لا يتخاطَفْنَ الطعام الذي يُلقى إليهنّ، ولا يتزاحَمْنَ على الأماكن القريبة من الزجاج الشفّاف، ولا تعتدي إحداهن على الأخرى مهما يكن الخلاف في وجهات النظر!.

كل شيء على ما يرام.. بل؛ كان على ما يرام!. إلى أن جاء صاحبهّن (عماد) ذات يوم، وألقى سمكةً جديدةً في الحوض؛ أتمّت عددهن إلى إحدى عشرة.

كانت السمكة الجديدة سوداء اللون، كبيرة الحجم، تفوق في حجمها حجم اثنتين معاً!. وكانت شرسة الطباع، تهوى الإيذاء والاعتداء، لا تقنع بالقليل؛ ولا ترضى إلا بأكبر حصّة من كل شيء!!.

يُلقى الطعام.. فتسبق الأخريات إلى التهامه، ولا تُبقي لتلك السمكات المسكينات غير النزر اليسير!.

ولا تكتفي بذلك؛ بل تحول بينهنّ وبين مواضعَ تستأثر بها وتحرّمها على غيرها.. ثم لا تنفكّ تلطمهنّ بذيلها القوي، وتدفعهن بزعانفها الكبيرة، وتخدش أجسادهنّ بتلك النتوءات التي تملأ فمها المستدير!!.

وعلى الرغم من أن السمكات أحسنّ ضيافتها، وحاولنَ إكرامها وإسعادها.. إلا أنها أصرّت على مواقفها المزعجة وتعاملها السيء.. وهي تردد على مسامعهن دائماً وبكل وقاحة:

- ابتَعدْنَ عن طريقي.. أنا الأكبر والأقوى.

- دعْنَ الطعام لي.. أنا الأكبر والأقوى.

- إياكنّ وغضبي.. فأنا الأقوى، الأقوى، الأقوى!!.

***

ومرت الأيام، والسمكة السوداء تزداد صلافة وشراسة، والسمكات الأخريات يزدَدْنَ ضعفاً وخوفاً.. وكنّ كثيراً ما يلجأن إلى السمكة الزرقاء... لأنها أقدمهنّ عهداً وأكثرهنّ حكمة.. كنّ يطلبْنَ منها المساعدة والنصيحة، فتنظر إليهنّ بإشفاق، وتتمتم بكلمات قليلة لا تزيد ولا تنقص:

- انتظرْنَ يوم التبديل.

ولم تدرك السمكات الصغيرات ما تقصده الزرقاء!!.. مع ذلك لم يتوقّفْنَ عن استعطافها، خاصة عندما تمعن تلك الكبيرة في إيذائهن، فتكرّر قولها نفسه:

- ترقّبْنَ يوم التبديل!.

وعندما أصرّت السمكات على معرفة ما تعنيه هذه الكلمات؛ أضافت:

- يومئذ.. يعرف كلٌّ منا حجمَه وقوّتَه!!.

***

جميعهنّ ينتظرنَ ذلك اليوم، وهنّ -في الوقت نفسه- لا يعرفْنَ ماذا سيجري!!.

وجاء يوم الجمعة، وأقبل عماد كعادته كي يبدّل الماء القديم..

فتح مصرفاً في أسفل الحوض، فتدفق الماء خارجاً، وبدأ مستواه يهبط شيئاً فشيئاً.

السمكات جميعاً -باستثناء السوداء- اعتدْنَ هذا الأمر، فهو يتكرر كل أسبوع، وعماد يترك لهن في أسفل الحوض ما يكفي من الماء، ريثما يمسح -هو- الزجاج، وينظف الحصى، ويدلك القوقعة والناعورة.

ينخفض الماء أكثر فأكثر، والسمكات الصغيرات لا يأْبَهْنَ لذلك.. السمكة السوداء وحدها بدأت تشعر بالقلق!.

أدركت أن أمراً غير طبيعي يجري هنا... أمراً لم تعتد عليه ولم تره من قبل!!. لقد هبط الماء حتى وصل إلى زعنفتها الظهرية، بل ها هو ذا ينزل وينزل حتى يلامس ظهرها المقوّس، آه.. ضحالة الماء لا تليق بحجمها الكبير، غلاصمها لا تجد كفايتها فيما يغمرها منه!.. تكاد تختنق، تجد صعوبة بالغة في التنفس، تميل بجسمها علّها تبقى تحت سطح الماء، تشعر بالخوف الشديد!!. أنقذْنَني أيتها السمكات العزيزات.. أنْقذْنَني!. تلطم بذيلها القاع، تضرب بزعانفها الحصى، ارتطامها يزداد أكثر فأكثر.. أنقذنني، أنقذْنَني.. إني أختنق!!!..

***

السمكات الأخريات يسبَحْنَ بحريّة، يتنفّسْنَ بيسْر، فالماء المتبقي ملائم لأحجامهن الصغيرة!!. لكنهن عندما أحسَسْنَ بما تعانيه زميلتهن الكبيرة، نسين كل ما فعلته، وتغاضين عن إساءتها، وأسرعن إلى فتحة المصرف يحاولنّ سدّها بأجسامهن الصغيرة!. لكن محاولتهن باءت بالفشل، فالماء يتسرّب بسرعة، ويكاد يلحق بهنّ أذى.

وطال الوقت، وعماد منهمك في تنظيف الحوض، غير آبه بالسمكة التي أشرفت على الهلاك.. في اللحظات الأخيرة؛ فطن إليها.. أسرع في سكب الماء، فارتفع مستواه وعادت السمكة ثانية إلى حركتها الطبيعية، وهي تلهث.. بعد أن أعياها التعب، وهدّ قواها الخوف.

***
ومنذ ذلك الحين، والسمكة الكبيرة تعامل الأخريات أطيبَ معاملة، فقد تلقّت درساً لن تنساه، درساً علّمها حقائق الحياة..

فهل عرفتم هذه الحقائق.. أيها الأصدقاء الصغار!!

حسن خليل
18-09-06, 05:02 PM
القصة الثالثة والأربعون

حكاية المهر"دحنون"

بقلم الكاتب: موفق نادر

منذ أن ولد المهر الأحمر امتلأت الدار بالفرحة وكأنَّ عرساً يدور فيها، فكنت ترى الناس يروحون ويجيئون، وكلهم يريدون أن يروا هذا المهر الذي يشبه لون زهر"الدحنون" فعلاً ذلك الزهر المعروف جداً في سهول فلسطين، حتى أن الشمس لحظة شروقها على تلك السهول تبدو واحدة من زهور الدحنون الحمراء!

قال أبي: نسميه دحنون

ومن يومها كلما سمع اسمه رفع أذنيه، وأرهف السمع، شاعراً بمحبة الناس له وبخاصة الصغار، فكان يقترب منهم ويبدأ يشم أصابعهم الصغيرة بفمه الدافئ. وهم يربّتون على غرة بيضاء في جبينه، ويمسحون شعر عرفه الأشقر.

مرة، حينما رأى أخي الصغير يتدحرج فوق المرج الأخضر جاء المهر"دحنون" وانبطح إلى جانبه وهو يصهل وكأنه يقول: هيا نكمل اللعبة!

هكذا بدا لنا جميعاً أن المهر أليف وقريب إلى قلوبنا جميعاً حتى أننا أحسسنا بغيابه حين كان يرافق أمه إلى الحقل أيام الحراثة فننتظر عودته بشوق ولهفة!

كنا نراه يمرق من أمامنا مثل سهم ثم يعود ليتوقف قليلاً بالقرب منا، وقد ينحني ليقضم خصلة من العشب النامي قرب الجدار، ثم يرفع رأسه فجأة وينطلق راكضاً وكأنه يرقص منقّلاً قوائمه بأسلوب غريب لا تتقنه إلاّ الخيول الأصيلة!

وقد سمعت أبي يشهد أن هذا المهر الرائع ينتمي إلى سلالة أصيلة فعلاً ثم راح يسمّي عدداً من أجداد"دحنون" ويذكر أسماء الفرسان الذين خاضوا حروباً قاسية على صهوات تلك الخيول الرائعة ضد العدو التركي ثم الإنجليزي أيام الثورات التي مضت.

لكن، يا بني-قال أبي- كم تغيّرت الأحوال: وظروف العمل فرضت علينا أن نروّض هذه الخيول الأصيلة لتساعدنا في أعمالنا الزراعية، هذا محزن حقا ولكن أعتقد أنه لا حيلة لنا!

وروى أبي كيف أن فرساً من هذه الخيول، بيضاء مثل حمامة، حين سقط فارسها في مواجهة مع المحتلين الإنجليز عند إحدى قرى الجليل، حاولت أن تنهضه، فراحت تلمس صدره بفمها، وحين شعرت أن حرارة الروح قد فارقت جسده، وأنه لن ينهض بعد وقفت عند رأسه وبدأت تذرف الدمع!

نعم، حين وصل الناس رأوا ثياب الشهيد مبللة بالدم ثم بدموع فرسه الأصيلة.

شيء واحد كان يبدو غريباً لنا هو أن هذا المهر تتغير ملامحه سريعاً، فقد بدأ وبره الناعم كالزغب يتساقط بعد شهور قليلة من ولادته ويظهر تحته شعر خشن لامع يجعل لونه أكثر سطوعاً.

وصارت قوائمه تطول حتى صار صعباً على بعضنا أن نلمس ظهره الممتلئ، وما عدنا نتجرّأ على أن نقترب منه كثيراً، فقد صار لعبه أكثر خشونة من قبل، وكنا نخشى أن يدوس أرجلنا بحوافره التي غدت قاسية جداً.

لكن هذا كله لم ينقص من حبنا له وتعلّقنا به، وهو يشعر بذلك حتى أنه صار يترك أمه فلا يبقى ملتصقاً بها كظلها، ويتبعنا إذا ناديناه حين نذهب إلى الكرم القريب أو البيدر فيبدأ ركضه وإظهار براعته ذهاباً وإياباً، وكلما مرَّ بنا صهل وحمحم وكأنه يقول: هل ترون قوتي؟!

وأكثر ما كان يبهج"دحنون" على ما يبدو هو موسم الحراثة وبخاصة أرضنا التي في سفح التل، فما إن يصل الموكب المؤلف من أمه وعدة الحراثة إلى هناك، ويرى الأرض الممتدة حوله حتى يبدو في أقصى فرحته ونشاطه، فيبدأ الركض في كل اتجاه، وكم يفرحه أن يرى الكلب يهرب أمامه فيزيد من سرعته حتى يوشك أن يدوسه فيملأ قلبه بالرعب ويعوي مذعوراً وهو يقذف بنفسه خلف شجيرة أو صخرة.

وسألت أبي مرة:

ألا يتعب"دحنون" من كل هذا الركض؟!

فابتسم.. : يا بني، الخيول العربية مخلوقات قوية، وهي تحتاج إلى الحركة والنشاط لتنمو أجسادها جيداً، فيظل عندها رغبة للانطلاق والجموح!

حين جلس أبي عند المصطبة في المساء قال لأمي:

أنا سعيد جداً بهذا المهر، إنه يبدو قوياً متين البنية وأريده أن يحلّ قريباً مكان أمه التي بدأت تهرم ويحب أن ترتاح، إنَّ أرضنا العالية تحتاج حراثتها إلى حصان قوي وأعتقد أن"دحنون" هو ذلك البطل!

- ولكن، هل تعتقد أن ترويضه سيكون سهلاً؟

إنه يبدو متوحشاً جامحاً مثل حصان برّي!

- طبعاً، ليس الأمر سهلاً: أتنسين كم صبرنا على عناد أمه يوم بدأت الحراثة؟ أتذكرين كم من المحاريث حطّمت؟! فلابد من الصبر على كل حال.

منذ الموسم القادم سأبدأ تدريبه، لكن ليس هذا ما يشغل بالي إنني مستعدّ أن أروّض كل خيول الأرض، نعم، كلها، أهون عليّ من أن يحدث ذلك الذي أخشاه!

- لقد أقلقتني، قالت أمي، هل حدث مكروه؟

- ومن غيرهم، أبناء الشياطين.؟! بالأمس وصلوا بسياراتهم المصفحة حتى حدود كرمنا. ثم جرّوا أسلحتهم حتى قمة التلة وهم يتلفتون مثل المجانين ويسألون كلّ واحد من أصحاب الأراضي أن يريهم أوراق ملكيته لأرضه.

- هكذا إذاً؟!

- وأنت تعرفين بقيّة الحكاية، يأتون بجرّافاتهم، ثم المواجهات والدم!

- لكن ألم يكفهم ما نهبوه من البيوت والأراضي، أين قرانا التي كانت بالأمس فقط تملأ السفوح؟ وفجأة صارت مستوطنات لهم ولنا فقط فوّهات الرشاشات والتعذيب.. يا إلهي..!

- الحمد لله على كل حال، أيّ يوم يمرّ فلا نشيّع فيه شهيداً؟

حتى صارت قبور الشهداء أكثر من أشجار البرتقال في جبال الجليل وسفوح يافا!

لم يكن"دحنون"، الذي كبر ورغم ذلك ظللنا ندعوه مهراً، لم يكن مشاكساً وعنيداً جداً، كما توقعنا، عندما شُدَّ إلى المحراث أول مرة، صحيح أنه رفس الأرض بقائمته حين وضعنا النير حول عنقه، وهزّه بقوة يريد أن يسقطه ليظل حرّاً كما اعتاد لكن أبي ربّت على عنقه. ومسح جبينه وراح يقبلّه بين عينيه وهو يقول له مثلما يهمس لصديق حميم:

إهدأ يا مبارك، هُسْ يا أصيل!

أتعتقدون أن"دحنون" يفهم كلامنا؟! فقد راح المهر ينقل بصره بيننا وبين أمه التي كانت ترعى العشب في طرف الحقل القريب، وحينما صهلت ونظرت إليه، حمحم واستكان سائراً وراء أبي، بينما أمسك عمّي بالمحراث وراح يسنده بخفّة ويوجهه محاولاً منع السكة أن تنغرس عميقة في الأرض.

لقد كان أبي سعيداً جداً بهذا الحصان الفتيّ القوي وهو يرى عضلات صدره تكشف عن بنيته الصلبة وقدرته الأكيدة!

لكن الحصان رغم هذا المظهر لم ينس ميله إلى اللعب، فقد ظلّ إلى الآن كلما رأى طفلاً صغيراً مدَّ عنقه الطويل وراح يتمسّح به ويداعبه، فكان الصغار لا يخافونه أبداً، ويحبّون جداً الاقتراب منه، حتى كان أبي يضطر أحياناً إلى أن يبعدهم عنه صائحاً:

احذر يا ولد! هيه أنت ابتعد دع الحصان يأكل ألا ترى أنه متعب؟ الآن فقط انتهى من الحرث!.

شيء واحد كنّا نخشاه، ونحسب له ألف حساب، رغم أنه كان متوقعاً في أية لحظة، هو أن يجيء الصهاينة الجنود إلى كرمنا بينما"دحنون" موجود هناك!

لقد كان هذا المهر منذ صغره يذعر كلما رأى أحداً منهم أو لمح واحدة من سياراتهم فيبدأ الركض حتى يغيب عن الأنظار، ولا يعود إلاّ بعد ذهاب الجنود الأعداء، ولكننا لم نفطن إلى أنه ينفر منهم كل هذا النفور إلاّ بعد أن كبر فصار يجنّ جنونه عند رؤيتهم فيبدأ ينخر ويحمحم، ثم يدور في مكانه أو يقف على قائمتيه الخلفيتين صاهلاً صهيلاً مخيفاً، حتى أن جندياً صهيونياً شاباً، يضع نظارة سميكة حينما رأى الحصان هكذا ما عاد يفعل شيئاً وقد جمد في مكانه لحظات ثم قفل عائداً إلى السيارة المصفحة وهو يقول: عربي!!

كلما مرّ الجنود بكرمنا في سفح التل كان لابدّ أن تحدث مشكلة، ولهذا فقد كان أبي دائماً يحذر أن يحدث ذلك بينما"دحنون" مشدود إلى المحراث، فأوصانا أن نخبره قبل وصول الجنود ليسارع إلى حلّ المحراث عن الحصان وأخذه بعيداً عن الأنظار إلى زاوية من زوايا الكرم حيث تنمو الأعشاب البرّية التي يحبّها جداً، ويبدأ بقضمها بشهية واضحة منذ وصوله إليها، فلا يرفع رأسه إلاّ إذا سمع صوتاً مباغتاً كأنْ يزقزق عصفور في الشجرة القريبة، أو ينبح كلب في الكرم المجاور، فيرهف الحصان أذنيه لحظة ثم يعود ليأكل من العشب مطمئناً.

كل هذه الأشياء تبدو بسيطة، بل عادية، أما أن يجعلنا"دحنون" نذهب إلى قيادة"البوليس" وأن نتعرّض للسجن وزمجرة رجال الشرطة وتهديداتهم الوقحة، فهذا لم يخطر لنا ببال! وأكثر من ذلك أن أبي أمضى شهوراً طويلة في السجن قبل أن يستطيع المحامي أن يجعلهم يفرجون عنه بعد دفع مبلغاً كبيراً من المال كل ذلك يبدو قريباً إلى الخيال رغم أن الصهاينة يسجنون العرب بسبب ومن غير سبب، ومع ذلك يبقى الذي حدث غريباً جداً!

كان صباحاً رائعاً من أيام الربيع، رطباً حتى أن غمامات راحت تنتشر قريبة من الأرض، فتملأ زوايا الكروم والبيارات بجوّ منعش من برودة الصباح، راحت هذه الغيمات، تنثّ رذاذاً ناعماً كان يلمس وجوهنا وأيدينا برقة قبل أن تصعد الشمس من مخبئها وراء الأفق فتغسل الأرض والأشجار بنورها البهيّ.

وكان أبي منذ الفجر قد خرج بالحصان، فشدّ إليه المحراث وبدأت الخطوط الحمراء الزاهية تزداد سريعاً بين أشجار البرتقال والزيتون، ومن بعيد كنت تسمع صوت أبي وهو يوجّه الحصان: "دحنون" ثلمك! أو عشت دحنون، الله يعينك" ثم تسمعه ينشد مقاطع من أهزوجته المحبوبة التي يغنيها بصوته القاسي دائماً كلما راح يحصد الغلال أو يحرث الأرض أي حينما يشعر أنه يتحد بهذه الطبيعة الرائعة، طبيعة أرض الآباء والأجداد. وحينما كان يصلنا صوته وهو يردد:

" يا ديرتي ما لكْ علينا لومْ.. لا تعتبي لومكْ على من خانْ"

نشعر أن الحقول تردد صدى صوته الحزين دفعة واحدة.

لم يستطع أبي ذلك اليوم أن يميّز وسط الضباب أو يرى الجنود القادمين، ولم يسمع كذلك هدير السيارة المصفحة التي تركوها عند أول السفح، وما كان أحد منّا قادراً على أن يصل إلى أبي ليحذره ليسارع إلى حلّ عُدّة الحرث عن الحصان!

فما أحسّ إلاّ والجنود يحيطون به وهم يتمنطقون برشاشاتهم، بينما اعتمروا خوذاً مكسوّة بقماش مموّه بألوان كثيرة تشبه أرضاً مفروشة بزهر مهروس، فبدوا وكأنهم ذاهبون لاحتلال جبهة من جبهات القتال:

ارتعش قلب أبي فجأة حين رآهم، وشدّ بكلتا يديه على الحبل الذي يوجّه به الحصان علّه ينقذ الموقف!

لكن الوقت على ذلك كان قد انتهى، ففي لحظة كرفّة الجفن كان"دحنون" قد قفز إلى الأعلى واقفاً على قائمتيه الخلفيتين ثم بدأ يرفس الهواء، ثم يهبط ويرمح مرةً، مرتين.. فإذا المحراث يتفكك ويتطاير قطعاً رغم أنه من الخشب القوي!

كان صوت صهيله يملأ البرية فيبدو مخيفاً مثل ذئب ضخم شرس حتى أن الجنود سارعوا إلى الاختباء خلف الأشجار البعيدة لكن هذا لم يُرضِ الحصان الغاضب فانفلت يركض بين الأشجار، يدور ويدور وكأنه يطارد أشباحاً لا نراها..

ثم غاب فجأة حتى أن قائد الدورية تجرّأ وتقدّم من أبي ثم راح يسأله أسئلته المعتادة وهو يشير ببندقيته نحوه، لكن عينيّ الضابط الصهيوني ظلّتا تنظران إلى الجهة التي غاب فيها الحصان وكأنه يخشى شيئاً لا يعرفه.

وقد كان ظنّه صادقاً فقد ظهر "دحنون" قادماً مثل السهم، وقبل أن يهمّ الضابط بالعودة إلى مخبئه خلف الشجرة كان يعلو في الهواء ويطير الرشاش من يده حين صدمه الحصان برأسه وكأنه أحسّ الخطر الذي يتهدد صاحبه.

سقط الصهيوني مرتطماً بالأرض بلا حراك فبدا وكأنه كيس من القنّب، وسمعنا صوت تلقيم الرشاشات من خلف الأشجار لكن الحصان طار مثل عاصفة حمراء وغاب خلف الربوة، ولم يستطع أحد من الجنود أن يصيبه ولو بطلقة من رصاصاتهم الكثيرة التي صُوّبت إليه، ومعها انخلعت قلوبنا خوفاً!

وهكذا انتهت الحفلة، غاب الحصان، واقتيد أبي إلى السجن بتهمة أنه علّم الحصان أن يكره الصهاينة، وصار المحراث حزمة من عصيّ عدنا بها إلى البيت مساءً.

ومن يومها أُضيفت مهمة جديدة إلى جنود الدوريات فصاروا، إضافة إلى بحثهم عن الفدائيين وعن الأطفال من راجمي الحجارة، صاروا اليوم يسألون عن الحصان حتى أنهم حفظوا اسمه فكانوا كلما جاؤوا يبدؤون بسؤال غريب مضحك:

هيا قولوا أين"دخنون"! ثم يروحون يقلبون الأثاث ويبحثون كما لو أنه قطعة حلوى يسهل إخفاؤها.

ولكن الحصان لم يعد حتى الآن، وأبي بعد أن عاد من سجنه الطويل حدّثنا إنه في ليالي الشتاء المظلمة كان كلُّ مَنْ في السجن يسمعون صهيلاً يملأ الجوّ. فيتراكض السّجانون والجنود، ولكنهم لا يجدون شيئاً، أما نحن فلا نزال حتى اليوم، وكلّما حلَّ الربيع، وامتلأت السفوح بزهور الدحنون الحمراء نهمّ لنجمع منه باقات كثيرة لكن دوريات العدد المنتشرة كانت تصادرها منا ونحن نسمعهم يقولون: "دخنون" ممنوع!

حسن خليل
18-09-06, 05:15 PM
القصة الرابعة والأربعون

حديقة الألحان

بقلم الكاتب: خير الدين عبيد

فكّت أنغام جديلتها، أطفأت المصباح، واندسّت في فراشها، كقطّة صغيرة. في المنام، رأت نفسها في حديقة بيتها، فجاءها طائر الكروان، وحطّ على شجرة الورد ثمّ شدا قائلاً:

- مرحباً أيتّها الحلوة، ماذا تفعلين في الحديقة؟

نظرت أنغام حولها، فشاهدت على شجرة الورد، طائراً ذا ريش ملوّن جميل ابتسمت له وقالت:

- أنا آكل البوظة، تفضّل، الحس، إنها لذيذة ومدّت إليه يدها.

- شكراً لكِ، الثلّج يؤثّر على حنجرتي، وأخشى أن يبحّ صوتي.

- إذا سمحت، غرّد قليلاً، أنا أحبّ صوت الطيور.

حرّك الكروان حنجرته، وشدا، فتمايلت أغصان الوردة طرباً، صفقت أنغام ناسية البوظة فسقطت على الأرض، وذابت.

توقف الكروان، وقال:

- أأعجبك تغريدي؟

-الله... إنه رائع، ولكن أين تعلمت الغناء؟

- تعلمته في حديقة الألحان!

- وهل أستطيع أن أتعرّف إليها؟

- بالتأكيد... إنها حديقة رائعة.

ثمّ رفع الكروان رأسه إلى السّماء، وشدا بصوت عال، فجاء سرب من الكروان، يحمل سلّة قشّ صغيرة، مربوطة بخيوط ملوّنة، وقد أمسك كلّ كروان طرف خيط بمنقاره.

هبطت الكراوين بالسّلة، نطّت أنغام وجلست فيها، بينما وقف صديقها الطائر على كتفها، ثمّ طرن بها نحو السماء.

شاهدت أنغام أطفالاً يلعبون على أسطحة البيوت، كانوا صغاراً كالدمى بينما بدا النهر مثل خيط أزرق.

مرّ السرب على غيمة بيضاء، فحاولت أن تكمش بيدها قطعة صغيرة، لكنّها لم تستطع، لأن ذرّات البخار، كانت تفرّ من بين أصابعها، كالماء.

وصل السرب إلى الحديقة، أعطى الكروان أوامره بالنزول، فهبطت، قفزت أنغام من السلّة شكرت الكراوين، وسارت نحو مدخل الحديقة.

كانت حديقة الألحان، مسوّرة بأعواد القصب الصفراء، بينما كان الطريق مفروشاً بأزاهير بيضاء، أمّا الأزاهير الحمراء، فقد شكلّت خمسة خطوط متوازية.

سألت أنغام الكروان:

- ما هذه الخطوط، أيّها الصديق؟

- إنها المدرج الموسيقي!

دخلا الحديقة، فرحت الأشجار واهتزّت مصدرة أصواتاً حلوةً ناعمة.

رفعت أنغام عينيها، فشاهدت أعداداً كبيرة من الأجراس، معلقة على الأشجار، سألت دهشةً:

- لماذا تحمل الأشجار أجراساً؟

ابتسم الكروان وقال:

- لكي تشارك الطيور في ألحانها.

وصلت أنغام إلى ساحة الحديقة، والكروان ما يزال يقف على كتفها، فتوقفت فجأة أمام نصب كبير، له شكل غريب، التفتت إلى صديقها وسألته:

- ما هذا الشكّل؟

- إنه مفتاح صول!!

جلست أنغام على مقعد خشبي، وراحت تتأمّل بإعجاب، ذاك المفتاح الجميل. فجأة، سمعت صوتاً حزيناً، كصوت أمّها، ينبعث من ورائها، التفتت نحوه فشاهدت آلة الكمان، تقف على حافة بركة ماء، تحرّك قوسها فوق أوتارها وتصدر لحناً شجيّاً.

طار الكروان إليها، وقف على قوسها، وسألها مستفسراً:

- لماذا تعزفين بمفردك يا صديقي...

أين العود والطبلة؟

تأوّهت الكمان، وأجابت:

- في الصباح، عندما طرتِ إلى المدينة، جاء العود وأهانني!

- العود؟!

- نعم.. اتهمّني بأن زندي قصير، وأوتاري أربعة، بينما يملك هو خمسة أوتار.

- وماذا أجبته؟

- قلت، إن الإبداع لا يتعلق بكثرة الأوتار وقلّتها، فأنا أصدر طبقات صوتية عالية، لا

يستطيع غيري، وإن كان له ستة أوتار، أن يصدرها. تنهّد القوس قائلاً:

- واللّه، أيّها الكروان الحبيب، لو لم تمنعني الكمان، لألهبت ظهر العود ضرباً.

نظر الكروان إلى القوس، وقال:

- لا يا قوس، يجب ألاّ نقابل الإساءة بمثلها.

ثمّ طار الكروان، واختفى بين الأشجار، وبعد مدّة قصيرة، عاد بصحبة العود والطبلة.

اعتذر العود من صديقته الكمان، وأهداها ميدالية، على شكل مفتاح صول صغير.

دقّ قلب الطبلة، وأصدرت ضربات فرحة، ثم قالت:

- لن تختلفا بعد اليوم، فأنا سأضبط إيقاعيكما.

عزفت الآلات، وشدا الكروان.

اهتزت الأجراس، حام الفراش، وزقزقت العصافير.

فتحت أنغام عينيها، نظرت حولها، فلم تجد الحديقة، لكنّ صدى الألحان بقي يرنّ في أذنيها الصغيرتين.

ام أيمن
18-09-06, 05:28 PM
شكرا على الجهود الجبارة

عندي اقتراح لو يتم نقل هذا الرابط لقسم عالم الطفل

لافادة الامهات

حسن خليل
18-09-06, 05:35 PM
شكرا على الجهود الجبارة

عندي اقتراح لو يتم نقل هذا الرابط لقسم عالم الطفل

لافادة الامهات

أثمن مداخلتكِ المميزة لهذا الموضوع ولحرصكِ على قسم عالم الطفل.

ولكن هل المقصود من الاقتراح نسخ الرابط في قسم عالم الطفل مع بقاء الموضوع مكانه في قسم القصص والروايات؟

ام أيمن
18-09-06, 05:41 PM
هذا ما قصدته فعلا

ليتمكن الامهات من الاطلاع على الرابط والاستفادة من القصص

حسن خليل
18-09-06, 09:30 PM
القصة الخامسة والأربعون

متعة الحياة

بقلم الكاتب: يحيى الصوفي

تعبت البذرة من البحث عن قطرة ماء، طافت الصحراء تزروها الرياح لأكثر من ألف عام، فتأخذ بها ذات اليمين وذات الشمال، قطعت وهي معلقة بوبر الجمال المدن الكثيرة، شاركت بمعارك الفرسان، وبأفراح العرائس وبالجنازات الملفوفة بالأكفان، سمعتهم يتحدثون عن الحياة ...عن الحب...عن الموت ... عن الأحزان ؟ !

ملت الترحال وهي تلتهم تارة مخلوطة بطعام القطعان....ليتخلصوا منها بعد ذلك مع البراز في أرض جديدة خاوية من كل إنسان... سئمت حياة الترحال ...رغبت بتذوق طعم الأمان... طعم الحياة، فاقتربت ذات صباح من نبتة صبار ترجوها قطرة ماء، هزتها وهي أسيرة أشواكها صائحة:

-أرجوك قطرة ماء؟...من الندى الفائض بين إبرك السمحة علني اعرف الاستقرار !

نظرت ثمرة الصبار مستغربة منها وقالت:

-أتستعجلين على الحياة ؟ ألا تعرفين بأنك ستلتصقين بعدها بالأرض وتفقدين حرية القرار بالترحال عبر البوادي والتجوال بين الأمصار ؟ !

وقبل أن تجيبها بالإيجاب سقطت فوقها قطرة من ندى فانزلقت بها إلى ثغرة بسيطة بين الحصى والرمال وبدأت تشعر ببعض الانتفاخ، فضحكت من منظرها الغريب وقالت:

- أخيرا سأستدل على أصلي ونوعي... أخيرا سأتذوق طعم الحياة !.

نظرت ثمرة الصبار إليها بحزن وقالت:

- إنها بداية النهاية يا عزيزتي فلا تتعجلي !

قاطعتها البذرة وقد أخذت بالانفلاق و تخلصت من غلافها وبدأت تمد بالأرض جذورها بفرح:

- بداية أم نهاية فأنت ولا شك تدركين تلك المتعة الفائقة التي تحل بنا ونحن نمر بتلك المراحل من التحول... مررت بلا شك باللذة التي تحتكرين؟.

أجابتها ثمرة الصبار مستغربة:

- لأجل هذا تستعجلين ؟ إلى الموت بعد أن كنت تحتفظين بالحياة منذ آلاف السنين ؟ !.

أجابتها البذرة وهي تمد سيقانها بافتخار وغرور:

- احتفظ بالحياة ولكن لم أذقها !....لم أذق متعة التربة تحتضني بدفئها... لم أتمتع بقطرات الماء تسري في الخلايا والعروق.... لم أتعرف على أنواع المعادن والفيتامينات ولا ثاني أكسيد الكربون ولا الأكسجين... ولا بدغدغة الفراشات تستثير زهوري البهية ولا بغناء الطيور... ولا حتى بدفء الشمس عند الشروق لتغمرني بالحنان ولا بالنسمات العليلة تهز علي الأغصان... بكل بساطة لم أكن إلا بذرة تافهة ؟.

تفاجأت ثمرة الصبار من حماسها للحياة وقالت:

- ولكن أنت تدركين بأنك بعد كل هذا ستذبلين وتموتين وما الحياة التي تأملين إلا بضع ساعات لا تتجاوز دورة يوم واحدة هل فهمت ؟ ألا زلت بهذه التجربة تتمسكين ؟ !.

ابتسمت البذرة وقد أصبحت نبتة كاملة تحمل بين أغصانها الزهور وبعض من الثمار التي عقدت وقد حوت في بطنها البذور وقالت بغرور:

- أنها الحياة يا عزيزتي... أنها بكل بساطة هي الحياة وبعد أن كنت بذرة بسيطة وحيدة لا نفع منها ها أنا ذا استمتع بها وأطعم وانثر بعد موتي الحياة الجديدة محفوظة ليوم موعود .

ثم تابعت وهي تهتز بفرح وقد شعرت بأوصالها ترتخي وببعض أغصانها الذبول:

- أنا لم أتذوق الحياة بكل عطائها فقط ها أنا اترك بعض مني للأجيال القادمة لأحمل لكل جائع بعض من طعام... ولكل عاشق بعض من الفرح والسرور... أنها الحياة بكل ما فيها أعيشها فلا عتب بعد الذبول ولا ندم مهما ضاع منا في بطون السحالي أو الطيور... ومهما جمع منا في القبور... سيبقى بعض منا - مهما تعاقبت الأيام والسنين- يعيش الحياة ثم يعطها بكل ما تحمله من أمل وشقاء وسعادة وحبور.
-------------------------

حسن خليل
24-09-06, 12:26 AM
القصة السادسة والأربعون

الغيمة المستكشِفة

للكاتب خليل البيطار

اختلف الناس جميعاً في إمكانية وجود صديق وفي، وكانت حكاياتهم لا تنتهي حول أهمية الصداقة وندرة الأصدقاء، لكن الغيمة ظلت تثق بالصداقة، وتحب أصدقاءها الكثيرين: الأطفال والأشجار والتلال والبحر والأمواج ورمال الشاطئ وأزهار الحدائق، فقد أتقنت لغاتِهم، وعرفت أمزجتهم، وصممت لكل منهم طريقة للتخاطب، كيلا تؤذي مشاعرهم، وكانت الأشجار والطيور والأزهار تحب الغيمة مثلما يحبها الأطفال أو أكثر قليلاً، فحين تُقبل تُستَقبل بمظاهر البهجة، وحين تمضي تُودّع بمشاعر الامتنان.

لكن الزمن لا يترك أي شيء وشأنه، فهو ما يفتأ يغير ويبدل، ويهز ويزعزع، ويفرق ويشتت، تسعفه في مهمته الرياح العاتية والعواصف الشديدة، والزلازل المدمرة، وسواها من العاديات، لكن الغيمة ظلت عصية على التغير، وفية لأصدقائها، دقيقة في مواعيدها وطقوسها ومعابثاتها، فهي تبدأ بمعانقة التلال، ثم تبلغ الأشجار آخر طرفة حول الأشجار الهرمة والشجيرات الصغيرة، أو حول الطيور المشاكسة والزرافات المدعية وفئران التجارب، وتتابع مصافحة الورود، ومراقصة الطيور، ومعابثة الأطفال، وتلوم أولئك الذين نسوا إنجاز واجباتهم البيتية، وتحثهم على الاجتهاد.

أحست الغيمة ذات يوم بالرتابة، ولاحظت أن حياتها تسير على نمط واحد، فهي تستيقظ باكراً، وتغادر سريرها البحري الوثير، ثم تتمشى قليلاً قبل أن تبدأ عملها، فتسقي البساتين والحقول، وتلتفت لمحادثة الفلاحين والسؤال عن أحوالهم، ثم تلقي التحية على الورود والأشجار، وتلعب وتدور مع الأطفال والطيور، قبل أن تعود أدراجها إلى البحر، وقد أخذ منها الجهد كل مأخذ، وتقطعت أوصالها، وتلاحقت أنفاسها، فتلقي متاعبها على الشاطئ، ثم تتابع تحليقات النوارس، وتصغي إلى حكايات البحر حتى تنام.

لم تشكُ الغيمة يوماً من أحد، بل كانت تصغي وتتعلم، وتفتح صدرها لشكوى الآخرين، وتقابل عتابهم ودعاباتهم بتفهم حكيم، وصبر بحار، ويقظة راع، وقلب محب، ولم تتخلف يوماً عن نثر هداياها بمناسبة أو دونها، واستطاعت أن تحوز على ثقة الجميع بمن فيهم الأطفال الذين يصعب إرضاؤهم، بعكس الكائنات كلها كما هو معروف.

سمعت الغيمة الأطفال يوماً يتحدثون بطريقة مختلفة، ويعرضون خططهم وطموحاتهم، وعرفت أن بعضهم يتمنى أن يقوم بجولة حول العالم، ويخطط لتنفيذ هذا الحلم منذ اليوم، وأدهشتها الفكرة فلم تنم ليلتها، وغرقت في سهوم صامت غامض يشبه سهوم الشعراء والعشاق، ولاحظ الأطفال صمتها، وقلقوا، وتشاوروا في حالها، وبحثوا عن إجابات صحيحة، لكن المسألة هنا كانت أعقد من مسائل الرياضيات، أو تدريبات النحو، أو موضوعات التعبير.

لم يهتدِ الأطفال إلى معرفة سر صديقتهم المخبأ، وانتظروا أن تصارحهم بما تخفيه- على غير عادتها- لكن صمت الغيمة وقلقها طال وأقلقهم، وفي اليوم الثالث من الأسبوع الثالث من ربيع الأول، فاجأت الغيمة الحقول والتلال والعصافير والأشجار والورود والأطفال بقرارها الخطير، وأبلغتهم أنها تنوي القيام برحلة حول العالم.
فوجئ الجميع بالنبأ، وحاولوا ثني الغيمة عن عزمها، ورجوها أن تعيد النظر في قرارها المتسرع، لأن التسرع يورث الهلاك، لكنها أجابتهم باعتداد وحسم، لم يتوقعوا سماعه منها، وقالت: من حقي الذهاب إلى أي مكان أريده.

قدّر الأطفال أن الغيمة تمر بظرف صعب، وودوا مساعدتها، كي تظل صديقة مؤنسة وجارة وفية، لكنهم شعروا بالخيبة أمام إصرارها على الرحيل، ونكسوا رؤوسهم حزناً، وخيم عليهم صمت أغبر، لم يخفف من ثقله اعتذارات الغيمة للحقول بأنها لن تستطيع إرواءها بانتظام، وللتلال بأنها لن تستطيع غسلها كما عوّدتها، وللأشجار والورود لأنها لن تستطيع حمايتها من حر الشمس، وللعصافير لأنها لن تستطيع معابثتها، ولم يعد لديها بعد اليوم وقت تضيعه في الرقص والدوران، أما الأطفال فقد قالت لهم: إن عليكم أن تعتمدوا على أنفسكم، لأنني لن أستطيع إفادتكم بأي شيء خلال غيابي الطويل.

أعدت الغيمة للرحلة عدتها، وأطلقت خيول عربتها المجنحة، وألقت نظرة على البحر واليابسة، وهمست للتلال بأحد أسرارها، ثم عبت ملء رئتيها من هوائها النقي، ومضت مبتعدة دون أن تثير ذرة من غبار، وانتابتها مشاعر متناقضة، امتزج فيها الحزن بالقلق والتشوّق: الحزق لفراق الأصدقاء وملاعب المرح، والقلق لخشيتها من الإخفاق والعجز عن المتابعة، فتغدو هدفاً لسخريات الجميع، والتشوق لرؤية مدن مضيئة، وتسلق جبال عالية، واكتشاف ورود نادرة.

كانت الغيمة تسعى إلى تأكيد حقيقة لم يؤكدها أحد قبلها هي أن الغيوم تستطيع أن تفعل أكثر من البكاء، وأن الوهم السائد عن الغيوم، بأنها لا تجيد شيئاً سوى ذرف الدموع والشكوى والتأود والسير المتثاقل، لا صحة لـه، فللغيمات، دور في الاكتشاف والتنقية والمساعدة والمؤانسة وكشف الزيف.

كثيرون عطّلوا رحلة المستكشفة الصغيرة، وكثيرون سخروا من أحلامها، وأسمعوها عبارات جارحة، وضحكوا من سذاجتها وجهلها مخاطر رحلات الاستكشاف، وراحوا يسجّلون قوائم طويلة بما يحتاجه المكتشف، وكادت بعض السخريات أن تثني الغيمة عن عزمها، لكن الأكثر إزعاجاً للغيمة كثرة المراهنين على إخفاقها، وتسلل خوف بارد إلى زوايا صدرها، وقد جعلها ذلك كله تعيد النظر في خطتها أكثر من مرة.

الريح الشديدة أخّرتها، ودفعتها بعيداً عن مسار الرحلة، فسألت العصافير: ماذا أفعل؟ "قالت العصافير: اصمدي، الريح تقترب من تغير اتجاهها، وسنساعدك على الصمود وفاء لما قدمته لنا من منافع.

وكلما واجهت الغيمة خطراً كانت تغوص في التساؤل: هل هذه هي الوجهة الصحيحة؟ "هل تتحقق تقديرات الساخرين؟.. كيف أواجه عيون الأطفال إذا أخفقت؟" وهل يحتمل أحد حكايات الإخفاق والهزيمة؟ لكنها كانت تغذ السير، وتوقظ عزيمتها بأغنيات ترددها، أو بإصغاء مرهف إلى أغاريد البلابل والزرازير وتهليلات أسراب القطا، وكان همها أن تؤكد لكل الساخرين والمشككين أنها حفيدة الغيمات الطموحات اللواتي مضين في رحلات بعيدة، لاكتشاف جزر جميلة ونباتات مفيدة، واكتشاف أعماق الغابات، وحمل رسائل رقيقة إلى قاطنين محتملين في الأجرام البعيدة.

تمزق رداء الغيمة وشالها، وتجرحت قدماها، وتاهت مرات كثيرة، لكنها تحملت آلامها بعناد هرّ محاصر، وبهمة سلحفاة مثابرة، وبشغف حمام زاجل ينطلق صوب هدفه.

لمحت الغيمة المستكشفة من نافذة عربتها طفلاً باكياً يجلس وحيداً فوق جسر على نهر دجلة من جهة الرصافة، فاستوقفها المشهد، ولم تشأ أن تبدأ رحلتها بلوحة حزينة، فسارعت إلى مواساة الطفل، ومسحت دمعه، وابتسمت له، لكنه لم يتعرّف عليها، فأهدته لعبة على شكل أرنب ناصع البياض، بعينين عسليتين، وقربت رأس الأرنب من كتف الطفل وهزته، فتحركت أذناه وداعبتا أذن الطفل، فأحس بدغدغة لطيفة، وحث نفسه على الابتسام، فهدأت مشاعر الغيمة ولوحت له بيدها، ثم مضت محلقة فوق النهرين الكبيرين المنحدرين من سلسلة جبلية عالية، وتذكرت الغيمة أن العرب وصلوا إلى منابعهما، وكسبوا ودّ الغيوم والجبال والأنهار والناس، لكنهم اليوم مترنحون كسالى، مضطرون لشراء كل شيء بثمن باهظ حتى المياه! ودارت الغيمة متجهة صوب الأرض السمراء وأطفالها سود الأعين.

لم تجد الغيمة صعوبة في قطع المسافات الطويلة، لكنها وجدت صعوبات في عبور نقاط التفتيش على الحدود، وطالبها المفتشون بإبراز أوراقها الثبوتية، أو تعود أدراجها إلى الجهة التي قدمت منها، فحسدت الغيمة الغجر لأنهم كانوا يعبرون مع حاجياتهم ودوابهم دون تفتيش، وصعب عليها أن يجري تجاهلها، وهي السخية المشهورة، واستطاعت أن تجد وسيلة تقنع فيها مفتشي الحدود بأن لها غاية إنسانية، وأن الجوع والعطش عدوّاها وعدوا الأطفال، وهي قادمة للمساعدة، ورسمت هلالاً أحمر فوق علم عربتها الفضية، وتمكنت من عبور حاجز التفتيش في نهاية المطاف.

رأت الغيمة على جانبي الطرق المتعرجة التي اضطرت لسلوكها أطفالاً سمر الوجوه، أيديهم قصبية، وأرجلهم مقوسة، وعيونهم جاحظة، توطن فيها الرعب والألم والاحتجاج، فمسحت شعورهم الجعدة، وقدمت لهم جرعات من الماء وعلباً من الحليب، ولم تنتظر سماع عبارات الشكر، وتركت عنوانها المؤقت لطالبي العون وهواة الرسائل منهم، ومضت باستقامة فوق الصحراء الممتدة، كان منظر الكثبان الرملية يشبه حزم حبال طويلة مرصوفة، أو ثياباً عسكرية صيفية منشورة في الشمس، وعجبت لامتزاج صفرة الرمال بحمرة قانية لم تتبين إن كانت آتية من حمرة الغسق، أو من نهر دم يتجه من أعالي الجبال صوب الصحراء الثكلى.

مالت عربة الغيمة بعد عبور المحيط الداكن صوب البلاد المضيئة، وعجبت لنظافة الشواطئ وجمال الحدائق، وصفاء الوجوه التي لوحتها الشمس بسمرة الزخارف المنمنة والأقواس البهية، والشرفات التي لم تر مثلها من قبل، فاقتربت من سطح القصر لتشهد المنظر، لكن الحراس أبعدوها قائلين: الزيارة ممنوعة هذا اليوم، عودي في الغد ومعك النقود، عندها بكت الغيمة، وسالت دموعها في وادي الدموع، الذي يحتفظ باسمه منذ غادر ساكنو القصر مرغمين هذه الديار، ولم يسمح لهم برؤيتها أبداً.

عبرت الغيمة المتعبة الحزينة قمم جبال ثلجية كأنها الحراب، وأطلت على مدن مضيئة أبنيتها شاهقة، مغمورة بالضباب، وقدرت أن هذا يساعدها على السير بحرية أكبر، ملتحفة الغيوم أو الضباب الكثيف، لكن لون الغيمة الأسمر ظل مميزاً، وسمعت من يشير إلى غرابتها أو إلى جمالها النادر، لكنها لم تجد من يدلها على الطريق، فتاهت عربتها في الطرق المتشابكة والمحطات المزدحمة، وصادفت غجراً سعداء، يقومون بألعابهم البهلوانية داخل خيمة سيرك كبيرة، ويؤدون حركات بارعة، ويلقي بعض المهرجين طرائف مسلية، وكان أطفال الغجر يؤدون الحركات نفسها ببراعة ذويهم، وراح بعضهم يطعم حيوانات السيرك أو يبيع الحلوى للمتفرجين.

لم تتعب الغيمة كثيراً، لكن الشوق هدّ قواها، فقررت أن تطفئه بكتابة رسالة إلى أصدقائها، لكنها عدلت عن الفكرة لئلا تثير أشجانهم، وفضلت أن ترسل إليهم بطاقات بريدية جميلة عليها طوابع نادرة، وتذكرت حكاية سمعها أحد الأطفال من جدته، تقول: كانت الغيمة خيمة غبراء حزينة، ساعدتها الريح، وعلمتها التجارب والمحن أن تفك قيودها وتنفض غبارها، وتتحول إلى بساط ريح. لم تؤكد الغيمة الحكاية أو تنفها، واكتفت بابتسامة رأتها أفضل من أي نفي أو تأكيد.

طافت الغيمة الباسمة فوق البحيرات والأنهار والغابات والجبال، والمدن المتربعة على الشواطئ المتعرجة، وتمنت أن يكون أصدقاؤها الأطفال بصحبتها، كي تشاركهم البهجة، وتتقاسم معهم سعادة المعرفة، وتنسى من خلال حكاياتهم ودعاباتهم متاعب الرحلة وألم الفراق، لكنها ما لبثت أن اكتشفت وسيلة جديدة ساعدتها على حفظ حكايات طريفة، من أجل أن تقصها على أصدقائها عند عودتها، فقد أعجبتها الحكايات الهندية والصينية والفارسية، مثلما أعجبتها الأبنية الشاهقة والزخارف الجميلة، وحرصت أن تجمع طرائف عن الأطفال والدمى والحيوانات، وتسجل قائمة بأسماء المكتبات الكبرى التي حوت أشهر المخطوطات العربية النادرة.

طافت الغيمة في الأسواق، وضايقها الزحام، وأوصلها إلى حافة الاختناق، وأعجبتها البضائع المعروضة والألوان الزاهية والواجهات والأضواء، والألعاب الخاصة بالأطفال، فقررت أن تملأ عربتها بالهدايا حينما تعود، وتجاهلها الناس، وسخر بعضهم منها قائلاً: غيمة في السوق، من يشتريها؟ ومن يحتاج إليها؟ وآلمتها سخرياتهم، فمضت إلى سوق الطيور، وعجبت من عددها الكبير المأسور في الأقفاص، وسمعت أناشيد حزن ومقطوعات شجية، لا يدرك ما فيها من الألم إلا من عانى مثله، وما ظنه بعض السامعين غناء وتغريداً، رأته الغيمة مراثي شرقية، وتذكرت حكاية قديمة قيل فيها إنه كان هناك سوق للنخاسة، يباع فيها رجال ونساء وأطفال، ودبت في أوصالها رجفة وخشية من إمكانية عودة تلك الأيام السوداء، وتمنت ألا تعود، لكنها تعلم أن الأماني لا تقلي بيضاً كما يقول المثل، وأن مواجهة الشر تحتاج إلى قوى خيرة موحدة.

عرض سكان مدن الضباب على الغيمة أن تبقى، فلم يعد هناك مبرر للرحيل، والريح غير مواتية، والإقامة ممكنة عندهم، فعقدوا اجتماعاً واسعاً دعوا إليه الغيمة، وتبارى متحدثون بارعون في امتداح جمالها وسرعتها ودورها في تقديم العون للناس، وللأطفال بخاصة، فأحست الغيمة بحرج شديد لأنها لم تقم إلا بجزء يسير من واجبها، وأشعرها الخطباء بالامتعاض لتلاعبهم بالألفاظ ولمبالغاتهم وصورهم واستعراضاتهم البلاغية المملة. وتوجت الكلمات باختيار الغيمة رئيسة فخرية لجمعية الغيوم الشاردة، وأُهدي إليها درع ثقيل، ودب بني يتأرجح ببالونات صفراء. فكرت الغيمة في كيفية التصرف إزاء هذا الكرم الزائف والمعاملة المحرجة، ثم وجدت مخرجاً ملائماً، وشكرت الحاضرين، ثم قالت: أما الهدايا فإني أقبلها، لأني أستطيع توزيعها على الأطفال المتفوقين الكثيرين الذين أصادفهم أينما توجهت، وأما الدرع فإني أتركه تذكاراً في جمعيتكم، وأما الرئاسة الفخرية فإني أعتذر عن قبولها لأني لا أحبذ الإقامة في مكان واحد، وأجد نفسي مشدودة لاختراق المسافات البعيدة واكتشاف الآفاق، وتقديم العون لأصدقائي الأطفال.

قصت الغيمة بعض حكاياتها التي جمعتها على أطفال صفر الوجوه ناحلي الأجسام، فأشرقت وجوههم بابتسامات عذبة، وأحبوا كثيراً حكاية "الأفعى والقنفذ"، وحكاية "الفأرة والزرافة"، وحكاية "الزهرة والفراشة والشمس"، وأعجبوا بحكمة القنفذ التي أنجته من خديعة الأفعى، كما سرهم طموح فأرة المختبر التي تريد أن تغير العالم، وتعلموا من براعة الشمس، إذ استطاعت أن تعطي الزهرة والفراشة ما تستحقانه، وأن تفهمهما أن لكل كائن في الطبيعة دوراً يقوم به، وعملاً نافعاً يميزه ويجعله جميلاً، حتى الغيمة أرادت دخول المنافسة مع الزهرة والفراشة، لكنها حين سمعت عبارات الشمس تراجعت خجلة، ومضت تكمل رحلتها.

جمعت الغيمة هداياها وحكاياتها، وأسٍرجت خيول عربتها، واتجهت صوب الأمازون، وأدهشتها الغابات الكثيفة والمياه المتدفقة، ورحبت بها الطيور والغزلان، ودعاها أطفال بصدور مكشوفة إلى اللعب، لكنها شكرتهم، واعتذرت عن المشاركة بسبب مشاغلها الكثيرة، ومضت تستطلع الوجوه والتماثيل، وتستنطق التواريخ المحفورة على الصخور وشاهدات القبور.

طالت غيبة الغيمة، ونسيت نفسها، وتغير لونها، وازداد شوقها إلى العودة، لكن شوق الأطفال والحقول والتلال كان أكثر، وهمست العصافير قائلة: اشتقنا للغيمة، ولصراحتها الجميلة وكرمها وطيبتها، وقالت الأشجار والورود وهي تنكّس رأسها حزناً: العطش والحزن ثقيلان لكن فراق الغيمة أثقل منهما، وقال الأطفال بعد انتهاء لعبتهم المفضلة "استر": طالت غيبة الغيمة، واشتقنا إلى ظلها ومطرها، وافتقدنا دعاباتها ولوحاتها المضيئة.

ولم تكن الغيمة أقل من أصدقائها شوقاً وحزناً، لكنها كانت مصرة على متابعة الرحلة حتى النهاية، إذ ليس من عادتها التراجع عن خطوة أعلنتها أمامهم، ولا تحب أن تُسأل عن مكان أو حادثة مهمة، وتجد نفسها عاجزة عن الإجابة.

تمشت الغيمة قرب صخور الشواطئ، ورأت المراكب الضخمة وحاملات الطائرات، ولمحت غواصات تغيب في الماء ثم تظهر مناقيرها الطويلة، وعجبت من حركاتها المخادعة، وداعبت النوارس ومسحت رؤوس الفقمات المستحمات في الضياء الساطع، ورأت أطفالاً سعداء يتبادلون الكرة فوق الرمل النظيف، أو يرسمون خطوطاً وأنفاقاً، وسرها أن يدعو كل منهم زميله كي يريه ما صنع، وأُعجبت بنشاط الأطفال، وحركتهم الدائبة وحيويتهم الفياضة، وإقبالهم على الحياة إقبال من يخطط كي يعيش ألف عام، وانتبهت إلى جلبة أطفال آخرين، يلعبون فوق حطام مركب قديم، ولم تعجبها صيحات النصر التي أطلقها فريق القراصنة، على الرغم من عدده الضئيل، وأسفت لرؤية فريق البحارة يبتعد عن المركب نحو الماء أو صوب الرمال، يختبئ بعيداً عن الخطر، وفي اللحظة التي اندفعت فيها الغيمة لمساندة فريق البحارة، أنهى الأطفال لعبتهم، واستلقوا ضاحكين فوق الرمال، وحزنت كثيراً لأن المساعدة تأتي غالباً متأخرة نصف خطوة.

لاحظ أطفال الأمازون أن الغيمة تغير اتجاهها، وتعدل سرعتها، وتبحر في الفضاء الأزرق الواسع، وراحوا يتبارون في تفسير ذلك، فلم يتبينوا بالضبط إن كان تغير اتجاه الريح، أم منظر المركب المحطم الذي يذكر بالنهايات غير السعيدة للرحلات الطويلة، أم انشغال الأطفال عنها باللعب، أسباباً كافية كي ترحل بعيداً، وقبل أن يلحظ الأطفال ابتعادها، وتنطلق حناجرهم بأغنية تدعوها إلى الإقامة، أو المكوث قليلاً عند الشاطئ، كانت الغيمة قد عبرت السلسلة الجبلية المحاذية لشاطئ البحر، مضت في طريق التعرف على هذا العالم العجيب وناسه وأشيائه، ومشاهدة الدلافين تمرح قافزة أو مندفعة نحو قلب الموجة، حتى إذا استشعرت خطراً يحيق بمخلوق ضعيف، أسرعت إلى نجدته، وقد رأت الغيمة بأم عينها دلفيناً يدفع طفلاً مشرفاً على الغرق نحو الشاطئ، فشكرته على فعلته.

كثرت تساؤلات الفضوليين للغيمة عن وجهة سيرها وغايتها ونوع عربتها، وهل تحمل مالاً أو أسفاراً، ودعاها بعض الناس إلى المكوث أو التوقف، فاكتفت بانحناءة خفيفة لهم على الطريقة الآسيوية، أو بتلويحة شاكرة على الطريقة العربية، وعند أحد المعابر الجبلية أُوقفت الغيمة، ووُجهت إليها تهمة تهديد الاستقرار وخرق المعاهدات، ثم أودعت قبل سماع حجتها أحد السجون الضخمة، ورأت هناك أناساً جفت عروقهم وضاعت ملامحهم، وأثقلتها الأغلال، وأنهكتها الرطوبة، فاستعانت بتعويذة سحرية ورثتها عن جدتها السحابة، وهربت من كوة صغيرة في جدار السجن دون أن يلاحظها الحراس، وتابعت رحلتها إلى الجزء الآخر من العالم، كي تبلّغ تحيات الأطفال التي تحملها إلى أقرانهم، ورغباتهم في أن يزوروهم ويتعرفوا عليهم.

وزعت الغيمة الهدايا التي حملتها في عربتها على أطفال القارات البعيدة، قائلة: هذه عربون محبة وصداقة، فشكروها قائلين: سنذكرك دائماً. وكان على الغيمة إنجاز كثير من الأعمال، لكن الحنين إلى أصدقائها استبد بها، وإن لم يثن عزمها على الوصول إلى جبال الجليد، وتجاهلت تحذيرات الناس والطيور بأنها ستتجمد هناك، ولن تستطيع العودة، وقيل لها: إن العناد يقود غالباً إلى عواقب لا تحمد.

رغبة الاكتشاف ومشاعر التحدي، ومتعة مواجهة الصعاب التي تمنح الحياة طعماً، قادت الغيمة إلى المنطقة القطبية، وهالها بساط الجليد الممتد كمرآة ضخمة، ولاحظت أطفالاً عيونهم صغيرة، يلبسون الفراء، ويحاولون بناء بيوت صغيرة من الجليد، وودت مساعدتهم، لكن يديها لم تسعفاها على تقديم أي عون، فاكتفت بإلقاء التحية عليهم، وتقديم قفازات صوفية وكتب حكايات ملونة وقطع حلوى.

حاولت الغيمة توجيه عربتها نحو طريق العودة، لكن العربة تعطلت، وصعب عليها المضي في المسار المتجمَد، فاستعانت بشوقها لأصدقائها ونشاطها المثابر، لإعادة الحياة إلى روحها المتحدية، وإلى عربتها المتمايلة، وانطلقت مبتعدة عن قارة الثلج والجليد، وأناسها المغلفين بالفراء، وأطفالها الذين يشبهون صغار الباندا.

ازداد قلق أصدقاء الغيمة لغيابها الطويل، فقال فياض: تأخرت الغيمة واشتقنا لمعابثتها، وقالت زهراء: ليتها تعود سريعاً فنسمع حكاياتها، وقال ماهر: أنوي أن أفعل مثلها حين أكبر، وقالت لمياء: لا تنتظروا عودتها، لأني أتوقّع أنها غضبت من تجاهلنا لها، وقال سعد: يعجبني طموح الغيمة، وأقدر أنها تنوي أن تعلمنا التحدّي وتحمّل الأخطار، وتعاهد الأطفال على أن ينتظروا ويروا.

وقالت الحقول والورود: إن لم تعد الغيمة هلكنا، وقالت الأشجار: حجة الغائب معه. وحافظت التلال على وقفتها المتأملة وانتظارها الذي لا يكل، وعلى صبرها الذي لا ينفد.

وفي اليوم الذي لم يتوقع أحد فيه رؤية الغيمة، أو عودتها، هبت ريح ناعمة نديّة، وأهدى البرتقال اليوسفي للشمس لونه، وزادت الطيور من تحليقاتها ومرحها، وتمايلت الأشجار وأفاقت الورود من نعاسها الطويل، وبدا أن خبراً سعيداً سيُزف قريباً إلى الجميع. صحيح أن الريح همست للتلال، وأبلغتها أن الغيمة ستصل بعد قليل، ورأت الطيور الريح تهمس، فعرفت أن أمنية جميلة ستتحقق، لكنّها لم تتبين حقيقتها، أما الأطفال فقد أصغوا لهمس الريح، بعد أن أوقفوا لعبهم، وتركوا أبصارهم ترعى التلال، وتتابع حركات الطيور وتشكيلاتِها البديعة، وتتملى ألوان الورود المستفيقة، وراحت مخيلاتهم ترسم وجه الغيمة الباسم، وعربتها المندفعة صوب ربوع الوطن.

وبينما كان الجميع في همس ومرح وأحاديث متشعّبة، وتوقّعات بعيدة عن التصور، أطلَّ موكب الغيمة محمولاً على عربات الريح، لم تكن مسرعة لكن الشوق دفع عربتها، وكأنها تحسّست شوق أصدقائها، وتابعت سيرها تخب بمشية المنتصر حتى بلغت وسط القبّة الزرقاء، واصطفت خلفها وحولها غيوم كثيرة سمراء وبيضاء، وبدت حائرة في شرح سر غيابها الطويل لأصدقائها، وتفسير أسباب تأخرها، مثلما حارت في انتقاء حكاية تبدأ بها حديثها، ولم تستطع أن تكتم مشاعرها التي اختلطت فيها البهجة بالتأثّر، وودت أن تمازح الأطفال، لكنّ دموعها طفرت دون أن تستطيع كبحها، واكتفت بنثر هداياها دون أن تسمّي أصحابها، وعرف الجميع أن الهدايا تخص كل فرد منهم، مثلما تخص الأشجار والورود والتلال والحقول والطيور والأطفال المشاكسين، وكانت الهدايا كتب حكايات مزينة بلوحات جميلة، وعلباً فضية ملفوفة بشرائط بيضاء، تحملها عربات مائلة إلى البياض، تجرها جياد بيض، ويقودها رجال بلحى بيضاء وقلنسوات فضية.

قالت الغيمة والابتسامة تضيء وجهها: العالم جميل واستكشافه أجمل، وقد وصلت إلى حدود الكوكب الأرضيّ، ورأيت مدناً مضيئة وجبالاً وأنهاراً وشلالات وسدوداً وأسلاكاً وسجوناً، ورأيت أطفالاً جياعاً وطفلات عليلات، وطفت في شوارع مزدحمة بالبضائع، وعبرت قمماً عالية، وزرت متاحف تضم كنوزاً نادرة، لكني عدت من رحلتي بحقيقة تساوي تلك الكنوز التي شاهدتها كلها، وهي أن العالم الفسيح قد استكشف، والبحار العميقة قد استكشفت، لكنّ زوايا كثيرة في أعماق الإنسان ما زالت غامضة تنتظر من يستكشفها! وقد أعادني الشوق ورغبة البحث إليكم، لأتابع رحلة الاستكشاف هنا بينكم، وعند ذلك غالبتها دموعها، وإن لم تفارقها الابتسامة!

لم ينظر أحد في عيني الغيمة الدامعتين، ولم يلحظوا إلا ابتسامتها الواسعة، لكنهم أدركوا بسهولة أنها تغيرت في رحلتها الطويلة كثيراً، وغدت أكثر شحوباً وكرماً، وأفرح الغيمة أنها وجدت أصدقاء ينتظرونها بشوق، وأدركت أهميّة إحساس الكائن أن هناك من يفكر فيه ويسأل عنه، وقطعت عهداً لأصدقائها ألا تغيب طويلاً، وأبلغت أصدقاءها المحتشدين أنها تعلمت من رحلتها أن تكون أكثر حرصاً على مواعيدها، وأكثر اهتماماً بأصدقائها.

فرح الأطفال بوعد الغيمة، وشكروها على هداياها الجميلة، وأهدوها طفل ثلج بعينين زجاجيتين، وأنف أحمر وقلنسوة بنية، وجعلوا في يده غصناً أخضر، وكانت يده الأخرى تلوّح محيّية الغيمة والتلال والريح، وعربات الغيوم السريعة، وكأنّه يودّ أن يصافحها، أو يتوقع أن تحمله إحداها بعيداً كي يطوف العالم، ويتعلّم ويستكشف ويعرف مثل الغيمة الشجاعة.

حسن خليل
24-09-06, 04:34 PM
القصة السابعة والأربعون

صراع الحواس

بقلم الكاتب: السيد نجم

في المدينة العجيبة البعيدة, مدينة الحواس, اشتد الصراع بين الملكة "عين" وبقية الحواس(السمع, الشم, التذوق, واللمس). فقد زاد الإزعاج والضجيج فتألمت الأذن وضعفت حاسة السمع, كما زاد الضوء الباهر والإشعاعات من الأجهزة الإلكترونية فضعفت حاسة البصر ومرضت العيون. ولما أهمل الجميع النظافة تململت كل الحواس (سكان المدينة). لم تكن حاسة اللمس آجرها, بل سبقتهم جميعا, فترك "الإصبع الكبير" المدينة وانعزل وحده عند شاطئ البحر.

قررت الملكة "عين" الذهاب إلى "الإصبع الكبير" لإعادته, ورافقتها كبيرة الأذن. فور أن صافحهما قال:

"أعلم أن المدينة لا تعيش سعيدة من غيري, لأنني أحس بالحرارة والبرودة, فأخبر سكان المدينة لتلافى شرورها..حقا أنا أفضل من كل الحواس".

فقالت الملكة بغضب:"انك حقا مغرور كما يقولون عنك, قد يكون في كلامك الحق, لكنه ليس كل الحقيقة!"..

وبسرعة قالت "الأذن":

" بل أنا الأفضل, أسمع الضجيج فأحذركم من أضراره"!

ابتسمت "العين" وهمست بصوت مسموع:"وماذا أقول عن نفسي, كم من مرة رأيت الأخطار وأنقذت سكان المدينة كلهم!!"..

فضحك "الإصبع" بصوت مسموع قائلا:

" حضرتما لإعادتي, تشاجرتما معا.. دعوني أذهب إلى كوخ, كالصغير لأعيش وحدي سعيدا"!!

قبل أن يتحرك أحدهم, كان المشهد المرعب المثير, ثعبان خبيث يتجه ناحية "الإصبع", صرخت الملكة "عين":

"أسرعا فورا بعيدا عن هنا..انه الثعبان الشرير"..

وبسرعة هب ثلاثتهم واستقروا بعيدا. فورا ضحكت "عين" وقالت:

"لولا وجودي معكما الآن لانقض عليكما الثعبان"..

فقال "الإصبع":

" قد يكون في كلامك الحق, لكنه ليس كل الحقيقة!".

لفترة قصيرة هدأ الجميع وانشغل الإصبع في صنع شكل غريب من الطين, ثم قال لهما:

"سوف أجعل هذا الشيء العجيب يخيف الثعبان, فلا يقترب منى أبدا. ما رأيكما أطلق عليه اسم "وافى".

وانقضى بعض الوقت وهم يشربون معا الشاي ويأكلون الكعك الذي قدمه "إصبع".

فجأة أخبرتهما "عين" أنها رأت انحوه.الماكر يسرق بعض المأكولات من نحوه.خ إصبع, والكائن الجديد أسرع نحوه..ونجح في اللحاق به. فقالت الأذن:

"ما جدوى وجودك وحدك, لولا أن الملكة عين رأت ما رأت, وأنا سمعت المعركة بين الثعلب و"وافى"..ما كنت أدركت المصيبة التي تتعرض لها "!

فهم "الإصبع" ما تعنيه, فقال بتحد:

" هل تعرفين الحكمة من تماثيل الفنان الهندي الذي صنع تماثيله على شكل القرود, منها ما يخفى عينيه, وما يضع يده على أذنيه وفمه؟؟".

لم يسمع أجابه, تابع وحده:

"معنى تلك التماثيل..أن الشرور كلها بسبب العين والأذن واللسان!!"

في هدوء وثقة أرادت الملكة عين أن تلقنهما درسا, أخرجت جهاز الكمبيوتر الذي أحضرته معها, وهى لا تسير يدونه.. ثم فتحت موقع المعلومات عن الحواس. بدأت تقرأ لهما وتقول:

"هل تعلما أن كل الحواس توجد في الإنسان والحيوان, لكن حاسة البصر وحدها التي توجد في الإنسان وأغلب الحيوانات والطيور والأسماك..بينما بقية الحواس توجد بأقل من ذلك كثيرا!!"

اعترض "إصبع" وأخبرهما أن "الإخطبوط" يملك عينين ولا يستخدمهما, بل يعتمد على عشر أذرع وعلى حاسة اللمس أساسا!.

قبل أن ينتهي الحوار أسرعت الأذن وأخبرتهما أنه لولا حاسة السمع ما عرف الإنسان الكثير من الأمراض. وبدأت تقص غليهما قصة اختراع "السماعة الطبية" وكيف أن الدكتور "رينيه" الفرنسي, نجح في تشخيص مرض الفتاة عندما صنع بوقا وضعه على صدرها ثم سمع صوت دقات قلبها..وشخص المرض وأعطى العلاج المناسب!

فجأة صاحت الملكة عين وصرخت قائلة: أرى البرق, أسرعوا بعيدا "..

تابعتها الأذن:

"وأنا الآن سمعت رعدا شديدا"..

فورا تابعهما الإصبع:

" بل أحس برذاذات المطر الآن.. هيا بنا فورا إلى داخل الكوخ".....

أسرعوا جميعا إلى داخل الكوخ حتى انتهت الأمطار الغزيرة, وعادت السماء صافية, وأضاءت الشمس الأرض, وانبعث الدفء في أجسادهم..فشعروا بالسعادة والفرح.

فورا قالت العين:

"لولا أن رأيت البرق وأنذرتكما لهلكتما بسبب المطر".. اعترضت الأذن:" بل لأنني سمعت الرعد !!".. تابعهما "إصبع":" الحقيقة أنا الذي أنقذتكما, عندما أحسست بالأمطار, أسرعتما إلى داخل الكوخ!!"

أسرعت الملكة عين وأخبرتهما بأنها أرادت أن تشاركهما اللعبة, وأنها مقتنعة بشيء آخر..لا هي العين وحدها, ولا الأذن أو الإصبع؟!

فانبرى الإصبع:

" ماذا إذن؟!!"

تابعت الملكة قائلة:" الآن أخبرني الكومبيوتر..أن كل الحواس من أصل خلية واحدة, ثم تخصص جزء منها في الرؤية, وآخر في السمع, وغيرها في الشم أو اللمس..وهكذا كل الحواس"

فقالت الأذن:

" إذن لا فضل لحاسة على حاسة"

تابعها الإصبع:

" إذن سوف أعود معكما.. نتعاون معا من أجل أن نحافظ على بعضنا البعض, ولا نتصارع مهما كانت الصعوبات"

وتعانق ثلاثتهم فرحين بالعودة !!!

حسن خليل
25-09-06, 09:22 PM
القصة الثامنة والأربعون

أسرار حرب الكائنات الدقيقة

- 1 -

شيد هذا المعمل الغامض داخل بقعة صحراوية بعيدة.. خلف أسوار مرتفعة, والمزودة بكل أجهزة الإنذار الإلكترونية, وشاشات المراقبة التصويرية, وغيرها الكثير من وسائل التأمين التي قد لن يتعرف عليها أحد.وربما حتى لو اقتربت طائرة مروحية من أعلى لاكتشاف عما يدور داخله, وقد شيد بالكامل تحت سطح الأرض؟؟

لقد شيد الدكتور "حرب" هذا المعمل لدراسات الهندسة الوراثية, وأغلب العاملين فيه على قلة عددهم من العلماء, مع عدد قليل جدا لأعمال الأمن وتجهيز الطعام وتنظيف الموقع.

فالمعمل كله يعمل بدوائر تليفزيونية, وبالأجهزة الآلية التي تعمل بالبعث الحراري للأفراد.. سواء في أعمال المراقبة أو تشغيل الأجهزة.

منذ حوالي عشرة أعوام نفذت منظمة غامضة من الأشرار خطتها, وكلفت الدكتور حرب بمهمة إنشاء وتشييد ذلك المعمل في الصحراء, وذلك لإجراء البحوث والتجارب على الكائنات الدقيقة –وهى التي لا نراها بالعين المجردة, بل يلزم استخدام المجهر أو الميكروسكوبات المتقدمة-

أما الدكتور "حرب" فهو من القلائل المتخصصين في مجال علم الهندسة الوراثية, ولأن الجميع يعرفونه بأفكاره الشريرة, لم يجد سوى تلك المنظمة التي تقدم له العون والدعم المالي. فقد وعده رؤساء المنظمة بإعطائه منطقة كبيرة في أفريقيا, يسيطر عليها ويقيم فيها كل ما يحلم بتنفيذه, خصوصا أن تلك المنظمة تسعى للسيطرة على كل مساحة الكرة الأرضية, ويرددون في مجالسهم الخاصة أن هذا العالم يجب أن يسيطر عليه العلماء من أمثال "حرب" هذا!!

حسن خليل
25-09-06, 09:25 PM
-2-


وبعد كل تلك السنوات في العمل الدائم والسري الغامض, نجح الدكتور حرب وأنتج قنبلة جديدة..صغيرة الحجم جدا. داخلها بعض من تلك الكائنات الدقيقة, لم تكن سوى أصناف من البكتيريا أو من الفطريات والخمائر. فقد نجح العالم الشرير بالعبث في شريط "الكروموزومات" (وهو الموجود داخل كل خلية ويحمل الصفات الوراثية للكائن الحي) بها وجعلها قادرة على إصابة أي إنسان أو حيوان أو حتى نبات بالأمراض الغامضة الخطيرة فورا. شعر العالم الشرير بالزهو والانتصار, فقرر أن يقيم حفلا يضم كل العاملين معه. وفى قمة سعادته, وسط الجميع اعتلى المقعد الذي يجلس عليه, ووقف فوقه موجها حديثه إلى رجال المعمل, وأخبرهم بما أدهشهم, فقد قال:

" يسعدني أن أعلن عليكم اليوم نجاح المهمة التي من أجلها إنشىء هذا المعمل...

نجحت أخيرا في إنتاج سلاحا جديدا لم تعرفه البشرية من قبل...أعلم أنكم معي, ولا تعلمون أهداف هذا العمل, الآن أخبركم...

إذن فقد نجحت في إمكانية السيطرة على هذا العالم بأسره, وقريبا سوف أعلن نفسي حاكما على مساحات كبيرة منه..."

ولما سمع بعض الهمهمات, وعلامات الدهشة على وجوه بعضهم, صرخ فيهم:

"لماذا لا تهللون؟ لماذا لا تهتفون بأسمى....؟!"

بدت الدهشة على وجوه بعضهم من الشرفاء, يبدو أن حربا خفية قد بدأت.

حسن خليل
25-09-06, 09:28 PM
-3-


علم الدكتور حرب برفض بعض مساعديه لفكرته الشريرة.. بدأ في إنشاء شبكة من آلات التصوير الصغيرة جدا, وأجهزة التصنت, في غرف النوم قبل المعامل, وفى الأماكن المفتوحة قبل الأماكن المغلقة, لرؤية ولسماع كل ما يدور بينهم في أي وقت وفى أي مكان.

فضل المساعدون إعلان غضبهم في صمت خوفا من بطش رئيسهم الشرير, إلا أنهم انتهزوا فرصة تبادل بعض التقارير العلمية حول تجاربهم وأعمالهم, وأضافوا بعض الكلمات التي تبدو عادية إلا أنها لغة جديدة بدءوا يستخدمونها. وبتلك اللغة أو الشفرة الجديدة, بدأ بعضهم يعبر عن غضبه من هذا العالم الشرير الذي نجح في خداعهم, جعلهم وسيلة لنشر الشر والخراب في العالم. ومع ذلك بدأ بعضهم الآخر التفكير في مقاومة شر هذا العالم الشرير. قرر بعضهم تحطيم تلك الأطباق الزجاجية التي تنمو فيها تلك الكائنات الدقيقة. وفي منتصف الليل بينما اعتقدوا أن الدكتور حرب نائما, بدءوا ينفذون خطتهم.

لم تطل فترة المحاولة, فعملاء العالم الشرير استطاعوا السيطرة على هؤلاء المتمردين, بل واستطاعوا القبض عليهم تحت تهديد السلاح.. كل ذلك بفضل الشبكة السرية التي لم ينتبه إليها العلماء الشرفاء!

أمر العالم بعزلهم في مكان بعيد بالمبنى, ثم قال بصوت عال وكل ملامح وجهه تعبر عن السعادة الغامرة:

"إذن سوف نبدأ بهؤلاء المتمردين....

من الآن سوف نجرى التجارب الفعلية لمعرفة أثر ما صنعناه في تلك الكائنات الدقيقة..لعلنا نعرف شكل تلك الأمراض الغريبة التي ستصيب البشر, وكل الكائنات الحية. "!!

حسن خليل
25-09-06, 09:31 PM
-4-


من جديد وبكل الحرص بدأ الدكتور حرب في جمع بعض مزارع الكائنات الحية المختلفة. كان يحفظها في الأطباق الزجاجية التي تحطمت بسبب العلماء الغاضبون.

فلما وضعها ثانية في جهاز "الأتوكلاف" وهو الصندوق الحديدي المجهز بدرجات الحرارة والرطوبة المناسبتين لنمو الكائنات الدقيقة. وما أن أغلق الباب حتى أسرعت "بكتيريوم" منها(وهى مفرد بكتيريا) وهللت فرحة تقول:

"هذا المخلوق العملاق المسمى الدكتور حرب, رجل طيب!"

وتابعت البكتيريوم تهليلها وصراخها تعبيرا عن الفرح, فإذا ب"الأميبا" وهى ملكة الكائنات الدقيقة تصرخ فيها وتأمرها بالصمت !

صمتت البكتيريوم لكنها شعرت بالإهانة, فتمتمت في نفسها تقول: "لماذا غضبت الأميبا الملكة؟ لقد عبرت عن سعادتي بعودتي إلى هذا المكان الدافئ, ومع هذا الغذاء الوفير؟!!".

فشعرت الملكة بقسوة ما فعلت مع البكتريوم الصغيرة, شعرت بالشفقة عليها, وأرادت أن توضح لها الأمر, فقالت:

"يا صغيرتي العزيزة, لابد أن تعرفي الحقيقة..إن هذا المسمى الدكتور حرب رجل شرير ..انه يستخدمنا لإنتاج السلاح القاتل لكل الكائنات الحية.. الإنسان والحيوان والنبات وحتى أهلنا من الكائنات الحية الدقيقة"

اعتذرت البكتريوم عما بدر منها, وأنها فعلت ما فعلته لأنها لا تعرف الهدف الشرير الذي يدفع هذا العالم. تابعت الملكة وقالت:

" لا تعتذري يا صغيرتي...

فقط لا تتسرعين في الحكم على أي شئ قبل التأكد من حقيقته."

ودار الحوار طويلا بينهما, بينما تابعت أفراد المملكة الحديث وشارك الكثير منهم. فقال بعضهم: "منذ قديم الزمان والحرب بين الإنسان والكائنات الدقيقة مشتعلة, ودائما يسعى الإنسان إلى التخلص مننا, وحتى قبل أن يعرف أشكالنا ووظائفنا والتفاصيل الكثيرة التي يعرفها الآن ومنذ قرن من الزمان تقريبا."

تابعت بكتريوم أخرى: "بل نسى الإنسان انه ومنذ زمن بعيد وهو يستخدمنا في طعامه وشرابه, وحتى قبل أن يرانا ويعرفنا.. صنع الكحول والخل والورق..وغيرها كثير, كل ذلك بفضل عملنا معه"

تدخل الملكة وحاولت أن تهدئ من غضبهم, إلا أن "الخميرة" صرخت وقالت:

"لن نهدأ قبل أن نحاكم ذلك الإنسان.. الكائن العملاق الظالم!!"

فوافقت الأميبا الملكة !

حسن خليل
25-09-06, 09:33 PM
-5-


بوقار وقوة أعلنت الملكة بدء جلسة المحاكمة, بعد أن حددت وظائف كل من الكائنات الدقيقة, وبدأت بتلك البكتيريوم العجوز التي تعلوها الحكمة ورجاحة العقل, تقوم بعمل وكيل النيابة. وبدأت النيابة في سرد تاريخ الصراع الطويل بين الإنسان والكائنات الدقيقة:

"يبدو أن هذا الكائن العملاق ولأنه لا يرانا بعينية المجردتين, من الغرور يظن أننا ضعفاء.. وينسى أن بعض العلماء منهم قال أن الحياة بدأت على الأرض بوجودنا نحن عليها, وقبل أن يظهر هو على الأرض.

ثم كيف نكون هكذا ضعفاء كما يقول, ونحن فقط نستطيع الحياة في كل بيئة, وفي كل مكان.. سواء في البر أو البحر أو في الهواء. وأيضا نعيش في المناطق الاستوائية الحارة والمناطق الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي للأرض."

فجأة وقفت البكتيريوم التي تقوم بدور الدفاع عن "الإنسان", وأكدت أن الكائنات الدقيقة أصابت الإنسان طوال التاريخ بأمراض ومشاكل كثيرة..تصيبه وتصيب النباتات التي يزرعها, والحيوانات التي يربيها.

لم تستطع "الخميرة" (وهى تمثل الدفاع عن الكائنات الدقيقة) أن تصبر أكثر من ذلك, نهضت وأخبرتهم جميعا عن قسوة الإنسان في حربه الشرسة ضدهم..سواء باستخدام المطهرات والمضادات الحيوية.. بل قد يقوم الإنسان القاسي بحرق الأجزاء المريضة عنده وهى عندنا المكان الذي نعيش فيه ونتغذى!

تابعت أخرى من موقع المتابعين, وأقسمت أن أشعة الشمس وحدها كفيلة بقتل كل الكائنات الدقيقة لو تعرضوا لها لفترات طويلة, ثم وصفت الكفاح من أجل الابتعاد عن تلك الأشعة المهلكة القاتلة.

تدخلت الملكة حتى تتابع الخميرة دفاعها, الذي وضحت فيه أن الكائنات الدقيقة ومنذ قديم الزمان يستغلها الإنسان في إنتاج طعامه, وحديثا في البحوث العلمية.. مثلما يفعل الدكتور حرب الآن!

عند هذا الحد وقفت الملكة, وقد انتفخت وزاد حجمها بشكل لم يرها أحدهم هكذا أبدا. يبدو عليها الانفعال والغضب, ثم قالت:

" يا شعب مملكة الكائنات الدقيقة.. أنا الأميبا الملكة أتحدث إليكم...

قررنا إعلان الحرب على هذا العملاق العالم الشرير, وسوف نحاربه بالسلاح الذي ابتكره لقتل كل الكائنات الحية !!"

هلل الجميع فرحا للانتقام من العالم الشرير.

حسن خليل
25-09-06, 09:35 PM
-6-


لم يمض الوقت طويلا.. بسرعة تجمع الحكماء من الكائنات الدقيقة, التفوا حول الأميبا الملكة التي أعلنت بدء مناقشة الخطة العملية لبدء الحرب المنتظرة. كانت المشكلة الأساسية هي الإجابة على السؤال:

كيف تصل الكائنات الدقيقة إلى داخل جسد الأشرار؟

طالت المناقشة حتى انتهوا إلى وضع الخطة العملية في خطوتين أساسيتين..الأولى أحداث جروح وإصابات في أي مكان بجسد الأشرار, والخطوة الثانية اقتحام تلك الجروح والوصول إلى داخل جسد الأشرار عن طريق الدم.

وفى سرية تامة بدأ كل منهم يعرض أفكاره وأرائه في حل هذه المشكلة أو تلك, وما هي احتمالات النجاح والفشل في كل فكرة.. حتى انتهوا تماما من كل التفاصيل الصغيرة, ثم وقفوا جميعا وأقسموا بالإخلاص لمبدأ القضاء على الشر والأشرار .

حسن خليل
25-09-06, 09:37 PM
-7-

في صباح اليوم التالي, وفى الثامنة تماما بدأ الأشرار في فتح "الحضانات" أو تلك الصناديق الحديدية التي تعيش داخلها الكائنات الدقيقة من أجل البدء في متابعة العمال اليومية العادية.

ما هي إلا دقيقة واحدة حتى بدأت خطوة تنفيذ المرحلة الأولى.. فاندفعت الكائنات الدقيقة وقذفت بنفسها نحو الدكتور حرب ورفاقه.. في البداية ركزوا أنفسهم نحو عيون الأشرار.. لفترة قصيرة جدا لم يشعر الأشرار بشيء.. وبعد دقائق قليلة ومع متابعة الكائنات لمهمتهم الانتحارية.. بدأ يشعر الأشرار بشيء ما غامض وغريب..!

فجأة احتقنت عيون كل الأشرار.. بدءوا يشعرون بغشاوة وعدم وضوح الرؤية.. كثيرون منهم وعلى رأسهم الدكتور حرب يشعرون بألم غامض.

وما هي إلا لحظات حتى صاحت الملكة وأمرتهم بالاتجاه نحو أنف وأذن وفم الأشرار.. إلى كل فتحات أجساد الأشرار. فعلت أصوات العطس, والصراخ بوجود "طنين" في الأذن..بينما علت ضحكات الاميبا الملكة وبقية أفراد جيش الكائنات الدقيقة.

ولما انشغل الأشرار بإصابتهم الغامضة, من عدم الرؤية بوضوح وطنين بالأذن وعطس مستمر.. فقدوا القدرة على التحكم في خطواتهم, أو تحديد اتجاه حركتهم داخل المعمل..فسقط منهم من سقط على الأرض, ومنهم من اصطدم بالحائط.. ومنهم من ارتطم بزميله.. وهكذا حتى بدأت تصاب أجسادهم بالجروح والخدوش التي هي ضرورية لتنفيذ الخطوة الجديدة!!

حسن خليل
25-09-06, 09:40 PM
-8-


انشغل الجميع, كل بحاله, وهم يسبون رئيسهم الدكتور حرب. للمرة الأولى يصرخ أحدهم في وجهه غير مكترث بغضب زعيمهم:

"ساعدنا يا دكتور حرب.. أنا أشعر بالانهيار.."

عقب آخر:

" بل فسر لنا أولا هذا الذي يحدث..؟

شرد زعيمهم ثم قال:

"أنا لا أجد ما أعقب به ولا أجد تفسيرا"

زادت الحيرة, فزاد القلق.. وعمت الفوضى كل مكان في المبنى الغامض كله. وما هي إلا دقائق قليلة حتى سمعوا صوت الدكتور حرب وهو يصرخ فيهم قائلا:

" أيها الملاعين.. يا تلاميذي غير المخلصين.. أشكو من اضمحلال بصري..

أكاد لا أرى شيئا.. ساعدوني!!"

رد آخر من هناك:

" إنني أسمع أصوات الصراخ في كل مكان بالمعمل.. أما أنا فقد أصبت بطنين في أذني وألم شديد بها.. يجب أن تجد لنا تفسيرا لحالتنا الغامضة تلك!!"

وتوالت الصرخات والآهات, مع ضحكات الأميبا الملكة على رأس جيشها المتابع والمستعد للخطوة التالية من الخطة.

حسن خليل
25-09-06, 09:42 PM
-9-

حدث ما انتظرته الأميبا الملكة وأصيب أغلب الأشرار بالجروح والخدوش, وبدأ تنفيذ الخطوة الأهم والأخطر في الخطة.

بسرعة أمرت الملكة بعودة كل أفراد المملكة, أعلنت فورا نجاح الهجوم على العملاق الشرير ورجاله.. وتابعت قائلة:

" ليس لديهم علاجا للأمراض المنتظرة في أجسادهم.. وليس لدينا وقتا نضيعه. أطلب منكم جميعا الاحتفال بهذا اليوم العظيم..يوم انتصارنا على قوة الشر. لقد نجحنا على العالم الشرير ورجاله باستخدام نفس السلاح الذي أعده للقضاء
على كل الكائنات الحية!!"

وعندما طلب أحدهم الكلمة قبل أن يتفرقوا.. قال:

"أخبركم أنه الآن فقط علمت أن منظمة الأشرار رفضت تقديم أية مساعدة إلى الدكتور حرب خوفا من إصابتهم بالأمراض الغامضة التي انتشرت!!

فزاد السرور, وعلت صيحات الانتصار, وعم الفرح.

حسن خليل
25-09-06, 09:52 PM
القصة التاسعة والأربعون

النزهة المؤجلة

-1-

منذ سنوات طويلة والدكتور علام يطلب من أستاذه أن يقضيا نزهة طويلة على شاطئ البحر الأحمر في مدينة الغردقة. فيوافق العالم الكبير وفي اللحظة الأخيرة يجدا جديدا يمنعهما من الرحلة المنتظرة!

مرة تأجلت الرحلة بسبب عطل في جهاز من أجهزة البحث.. ومرة بسبب ضرورة متابعة دراجات الحرارة والرطوبة لجهاز الحضانة الخاص بزراعة ورعاية أنواع معينة من البكتيريا.. ومرة بسبب اكتشاف ظاهرة علمية جديدة لم تكن متوقعة.. وهكذا توالت السنوات.

هذه المرة خطت د.علام لكل تفاصيل الرحلة وهو على يقين بالقيام بها في اليوم التالي من المؤتمر الصحفي, حيث انتهت الأبحاث المعملية, وسجلت النتائج, ولا يبقى سوى إعلان ما انتهيا إليه في مؤتمر صحفي عالمي.

نجح د.مختار عالم الهندسة الوراثية مع تلميذه د.علام في إنتاج سلالات جديدة من البكتيريا يمكنها زيادة انتاج "البروتين", الذي هو أهم ما تبحث عنه البلدان الفقيرة والغنية.

حسن خليل
25-09-06, 09:53 PM
-2-


بعد تلك السنوات الطويلة في العمل والبحث, جاء وقت التأمل. جلس د.لشاي.على المقعد المقابل لنافذة المعمل الكبير, وهو الشاي.لرشفة,شفة, رشفة, ببطء وسكينة. كان يتأمل الأشجار المرتفعة البعيدة هناك, ولون الحديقة الأخضر الجميل. وكأنه لم يره من قبل, فضل أن يبقى هكذا أكثر من نصف ساعة, حتى بعد أن انتهى من شرب الشاي. وهو ما لم يعتده منه تلميذه..فقال له:

"وكأنك ترى الحديقة تلك للمرة الأولى يا أستاذي؟"

فانتبه د.مختار, أومأ برأسه, ثم طلب منه أن يجلس أمامه, وهو ما أقلق تلميذه مجددا:

" أراك تجهز لفكرة جديدة..ليس قبل أن نسافر رحلتنا المؤجلة..أرجوك"

ابتسم العالم, ثم عاد الى نظرته العميقة الى هناك في شرود, وهو ما أقلق د.علام أكثر. فضل التلميذ أن يفتح جهاز التسجيل معه, كما اعتاد مع أستاذه, ربما هناك فكرة جديدة سيناقشه العالم ومازالت تحت البحث. فابتسم العالم وطلب من تلميذه أن ينتبه إليه بأذنيه أفضل.

أخيرا نطق قائلا:

"الحقيقة يا ولدي المخلص أنا قلق...

تراودني أفكار غريبة..لكنها محتملة الحدوث فعلا..!!"

لم يستطع د.علام صبرا, قاطعه يرجوه أن يخبره بسرعة عما يشغله. فتابع د.مختار:

"ماذا يحدث وتمكنت عصابة الأشرار من سرقة سلالات البكتيريا التي نجحنا في إنتاجها, واستخدمتها بطريقة خاطئة.. سوف تضر الناس أكبر الضرر!"

علق د.علام قائلا:

" معك كل الحق..فقد أنتجنا سلالات جديدة من البكتيريا, لو أضيفت على عليقه الحيوان ..زاد وزنه, فذا أضيفت على التربة الزراعية..جعلت النباتات أكثر غنا بالبروتين ..."

قاطعه د. مختار قائلا:

" وإذا أسئ استخدامها عمدا يمكن أن تتحول البكتيريا الى كائنات شرسة, يعلم الله وحده ماذا ستفعل في الحيوان والنبات وحتى الإنسان..وهنا المشكلة"

تابع د.علام:

"وهنا المشكلة التي تشغلك..أليس كذلك؟"

هز العالم رأسه موافقا.. ومع ذلك نجح التلميذ في إقناع أستاذه العالم بضرورة إتمام المؤتمر الصحفي العالمي في الغد, وتابع ضاحكا:

"ننتهي من خطوة المؤتمر, وننفذ النزهة التي نرجوها من سنيين!!"

وضحكا معا.

حسن خليل
25-09-06, 10:00 PM
-3-



......"أعطيك جينا جديدا, تنتج بروتينا كثيرا"

بتلك الكلمات بدأ د.مختار حديثه في المؤتمر الصحفي, وأعلن عن إنجازه العلمي العالمي الهام, وسط حفاوة وتقدير الجميع.

فقد امتلأت قاعة المؤتمر بالصحفيين, وبكاميرا التصوير العادية والتليفزيونية, والسينمائية أيضا. كما كان من بين الحضور مندوبين من كل المنظمات العلمية العالمية, وقد عرض العالم الأفلام السينمائية لكل خطوات بحثه ونتائجه.

وفى إيجاز شرح لهم جميعا ملخصا لفكرة أبحاثه قائلا:

" نعم..نعم.. لقد نجحنا في بناء "جين" جديد ,اسمه "م.ر.ن." داخل البكتيريا واستخدمنا في ذلك أنزيمات القطع والوصل التي أمكننا تحضيرها في المعمل, في الأصل توجد داخل البكتيريا والخلايا.."

وبدأ الصحفيون في أسئلتهم المتتابعة لكل التفاصيل:

.."ما فائدة هذا الإنجاز عمليا؟"

.."متى سيتم تطبيقه عمليا في الإنتاج؟"

وقبل أن تكثر الأسئلة, تابع د.علام إجاباته موضحا أن هذا الكشف العلمي سوف يحل مشكلة الفقر في العالم, ولن تكون هناك مجاعة بسبب قلة البروتين الحيواني أو النباتي..ثم ابتسم وتابع:

"يكفى أن أخبركم أن الأرنب سوف يصل الى حجم الخروف, والخروف سوف يصل الى حجم البقرة..وهكذا, كما رأيتم في الفيلم السينمائي الذي عرض منذ قليل."

صفق الجميع, وهلل العلماء وقد تنازلوا عن وقار وهيبة العلماء تقديرا للكشف الجديد. لولا أن وقف صحفي شاب وطلب الكلمة, لكان هذا اللقاء من أسعد أيام حياة د.مختار.

فقد ألح الصحفي الشاب في طلب الكلمة وعرض سؤاله الذي لا يحتمل التأجيل. وما أن وافقه العالم, تحدث الصحفي بما دار برأس العالم منذ يوم سابق..!

سأل الصحفي قائلا:

"سيدي العالم د.علام..هل تتذكر المؤتمر العلمي العالمي عام 1975, وقد حضرته أنت نفسك, مع مائة وأربعة وثلاثين عالما؟"

وافقه د.علام, وأشار بيده لأن يتابع , فقال الصحفي:

"كانت من توصيات المؤتمر..ضرورة توفير كل إجراءات الأمن والتأمين مع الحراسة المشددة على مراكز البحوث, وبالخصوص أبحاث الهندسة الوراثية"

فهم العالم مغزى السؤال, فنظر الى تلميذه, كأنه يذكره بما دار بينهما بالأمس..!

حسن خليل
25-09-06, 10:02 PM
-4-

قضى د.علام ليلته يفكر, وقد سرقته كلمات الصحفي الذي ختم بها المؤتمر الصحفي, سرقته من فرحته, خصوصا أن تلك الفكرة راودته من قبل. حتى دخلت عليه زوجته قلقا عليه, وطلبت منه أن يستريح تلك الليلة وربما من الأفضل أن يتابع عمله في الصباح, ثم تابعت وهى تبتسم في مودة:

"والصباح رباح يا زوجي العزيز.. أما أنا فقد تنازلت عن الرحلة المؤجلة منذ سنوات!"

احترم العالم رغبة زوجته, ونهض من حجرة مكتبه وهو يتمنى أن ينام نوما هادئا. إلا أنه استيقظ مبكرا على صوت جرس التليفون, في السادسة صباحا. ما أن رفع سماعة التليفون حتى جاء صوت المتحدث قلقا ومضطربا:

"أنت نائم يا أستاذنا.. كمية كبيرة من السلالات الجديدة سرقت"

فلم يسمع العالم تفاصيل أكثر. ألقى بالسماعة, وأسرع الى ملابسه وذهب الى المعمل. وكان في استقباله تلميذه د.علام الذي عاجله قائلا:

" حدث ما كنت تخشاه يا أستاذي"

وصلت قوة الشرطة, وبدأت التحقيقات فورا, مع معاينة مكان السرقة. لم يكن يردد سوى بضع جمل يكررها بآلية وغيظ:

"لو سرقت كل أموالي ما كنت أحزن هذا الحزن...

لو استخدمت تلك السلالات بالخطأ سوف تحدث كارثة محققة...

افعل أي شئ يا حضرة الضابط أرجوك..."

وانتهت كل إجراءات الشرطة, والتحقيقات مع كل العاملين بالمعمل, ولم تنته الشرطة الى توجيه التهمة الى أحد. كان آخر من تم التحقيق معهم هو د.علام نفسه.

سأله الضابط:

"في النهاية..هل تشك في أحد بالذات يكون السارق؟"

رد العالم بملل وضيق صدر:

"لا ..."

فتابع الضابط:

"إذن يقفل التحقيق"

وقبل أن ينتهي الضابط من إجراءات حقيقة, انتبه د.علام , صاح بصوت مرتفع: "الصحفي الشاب..نعم, أريد التحقيق مع الصحفي الشاب". وعندما سأله الضابط عن سبب فتح التحقيق لسؤال الصحفي الشاب, قال العالم:

"لقد رأيت في عينيه أنه يعلم أمرا ما, وربما كان يحذرني بسؤاله هذا"

لوى الضابط شفتيه, وسأله:

"فقط نظرة عينيه..!!

لا تكفى نظرة العين للتحقيق مع إنسان, وهو صحفي ومن حقه أن يسأل وأن يشارك بأي رأى, وإلا لماذا هو صحفي؟؟!"

فشعر العالم بخيبة أمل, وصمت.

حسن خليل
25-09-06, 10:04 PM
-5-

انقضت الساعات والأيام ود.علام لا يفكر إلا في خطورة جريمة سرعة نتائج أبحاثه, وعلاقة الصحفي بها. وكلما حاول الاتصال به في الصحيفة التي يعمل بها, تهرب الصحفي منه, وهو ما جعله على يقين بوجود علاقة ما بين السرقة وهذا الرجل؟

وبعد ثلاثة شهور بالضبط, اقترب تلميذه منه, لعله ينجح في إزاحة هذا الهم, وابعاد تلك المشكلة عن رأس أستاذه. وقال له:

"لقد مضت ثلاثة شهور, ولم نسمع أو نرى أو نقرأ أي جديد حول موضوع السرقة..أقترح عليك الآن أن تترك الموضوع نهائيا..وننتالعالم, العالم, لم يكن يعنى الموافقة, كان يعنى مزيد من التفكير في محاولة للبحث من جديد. إلا أنه ابتسم للمرة الأولى عندما طلب منه تلميذه, أن يلغيا قرار النزهة المؤجلة, وتابع:

"ربما تكون تلك الرحلة المنتظرة هي السبب !!"

ثم نجح د.علام في إزاحة اهتمام العالم الى موضوع أهم, أنه لاحظ بشائر التجارب التطبيقية التي نفذت في إحدى المزارع الكبيرة على حدود المدينة. فانتبه وسأله:

"ما الجديد , كيف الحال المزروعات والحيوانات؟"

بثقة وسعادة قال د.علام:

"إن ذهبت الآن الى هناك فلن تتعرف على الحيوانات التي زاد معدل نموها, وفاقت كل توقع.. ما رأيك نذهب معا الآن ونرى؟"

لم يتوقع التلميذ موافقة أستاذه السريعة للذهاب إلى المزرعة.خلال دقائق كانا معا في السيارة,

ولم تكن المفاجأة في تلك المشاهدات التي أكدت النجاح الكامل للسلالات الجديدة, وقد خلطها مع عريقة الحيوانات وفى التربة الزراعية.

كانت المفاجأة, وهما في طريق عودتهم, وفور أن اجتازت السيارة بوابة المزرعة, لمحا الصحفي الشاب !!

كانت الظلمة بدأت تزحف على المكان في تلك الساعة من بداية الليل الشتوي من شهر يناير.فما أن لمحهما الصحفي حاول الفرار بسيارته الصغيرة, ظنا منه أنهما لم يلمحانه. لكن د.علام يجيد قيادة السيارات, بل ومن هواياته إصلاح سيارته بنفسه, واندفع بها حتى حاصر الشاب بسيارته الصغيرة.

ما أن وقف الصحفي أمام العالم, حتى فاجأه قائلا:

"أرجوك أن تعذرني, لا تفهمني بالخطأ"

نالت الدهشة من العالم:

"ماذا تعنى؟ هل أنت على صلة بالأشرار اللصوص؟..إذن أخبرني بكل التفاصيل التي عندك..والآن"

فما من الصحفي إلا أن طلب من العالم وتلميذه أو يتبعانه, ثم أخبرهما أن الأشرار داخل تلك المزرعة هاهنا, أمام تلك التي يطبق فيها العالم نتائج أبحاثه!!

حسن خليل
25-09-06, 10:05 PM
-6-


ضوء القمر الهين لم يكشف لهم الطرقات الوعرة التي ساروا عليها, يتقدمهم الصحفي الشاب, وقد طلب منهما أن يتحركان بخفة وبحرص.

كاد د.مختار أن يسقط أكثر من مرة في الحفر الترابية التي لا يراها و تعثر فيها. أخيرا وصلا بوابة خلفية للمزرعة. لم يستطع العالم أن يصمت, سأله:

"ماذا يحدث؟ أرى البوابة تفتح!! هل يعلمون بحضورنا؟!"

رد الصحفي هامسا:

"أنت الآن في طريقك الى داخل مزرعة الأشرار...

لي صديقا داخلها هو الذي أبلغني بكل التفاصيل, وهو الذي يتسلل كي يفتح تلك البوابة, ربما أحصل على تحقيق صحفي خطير وهام..."

ما أن اقترب العالم من المزروعات ومن الحيوانات داخل الحظائر حتى صرخ:

"مصيبة.. مصيبة حقيقية.. هل ترى ما أراه يا علام؟؟!"

وأكد علام أن معدلات النمو تلك لو استمرت لأيام قليلة, سوف تصبح الحيوانات مفترسة, والنباتات سامة ولا تصلح للحيوان أو الإنسان..تابع:

"والآن ماذا ترى يا أستاذ.. ماذا سنفعل؟"

كل ما طلبه العالم, أن يخرجا فورا بعيدا عن تلك المزرعة.

حسن خليل
25-09-06, 10:07 PM
-7-


لم أحدهم الى منزله, توجهوا جميعا الى المعمل. وما أن وصلوا حتى قرر العالم قررا علميا:"يجب أن نبدأ فورا في إنتاج الأجسام المضادة لتلك البكتيريا المعدلة التي صنعناها في المعمل".

فضحك د.علام وقال:"وضاعت النزهة المنتظرة لمدة لا يعلمها إلا الله"..وابتسم العالم. بينما لم يكتفي الصحفي بالصمت, وشرح لهم كل التفاصيل التي يعرفها. دهش العالم من كل تلك التفاصيل الخطيرة حول هذه الجريمة, فسأله:

"لماذا لم تخبر الشرطة؟"

أجاب بأنه كان يعلم أن الأشرار أخفوا السلالات في مكان لن يعرفه أحد, ففضل أن يصمت حتى يبدأون في محاولة الاستفادة من جريمتهم, وهنا يكون الدليل المادي القوى.

أبدا كل من العالم وتلميذه عدم اقتناعهما برأي الصحفي, وان بررا سلوكه هذا بأنه سلوك مغامرة صحفية أكثر منه سلوك صحفي شريف, وهو ما أغضب الشاب, فخرج مهرولا الى خارج المعمل.

لم يدم انقطاع الصحفي طويلا, دخل عليهما ذات صباح وهو يلهث:

"مصيبة..مصيبة يا دكتور مختار."

سأله عما يحمل من أخبار, فأخبره بأن داء الافتراس ألم بكل حيوانات المزرعة, وبدأت تتقاتل معا, بل ومع المربين. أما النباتات والثمار التي تعلقت هي الأخرى امتصت كل مياه الآبار التي حفرها الأشرار من قبل للزراعة..وجفت الآبار!!

شرد العالم من النافذة الجانبية للمعمل الكبير, ثم جلس على المقعد المجاور, وأخذ يفكر طويلا, ثم قال:

" هذه هي نهاية سوء استخدام السلالات, وقد استخدمها الأشرار عن طمع
وجهل...."

ولما تابع الصحفي وأخبره أن الأشرار يعانون من أمراض غريبة, لم يتعرف عليها الأطباء بعد !.. علق د.مختار وهو يحتسى كوب الشاي:

" وهذه أيضا النتيجة الطبيعية لسرقتهم أبحاثي.. كل ما يهمني الآن أن نتابع
من أجل إنتاج الأجسام المضادة"

وتابع التلميذ مبتسما:

"ولتذهب النزهة المؤجلة الى غير رجعة"

وضحكوا معا طويلا.

حسن خليل
27-09-06, 09:10 PM
القصة الخمسون

الــزرزور الـرمـادي

بقلم الكاتب: الطاهر شرقاوى

كان الزرزور الرمادي ، يسكن في شجرة ليمون .

في يوم ، قال لنفسه :

لا بد أن أبحث عن مكان آخر ، إنها شجرة صغيرة ، على فروعها شـوك يضايقني ، كمـا أن الأولاد ، الذين يـمسكون في أيديهم بنبلة ، سيرون عشي .

نعم ، لا بد أن أبحث عن مكان آخر .

رفرف الزرزور الرمادي بجناحيه ، وطار بين الأشجار .

حط على النخلة . وأخذ يقفز من جريدة إلى أخرى ، ثم قال :

النخلة لا تنفع ، لبناء العش ، الغربان والصقور ، ستراني بسهولة ، وأشعة الشمس الحامية ، ستكون فوق عشي طول النهار

لا بد أن أبحث عن مكان آخر .

هز الزرزور الرمادي جناحيه ، وطار إلى فوق ... فوق ... ثم نزل على شجرة الجوافة .

ثم طار ، ولف حولها مرتين .

قال بأسى :

رائحتها حلوة ، لكنها أيضا لا تنفع ، أفرعها قليلة ، ولا يوجد مكان لبناء العش . لا بد أن أبحث عن مكان آخر .

حرك الزرزور الرمادي جناحيه ، حلق عاليا .. وبعيدا .. ثم حط على شجرة التوت ، الضخمة ، قال الزرزور بفرح :

أنا أحب التوت .

التوت طعمه حلو ، سأبني عشي بين الأوراق الكثيفة ، والفروع المتشابكة ، هنا لن يراني الأولاد ، ولن تراني الغربان والصقور ، كما أن الأوراق الخضراء ،

ستحجب عنى أشعة الشمس .

أنا أحب شجرة التوت .

شجرة التوت ، لا يوجد بها شوك .

في يوم ، حط زرزور كبير ، على شجرة التوت ، قال : مكان جميل ، وتوت لذيذ .

نط الزرزور الرمادي ، إلى جـواره ، وهـو يقول : تعال لتبنى عشك هنا .

ابتسم الزرزور الكبير ، وقال : أنا لي عش ، على شجرة قريبة من هنا .

تكلم الزرزور الرمادى ، بعد أن ابتلع توتة سمراء : أنا أيضا كان لي عش ، في شجرة الليمون ، لكنى كرهت كل أشجار الليمون ، وجئت إلى هنا ، شجرة التوت أحلى مكان في الدنيا ، ولن أغيره أبدا .

الزرزور الكبير ، ابتلع هو الآخر حبة توت ، وقال : ليس هناك مكان جيد ، ومكان رديء ، نحن الذين نجعل المكان ، جميلا ، أو قبيحا .

ثم هز جناحيه ، وقال قبل أن يطير : سلام يا صديقي ، بالتأكيد سنلتقي مرة أخرى .

في الخريف ، بدأت الأوراق الخضراء تجف ، ثم تسقط ، مع أقل نسمة هواء ، ورقة بعد ورقة ، حتى صارت شجرة التوت ، الضخمة ، مجرد أفرع بنية .

أخرج الزرزور الرمادي ، رأسه من العش ، تلفت حوله ، وقال : ماذا حدث لشجرة التوت ، أين ذهبت الأوراق الخضراء ، أصبح المكان غير مناسب لي ، الشتاء قادم، وأنا لا أتحمل البرد .

الزرزور الرمادي ، طار إلى أعلى .

نظر من فوق إلى عشه الصغير ، وشجرة التوت ، العارية ، وقال : انتظريني ، سأعود إليك ، في الربيع القادم .

ثم رفرف بجناحيه ، وطار بين الأشجار .

حسن خليل
27-09-06, 09:14 PM
القصة الواحدة والخمسون

تحولات طفلة

بقلم الكاتبة: سها جلال جودت

في بيت ٍ من بيوت ِ المدينة الجميلة المشهورة بقلعتها الرابضة فوق تل ٍ عالٍ التي اشتهرت بكرومها وبساتينها التي احتوى بعضها على أشجار الفستق الحلبي ، وجدت روان نفسها تعيش في كنف أسرة ٍ تعاني من شظف العيش وغوائل الحرمان مالا تتمناه أي طفلة في مثل عمرها .

أحلامها كثيرة وتفوقها الدراسي تقوض من غبطته أحزانها الآسرة ، التي كانت تضفي على ملامحها البريئة مسحة من الجمال له خصوصية ما .

في الليلة الماضية تقلبت على فراشها غير مرة وهي تفكر ما تفعل ، إزاء ما تحمله رشا بنت المديرة المدللة التي كانت تحاول أن تؤذي مشاعرها الحساسة الرهيفة عن عمدٍ ، بعد أن استشعرها فقر روان منافسة غير شريفة .

في الصباح حملت حقيبتها البسيطة التي احتوت في داخلها على دفترين وقلم ٍ واحدٍ على عكس رشا التي كانت تضع على المقعد أكثر من قلم ٍ وقد تعددت ألوانهم ، وهذا ماكان يُشعرها بالنقص والشرود عن الدرس في بعض الأوقات .

قالت المعلمة : - سأختار الآن ست تلاميذ صوتهم جهوري ، ولايخطئون في القراءة ، سنقدم مسرحية عنوانها – شهيدٌ في عيدِ الأم ِ – أريدكم أن تبرعوا فيما ستقدموه .

ضج الصف بصخب التلاميذ وفرحهم ما عدا روان التي مالت برأسها على المقعد تخفي اختزان الدمع في عينيها ، ورشا التي غادرت المقعد كعادتها كانت أمام طاولة المعلمة تسألها : - من سيدربنا ؟.

استنفرت المعلمة من تدخلها فصرخت في وجهها وعلى مسمع التلاميذ جميعاً :
- لا تتدخلي فيما لايعنيك --- وعودي إلى مكانك .

استشعرت روان من ردة فعل المعلمة فرحا ً كبيرا ً فضغطت على أعصابها وهي ترى رشا تعود إلى مقعدها .

حين عادت إلى مقعدها استشعرتها هذه الإهانة بضعف مكانتها عند المعلمة وتلاميذ الصف على رأسهم روان ، فضمرت في روحها المريضة أمراً فيه من شقاوة الأطفال الانتقام الساذج المؤلم .

بعد الدرس نزل التلاميذ إلى ساحة المدرسة يغمرهم الضجيج في اللعب بعد أن حمل كل واحدٍ ما جادت به يد أمه أو أبيه ، وروان إزاء ماتراه لاتملك من هذا التخصيص سوى القهر والنظر بعين ٍ دافئةٍ كأنها ملاك لايتذوق لسانه أطعمة الصغار ولاحتى ما يأكله الكبار .

كانت قانعة ، وقناعتها تفوق عمرها بسنوات وهذا ما جعلها تمتلك حظوة عند الجميع .

دائما ً تنزوي في وقفتها ، تستمد من جدائل الشمس المنسكبة على جهة الغرب الدفء والسكينة ، وعندما تقترب منها مجموعة من التلاميذ تفتر شفتيها عن ابتسامة رضية وتسايرهم في اللعب " فتحت الوردة--- سكرت الوردة " فتتمنى في قرارة نفسها أن تتحول إلى وردة .

كانت المدرسة منشغلة بالتحضير للحفل المدرسي ومن حظ روان أنها نجحت في الاختبار الذي أجرته المعلمة على تلاميذها ، فأعطتها الدور الأول ، ووعدتها إن نجحت فستمنحها شهادة تفوق ٍ عدا تكريم الإدارة .

من المدرسة إلى الطريق المنكسر حيث يقبع في نهايته ذلك المنزل الفقير، دقت بأطراف أصابعها على الباب، جاءها من الداخل الصوت اليقظ الحنون، "أنا قادمة"، لا شيء يشغل بالها داخل البيت غير إخوتها الصغار وذلك الرجل الوديع المقعد المشلول .

في مثل هذه الظروف القاسية كانت روان تبني أحلام مستقبلها البكر التي أجهضتها حالة أبيها وخدامة أمها داخل قوقعة حزنها الصامت .

قال لها والدها الذي كان ممددا ً على أريكة إسفنجية لصيقة بالأرض : - هيا حاولي الانتهاء من مسح الأرض ، وتعالي كي تعيدي على مسامعي دورك، أريدك أن تتفوقي على الجميع ، فقد رويت لي أطرافي بأداءك .

برقت عينا روان الذابلة بوميض فرح ٍ خفي ٍ ، ذلك الفرح الذي غمرها بتحنانه المفاجىء بنكهته الخاصة الذي افتقدته وما زالت تفتقده .

لم يكن أي واحدٍ من إخوتها يشعر بهمومها المترعة على حوافي أفنان الروح المتكسرة كلّ همهم ينصرف على ما يأتيهم بعد عودة أمهم، يضجون بصوت صراخهم على توزيعه فيما بينهم .

وبعد أن ينام الجميع يسأل الزوج زوجته : - هل بقي ما أسد به رمقي ؟.

بتوجع ٍ ملحوظٍ تجيبه الزوجة التي منحت نفسها فرصة العمل الشريف في منزل ٍ محترم ٍ:

- لقد أخفيت لك حصتك .

- وأنت ِ ؟.

- الحمد لله أكلت هناك .

لقد بدأت الشمس تعتلي كبد السماء ، وروان تستعد في الذهاب، اليوم سيبدأ الاحتفال، اليوم ستحصل على ثقة الجميع وقبل أن تخرج قال لها والدها : -

ستكونين أجمل أم ٍ في حفل اليوم .

أغبطها ذلك الاعتزاز من أبيها ، لكنها لم تفهم ما معنى هدية القلب ، كل الذي عرفته وكانت تحلم به أنها ستحصل على واحدة من أمانيها ، وكم تمنت في قرارة سكونها البريء أن تحصل من الإدارة على مجموعةٍ من أقلام ٍ ملونة ٍ كتلك التي تضعها رشا على المقعد.

قبل أن يبدأ العرض المدرسي بالنشيد القومي تفقدت المعلمة محفظتها عندما أرادت أن تخرج المنديل الأبيض كي تضعه على رأس روان ، لأنها استطاعت وبجدارة أن تقوم بهذا الدور أثناء التدريب .

فسألت روان بعصبية: - هل كان غيرك داخل الصف ؟.

أجابت وملامح البراءة تطفو على وجنتيها : - نعم، قبل قليل كانت معي رشا .

صرخت رشا بجراءة أدهشت المعلمة : - لقد تركتك وحيدة، ونزلت إلى ماما كي أحضر " الصندويش" .

ارتعبت روان من جواب رشا ، أكانت تقصدها ؟ أبهذا الشكل تنكسر الأحلام ؟ دقائق مرت كادت أن تفتك بالأعصاب والأفكار ، وصوت المعلم علاء ينتشل الغرفة من التوتر الذي تحدقت له العيون ، لتتلافى المعلمة الموقف الصعب في أحرج أوقاته ، لن تسمح للفاعل بالسيطرة على الزمن ، فتداركت الموضوع بكلمة : - يلعن الشيطان وساعته، لقد نسيت أني قد أعطيت النقود لأم جميل، هيا --- هيا ياروان لاتشغلى بالك وكوني حريصة على عدم النسيان أو الخوف أو التردد وسأكون معك خلف الستار أساعدك.

في نهاية العرض المسرحي صفق الحضور كثيراً، صفقت المعلمة، تهاطلت دموع القلوب والأطفال يرددون :

وطني وطني وطن العهد
وطني وطني وطن المجد
هيا --- هيا --- يا أطفال
نبني الوطن للأجيال
وطني يكبر بالعمران
وطني يزهر بالوجدان
هيا --- هيا --- يا أطفال

والتصفيق يدوي .

فينهض مدير التربية من مكانه، يتقدم من الأم الصغيرة التي أبكت الحضور جميعهم ،يمدّ يده إليها ويصافحها بحرارة ثم يمسح على شعرها ويمنحها رمز التفوق.

كانت أما ً حقيقية وفرحتها كفرحة الملائكة حين ترفع طفلا ً شهيداً إلى آفاق العلا في جنة الخلود، آخر جملة قالتها: -هديتها أنه حمل اسم شهيدٍ في يوم عيدها .

لعبث الطفولة في غيرةٍ من حقدٍ ماجعلها تفقد ثقة معلمتها وربما أمها ، في طيش ٍ من رعونة التصرف مدت يدها ظنا ً منها أنها ستكون بعيدة كل البعد عن الاشتباه بها ، ومن ستتهم روان لتفقد دورها وحظوتها عند المعلمة وربما الجميع .
ولكن سهوها عن استرداد بقية المبلغ من بائع الحلويات القريب من المدرسة أوقعها في شر أعمالها حين جاء الرجل كي يعيد البقية ، فوجهها مألوف لديه .

لم تكن رشا تحلم بعقوبةٍ كتلك التي ذاقتها من أمها ومن نظرات المعلمة الشديدة القساوة ولم تكن روان تعلم أنها ستحصل على جزء من أحلامها في هذه المحفظة الجميلة ذات الألوان الزاهية مع مجموعة من الأقلام التي وجدتها هي الأخرى داخل محفظة جلدية صغيرة .

جمالٌ ربيعيٌ مزهرٌ تداخلت ألوانه في روحها التي ابتهجت أكثر من كل هذه الأشياء التي حصلت عليها ،( هدية القلب ) هدية القلب كانت تنتظرها، كانت قبلة دافئة شديدة الحرارة من والدها الذي اغتسل وجهه بالدموع وهو يحتضنها ليزهر الفقر .

حسن خليل
28-09-06, 09:14 PM
القصة الثانية والخمسون

ليلى والذئب

بقلم الكاتبة: هنادي زحلوط

قال وهو يضمه ويداعبه "سأحكي لك اليوم حكاية ( ليلى والذئب ) !"

أجاب الطفل وهو يتوغل في أحشائه " لماذا دوما" ( ليلى والذئب ) ؟

" لأنني أحب ليلى , والناس يتحدثون دوما" عمّن يحبونهم , أحبها , أحبها , أحب رداءها الأحمر وبشرتها الحنطية وشرها الغزير , وأحبها لأنها تدافع عن نفسها وعن جدتها عندما يهاجمها الذئب , وأنت ألا تحبها ؟!"

" أنا أحب حلواها اللذيذة !"

ضحك وهو يتناول القصة الممزقة ويحكيها شاردا" حتى يلفظ " وهاجمها الذئب يريد نهش لحمها بأسنانه الكبيرة ! "

يلتفت ليرى وقع المشهد على الطفل فيراه قد أغمض عينيه عنه ونام ربما ككل الناس المتعبين الذين لا يريدون إكمال الحكاية !

في المساء التالي , سأله الطفل " هل مازلت تحبها ؟! "

" نعم , لماذا تسأل ؟! "

" لأنني سمعتك اليوم تقول لصديقك بأنك ستذهب غدا" إلى العاصمة لتراها , يقولون أن العاصمة كبيرة جدا" , فكيف ستجدها ؟! "

ابتسم وهو يجيب بثقة " إنني أعرف أين أخفوها , وسأذهب إلى بابها كي أعتصم أمامه أنا وكل الذين يحبونها "

" وماذا يعني " أن تعتصم " ؟ هل ترفع صوتك عاليا" وتقول لها أحبك , أحبك ؟! "

" كلا , لأنها أصيبت بالطرش لكثرة ما سمعت هذه الكلمة "

"اذن كيف ستقول لها أحبك ؟! "

" سأصمت .. سأصمت !" !

استيقظ في الصباح الباكر , كان هذا اليوم " عيدا" وطنيا" " , ذهب ممسكا" بيد صديقته , وقفا في الساحة تحت الشمس في رتل مستقيم , وقفا طويلا" , وفجأة " وقعت على الأرض وراح الدم يندفع غزيرا" من أنفها وسال على ردائها
" ليلى ,ليلى " لم تسمعه , كان ضجيج الموكب القادم يطغى على صراخه , ركض صوب المديرة وراح يشدها من يدها , فدفعته عنها وضربته بالمقص الذي لم يفارق يدها دون أن ترفع عينيها عن المحافظ الذي يتقدم " مع صحبه " لتعطيه المقص كي يقطع الشريط الأحمر الذي تدلى على باب المدرسة الجديدة بقطر دما" وسط التصفيق والهتاف بحياة الثورة المتجددة !

عندما عاد مضمدا" الى البيت , وجد أباه يرسم ويلون , اندفع صوبه يعانقه ويقبله

" بابا , ما هذه اللوحة ؟ "

" انها لليلى كما رأيتها اليوم "

شرد الطفل وهو يرى فتاة" أحاط بها صيادون مدججون بالسلاح واقتلعوا عينيها ولفوها بالشوك وربطوا يديها وقدميها بالسلاسل الثقيلة وسدوا فمها بالتراب , وسال الدم من جروح جسدها الكثيرة ليغطي عريها !

استيقظ في وسط الليل على قرع الباب , أتى الصيادون تسبقهم جلبة أحذيتهم الثقيلة

" أين أنت يا كلب ؟! "

جروه من فراشه وفتشوا غرفته حتى وجدوا اللوحة فصرخوا " تريد تشويه سمعتها ؟ تريد تشويه سمعتها أليس كذلك ؟!" وراحوا يركلونه ...

" بابا.. بابا " صرخ بطفله قبل أن يغيب " ابحث عن ليلى .. وحدها ليلى تعرف مكاني.. ووحدها ليلى تستطيع أن تعيدني مرة " أخرى .."

ركض الطفل وراءهم باكيا" " ليلى .. ليلى أين أنت ؟! ".. دون أن يسمع سوى عواء الذئب

حسن خليل
28-09-06, 09:18 PM
القصة الثالثة والخمسون

الحصان المسحور
(حكاية قديمة)

بقلم الكاتب: ميخائيل عيد

يحكى أنه عاش في إحدى مدن الشرق رجل ثريٌّ مولع بالخيولِ ولعاً لا حدود له... كان الناس يعرضون عليه خيولهم فإذا أعجبه حصان اشتراه وألحقه بما عنده... وذات يوم جاءه من أخبره بوجود حصان لا مثيل لجماله في إحدى القرى النائية. ذهب الغني وأحد خدمه إلى تلك القرية... أدهشه جمال الحصان فاشتراه وعاد به.

رُبط الحصان في حديقة المنزل إلى شجرة باسقة...

جلس الثري إلى مائدة أُعدت لـه قربه وراح يتأمله...

حين لم يبق أحد من الخدم حوله رأى الحصان يصغر ويصغر ثم رآه يدخل في مزراب صغير تنسكب منه المياه في بركة صافية... كاد صوابه يطير فصاح بأعلى صوته:

- الحصان، الحصان!

أسرع الخدم إليه وسأله أحدهم:

- ماذا جرى للحصان يا سيدي؟

قال الغني:


- لقد صغر وصغر ثم دخل في المزراب هناك...

قال الخادم وهو يشير إلى الحصان:

- المعذرة يا سيدي، الحصان موجود حيث ربطناه.

صاح الثريُّ:

- لقد رأيته بعينيَّ!

قال الخادم:

- وها أنت ذا تراه بعينيك في مكانه... يبدو أنك متعب يا سيدي...
صاح الثريُّ:

-لستُ متعباً، وقد رأيته وأنا بكامل قواي، هيا انصرفوا...

ذهب الخدم إلى أعمالهم وجلس الثري إلى المائدة ونظر إلى الحصان... كانت عينا الحصان واسعتين وجميلتين... ثم ها هو ذا يصغر ويصغر ويدخل في المزراب... دلك الغني عينيه ورش بعض الماء على وجهه... وحين لم يتغير شيء حوله صاح بصوت غريب:

-الحصان، الحصان!

وأسرع الخدم إليه... وتكرر المشهد مراراً... وتكرر الجدال، وخرجت زوجته من القصر ووقفت إلى جانب الخدم محاولة إقناعه بأن ما يقولـه مخالف للمنطق فقال لها:

- أعرف أنه مخالف لكل منطق، لكنني رأيته...

حين قالت له: أنت متعب، وعليك أن ترتاح، ضربها وضرب من وصلت يده إليه من الخدم... وكان على زوجته أن تستدعي الأطباء خوفاً عليه... وقرر الأطباء أنه جُن فأخذوه وهو يقاومهم إلى مشفى المجانين. قيدوا قدميه وربطوا يديه وتركوه على أرض غرفة قذرة.

رآه أحد نزلاء المشفى فحمل كوب ماء إليه وسقاه ثم جلس قربه وواساه ثم سأله عن سبب إحضارهم لـه إلى هذا المكان المخيف فحكى لـه حكاية الحصان فضحك المجنون حتى كاد ينقلب على قفاه ثم قال له:

- أنا، على جنوني، لا أفعل ما فعلت...

سأله الثري:

-كيف؟

قال المجنون:

- ألم تر ما رأيتَ بعينيك، ألم يقتنع عقلك بما رأيت؟

قال الثريُّ:

- أجل....

قال المجنون:

- أتتحمل هذا الأذى كله في سبيل أن تقنع الآخرين بصواب ما رأيتَ، وهو مخالف لمنطقهم... المعذرة، أنتَ أكثر جنوناً مني..

ابتسم المجنون لـه برفق وابتعد عنه وظل الثري في مكانه حتى الصباح..

دخل كبير أطباء المشفى غرفة الثريّ وسلم عليه بإشفاق فسأله الثريُّ مستغرباً:

- من جاء بي إلى هنا يا كبير الأطباء، ولماذا؟

ارتبك كبير الأطباء وغمغم:

- أتوا بك إلى هنا... بسبب، بسبب الحصان..

صاح الثري:

- الحصان، ماذا أصاب الحصان؟

قال كبير الأطباء:

- البارحة كنت تؤكد أنه دخل في المزراب؟

قال الثري:

- هل هذا معقول؟ أأنا أقول هذا؟ أنت تمزح أيُّها الطبيب.

صاح كبير الأطباء مبتهجاً:

- الحمد لله على سلامتك، أيّها السيد... هيا أعيدوه إلى البيت على الفور...

وعاد الثري إلى المنزل... وأعدوا لـه مائدة في الحديقة قرب الحصان والمزراب... وحين ذهب الآخرون نظر إليه الحصان ثم صغر وصغر واختفى في المزراب...

نهض الثري واقترب من المزراب على رؤوس أصابع قدميه ثم همس:


- أخرج، أخرج، لقد رأيتك، وأخاف أن أرفع صوتي فيسمعوني...

حسن خليل
28-09-06, 09:19 PM
القصة الرابعة والخمسون


المهرجان


بقلم الكاتب: خير الدين عبيد



في غرفة رامي، وعلى طاولته الصغيرة، كان يوجد عرس بهيج. فقلم القصب يتراقص، والحروف تنطّ على سطح الورقة كالأرانب، بينما تمايلت المحبرة، حتى كاد مدادها يندلق.

فلوحة الخطّ، التي كتبها رامي، نالت المرتبة الأولى، على مستوى المدرسة.

في غمرة هذا الفرح، قال قلم القصب:

- ما رأيكم يا أصدقائي، أن نقيم مهرجاناً خطابياً؟

رحّبت الحروف والمحبرة والورقة بالفكرة واتخذوا كتاب القراءة منصة.

صعد كلٌ من المحبرة والقلم المنصّة، بينما جلست الأحرف فوق السّطور ممثّلة الجمهور.

افتتح قلم القصب المهرجان بقوله:

- أبنائي الحروف، إنّه ليسعدني، أن تنال لوحة رامي، التي كُتِبَت بي، المرتبة الأولى ويسرّني أن أنتهز هذه الفرصة، لأعطي لمحة عن حياتي.

حكى لي جدّي، أنّ أوّل لقاءٍ له، كان مع الخط الكوفي، غير المنقوط، ثمّ تتالت اللّقاءات مع خطّ الثلث، والرقعة، والدّيواني وبعدها صارت أقلام القصب تكتب الأشعار الحالمة، والقصص الممتعة بخط جميل، كخطّ رامي، الذي نحتفل بفوزه.

وقبل أن أنهي حديثي، لا بدّ أن أشير، إلى أنّ الفضل في كلّ ما صنعته، يعود لصديقتي المحبرة الجالسة بجانبي، فشكراً لها وأرجو من اللّه أن يزيد في مدادها.

تأثّرت المحبرة لكلام صديقها، فبكت، ثمّ تنحنحت وقالت:

- بداية، أشكر أخي وصديقي، القلم القصب، على عواطفه النّبيلة كما أشكر حضوركم، الّذي ينمّ عن تعطّشٍ للعلم والمعرفة.

سأدخل في الموضوع مباشرةً، كي لا أطيل؟

قديماً، كنت وردةً جوريّةً، لا تستغربوا يا أحبّائي، لأنّ الخطّاط جاء وقطفني، ثمّ وضعني في وعاء يحتوي حديداً صدئاً، وصمغاً شجرياً ثمّ غليت بالماء، وتحوّلت إلى حبر، وبعدها، صرت أصنع من مواد مختلفة، أهمّها هباب الفحم.

وختاماً، أعدكم أن أضحّي بآخر قطرةٍ من مدادي، كي تنتشر الثقافة بين النّاس.

صفقّت الحروف بحرارة، وتعانقت على سطح الورقة، مشكّلةً لوحةً فنيّةً رائعة.

حسن خليل
28-09-06, 09:25 PM
القصة الخامسة والخمسون

أعـــواد القصــب

صاح الديك، فتحت حنان عينيها، وتمطّت كقطّة صغيرة.

كانت الساعة تشير إلى السابعة، إنه موعد إعطاء الدواء لأمّها المريضة.

دخلت حنان غرفة أمّها، فوجدتها مستلقية كعادتها، تئنّ وتتوجّع.

- صباح الخير يا أمي.

- صباح النور

- انهضي قليلاً لتشربي الدواء.

حاولت الأم النهوض، فلم تستطع، ساعدتها حنان، فلم تفلح.

حزنت حنان كثيراً أدارت وجهها صوب النافذة، المطلّة على الحديقة، كي تخفي دموعها فلاحظت أصيص الزنبق ذابلاً.

خرجت إلى الحديقة، وجلست قرب أعواد القصب، كانت تبكي، واضعةً كفيّها الصغيرتين على وجهها.

اهتزّ عود القصب بجانبها، وقال بصوت مبحوح:

- اهدئي يا حلوة، عندي فكرة للترويح عن والدتك.

- ما هي؟.

- اقطعي مني ثمانية عقد، واثقبيني ستة ثقوب في طرف، وثقباً في الطرف المقابل.

- لكنّك ستتألمين!

- لا يهم، فقد كانت أمّك تسقيني كلّما عطشت كأحد أطفالها، لذا يجب أن أساعدها. قطعت حنان القصبة، وثقبتها، ثمّ وضعتها بشكل مائل على فمها، وراحت تنفخ.

وما إن حرّكت أصابعها الرشيقة، حتى خرجت من الثقوب أنغام عذبة شجيّة، امتزجت مع زقزقة العصافير، مشكّلة لحناً ساحراً.

توقفت الموسيقا فجأة، على صوت تصفيق ينبعث من النافذة.

نظرت حنان إلى النافذة، فشاهدت أمّها تصفّق باسمة، وبجوارها تفتّحت زنبقتان حمراوان جميلتان.

حسن خليل
30-09-06, 10:53 PM
القصة السادسة والخمسون

الحاكم العادل

بقلم الكاتبة: نجاة حالو

في الدراسة التي أجرتها إحدى المدارس الإعدادية عن مهنة المستقبل لطلابها.. كانت النتيجة:

60% طبيب لأخفف آلام الناس /المهنة الرائجة اقتصادياً/

20% أستاذ مثل مدرّسي فلان لأنه قدوتي ومثلي الأعلى /؟!!/

10% مهندس، وتعددت الاختصاصات /الكل في النهاية موظف دولة/.

9% صيدلي /تاجر يحمل شهادة، عصفوران بحجر/.

واحد فقط قال: أريد أن أكون حاكماً عادلاً..

توقفت لجنة الدراسة عند هذا الواحد!!

بعضهم توقع أنه ابن مسؤول كبير.. وبعضهم الآخر توقع أنه ابن جامع أموال.. أو غاسل أموال.. أو مهرب رحيم يخفف أعباء الناس النفسية بتهريب ما يمتعهم.. ويريحهم من متاعب العقل.

لكن الجميع فوجئ بأن هذا الواحد هو ابن جامع قمامة..! يقوم كل يوم مساءً بتنظيف الشوارع المحيطة بالمدرسة..

وبعد مناقشات طويلة.. ودراسات عديدة حول وضع هذا الطالب ارتأت اللجنة أن تتقصى حاله.. وأحواله بعد أن نسيت الدراسة التي تم تشكيلها لأجلها..

استدعته الإدارة أولاً وانبرت المديرة للسؤال:

- لِمَ تُحب أن تكون حاكماً يا ولدي؟

أجاب الطالب وكان اسمه (منسي): أرجوكِ التصحيح يا سيدتي لا أريد أن أكون حاكماً.. أريد أن أكون حاكماً عادلاً..

- باستغراب: وما الفرق (قالت المديرة)؟.

منسي: الفرق شاسع يا سيدتي.. أي شخص يمكن أن يكون حاكماً لكن لا أحد سيستطيع أن يكون عادلاً.

ارتفعت أصوات اللجنة التي اختلط الأمر عليها وعلت الضحكات المستهزئة.

- هل بإمكان أيّ كان أن يكون حاكماً؟ "قال رئيس اللجنة"

ردد منسي بثقة ويقين.. أجل.. لِمَ الاستغراب؟

- تدخل عضو في اللجنة: يا ولدي لا يستطيع أن يكون حاكماً إلا منْ كان أبوه حاكماً أو كان شخصاً يمتلك مواصفات استثنائية تمكنه من القيام بانقلاب على الحاكم.

ضحك منسي بصفاء وقال بهدوء: كل شخص في هذا الوطن يستطيع امتلاك مواصفات استثنائية...!

-اندفعت المديرة تريد أن تكون موجهة كأم حانية:

- هذا خطأ يا بني.. المميزون نادرون جداً في العالم..

قال منسي وهو يتفرس الوجوه المحيطة به: أنا لم أقل مميزون يا سيدتي.. قلت مَنْ يمتلكون مواصفات استثنائية.

- المديرة: هذه نفس تلك يا بني...

زفر منسي وكأنه أستاذ تعب من الشرح: سيدتي المميز هو مَنْ فاق الجميع بعمل فذ.. والمواصفات الاستثنائية كثير من الناس يدعي امتلاكها ويصدقه الآخرون.. أنتِ مثلاً تمتلكينها (نفخت المديرة صدرها زهواً) تابع منسي: لأنك مديرة في مدرسة فيها أساتذة ومعلمات أكفاء أقدم منك وأكبر سناً.

(احمرّ وجه المديرة ثم أربد)..

تابع منسي: رئيس اللجنة هذا يمتلكها مع أنه أصغر واحد فيها (وقف الرئيس غاضباً)..

تابع منسي: أبو أحمد يمتلكها.. مع أن البلدية خصَّت أبي بشوارع عددها ضعف الشوارع التي خصَّت أبو أحمد بها لتنظيفها، ومع أن أبي موظف قبله بعشرين عاماً على الأقل وهو منضبط في عمله أكثر منه بكثير والأمثلة كثيرة.. أتريدين أن أتابع..

كفى (قالت المديرة).. وأرادت إنهاء المقابلة التي وضح فيها تميز الطالب المنسي /ذي الأعوام الخمسة عشر/ وقدرته على محاورة كبار السن واللعب على الألفاظ، لكن رئيس اللجنة أراد أن يتفوق عليه.

لذا استمهل وهو يسأل: لِمَ تجزم يا منسي أن لا أحد يستطيع أن يكون عادلاً..؟ أنا مثلاً كمدرس وموجه تربوي كنت ولا أزال عادلاً في وضع الدرجات والنقاط..

ضحك منسي بخبث: لهذا أقول لا أحد عادل.. وقبل أن تصل يد رئيس اللجنة إلى الطاولة لتضربها غضباً تابع منسي: إن الكل يعتقد أنه وحده العادل وأن الدنيا بأكملها ظالمة ولا أحد فيها يفهمه..

انبرى أحد المخبرين المدسوسين كعضو في اللجنة مقاطعاً: هل تعتقد أن حاكمنا غير عادل يا ولد..؟؟.

حدق منسيٌّ إليه ملياً قبل أن يجيبه: مَنْ يسأل سؤالاً كهذا هو مَنْ يشكك..؟!

أسقط في يد السائل.. واحمرّ خجلاً..

في اليوم التالي كانت الحادثة قد انتقلت بكل تفاصيلها إلى دار الصحافة مما جعل أحد الصحفيين الباحثين عن عمل يسرع إلى منزل منسي لإجراء حوار صفحي، قال الصحفي: مَنْ زرع في نفسك هذا الأمل يا صديقي.. (وكان يأمل في أن يذكر اسماً مثلاً).

أجاب منسي: أكوام القمامة التي يجمعها أبي..!!

الصحفي (متعجباً).. ماذا؟ كيف؟..

أجاب منسي: أبي يقوم كل يوم بتنظيف قاذورات الناس جميعاً.. يعرف أسرارهم من بقاياهم.. يعرف مَنْ بات جائعاً.. ومَنْ بات متخماً. يعرف في أي البيوت كانت السهرة ماجنةً وأصحابها مسرفين وفي أيها طويت البطون على الكفاف.. يعرف المرتشي.. من المستقيم.. يعرف أن حاكمه /مديره في البلدية سارق ومرتشٍ/.. يعرف المنظم من الفوضوي..

يعرف كل شيء ويعرف معه الصمت، ثم تابع بأسى: لكنه لا يعرف العدل..

إنه في المنزل حاكم متسلط.. غير عادل.. يخص نفسه ببقايا العلب الدسمة.. ويترك لنا الفتات..

أحياناً يخص أمي.. أو أخي الصغير ببعض العطايا.. حسب حاجته ومزاجه ويعتقد أنه عادل.. وأن الآخرين كلهم ظالمون.

إنه بالفعل مظلوم.. فالكل ينظر إلى عمله على أنه أسقط الأعمال مع أنه وبحسبة بسيطة.. لولاه وأمثاله لكانت الأمراض قتلت الجميع.. إنه يخدم الآخرين ويخفف آلامهم أكثر من الطبيب والصيدلي.. ما يحتاجه أبي ليكون كاملاً.. العدل.. فقط العدل.

لم يعد بإمكان الصحفي طرح سؤال آخر.. فسؤاله الوحيد كان جوابه محاضرة كافية وشاملة..

بعد أيام.. كانت الإذاعة على موعد مع منسي لإجراء لقاء إذاعي مطول..

قال المذيع سائلاً بعد مقدمة طويلة شرح فيها للمستمعين ذكاء منسي وسرعة بديهته...

المذيع: يا أخ منسي.. هل تعتقد أن العدل ممكن على الأرض..؟

هرش منسي رأسه بأصابع يده.. وهزه وهو يحاول (تذكر بيت من الشعر قديم.. نسي مؤلفه).

والعدل في الأرض يضحك الجن إن سمعوا به ويستصرخ الأموات.. إن نظروا.

المذيع: هل تعتقد أنك لو صرت حاكماً..!.. تستطيع أن تقيم العدالة..

ضحك منسي بهدوء وهو يجيب: لو قدر لي أن أكون حاكماً.. لغيرت ميزان دائرة الأرض حولي..

- اذا ستفعل..؟

منسي: أجعلك أنت بائع بطاطا.. وأجعل رئيس البلدية صبي حلاق وأجعل رئيس لجنة الدراسة التي أوصلتني إلى هنا قارع طبل.. و..

- المذيع "مقاطعاً" وقد اشتد غيظه: كفى و.. وأنهى البرنامج بموسيقى صاخبة.

اعتذر بعدها للمستمعين عن متابعة الحوار بعطل فني طارئ.!

لم تمضِ أيام.. حتى كان منسي على باب الحاكم مطلوباً للقاء خاص معه.. بعد أن ترك كل ما لديه من أعمال واجتماعات قومية ووطنية لصالح الشعب /كان الله في عونه/ وقرر استقبال منسي.. قال الحاكم وهو يمد يده مصافحاً:

- لقد سمعت عنك كثيراً يا ولدي..

- أجاب منسي دون أن يرفع نظره: الحاكم المقتدر يسمع دبيب النملة في مملكته..

- الحاكم: أنت ولد مميز يا منسي..

- منسي: لست مميزاً يا سيدي.. إني فقط صادق.

- ابتسم الحاكم بإعجاب: وهذه ميزة كبرى يا ابني.

- زفر منسي بقهر مخزون: لكنها لا تعجب أحداً يا سيدي.

- همهم الحاكم متقرباً: تعجبني أنا يا ولدي.. ليت شعبي كله على شاكلتك.

- منسي: هذا ليس في صالحك يا سيدي..

- الحاكم "ضاحكاً وقد ابتلعها": هل تعتقد أن هناك مَنْ يصلح أكثر مني لقيادة هذا الشعب يا منسي..؟

- منسي بصدق ودون أن يرفع رأسه: أجل يا سيدي.

- احمرّ وجه الحاكم.. لكنه تمالك أعصابه وهو يضغط على أسنانه..: مَنْ يا منسي..؟

- رفع منسي وجهه ليلاقي وجه الحاكم الضاغط على شفتيه: الحذاء يا سيدي..!

- ضحك الحاكم بجلجلة.. فقد فطن للمزحة /إنه لم يكن إنساناً عادياً أبداً/.

- قال وهو يضع يده على كتف منسي بلطف متماشياً معه في مزحته: على الرأس أم في القدم يا منسي..؟

-منسي ببديهة حاضرة أبداً: الحذاء المناسب في القدم.. يقيها من التشوهات وعلى الرأس يا سيدي يصلح تشوهات الدماغ.

- فكر الحاكم لحظة ثم سأل وقد وضح إعجابه بمنسي: هل تقبل أن تكون مستشاري يا بني..؟؟

- انتفض منسي..: لا.. لا يا سيدي.. الآن لا..

- الحاكم متعجباً: لِمَ يا منسي؟

- منسي: لأني لن أكون عادلاً بنظر أحد يا سيدي.

- الحاكم:. وبنظر نفسك؟

- منسي: أنا مواطن مقهور يا سيدي وكل مقهور يرى العدل كاملاً بإزالة قهره.. ثم إن كل شخص يعتقد نفسه العادل الوحيد على الأرض..

- الحاكم: لنتخيل أنك صرت الحاكم بدلاً مني ما الذي ستفعله أولاً؟.

- منسي: أولاً.. أقيل رئيس الحكومة وأعين بدلاً عنه أبي لأنه يعرف مشكلات الناس أكثر منه.. وبالتالي سيرسل أبي كل وزرائك وحاشيتك إلى بيوتهم على أحسن تقدير..!

وسيشكل وزارة جديدة كلها من جامعي القمامة لأنهم جميعاً قادرون على القيام بأعمال مفيدة..

وهذا.. على ما أعتقد سيثير نقمة الشعب بأكمله.

- الحاكم: ما دمت تعرف أنه سيثير النقمة لِمَ تقوم به..؟

- منسي: إن الشعب بحاجة إلى تغيير جذري.. حتى ينهي موته يا سيدي بحاجة إلى مَنْ يصفعه..

- الحاكم: لكن الجميع لن يفهم الأمر هكذا.. سيعتقدون، أنك لا تهتم إلا لأقربائك ومعارفك.

- منسي متفرساً في الوجوه التي حوله.. هل تعتقد أن أحداً يفعل غير هذا يا سيدي..؟

- الحاكم ضاحكاً: لن تكون بهذا حاكماً عادلاً يا منسي..

- نظر منسي إلى القصر الفخم وإلى الجدران الممتلئة إلى الأسقف المثقلة.. نقل بصره إلى وجوه المحيطين بالحاكم، إلى بطونهم المنتفخة.. وعيونهم الناعسة.. وإلى ياقاتهم وثيابهم المنشاة.. تفرس في وجه الحاكم هذه المرة دون أن يزيح عينيه عنه... زفر بحزن مسكون في الأضلع: كان حلماً يا سيدي.. أنا لن أكون حتى حاكماً في يوم منسي كاسمي فأبي ليس بالحاكم.. وأنا لا أملك مواصفات استثنائيه.. يا سيدي!

رمح الإسلام
01-10-06, 11:50 AM
قصص حلوة

حسن خليل
01-10-06, 12:00 PM
قصص حلوة

أشكركم أخي رمح الاسلام على المرور لهذه القصص والتعليق الجميل عليها.

تقبل احترامي وتقديري.

أخوكم

حسن خليل

حسن خليل
07-10-06, 07:01 PM
القصة السابعة والخمسون

لعبة مسلية

بقلم الكاتبة: حنان درويش

في إحدى ليالي الصيف المقمرة، وبينما كان القمر بدراً يسطع، فيغمر نوره الكون... قرّر أفراد الأسرة مجتمعين السهر على سطح الدار، كما اعتادوا أن يفعلوا في مثل هذه الليالي.

طوت خولة البساط المخصّص للجلوس فوق السطح. أخوها أحمد فعل مثلها، وشارك في نقل الوسائد الصغيرة. الأم والأب أعدا العشاء ورتّبا أمور المائدة.. أما الجدّة، فلم يكن بمقدورها أن تحمل سوى طبق القش الذي باشرت بجدل عيدانه، وتنسيق ألوانه.

هرة البيت الأليفة كانت على مقربة من أفراد الأسرة تلهو بكرة صوفية بيضاء.

حالما انتهى الجميع من تناول العشاء... قال أحمد:

- الحمد للَّه.. لقد شبعت.

- هذا غير معقول.. إنّك لا تشبع على الإطلاق.

قالت الجدّة ضاحكة.. فضحك الجميع.

اقترح الأب على والدته وزوجته وولديه أن يقوموا بلعبة مسلية.

- ماذا بوّدكم أن تلعبوا؟...

سألت الأم.

احتار الجميع.. تبادلوا النظرات... ابتسم القمر وهو يسمع كلامهم ثم قال:

- ما رأيكم... لو راح كلّ منكم يشبّهني بشئ يحبّه، ومن يعجبني تشبيهه سأكافئه بهديّة لطيفة..

وافق الكبار والصغار على اقتراح القمر، وكانوا جميعاً فرحين لأنّه يحادثهم ويراهم.

صاحت خولة:

- سأبدأ أنا أوّلا..

أجابها أحمد:

- لا.. لا.. أنا أوّ لاً.

- موافقون.

هتف الجميع

قالت الجدة:

- طبق القش الملوّن الذي أصنعه، سيكبر، ويكتمل ويصبح كاستدارتك أيّها القمر.

قال الأب:

-مقود سيارتي الذي تلامسه يداي كلّ يوم بحبّ وحنان يشبهك أيّها القمر.

قالت الأم:

- كعكة العيد التي تصنعها أصابعي بمهارة، قريبة من شكلك أيها القمر.

قالت خولة:

- وجه لعبتي الجميل مثل وجهك أيها القمر.

قال أحمد:

- إنَّك كالرغيف المقمّر اللذيذ.. هم.. هم.. أيّها القمر.

قفزت الهرة وماءت..

- مياو.. مياو.. ها هي كرتي الصوفيّة البيضاء أمامي، ولا تختلف عنك أيّها القمر.

ابتسم القمر، وقد بدت على وجهه علامات الحبور والسعادة:

- لقد أعجبني كلّ ما قلتموه.. ولذا سأكافئكم جميعاً، بأن أزوركم من وقت لآخر، لنلعب اللعبة نفسها.. ولكن ضعوا في حسبانكم، أن شكلي لن يبقى على حاله.. وإنّما سيتغير عندما أدخل مراحل جديدة.

حسن خليل
07-10-06, 07:04 PM
القصة الثامنة والخمسون


الدجاجة الشجاعة


جاءت الدجاجة إلى جارها الديك باكية، شاكية، تخبره بأنّ الحدأة تستغلّ ضعفها كدجاجة وحيدة لاعون لها، وتنقضّ على صيصانها الصغيرة، مختطفة صوصاً كلّ يوم.

انزعج الديك من الحال، وانتصب عرفه غضباً وهو يصيح:

- كوكو.. كوكو.. سآتيكِ غداً في الموعد الذي تُقبل فيه الحدأه لتخطف صوصك.

- وماذا ستفعل؟

- سأوقفها عند حدّها، وأضع نهاية لأعمالها العدوانيّة.. لاتخافي.

ارتاحت الدجاجة لكلام الديك، ولموقفه الإنساني الجميل، وانصرفت تُؤمّل نفسها بالخلاص من الظلم الواقع عليها.

في اليوم التالي.. انتظرت الدجاجة قدوم الديك، لكنّه لم يأتِ بسبب مرض مفاجئ ألمَّ به، فوجدت نفسها وحيدة من جديد في مواجهة الحدأة التي انقضّت على الصيصان لتخطف واحداً منها.

في هذه الأثناء، قرّرت الدجاجة الدفاع عن صغارها بنفسها دون معونة من أحد.. وبعد كرّ وفرّ، وبعد عراك دام وقتاً طويلاً، استطاعت الدجاجة أن تفقأ عيني الحدأة، وتحرمها من نور عينيها، لكنّها في الوقت نفسه سقطت ميّتةً، ونجا الصغار.

حسن خليل
07-10-06, 07:06 PM
القصة التاسعة والخمسون

أضمومة ورد


بينما كان المعلّم العجوز الذي أُحيل إلى التقاعد منذ سنين طويلة جالساً وحيداً حزيناً يفكّر في رحلة العمر التي قضاها في سلك التعليم، حيث أعطى خلالها جهده وشبابه ونور عينه لتنشئة الأجيال وتعليمهم، طُرق بابُ داره... هتف من الداخل بصوت ضعيف:

- من؟

- نحن أستاذ.

فتح الباب، وإذا به وجهاً لوجه أمام عدد من الرجال يلقون التحية واحداً واحداً.
قال:

- من أنتم؟.. تفضّلوا

أجاب أحدهم:

- نحن جماعة من تلاميذك القدامى، تذكرناك في هذا اليوم "يوم المعلم العربي"، وجئنا نتفقّد أحوالك، لما لك علينا من فضل كبير.

ابتسم العجوز. رحّب بضيوفه، بينما دمعتان سخيّتان تترقرقان في عينيه.
عرّف الرجالُ بأنفسهم ومهنهم الحالية..

قال الأول:

- أنا محمّد... أعمل طبيب أسنان.

قال الثاني:

- أنا توفيق... أعمل مهندساً

قال الثالث:

- أنا جميل... أعمل تاجراً.

قال الرابع:

- أنا سعيد... أعمل موظّفاً في إحدى الشركات.

انفرجت أسارير المعلّم، وأحسّ أن الدنيا تضحك له من جديد، لأن ما قدّمه لم يضع سدى.

أخذ من بين يدي تلاميذه أضمومة الورد التي أحضروها، فرأى الفل والقرنفل والياسمين والزنابق، كأنّها تغني وتقول:

"كل عام وأنت بخير يا مربيّ الأجيال".

حسن خليل
07-10-06, 07:11 PM
القصة الستون

رنده تصبح كاتبة

رنده طفلة ذكيّة مهذّبة وشاطرة.. كلّ يوم وحين تعود من مدرستها ظهراً، تساعد أمّها في أعمال المنزل، وتحضّر دروسها، ثم تجلس للمطالعة.

موضوع التعبير الذي أعطتهم إيّاه المعلّمة البارحة كان يقول:

"اكتب موضوعاً إنشائيّاً تتحدّث فيه عما تريد أن تصبح في المستقبل".

كتبت رنده أشياء جميلة في هذا المجال.. قالت إنّها تحبّ أن تغدو كاتبة مهمّة، معروفة.

قرأت رنده موضوعها أمام زميلاتها وزملائها في الصف.

أُعجبت المعلّمة بأسلوبها الجميل، وعباراتها الرشيقة، وإلقائها الجيد... قالت لها:

- أُهنئك على هذا يا رنده، وأتمنّى أن تَصِلي إلى ما تريدين.

فرحت رنده بعبارات المعلّمة وبقيت تسائل نفسها:

- ولكن كيف يتحققّ حلمي؟.

نامت رنده، وفي المنام رأت نفسها أديبة كبيرة تقف أمام حشد من الناس، وتلقي ما كتبت، بينما الأصابع تشير إليها بإعجاب:

- انظروا... إنّها الكاتبة "رنده سالم".. هذا ما شاهدته في الحلم.. وعندما استيقظت كانت سعيدة، وحكت لأمها كلّ شيء.

سُرّت الأم.. شجعّت ابنتها قائلة:

- لا بأس عليكِ يا ابنتي.. إن الكتابة هواية رائعة... ولكن عليك بالمطالعة المستمرة.. إقرئي كلّ ما هو مفيد وممتع، وعندما تشعرين أنّك بحاجة للتعبير عما يجول في ذهنك، انهضي إلى دفترك، واكتبي عليه.

استمرّت رنده تقرأ في أوقات فراغها كلّ ما تختاره لها أمها من كتب وقصص علميّة وتاريخيّة وأدبيّة، وعندما تشعر بالرغبة في التعبير عن شيء ما، كانت تركض إلى دفترها الخاص، وتسجل فيه ما تشاء.

أسلوبها راح يتحسّن، وعباراتها الجميلة تلفت نظر المعلّمة التي باتت تعتبرها من الأوائل.. فتخاطب التلاميذ بين الحين والحين:

- افعلوا مثل رنده.. نمّوا هواياتكم بالمثابرة والجدّ والاهتمام.

بعد عام.. كان دفتر رنده الخاص قد مُلئ بالكتابة من أوّله إلى آخره، فاقتنت واحداً آخر، وصارت تخطّ فوق سطوره أشعارها وقصصها وخواطرها.

زميلتها "منال" كانت تحبّها، وتطلب منها على الدوام أن تعلّمها كيف تكتب بهذا الأسلوب الجميل... وكانت رنده تجيب:

- الأمر ليس تعلّماً فقط.. إنّه هواية قبل كلّ شيء.. فهل هوايتك هي الكتابة؟.

- لا أنا أحبّ الرسم.

- حسناً بالجدّ والمتابعة تصبحين رسّامة ممتازة.

وأنت يا أحمد -التفت إلى زميلها- قائلة:

- ستغدو عازفاً ممتازاً لو اهتممت بعزفك على العود، ونميّت موهبتك.. وكذلك سمير "زميلك" بإذن اللَّه سيصبح لاعب كرة مشهوراً، لأنه يتدّرب يومياً.

كانت رندة سعيدة لأنّها سمعت نصيحة أمّها ومعلّمتها، ولأنّها رأت نتيجة التزامها بأقوال من هم أكبر منها... فقد غدت فيما بعد من الكاتبات الشهيرات، تنشر في الصحف والمجلاّت، ويقرأ الناس قصصها وأشعارها، ويفتخر بها أهلها وجيرانها، وأبناء بلدها... قال لها أبوها رافعاً رأسه

- بارك اللَّه بك يا رنده.. لقد أصبحت عنصراً فعّالاً في المجتمع.

حسن خليل
07-10-06, 07:22 PM
القصة الواحدة والستون

بـحيرة الأزهار

بقلم الكاتب: آصـف عبد الله

أحسَّتْ "عُلا" بالضِّيق، فالانتظار صَعْبٌ وقاسٍ، كانت تنظر من زجاج النّافذة إلى باب الحديقة؛ لعلّه يُفْتَحُ وترى أباها قد عاد من السَّفر!

كانت كلّ دقيقة تمضي ببطء بالغ، قالت لها أمُّها:

ـ "ما بك، تبدين منزعجة".. أهكذا تستقبلين والدك؟!!"..

ارتاحت لكلام أمّها، ثم نظرتْ حولها في أرجاء الغرفة، خطرت لها فكرة؛ جرت مسرعة لتنفيذها، قالت في نفسها: "سأجمع طاقة من أزهار المرج الجميلة… أضعها في إناء على طاولة والدي؟..".

خرجت "عُلا" بعد أنْ أخبرتْ أمّها، كانت الأزهار البيضاء تبدو مثل بحيرة من الثلج النّاصع! خفق قلبُ "عُلا" بفرحٍ وهي تقترب من المرج، شدّها هذا المنظر الرائع.. صارت الأزهار واضحة أمام "عُلا" كانت تتلألأ كعقد من اللؤلؤ!! خطرت أفكار كثيرة في ذهن "عُلا":

ـ "سأجعلها تظهر مثل كرةٍ جميلة من الأزهار"..

"سيفرح بها أبي كثيراً… سأصنع منها عقداً.. عقداً من الزّهر وأطوّق بها عنق أبي".

وقفت "عُلا" بجانب أزهار المرج.. كانت أزهار كثيرة متفرقة تحيط مكان وقوفها! جلست لتقطف بعضها… وحين مدّت يدها لتقطف أول زهرة رأت زهرة أخرى أكبر وأجمل.. قالت:

ـ "تلك الزّهرة أجمل من هذه…".

ثمّ نهضت ودنت من الزّهرة الثّانية، لكنها لم تقطفها لأنّها شاهدت أجمل منها أيضاً.. وهكذا كانت تمضي من زهرة إلى أخرى!! تعبت ولم تقطفْ أيّ زهرة! هاهي عند الطرف الغربي من بحيرة الأزهار، ألقتْ نظرةً طويلة عليها، كانت عيناها تلمعان بفرح واضح.. رأت الأزهار أجمل من قبل.. نَقّلَتْ عينيها فيما حولها، وعادت تحدّق في بحيرة الأزهار، كلّمت نفسها بصوت واضح:

ـ "هذه الأزهار مثل الأسماك ستموت إذا خرجت مِنْ مرجها"..

عادت "عُلا" دون أن تقطف أيّة زهرة… وبينما كانت تمشي في طريق العودة؛ أدهشتها رؤية الأزهار البيضاء الجميلة على طول الطّريق.. رأَتْها "عُلا" وكأنّها تمشي خلفها!! كانت مسرورة جداً وتساءلت: "هل تمشي الأزهار حقّاً؟!"..

gr__motaz
08-10-06, 02:46 AM
قصص الاطفال يحب أن تهتم بالعمر حيث أن هنالك أربع فئات عمرية تهتم بالادب حسب تعريف الكاتب أحمد نجيب قى كتابه أدب الاطفال والاربع فئات هى
1- الفئة الاولى من 3 - 5 وهذه الفئة تستجيب للحركات والايمائات المباشرة والحيواناتويفضل عدم ادراج الرموز أو الكلمات الصعبة [من أمثلة القصص قصة لا تبردي يا قطتي
بقلم الكاتبة: لينا كيلاني].
2- الفئة الثانية: من 5-9 وهذه الفئة تهتم بكل ماهو غريب والمغامرات ويهتمون جداً بالطرائف
(ومن أمثلتها قصص المغامرين الخمسة - قصص جحا )
الفئة الثالثة من سن 9- 12 سنة وهذه الفئة تهتم بالاكتشافات والمغامرات الاكثر حركة وعنف
واكتشاف العالم (من أمثلتها 80 يوم حول العالم لجول فيرن - 2000فرسخ تحت الماء لجول فيرن)
الفئة الرابعة : من سن 12-18
بداية الشعور بالتغير فى الجسد والفضول للجنس الاخر ومعرفة كل شئ عنه
وعلى هذه المقدمة المملة وأتمنى ألا أكون أطلت
أن قصة لينا كيلانى بها الفاظ غريبة مثل بعد أن تفطمها وهذا لا يلائم سن القصة
فى حين أن قصة "ألحان النسمة الصغيرة الباردة !!"بقلم الكاتب: جبير المليحان
فى غاية الجمال حيث أنها تخاطب الكبير والصغير وجسدت فكرة باسلوب بسيط ممتع فاعتقدنا بحياة النسمة فعلا واتمنى من اخ حسن خليل أن يهتم بكل النوعيات وأتمنى أن تصنفها أيضا وشكرا

حسن خليل
08-10-06, 12:18 PM
أشكركم أخي الفاضل على اهتمامكم وكتابتكم هذا التوضيح بخصوص الأعمار المناسبة للأطفال.

لكن هذه القصص التي أوردتها للأطفال ليست لعمر معين بحد ذاته وهي متنوعة.

أما عن التصنيف فأشكرك على الاقتراح الهادف، لكني لا أرى ضرورة لذلك، وقد نقوم بذلك مستقبلاً.

واختلاف وجهة النظر لا تفسد للود قضية.

تقبل احترامي وتقديري

حسن خليل
13-10-06, 09:05 PM
القصة الثانية والستون

الفأر يحلّ المشكلة

سار الخروف في المزرعة يلهو ويلعب ويتنقّل من مكان إلى مكان، جارّاً وراءه حبله المربوط بعنقه، وبينما هو في حالته تلك، وإذا بالحبل يعلق في جذع شجرة.

شدّ الخروف الحبل فلم يستطع الإفلات، وصار كلّما دار حول الجذع محاولاً تخليص نفسه، قصر الحبل، وازدادت الأمور تعقيداً.. صاح الخروف مستغيثاً:

- ماع.. ماع.. أيّها الحصان.. أيّتها البقرة.. أيّها الكلب الصديق.. تعالوا إليّ.. أنقذوني.

جاء الحصان وأمسك بالحبل، وصار يشدّ. أقبل الكلب ينبح ملبيّاً النداء، وصار يشدّ. قدمت البقرة متثاقلة، متسائلة:

- ماذا حلّ بالخروف؟.

وعندما عرفت الخبر، بادرت إلى تقديم مساعدتها وصارت تشد.

كلّ الحيوانات القوية لم تبخل ببذل الجهد.. لكن دون فائدة.

خرج الفأر الصغير من وكره مستطلعاً الخبر.. قال:

- ما هذه الجلبة؟.

قالوا:

- إنّ الحبل المربوط إلى عنق الخروف قد لُفَّ حول جذع الشجرة، ولم تستطع عضلاتنا القوية قطعه.

أجاب الفأر:

- أنا أحلّ المشكلة.

قهقه الجميع باستخفاف:

- ها.. ها.. ها.. أنتَ؟ ..أنتَ؟..

ابتسم الفأر، ثم قفز إلى الحبل يقرضه بأسنانه.

وبعد لحظات كان الخروف يسير برفقة الحصان والبقرة والكلب، عائداً إلى المزرعة.

حسن خليل
13-10-06, 09:08 PM
القصة الثالثة والستون

وفاء كلب

خرج قطيع الأغنام من القرية في الصباح الباكر قبل صياح الديكة. انطلق وسط البراري الواسعة والأراضي الخضراء وراح يرعى، وهو مطمئن البال، هادئ الطبع. فقد سمع صاحبه يقول للراعي قبل الإنطلاق:

- هذا القطيع أمانة في عنقك يا حسن.. لا تغمض عينيك عنه، ولا تغفل عن مراقبته.

- لا تقلق يا سيدي.. فأنا سأهتم به، وأرعاه، وأحافظ عليه محافظتي على نفسي.

أجاب حسن، ثم راح يصغي إلى تتمّة كلام الرجل:

- وأنتَ أيّها الكلب الطيب.. وصيّتي أيضاً موجّهة إليك.

هزّ الكلب رأسه بالموافقة.. لكنّ فكرة ما كانت تراوده منذ زمن، وتلحّ عليه بالهروب، وترك العمل.. قال في نفسه:

- لقد تعبت.. تعبت جداً، وآن لي أن أرتاح، في المرعى.. كان كل شيء حسناً وبديعاً.. السماء صافية. الماء عذب. العشب وفير، والخراف سعيدة بعد أن أخذت كفايتها من الكلأ والماء، وبعد أن أطمأنّت على وضعها... فالراعي يهتمّ بها، والكلب يحرسها، ولا خوف عليها أبداً.. لكنّ الكلب كان في حال غير طبيعية.. فعندما انتصف النهار، وصارت الشمس في قبة السماء، عاد يحدّث نفسه:

- أنا نعسان.. أريد أن أنام.. لقد أتعبوني بالحراسة والسهر.

غافل الكلب الراعي، وانطلق يعدو إلى مكان فيه شجر كثيف.

- الجوّ هنا لطيف، ومناسب للقيلولة.. يا سلام!

تحت أغصان شجرة كبيرة استلقى، أغمض عينيه وراح يحلم بالأيام القادمة التي سيغدو فيها طليقاً دون أوامر، ودون مراقبة من أحد، ودون عمل يتعبه.

ساعة. ساعتان. خمس ساعات.. الكلب لم يرجع.. قلق الراعي عليه قلقاً كبيراً... حزن لغيابه، وأخذ يفتّش هنا وهناك.. هتف في كلّ مكان:

- أيّها الكلب.. يا صديقي، ورفيق عمري.. تعال أنا بحاجة إليك.

عندما استيقظ الكلب من نومه، كانت الشمس قد غابت، والعتمة تغلغلت في المرعى شيئاً فشيئاً.. قال:

- عو.. عو.. لن أعود إلى الحراسة بعد اليوم، ليحضروا كلباً سواي إن أرادوا، أو تعتمد الخراف على نفسها في الذهاب وفي الإياب.. لقد أصبحت عجوزاً، ولا قدرة لي على العمل.

من قلب الليل.. من سكونه المخيف، خرج الذئب يتسللّ كالعادة، يفتّش عن "دجاجة حرش" أو عن "أرنب بريّ" أو عن أيّ صيد يملأ به معدته الخاوية.

- ماذا أرى؟... إنّه قطيع غنم بكامله! يا لسعادتي!

اقترب الذئب من القطيع كاللص. مشى بحذر وحيطة شديدين، كي يستطلع الوضع، ويعرف كيف يتصرف.

وعندما تأكّد من عدم وجود الكلب برفقة الخراف، قهقه عالياً، ثم انقضّ عليها بشراسة، مصدراً صوتاً أفزعها:

- سأكتفي اليوم بهذا الحمل الصغير، وسأعود غداً.

بين لحظة وأخرى كان الذئب يعدو وفي فمه الحمل، بينما الخراف تطلق ثغاء خائفاً يملأ المكان.

نهض الكلب من رقدته.. هب ينبح:

- عو.. عو.. إنّه صوت الأغنام.. ماذا جرى؟!.. ماذا هناك؟!..

ودون أن يفكّر بما قررّه من قبل، انطلق صوب القطيع، وهو يكاد يسابق الريح.

حسن خليل
13-10-06, 09:10 PM
القصة الرابعة والستون

لمـسة حـنان

بقلم الكاتب: سامي محمود طه

البيت مرتب نظيف، يتوزع في أرجائه أثاث أنيق.. وعابد ذو السنوات السبع يجلس منزوياً على إحدى الكنبات المواجهة لجهاز التلفاز.. على الطاولة أمامه مجموعة أجهزة تحكم آلي.. جهاز تحكم بالتلفاز، وجهاز تحكم بالمكيف، وجهاز تحكم بستائر البيت وجهاز تحكم بألعابه الإلكترونية.. ويقف إلى جواره مطيع، فهل تعلمون من هو مطيع؟! مطيع هو رجل آلي (روبوت) أكثر الأجهزة طاعة وتنظيماً. اشتراه أبو عابد الذي يمضي أكثر وقته مسافراً بسبب ارتباطه بأعمال تجارية في بلد بعيد.. وأم عابد هي الأخرى، طبيبة مشهورة تمضي أكثر وقتها في ممارسة مهنة الطب، وحضور ندوات، وحالات تستدعي حضورها.. وعابد!

قال مرة لأبيه: أريدك إلى جانبي لتعلمني ممارسة الألعاب الإلكترونية.

فقال أبوه: بسيطة

قال عابد: أريدك إلى جانبي لأستفيد من علمك

فقال أبوه: بسيطة

قال عابد: أريدك إلى جانبي لأستمتع برؤيتك

قال أبوه: وهذه أيضاً بسيطة!

ثم قال عابد لأمه: أريد أن تقدمي لي الطعام الشهي، والحلوى.

قالت أمه: لك ما شئت من أطايب الطعام والشراب والحلوى.

قال: وأريدك أن تبقي إلى جواري لتغني لي وتقصّي على مسامعي حكاياتك الجميلة قبل أن أنام.

قالت أمه: ولك هذا أيضاً. فرح عابد كثيراً، فقد نال وعوداً بتنفيذ كل أمنياته..

لكنه فوجئ بعد أيام قليلة وهو يرى صندوقاً كرتونياً كبيراً يُحمل إلى داخل البيت، ويُفتح فيتَبدّى فيه رجل آلي له هيكل البشر.. يتحرك ماشياً بخطوات منتظمة.. وأكثر من ذلك فقد اكتشف عابد أن هذا الرجل الآلي له قدرة على النطق والمحادثة.. إنما بكلمات متقطعة.

قال أبو عابد وأم عابد: هذا مطيع.. كل ما يطلب منه يلبّى. يعلمك ممارسة الألعاب الإلكترونية، ويريك صور من تحب، حين تريد. وهو مبرمج بحيث يوقظك صباحاً ويمضي إلى المطبخ فيعد لك الوجبات الشهية.. وينظف البيت، ويذكرك بمواعيد الدراسة واللعب.. ويقيس حرارتك كل يوم للاطمئنان على صحتك.. ويقص على مسامعك حكايات شيقة في مواعيد محددة. ويسمعك إذا شئت أغنيات مسجلة، ويجيب على أية أسئلة تطرحها.. باختصار إنه خادمك الأمين يا ولدي.. سيساعدك على تحمل غيابنا عنك..

سُرّ عابد كثيراً بهذا الخادم الأمين.

صباح اليوم التالي سافر أبو عابد.. وعادت أم عابد تمضي معظم وقتها بعيداً عن ساعات عمر ولدها.

بداية:

أخذ عابد يصدر أوامره، فينفذها مطيع في الحال.. ضحك كثيراً لحديث الرجل الآلي الذي كان ينطق كلمة كلمة.. وأعد مطيع وجبات طعام شهية ثم وقف إلى جانب الطاولة بانتظار أن يفرغ عابد من طعامه ليعيد تنظيف الأواني وترتيبها. مرة، دعاه عابد ليشاركه طعامه فرد مطيع: لا شكراً -سيدي- أنا- أتناول- كل سنة وجبة- واحدة" ضحك عابد لهذا الرد.. وهزّ رأسه ساخراً. فأيّ رجل يبقى دون طعام سنة كاملة؟!

بعد مضي أيام.. إسبوع.. بدأ الضجر يتسلّل إلى نفس عابد.. وأخذ يمقت وجود مطيع، ويحاول إجهاده بإصدار أوامر لا جدوى منها.. ومطيع ينفذ كل الأوامر ومرة ركض عابد باتجاه مطيع أخذ يركله برجله.. وبقي مطيع جامداً لا يتحرك. رنّ جرس الهاتف.. أسرع عابد يرد، كان على الطرف الآخر والده.

سأله: الأب مالي أسمع صوتك حزيناً.. هل يقصر مطيع في خدمتك؟

عابد: لا.. إنه ينفذ كل ما أطلب.

الأب: إذاً ما الذي يحزنك؟

عابد: لا أريد مطيعاً.. أريد أبي.. مطيع ليس أبي.. أريده أن يقبلني ويمسح على وجهي بعطف وحب..

الأب: فهمت.. أعدك أن أختصر أسفاري وأمضي بين حين وآخر وقتاً طويلاً إلى جوارك.. إلى اللقاء يا ولدي.. وبعدها رن جرس الهاتف أيضاً.. كانت على الطرف الآخر أم عابد..

قالت الأم: عابد حبيبي.. هل تتمنى شيئاً يعجز عنه مطيع؟ إنه مبرمج لتلبية كافة رغباتك.. رد عابد بحزن أجل يا أمي.. أتمنى أن أغفو ويدك تداعب شعري، أتمنى لمسة حنانك التي اشتقت لها كثيراً. مطيع ليس أمي.. أريد أمي.

قالت أم عابد: ولدي الحبيب.. لا تحزن أرجوك.. أعدك أن أعطيك من وقتي زمناً أكبر أمضيه إلى جوارك.. سامحني يا حبيبي..

وضع عابد سماعة الهاتف مكانها.. أحس بفرح كبير لأنه نال هذه المرة وعوداً أكبر.. إنه بلا شك يحب مطيعاً.. لكنه الآن يجلس منتظراً أن ينال ما عجز عن تقديمه خادمه الأمين.. مطيع..!!!؟!

حسن خليل
13-10-06, 09:14 PM
القصة الخامسة والستون

سالم.. وبـلاد العباقرة

"ما أقسى أن يتألم الذين نحبهم، ونحن عاجزون عن تقديم ما يخفف آلامهم" ردّد الولد سالم هذه العبارة، ودموع حزن تغادر عينيه.. تمشَّى مبتعداً عن بيت أهله، حيث يرقد والده مريضاً يئن من الألم.. لقد حضر أكثر من طبيب لمعالجته.. قدّموا النصح والأدوية ولا جدوى.. اجتمع إلى جواره الأهل والأقارب.. وما يزيد الأمر سوءاً بكاؤهم عند سريره.. أبو سالم يتألم، وسالم يتمنّى لو يقاسم والده آلامه ومرضه.. إنما الأمنيات أمر، وتحقيقها أمر آخر.. بين خواطره وأمنياته غاب سالم في شرود.. وما أفاق من شروده إلا عند مشارف الغابة المجاورة.. كان الوقت غروب الشمس.. والغابة المكونة من عشرات أشجار السنديان المتماسكة بدأت تخلع ثوب النهار لترتدي حلة الليل السوداء..

فجأة بدا لسالم أمر غريب مدهش.. رأى إبهاراً نورانياً عند مشارف الغابة.. خاف.. أراد أن يصدر لساقيه أمر الهروب بعيداً. إلا أنه فوجئ بمخلوقين غريبي الشكل يقفان أمامه، لكل منهما قامة قصيرة لا تتجاوز المتر تقريباً. ورأس كل منهما خالٍ من الشعر تماماً، وملامحهما تكاد تتطابق.. ويغطي جسد كل منهما ثوب أخضر.. لم يعرف سالم الخوف كما عرفه حينها. حتى إنه بدا عاجزاً عن الحراك والبكاء والكلام. صدر عن أحدهما ما يشبه الكلام، إنما بسرعة كبيرة جداً، لم يتسنّ لسالم معها فهم أي كلمة فلم يرد.. عندها أدرك أحد المخلوقين السر، وبسرعة كبيرة غاب ثم عاد، ومعه جهاز صغير جداً.. وعندما تكلم من جديد كان حديثه مفهوماً واضحاً..

خاطبه الكائن الغريب: عرّفنا على نفسك..

قال سالم بخوف شديد: من أنتم أولاً؟ وماذا تفعلون هنا؟

ردّ الكائن الغريب: اسمي ت 8، ورفيقي ت9.. نحن من كوكب العباقرة.. كان أجدادنا على الأرض منذ زمن بعيد، واستطاعوا بفضل عملهم أن يصلوا إلى الكوكب الذي نعيش عليه الآن.. وهو كوكب غني جداً بكل شيء.. بثرواته، بطبيعته باستقراره.. أجدادنا كانوا أصحاب حضارة متفوقة على الأرض وعندما تعرفوا ميزات كوكبنا الجديد، وآلمهم ما يحدث على الأرض من كوارث وحروب ودمار، بنوا سفينة فضاء وانطلقوا بما يحتاجونه من معدات.. وكان عددهم قليلاً.. عشرة رجال وعشر نساء.. أقاموا مختبراتهم على كوكبنا البعيد، وبفضل علمهم أصبحنا على ذلك الكوكب أصحاب حضارة تفوق تلك التي على الأرض مرات ومرات.. علماً أن كوكب العباقرة ما كان مسكوناً قبلهم.. بالمناسبة، لن أكمل قبل أن تخبرني لماذا تبدو مضطرباً؟ من أنت؟

- رد سالم: اسمي سالم- عمري أربعة عشر عاماً.. أقيم مع أهلي في ذلك البيت الحجري القديم، ويحزنني مرض أبي.. إنه يتألم.. يتألم ولم نستطيع تقديم ما يخفف ألمه.. أرجوكما هل بإمكاننا مساعدته؟ قلتما حضارتكم تفوق مرات ومرات حضارة أهل الأرض.. لا شك أن بإمكانهم مساعدته.. حاولا من أجلي أرجوكما..

قاطعه ت8: لقد استطعنا هناك التخلص من الأمراض.. لا آلام ولا علل على كوكبنا.

تابع ت9: بالتأكيد نستطيع مساعدة والدك.. إنما لنا شروط.

قال سالم بلهفة: أوافق أياً كانت الشروط.. المهم أن يتخلص من آلامه ويعود سليماً معافى.. وتعود البسمة إلى وجهه الحبيب.. أرجوكما، إنني مستعد للتضحية بعمري من أجله..

تبادل ت8 وت9 النظرات، ثم نزعا الجهاز الصغير الذي يجعل حديثهما واضحاً وأخذا يتخاطبان بسرعة هائلة.. وقف سالم حائراً. وبعد قليل أعيد تشغيل الجهاز.

قال ت8: إن أعدنا إلى والدك عافيته وستمضي معنا إلى كوكبنا.. وتقيم في ضيافتنا ثلاثة أشهر.. ماذا قلت؟

قال سالم: ماذا؟ أمضي معكم ثلاثة أشهر؟ ولكن ماذا ينفعكم وجودي؟!

رد ت9: قلت إنك مستعد للتضحية.. أم أنك نسيت آلام والدك..

وبلهفة كبيرة قال سالم: أمضي معكم حيث تشاؤون.. لكن أرى أبي أولاً سعيداً بشفائه..

قال ت8: لك ما تريد.. أخبرنا الآن ما هي الآلام التي يعاني منها والدك ثم امض إليه وأحضره إلى طرف الغابة.. ولا يأتي معه سواك.. وبعد لحظات يعاد والدك إلى البيت وقد تخلص من آلامه إلى الأبد.. هيا، تحدث عن مرضه وألمه ثم انطلق وعُد به فوراً. لا تتأخر.. وإياك أن تخبر أحداً بوجودنا.. قص سالم على مسامعهما قصة مرض أبيه، والآلام التي يعاني منها وما قال الأطباء حول حالته. وبعدها انطلق بسرعة قصوى نحو بيته.. وحين وصل اقترب من والده.. ورجاه أن يقبل بالمضي معه إلى طرف الغابة بمفرده.. وحين بكى سالم، أحس والده برغبة في تحقيق ما يريد.. فطلب من الجميع أن يتركاهما يمضيان وحدهما، مدعياً أنه يريد أن يتمشى قليلاً برفقة ولده سالم..

سار أبو سالم متكئاً على ذراع ولده.. وحين وصلا إلى طرف الغابة، أجلسه سالم على صخرة.. وبسرعة خاطفة تقدم منه ت8، حتى أن أبا سالم لم ينتبه لوجوده.. نظر إليه ت8 وغاب قليلاً ثم عاد، وقدم لسالم زجاجة صغيرة.. وأمره أن يسقيها لوالده في الحال.. بدوره قدم سالم الزجاجة لوالده، وتوسل إليه أن يتجرعها ففعل الأب.. وما هي إلا لحظات قليلة حتى أحس أبو سالم بالقوة تسري في جسده وغادره الألم.. وقف.. نظر إلى نفسه. ثم عاد إلى ولده سالم. أحس بفرح كبير.. وأخذ يصيح الحمد لله.. لقد شفيت. شكراً لك يا ولدي.. ولكن أرجوك أخبرني ما السر؟.. ما الذي حدث..

لم يجب سالم. إنما ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه، وانتهز فرصة انشغال والده بحيويته الجديدة.. وتركه وحيداً ومضى. كان الليل حل، وسالم اختفى وسط عتمة الغابة.. أحس الوالد باختفاء سالم، فناداه بصوت خفيض بداية: سالم.. سالم فأتاه صوت ولده من بعيد: وداعاً يا أبي، وداعاً..

خاف الأب كثيراً.. أراد أن يجري داخل الغابة، غير أنه سمع هديراً مختلفاً عن صوت أي مركبة يعرفها.. ثم ارتعد وهو يرى ظلام الغابة يتحول إشعاعاً وهاجاً.. وبعدها أخذ يرقب جسماً كروياً متوهجاً انطلق من طرف الغابة الآخر وأخذ يعلو بسرعة خاطفة.. حتى أن أبو سالم لم يستطع تبيان ملامح هذا الجسم الكروي الغريب.. إلا أن إحساساً بالحزن والأسى راوده وقد تيقن أن ولده على متن ذلك المركب الغريب فأخذ يعدو باتجاه بيته مذعوراً. وحين وصل سأل الحاضرين: ألم يعد سالم!؟

***

يتبع

حسن خليل
13-10-06, 09:16 PM
تجاوز المركب مسافات كبيرة جداً خلال زمن قصير. كان ت8 وت9 يراقبان من حجرتهما تصرفات سالم الذي بدا مضطرباً خائفاً وهو في حجرته المستقلة المغلقة. وصله صوت ت 8: ليس المهم أن تراني.. اسأل ما بدا لك. فقد بتنا على وشك الوصول..

قال سالم: أريد أن أعرف كيف تمكنتم من علاج والدي بهذه السرعة؟ ثم لِمَ اصطحبتموني معكم؟ ماذا يفيدكم وجودي؟.. وهل سأعود فعلاً لأرى أهلي من جديد؟

أجاب ت8: بالنسبة لعلاج والدك.. لقد تمكنا على كوكبنا من التخلص من الأمراض كما سبق وقلت لك، فنحن نمنح جهاز المناعة في الجسم قوة تساعده على التخلص من المرض.. لا شك أنك تعلم أن في جسم كل كائن جهاز مناعة يحارب المرض، عندكم أحياناً يتغلب المرض على هذا الجهاز فيصاب الجسم أما نحن فنمنح القوة -كما قلت لك- لهذا الجهاز فيغدو قادراً على قهر أي مرض حالاً.. إنه دواء اكتشفه أحد علمائنا ومنه أعطينا والدك.. فنحن نعطي كل جسم مقداراً يتناسب مع قدرته على التحمل..

أما عن وجودك فهو يفيدنا كثيراً يا سالم.. ولو لم نحضرك لأحضرنا غيرك.. نحن على كوكب العباقرة، ورغم تقدمنا الذي لا مثيل له نريد أن نتعلم منكم أمراً مجهولاً تماماً لدينا. وأما عن عودتك فنحن دائماً ملزمون بأية وعود نقطعها.. ستعود أجل.

قال سالم مستغرباً: ما الذي يمكنني تعليمكم إياه؟

رد ت 9: نريد أن نتعلم معاني التضحية.. الحب الفرح.. الحنين.. لقد عمد أجدادنا إلى إحداث تغييرات في طبيعة تكويننا، في بناء أجسادنا.. فقاموا بتعطيل المراكز والخلايا المسؤولة عن الأحاسيس والمشاعر منذ القديم وأصبحت أجيالنا تنشأ كالآلات دون أحاسيس.. لقد تعرفنا على هذه الأحاسيس من خلال وفد زار كوكبكم منذ سنتين، فتدارسنا إمكانية وأثر إدخالها إلى عالمنا من جديد، وتأكد لنا أن الأحاسيس ركن هام وجميل من أركان الحياة.. ستجري عليك بعض الاختبارات، علنا نستطيع التوصل إلى ما يبعث مشاعرنا وأحاسيسنا..

كان سالم ينصت باستغراب، وسأل: هل ستجرون على جسدي تجارب؟ اسألوني إن شئتم وأنا أجيب على أي سؤال.

تابع ت 9: نعدك ألا تصاب بأذى.. سنراقب علمياً تفصيلياً خلايا جسدك.. وأنت، استسلم لمشاعرك.. افرح لشفاء والدك، واحزن لفراق أهلك، واغضب لأنك هنا بلا أصدقاء، واشعر بالشوق لأهلك جميعاً، لأنك ضحيت من أجل من تحب.. نحن سنراقب أحاسيسك.. ومركز الإحساس والخلايا المسؤولة عنها.. سنراقب دماغك ونخاعك الشوكي للتعرف على الأحاسيس منذ تكونها وحتى اكتمال نضجها.. ثم نقوم بانتزاع خلايا من جسدك، علنا نتمكن من معالجتها واستكثارها بما يضمن إدخالها من جديد إلى أجيالنا المقبلة.

قال سالم: ولكن قلتم أن أجدادكم كانوا على الأرض.. أي أنكم بشر مثلنا. فلماذا عمد أجدادكم إلى إلغاء المشاعر والأحاسيس من حياتكم؟!

رد ت 8: برّروا ذلك بأن المشاعر هي المسؤولة عن الكوارث والدمار والحروب التي حدثت على الأرض.. واعتقدوا أننا بذلك سنحقق ثورة علمية وحضارة لا تفوقها حضارة ونعيش بلا متاعب على كوكبنا الجديد.. والحقيقية توصلنا إلى هذه الحضارة إلا أننا أصبحنا كالآلات.. الحياة المتكاملة، وعندما يلغى جانب منها يؤثر سلباً على النواحي الأخرى.. الآن عليك أن تستعد.. منها نحن على وشك الهبوط على كوكبنا. سأفتح إلى جوارك نافذة يمكنك أن تلقي نظرة إن شئت.. فجأة، فتحت نافذة صغيرة عند رأس سالم.. نظر من خلالها فبدا له كوكب العباقرة صغيرا، جميلاً.. مختلف الألوان.. وعندما اقترب أكثر شاهد نماذج أبنية لم ير مثلها من قبل.. كانت كل مجموعة من البيوت محاطة بسور ضخم.. أما داخل السور فلها أشكال المثلث والمربع والدائرة وثمة أشكال هندسية أخرى..

لم ينتبه سالم لتوقف المركبة.. لقد حطت على برج عال بكل هدوء وأمره ت8 بالاستعداد للمغادرة.. وحين غادروا المركبة انتقلوا بسرعة خيالية إلى منزل بعيد.. كان سالم يشعر برغبة كبيرة في النوم، فتركه ت8 وت9 ومضيا نحو مختبر كبير، استعداداً للبدء بالعمل. وبسبب حالة النعاس الشديدة التي أصابت سالماً فقد استمر في إغفاءته ست ساعات، لم يكن سالم يعلم أنها تعادل يوماً كاملاً على كوكب العباقرة.. فاليوم على هذا الكوكب لا يتجاوز ست ساعات..

حين استيقظ جاءه صوت ت8: المنزل مجهز بما يلزم، كل ما تحتاجه. أما عن الطعام فستجد علبة أقراص على الطاولة.. تناول كل يوم قرصاً واحداً..

قال سالم: ماذا؟.. الطعام أقراص! ثم فتح العلبة، وضحك سخرية.. فجاءه صوت ت 8 من جديد: تناول أحد هذه الأقراص الآن وبعدها أخبرني إن كنت بحاجة للطعام. هز سالم رأسه غير مقتنع، تناول قرصاً وابتلعه.. بعد قليل انتابه شعورٌ غريبٌ.. أحس كأن معدته امتلأت بأشهى المآكل التي يحبها..

خاطبه ت 9: والآن ما رأيك بوجبة دسمة؟

قال سالم: لا.. لا: إنني ما عدت جائعاً.. لقد شبعت...

دخل سالم الحمام، واغتسل ثم عاد وجلس على كرسي مثبت..

حدثه ت 8: قبل أن تباشر العمل، سنريك عالمنا.. ستطلع على كوكبنا بالتفصيل وأنت في مكانك. تبدت أمام سالم شاشة عرض، أخذت الصور تتلاحق.. رأى بداية مشهداً للمجرة الكونية وإشارتين ، إحداهما إلى الأرض والأخرى إلى كوكب العباقرة.

قال ت8: إن كوكبنا ينتمي إلى المجرة التي تنتمي إليها الأرض.. لا زال هناك الكثير من الأجرام الفلكية لم تكتشف بعد، وتحتاج جهداً كبيراً.. إلا أن المسافة التي تفصلنا عن كوكب الأرض بعيدة، فنحن في الجهة المقابلة لها بعد الشمس.. والآن سترى حياة كوكبنا بالتفصيل.

تتابعت الصور أمام عيني سالم.. رأى صوراً لكوكب العباقرة خلال صيف وشتاء وهما الفصلان الوحيدان المعروفان على هذا الكوكب.. ورأى حلول الليل والنهار ثم صور مختبرات ضخمة تنتشر على أرجاء الكوكب، وحركة الكائنات عليه.. لم ير أسواق بيع وشراء، فوضح له ت8 أن احتياجات الكائن هنا تصله إلى مكان إقامته علماً أن الطعام اليومي لكل كائن قرص كالذي تناوله سالم.. الجميع هنا يفكرون، يعملون.. ومما أثار فضول سالم رؤية مبان عملاقة مصنوعة من الزجاج، تبين له أنها ليست معدة للسكن، إنما هي أحواض زراعات، وحظائر حيوان.. لاستخراج المواد المكونة للأقراص المغذية.. وتوفير مصدر الأكسجين..

دهش سالم كثيراً مما رأى، وبعد زمن قصير جاءه صوت ت8، عليك الاستعداد للبدء بالعمل.. سيفتح أمامك باب، ادخله.. واجلس على كرسي ستجده أمامك داخلاً.. ثم سيهبط ببطء جهاز كالخوذة يحتضن رأسك.. لا تخف لن نسبب لك أي أذى.. فقط استسلم لأفكارك بعد أن يحل الجهاز على رأسك.. فكر بشفاء والدك، إنه معافى والبسمة رفيقة وجهه، ربما كان حزيناً لأجلك، إنما سيزول حزنه عندما تعود قريباً إليه.. لقد وعدناك أن إقامتك ثلاثة أشهر.. وهي تعادل أقل من شهر على كوكب الأرض.. هيا نفذ.

أطاع سالم الأوامر.. نفذ ما طلب منه بدقة.. حتى أن الخوف بدأ يغادره رويداً رويداً.. وعندما كان الجهاز يحتضن رأسه أخذ يتذكر السبب الذي من أجله أتى إلى هنا إنها الآلام التي كان والده غارقاً بها.. لقد وفر لوالده الشفاء بفضل تضحيته.. سر كثيرا بهذه التضحية..

في اليوم التالي أعيد سالم إلى الكرسي ذاته.. بل إلى الوضع نفسه تماماً.. ويومها استحضر صور أهله وأحبته.. ثارت أشواقه إليهم.. أحس بحزن كبير لفراقهم وتمنى لو يحل اليوم الذي يعود ليلتقيهم من جديد..

وتتالت الأيام.. اعتاد سالم وضعه على ذلك الكرسي.. وكما أراد ت8 وت9 تبدلت أحاسيسه بين فرح وحزن، وشوق، وغضب.. وكل المشاعر التي يمكن للإنسان أن يعرفها.. وفي الأيام الأخيرة أخذ يبكي دموع اشتياق لأمه وأبيه واخوته وأحبته..

قبل اليوم الأخير من إقامة سالم على كوكب العباقرة فوجئ بصوت ت8 يبلغه: لقد انتهى العمل سترحل غدا عائداً إلى الأرض.. أما اليوم فقد أعددنا برنامجاً ختامياً لزيارتك استعد. سيأتيك من يحضرك إلينا.

وخلال لحظات قليلة، فتح الباب، الخارجي للمكان الذي يقيم فيه سالم.. ورأى مركبة كروية صغيرة.. أشير إليه أن يدخلها ففعل.. كان لهذه المركبة نوافذ بحيث أمكنه رؤية مركبات كثيرة مثلها تنتقل في الهواء بسرعة كبيرة، وكأنما تسير على طرق ومسارات دون أية حوادث.. اقتربت مركبة سالم من نافذة إحدى الأبنية العملاقة، فُتحت النافذة وتوقفت المركبة عندها.. ثم خرج منها جسر انزلق داخل المكان، فغادر.. أخذوا ينظرون إليه بعيون مسددة، ويتبادلون أحاديثاً لم يستطع فهم أي كلمة منها وقف في الصدارة ت8 وكأنما هو قائد الجميع أشار إليهم أن ينصتوا ثم قال مستخدماً.

حسن خليل
13-10-06, 09:17 PM
جهاز الإبطاء: لقد تمت التجربة بنجاح.. نفذتَ ما طلب منك بشكل جيد.. ونحن سنحاول أن ندخل تعديلاً على أجيالنا القادمة بحيث يعرفون ما خفي عنا.. ويحسون ما لم ندركه من مشاعر.. بالتأكيد ستكون حياتهم أروع من حياتنا فنحن رغم ما ننعم به من تقدم إلا أننا نفتقد جزءاً نعتقد أنه كبير جداً.. وسنحاول إعادته إلى تكوين أجساد أجيالنا من جديد.. والآن: ما الذي لفت انتباهك أكثر في حياتنا؟

أجاب سالم: كل شيء.. كل شيء.. رأيت كل جديد.. ما أثار استغرابي السرعة التي تتميز بها حياتكم.. سرعة في الحركة، في الكلام، في تنفيذ ما ترغبون به.. حتى أن يومكم سريع.. وأردت أن أسألكم: كيف تعيشون؟ أليس لكل منكم أب وأم وأخوة.. أسرة؟

رد ت8: أما عن السرعة، فهي أحد الأدلة على تطورنا وحضارتنا الكبيرة.. علماً أن هذه السرعة منتظمة.. فالوقت هام جداً ويجب أن يحسن استغلاله ما أمكن.. وأما من حياتنا والروابط الأسرية، فأقول قد يحدث هذا عندما تعود إلينا المشاعر.. الحقيقة لا توجد أية روابط أسرية تجمع بيننا.. فالحمل والولادة، وكل شيء يتم في المراكز العلمية.. يربى الواحد منا حتى يغدو قادراً على الانتقال إلى المرحلة الثانية في الحياة.. ثم المرحلة الثالثة.. وهكذا.. المهم.. لا تشغل بالك بنا.. ستحسن حياتنا بالتأكيد.. هيا، استعد.. فبعد زمن قصير ستنطلق في رحلة العودة إلى الأرض.. تقدم منه ت9 قائلاً: حتى أسماؤنا.. كل منا يُلقّب بحرف وعدد مرافق.. هذه هي أسماؤنا هذا ف1 وهذا ف4 وهذا س6.. وهكذا.. والآن لقد اتفقنا على تقديم هدية لك مكافأة على ما قمت به من أجلنا..

قال سالم: لقد نلتُ مكافأتي قبل حضوري.. أريد العودة فقط.

خاطبه ت 8: لا بد من قبول الهدية.. شريط صغير عليه تسجيل لطريقة تحضير علاج وتقوية جهاز المناعة في الجسم. فهذا سيساعدكم كثيراً في التخلص من الآلام. وسأعلمك طريقة الاستفادة من هذا الشريط.. تعلم سالم كيفية الاستفادة.. وتسلم الهدية..

وفي الصباح كانت المركبة بانتظار سالم.. وحين استقر داخلها انطلقت بسرعة كبيرة، متخذة مسار العودة، مجتازة الملايين من الأجرام والنيازك والشهب. وحين دخلت المركبة مجال الأرض كان سالم يجلس منتبهاً.. بعد قليل، جاورت المركبة حدود الغابة.. ثم حطت عند طرفها بسلام، وفتح بابها فغادرها سالم فرحاً..

وعندما انطلقت المركبة عائدة أخذ سالم ينظر إلى نفسه كأنه غير مصدق ما حدث ثم ما لبث أن جرى نحو بيت أهله.. دخل البيت.. كان عدد كبير من أهل القرية يجتمعون في بيت الأسرة كأنما يعزون أبا سالم بولده.. وعندما رأوه، استغربوا جميعاً. حتى أن أمه أغمي عليها.. أسرع والده يتلمسه ويقبله.. كان سالم مجهداً فقال: إنني بخير.. بصحة جيدة.. كل ما في الأمر أنني متعب.. أرجوكم اتركوني أخلد الآن للراحة.. بعدها أحدثكم بما جرى.. رافقه والده إلى غرفته، أجلسه على السرير.. ثم قال له: ربما كنت أعرف شيئاً مما حدث.. لكن أرجوك يا ولدي، قبل أن تحدث أحداً بشيء أطلعني على ما ستبوح به فهناك الكثير من الأمور الصادقة علينا ألا نتفوه بها لأحد.. لأنها أمور غريبة قد يتهم قائلها بالجنون.. أو الكذب.. وأعتقد.. أعتقد أن حكايتك من هذه الأمور..

قال سالم: يهمني أن تعرف أنني غبت من أجلك.. من أجل آلامك، والحمد لله ها أنت عدت سليماً معافى.

قال أبوه: فكرت في هذا.. علماً أنني ما استطعت تفسير ما حدث.. والمهم أنك عدت والحمد لله على سلامتك.. إنما هل تعدني بما طلبته منك؟

رد سالم: أعدك يا أبي.. ولكن معي هدية من المكان الذي كنت فيه. أعتقد أنه سيكون لها شأن كبير بين الناس.. ويجب علينا تقديمها لمركز علمي، أو لطبيب قال أبوه: سنتفق على هذا.. أجل سنتفق.. المهم الآن اخلد للراحة.. نم واسترح وعندما تستيقظ تذكر أنك وعدت والدك أن يكون مفتاح سرك..

ابتسم سالم.. وابتسم أبو سالم.. تعانقا من جديد.. وأخذ الأب يمسح بحنان رأس ابنه سالم الذي استسلم لنعاسه وكاد يغفو.. ثم سار متثاقلاً نحو سريره.. وما هي إلا ثوان حتى كان يغط في نوم عميق عميق..

حسن خليل
13-10-06, 09:20 PM
القصة السادسة والستون

البذور العجيبة

كان بائع الصحف اليومية، يتجول، وهو ينادي بأعلى صوته: "اقرؤوا صحيفة اليوم.. صحيفة اليوم.. أخبار العلم.. جديد العلم.. البذور العجيبة -جديد العالم نزار" ثمة أناس اشتروا الصحيفة وآخرون يتجمعون بغية الإطلاع.. بينما مضى بائع الصحف نحو شارع آخر يطلق صيحاته المعلنة..

"حقاً، إنه خبر يستحق الانتباه" قال بعضهم.. وسرى حديث البذور العجيبة بين الناس بسرعة فائقة.. فالعالم نزار ابن مدينتنا.. وما زاد اهتمام الناس إعلانه أنه سيجري تجارب على هذا الاكتشاف على مرأى من الناس في الحدائق العامة..

"ما الحكاية البذور العجيبة؟" سألني والدي.

فقلت: الأقاويل تدّعي أنك بعد أن تغرسها تنمو بسرعة خيالية فلا يمر يومٌ واحدٌ على زراعتها حتى تنمو وتزهو وتثمر..

قال أبي: يا إلهي.. أيعقل هذا!! وهل يتعلق الأمر بنبات محدد؟

قلت: الأقاويل أيضاً تؤكد أن بذور أنوع أي نبات إذا عولجت كما يريد العالم نزار يمكن أن تحمل هذه الصفات.. على كل حال غداً موعد التجربة سيعرض للناس اكتشافه مجرباً على بذرة بندورة.. سيحضر أناس كثير غداً لا شك.. فالجميع متلهفون للرؤية بعد أن سمعوا..

قاطع أبي حديثي: اطمئن.. سنكون من الحاضرين..

صباح اليوم التالي، تجمع مئات من البشر في الحديقة العامة، المكان الذي اختاره العالم نزار لتجريب بذوره العجيبة وكان من بين الحضور علماء مهتمون.. توقفت سيارة تكسي قرب مدخل الحديقة.. ترجل منها العالم نزار يحمل حقيبة صغيرة بيده ويتقدم واثقاً.. اخترق جموع الحاضرين حتى توسطهم.. ثم طلب أن يفسح المجال له لبدء العمل.. وحين أصبحتْ أمامه فسحة كافية. فتح حقيبته وأخرج علبة زجاجية صغيرة.. فتحها واستخرج من داخلها بذرة.. غرسها بيده في تربة الحديقة وطلب إلى الناس أن يراقبوا ما سيحدث في زمن قياسي. لم يطل انتظار الناس فبعد قليل نمت فوق التراب نبتة البندورة وراحت تنمو أكثر فأكثر والناس بين مؤمن بالعالم مصدقٍ لما يرى، وبين مشككٍ فيما يرى.. وبين مدّعٍ أن هذا ما هو إلا سحر وما هي إلا ساعتين حتى تبدت على النبتة براعم سرعان ما تفتحت وأصبحت أزهاراً ولم تلبث أن تحولت ثمار بندورة، بدأت صغيرة ثم أخذت تكبر حتى اتخذت حجماً طبيعياً. وبعد مضي ثلاث ساعات حصل العالم على ثلاث حبات بندورة ناضجة، قطفها، واقتلع.. نبتة البندورة من جذورها بصعوبة فائقة حيث وضعها في كيس أحضره -ربما- لهذا الغرض صفق الناس بإعجاب شديد.. وأخذت تعليقاتهم تشيد بالعلم والعلماء.. وخصوصاً نزار الذي يجب أن يلقى كل تشجيع لمتابعة بحوثه... ثلاثة رجال فقط، من بين جموع الحاضرين ما صفقوا.. وحين بدأ الناس ينصرفون بقوا هم في أمكنتهم.. إنهم العلماء: بسام -وسعيد- وإياد.. وحتى بعد أن غادر العالم نزار مزهواً وعلى وجهه ابتسامة النصر تبادل الرجال الثلاثة نظرات حذرة وتساءل بسام: ما الذي حدث؟ ما الذي رأيناه؟

رد سعيد: علينا أن نتريث في أي حكم.. وفي النهاية كل جهد علمي مشكور..

أضاف إياد: نحن أصحاب خبرة في مجال علم الأحياء.. علينا التريث - كما قلت - في أي حكم لكن في أعناقنا مسؤولية مقارنة فائدة الإختراع الجديد وضرره. فإن كان الضرر أكبر من النفع يجب أن نجتهد في تطوير هذا المكتشف وتخفيف ضرره، أو إلغائه قطعاً.. أما إن كان نفعه أكبر فنشد على يد العالم نزار ونبارك جهوده.. المهم الآن بين أيدينا ابتداع، وعلينا تقصي نتائجه..

قال بسام: لنبدأ بالمنافع الاقتصادية. لا شك أن هذا الاكتشاف سيوفر للناس حاجاتهم من النبات في زمن قياسي.. فيمكن للمرء أن يحوي في منزله بذوراً من أي نبات يشاء. وإذا أراد ثماراً طازجة يزرع على الفور هذه البذور فيجني ما يريد.. إنها إحدى الإيجابيات.

رد سعيد: وما يدريك أنها إيجابية؟ ألم تتساءل عن المواد التي يعالج بها بذوره حتى تمتلك هذه القدرة العجيبة على النمو؟

وبينما كان بسام وسعيد يتجادلان.. صرخ العالم إياد انتبها.. انتبها.. أعشاب الحديقة والنبات المجاور لمكان زرع البذور أخذت تصفر وتذبل.. بل إنها تكاد تموت، لا شك إن هذا من أثر البذور العجيبة.. انتبه العالمان بسام وسعيد وإياد لملاحظة صديقهما، وبعد قليل انطلق بسام نحو المختبر الذي يجري فيه بسام وسعيد وإياد تجاربهم.. وعاد بأجهزة كشف، ومواد اتفق الثلاثة على إحضارها. اجتهد العلماء في البحث.. اقتلعوا بعض الأعشاب التالفة، وتفحصوا جذورها، ثم اختبروا تربة من مكان زراعة البذرة العجيبة.. وبعد وقت قصير قال إياد: يا إلهي.. إنها كارثة.. هل مضى نزار ليجرب بذوره في مكان آخر؟ يجب إيقاف نشاطه حالاً..

قال بسام: أجل.. بذوره مزوده بمواد كيماوية تمنحها قدرة على سحب خيرات الأرض التي تزرع فيها.. إنها تمتص النسغ من جذور النباتات الأخرى في مساحة خمسة أمتار مربعة انظر التلف الذي أصاب النباتات المحيطة.. علينا اللحاق به ومنعه من إجراء المزيد من التجارب.. فمن المؤكد أن أي أرض تزرع فيها بذرة كهذه ستبقى فقيرة زمناً طويلاً ولن تستطيع تزويد جذور أي نباتات أخرى بالمواد العضوية اللازمة لنموها.. أسرع العلماء الثلاثة نحو السيارة التي أوقفوها خارج الحديقة.. وانطلقوا يبحثون عن العالم نزار.. وفي السيارة تساءل إياد الذي يتولى القيادة: لا شك أنه استحوذ على اهتمام الناس.. كيف نستطيع إيقاف اكتشافه دون أن نثير سخط الناس؟

رد سعيد: ببساطة، نطلب إلى نزار أن يغرس بذرة في أرض لا نبات فيها وعندها لن يتمكن من إبهار الناس..

تابع بسام: أو ندعوه، ومن يحضر تجربته للبقاء قليلاً بعد إتمام التجربة وملاحظة ما شاهدناه. لا شك أن هذا سيحول إعجاب الناس بهذا الاكتشاف الخطير. لم يكن عسيراً أمر التعرف على مكان نزار.. فجمهرة الناس توحي بوجوده في حديقة عامة أخرى.. أحس نزار بالضيق، وهو يرى تقدم العلماء الثلاثة وقد ارتسمت على وجههم علائم غضب.. إنه يعلم أن إعجابهم لا يولد فوراً.. لكنه ما توقع أن يكتشفوا أمره بهذه السرعة كان نزار يمسك بيده بذرة، ويكاد يغرسها حين جاء صوت العالم بسام: نزار.. توقف!

انتبه الجميع للنداء.. قال نزار: لِمَ أتوقف؟ الناس ينتظرون تجربة بذوري العجيبة.

أجابه العالم سعيد: يا نزار، كلنا نحب العلم.. نبارك أي جهد علمي نافع. إنما اكتشافك هذا سيؤدي إن انتشر إلى كارثة.. وأنت تعلم ذلك.

رد نزار غاضباً: إنه الحسد.. أجل. الحسد بدل أن تحاولوا منعي من إجراء تجاربي وإثبات نجاحي، امضوا إلى مختبركم.. علكم تتمكنون من فعل شيء.. هيا هيا.. لا تضيعوا الوقت.

تقدم العالم إياد وقال: نزار.. أمام الجميع أتحداك أن تزرع بذورك العجيبة في أرض لا نبات فيها.. وإن غرستها في مكان مخضر، فإنني سأدعو الناس للبقاء بعد التجربة بعض الوقت ليروا بأعينهم ما الذي سيحدث .. اضطرب نزار لهذا التحدي.. وتظاهر بأنه سيغادر مغضباً.. إلا أن أحد الحاضرين أصر على منعه من المغادرة قبل إجراء التجربة.. فانصاع نزار لهذا الإصرار، وغرس بذرة باذنجان.. وراح الحاضرون يرقبون ما يجري.. أبدوا إعجابهم الشديد بداية وبسرعة نمو مراحل النبتة.. إلا أنهم بقوا ساعة بعد انتهاء الاختبار، حيث جاء دور الثلاثة في إظهار الأثر السلبي لهذا الاختراع.. فتحول إعجاب الناس إلى غضب وسخط على العالم نزار.. أما الرجل الذي أصر على إجراء التجربة، فقد تقدم واثقاً من نزار وأخرج بطاقة تثبت أنه ضابط شرطة.. وطلب من نزار والعلماء الثلاثة بسام وسعيد وإياد مرافقته إلى مركز القسم. ركب العلماء الأربعة سيارة الشرطة.. وحين وصلوا مكتب الضابط المرافق لهم، سمح لهم بالتحاور علمياً في الاختراع الجديد.. وكان يسجل حوارهم على شريط كاسيت.. بدا نزار ضعيفاً، وخجلاً أمام خبرة وحرص رفاقه الثلاثة.. وأقر أن ضرر اختراعه أكبر بكثير من فائدته.. وإنه إن انتشر فسيؤدي إلى إفقار التربة في المكان التي تزرع فيه عندما طلب ضابط الشرطة أن يوقع نزار تعهداً بعدم إجراء أية تجارب على اكتشافه الجديد إلا بعد تفادي ضرره وتسليم كامل الكمية من البذور المعالجة، والمواد المستخدمة في منحها هذه إلى قسم الشرطة ليتم إتلافها. فرضخ. خرج العلماء الأربعة من قسم الشرطة.. كان نزار يسير مطأطئ الرأس فحدثه بسام: لا بأس عليك يا نزار.. كلنا نحاول البحث والاكتشاف.. بذورك قد تصبح يوماً ما ذات جدوى وفائدة قصوى.. المهم في أي كشف علمي ما يقدمه للناس من نفع.. فعلمنا وبحثنا في النهاية لخدمة الناس.. تابع بحثك.. وإن احتجت نصحنا ستجدنا إلى جانبك حتماً.. واعلم أننا أكثر من يسر بأي إنجاز جيد.. ولسنا أبداً كما تصورت حاسدين.

قال سعيد: إننا ندعوك لزيارة مختبرنا.. ومشاركتنا أية تجارب مخبرية..

وأضاف إياد: لنكن أصدقاء.. لنتعاون.. فأربعة عقول مجربة مجتهدة خير من جهد فردي.

نظر إليهم نزار وكأنما يعتذر عما أقدم عليه، وقال: هل تقبلونني صديقاً؟ أجاب الثلاثة بصوت واحد: بل نحن ندعوك لصداقتنا ستكون صداقة نافعة بإذن الله. ابتسم الأربعة وساروا بضع خطوات، بينما كان حشد من الناس يجتمعون عند باب قسم الشرطة وينادون: البذور العجيبة.. نريد البذور العجيبة..

فخاطبهم نزار: أعدكم أن أعود إليكم بها.. ولكن بعد تعديلات لا بد منها.. وسيساعدني رفاقي بسام وسعيد وإياد في ذلك.

ردد الناس: إننا ننتظر.. إننا معجبون بكم.. حياكم الله أيها العلماء.. أنتم زينة هذه الأرض ونعمتها.. وبينما كان الناس يتابعون مدحهم وتشجيعهم .. كان العلماء الأربعة يسيرون مبتعدين.. متجهين إلى مختبر سيضمهم ويستقبل تجاربهم المشتركة منذ الآن.

حسن خليل
13-10-06, 09:24 PM
القصة السابعة والستون

المنقـــذون

قال جدي: آه يا زمن البساطة، زمن العيش الهانئ. أتدري يا حفيدي العزيز! كنا نسقي دابة من الماء أضعاف الكمية التي يحلم بها الواحد منا الآن.. آه.. الماء سر الحياة.. ها نحن على مشارف العام 2050 تجاوزنا مخاطر الأمراض والعلل، ويكاد العطش يفتك بنا.. آه لو تزول حضارة الأرض كلها، ونعود لنتناول أوراق الأشجار.. بل وحتى التراب، على أن نتجاوز أزمة المياه هذه.. قال جدي، وقال جد صديقي.. وقال والدي وكل الآباء.. وأمي وجميع الأمهات.. كل الناس أصبح حديثهم، بل وهم يومهم العطش الذي أخذ يفتك بأعداد كبيرة من البشر والحيوانات.. والحرارة التي تكاد تشوي أجساد الناس بلا رحمة.. وكاد الجفاف يقضي على النسبة العظمى من الغابات والأشجار.. وأكثر من ذلك فقد ردّد العلماء أن المخاطر والكوارث المقبلة أقسى بكثير.. فأي ذعر؟ وأي خوف؟ وأي دمار يكاد يفتك ببني البشر وبالحياة على سطح الأرض؟! مصادر المياه جفّت أو تكاد.. ودرجات الحرارة تصل في بعض الأماكن إلى سبعين درجة لم يبق من حل سوى جهود العلماء.. في مركز علمي عملاق، اجتمع خمسة من كبار علماء العالم وهم: عبد الله، راجيف، جان، إيفانوف، أوليفر.. حتى إن أنظار العالم توجهت إليهم بالأمل والترقب..

أبدى كل عالم رأيه، ناقشوا بحثاً قدمه الخبير أوليفر.. تحدث عن إمكانية استمطار كميات كبيرة من الماء.. ومضاعفة البحث عن مصادر المياه الجوفية، ودراسة ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض فضائياً من خلال رحلة فلكية، يحاولون من خلالها الاقتراب من الشمس ما أمكن.. أما إيفانوف فقد اقترح البحث عن كوكب بديل لكوكب الأرض يمضي إليه من استطاع من سكان الأرض عبر رحلات فضائية منتظمة.. وعبد الله تحدث عن أسباب الكارثة، إنه الاستهتار بنعم الله.. فاعترض جان على هذا الحديث.. إلا أن عبد الله أكد أن دراسة الأسباب والسعي إلى إزالتها جوهر الحل.. بعد مضي ساعات على مناقشة طروحات العلماء، اتفق الخمسة على القيام برحلة استكشافية فضائية بغية تعميق الأفكار.. وزيادة فرص الحل. وبعد ذلك بأيام، كانت مركبة الانطلاق جاهزة.. تولى العالم عبد الله قيادة الرحلة، وانطلقت المركبة نحو الفضاء الكوني.. كانت حالة الناس على الأرض تزداد سوءاً.. فالموت بات في كل زاوية، وفرق المتطوعين تقوم -ما استطاعت- بدفن الجثث، والتخفيف من الآلام.. أما الحيوانات فقد انتشرت، هي الأخرى في الطرقات وراحت تصدر أصوات الاستغاثة.

مركبة العلماء اتخذت مساراً لها بمحاذاة الغلاف الجوي للأرض.. وراح فريق العمل يراقب انتشار الحرائق في أمكنة كثيرة.. عندها اتفق العلماء الخمسة على ضرورة البحث عن كوكب بديل بسرعة قصوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بني البشر..

انطلقت المركبة في مسار بحثها الجديد كالبرق.. متحررة من أغلفة الأرض..

الترقب والحزن والخوف.. عناوين كتبت بوضوح على وجوه العلماء.. وهم يناقشون أي طرح جديد.. ويتخذون مساراً لهم كوكب الزهرة.

وبعدما اجتازوا مسافات طويلة تنبهوا لإشارات ترتسم على شاشة الاستقبال، كانت هذه الإشارات تزداد وضوحاً.. ثم بدا أن مصدرها صحن طائر أخذ يقترب رويداً رويداً من المركبة.. سارع العلماء للتحاور في أمر هذا الصحن الطائر..

قال جان: أرى أن الإشارات التي نتلقاها تشابه تلك التي سجلتها مراصدنا على الأرض ودرسنا دلالاتها كثيراً..

قال إيفانوف: بكل الأحوال لدينا تسجيل لتلك الإشارات ودراستنا لها حينذاك.. والآن يمكننا تزويد الكمبيوتر بهذه المعلومات لنرى ما يمكن فعله..

تابع عبد الله: تعلمون أنني كنت الأكثر شغفاً بدراسة الإشارات القادمة من سكان الفضاء.. سأتابع الآن علني أستطيع محاورتهم..

اتفق العلماء على إسناد الأمر إلى قائد الرحلة عبد الله.. فزود الكمبيوتر بتسجيل ودراسة الإشارات السابقة.

كان الصحن الطائر يقترب ولا تزال شاشة الاستقبال تتلقى الذبذبات الصوتية التي يرسلها.. وخلال زمن قصير جداً جاء صوت عبد الله فرحا: وجدتها.. وجدتها.. بمقدرونا فهم أية إشارات نتلقاها. بل ويمكنني برمجة الكمبيوتر بحيث تحول هذه الإشارات إلى لغتنا المنطوقة.

فوجئ العلماء بهذا الإنجاز السريع.. تبادلوا نظرات الدهشة.. فقطع عبد الله دهشتهم.

وقال: تذكروا أن الحاجة هي أم الاختراع.. ليس هذا وقت الشرح والتفصيل ولكن دعونا نتلق الذبذبات الصوتية.. سأدخل نظام البرمجة الجديد إلى الكمبيوتر.. بدت السعادة على وجه عبد الله، وهو منهمك في إعداد برنامج جديد لتفسير الإشارات.. وبعد زمن قصير جداً جاءهم إعلانه السعيد: بات الكمبيوتر جاهزاً لتفسير أية إشارات قادمة.. حولوا الذبذبات الصوتية.. ازدادت سعادة عبد الله ودهشة العلماء الأربعة الآخرين وهم ينصتون لصوت مصدره جهاز الكمبيوتر.. يقول: "حاولوا -تفسير- إشاراتنا- نحن- استطعنا- فهم- لغتكم- منذ- زمن- بعيد- أجيبوا- إن- كنتم- قادرين- على- استيعاب- ما- نقول"

أرسل عبد الله الرد فوراً: "أجل، يمكننا التخاطب. مرحباً بكم". جاء الصوت من جديد "علمنا -بالمأساة- التي- يعاني- منها- سكان- الأرض -شح- المياه- وارتفاع- الحرارة- ارتفاعاً- كبيراً- لدينا- أجهزة- رصد- لأية- تطورات -على- الكواكب- الحية".

قال عبد الله: وهل يوجد الكثير من الكواكب الحية؟

جاءه الرد: "اكتشفنا- حياة- على- ثلاثة- كواكب- حتى -الآن- المهم -سوف -نتخذ-مدارا- حول- مركبتكم- للتحاور-في- مشكلتكم"

بدا الصحن الطائر على شاشة استقبال مركبة العلماء. تحولت دهشة العلماء إلى أمل وترقب.. فحديث الكائن الفضائي يظهر حسن نية، ورغبة في المساعدة.

بعد انقطاع قصير، عادت الشاشة تستقبل الذبذبات الصوتية من جديد.. فتنتقل فورا إلى جهاز الكمبيوتر الذي يترجمها وفق البرمجة الجديدة إلى حديث منطوق واضح..(هل- جئتم- تبحثون- عن-حل- لمشكلة- الأرض؟"

رد أوليفر: أجل -فهل لديكم ما تساعدوننا به؟

قال الكائن الفضائي: "الكارثة -على -الأرض- وحلّها- لا- يكون- إلا- على -الأرض"

تحدث عبد الله: هذا ما فكرت به- ولكن الحياة ستصبح مستحيلة بعد فترة على الأرض.

تابع الكائن الفضائي: "حاولنا -تنبيهكم- منذ- وقت- طويل- وما- استطعتم- فهم- رسائلنا- لقد- أسأتم- إلى الأرض- كانت- من- أفضل- الكواكب- الحية".

قال راجيف: نفكر في إمكانية انتقال البشر إلى كوكب آخر؟ فجاءه صوت الكائن الفضائي: "هراء- عودوا- إلى كوكبكم- أزيلوا- أسباب- المأساة- فالحل- مازال- ممكنا".

قال إيفانوف متلهفاً: نتوسل إليكم ما هي الحلول التي نستطيع من خلالها تجنب استمرار الكارثة؟

أجاب الكائن الفضائي: "ما فائدة- الحلول- إن- لم- تنفذ؟"

قال عبد الله: أي حل جدير سينفذ إن شاء الله..

تابع الكائن الفضائي: "إذاً- إليكم- مجموعة- بنود- لا بد- من تكاملها- كي- يكون -الحل- ناجحا- لا شك- أنها -خطرت- في- بالكم- إنما - هي- الحل- الأجدى:
1-أوقفوا- جميع-المعامل- التي- تلوث- البيئة- مدة- عشر- سنوات- على- الأقل- أيا- كان- إنتاجها.

2-أوجدوا -الحل- لتعويض- الغلاف- الأوزوني-ما -أصابه- من تلف- فهو- المسؤول- عن- ارتفاع- درجة- الحرارة- إلى هذا- الحد.

3-جندوا -كل- من- يستطيع- العمل - في -زراعة- الأشجار -والغابات- وحاولوا- تأمين -قدر- ولو- ضئيل- من الماء- لها- واعلموا- أن- تدني- نسبة- الخضرة- كارثة.

4-حاربوا- الهدر- بكل- أشكاله- ووجهوا- عقول -الناس - إلى -حتمية -تعاظم- أمر- الكارثة- إن- استمرت- واحرصوا- على-كل -قطرة- ماء.

5-حاولوا- محاصرة - الحرائق- ما استطعتم- ومنع- امتدادها.

6-أقيموا -معامل- تحلية -لمياه- البحار - على -أن- تستخدم-في -الحدود- الدنيا.

7-نفذوا -فكرة-الاستمطار- بعد- أن تفرغوا - من غرس- الأشجار- هذه- الأفكار- نواة- حل-المشكلة- واعلموا- أن- الأرض- التي -تعيشون- عليها - أروع- وأجمل- الكواكب- في- الكون- الواسع - فلا- تدمروها- باستهتاركم- والآن- عودوا- إلى الأرض- فالناس- هناك- بحاجة- لمن- لديه- الحل".

كان العلماء الخمسة منصتين لحديث الكائن الفضائي الذي انتهى من إرسال إشاراته، وغاب اتصاله عن شاشة الاستقبال.. ثم اختفى أثر الصحن الفضائي الطائر.. تبادل العلماء من جديد نظرات دهشة.. فقال عبد الله: إن هذا وقت العمل، إنني أرى صدق كل ما ورد في تعليماتهم.. فلنعد إلى أرضنا، عّلنا نستطيع إنقاذها..

بعد قليل، كانت المركبة تتجه نحو الأرض.. وأمام العلماء الخمسة ورقة طبعت عليها أفكار الحل.. وبدأت أذهانهم تعد تصورات التنفيذ.

كان الخبر الأكثر أهمية على سطح الأرض وصول مركبة العلماء الخمسة.. فالحالة تزداد سوءاً وبعد مضي ثلاثة أيام فقط.. وضعت تصورات التنفيذ، وبدئ العمل بها.. استجاب الناس لأفكار الحل..

والأمل يراودهم في رؤية اخضرار الأرض من جديد، وتجرع كؤوس الماء حتى الارتواء.. فتوقفت فوهات معامل إنتاج المواد الملوثة للبيئة عن إرسال سحب دخانها المقيت نحو الفضاء.. وأخذ الناس يتبارون في غرس كميات كبيرة جداً من الأشجار في كل مكان.. في الحدائق.. أمام البيوت.. على أطراف المدن.. وما زاد العمل روعة وبهاء انهمار مطر غزير من غير حاجة للاستمطار، وكأنما يد الله تبارك هذا التعاون المثمر من أجل الحفاظ على الأرض.. بدا المشهد رائعاً مؤثراً.. لم يتأخر عن العمل أي قادر عليه فغدا الكوكب الأرضي ورشة عمل متكاملة.. حتى العلماء الخمسة الذين أرسوا بنود الحل ووضعوا تصورات التنفيذ كانوا يشرفون على العمل في مواقعه من بعيد.. من بين النجوم التي تلألأت في السماء.. أخذ يدنو ذلك الصحن الطائر..

وعندما أصبح بمقدوره مخاطبة مركز المختبرات على سطح الأرض أرسل إشارات سجلتها أجهزة الرصد- حيث تمكن عبد الله ورفاقه من تفسيرها فكانت رسالتهم: "بوركتم- هذا -سبيل- إنقاذ- الأرض- ولكن- حذار- من- تناسي- ما حدث- فالمأساة- حينها- ستتكرر- وربما- لا يجدي- عندئذٍ- جهد- منقذين- أمثالكم".

تبادل العلماء الخمسة ابتسامات الرضى.. وسعدوا كثيراً وهم يستمعون لقطرات المطر تضرب بقوة زجاج النافذة والرصيف.

لأول مرة أرى دموع جدي كان يبكي فرحاً.. الحمد لله.. قُدّر له أن يعيش زمناً يرى فيه اخضرار الأرض من جديد.. ويشرب ماء عذباً حتى يرتوي..

حسن خليل
13-10-06, 09:30 PM
القصة الثامنة والستون

ألحان وألوان

أتَمنى أن أسمِعَكُم لحناً من الألحانِ التي ألَّفتُها وأعزفُها على أوتارِ عودي. أثقُ أنني سأفعلُ ذات يومٍ، فألحاني ستجدُ طريقها إلى كلّ أذنٍ تحسنُ تذوقَ الموسيقى، ولكن دعوني الآن أحكي لكم قِصتي التي بدأت مع ولادتي وترافقُ أيام حياتي.‏

اسمي إبراهيم الغساني، عمري أربعةَ عشرَ عاماً. أدرسُ في الصفِ السابعِ لستُ متأخراً بسببِ رسوبٍ أو تقصيرٍ، ولكن تأخرتُ في الانتسابِ إلى المدرسة.‏
وأنا كفيفٌ! هل تدرون ما معنى ذلك؟! الكفيفُ لا يرى من الدنيا إلا اللونَ الأسود. كم كنتُ حزيناً بادئَ الأمرِ، وكم بكيتُ حين كنتُ في السنوات الأولى من عمري. مراتٍ كثيرةً سمعتُ بكاء أمي وأبي، ورغم ذلك بقيَ رفيقي اللون الأسود وسيبقى. فالأطباءُ الذينَ اصطحَبني أبي إليهم على مدى خمسةِ أعوامٍ أكدُوا أنني لن أتمكنَ من الرؤيةِ مدَى الحياةِ. بعدها بدأتُ أحلم وأتمنى. أمورٌ كثيرةٌ حلمتُ برؤيتها، منها ثيابي الجديدة التي تحضرُها لي أمي، وألعابي التي أحبُّها كثيراً والعصفورُ الذي يُسمعني أعذبَ الألحانِ، وبرامجُ الأطفالِ التي يضحك لها شقيقي عادل ووجهُ أمي الحنون، ولكن لا جدوى... لهذا كنتُ أمضي معظمَ وقتي في الغرفةِ المخصصةِ لي ولشقيقي عادل لا أغادرها، وإذا علمتُ بزيارة ضيوفٍ إلى بيتنا أتظاهرُ بالنوم فقد مللتُ من سماع كلماتِ الشفقةِ.‏

يكبرني شقيقي عادل بعامٍ واحدٍ، ولهذا فدخوله إلى الصف الأول من المدرسة أعادني إلى أمنياتي. سمعتُ أبي يحثه على الاجتهادِ، وقال لـه مراتٍ عديدة: العلمُ نورٌ يا بني. وأنا أحبُّ النور، وأحبُّ العلم.‏

الأشهر الأولى لدوامِ شقيقي في المدرسةِ كانت صعبةً، فهو يحبُ اللعبَ كثيراً، ويفضلهُ على التعلمِ، وأبي يبذلُ كلّ المحاولاتِ لتعليمهِ، يقرأ لـه الدروسَ، ويعلمُهُ تركيبَ الجملِ ويبسطُ لـهُ تمارينَ الحسابِ ويلحنُ لـه الأناشيدَ المدرسيةَ، كل ذلك في غرفتنا وأنا أُصغي إلى دروسِ أبي وأعجبُ حينَ يعجزُ شقيقي عادل عن الحفظِ. التزمتُ الصمتَ مراتٍ عدة لكنني أخذتُ بعدها أعيدُ ما يقرأ أبي بمجرد سماعي لـهُ، لفتَ ذلك انتباه أبي فأخذ يشجعني، يسمعني النشيدَ فأعيدُه، يسمعني درسَ القراءةِ فأرددُه كما سمعتُ، وأجري لـه بعض العملياتِ الحسابيةِ البسيطة حين يطلبُ. وكم تنهدَ أبي وقالَ: ليتَني أستطيعُ إرسالَك إلى المدرسةِ.‏

فكرتُ كثيراً: لماذا لا يستطيعُ؟ أليسَ ما أسمعهُ من أبي هيَ الدروسُ التي يشرحونها في المدرسة؟ إنني متأكدٌ من قدرتي على المتابعةِ.‏

مرَّتِ الأيام، وعادلُ اجتهدَ ونالَ إعجابَ معلمهِ، وتوقفَ أبي عن شرحِ الدروسِ لـه، ولهذا طلبتُ من شقيقي أن يقرأ أمامي بعضَ دروسِ القراءةِ والنشيدِ والحسابِ التي يأخذونها في الصفِ. اصطحبني أبي وأمي في زياراتٍ إلى بيوتِ الأصدقاءِ رغمَ اعتراضيَ الدائم فأنا لا أحبُ مغادرةَ غرفتنا. كان يحزنني حديثُ أبي عن إعاقتي التي لا تمكِّنني من القيامِ بأي عملٍ، وحرصُ أمي الزائد عليَ، ومع دخولي عامي السادس أصبحَ شقيقي عادل في الصفِ الثاني، أناشيدُه أجملُ ودروسُ القراءةِ أكثر متعة. لقد أسمعني وحفظتُ منها الكثير، ومساءَ أحدِ الأيامِ سمعتُ أبي يقول لأمي: ما رأيكِ أن نرسلَ إبراهيم ليتعلم في مدرسة القرية؟ إنه طفلٌ ذكيٌ وقادرٌ على التعلم. فبكت أمي وردَّت: لا... إننا هنا نُراعي مشاعره ولا أريده أن يتعرضَ لما يثيرُ حزنَهُ. وتابعت أمي: يمكنكَ أن تعلّمه بعضَ الدروسِ من كتبِ عادل. لكن انشغالَ أبي معظمَ الأوقاتِ أبعَده عن مهمةِ تعليمي.‏

طلبتُ من عادل أن يصحَبَني في لقاءاتِ لعبهِ مع رفاقِه فرفضَ. قالَ إنَّ الألعابَ التي يمارسونَها ستسبب لي الأذى، فقررتُ ألا أطلبَ منه ذلك ثانيةً أحسستُ أن هذه الغرفةَ عالمي وعليَ أن لا أزعجَ أحداً بطلباتي بعد الآن. اللونُ الأسود يشتدُ، ألعابي مللتها، وأنا سجينُ غرفتي.‏

ومساءَ يومٍ ربيعي هبت فيهِ نسمات لطيفة سهرَ في بيتنا عَمّي راشد وزوجته. لقد عادا من السفر منذُ أيام، سمعتُ ترحيبَ أبي وأمي بهما وحديثاً جميلاً عن حبِ الوطنِ. سألَ عمي عنّي فأخبره والدي بحالتي. شدَّ انتباهي اهتمام عمي بي، وبعدَ قليل طلبَ أبي منهُ أن يعزفَ على أوتارِ عودِه الذي أحضرَهُ معه، فانطلقتِ الأنغامُ الشجيةُ الرائعةُ. ما تمالكتُ نفسي فخرجتُ إلى حيثُ يجلسونَ في حديقةِ بيتنا. توقفَ عمِّي عن العزفِ ليرحِّبَ بي قائلاً: حبيبي إبراهيم! كنتَ نائماً؟‏

فابتسمتُ وقلتُ لـهُ: أرجوك تابع العزف.‏

عادَ عمي يطلقُ أعذبَ الألحانِ. كانت سهرةً من أجملِ أيامِ عمري، وحين أرادَ الانصرافَ قالَ: سأزوركَ يا إبراهيم لأسمعكَ النغماتِ التي تحبها.‏

أراكَ تحبُّ الموسيقى.‏

وكرر عمّي زياراته إلينا. وما انقضَى شهرٌ إلا ونشأت صداقة رائعة بيني وبينه.‏
قال لي يوماً بحضورِ أبي: ما رأيُكَ أن أعلِّمكَ العزفَ على العودِ؟‏

ضحكتُ، فتابع عمي: إنني جادٌ في ما أقول. عدم قدرتِكَ على الرؤيةِ لا يعني أنك عاجزٌ عن القيامِ بأعمالٍ ممتعةٍ. الكثيرُ من المكفوفينَ يقدمون خدماتٍ كثيرةً لأوطانِهم، ويفعلونَ الكثيرَ من أجلِ أن يتمتعُوا بحياةٍ سعيدةٍ عنوانها العمل والعطاء.‏

قلتُ لعمي متعجباً: وهل أستطيعُ تعلمَ العزفِ حقاً؟‏

أجابَ: أجل. المهم أن تكونَ لديكَ الإرادة القوية.‏

وضعَ العودَ في حضني، وعلّمني كيفَ أمسكهُ، ثمَّ وضعَ الريشةَ بينَ أصابعي وطلبَ مني أن أداعبَ الأوتارَ بالريشةِ فأصدرتْ صَوتاً جَعلني أبتسمُ. قال عمي: ستتعلم. أنا واثقٌ.‏

تحدثَ أبي: سيكونُ هذا رائعاً. وأمي سألتْ راشد: هل صحيحٌ أنَّ إبراهيم سيتمكنُ من ذلك؟‏

ردَّ راشد: أجل.‏

أخذتُ أنتظرُ زيارةَ عمي، وهو يحضرُ إلينا ويعلمني، وشيئاً فشيئاً بدأتُ أداعبُ الأوتارَ برقةٍ كما يوصيني. بدأتُ أعزفُ ألحاناً شبيهةً بما أسمعُ عبرَ الإذاعةِ، وعمي يرافقُ عزفي ببعضِ الأغاني العذبةِ، وما مضى الصيفُ حتى قطعتُ شوطاً كبيراً في تعلمِ العزفِ على العودِ.‏

أنتظرُ زياراتِ عمي بشوقٍ كما قلتُ، لكن حينَ زارَنا مع زوجتِه مودعاً أبكاني. أحسستُ أنّ اللونَ الأسودَ يعود من جديدٍ ليحتلَّ كل أيامي وسأفقدُ اللحظات الجميلة التي أعيشُها بوجودِه. لكنَّه فاجأ الجميع حينَ قال لأبي وأمِّي: لي عندكما رجاء.‏

قالَ أبي: تفضل..‏

تابعَ عمي: أرجُو أن تَسمحا لي باصطحابِ إبراهيم معي. ففي المدينةِ حيثُ سأسكنُ يوجدُ معهدٌ لتعليمِ المكفوفين وأثقُ إنه سيكونُ مثالَ التلميذِ المجتهدِ المتفوقِ. سأهتمُ به، وستتعززُ صداقتي معه. وأخذَ يتحدثُ عن عباقرةٍ مكفوفينَ تميزُوا في مجالاتٍ شتى كالشعر والموسيقى واللغة والعلوم وذكر أسماءَ (طه حسين عميد الأدب العربي وأبي العلاء المعري الشاعر الكبير والموسيقار سيد مكاوي وغيرهم).‏

قالت أمي باكية: لا يمكنني قبول بعده عني، إنني أتابعُ شؤونَه وأهتمُ به. فسألَني أبي: ما رأيُكَ يا إبراهيم؟‏

أجبتُه: إن كان عمي راشد سيبقى قريباً مني فأنا موافق. إنني أحبُّ التعلمَ كثيراً، وسأتقنُ العزفَ على آلةِ العودِ أكثرُ بوجودِ عمِّي، وسأعودُ حين أكملُ تعليمي، كما أنكم ستزورونني في المدينة أليس كذلك؟‏

اقتربَ عمّي راشد واحتضنَني وقالَ: ستكون أغلى وأعز صديق.‏

وبعدَ أيامٍ كانتْ رحلَتي الأولى نحَو المدينةِ برفقةِ عمي. سجلَّني في مدرسةِ المكفوفين، وكم كانت سعادتي كبيرةً وأنا أتقنُ تعلمَ القراءةِ والكتابةِ بحروفٍ مخصصةٍ لحالتَنا بسرعةٍ كبيرةٍ. وسرَّني أكثر اهتمامَ مدرستِنا بأصحابِ الهواياتِ حيثُ أتاحوا لي فرصةَ متابعةِ تعلمِ العزفِ على العودِ. أصبحتُ حياتي أكثرَ متعةً وسروراً، واللون الأسود لم يعدْ ذلك العدوَّ المخيفَ لي.‏

زارني أبي وأمي وشقيقي عادل مرات في المدرسة، وكانت سعادتهم كبيرةً حينَ تأكدُوا من تفوقِي في الدروس والعزفِ على العودِ، وزرتُ قريتَنا كثيراً برفقةِ عمي. أصبحَ لديَّ عُوَدٌ خاصٌ بي أعزفُ عليه ألحاناً جميلةً، حيثُ يجتمعُ الكثيرُ من أصدقاءِ عادل وأصدقائي ـ أجل أصبحَ لديَّ أصدقاء أحبّهم ويحبونني ـ ونتبادل الأحاديث الشيقة.‏

في مدرستنا تميَّزَ صديقي نبيلُ بصوتٍ عذبٍ رائعٍ، فاقترحَ معلمُ الموسيقى أن أعزفَ لـه ويغنّي فشكلنا ثنائياً مُوسيقياً ونلنا إعجابَ جميعِ من سَمعنا.‏

وخلالَ أشهرٍ قليلةٍ أخذَ عمي راشد وأصدقاؤُه يساعدُونا على إقامة حفلاتٍ خيريةٍ تقدُم أرباحُها للأسرِ الفقيرةِ، وهذا ما زاد حماسِتي واندفاعي لتقديمِ الأفضلِ باستمرار.‏

اجتزتُ صفوفَ الدراسةِ بتفوقٍ صفاً تلوَ آخر. أنا الآن في الصفِ السابعِ تعلمتُ الكثير من علومِ الموسيقى وألفْتُ العديدَ من الألحانِ التي نالتِ الإعجابَ، كما أنني كتبتُ أبياتاً من الشعرِ بعد أن شجَعني مدرسُ اللغةِ العربيةِ.‏

أحلامي كبرت وأصبحتْ حياتي أجمل. سأكون في المستقبلِ معلمَ موسيقى وسيكون اسمي (إبراهيم الغساني) كاسم الكثيرِ ممنْ تعلمُوا إن الحياةَ تحلو بالعملِ والعطاءِ، والوطنُ يحتاجُ جهودَهم ولو كانُوا مكفوفينَ. بقيَ عليَ أن أخبركم: لم يعد اللون الأسود رفيقَ حياتي الوحيد بل أصبحت الموسيقى والدراسة والصداقة والعطاء كلها ألواناً جديدةً جميلةً زاهيةً تزينُ أيامي.‏

حسن خليل
13-10-06, 09:32 PM
القصة التاسعة والستون


شجرةُ الأحلامِ

جَلستْ أمُ باسم تقرأُ الرسالةَ التي وصلت للتوِّ من زَوجها حسان، وإلى جوارِها ولدها باسم الَّذي أخذَ يُراقبُها بعينيه. لا شكَ في أنَّ كلمات الرسالةِ تحملُ التحيةَ والمحبةَ والشوقَ من الأبِ الغائبِ منذُ أكثرَ من خمسِ سنواتٍ. ولأنَّ الأم تدركُ ما يشغلُ بالَ ولدها الأخرس فقد كانت تقرأ الرسالةَ وتمسحُ بحنانٍ على شعره. وحين انتهت من القراءةِ نظرتْ إليه، وأَشارتْ بيدها ما يعني أنَّ والدهُ سيعودُ إن شاءَ اللهُ.‏

ضمتهُ إلى صدرها وبكتْ. أَعطتهُ الرسالةَ ليقرأَها فأخذَهَا ودخلَ غرفتَهُ. مسحتْ الأمُ دموعَها وهي تسرعُ نحوَ البابِ لتفتحهُ بعد أنْ سمعتِ الجرسَ يرنُّ. إنها صديقتُها ميساء جاءتْ لزيارتِها. جلستا، وسألتها الصديقةُ: ما بكِ يا أم باسم؟ فردتْ: ولدي باسم. أشعرُ بحزنِهِ الدائم بسببِ غيابِ والدِهِ. يرى اهتمامَ الآباءِ بأبنائِهم فيسألني بالإشارةِ: متى يعودُ أبي؟ ولماذا أنا أخرس؟ وأجيبه بالإشارة أيضاً: والِدُكَ سافرَ ليعملَ وإصابتكَ بالخرس هي إرادة الله. كما أُحاولُ أن أوضح لـه أنَّ العلمَ يتطورُ، وقد يستطيعُ يوماً معالجةَ حالتهِ. باسمُ ذكيٌّ وحساسٌّ.‏

قالت ميساءُ: طالَ غيابُ زوجكِ. عليهِ أن يعود ليشاركَ في تحملِ مسؤوليةِ ورعايةِ ولدكما.‏

تابعتْ أمُّ باسم: رسالتُه التي وصلَتْني قبلَ قليل تؤكدُ أنَّه سيعودُ بعد عامٍ.‏

ميساء: كانَ عليكِ أن تأخُذي ولدكِ وتسافري‏

مع زوجكِ.‏

أم باسم: حاولَ حسانُ كثيراً، إلا أنني لا أحتملُ مجرَّدَ التفكير بالسفر.‏

ميساء: وكيفَ ترينَ استجابةَ باسم للتعلمِ في المدرسةِ؟‏

أم باسم: أصبحَ يجيدُ القراءةَ والكتابةَ، ويتابعُ قصصَ ومجلاتِ الأطفالِ، ومنذُ أيامٍ كتبَ لي أنَّهُ سيُصبحُ كاتباً في المستقبل. قطعَ حديثَهُما صوتُ جرسِ الباب. هذه المرة كانَ أصدقاءُ باسم (رافع ونجيب وسعد) رحبتْ بهم ودعتْهُم للدخول، إلا أنهم شَكروها، وَرَجوها أن تُرسلَ باسم ليخرُجُوا سوّيةً للعبِ.‏

وبعدَ أن انضمَّ إليهِم غادروا وعادتِ الأمُّ إِلى صَديقتِها.‏

ميساء: ربَّما كانَ من الأفضلِ أنْ تُرسلي باسم إلى مدرسةِ الصّمِ والبكمِ.‏

أم باسم: لا توجد في قريتِنا مدرسةٌ متخصصةٌ لهم، ولا يمكن أَن أُرسلَهُ إلى المدينةِ. ثمَّ إنهُ يتعلمُ هنا، فكما قلتُ لكِ هو طفلٌ ذكيٌ، وأصدقاؤُه الثلاثةُ الذين حَضروا الآنَ يحبونَهُ، وهو يحبُّهُم. إنهم يتعلمونَ في صفٍ واحدٍ، ويلعبونَ سويةً لقد تخلّوا عن صديقٍ آخرَ لهم لأنهُ سَخرَ من باسم، رغمَ أنَّ ولدي رجاهُم بالإشارةِ أن يسامِحُوه. إنهم يخرجونَ للعبِ في الحديقةِ قربَ بيتنا مُصطحبينَ معهُم أوراقاً. وأقلاماً وذلك بعدَ أن يُتمُوا واجباتِهم المدرسيةَ.‏

ميساء: وُجودُ الأصدقاء والأحبة خيرُ تعويضٍ ومواساةٍ.‏

* * *‏

يتبع

حسن خليل
13-10-06, 09:33 PM
في الحديقةِ، كانَ الأصدقاءُ الأربعةُ (باسم ورافع ونجيب وسعد) يَجلسونَ قربَ شجرةٍ زيتونٍ خضراءَ فتيةٍ بعدَ أن مارسُوا ألعابَهم البَسِيطةَ التي ابتكرَ أغلبَها باسمُ وقد اعتادُوا أَن يُمضوا بعضَ الوقتِ في أحاديثَ شتَّى تتعلقُ بالمدرسةِ، بمعلميهِم وبرفاقِهم، بِأَحلامِهم.. الأحلامُ التي لا يملّونَ الحديثَ عنها. ويُرفق الأصدقاءُ أحاديثَهم بإشاراتٍ ليتمكنَ باسمُ مِنْ فهمها، وأحياناً يكتبونَ حِواراً على أوارقِهِم. وباسمُ الطفلُ الذكيُّ الذي أتمَّ العاشرةَ من عمرِه يُدركُ الكثيرَ من أحاديثِهم عبرَ حركاتِ الشفاهِ.‏

كتبَ سعدُ: إننا نتحدثُ كثيراً عن أَحلامِنا.‏

ضحكَ وكتبَ نجيبُ: لا أحدَ يعرفُ بأَحلامِنا إلا نحنُ وهذهِ الزيتونةُ الخضراءُ.‏

ورافعُ كتبَ: حديثنا الدائم عنِ الأحلامِ يَجعلُنا نصمّمُ على تحقيقِ ما نستطيعُ مِنها.‏

وكتبَ باسم: أحلامُنا ستكبُرُ كما تكبُر وتنمو هذه الشجرة. ما رأيكُم أن نُسمِّي شجرةَ الزيتونِ الخضراء التي نُحبها شجرةَ الأحلامِ ويختارُ كلُّ منا غُصناً من أغصانِها ويكتبَ أحلامَهُ على ورقةٍ ويخبّئَ هذه الورقةَ على الغصنِ الذي اختارَهُ وكلما كبرتِ الشجرةُ تكبُرُ أحلامنا.‏

هتفَ نجيبُ وسعدُ ورافعُ: شجرةُ الأحلام! هذا رائعٌ. ستكونُ أغلى شجرةٍٍ على قلوبِنا. بعدَها فكَر سعدُ وكتبَ: وإذا هطلَ المطرُ وبللَ أوراقَ أحلامِنا؟‏

ردَ عليه رافعُ كتابةً: نعيدُ كتابتَها من جديد.‏

كتبَ باسمُ: حينَ يهطلُ المطرُ هذا يعني أنَّ الشجرةَ ستنمو، وأحلامُنا ستكبرُ. وكل حلمٍ يتحقق سنرسمُ إلى جانبهِ ابتسامةً.‏

نجيبُ قالَ وكتبَ: ليتركَ كلُّ منا ورقةً بيضاءَ ليُضيفَ عَلَيها أحلاماً جديدةً. ومع سعادتِهم بالفكرةِ كانَ الأصدقاءُ الأربعةُ يقفونَ، ويُمسكُ كلٌ منهم بيدِ الآخر مشكلين حلَقَةً، وهُم يغنونَ ويَمْرحونَ والابتساماتُ تزيِّنُ وجوهَهم وباسمُ يحركُ شفتيه كأنّما يُشاركُ أصدقاءَه الغناءَ. وبعدَ قليلٍ جلسَ كلٌّ مِنهم وأمسكَ بقلمِه وأخذَ يكتبُ أحلامَهُ. حينَ عادَ باسمُ إلى البيت لفتَ انتباهَ والدته سعادة تهللَ بها وجهُهُ. سألتْهُ بإشارَتِها وابتسامَتِها، فكتبَ لها عن شجرةِ الأحلامِ. ومنْ كلماتِهِ التي كتبَها شعرتْ أنهُ يعيشُ لحظةَ الفرحِ الكُبرى في حياتِهِ.‏

* * *‏

يتبع

حسن خليل
13-10-06, 09:34 PM
وتوالتِ الأيامُ، وهَطلَ مطرٌ، وكُتِبَتِ الأحلامُ على أوراقٍ كثيرةٍ، وانضمَّ إلى الأصدقاءِ الأربعة صديقٌ جديدٌ هو عمار يماثلُهم سناً وفي صفهم ذاته، ويكاد يتفوقُ على الجميعِ باجتهادِه. غيرَ أن شللَ الأطفالِ تسببَ في ضمورِ عضلاتِ رجلَيه وحدَّ من قُدرتِهِ على الحركةِ.‏

أم باسم تلقَتْ رسائلَ أُخرى، ومَع كلِّ رسالةٍ كانتِ الابتسامةُ تكبُر. فالغائبُ سيعودُ قريباً.. ما هي إلا أيام وأحدُ أحلامِ باسم التي سطَّرها وحَمَلَتْها شجرةُ الأحلامِ سيتحققُ. ومَع إطلالةِ صبحٍ جديدٍ أيقظَتْ أم باسم ولدها وإِشاراتها جعلتهُ يُدركُ أنَّ عليهِ الاستعداد للانطلاقِ نحوَ المدينةِ، ثم إلى المطارِ لاستقبالِ والدِهِ الحبيب العائد. في المطارِ ابتساماتُ لقاءٍ، ودموعُ وداعٍ. كانت عينا باسم تجوبانِ أرجاءَ المطارِ وأمه تقفُ إلى جوارِهِ. فجأةً: رَبتت على كتفهِ وأشارتْ بفرحٍ كبيرٍ نحوَ بوابةِ العبورِ حيثُ كانَ أبو باسم يحملُ حقيبةً صغيرةً بيدِهِ ويتقدمُ نحوهما.‏

أسرعَ باسمُ يستقبلُ والدَهُ الذي احتضنَهُ بحنانٍ غامرٍ. طالَ عناقَهُما حتى تدخلتِ الأمُّ مرحبةً بزوجِها وبعدَ قليلٍ انطلقتْ بهم سيارةُ أجرةٍ نحو قريتِهم البعيدة.‏

* * *‏

بدأَ أهلُ القريةِ يتوافدون إلى بيتِ أبي باسم مهنئين بالسلامةِ، وباسمُ أمضى معظَمَ وقتهِ إلى يسار والدهِ وبسمتُهُ تحكي لكلِّ من يراهُ مدى سعادته، بينَما كانتْ أمُّ باسم منهمكةً بإعدادِ الضيافةِ للزوارِ، نظرَ باسمُ إلى الساعة. إنها الرابعةَ عصراً. قبّلَ والدَهُ وأشارَ إليه ما يعني أنه سيخرُجُ للعبِ مع رفاقِه.لم يدركْ والدُه ماذا يقصدُ. لكنَّ الأم ابتسمت وأشارتْ ما فَهمَ الولدُ منهُ أنَّ بإمكانِه الخروج وأَخذتْ تَحكي لزوجها عن صداقةِ باسم ورفاقِه وموعدِ لعبهم والفرح الذي يحتلُّ كيانها كلما رأتْ سعادةَ ولدِها بأصدقائِهِ، فَهُمْ جعلوهُ يعيشُ حياةً طبيعةً متناسياً أمرَ الإعاقةِ التي ألمتْ بهِ، وأكثر من ذلك فهمْ يُشعروهُ بحاجتِهم لوجودهِ بينَهُم. أبدى الأبُ ارتياحَهُ لما سَمِعَ، ولكنّهُ قال: بكلِّ أسفٍ الكثيرُ من هذهِ الأمور ستتغيرُ بعدَ انتقالِنا للسكنِ في المدينةِ. استغربتِ الأمُّ قولَ زوجِها. إلا أنَّ جرسَ البابِ قطعَ دَهْشتها، فأجلَّتْ بحثَ الأمرِ.‏

وفي الحديقةِ قربَ شجرةٍ الزيتون الخضراء الفتية كانَ الأصدقاءُ الخمسةُ يجتمعونَ والفرحةُ باديةٌ على وجوهِهِم. إنَّها الفرحةُ بتحقُّقِ أحدِ أحلامِ صديقِهم باسم الذي أحضرَ ورقةَ أحلامِهِ منَ الشجرةِ ورسَمَ بجوارِ حُلمهِ الأول ابتسامة. صفقَ الأصدقاءُ، وباسمُ فتحَ يديهِ متضرِّعاً ـ دونما حديثٍ ـ أن تتحققَ أحلامُ أصدقائِهِ أيضاً. ومن إشاراتِ باسم فهم الأصدقاءُ أن عليهمِ مرافقتَهُ ليسلِّموا على والدِهِ فانطلَقُوا فرحينَ. وفي البيتِ استقبلَهُم الأبُ ورحَّبَ بهم وقدمتِ الأمُّ لهُم الضيافةَ غيرَ أنَّ اضطراباً لم يلحْظهُ باسمُ من قبل بدا على وجهِ أمهِ وحينَ أشارَ إِليها: ما الأمرُ؟ رَبَتتْ على كتفهِ وأشارتْ: لا شَيء.‏

* * *‏

يتبع

حسن خليل
13-10-06, 09:35 PM
جلسَ أبو باسم وزوجتُهُ وابنهما مساءً. كانَ الولدُ يشيرُ بحركاتِ يَديه ووالداهُ منتبهان جَيداً وعلى كلٍّ منْ وجوهِ الثلاثةِ ابتسامةً. فسَّرتِ الأمُّ ما فهمتْهُ من إشاراتِ ولدها. إِنهُ اجتهَد كثيراً بفضلِ أمّهِ وأصدقائِه، ومعلمُه يحبُّه كثيراً ويشجعُه، وهو مصممٌ أن يكونَ في المستقبلِ كاتباً. ثم إنَّ أصدقاءه يفعلونَ دائماً ما يقولُ لهم. بعد أن أنهتِ الأمُّ تفسيرَ إشاراتِ ولدِها تابعتْ: ماذا كنتَ تعني حين قلتَ: إنَّ الكثيرَ من الأمورِ ستتغير؟‏

أجابَها: آن لنا أن نرحلَ من هذهِ القريةِ النائيةِ. في المدينةِ كلُّ ما يمكنُ أن يحتاجَهُ المرءُ من خدماتٍ، ثم إن مجالاتِ العملِ فيها أكبر، وسيلتحقُ باسمُ بمدرسةِ الصمِّ والبكمِ ويتعلمُ فيها. أنتِ تعلمين أنني أحضرتُ مالاً وفيراً يمكّننا من تحقيقِ حياةٍ رغيدةٍ هناك.‏

قالت أم باسم: أرى أنك اتخذتَ قراراً ولم تسألنا. نحنُ لا نريدُ سكنَ المدينةِ. الخدماتُ متوافرةُ هنا بصورةٍ جيدةٍ، والمدرسةُ في القريةِ تتكفلُ بتعليمِ ولدِنا باسم‏

أما عن مجالاتِ العملِ فيمكنُكَ استثمارُ أموالِكَ في الزراعةِ أو في أيِّ مشروعٍ آخر هنا. ثمَّ إن السعادةَ التي يحياها باسمُ هنا لن تُعوضَ لـهُ في أي مكانٍ آخر.‏

حسان: أَعلمُ أنكُما تحبانِ القريةَ، ولكن ستعتادانِ الحياةَ في المدينةِ أيضاً وستجدانِ الفرقَ الكبيرَ بعدَ انتقالنا. لقد اتخذتُ قراري وانتهى الأمر. تعبتُ في الغربةِ ولن أضيّع ما جنيَته هنا. كان باسمُ يراقبُ ما يدور بين والديهِ. صحيحُ أنهُ لم يفهم كل ما دار ولكنَّه أدركَ أن ثمةَ خلافاً سيؤثرُ على صفوِ حياتِهم. وقفَ وعلى وجههِ علائمُ قلقٍ وحزنٍ، ثم اتجهَ نحوَ غرفةِ نومِهِ.‏

صباحَ اليومِ التالي اتجهَ الأبُ إلى المدينةِ لشراءِ مسكنٍ مناسبٍ، ولقاءِ صديقهِ المحامي عادل للتفكيرِ في مجالٍ يمكنّهُ من استثمارِ أموالِه. بينما أعدتِ الأمُّ طعامَ الفطورِ لولدِها. على مائدةِ الطعامِ لاحظَ باسمُ حزنَ أمهِ فأشارَ إليها بيدِهِ مُستفسراً وأخذَتْ تُشيرُ أن والدَهُ قررَ اصطحابَهُما للسكنِ في المدينة حيثُ الخدماتُ والعملُ والمدرسةُ المناسبةُ. حاولت إقناعَ وَلدها بما لم تَقتنعْ نفسَها بهِ، ولكنَّها فشلتْ وهاهي علاماتُ الغضبِ تبدو جليةً على وجهِ باسم. أشارَ أنه لن يغادرَ القريةَ، وحينَ أكدتْ بالإشارةِ أن والدَهُ مصممٌ على ذلكَ، دخلَ غرفتهُ وما خرجَ منها إلى أنْ حانَ موعدُ لقاءِ الأصدقاءِ عندَ الساعة الرابعة عصراً. وقربَ شجرةِ الأحلامِ اجتمعَ الأصدقاءُ الخمسةُ. كتبَ باسمُ أنَّ والدَهُ مصمّم على الرحيلِ. فسأل رافع: ما الذي يمكننا فعلَهُ؟‏

قال وكتبَ نجيبُ: نزورُ أبا باسم، ونحاولُ إقناعَهُ بالبقاءِ هنا. هزَّ باسمُ رأسَهُ يائساً، فهو أدركَ أنَّ والدَتهُ بذلْتُ جهداً في هذا السبيلِ ولم تفلحْ.‏

أشارَ سعدُ: سنحاول. ومساءً، حينَ عادَ الأبُ من المدينةِ واجَهَ الأصدقاءَ الخمسةَ عند باب البيتِ. ابتسمَ، فحدثُوهُ راجينَ أن يُلغيَ فكرَة السفرِ. فتبدلتْ علائمُ وجهِهِ من ابتسامةٍ إلى غضبٍ. وصرخَ: ما كان ينقصُني إلا تدخلّ الصغارِ في حياتي. طأطأ الأصدقاءُ رؤوسهُم.‏

وغادَروا المكانَ. حاولَ باسمُ مرافقتهم إلا أنَّ والدَهُ أمسكَ بيدهِ، وشدَّهُ إلى الداخلِ رأتْ أمُّ باسم المشهدَ وقد سمعتْ صراخَ زوجِها فأدركتْ ما حَصَلَ. قالتْ لـهُ: ما كانَ عليكَ أن تعامِلَهمُ بهذه القسوة. إنهم أصدقاءُ باسم الأوفياءُ.‏

ردَّ أبو باسم: لا أريدُ أن أسمعَ مَن يحاولُ تعديلَ قراري. سفرنا إلى المدينة سيكون بعد ثلاثةِ أيامٍ فقد اشتريتُ مسكناً واتفقتُ مع صديقي عادل على إقامة مشروعٍ تجاريٍ مناسبٍ. أفلتَ باسمُ من يدِ والدهِ واتجهَ نحو غرفتهِ حزيناً.‏

فتابعتْ أمُّ باسم: إنكَ لا تهتمُ بمشاعرِ ولدنا الذي أحببْتُ أن أقدمَ كلَّ ما أستطيعُ لإسعادهِ، وفرحتُ وأنا أراقبُ تآلفَهُ وانسجامَهُ مع أصدقائهِ.‏

قالَ حسانُ: ما أفعلهُ هوَ في مصلحتهِ أيضاً، فمدرسةُ الصم والبكمِ ستعلِّمُه ما تعجزُ مدرسةُ القريةِ عنه. توقفَ الحوارَ عندَ هذا الحدِ، فالأبُ العائدُ منَ المدينةِ متعبٌ وعلى الأمِّ أن تهيئ لـهُ طعامَ العشاءِ.‏

* * *‏

يتبع

حسن خليل
13-10-06, 09:37 PM
وفي اليوم التالي وقربَ شجرةِ الأحلامِ وقفَ سعدُ ونجيبُ ورافعُ وعمارُ. قالَ سعدُ: أرى أنَّ الحلمَ الذي تحققَ سيسببُ لنا الحزنَ. تابعَ نجيبُ: بما أنَّ أمرَ السفرِ مؤكد فلنتحدثْ إلى صديقِنا باسم عن جمالِ الحياةِ الجديدةِ التي سيعيشُها.‏

لنحاولَ مواساته ما استطْعنا. لنخبَرُه أننا سنبقَى أصدقاءَهُ المخلصين وسنكتُب لـهُ الكثيرَ من الرسائلِ.‏

وعامرُ قال: لماذا يريدُ أهلنا أن نعيشَ حياةً مختلفةً؟ نحنُ مع أصدقائِنا وأَحبتِنا نستطيعُ أن نكوَن مثل كلِّ الناسِ. إنني أنسى إصابتي بالشللِ وأنا بينكُم. وعندَ بابِ الحديقةِ بدا باسمُ يتقدمُ وعلاماتُ حُزنهِ جلَيةً. أسرعَ الأصدقاءُ الأربعةُ نحوَهُ.‏

أشارَ إليهم أن يومين يفصلانه عن السفرِ إلى المدينة ولنْ يتمكَن من لقائِهم بعدَ اليومِ وعندما بدأ الأصدقاءُ يشيرونَ بأيديهم ما يُوحي أنَّ المدينةَ جميلة وأنهُم سَمِعُوا الكثيرَ عنها كانَ باسمُ شارداً. ومع محاولاتِهم رَسم الابتسامةِ على وجهِه إلا أنه ظلَّ كئيباً، وقبلَ أن ينقضي وقت لقاءِ الأصدقاءِ انطلقَ الخمسةُ نحوَ أغصانِ شجرةِ الأحلام وأحضرَ كلٌّ منهُم ورقةَ أحلامهِ ليضيف حلماً جديداً إشاراتُ باسم أوضحت لأصدقائه رغبته أن تبقى ورقةُ أحلامهِ وغصنُ أحلامِه بانتظارِ عودتِه.‏

بعدَ قليلٍ كانت الدموعُ تُعبّرُ بوضوحٍِ تامٍ عن حالةِ الحزنِ التي سبَّبها قرارُ والدِ باسم وانطلقَ كلُّ منَ الأصدقاءِ الخمسة نحوَ منزلِ أسرتهِ كئيباً. إنَّهُ حزنُ الوداعِ.‏

* * *‏

حينَ كانَ سائقُ السيارةِ يهمّ بالانطلاقِ كانَ الكثيرُ من أهلِ القريةِ يلوحونَ تلويحةَ الوداعِ لأسرةِ حسان، ومعلمُ باسم أحضرَ تلاميذَهُ رفاق باسم ليقولوا لـه بابتساماتٍ ودموعٍ: معَ السلامةِ.. إلى اللقاءِ يا باسم. وتابَعُوا جَميعاً السيارةَ بعيونِهم حتى أخْفتها الطريقُ. أصدقاءُ باسم (نجيبُ وسعدُ ورافعُ وعمارُ) اتجَهُوا نحوَ شجرةِ الأحلامِ. لم يلعبوا هذهِ المرة، إنما وَقَفوا قُربَ غصنِ أحلامِ باسم. وبعدَ قليلٍ عادَ كلٌّ منهُم إلى منزلِ أسرتِه.‏

وتمضي الأيام.. مرَّ أسبوعٌ على وجودِ أسرةِ حسان في المدينةِ، والابتسامةُ لا زالت غائبة عن وجوهِهم. رغمَ أن حسان اصطحَب زوَجتَهُ وولدَهُ لمشاهدةِ معالمِ المدينةِ الجميلةِ، والتعرُّفِ على مدرسةِ الصمِ والبكم القريبةِ من منزلهم الجديد.‏

لكنَّ حزنَ باسم أثارَ قلقَ والديهِ. حاولتْ أمه أن تصَحَبُهَ للقيام بزيارة إلى السوق ورفضَ. وحاولَ والدُهُ ثانيةً دون جدوى، وباسم بقيَ حبيسَ غرفتِهِ. وصباحَ اليوم التاسعِ استيقظَ حسانُ وزوجتُهُ. أُصيبا بالذهولِ فسريرُ باسم فارغٌ. لقد اختفى. انطلقَ الوالدانِ في رحلةِ البحثِ التي طالت كلَّ الأماكنِ القريبةِ، ثمَّ شملتِ المشافي وأقسامَ الشرطةِ ولم يظفرْ أحدهما به، فعادت الأمُ وتبعها الأبُ واليأسُ بادٍ على وجههِ. أطرقَ قليلاً ثم قالَ: سنعلنُ عبرَ وسائلِ الإعلامِ عن فقدانِ ولدنا. فهزتِ الأمُّ رأسَها ثم قالت: تُرى هل بمقدورهِ العودة إلى القرية؟ ردَّ حسانُ: مستحيل. إنه لا يعرفُ مكانَ مركزِ الانطلاقِ وليسَ بمقدورهِ أن يسألَ ولا يملكُ مالاً.. ولا يمكنُه العودةَ. وبَسَطَ الليلُ جناحَ العتمةِ. أنوارُ البيوتِ أخذت تنطفئُ.. وحسانُ أغفى، لكنَّ زوجتهُ جلستْ عند طرفِ السريرِ تفكّرُ في غيابِ ولدِها باسم. مرَّ الليلُ بطيئاً، ومع قدومِ الصباحِ انطلقَ حسانُ مْنَ جديدٍ في رحلةِ البحثِ وزوجتهُ اختارتْ طريقاً آخر. وفي القريةِ، قربَ جذعِ شجرةِ الأحلام أمضى باسمُ ليلتَهُ. ومع إطلالةِ الفجرِ شاهَدُه صديَقه نجيب. لم يحضرْ إليهِ إنما أسَرعَ مُتلهفاً يخبرُ بقيةَ الأصدقاءِ. وبَعد قليلٍ كانَ الخمسةُ يضمُّهم عناقُ شوقٍ ولهفةٍ. ثم مدَّ كلُّ منهمُ يده إلى ورقةِ أحلامه، فأخرجَها ورسَم ابتسامة إلى جوارِ آخرِ حلمٍ كتبَهُ. أخبَر باسمُ أصدقاءَهُ بالإشارةِ أنَّه لن يعيشَ حياتَهُ بعيداً عنهم.. عن القريةِ.. عن شجرةِ الأحلامِ. بعد أن جلسُوا حاولَ الأصدقاءُ مواساته والتخفيف عنه. ورغمَ إلحاحِهم أن يرافِقَهُم إلى أي بيتٍ من بيوتهم إلا أنه أصرَّ أن يبقى إلى جوارِ الشجرةِ. فلديه الكثيرُ من الأحلامِ التي يجبُ عليهِ كتابتها. أحضرَ الأصدقاءُ لباسمَ الطعامَ والماءَ، ورجاهُم ألا يخبرُوا أحداً بوجودِه خشية أن يُرسلُوا في طلبِ والدهِ الذي سيصحبهُ من جديد إلى المدينةِ وهذا ما يرفُضُه أبلغهم أنه سيبقى في الحديقةِ فالجّو الربيعي سيساعدُهُ. وما انقضتْ ساعاتُ النهارِ حتى وصلت أم باسم إلى القريةِ. انتقلتْ إلى الحديقةِ. لم تُفاجأ وهي تراقبُ ولدهَا المتكئ إلى جذعِ شجرةِ الأحلام.. أسرعتْ إليهِ. حاولَ أن يهربَ، إلا أنها أخذتْ تشيرُ إليهِ أنها لن تعودَ إلى المدينةِ بعد الآن، ضمتهُ إلى صدرها. وفي المدينةِ، حينَ عادَ حسانُ إلى بيتهِ قرأ رسالةً كتبتها زوجتهُ قبلَ أن تغادرَ قالت فيها:‏

(إنني واثقةٌ من و جودِ ولدي في القريةِ حيثُ الأصدقاءُ الذين يحبهم ويحبونه وحيثُ شجرة الأحلام التي لا يمكن لباسم أن يعيشَ بعيداً عنها. إنني اخترتُ البقاءَ إلى جانبِ ولدي في القريةِ وسنكونُ سعيدين إن قررتَ اللحاقَ بنا.. إننا ننتظركَ) فكرَ حسانُ، حدثَ نفسه‏

(ما الذي جعلَها واثقة من وجودِه في القريةِ؟.. ثم ما حكايةُ شجرةِ الأحلام؟ يبدو أنني تصرفتُ بأنانية). بعد قليل أخذَ يجمعُ بعض الأوراقِ في حقيبتهِ، واستقلَّ سيارةَ أجرةٍ سارت به في طريقِ العودةِ إلى القريةِ وحينَ وصلَ كانت ابتسامتُه تقولُ لزوجتِه: لقد قررتُ أن أكونَ معكم.‏

سأَلَها: أين باسم؟ فردتْ: إنهُ نامَ بعد أن أحسَّ بالأمانِ. وروتْ لـه كيفَ تَمَكَّنَ باسمُ من العودةِ إلى القريةِ. إنه كتبَ اسمَ قريتِه على ورقةٍ وأخذَ يُريها لأناسٍ ساعدُوه حتى وصلَ مركزَ الانطلاقِ، ثم ركبَ إحدى الحافلاتِ التي ستنطلقُ إلى القرية بعدَ أن أشارَ للسائقِ أنَّهُ لا يملكُ نقوداً، فسامَحَهُ السائقُ. قال حسانُ: وما حكايةُ شجرةِ الأحلام؟‏

أم باسم: إنها شجرةُ زيتونٍ خضراءَ فتيةٍ عندَ طرفِ الحديقةِ اختارَ باسمُ وأصدقاؤُه أغصانَها مخبأً لأحلامِهم.. قال حسانُ: أريدُ أن أراها الآن.. أريدُ أن أتعرفَ إلى أحلامِ ولدي ورفاقِه.‏

أم باسم: وأنا معك.‏

وعندَ شجرةِ الأحلامِ وقفَ حسانُ وإلى جوارهِ زوجتُه. فتشَ عن أوراقِ الأحلامِ وحينَ وجدها قرأَ بدايةَ الورقةِ التي سطرَ فيها ولدُه باسمُ أحلامَهُ. كان في مقدمتها حُلمٌ بعودةِ الأبِ سالماً من بلاد الغربةِ، ثم حلم أن يتمكنَ يوماً من التحدثِ والسمع مثل الناس، وحلم باستمرار صداقتهِ مع نجيب وسعد ورافع وعمار وآخرين وأن تتحققَ أحلامُ الأصدقاءِ، وأن تعودَ عافيةُ صديقهِ عمار وأن يكونَ كاتباً في المستقبل، وقرب النهاية سجلَ حلَمهُ أن يغيرَ والدهُ قرارَ الانتقال إلى المدينةِ. انتقلَ بعدَها لقراءةِ ما كتبَ أصدقاءُ ولدهِ. لفتَ انتباهَهُ أن أحلامَهُم جميعها تبدأ بحلمِ عودةِ والدِ باسم، ثم قرأ أحلاماً ترسمُ صُورَ البراءةِ، فسعدُ حَلُمَ أن يرى والده وقد وجدَ عملاً مريحاً يخففُ من متاعبهِ، وحَلُمَ رافعُ أن يرى أسرَتهُ تنتقلُ إلى مسكنٍ جديدٍ يكونُ ملكاً لهم ليرتاحُوا من التنقلِ من منزلٍ مستأجرٍ إلى آخر. أما نجيبُ فقد حلم أن يتمكنَ شقيقُهُ من متابعةِ دراستهِ الجامعيةِ وهو الطالبُ المجدُ حيثُ يقفُ المالَ عائقاً في سبيلهِ، وعمارُ حلم أن يتمكنَ والده من إجراءِ عمليةٍ جراحيةٍ لوالدتهِ التي تعاني من مرضٍ في القلب. أعادَ حسانُ أوراقَ الأحلام إلى أغصانِها، وعادَ برفقةِ زوجتهِ إلى البيتِ. وحينَ قدمتْ لـه فنجاناً من القهوةِ انتبهَتْ لشرودِهِ.‏

قالت لـه مبتسمةً: هل أعجبتكَ فكرةُ الأحلامِ؟‏

ردَّ عليها: أجل. وأفكرُ كيفَ سأدخلُ السعادةَ إلى قلوبِ هؤلاءِ الأطفال. لقد حلمتُ كثيراً حين كنتُ صغيراً مثلهم. جميع الأطفالِ يحلمون. سأفعلُ ما بوسعي لتحقيقِ ما أستطيعُ من أحلامِهم.‏

* * *‏

يتبع

حسن خليل
13-10-06, 09:37 PM
زارَ حسانُ المدينةَ من جديدٍ، وقررَ أن يوكلَ أمرَ المشروعِ التجاري لصديقهِ عادل فهو سيبدأُ العملَ في مشروعٍ زراعي في القريةِ. بعد ذلك تحدث حسانُ عن حلمهِ في إسعاد الأطفال وفكرته في إنشاءِ جمعيةٍ ترعى أحلامهم وتعملُ على تحقيقها يسميها (جمعية أحلام الأطفالِ). استمعَ عادلُ إلى حديثِ حسان، أبدى إعجابَهُ الشديد وتأييدَهُ المطلق لَفكرتِه، واتفقا على دعوةِ بعضِ الأصدقاءِ للمساهمةِ في تأسيسِ الجمعيةِ.‏

مضتْ أيامٌ قليلةٌ استعادَ خلالَها باسمُ وأصدقاؤهُ ألقَ صداقتِهم وعادُوا لِلهْوَهِمْ ومَرَحِهِمْ.‏

بعدَ شهرين، وخلالَ اجتماعِ الأصدقاءِ الخمسةِ قربَ شجرةِ الأحلام بدتِ السعادةُ والدهشةُ على وجهِ سعدٍ. قالَ وكتبَ: لقد وجدَ أبي عملاً مُريحاً وبأجرٍ ممتازٍ وذلك بفضل جمعيةٍ اسمُها جمعيةُ أحلامِ الأطفال.‏

وقالَ نجيبُ وكتبَ: تلقَّى شقيقي رسالةً من جامعةِ الأمانةِ تبلغه أنَ عليهِ الالتحاقَ بالجامعةِ لمتابعةِ تحصيلهِ العلمي، وحينَ زارَ شقيقي مقرَّ الجامعة أخبَرُوهُ أنَّ جمعية أحلام الأطفال سددتْ عنُه رسوم التسجيلِ والدراسةِ، ودفعتْ ثمنَ الكتبِ.‏

تفاوتتْ مشاعرُ الأصدقاءِ بين الدهشةِ والفرح وعادَ كلٌّ منهم إلى بيتِ أسرته. كان باسمُ سعيداً، أخذَ يُشيرُ أمامَ والدَيْهِ ما يعني أن ابتسامات أصدقائِه بما تحققَ أروع ما كان يَحلمُ برؤيته. تبادلَ والدا باسم النظرات والابتسام، واحتضنا وَلدهما، وحينَ أفلتَ منهما ودخلَ غرفتَهُ قالت أم باسم: ما تُقدمُ عليهِ مع أصدقائِكَ رائعٌ يا حسان.‏

فأجابها: ما زالَ لدْينا الكثير. سنحاولُ فِعل أيّ شيء يُسعدُ الأطفالَ، ليسَ أصدقاءُ باسم وحسب إنما الكثيرُ من الأطفالِ غيرهم. فأنتِ تعلمينَ أنّ عددَ أعضاءِ الجمعيةِ يزداد، وقدرتُنَا على زرعِ الابتساماتِ على وجوهِ الأطفالِ تكبر.‏

* * *‏


ومرت الأيامُ. المشروعُ التجاريُّ الذي يديُرُهُ عادل شريكُ وصديقُ حسان تألقَ، ومزرعته أخذتْ تنتجُ أجودَ الثمارِ، وتحقُق الكثيرَ من أحلامِ الأطفالِ.‏

كبرَ باسمُ وسعدُ ونجيبُ ورافعُ وعمارُ.. كبرتْ شجرةُ أحلامهم، وبقيت رفيقتُهُم الدائمة، وبعد مضيِّ ثلاثِ سنواتٍ، أي عندما تجاوزَ الأصدقاءُ الرابعةَ عشرةَ عَلم باسمُ أنَ من أسعدَ أصدقاءَهُ وأطفالاً كثر آخرين هو والده من خلال تأسيسهِ جمعيةَ أحلام الأطفال. فرَح كثيراً لكنَّه لم يُخبر أصدقاءَهُ، وصمَم أن ينضمَ حين يكبر إلى جمعيةِ أحلامَ الأطفال وسيكتُبُ قصةً عن والدهِ وهذه الجمعية وأصدقائه وشجرةِ الأحلامِ. أجل.. فمن الأحلام التي قرَّرَ أن يحققَها بنفسه ودون مساعدةٍ أن يُصبحَ كاتبَ قصةٍ، وسيبدأ العمل من أجلِ ذلك منذُ الآن.‏


انتهت

gr__motaz
14-10-06, 02:45 AM
هذه القصة هى التى تحل مشكلة القراءة بجد فهى قصة رائعة جداً فهى بسيطة وبلا تعقيدات أو مفاهيم لا يفهمها الطفل وهى نموذج رائع للكتابة للطفل حيث يكون الفعل القصصى هو الاساس وليس الوصف ولكن يعبها زيادة العطف -حرف الواو- لأن هذا يعطى رتابة فى جرس الموسيقى للقصة وبما أن هذا الحرف من الممكن أن نخذف فبالتالى فهو لا مكان له
وشكرا يا أخ حسن على مجهوداتك الرائعة

رمح الإسلام
14-10-06, 08:34 AM
شكرا اخوي حسن خليل شكراً على مجهودك الرائع

حسن خليل
14-10-06, 10:44 AM
شكرا اخوي حسن خليل شكراً على مجهودك الرائع

الشكر لكم أخي الفاضل رمح الاسلام على مروركم العطر للقصص والتعليق الرائع عليها.

ولكم تحياتي

حسن خليل
15-12-06, 11:13 AM
القصة السبعون: الطائر الأبلق

للكاتب خليل بيطار

شاهد أبو بليق- الطائر الرمادي المزهو بشرائطه البيضاء- العصافير تقفز سعيدة بين الأغصان، أو تدور وتتجمع، وتقف على الأسلاك، وتغرد بأصوات متناغمة عذبة، لكنه أحس أن غناءها الجماعي ممل وتقليدي، فاقترب منها، واستعرض أمامها جمال الخطين الأبيضين على جناحيه الرماديين، والدائرة البيضاء خلف منقاره اللامع، ثم قال للعصافير:

لدي أغنية جميلة لم تسمعوا مثلها من قبل.

أحبت العصافير أن تستمع إلى أغنية جديدة- وكل جديد محبب كما هو معروف- فتجمعت حوله ورجته أن يغني. ويسمعها صوته الجميل، فقال أبو بليق: الريح شديدة هذا اليوم. وهي تعيق قدرتي على الإنشاد.

وفي اليوم التالي استيقظت العصافير باكراً، كي تستمتع بمنظر الشروق الجميل، ولأنها تحب رؤية الزهور الجديدة المتفتحة، والاغتسال بماء الجدول. كما أنها متشوقة لسماع الأغنية الجديدة، لكن العصفور الأبلق اعتذر من جديد عن الإنشاد، لأن الحر شديد، وهو لا يستطيع الإنشاد في مثل هذا الطقس الحار، فقالت العصافير: يمكننا أن ننتظر يوماً آخر.

ظل الأبلق يؤكد أنه يجيد الغناء أفضل من الطيور جميعها، لكنه كان في كل مرة يجد سبباً يعيقه عن الغناء، وإن كان هذا السبب لا يقنع أحداً سواه، وانتظرت العصافير حتى قدوم الشتاء، ورجت الأبلق من جديد أن يسمعها أغنيته الفريدة وتغريده الجميل، كي تدفأ وتنسى الخطر والجوع. لكن الأبلق وجد في المطر والغيوم والبرد والثلج والبرق والرعد والريح أسباباً إضافية تعيقه عن الإنشاد.

أما العصافير فقد تابعت التغريد والتحليق والدوران، واكتشفت أن الأبلق المزهو بشرائطه البيضاء ورأسه المتوج لا يجيد شيئاً سوى النطنطة، وتحريك ذيله الطويل إلى الأعلى والأسفل، وأيقنت بعد انتظارها الطويل ومجاورتها الطويلة للأبلق، أنه لا يجوز انتظار الغناء الجميل أو الحكايات الممتعة من الثرثارين والمغرورين. ومضت ترسم في الفضاء لوحاتها الراقصة، وتتنعم بأصداء أغنياتها الجماعية والفردية البديعة، وتركت للأبلق ذي الشرائط البراقة فرصة البحث عن طيور أخرى تصدق مزاعمه.

حسن خليل
21-12-06, 10:02 AM
القصة الواحدة والسبعون: دهاء النعامة

بقلم الكاتب: خليل البيطار

تعاهدت النعامة والحمار الوحشي على أن يكونا صديقين متعاضدين، يدل كل منهما الآخر على الطرق المأمونة والمراتع المعشبة، ويتبادلان الحراسة ليتقيا هجمات ملك الغابة المفاجئة ونظراته النارية وعدوانيته وافتراسه..

كان أبو لبد دائم الزئير، في حالات جوعه وشبعه، أو غضبه ورضاه، مثل بعض الناس الذين تستمر شكواهم في أحوال الغنى والبؤس، أو الصحة والمرض، أو القوة والعجز…
وقد حرصت النعامة على حراسة الحمار الوحشي، مثلما حرص الحمار الوحشي على أن يظل متيقظاً لحماية النعامة حتى اتسعت عيناه، وبات قادراً على رؤية أبي لبد من مسافة بعيدة، وكان حرصهما مماثلاً لحرص ملك الغابة على تذوق لحم أحدهما أو كليهما بعد أن مل لحم الغزلان والأرانب والثعالب والثيران.

أخفق ملك الغابة في اقتناص أحد الصديقين، لسرعتهما في توقع قدومه، وخفتهما في الجري، وكانت ملاحقاته عديمة الجدوى، تنتهي بنوبات من اللهاث والزئير، فيضطر إلى إطفاء جوعه بأرنب صغير، وإطفاء عطشه، بشرب ليترات كثيرة من ماء البركة، ويستذكر قصصاً قديمة تحكي عن جبن الحمار الوحشي وخوف النعامة، التي لا تكتفي برسم خطوط في الرمال، بل تدفن فيها رأسها.

تساءل أبو لبد يوماً: كيف أكون ملك الغابة، ولا أستطيع اقتناص نعامة أو حمار وحشي؟ هذا أمر غير مفهوم، وغير منطقي، وهو يضر بهيبتي، ويذهب بسمعتي، ويجعل سائر حيوانات الغابة تسخر مني، وتتناسى حضوري، فلأعمد إلى حيلة تمكنني من أسرع حيوانين في الغابة، وعندها تتيقن سائر الحيوانات من سطوتي، وتعرف أنه لا نجاة لأي حيوان من براثني…

تظاهر أبو لبد بالمرض، وأذاع إعلاناً للحيوانات، يدعو كلاً منها إلى عيادة ملك الغابة. واختيار حكاية تنسيه أوجاعه، فإن أعجبته أطلقه وإن لم تعجبه افترسه، وهدد الإعلان كل حيوان يمتنع عن تنفيذ طلب ملك الغابة بالويل والثبور، وأن الغابة على سعتها لن تحميه من عقاب الملك.

مضت الحيوانات زرافات ووحداناً إلى عيادة ملك الغابة، وكان بعضها يعود ليخبر الآخرين عن طيبة أبي لبد، وحبه لسماع القصص الطريفة، وكان معظمها لا يرجع من زيارته، فيقدر زملاؤه أنه لم يحسن اختيار حكاية مشوقة وأنه وقع بسبب تقصيره. وظل الحمار الوحشي والنعامة بعيدين عن الوقوع في مصيدة أبي لبد، وهو ينتظر قدوم أحدهما بصبر فارغ..

وإذا كانت الحيلة لا تداوى إلا بالدهاء، فقد قرر الصديقان المتعاضدان أن يسخرا من ملك الغابة المتمارض، فنسجت النعامة الحكاية، وطلبت من الحمار الوحشي أن يقصها على أبي لبد، ولأنها لن تعجبه كما هو متوقع فليقل أن النعامة روتها ـله، وهي مستعدة لتحمل مسؤوليتها والمجيء إلى عرين الملك..

تردد الحمار الوحشي قليلاً، فقد تسحقه البراثن قبل أن يقص حكايته أو بعدها، لكنه تشجع أمام نظرة النعامة الواثقة، ودخل على ملك الغابة فحياه، ثم قال:

ـ "كانت هناك غابة واسعة، لها ملك عادل اسمه أبو لبد، تحبه الحيوانات وتتمتع بحمايته، وذات صباح أبلغ أحدها الملك أنه سمع زميله يردد شائعة تقول بوجود ملك آخر للغابة أكثر عدلاً في شطرها الشمالي، وإن الحيوانات جميعها ستتجه إلى هناك وتتركه وحيداً، فغضب ملك الغابة وزأر بشدة ومضى إلى الشطر الآخر من الغابة فلم يجد أحداً، لكنه امتلأ غيظاً، ومن يومها وهو يفترس كل حيوان يصادفه"…

تظاهر أبو لبد بالتفكير العميق، ثم أعلن أن الحكاية تقليدية لا نكهة فيها ولا تجديد، وعقوبة صاحبها معروفة، وتهيأ للانقضاض. فأسرع الحمار الوحشي إلى القول: يا مولاي لست ناسج هذه الحكاية، لكنها النعامة صديقتي التي تملأ أذني دائماً بهذه الحكايات السخيفة، وقد أبلغتني أنها مستعدة للمثول أمام الملك، إذا لم تعجبه حكايتها…

فرح ملك الغابة في سره، إذ يستطيع أن يظفر بالمتمردين معاً، وتظاهر بالامتعاض لكنه سمح بأن تمثل النعامة أمامه بصحبة الحمار الوحشي دون تأخير..

مضى الحمار الوحشي فرحاً بنجاته، وأبلغ النعامة ففرحت، وتابعت نوبة الحراسة بيقظة أكثر، وانتظر أبو لبد عودتهما طويلاً، ثم استبد به الغضب، واندفع بكل قوته يصدم الحجارة وجذوع الأشجار، ويلعن القصص وناسجيها ورواتها وينذرهم بعقاب شديد، وما زال إلى يومنا يتابع الزئير المخيف المدوي، ويرسل نظرات زائغة إلى المساحات المعشبة في الغابة بحثاً عن ريشة نعام أو جلد مخطط….

حسن خليل
21-12-06, 12:01 PM
القصة الثانية والسبعون

السلحفاة والضب

بقلم الكاتب: خليل بيطار

وقف الضب فوق سياج الكرم الحجري،وهز رأسه كعادته، وتظاهر بالبهجة، وقال: أنا غني جداً، أغنى أغنياء هذه الناحية.

سمعته السلحفاة الباحثة عن طعامها، فتوقفت وسألته: إن كنت غنياً فأين ثروتك، وكيف جمعتها؟.. فقال الضب متابعاً هز رأسه: في مكان ما، وقد جمعتها بالكد والحيلة، وهز ضب آخر على السياج رأسه، وقال: صحيح وثروته في مكان ما…

قالت السلحفاة: إن كانت ثروتك كبيرة كما تدعي، فلماذا لا توزع قسماً منها على المحتاجين. قال الضب المتباهي، "في وقت لاحق"، وهز زميله الآخر رأسه وكرر العبارة نفسها..

ابتسمت السلحفاة ساخرة من هذين الضبين الأحمقين، وأرادت أن تتابع سيرها، لكنها سألت الضب الأول قائلة: لم أرك تقوم بأي عمل، فكيف استطعت أن تجمع ثروة كبيرة؟.. فرد الضب محتجاً: أنا أعمل كثيراً، أليس هز الرأس عملاً؟.. والوقوف في الشمس والقفز فوق سياج الكروم أليس عملاً؟…

قالت السلحفاة: لو كان هز الرأس والقفز فوق حيطان الكروم يكسب ثروة لما بقي محتاج واحد في هذا الكون، ثم أضافت: أنا جارتك منذ زمن، ولم يظهر لي أنك صاحب ثروة..

قال الضب: انظري إلى تلك الجبال العالية، أترينها؟ إنها لي، وسأبيعها وأغدو غنياً جداً، وإن كنت تملكين منزلاً كبيراً أيتها السلحفاة فسأعينك على بيعه، وتصبحين غنية مثلي…

قالت السلحفاة: ليس الغني من يبيع أرضه وبيته، ولن يكون غنياً في أي يوم. قال الضب: لا تضيعي هذه الفرصة فلن تتكرر كثيراً…

قالت السلحفاة: من أين أتتك هذه البراعة في التجارة؟.. فمنذ عرفتك لم أرك إلا مكتفياً بقشور الثمار اليابسة…

غضب الضب وقال: أنت لا تقدرين براعتي يا سلحفاة، وأضاف: ربما كانت إقامتك الطويلة في جحرك، أو داخل درعك، لا تسعفك على تمييز ما يجري حولك…

رأت السلحفاة أخيراً أنها تضيع وقتها، وأن تبجح الضب وأقواله المؤيدة من ضب مثله لن تنتهي، فتابعت رحلتها للبحث عن طعامها، لكن الضب ناداها قائلاً: فكري جيداً بما قلته لك، وأجيبي بسرعة.

قالت السلحفاة: امضِ أنت وأحلامك، وصفقاتك وفرصك، أما أنا فسأمضي إلى عملي، لأنه الحقيقة الوحيدة التي أعرفها..

قال الضب: ستظلين جائعة وحمقاء، لا يكترث بك أحد…

فأجابت السلحفاة ساخرة: أخشى أن يؤدي بك هز رأسك وادعاؤك إلى انهيار الجدار تحتك، وإني أفضل أن أبقى داخل جحري، على أن أسمع خطاباتك ومشروعاتك الفارغة..

استمر الضب في هز رأسه، وحاول أن يقفز فوق السياج الحجري، فسقط حجر منه، واختل توازنه فوقع على الأرض، وشعر بدوار شديد، لكنه تماسك، وتذكر عبارات السلحفاة الصائبة، فنادى بصوت مستنجد: أين أنت أيتها السلحفاة.. توقفي، ساعديني، يا جارتي الحكيمة، أشيري علي وأوجدي لي عملاً نافعاً…

لكن الضب الآخر هز رأسه، وقال: ما أغرب الدنيا! غني، ويطلب المساعدة والمشورة من سلحفاة ضعيفة، أعتقد أنه أحمق وليس غنياً، ويحتمل أن تكون عادات هز الرأس والتبجح والقفز فوق حيطان الكروم قد أخذها عن ضب كسول آخر..

سمعت السلحفاة عبارات الضبين، وأرادت أن تهز رأسها، لكنها لم تفعل واكتفت بالابتسام. وتساءلت ماذا يحل بالكون إذا استمر عدد الحمقى في التزايد؟.. ثم مضت إلى عملها دون أن تلتفت…

صا لح العطاس
06-02-07, 04:49 PM
تشكر على القصه الجميله التي تداعب المشاعر الطفوليه..

حسن خليل
06-02-07, 05:03 PM
تشكر على القصه الجميله التي تداعب المشاعر الطفوليه..

الشكر لكم أخي صالح العطاس على مروركم العطر للقصة الجميلة.

عاشقة الحب
10-02-07, 12:03 AM
مشكور اخوى على القصة
وجزاك الله الف خير
يارب حسن الخاتمه والفردوس ان شاء الله

حسن خليل
10-02-07, 11:23 PM
مشكور اخوى على القصة
وجزاك الله الف خير
يارب حسن الخاتمه والفردوس ان شاء الله

اللهم آمين ويجزاك خير

والشكر لكِ أختي على مروركِ للقصة

حسن خليل
16-02-07, 08:31 PM
القصة الثالثة والسبعون

الرسام والعصفور

بدأت أيام العطلة الصيفية، وأخذ الأطفال يلعبون هنا وهناك فرحين سعداء.

كل واحد منهم أخذ يلعب لعبته المفضلة..أما ماهر فقد عاد لممارسة هوايته في الرسم.

منذ مدة وماهر ينتظر أن يعود لريشته وألوانه.. كان يحب الرسم ويعتبره الهواية الأجمل في هذه الحياة .

نادته أمه من بعيد: ماهر تعال يا ماهر ..

ركض نحوها، وحين وصل ووقف قربها، وضعت يدها على رأسه بحنان وقالت:

ها قد عدت إلى هوايتك المفضلة يحق لك الآن أن ترسم بكل حرية بعد أن أنهيت سنتك الدراسية بكل جد و نشاط ..أخبرني هل رسمت شيئا ؟؟

نعم يا أمي رسمت بطة جميلة وزورقا يسبح في النهر ..

قالت الأم:
وأين هي لوحتك، أريد أن أراها، ليتك تريني كل شيء ترسمه..

ذهب ماهر إلى الغرفة وأحضر لوحته الصغيرة .. نظرت الأم إليها مدققة وقالت :

لا شك أنك رسام ماهر مثل اسمك لكن كما تعلم الرسم يحتاج إلى الكثير من الصبر والمران

راقب كل شيء وارسم بكل هدوء التعامل مع الألوان ممتع يا حبيبي .. سيفرح والدك عندما يعود بعد أيام من سفره ليجد أمامه عدة لوحات.

السنة الماضية كانت لوحاتك أقل نضوجا لكن هاهي لوحتك الأولى لهذا العام تبشر بالكثير ارسم كل شيء تراه في الطبيعة.. ليس هناك أجمل من الطبيعة .. والآن سأقدم لك هديتي ...ضحك ماهر وقال:

وما هي يا أمي ؟؟ قالت الأم :

ماذا ترى هناك على المنضدة ؟؟ نظر ماهر وصاح بفرح:

علبة ألوان ... كم أنا بحاجة إليها .. شكرا لك يا أمي ..

ركض نحو المنضدة وأخذ علبة الألوان بفرح .. قالت الأم :

وقد وعد والدك أن يحضر معه الكثير من أدوات الرسم ..

قال ماهر : شكرا لكما يا أمي.

حسن خليل
28-02-07, 06:21 PM
القصة الرابعة والسبعون: بـــائع الأحــلام

للفئة العمرية من ٧ – ١٢ سنة

بقلم موسى نجيب موسى

كل صباح يستيقظ " حماده " على صوت عم " حمامة" الذي يأتى كل يوم إلى شارعهم ليحقق لهم أحلامهم مهما كانت كبيرة أو صغيرة . ينهض "حماده" من فراشه مسرعا نحو النافذة المطلة على الشارع ... ينفض عن عينيه لُباب النوم بفركهما بقوة ثم يجلس مستمتعاً برؤية عم " حمامة" ومن حوله أطفال الشارع وأطفال الشوارع المجاورة يشترون منه أحلامهم الخضراء بقروشهم القليلة التي تعينه على شظف الحياة وتحميه هو وأطفاله الصغار من أهوال الدهر ونوائبه.

وجوه الأطفال دائما بشوشة وتعلوها مسحة من الفرح العارم كلما حقق عم " حمامة" حلماً من أحلامهم ، الأطفال تستريح كثيراً لعم " حمامة " ويسعدون كثيراً بالوقت الذي يقضونه معه فهو رجل طيب القلب ... نقي السريرة ... ووجهه رائق وملامحه تغرف من لون طمي النيل بغير حساب .

يبذل عم " حمامة" قصارى جهده في تحقيق أحلام الأطفال ... في كل مرة يحقق فيها عم "حمامة" حلماً لأحد الأطفال يشعر بسعادة جارفة وفى كل مرة يعدهم بأنه سيحضر لهم المرة القادمة الكثير من المفاجآت ودائماً يفي بوعوده لهم؛ فطوال سنوات طويلة لم يتخلف عم"حمامة" عن الحضور إلى الشارع ليحقق أحلام الأطفال الصغيرة بعرائسه الممتعة التي تحكي لهم الكثير والكثير من الحكايات المشوقة التي تشنف آذانهم الرقيقة فتحكي لهم العرائس الجميلة حكايات ألف ليلة وليلة والشاطر حسن وست الحسن والجمال وأمنا الغولة وعنترة بن شداد والناصر صلاح الدين وانتصاره على الصليبيين وتحرير القدس الشريف تلك الحكاية التي يظل الأطفال يطلبونها من عم"حمامة" ومن عرائسه بمجرد أن تنتهي، فكل طفل من أطفال الشارع يرى نفسه صلاح الدين ويتمنى أن يكون في نفس قوته وشجاعته وبسالته وخاصة "حماده" الذي يظل طول الليل يحلم بأنه يقود الجيوش ليطرد الأعداء من أرض الوطن الطاهرة.

يظل "حماده" في مكانه المفضل يطل من النافذة المطلة على الشارع مصوباً ناظريه نحو عم "حمامة" وحكاياته المدهشة ويظل هكذا حتى نهاية النهار ورحيل الشمس التي يرحل معها عم"حمامة" عائداً إلى منزله وأولاده الذين كانوا دائما موضع حسد "حماده" على أبيهم الرائع وحكاياته الجميلة حتى إنه لا ينتبه إلى دعوة أمه المستمرة لتناول الطعام الذي كان لا يتناوله إلا بعد أن يرحل عم "حمامة" عن الشارع. نبت الحلم ذات يوم في قلب "حماده" الصغير وظل الحلم يكبر ويكبر مع الأيام ولكن كلما عزم "حماده" على النزول لكي يحقق "حمامة" حلمه الصغير يتحسس جيبه الخالي من أي نقود ويتراجع عن النزول خوفاً من رفض عم "حمامة" أن يحقق له حلمه الكبير، على الرغم من طيبة قلب عم "حمامة" وأنه لا يحرج أي طفل ولم يفعل هذا الموقف مع أي طفل غيره ولكن خجله وحمرة خدوده البضة حالا بينه وبين النزول إلى عم "حمامة" ليحقق له حلمه وكان يواسى نفسه بأنه من الممكن أن يكون حلمه أكبر من قدرة عم "حمامة" على تحقيقه.

في المساء وبعد أن يرحل عم "حمامة" عائداً إلى منزله وإلى أطفاله الصغار ينزل "حماده" إلى الشارع ويجلس مع أصحابه يتبادلون النوادر والحكايات والأحلام التي استطاع عم "حمامة" أن يحققها لهم طيلة النهار فهذا "منصور" ابن عم" حامد البقال كان يحلم بأن يمتلك دراجة فحقق له عم "حمامة" حلمه حين قام هو وعرائسه بتمثيل مسرحية الدراجة وتخيل "منصور" معهم أنه يمتلك دراجة ولقد تحقق الحلم بالفعل عندما نجح "منصور" في اجتياز امتحان الشهادة الابتدائية حيث اشترى له أبوه دراجة صغيرة هدية نجاحه وظل "منصور" يركبها قاطعاً الشارع ذهاباً وإياباً وهو يشدو بصوته الخشن ( بابا جي أمتي ... جي الساعة ستة ... راكب والا ماشى ... راكب بسكلتة...حمرا ولا بيضا... بيضا زي القشدة ... وسعوا له السكة واضربوا له سلام ... دا العساكر ورا والضباط قدام). أوقف "حماده" "منصور" وقال له : - هل حصلت على الدراجة لأنك نجحت في الامتحان أم لأن عم "حمامة" حقق لك الحلم أولاً؟. ضحك "منصور" وقال: عم "حمامة" لا يبيع الدراجات ولا يمتلك حتى ثمنها هو يحقق لك حلمك داخل صندوقه العجيب فقط وليس في الحقيقة. تتعالى الضحكات والصيحات بين الأصحاب الذين يستمرون في سرد النوادر والحكايات والأحلام التي يحققها لهم عم "حمامة" فيتحدث "مقار عاطف" ويقول:

أنا كان عندي حلم كبير. رد الجميع في صوت واحد:

ما هو ... ما هو حلمك الكبير يا مقار؟!. رد مقار بسرعة وقال: دائما كنت أحلم بأن أمتلك كمبيوتر في البيت فأنا أحب الكمبيوتر حباً كبيراً لأن عليه الكثير والكثير من الألعاب الشيقة والممتعة. سأله "حماده" باندهاش: وهل لا يوجد في الكمبيوتر إلا الألعاب الشيقة والممتعة فقط؟. رد مقار وقال له :
لا بل الكمبيوتر مفيد في أشياء كثيرة أسمع أبي وعمي دائما يتحدثان عنها ولكن أنا قلت أسباب حبي للكمبيوتر و... "حماده" مقاطعاً:

المهم هل حقق لك عم "حمامة" حلمك الكبير هذا؟. قال مقار في هدوء عجيب : نعم ولكنه طلب مني نقوداً أكثر من النقود التي طلبها من "منصور" لكي يحقق له حلم الدرجة. ولماذا طلب منك يا "مقار" عم "حمامة" نقوداً أكثر مما طلب من "منصور"؟، أليست الأحلام كلها واحدة وسعرها كله واحد؟. رد "مقار" بنفس هدوئه: قال لي عم "حمامة" إنه لكي يحقق حلمي لابد أن يعطى "فرح" النجار هذه النقود الزائدة حتى يصنع له كمبيوتر من الخشب يستخدمه في عرض مسرحية تحقق حلم الكمبيوتر مع عرائسه. قال "حماده" بلهفة: وهل أنت تمتلك الآن كمبيوتر يا "مقار"...؟. قال "مقار" ضاحكاً:

لقد قال لك "منصور" منذ قليل إن عم "حمامة" لا يمتلك هذه الأشياء لكي يبيعها لنا لكنه فقط يحقق لنا أحلامنا داخل صندوقه العجيب ومع ذلك فإن بابا "عاطف" وعدني بأنه سوف يشتري لي الكمبيوتر عندما أنجح العام القادم. صاحت "هدى" بعد أن انتهى "مقار" من حكايته قائلة: إنني الوحيدة التي حقق لها عم "حمامة" حلمها على أرض الواقع. صاح الجميع في صوت واحد: كيف؟، كيف يا هدى استطاع عم "حمامة" أن يحقق لك حلمك على أرض الواقع؟. قالت "هدى": لقد كنت أحلم بأن يكون عندي عروسة تفتح عينيها ثم تغلقهما وتقول (بابا – ماما) مثل العروسة التي كانت تمتلكها "ريتا" ابنة زوج أمك يا "حماده" وعندما لم يكن معي النقود التي طلبها عم "حمامة" قال لي لا أقلق فدفع النقود المتبقية من جيبه الخاص واشترى العروسة التي حلمت كثيرا بأن تكون معي حتى لا أتوسل كثيراً لريتا حتى تُلعبني معها وكانت ترفض بشدة وتغيظني بالعروسة التي معها، الآن أنا معي واحدة مثلها بالضبط ولا يوجد أحد أفضل من أحد.

قال "حماده" بحزن: أتمنى ألا تكوني قد حزنت يا هدى من موقف ريتا أنت تعلمين أنه بعد وفاة والدي وسيطرة ذلك الغريب على منزلنا وعلى أمي لا أملك أن أصنع معه أو مع أولاده الحاقدين أي شيء.

قالت هدى وهي تحاول أن تخفف من وقع الكلام والذكرى على صديقها "حماده": ماذا تقول يا "حماده" أنا لا أكره أحداً ولا أكن إلا كل رحمة ومودة للجميع وبعد ما ذنبك أنت؟.

كان "حماده" ينصت بشدة لكلام أصحابه وتزيغ عيناه كلما كانت تدور بينهم سيرة زوج أمه فقد ذاق هو وأمه وإخوته الكثير من العذاب والأهوال على يد هذا الرجل القاسي القلب الغليظ المشاعر... لا يعرف من أين أتاهم؟ ولماذا اصطفاه أبوه المسكين لكي يكون صديقه الصدوق؟ فقد غزل حول أبوه المسكين خيوط شباكه العنكبوتية وسقط أبوه الطيب القلب النقي السريرة في هذا الشرك اللعين الذي نصبه له هذا الرجل حتى أغرقه في الديون وأشياء كثيرة لم يستوعبها عقله الصغير، ومن فرط ما أصاب أباه من ألاعيب هذا الماكر الذي يدعى "سمحون" وهن قلب أبيه الأبيض ومات حسرة وكمدا على ما آل إليه حاله وحال أسرته التي كانت يوماً ما سعيدة . ولم تمر أيام على وفاة أبيه حتى سارع "سمحون" بالاستيلاء على كل ما يمتلكونه: الأرض التي ورثها أبوه عن آبائه وأجداده والمنزل الذي كانوا يعيشون فيه وحتى أمه لم يرحمها واستولى عليها تحت خديعة الزواج ومصلحة الأبناء الثلاثة. أفاق "حماده" على صوت أصحابه وهم يقولون له: وأنت يا "حماده" بماذا تحلم؟. ذرفت دمعة ساخنة من عيني "حماده" رغماً عنه وهو يقول: أنا ليس لي أحلام.

ردت عليه "هدى" بسرعة وقالت :

أكيد لك حلم يا "حماده" فكل واحد منا لكي يعيش لابد أن يكون له أحلامه التي يسعى لتحقيقها، ولكن يبدو أن حلمك كبير جداً ويصعب تحقيقه. لم يشأ "حماده" أن يرد عليها وترك أصدقاءه وعاد مسرعاً إلى المنزل وقرر بينه وبين نفسه أنه لابد أن يحقق حلمه الكبير ولو كان تحقيقه في صندوق عم "حمامة" العجيب فقط، ورغم أن زوج أمه "سمحون" لا يعامله هو وإخوته مثلما يعامل ولديه ريتا وديفيد، ولا يعطيه مصروفه اليومي إلا أنه قرر التعاون مع إخوته حتى يحققوا حلمهم الكبير، فقرروا التخلي عن الكثير من عاداتهم اليومية حتى يستطيعوا أن يدخروا من القروش القليلة التي تمنحهم إياها أمهم خلسة حتى لا يثور عليها ذلك الرجل البغيض "سمحون"، فكان القرار الأول التخلي عن شراء الحلوى التي يحبونها كثيرا كما يجب أن يذهبوا إلى مدارسهم سيراً على الأقدام بدلا من ركوب السيارة وألا ينفقوا أي قرش من قروشهم القليلة إلا في حالات الضرورة القصوى فقط وأن يدخروا هذه القروش حتى يستطيعوا إكمال المبلغ المطلوب لعم "حمامة" حتى يحقق لهم حلمهم الكبير بطرد ذلك الرجل البغيض هو وأولاده من منزلهم حتى يستطيعوا أن ينعموا به وبحياتهم الخاصة دون وجود هؤلاء الغرباء وسطهم. مرت الأيام وراء الأيام حتى استطاع "حماده" هو وإخوته ادخار المبلغ المطلوب لتحقيق حلمهم وكانت سعادة كبيرة تغمرهم ففي الصباح سوف يحققون حلمهم على يد عم "حمامة"... في الصباح استيقظ "حماده" وإخوته وهرعوا مسرعين نحو النافذة حتى ينتظروا وصول عم "حمامة" ليحقق لهم الحلم ولكن مرت الساعة تلو الساعة وبعدها مرت الساعات ولم يأت عم"حمامة" ... ظلوا واقفين في النافذة منتظرين وصول عم "حمامة" حتى جاء عليهم الليل وكادت الدهشة والحيرة واليأس تنال منهم حتى كان "منصور" يمر من أسفل النافذة فسألوه عن غياب عم "حمامة" العجيب فقال لهم إن عم "حمامة" مات صباح اليوم. حزن "حماده" وإخوته حزناً شديداً على وفاة عم "حمامة" وضياع حلمهم وظلوا هكذا أياماً كانت تمر عليهم بطيئة جداً حتى كان صباح استيقظ فيه "حماده" هو وإخوته على صوت يشبه كثيراً صوت عم "حمامة" ينادي مثله على تحقيق الأحلام للأطفال والأغرب أن معه نفس صندوق عم "حمامة" العجيب ، وعندما سألوا عنه عرفوا أن هذا الشاب اليافع هو "زغلول" الابن الأكبر لعم "حمامة" حيث قرر استكمال مسيرة أبيه في تحقيق أحلام الأطفال.. بسرعة البرق خطف "حماده" هو وإخوته النقود التي ادخروها وهرولوا إلى الشارع لعل "زغلول" يحقق حلمهم الذي استعصى عليهم أياماً طوال.

حسن خليل
17-03-07, 08:02 PM
القصة الخامسة والسبعون

أرض الأحلام

بقلم أحمد سامي خاطر

للعمر من 7 - 12 سنة

كَانَ صَوْتُ النَّاى هُوَ النِّدَاءُ الَّذِي يَجْمَعُنَا مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ كُلِّ يَوْمٍ ، فَتَعْلُو عَلَىَ وُجُوهِنَا الدَّهْشَةُ عِنْدَ رُؤْيَةِ أَسْرَابٍ مِنْ طُيُورٍ غَرِيبةٍ ، تَظَلُّ وَاقِفَةً عَلَىَ أَفْرُعِ الشَّجَرِ وفَوْقَ أَسْطُحِ البيُوتِ حَتَى تَنْتَهِي الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ مِنْ سَرْدِ نَوَادِرَهَا ، وَمَعَ بَدْءِ الْعَزْفِ نَرَي الطُّيُورَ تَتَرَاقَصُ وَتَدُوُر فَوْقَ رُؤُوسِنَا ، وَتَكَادُ تَحُطُّ عَلَىَ أَكْتَافِنَا وَأَذْرُعِنَا في رِفْقٍ .

لَمْ تَكُنْ الْعَجُوزُ مِنْ قَرْيَتِنَا ، وَكُلَّمَاَ سَأَلْنَاهَا عَنْ ضَيْعَتِهَا الَّتِي تَأْتِي مِنْهَا كَانَتْ تُجِيبُنَا فَقَطْ بِعِبَارَةٍ قَصِيرَةٍ ( أَجِيءُ مِنْ أَرْضِ الأَحْلامِ ) وَكَانَتْ أَعْيُنُنَا تَتَّسِعُ ، وأَفْوَاهُنَا تَنْفَتِحُ في بَلاهَةٍ حِينَ نَرَاهَا تَسْتَرْسِلُ في وَصْفِ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتي تُشْبِهُ أَعْشَابُهَا الطَّوِيِلَةُ أَعْوَادَ الذُّرَةِ الْوَاقِفَةِ في وَجْهِ النَّسِيمِ . النَّسِيمُ الَّذِي يَتَخَلَّلُ هَذِِهِ الأَعْشَابُ فَيُحَرِّكَهَا مِثْلَ مَوْجِ الْبَحْرِ ، فَيَبْدُو الْمُنْظَرُ مِنْ فَوْقِ أَسْطُحِ بيُوتِ الْقُرَى المُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ ؛ وَكَأَنَّهُ لَوْحَةٌ رَائِعَةٌ ، تُزِيدُهَا الْعَجُوزُ رَوْعَةً عِنْدَمَا تَقُومُ بالنَّفْخِ في غَابَتِهَا المُقَلَّمَةِ ذَاتَ الثُّقُوبِ ، فَيَنْبَعِثُ مِنْهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ الشَّجَنُّى الْحَنُونْ .

صَارَتْ هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتي تَطُوفُ بَيْنَ سَمَائِهَا وَأَرْضِهَا أَسْرَابٌ مِنْ طُيُورِ الْغَرَانِيقِ بُنِّيَةُ الْلَّوْنِ ذَاتَ الدَّلاَّيَةِ السَّمْرَاءِ عَلَى صَدْرِهَا كَأَنَّهَا تَتَعَاجَبُ بَأَلْوَانِ رِيشِهَا فَتَتَمَايَلُ طَرَبَاً لِعَزْفِ الْعَجُوزُ بِالنَّاي ، وَتَحُطُّ عَلَى الأَشْجَارِ والبيوتِ الْمُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ . قَالَتْ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ : ( فَلْيَهْبِطَ عَلَيْكُمْ مَلاَكُ الْحُلْمِ يَا أَوْلاَدِي ) .. هَيَّا لِيَبْدَأَ كُّلٌ مِنْكُمْ في سَرْدِ حُلْمِهِ الآنَ . الآنَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لأَحْلاَمِكُمْ أَجْنِحَةٌ تُحَلِّقُ بِهَا في سَمَاءِ الْقَرْيَةِ . فَتَتَحَقَّقُ مَعَ ارْتِفَاعِ صَوْتِ مَعْزُوفَاتي الَّتي مَا هي إلاَّ نِدَاءَاتٍ حَنُونَةٍِ لأَجْمَلِ مَخْلُوقَاتِ اللهِ مِنْ طُيورِ الْغَرَانِيقِ الَّتي تُشْبِهُ صَفَاءَ النُّوْعِ الإِنْسَانِّي .

شَاهَدْنَا الْغَرَانِيقَََ وََهِيَ تَحُطُّ بمَنَاقِيرِهَا الْبُنِّيَةِ وَهِنْدَامِهَا حَوْلِنَا ، كَأَنَّهَا بَدَأَتْ تَتَسَمَّعُ الأَحْلاَمَ حُلْماً بَعْدَ حُلْمٍ ، فَتَطِيرُ وَتَحُطُّ عِدَّةَ مَرَّاتٍ ، لَكِنَّ صَوْتَاً وَحِيدَاً بَدَأَ يَقَضِي تَمَامَاً عَلَى أَحْلاَمِنَا الصَّغِيرَةِ حِينَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الْقَذَائِفِ مُدَوِّيَةً في أَرْضِنَا ، فَتَرَاءَتْ لِعِيُونِنَا مَشَاهِدُ مَوْتِ الْغَرَانِيقِ الطَّيِّبَةِ ، وارْتِطَامِهَا بالْجُسُورِ الْعَالِيَةِ هَرَبَاً مِنْ الطَّائِرَاتِ والْبَنَادِقِ والْقَاذِفَاتِ .

صَارَ كَابُوسَاً يَا صِغَارِيَ .. وَصَارَتْ الأَحْلاَمُ لا تَنْمُو هُنَا ، لأَنَ أَرْضَ الْحُرُوبِ لا تُنْبِتُ أَزْهَارَ الْحُلْمِ الَّتي تَكْبُرُ فِينَا يَومَاً بَعْدَ يَوْمٍ ، وبالتَّالِي نَرَاهَا وَقَدْ عَلَتْ فِيهَا أَشْوَاكُ الصَّبَّارِ وَالنَّبَاتَاتِ الطُّفَيْلِيَّةِ ، وَحَلَّقَ في سَمَائِهَا الْجَرَادُ الَّذِي يَأْكُلُ في وَجْهِهِ الأَخْضَرَ وَالْيَابِسَ . هَكَذَا قَالَتْ الْعَجُوزُ ، ونَحْنُ تَأَمَّلْنَاهَا جَيِّدَاً وَهِيَ تَرْوِي عَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ قُرَانَا الْمُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ ، وَعَنْ مَا يَحُوطُهَا مِنْ غَابَاتٍ . وَلِحَدِيثِهَا كُنَّا نَنْتَظِرُ ، وَهِيَ تُطْلِقُ عَزْفَهَا كُلُّ يَوْمٍ ، لَيْسَ فَقَطْ لِنَدَاءِ الْغَرَانِيقِ الطَّيِّبَةِ وَإِنَّمَا لاجْتِمَاعِنَا هُنَا بالأَرْضِ الَّتي نَأْمُلُ أنْ تُنْبِتَ فِيهَا زُهُورُ أَحْلاَمِنَا ، وَتَتَمَايَلُ عَلَيْهَا أَفْرُعُ الأَشْجَارِ الَّتي تُثْمِرُ مَا يَرُوقُ لَنَا أَنْ نَتَذَوَّقَهُ مِنْ الْفَاكِهَةِ الطَّيبةِ .

كَانَتْ بدَاخِلِنَا الأَحْلاَمُ ، لاَ نَرْوِيهَا إِلاَّ إِذَا طَلَبَتْ مِنَّا الْعَجُوزُ ذلكَ ، أَوْ إِذَا حَلَّقْنَا في سَمَاءِ الْقَرْيَةِ بأَجْنِحَةٍ تُشْبهُ أَجْنِحَةَ الْغَرَانِيقِ . لِمَاذا غَابَتْ عَنَّا الْعَجُوزُ وَلمْ تَعُدْ مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ كُلِّ الأَيَّامِ الَّتي ذَهَبَتْ ؟ لمْ نُعُدْ نَسْمَعُ صَوْتَ النَّاي الْحَنُونْ ، أوْ نَأَنَسُ برِؤْيَةِ هَذِهِ الطِّيُورِ الْمَلاَئِكِيَّةِ الشَّفَافَةِ . تَسَائَلْنَا عَنْ سِرِّ اخْتِفَاءِهَا ، كُنَّا نَجْتَمِعُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى أَمَلِ أَنْ تَأْتي بمَعْزُوفَاتِهَا وَطُيُورِهَا وَلكنَّهَا لا تَجِيء ، وَبِرَغْمِ أَحْلاَمِنَا الْكَثِيرَةِ الَّتي نُرِيدُ أنْ نَحْكِيَهَا لِتَطِيرَ بِأَجْنِحَةِ الْغَرَانِيِقِ في السَّمَاءِ وَتَعُودُ إِلَيْنَا وَقَدْ تَحَقَّقَتْ .

رَاحَتْ تَكْبُرُ مَعَنَا أَحْلاَمُنَا ، أَمَّا الْعَجُوزُ فَقَدْ بَحَثْنَا عَنْهَا ، وَعَنْ طِيُورِهَا وَمَعْزُوفَاتِهَا ، وَمَا زَالَتْ تَبْحَثُ عَنْهَا مَعَنَا الرِّيَاحُ وَالأَشْجَارُ وَالْعَصَافِيرُ وَالْمُرُوجُ الْخَضْرَاءِ وَأَعْوَادُ الذُّرَةِ الطَّوِيلَةِ ، وَحُقُولُ الشَّمْسِ الذَّهَبيَّةِ . اجْتَمَعْنَا في نَفْسِ الأَرْضِ الَّتي كُنَّا نَلْتَفُّ حَوْلَ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ فِيهَا .

اقْتَرَحَ الْبَعْضُ أَنْ نَبْحَثَ وَرَاءَ أَسْبَابِ اخْتِفَاءِ الْعَجُوزْ . عِلْمَاً بأَنَّ هُنَاكَ مَنْ رَأَوْهَا وَطُيُورِهَا وَقَدْ اعْتَادَتْ الذِّهَابَ إِلي أَرْضٍ أُخْرَي غَيْرَ أَرْضِنَا ، تَعْزِفُ هُنَاكَ ، وَتَسْتَمِعُ إِلي أَحْلاَمِ عَصَافِيرَهَا الصِّغَارَ ، وَتُسَرِّحُ طُيُورَهَا الْجَمِيلَةِ فَوْقَ سَمَائِهَا . ارْتَسَمَتْ عَلَى وُجُوهِنَا الدَّهْشَةُ ، عُدْنَا نَتَسَاءَلُ : مَا الَّذي حَدَثَ ، وَهَلْ صَدَرَ مِنَّا مَا جَعَلَ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ تُغَيِّرُ طَرِيقَهَا إِلي أَرْضٍ أُخْرَي !!

قُلْنَا الْعَجُوزُ لا تَأْتِي قَرْيَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ عَصَافِيرُهَا الصِّغَارِ يَحْلُمُونَ ، وَالأَحْلاَمُ لا تَتَحَقَّقَ إِلاَّ إِذَا انْطَلَقَتْ مِنْ أَرْضِ السَّلاَمِ وَالْمَحَبَّةِ ، فَهَلْ شُفِيَتْ قُرَانَا مِنْ حُرُوبِهَا وَتَنَاحُرِ أَهْلِهَا ، وَهَلْ تَخَلَّصَتْ بَعْدُ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ وَالْقَلَقِ وَالْفِتَنِ وَالأَحْقَادِ والْمُؤَامَرَاتِ ، حَتَّي يَكُونَ لأَحْلاَمِنَا أَجْنِحَةً تَطِيرُ بِهَا بَعِيدَاً عَنْ بُكَاءِ الطَّبيعَةِ وَأَنَّاتِ الأَرْضِ الَّتي تَشْهَدُ عَذَابَاتِ الإنْسَانِ ، وَتُدَمِّرُ الْحُقُولَ وَتُبَدِّدَ الثَّرَوَاتِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلكَ تَبَاعَدَتْ خُطَي الْعَجُوزَ عَنْ أَرْضِنَا وَحَطَّتْ هِيَ وَطُيُورِهَا وَمَعْزُوفَاتِهَا عَلَى أَرْضٍ أُخْرَي أَكْثَرَ أَمْناً وَسَلاَمَاً .

مَرَّتْ الأَيَّامُ سَرِيعَةً ، وَالْحَالُ عَلَى مَا هَوَ عَلَيْهِ ، نَلْتَقِي .. كُلٌّ مِنْ الأَصْدِقَاءِ يُمَثِّلُ قَرْيَتَهُ الصَّغِيرَةِ الَّتي أَتي مِنْهَا بَاحِثاً في أَرْضِنَا عَنِ الأَحْلاَمِ ، وَعَنْ عَجُوزِ الْحِكَايَاتِ الْقَدِيمَةِ الَّتي مَا فَرِغَ جِرَابُهَا يَومَاً مِنَ النَّوَادِرِ وَالأَسَاطِيرِ وَالْمَلاَحَمِ الْبُطُولِيَّةِ . وَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوس في ذَاتِ الْمَكَانِ اشْتدَّتْ رِيِحٌ عَاصِفَةٌ هَزَّتْ الأَشْجَارَ بِعُنْفٍ وَلَطَمَتْ أَبَوَابَ وَشَبَابِيكَ الْبيُوتِ الْقَرِيبَةِ ، وَسَكَنَتْ الْعَصَافِيرُ أعْشَاشَهَا ، وَمَلَئَتْ الأَتَرِبَةُ وَذَرَّاتُ الرِّمَالِ الْخَفِيفَةِ كُلَّ الآفَاقِ . انْتَبَهْنَا لِطَائِرٍ عِمْلاَقٍ رَاحَ يَحُطُّ عَلَى إِحْدَي التِّلاَلِ الْعَالِيَةِ وَيَصِيحُ مِنْ بَيْنِ مِنْقَارِهِ الطَّوِيلِ صَيْحَاتٍ أَرْعَدَتْنَا فَانْكَمَشْنَا خَائِفِينَ .

فَرَدَ الطَّائِرُ العِمْلاَقُ جَنَاحَيْهِ فَظَلَّلَ بهِمَا بيُوتَ الْقُرَى الْمُتَجَاوِرَةِ الصَّدِيقَةِ ، وابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً كَأَنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِنَا وَفَزَعِنَا . بَدَأْنَا نَنْظُرُ إِلي الطَّائِرِ بعَيْنٍ أُخْرَي ، ظَهَرَ لَنَا كَأَنَّه يَبْكِي ، فَتَدْمَعَ عَيَنَاهُ بِدِمُوعٍ رَاحَتْ تَلْمَعُ مِنْ أَسْفَلِ عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا جَوْهَرَةٌ تَتَقَلَّبُ تَحْتَ شَمْسِ النَّهَارِ . وَعِنْدَئِذٍ رَاحَ يَهْبِطُ مِنْ التَّلِّ الْعَالِي وَيَمْشي بأَرْجُلِهِ الَّتي تُشْبِهُ أَرْجُلَ الآدَمِيينَ وَبَدَأَ جِسْمُهُ يَتَضَاءَلُ وَيَصْغُرَ كُلَّمَا خَطَى نَحْوَنَا حَتَّي رَأَيْنَاهُ مَجَسَّدَاً في الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ .

الْعَجُوزُ مَرَّةٌ أُخْرَي في أَرضِنَا ، إِنَّ مَا حَدَثَ الآنَ شَيءٌ يُثِيرُ الرُّعْبَ وَالْفَزَعَ .. الطَّائِرُ الْعِمْلاَقُ صَارَ هُوَ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ الَّتي نَبْحَثُ عَنْهَا .. أَحَسَّتْ الْمَرْأَةُ بِمَا يَدُورُ في أَذْهَانِنَا مِنْ أَسْئِلَةٍ ، تَبَسَّمَتْ وَلاَ تَزَالُ آثارُ الدُّمُوعِ في عَيْنَيْهَا ، وَرَاحَتْ تَتَنَهَّدُ تَنْهِيدَةً طَوِيلَةً ، قَالَتْ : أَرْضُ الأَحْلاَمِ يَا عَصَافِيرِي الصِّغَارِ هِيَ الأَرْضُ الَّتي يُمْكِنُ لَكُمْ أَنْ تَتَفَتَّحُوا فِيهَا ، وَتَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا وَتَسْتَنْشِقُوا هَوَاءَهَا الْعَلِيلَ ، أَمَّا الأَرْضُ الأُخْرَى فَإنَّها أَرْضٌ خَبيثَةٌ ، تُنْبِتُ فِيهَا الْفِتَنَ وَالْكَرَاهِيَةَ وَحُبِّ النَّفْسِ ، لَيْسَ تَعْرِفُ سَمَاءُهَا طَيُورَ الْغَرَانِيقَ الْمَلاَئِكِيَّةِ وَلاَ تَعْرِفُ أَرْضُهَا مِثَلَ أَحْلاَمِكُمْ الطَّيِّبَةِ النَّبيلَةِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلكَ تَحَوَّلْتُ إِلي ذَلكَ الطَّائِرَ الْعِمْلاَقِ غَرِيبَ الْمُنَظَرِ ، وَالَّذِي هُوَ انْعِكَاسٌ لِمَا صَارَتْ إِلَيْهِ أَحْوَالُ الْقُرَي مِنْ تَرْوِيعٍ وَدَمَارٍ .

وَلأَجْلِ ذَلكَ قَرَّرَتُ الاخْتِفَاءَ حتَّى لاَ تَفَرُّوا مَفْزُوعِينَ مِنْ هَيْئَتِي الْمُفْزِعَةِ بَعْدَ أَنْ أَلِفْتُمْ طُيُورِي الْمَلاَئِكِيِّةِ الْجَمِيلَةِ وَمَعْزُوفَاتِي الْحَنُونَةِ . وَلِكَيْ تَتَدَبَّرُوا أَمْرَكُمْ ، وَتَعْتَمِدُوا في تَحْقِيقِ أَحْلاَمِكُمْ وَأَمَانِيكُمْ عَلَى عَزَائِمِكُمْ وَإِرَادَتِكُمُ الْحُرَّةِ ، وَحُسْنِ تَعَاوُنِكُمْ وَصَنِيعِكُمْ ، وذلك بِأَنْ تُقَدِّمُوا الْوُعُودَ والآمَالَ لِغَدٍ سَوْفَ تُشْرِقُ شَمْسُهُ عَلَى أَحَلاَمِكُمْ الصَّغِيرَةِ ، لِكَيْ تَكْبُرَ وَتُنْبتَ في أَرْضٍ لا تُهَدِّدَهَا الْكَوَابيسُ .

وَبينَمَا شَرَعَتْ الْعَجُوزُ في تَفْسِيرِ مَا حَدَثَ تَلاَشَتْ شَيْئاً فَشَيْئاً آثَارُ الأَتْرَبَةِ وَالْغُبَارِ الَّذّيْنِ عَلَقَا في فَضَاءِ الْمَكَانِ ، وَتَبَدَّلَتْ الْعَاصِفَةُ نَسِيمَاً رَقِيقَاً رَاحَ يُدَاعِبُ خُدُودَنَا برِقِّةٍ وَرِفْقٍ ، بَيْنَمَا عَادَتْ لَوْحَةُ الْمُرُوجِ وَأَعْوَادُ الذُّرَةِ تَتَحَرَّكُ ، وَتَدُبُّ فِيهَا الْحَيَاةُ مَرَّةً أُخْرَي ، وقَدْ تَمَايَلَتْ طَرَبَاً لِصَوْتِ النَّاي الْحَنُونِ أَجْنِحَةُ الْغَرَانِيقِ الْمَلاَئِكِيَّةِ الَّتي مَلأَتْ السَّمَاءَ الزَّرْقَاءَ .

حسن خليل
17-03-07, 08:16 PM
القصة السادسة والسبعون

عنقود اللؤلؤ

بقلم أحمد سامي خاطر

للعمر من 7 - 12

أَحَسَّتْ (لُؤْلُؤَةُ) بِشَيْءٍ مِنْ الضِّيقِ ، وَهِيَ تمْسِكُ بِيَدِ الشُّرْطِيِّ وَتَتَجَوَّلُ دَاخَلَ أَنْحَاءِ الْحَدِيقَةِ الشَّاسِعَةِ الْخَضْرَاءَ ، بَاحِثَةً عَنْ أَبِيهَا وَأُخْوَتِهِا ؛ غَيْرَ أنَّ رُؤْيَةَ أقفاصِ الحيواناتِِِِ قد بدأتْ تَشُدُّ انْتِبَاهَهَا وَتجْذِبُ شُرُودَهَا شَيْئاً فَشَيْئاً ؛ في ذَلكَ الصَّبَاحُ الْمُشْرقُ الْبَهِيجْ .

(1) وَعَلَى مَسَافَةِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ رَأَتْ (لُؤْلُؤَةُ) فِيلاً صَغِيراً يُعْلِنُ بِخُرْطُومِهِ الرَّقِيقِ صَيْحَةً رَفِيعَةً مُدَوِّيَةً في الأُفْقِ قَائِلاً : إِنَّ أَبي (فِيلُو) الْعَظِيمُ سَوْفَ يَمُدُّ خُرْطُومَهُ لِكُلِّ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ حِمَايَتُهُ مِنْ بِني الْحَيَوَانَاتِ ؛ مِمَّنْ لا يَسْتَطِيعُونَ حِمَايَةَ أَنْفُسَهَمْ مِنْ الذِّئْبِ الأَجْرَبِ ، بَعْدَ أَنْ طَغَي وَتَجَبَّرَ ، في غِيَابِ الأَسَدِ الْحَكِيمِ (لُؤْلُؤْ) ؛ الَّذِي خَرَجَ عَلَى رَأْسِ قَطِيعٍ مِنْ الأُسُودِ وَالأَشْبَالِ لِمُوَاجَهَةِ الأَعْدَاءِ مِنْ صَيَّادِي حَيَوَانَاتِ الْغَابَةِ ؛ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ في إِحْرَازِ الْجُلُودِ الْغَاليَةِ واقْتِنَاءِ الْقُرُونِ الْعَاجِيَّةِ الثَّمِينَةِ . وَلِكَيْ يَتِمَّ ذَلكَ يَا أَصْدِقَائِي الْحَيَوَانَاتِ الْمَسَاكِينِ ، لابُدَّ أَنْ تُدِينُوا لأَبي (فِيلُو) الْعَظِيمِ بِالطَّاعَةِ والْوَلاَءِ حَتى يُخَلِّصُكُمْ من شُرُورِ الذِّئْبِ الأَجْرَبِ دَاخِلَ أَرْوِقَةِ الْغَابَةِ .

أَحَسَّتْ لُؤْلُؤَةُ أَنَّ (فِيلُو) لَيْسَ حَسَنَ النِيَّةِ ، وَأَنَّهُ لا يَخْتَلِفُ كَثِيرَاً عَنِ الذِّئْبِ الأَجْرَبِ الْعَجُوزِ ، كِلاَهُمَا يَطمَعُ في الْحُصُولِ عَلَى لَقَبِ مَلِكِ الْغَابَةِ في غِيَابِ (لُؤْلُؤْ) ، فجَرَتْ بَيْنَ الأَشْجَارِ الْكَثِيفَةِ الْعَالِيَةِ ، وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنْ جُحُورِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَكَامِنِهَا ، تُنَادِي عَلَيْهِمْ ليَخْرُجُوا وَيَجْتَمِعُوا في مَكْمَنِ الْغَزَالَةِ الشَّقرَاءَ لِيَتَنَاقَشُوا فِيمَا اسْتَجَدَّ مِنْ أَحْوَالٍ في غِيَابِ الأَسَدِ الْحَكِيمِ ، وَمَا يُدَبَّرُ مِنْ مُؤَامَرَاتٍ عَلَى يَدِ الذِّئْبِ الأَجْرَبِ ، وَالْفِيلْ فِيلُو الْمُتَكَبِّرُ . اجْتَمَعَتْ كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ في بَيْتِ الْغَزَالَةِ الشَّقْرَاءَ .. قَالَتْ (لُؤْلُؤَةُ) : إِنَّ الأَمْرَ خَطِيرٌ جِدَّاً يَا أَصْدِقَائِي ؛ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ الْحَكِيمُ (لُؤْلُؤْ) لِمُلاقَاةِ الصَّيَّادِينَ الْجُهَلاَءَ ؛ وَهَذَا عَمَلٌ يَضْمَنُ لَكُمْ الأَمْنَ وَالأَمَانَ دَاخَلَ الْغَابَةِ وَخَارِجَهَا ، أَمَّا الذِّئْبُ وَالْفِيلُ فإنَّهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَدُسَّا بَيْنَكُمُ الْفِتْنَةَ فَتَنْقَلِبُوا عَلَى الْحَكِيمِ (لُؤْلُؤْ) ، وَبِذَلكَ يَنْتَقِلُ سُلْطَانُ الْغَابَةِ لَهُمَا أَوْ لأَحَدِهِمَا . صَاحَتْ الْحَيَوَانَاتُ باسْتِيَاءٍ شَدِيدٍ : " إِنَّهَا مُؤَامَرَةٌ "

أَدْرَكَ (الْخَرْتِيتُ الأَبْيَضُ) كَلاَمَ لُؤْلُؤَةُ فَرَفَعَ قَرْنَهُ إلي فَوْقَ قَائِلاً : لاَبُدَّ مِنْ صُنْعِ شَيْءٍ يَضْمَنُ لَنَا الْمَزِيدَ مِنْ الْحِمَايَةِ وَالدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ إلي أَنْ يَعُوُدَ مَلِكُ الْغَابَةِ إِلي مَمْلَكَتِهِ ظَافِرَاً . قَالَتْ الْغَزَالَةُ بِصَوْتٍ وَدِيعٍ وَهِيَ تُشِيرُ إِلي لُؤْلُؤَةِ بِأَرْنَبَةِ أَنْفِهَا الْبَيْضَاءَ : إِنَّنَا نَعْلَمُ يَا لُؤْلُؤَةُ أَنَّكِ مِثْلَنَا تَرْفُضِينَ الْخِيَانَةِ ، وَتَبْحَثِينَ عَنْ الأَمْنِ وَالْحُرِّيَةِ وَالسَّلاَمِ ؛ بَعْدَ أَنْ ضَلَلْتِ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ إِلي أَبِيكِ وَأُخْوَتِكِ دَاخِل الْحَدِيقَةِ . قَالَتْ لُؤْلُؤَةُ : الأَمْرُ كَذَلكَ يَا أَصْدِقَائِي . ثمَّ ردَّت الْغَزَالَةُ : نَحْنُ أَيْضَاً مِثْلَكِ نَرْفُضُ خِيَانَةَ الذِّئْبِ وَأَطْمَاعَ الْفِيلِ ، وَنَبْحَثُ عَنِ حُرِّيَتَنَا الَّتي افْتَقَدْنَاهَا مُنْذُ أَنْ غَابَ الأَسَدُ الْحَكِيمُ (لُؤْلُؤْ) ، الَّذِي نَشَرَ الْعَدْلَ وَالأَمْنَ وَالاسْتِقَرَارَ وَسْطَ فَيَافي الْغَابَةِ الْمَلِيئَةِ بالْمَخَاطِرِ وَالأَهْوَالِ .. قَالَتْ لُؤْلُؤَةُ : أَلاَ يُمْكِنُنِي مُسَاعَدَتِكُمْ يَا أَصْدِقَائِي .. قَالَتْ الْغَزَالَةُ : وَلَكِنَّكِ مِنْ بَنِي الْبَشَرِ وَنَخَافُ عَلَيْكِ مِنْ مُفَاجَآتِ الْغَابَةِ غَيْرَ السَّارَّةِ ؛ خَاصَّةً في وُجُودِ الذِّئْبِ الأَجْرَبِ ، وَالْفِيلْ (فِيلُو) الَّذِينَ لا نَأْمَنُ شَرِّهِمَا وَمَكْرِهِمَا .

تَقَافَزَ الْقِرْدُ (سَامُورْ) قَائِلاً : إِنَّ بَنِي الْبَشَرُ يَشْتَرِكُونَ مَعَنَا في هَذِهِ الْمُغَامَرَةِ الْمَلِيئَةِ بالْخَطَرِ يَا غَزَالَتُنَا الْوَدِيعَةِ .. وَلَكِنَّنَا نَخْتَلِفُ عَنْهُم في الطَّرِيقَةِ الَّتي نَتَّبِعَهَا في حِمَايَةِ أَنْفَسَنَا مِنْ الْخَطَرِ الَّذي نَتَعَرَّضَ لَهُ . اقْتَرَبَتْ (لُؤْلُؤَةُ) مِنْ فَأْرَةٍ عَجُوزٍ ، كَانَتْ تَجْلِسُ في صَمْتٍ وَتَهُزُّ رَأْسَهَا في حِكْمَةٍ وَتَدَبُّرٍ، سَأَلْتُهَا عَنْ رَأْيِهَا فِيمَا تَقُولُ الْحَيَوَانَاتُ ، تَبَسَّمَتْ الْفَأْرَةُ وَهِيَ تَنْتَظِرُ هُدُوءَ الْقَاعَةِ مِنَ الأَصْوَاتِ . وَلمَّا سَادَ الصَّمْتُ نَهَضَتْ الْفَأَرَةُ مِنْ مَجْلِسَهَا وَرَاحَتْ تَتَنَقَّلُ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُنْفَعِلَةِ وَالْهَادِئَةِ قَائِلَةً في حِكْمَةٍ : يَبْدُو أَنَّ أَصْدِقَائِي لمْ يَفْهَمُوا بَعْدُ مَعْنَي مَا قَالَهُ (فِيلُو) في الصَّبَاحِ ، فَالأَمْرُ أَخْطَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ مُحَاوَلَةٍ مِنْ الْفِيلْ الْمُتَكَبِّرُ وَالذِّئْبِ الأَجْرَبِ للوُصُولِ إلي مَقَالِيدَ الْغَابَةِ في غَيْبَةِ الأَسَدِ الْحَكِيمِ لانْتِزَاعِ لَقَبِ (الْمَلِكْ) ، بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّ حَرْبَهُ سَتَطُولُ مَعَ الصَّيَّادِينَ الأَشْرَارَ في الْخَارِجِ . فَعِلْمِي يَا أَصْدِقَائِي أَنَّهُمَا قَدْ قَطَعَا طَرِيقَ الرِّجُوعِ عَلَى جَيْشِ الأَسَدِ ، وَسَوَاءٌ عَادَ مُنْتَصِراً أَوْ مَهْزُومَاً سَيُوَاجِهَ مَصِيرَاً مَجْهُولاً في عَوْدَتِهِ مَعَ جُيُوشِ الْفِيَلَةِ والذَّئَابِ أَخْشَي أَنْ يَهْلَكَ دُونَهُم ، أَمَّا الآن فَقَدْ حَانَ وَقْتُ قِيَاسِ دَرَجَةَ أَصَالَتِكُمْ وَرَبَاطَةَ جَأْشِكُمْ وَالْكَشْفَ عَنْ مَعَادِنِكُمْ النَّفِيسَةِ . بَاتَ الأَمْرُ صَعْباً والْغَابَةُ يَتَهَدَّدَهَا طُوفَانُ الشَّرِّ إِذَا لمْ تَتَوَحَّدُ عَزَائِمُنَا الأَصِيلَةِ في عُنْقُودٍ وَاحِدٍ ، نُوَاجِهُ بِهِ أَعْدَاءَ غَابَتِنَا الآمِنَةِ .

نَهِقَ الْحِمَارُ مُعَبِّراً عَنْ مَوْقِفِهِ وَمُعْلِناً عَنْ فَشَلِهِ في مُحَاوَلَةِ الْفَهْمِ بَيْنَمَا ضَحِكَتْ كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ في الْقَاعَةِ إِلاَّ حَيَوَانَ (ابْنَ عُرْسٍ) الَّذِي حَاوَلَ أَنْ يُقَرِّبَ وِجْهَاتَ النَّظَرِ وَيُحَدِّدَ مَقْصِدَ الْفَأْرَةِ قَائِلاً : لَقَدْ أَرَادَتْ الْفَأْرَةُ الْعَزَيزَةُ أَنْ تُؤَكِّدَ لَنَا ضَرُورَةَ أَنْ نَتَحَمَّلَ نَحْنُ مَسْئُولِيَّةَ أَنْفُسِنَا حَتَّى يَعُودَ (لُؤْلُؤ) الْمَلِكُ الْحَكِيمُ مِنْ حَرْبِهِ مُنْتَصِرَاً .. وَلِذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَّحِدَ سَوِيَّاً في مُوَاجَهَةِ الأَعْدَاءِ بالدَّاخِلِ .. وَلاَ نَكُونُ أَقَلَّ مِنْ (لُؤْلُؤْ) الَّذِي يُحَارِبَ مِنْ أَجْلِ سَلاَمَتِنَا مِنْ خَطَرِ الصَّيَّادِينَ بِالْخَارِجِ .. عَلَيْنَا إِذَنْ يَا أَصْدِقَائِي أَنْ نَتَّخِذَ قَرَارَنَا بِحِكْمَةٍ وَهُدُوءٍ كَمَا تَعَلَّمْنَا مِنْ مَلِكِ الْغَابَةِ الْحَكِيمِ (لُؤْلُؤْ) . قَالَتِ الْحَيَوَانَاتُ في صَوْتٍ وَاحِدٍ : الأَمْرُ مَا قَالَتْهُ الْفَأْرَةُ ، وَأَوْضَحَهُ (ابْنُ عُرْسٍ) .. نَهِقَ الْحِمَارُ مُسْتَفْسِراً : وَكَيْفَ إِذَنْ نُوَاجِهُ الْخَطَرُ بالْحِكْمَةِ وَالْهُدُوءِ يَا أَصْدِقَاءْ .. إنَّنِي أُوَاجِهُ الْخَطَرَ بالرَّفْسِ ، وَهُوَ مَا تَعَلَّمْنَاهُ مِنْ طَبِيعَةِ الْغَابَةِ .. سَارَعَتْ ( لُؤْلُؤَةُ ) بالقَوْلِ : مهْلاً .. مهْلاً يا أصْدقائي ، فالْحِكمةُ والْعَقْلُ أَقْوَي سِلاحٍ في مُوَاجَهَةِ الْمَخَاطِرِ الَّتي تَدْهَمُنَا ، لِذَا سَأَرْوِي لَكُم حِكَايَة أبي مع الذِّئْبَةِ الْجَرْبَاءِ دَاخِلَ الْخَنْدَقِ الْعَسْكَرِيّ لِنَعْلَمَ جميعاً كيف نُفَكِّرَ بِهِدُوءٍ ونَتَصَرَّفَ بِحِكْمَةٍ في أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ والأَزَمَاتِ ، ولِكَيْ نَخْرُجُ مِنْ جِلْسَتِنَا هَذِهِ مُسْتَفِيدِينَ تَمَامَاً وَمَقْتَنِعِينَ بأهميةِ أن يَكونَ لَدَيْنَا الحكمةُ حتى نَتَّخِذَ الرَّأْيَ والْقَرَارَ السَّلِيِمَينْ فِيِمَا يَخُصُّ مَصَائِرُنَا جَمِيعاً حتى لا نَقَعَ فَرِيسَةً سَهْلَةً تحت أنيابِ الطَّامِعِينَ الأَعْدَاءِ ، ثمَّ أَخَذَتْ لؤلؤةُ مَوْقِعَهَا مِنْ القَاعَةِ وَهِيَ تَرْوِي عَنْ أَبِيهَا مَا حَدَثَ مِنْ الذَّئْبَةِ الْجَرْبَاءِ في الخَنْدَقْ .

(2)

تَثَاءَبَتُ الذِّئْبَةُ الْجَرْبَاءُ الْكَسُولَةُ ؛ وَأَطْلَقَتْ عِوَاءً طويلاً في الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ .. قَالَتْ لِزَوْجِهَا : " إِنَّني سَوْفَ أَعُودُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِفَرِيِسَةٍ ثَمِيِنَةٍ مِنْ دَاخِلِ الْخَنْدَقِ العَسْكَرِيْ الْقَرِيبِ مِنْ صَحَرَاءِ الْجَبَلْ ".. ضَحِكَ الذِّئْبُ الزَّوْجُ مُسْتَهْزِءَاً مِنْ زَوْجَتِهِ الذَّئْبَةِ الْجَرْبَاءِ : " لَقَدْ حَاوَلْتِي ذَلكَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ يَا عَزيزتِي وَلكنَّكِ في كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتِ تَعُودِينَ بِجِرَاحٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ جِلْدِكِ الْمُلْتَهِبْ " .

قالتْ الذِّئْبَةُ في كِبْريَاءٍ : " إِنَّ الأَمْرَ هذه اللَّيْلَةُ يَخْتَلِفُ عَنْ اللَّيَالي الأُخْرَيَاتِ ، فَقَدْ شَاهَدْتُ في الصَّبَاحِ بعينيَ أَنَّ سَاكِنِي هَذَا الْخَنْدَقِ قَدْ تَرَكُوه بِصُحْبَةِ قَائِدِهِم الَّذِي رَافَقَهُم لِمُهِمَّةٍ جَدِيدَةٍ ، وَلمْ يَتَبَقَّ مِنْهُمْ غَيْرَ (أبي لؤلؤة) بِمُفْرَدِهِ .. حيثُ سَمِعْتُ الْقَائَدَ يَأْمُرُهُ بَأَنْ يَلْزَمَ الْخَنْدَقَ حتى الصَّبَاحِ ولاَ يَتْرُكُهُ حتَّى يَتَلَقَّى أَمْراً مِنْهُ بِذَلِكَ . شَعُرَ أبي بِحَرَكَةِ أَقْدَامِ الذَّئْبَةِ عَلَى الرِّمَالِ ؛ فَأَدْرَكَ أَنَّ الأَمْرَ جَدُّ خَطِيرٍ ، حَيْثُ أَوْصَاهُ الْقَائِدُ بأنْ لا يُطْلِقَ أَيَّ رَصَاصَةٍ مِنْ بُنْدُقِيِّتِهِ حتَّى لا يَتَعَرَّفَ الأَعْدَاءُ عَلَى مَكَانِ الْخَنْدَقِ عَنْ طَرِيقِ مَصْدَرِ صَوْتِ الطَّلَقَاتِ . ظَلَّتْ الذِّئْبَةُ الْجَرْبَاءُ تَنْبِشُ بِحَوَافِرِ قَدَمَيْهَا في فَتْحَةِ الْخَنْدَقِ حتى رَأَي أبي قَدَمَهَا بِعَيْنِهِ .. وَهُنَا لمْ يَسْتَطِعْ التَّفْكِيرَ فَأَمْسَكَ بُنْدُقِيَّتَهُ وَأَعَدَّهَا تماماً ، ثم اخْتَبَأَ وراء كَوْمَةٍ من أَحْجَارِ الْخَنْدَقِ بالدَّاخِلِ مُنْتَظِرَاً الذِّئْبَةُ لِيَقْتُلَهَا .

ظَلَّتَ الذِّئْبَةُ تُحَاوِلُ وتحاول عِدَّةَ ساعاتٍ مُتواصِلَةٍ ، وَظلَّ أبي يُفَكِّرُ ويفكرُ في حِيلَةٍ يصنَعُهَا لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ من أَنْيَابِ هَذِهِ الذِّئْبَةِ الْمُفْتَرِسَةِ .. لكنَّهُ تَذَكَّرَ كلامَ القائدِ حيثُ حَذَّرَهُ من أَنْ يُطْلِقَ النَّارَ من بندقِيَّتِهِ دَاخِلَ الْخَنْدَقِ فَتَرَاجَعَ عن ذلك ، ولكنَّ الذِّئْبَةُ لمْ تَتَرَاجَعْ بعدُ .. قالتْ ، وَهِيَ تُجَاهِدُ في دُخُولِ الْخَنْدَقِ : " سوْفَ أَظْفَرُ بِكَ اللَّيلةَ يا (أبَا لُؤْلُؤَةْ) ، ولنْ تَفْلِتَ مِنِّي هَذِهِ الْمَرَّةُ .

لمْ يُصْدَرْ أبي أيَّ صَوْتٍ ، بَعْدَ أن أدركَ أنَّه لا مَحَالةَ من دِخُولِهَا .. فَقَدْ رَأَى الْفَتْحَةَ تَتَسِعُ والرِّمَالِ تَسْقُطُ في الدَّاخِلِ ؛ وعِنْدَئِذٍ لَمَعَتْ في رأسِهِ فِكْرَةٌ حين وقعتْ عينَاهُ عَلَى (جِوَالٍ) كبير من الْخَيْشِ ؛ فَرَاحَ يَلْضِمُ في طَرَفِهِ حَبْلاً سَمِيكاً ، وَجَعَلَ فَتْحَةَ الجِوَالِ في طرِيقِ الدَّخُولِ إلي الخندقِ بعدَ أن ربطَ طرفَ الحبلِ الآخرِ في صخرةٍ بارزةٍ .

عِنْدَهَا استَطَاع أبي أن يَلْتَقِطَ أنفاسَهُ ، وَظلَّتْ الذئبةُ عَلَى نَشَاطِهَا حتى نَجَحَتْ في الدِّخُولِ مِنْ فَتْحَةِ الْخَنْدَقِ ، وبينما هي مُنْدَفِعَةٌ نحو الدَّاخِلِ الْمُظلِمِ حتى سَقَطَتْ في الجوالِ الَّذي تعلَّقَ بالحبلِ فانْغَلَقَ عليها مثلَ مصيدةِ الفأرِ ، قال أبي للذئبةِ المحبوسةِ في الجِوَالِ الْمُعَلَّقِ : أيتُها الذئبةُ الجرباءُ ، لقد نِلْتِ جَزَاءَ غُرُورِكِ ، وهذا جزاءُ كُلَّ من يُحَاوِلُ الاعتداءَ والعُدْوَانَ عَلَى الآخرين .

صَاحَتْ كُلُّ الحَيَوَانَاتِ في القَاعَةِ : لقَدْ أَحْسَنَ وَالِدُكِ صُنْعاً يا لؤلؤة ، وَلَقَّنَ الذِّئْبَةَ دَرْسَاً قَاسَيَاً .. قَالَتِ الغَزَالَةُ الشَّقْرَاءَ في هِدُوءِهَا : نَعَمَ .. لَقَدْ تَصَرَّفَ بِحِكْمَةٍ ؛ ولو أنَّه تَسَرَّعَ وَأَطْلَقَ النَّارَ من بُنْدُقِيِّتِهِ عَلَىَ الذئبةِ لَعَرِفَ العَدُوُ مكانهُم ، وأفْسَدَ عليهم خُطَّتِهِم الْعَسْكَرِيَّةِ ؛ وَلَتَحَوَّلَ النَّصرُ الكبيرُ إلي هزيمةٍ نكراءْ .. قال القرد (سامور) : عَلَيْنَا إِذَنْ أن نَتَّخِذَ قرارَنا بحكمةٍ وهدوءٍ ، وتَحَدَّثَ (ابنُ عُرْسٍ) : إِنَّ الْعَدوَ الآنَ هُوَ الذِّئْبُ الأَجْرَبُ ؛ الَّذي يُدبِّرُ لَنَا الْمَكَائِدَ ويَنْشُرُ بَيْنَنَا الفِتْنَةَ .

نَهِقَ الحِمَارُ قَائِلاً : يَا أصْدِقَائِي .. أَرَي أنَّنَا لَنْ نَمْلِكَ القَرَارَ السَّلِيمَ إلاَّ إِذَا أَصْبَحْنَا قُوَّةً وَاحِدةً كَمَا قَالتْ عَزِيزَتُنَا الفَأْرةُ ، وَزَعْمِي أَنَّنَا جَمِيعَاً مُتَفَرِّقُونَ وَلَسْنَا أَصْحَابَ رَأْيٍّ وَاحِدٍ أَوْ عَمَلٍ .. قَالَ الْجَمِيعُ : الرَّأْيُ مَا قَالَ الْحِمَارُ ، ثمَّ أَشَارَتْ بِرَأْسِهَا (لُؤْلُؤَةُ) قَائِلَةً : لا دَاعِيَ إِذَنْ لإِنْفَاقِ الْوَقْتُ هَبَاءً ، الأَمْرُ يَحْتَاجُ مِنَّا التَّحَرُّكُ وَتَوْزِيعُ الْمَهَامِ وَالأَدْوَارِ حتَّى يَتَحَرَّكَ كُلُّ مِنَّا في طَرِيقِ الْهَدَفْ ، وَهُوَ الْحِفَاظُ عَلَى سَلاَمَةِ وَأَمْنِ حَيَوَانَاتِ الْغَابَةِ .

(3)

عِنْدَمَا عَلِمَ الذِّئْبُ الأَجْرَبُ مَاَ يُدَبِّرهُ ( فِيلُو) لَهُ ، عَوَى عِوَاءً عَالِيَاً هَزَّ أَرْكَانَ جُحْرِهِ الْعَمِيقَ ، قَالَ الثَّعْلَبُ وَهُوَ في حَالَةِ رُعْبٍ شَدِيدٍ مُخَاطِبَاً الذِّئْبَ وَمُتَودِدَاً لَهُ : هَوَّنْ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الْعَمِّ ، إِنَّ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا سَوْفَ تَتَوَدَّدُ إِلَيْكَ وَتَحْتَمِي بِحِمَاكَ . قَالَ الذِّئْبُ غَاضِبَاً : أَلَمْ تَسْمَعْ بِمَا قَالَهُ الْفِيلُ أَيُّهَا الثَّعْلَبُ .. أَجَابَ الثَّعْلَبُ وَهُوَ مُنْكَمِشٌ في جِلْدِهِ : زَعْمِي أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ فِيلُو لَيْسَ إِلاَّ كَلاَماً في الْهَوَاءِ يَاَ سَيِّدِي الذِّئْبُ .. قَالَ الذِّئْبُ للثَّعْلَبِ في ضِيقٍ : عَلَيْكَ إِذَنْ أَيُّهَا الثَّعْلَبُ أَن تُرْسِلَ مُنَادٍ يَلُفُّ أَنْحَاءْ الْغَابَةِ ، وَيُعْلِنُ عَلَي لِسَانِي : ( إِنَّ الذِّئْبَ يَفْتَحُ صَفْحَةً جَدِيدَةٍ مَعَ الْجَمِيعِ ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَهُ مَظْلَمَةٌ أَوْ حَقٌ فَلْيَتَقَدَّمُ بِهِ .. وَلتعْلَمُ كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ أَنَّهَا مُنْذُ اللَّحْظَةِ تَنْعَمُ بِالْحُرِّيَةِ وَالْحَقِ وَالْمُسَاوَاةِ في ظِلِّ سِيَادَةِ الذِّئْبِ ) .

سَمِعَ (فِيلُو) بِأُذُنَيْهِ الْمُفَرْطَحَتَيْنِ مَا قَالَهُ الْمُنَادِي عَلَى لِسَانِ الذِّئْبِ الأَجْرَبِ ، صَاحَ صَيْحَةً عَالِيَةً ، وَرَفَعَ خُرْطُومَهُ في الْهَوَاءِ ، وَقَالَ في غَضَبٍ والشَّرَرُ يَمْلأُ عَيْنَيْهِ : ( يَا أَفْيَالُ الْغَابَةِ الْعِظَامُ .. إِنَّ الذِّئْبَ يَحْتَالُ عَلَيْنَا بِحِيلَةٍ جَدِيدَةٍ ، وَإِنَّنِي أَرَي أَنَّهُ مِنْ الصَّوَابِ أَنْ نَقُومَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ ، حَتَّى نَتَخَلَّصُ مِنْهُ وَتَكُونُ لَنَا السِّيَادَةُ وَلأَبْنَائِنَا مِنْ بَعْدِنَا ) .

أَسْرَعَتْ كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ أَمَامِ (فِيلُو) وَجَيْشِهِ الضَّخْمِ مِنْ الْفِيَلَةِ ، وَعَلَتْ الصَّيْحَاتُ في الْجَوِّ مُعْلِنَةٌ عَنْ هُجُومٍ شَدِيدٍ عَلَى الذِّئْبِ وَأَعْوَانِهِ . لَمْ يِكُنْ الذِّئْبُ في غَفْلَةٍ .. لَقَدْ اسْتَعَدَّ هُوَ الآخَرُ بِجَيْشٍ لا يُسْتَهَانُ بِهِ وَتَقَابَلَ مَعَ جَيْشِ الْفِيَلَةِ عِنْدَ مِنْطَقَةٍ جَرْدَاءٍ في مُنْتَصَفِ الْغَابَةِ .. عَلاَ صَوْتُ الْعِوَاءِ وَصَيْحَاتُ الْفِيَلَةِ ، وَتَحَوَّلَتْ الْغَابَةُ إِلَي مَعْرَكَةٍ مُتَكَافِئَةٍ وَشَرِسَةٍ في الْوَقْتِ نَفْسِهِ كُلٌّ يَشْحَذُ أَسْلِحَتَهُ الْخَاصَّةُ في وَجْهِ الآخَرِ .

أَطَلَّتِ الْحَيَوَانَاتُ مِنْ جُحُورِهَا وَمَكَامِنِهَا . قَالَتْ (لُؤْلُؤَةُ) لأَصْدِقَائِهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ : يَا أَصْدِقَائِي إِنَّ الْفُرْصَةَ الآنَ مُنَاسِبَةٌ لِكَيْ تُكَافِئُوا (لُؤْلُؤَ) بِالْقَضَاءِ عَلَى الذِّئْبِ الأَجْرَبِ وَالْفِيلْ (فِيلُو) الْمَغْرُورْ ، وَتَنَالُوا حُرِّيَتُكُمْ وَتَسْتَمِتعُونَ بِحِمَايَتِكُمْ بَعِيدَاً عَنْ الشُّرُورِ وَالأَطْمَاعِ . قَالَتِ الْغَزَالَةُ الْوَدِيعَةُ : لَقَدْ فَهِمْتُ مَا تَقْصِدِينَهُ يَا (لُؤْلُؤَةُ) .. لابُدَ مِنْ حِيلَةٍ نَصْنَعُهَا لِكَي نَقْهَرَ جَيْشَ الأَعْدَاءِ في الدَّاخِلِ وَنَقْضِي عَلَى الْفِيلْ وَالذِّئْبْ .

اجْتَمَعَ الْكُلُّ في بَيْتِ الْغَزَالَةِ مَرَّةً أُخْرَي ، وَظَلُّوا يُفَكِّرُونَ في حِيِلَةٍ للتَخَلُّصِ مِنْهُمَا ، وَبَعْدَ مُنَاقَشَاتٍ وَمُحَاوَرَاتٍ كَثِيرَةٍ اهْتَدَتْ (لُؤْلُؤَةُ) إِلي فِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ ، وَعَرَضَتْهَا عَلَى الْجَمِيعِ فَهَلَّلُوا فَرِحِينَ بِهَا وَشَكَرُوا عَلَيْهَا(لُؤْلُؤَةَ) ، قَالَتْ الْفَأْرَةُ : الْقَوْلُ مَا قَالَتْ لُؤْلُؤَةُ يَا أَصْدِقَائِي .. إِذَنْ عَلَيْنَا أَن نُرْسِلَ في طَلَبِ مَلِكِ الطُّيُورِ (النَّسْر) . قَالَتْ (حَمَامَةُ) : أَنَا آتِيكُمْ بِهِ يَا أَصْدِقَائِي ، فَهُوَ يُحِبُّ الْعَوْنَ ، وَسَوْفَ يُسَاعِدُنَا عَلَى أَعْدَائِنَا .

ضَرَبَتْ الْحَمَامَةُ بِجَنَاحَيْهَا في السَّمَاءِ ، وَأَخْبَرَتْ النَّسْرَ بِمَا يَحْدُث في الْغَابَةِ ، فَفَهِمَ النَّسْرُ مُهِمَّتَهُ واسْتَعَدَّ لَهَا ، حيثُ جَمَعَ سَرْباً هَائِلاً مِنْ النُّسُورِ وَحَلَّقَ بِهِم ضَارِباً بِأَجْنِحَتِهِ الطَّوِيلَةِ حتَّى هَبَطَ عَلَى بَيْتِ الْغَزَالَةِ ، أَمَّا الْحَمَامَةُ فَقَدْ أَخَذَتْ طَرِيقَهَا في الْجَوِّ لإِبْلاَغِ الأَسَدِ الْحَكِيمِ (لُؤْلُؤْ) بِمَا يَحْدُثُ في الْغَابَةِ لِيَأْخَذَ حَيْطَتَهُ وَحَذَرِهِ في طَرِيقِ الْعَوْدَةِ .

تَعَاوَنَتْ الْحَيَوَانَاتُ جَمِيعُهَا في عَمَلِ شَبَكَةٍ سَمِيكَةٍ مِنْ الأَسْلاَكِ وَأَفْرُعِ الشَّجَرِ الْمُتَشَابِكَةِ ؛ فَحَمَلَتْهَا النُّسُورُ بِمَخَالِبِهَا الْقَوِيَّةِ وَحَلَّقَتْ بِهَا في السَّمَاءِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلي الْمِنْطَقَةِ الْجَرْدَاءِ الَّتي يَتَصَارَعُ فِيهَا الذِّئْبُ (الأَجْرَبُ) والْفِيلْ (فِيلُو) ، وَرَاحَتْ تُحَلِّقُ في دَائِرِةٍ تَتَّسِعُ وَتَتَّسِعُ حتَّى أَحَاطَتْ بالأَعْدَاءِ جَمِيعاً ، وَهُنَا أَلْقَتَ النُّسُورُ بالشَّبَكَةِ عَليْهِم لِيَقَعُوا فِيهَا مُقَيَّدِينَ مَأُسُوريِنَ جَزَاءً لِشُرُورِهِم وَأَطْمَاعِهِم . هَلَّلَتْ كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ وَأَسْرَعَتْ تِجَاهَ الْفِيلْ (فِيلَو) وَالذِّئْبِ الأَجْرَبْ وَهُمَا في شَبَكَةٍ وَاحِدَةٍ .

لَمْ يَمْضْ غَيْرَ وَقْتٍ قَصِيرٍ حَتَّى عَاَد الأَسَدُ الْحَكِيمُ ( لُؤْلُؤْ ) الَّذِي حَكَتْ لَهُ الْحَمَامَةُ كُلَّ شَيءٍ .. فَأَمَرَ بِطَرْدِ الأَعْدَاءَ مِنْ الْغَابَةِ بِتُهْمَةِ الْخِيَانَةِ ، وَشَكَرَ حُسْنَ صَنِيعِ (لُؤْلُؤَةِ) بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ مِنْ فَوْقِ تَبَّةٍ رَمْلِيَّةٍ عَالِيَةٍ بِدَايَةً جَدِيدَةٍ في ظِلِّ اتحَادِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتي تَنَفَّسَتْ بِدَوْرِهَا هَوَاءً جَدِيدَاً يَنْعَمُ بِالْحُرِّيَةِ وَالسَّلاَمِ .. عِنْدَئِذٍ أَفَاقَتْ لُؤْلُؤَةُ مِنْ شُرُودِهَا عَلَى صُوْتِ الشَّرْطِيِّ ، وَهُوَ يَسْأَلُهَا : هَلْ هَذَا هُوَ وَالِدُكِ يَا لُؤْلُؤَةْ ؟!

حسن خليل
17-03-07, 08:31 PM
القصة السابعة والسبعون

عِنْدَمَا تَغْضَبُ الكُتُبْ!!!

بقلم خالد جمعة

للعمر من 7 - 12 سنة

الضَّجَّةُ الكبيرةُ الَّتي حَدَثَتْ في المَكْتَبَةِ العَامَّةِ والمَكْتَبَاتِ الأُخْرَىْ المُنْتَشِرَةِ في المَدِيْنََةِ جَعَلَتْ إِبَاءَ تَتَسَاءَلُ عَنْ سَبَبِهَا، فهيَ تَعْرِفُ أنّ المَكْتَبَةَ هي أكثرُ الأماكِنِ هُدُوءاً في المَدِينةْ، وكانتْ تذهبُ إلى هُناكَ خِصِّيْصَاً كي تَقْرَأَ في هُدُوءٍ بَعِيْدَاً عن إزعاجِ أَبْوَاقِ السَّيَّارَاتِ التي تمرُّ من أمامِ بَيْتِهَا. أمّا ما حَدَثَ ذلكَ النَّهارُ فلم يكُنْ مَعْهُوداً من قَبْلْ، أُناسٌ تدْخُلُ في المكتبةِ وأُخرى تَخْرُجُ مِنها، مُعَلِّمُونَ وآباءٌ ومجموعةٌ من الأشخاصِ لم تَتَعَوَّدْ إباء رُؤْيَتَهُم يَذهبونَ إلى المكتبةِ من قَبْلْ.

قَرَّرَتْ إباء أن تَدْخُلَ إلى المكتبةِ كي تعْرِفَ ما يَجْري هناك، فهي فُضُوليّةٌ بِطَبْعِهَا، تُحِبُّ مَعْرِفَةَ الأشياءِ التي تَحْدُثْ، ولماذا تَحْدُثْ..

عندما وَصَلَتْ إباء إلى بابِ المكتبةِ العامَّةِ مَنَعَها الكِبارُ من الدُّخُولْ، لكنَّ صَوْتاً قَادماً من دَاخِلِ المكتبةِ قالْ: دَعُوا إباءَ تَدْخُل إذا أَرَدْتُمْ منِّي أن أتحدَّثْ.. ازْدَادَتْ دَهْشَةُ إباءْ، فالصَّوتُ الذي تَحَدَّثَ لم يَكُنْ يُشْبِهُ صوتَ أَحَدٍ من الذينَ تَعْرِفُهُم. سُمِحَ لها بالدُّخولِ، ولكن المفاجأةَ التي لم تَكُنْ على بَالِهَا أن الصَّوتَ الذي كانَ يتحدَّثُ هو صوتُ أَحَدِ الكُتُبِ في المكتبةْ.

وَقَفَتْ إباءُ لِلَحظَةٍ وهي مُصَابَةٌ بالدَّهْشَةِ، كانت الكُتُبُ كلُّها تتحاورُ بصوتٍ مُنْخًفِضٍ يشبهُ صوتَ خليَّةِ نَحْلْ، وكان من الوَاضِحِ أن الكتابَ الذي يَجْلِسُ في المُقَدِّمَةِ هو الذي يتحدَّثُ باسمِ الجميعْ، ومن خِلالِ الكلماتِ البسيطةِ التي سَمِعَتْهَا إباء هُنا وهُناك من الكتبِ المَصْفُوفَةِ على الرُّفوفْ، فَهِمَتْ الأمْرَ كلَّهُ.. كانت الكتبُ تقومُ بإضرابْ.. وهي لا تريدُ لأحدٍ أن يَقْرَأَهَا..

بدا الأمرُ غريباً على إباء، كما أنَّها لم تعرفْ لماذا تقومُ الكتبُ بالإضرابِ وهي منذُ آلافِ السِّنينْ تسمَحُ بالقراءةِ لكلِّ مَنْ يُريدْ. قالتْ إباء وهي تنظرُ إلى الكتابِ الذي جَعَلَها تدخلُ المكتبةْ: ـ ماذا حَدَثَ يا صديقي الكتابْ؟

تَنَهَّدَ الكتابُ وَتَقَلَّبَتْ أوراقُهُ كأنَّ شخصاً نَفَخَ عليها وقالْ: ـ لَقَدْ قَرَّرْنَا نحنُ الكُتُبْ أن نقومَ بإضرابْ، لن نَدَعَ أحداً يقرأَ جُمْلةً واحدةً طالما بَقِيَ الحالُ هكذا..

ـ أيَّ حالٍ تَقْصِدْ؟ ـ أقصدُ حالَ الأطفالْ.. فما فائِدَةُ أن يقرأَ النَّاسُ إذا لم يفعلوا شيئاً بقراءَتِهِمْ؟ فأنا أعرفُ من زملائي كتبِ الإحصاءِ أنَّ كثيراً من الأولادِ لا يقومُ أهْلُهُمْ بتعليمِهِمْ وخصوصاً البناتْ، كما أنني لا أقصدُ التعليمَ الذي يقومون فيهِ بِحَشْوِ عقولِ الأولادِ بالمعلوماتْ.. بل التعليمَ الذي يدعو للتفكيرِ وفهمِ الحياةْ. ـ ولماذا أنتمْ مُهْتَمُّونَ بهذا الأمرْ؟

ـ ما فائدتي أنا إذا كنتُ أحملُ كلاماً لا ينفعُ الأطفالَ الذينَ كُتِبَ من أَجْلِهِمْ..؟ ثُمَّ إن بقيَّةَ الكتبِ قد تَضَامَنَتْ معي لأنّها تُحِبُّ الأطفالْ، ولأن أهلَهُمْ لا يشترونَ لهم كتباً للقراءة، ولو كان الأهلُ لا يملكونَ المالَ لشراءِ الكتبْ، فلماذا لا يسمحونَ للأولادِ بالقراءةِ في المكتباتِِِ العامَّةِ المَجَّانِيّةْ؟

ثم يَجِبْ على الناسِ أن تعْرِفَ أنَّ الكُتُبَ تموتُ إذا لم يقرأَهَا أحدْ، لأنها تحسُّ أنّها بلا فائدةْ، أمسْ فقطْ تُوُفِّيَ كتابان من كُتُبِ التاريخِ لأنَّ أحداً لم يقرأهما منذُ عشرِ سنواتْ، فالعملُ الوحيدُ الذي خُلِقَتْ له الكتبُ هو أن يقرأها الناسُ، وهي لا يُمكنْْ أن تفعلَ شيئاً آخر. لأن المعلوماتِ إذا مرَّ عليها زمنٌ طويلٌ دونَ أن تُقرأَ يصيبُها مرضٌ يشبهُ الشَّلَلَ الذي يصيبُ الناسَ، فما فائدتها إذا لم تُقرأ؟ لذلك اتَّفَقْنا مع الكتبِ في المكتباتِ الأخرى على الإضرابْ، فلن تَجِدِيْ كتاباً واحداً يمكن قراءتُهُ حتى يقومَ الناسُ بالسّمَاحِ لأطفالِهِمْ بالقراءةْ. ـ وما ذنبُ الأطفالِ الذين يقرأونَكُم؟

ـ نَحْنُ نَعْرِفُ كيفَ نَتَصَرَّفْ، وسَأَقُوْلُ لكِ سِرَّاً صغيراً، إن إضرابَنَا لن يَسْتَمِرَّ إلى وقتٍ طويلْ، فهو فَقَطْ كي نَجْعَلَ الناسَ يُفَكِّرونَ في مُسْتَقْبَلِ أولادِهِمْ؛ وسوفَ نعودُ كما كُنَّا ولكن بعد أن يُحِسَّ الناسُ ما الذي تستطيعُ الكُتُبُ أن تَفْعَلَهْ. ـ لكِنَّكَ نَسِيْتَ شيئاً مُهِمَّاً يا صَدِيْقي الكتابْ، إنَّ التَّعْليمَ ليس فَقَطْ في المَدْرسةْ. تَنَهَّدَ الكَتَابُ بَأَلَمٍ وقالْ:

ـ أنا لا أستطيعُ أن أُعَدِّلَ الدُّنيا كلَّها وَحْدِي يا إباءْ، وحتّى لو اجْتَمَعَتْ معي كلُّ الكُتُبِ في العالَمْ، فكلُّ واحدٍ من المَفْرُوضِ أن يَجِدَ وَسِيْلَةً لتَصْحِيْحِ الوَضْعِ الخاطئِ في مَكَانِِهِ، أما أنا، فأكثرُ ما أستطيعُ فَعْلَهُ هو أن أمنعَ النَّاسَ من قِراءَتي أنا وأَصْدِقَائي.

وَدَّعَتْ إِبَاءُ الكِتَابَ وخَرَجَتْ من المَكْتَبَةِ، فَانْدَفَعَ النَّاسُ نَحْوَهَا لِيَسْأَلُوْها عن الحُوارِ الذي دَارَ بينَها وبينَ الكتابْ، ولكنّها لم تُجِبْ على أيِّ سُؤالْ، فَقَدْ قَرَّرَتْ أن تَكْتُبَ حِوَارَها معَ الكِتَابِ في قِصَّةٍ لِتَنْشُرَهَا في الصُّحُفْ، أو على الأقَلّْ في مَجَلَّةِ الحَائِطِ في المَدْرَسَةْ، فَرُبَّمَا الطَّريقةُ التي يُفَكِّرُ بها الكتابُ تُصْبِحُ الطَّرِيْقَةَ التي يُفَكِّرُ بها النَّاسُ في وَقْتٍ قَرِيْبْ... رُبَّمَا.

درة الدنيا
21-03-07, 05:11 PM
http://islamroses.com/zeenah_images/jazak.gif

حسن خليل
23-03-07, 01:43 PM
http://islamroses.com/zeenah_images/jazak.gif

ألف شكر لكِ على المرور للموضوع

ويبارك فيكِ ويجزاكِ الجنة

(qq140)

روحـ الكتمانـ
23-03-07, 04:32 PM
بارك الله فيك وجزاك كل خير

حسن خليل
23-03-07, 07:11 PM
بارك الله فيك وجزاك كل خير

ويبارك فيكِ ويجزاكِ خير

وأشكركِ على المرور للموضوع.

حسن خليل
19-04-07, 02:36 PM
القصة الثامنة والسبعون

القط الغدار


بقلم: نظمية أكراد


كان القط زوزو جائعاً يفتش عن شيء يسكت به جوعه وقد قارب النهار على الانتهاء ولم يعثر على ما يأكله، فكر بالخروج الى الحقول لعله يجد عصفوراً أو فأراً أو أي شيء يؤكل.

وغابت الشمس وحل الليل وهو يبحث.. سمع وصوصة قفز نشيطاً قد يتحقق حلمه بعد انتظار طويل وتعب وعناء شديدين، لابد أنه فأر سمين يسكن هذا الجحر وينعم بالدفء ويلعب. وقفز نحو الجحر ووقف بالقرب من فتحته المموهة بالتراب وأخذ يئن ويتوجع وينادي بصوت ضعيف. ‏

ـ النجدة.. النجدة أكاد أموت من البرد إنني مريض لا استطيع التحرك، لقد أصبحت كبيراً وضعيفاً ولا أرى جيداً، أعينوني.. النجدة..

نادى بصوت ضعيف مرتجف: ‏

ـ لا أحد يسمعني سأموت جوعاً وبرداً، أين أذهب في هذه الليلة العاصفة؟ ‏

قال الفأر الابن بخوف: ‏

ـ كيف نساعد من هو عدو لنا ولايرحمنا؟ ألم تقولي لنا إنه عدونا؟ إنه يطاردنا ويلتهمنا عندما يصل إلينا. ‏

قالت الأم بشفقة: ‏

ـ ما تقوله صحيح لكنه هرٌ عجوزٌ ضعيفٌ مريض، والجو عاصف ماطر. سنفتح باب الوكر وننظر إليه ثم نقرر مانفعل. ‏

نظرت الفأرة الكبيرة من شق صغير في فتحة الجحر ورأت القط في حالة يرثى لها ممرغاً بالوحل والماء يقطر من شعره وهو يكاد يلفظ أنفاسه، فنادت أولادها وقالت لهم: ‏

ـ ساعدوني لنفتح الباب جيداً وندخل هذا القط العجوز الضعيف المريض. ‏

صرخ فأر صغير: ‏

ـ لكن.. سنموت برداً اذا خرجنا وإذا دخل سيلتهمنا. من أين جاءنا الهر في هذا الوقت؟ ‏

ـ لاتخش شيئاً، إنه ضعيف ولايقوى على الحركة ولن ينسى لنا هذا المعروف إذا عاش وتعافى. ربما ينقذ حياتنا إذا أنقذنا حياته، إن فعل الخير شيء عظيم، أسرعوا وساعدوني لكي ندخله الى هنا.. هيا أسرعوا. ‏

ـ أحاطت هي وصغارها بالقط وأخذوا يسحبونه الى داخل جحرهم. كان ثقيلاً جداً وضعيفا، ولا يتحرك كأنه ميت. صاحت الفأرة الأم به: ‏

ـ ساعدنا أيها القط العجوز تحرك قليلاً، نكاد نموت جميعاً من البرد، والمطر يبللنا. ‏

ـ لكن الهر تماوت أكثر وثقل جسمه ولم يساعد بحركة. أرهقوا لما بذلوه من جهد كان فوق طاقتهم. أخيراً أدخلوا القط الى مدخل الجحر وتركوه هناك. ‏

ـ كانت الفأرة الأم في الداخل والصغار في المدخل عند الباب، والقط بجسمه الكبير يفصلهما عن بعضهما ما أقلق الأم وأفزع الصغار الذين يحبون النوم في حضن أمهم الدافئ أو بالقرب منها. ‏

نظر كل منهم الى القط عن قرب، إنهم يشعرون بالخوف من عدوهم ولكنهم يرونه لأول مرة ضعيفاً. حاولوا العبور من خلف القط أو من أمامه أو من فوقه فلم يستطيعوا لأنه أغلق الطريق بجسمه الكبير. كانوا متعبين جداً، فناموا اطمأن القط الى أن صغار الفئران نيام.. التهم بعضهم بسرعة ثم وقف وقد قوي ونفض شعره من الماء والوحل العالق به وتمطى، وانقض على الفأرة الكبيرة التي أخذت ترتجف ذعراً حين رأته يفترس آخر صغارها. ‏

صاحت به ذاهلة وهي لاتصدق ماترى. ‏

ـ أيها القط الغدار، الحق علي أنا المغفلة؟ أشفقت عليك وساعدتك أنا وصغاري، وفكرنا في أن نتخذك صديقاً؟ لقد تمارضت وخدعتنا ولم تنس طبيعتك الغدارة. ‏

وثب القط نحوها فحاولت الهرب، لكن المكان ضيق. أمسكها وأخذ يرفعها ويضرب بها الأرض حتى أرهقها ودوخها. ‏

نظر إليها وهي أقرب ماتكون الى جثة، ولعق شفتيه وحرك شاربيه ودار حولها وهو يقول: ‏

ـ إنك غبية ومغفلة. إنني لم آكل طوال اليوم فهل أموت جوعاً بينما أنت تتمتعين بالدفء والطعام والأمان؟ ‏

ـ وما ذنبي أنا؟ إنني أسكن بيتي وآكل من تعبي. ‏

حسن خليل
30-05-07, 10:46 PM
القصة التاسعة والسبعون


قشرة الموز


بقلم محمد عطية محمود عطية


بعد انتهاء اليوم الدراسى ، التقى عمرو ، و سمير أمام بوابة المدرسة ، و بعدما تصافحا ، قال عمرو باهتمام :
ينبغى أن نذهب لزيارة عمى صابر فى المنزل ، بعد خروجه من المستشفى بالأمس . قال سمير مندهشآ :
عمى صابر رجل طيب .. ماذا حدث له؟! رد عمرو متأثرآ :
سمعت من ابنه صلاح ، صديقنا ، أن الطبيب وضع له ساقه فى الجبس . تعاطف سمير مع كلام عمرو قائلآ :
ينبغى أن نزوره بالفعل ؛ فزيارة المريض من آداب التعامل ، و لها أثر طيب فى نفس المريض و أهله ، و تعمل على نشر تامودة و المحبة بين أفراد المجتمع .. هكذا علمنى والدى ، و هو تأكيد لما نتعلمه فى المدرسة . واصل عمرو :
ثم أننا يجب أن نقف الى جوار صديقنا صلاح ؛ فهو ولد طيب مثل أبيه ، و لا يفوته أبدآ أن يقف الى جوار أصدقائه وقت الشدة . و كما يقول معلمنا " الصديق عند الضيق " قال سمير فى ثقة :
سوف أستأذن والدى فى هذا الأمر ، و أكيد عندما يعرف سيأـى معنا . وافقه عمرو بسرور قائلآ :
و أنا أيضآ . قال سمير :
اذن نتفق على ميعاد الزيارة اليوم مساء آ …

***

بجوار سرير العم صابر ، فى منزله ، جلس عمرو و سمير يحيطان بصديقهما صلاح ، بعدما قدم اليهم واجب الضيافة .. تطل عليهم نظرات العم صابر الحانية الباسمة ، على الرغم من ألم ساقه الذى لم يبارحه بعد ، و قال :
الخير فيكم يا أولاد .. رد سمير باحترام :
لا بأس عليك يا عمى … ثم قال عمرو : - ستشفى ان شاء الله يا عمى ، و تعود الينا سالمآ معافآ . رد عليهما ، و قد ملأ السرور وجهه المرهق : - الحمد لله على كل حال يا أولادى . انه قدر و مكتوب ، لكن لابد أن يحترس كل منكم ، و يكون يقظآ ، و هو يمشى فى الطريق .. وقاكم الله شر الاصابات . سأله سمير على استحياء :
لكن قل لى يا عمى لو سمحت .. كيف حدث ذلك ؟ هز العم صابر رأسه مبتسمآ ، و قال :
انها قشرة الموز يا ولدى . استغرب عمرو :
قشرة موز ؟!!! قال العم صابر : - نعم يا ولدى . و تحول بنظره الى والد سمير ، الذى كالن يجلس الى جواره ، منصتآ الى الحديث ، و يربت على كتفه مواسيآ ، ثم اكمل :
كنت عائدآ من عملى ، و اذا بى بعد خطوات من دخولى الشارع ، أجد نفسى واقعآ على الأرض ، و ساقى تؤلمنى بشدة ، و اتضح أن قشرة موز هى التى أوقعتنى دزن أن أراها أو أشعر بها . سأل سمير متعجبآ :
قشرة موز تفعل كل ذلك ؟!! رد والد سمير متأثرآ :
نعم يا ولدى ، و أكثر من ةذلك ، و لكن الله ستار قال عمرو :
ان من قواعد الالتزام و النظافة ألاّ نرمى مخلفاتنا فى الطريق ، الذى هو ملك لنا جميعآ . أكمل سمير :
رغم الشعارات المكتوبة على الجدران و اللافتات ، و المذاعة التى تدعو الى المحافظة على النظافة الا أن هناك الكثيرين ممن يلقون مخلفاتهم فى الشارع غير مهتمين بعواقب أفعالهم . قال صلاح ، و هو ينظر الى والد بحنو :
لكن يجب علينا أن نستمر فى دعوتنا الى النظافة و الالتزام ، و المحافظة على جمال مدينتنا ، و حينا ، و شارعنا ، و لا نيأس من التوعية المستمرة . رد عليهم والد سمير مبتسمآ ، فخورآ بهم :
بارك الله لنا فيكم يا أولاد ، و شفى لنا عمكم صابر.

عواميه مدلعه
25-07-07, 05:28 AM
يعطيك العافيه اخوي حسن على هذه المجموعه الاكثر من رائعه كم من الجميل ان نذكر اطفالنا الصغار بقصص تسافر بهم في عالم ممزوج بين الواقع والخيال

حسن خليل
25-09-07, 09:35 PM
يعطيك العافيه اخوي حسن على هذه المجموعه الاكثر من رائعه كم من الجميل ان نذكر اطفالنا الصغار بقصص تسافر بهم في عالم ممزوج بين الواقع والخيال

الله يعافيك أختي عواميه مدلعه

وأشكركِ جزيل الشكر على مروركِ وتعليقكِ المميز على القصص.

تقبلي فائق احترامي وتقديري

حسن خليل
25-09-07, 09:39 PM
القصة الثمانون

فراش الذئب

للكاتب جمال علوش

في أحد الأيام ، خرج الأرنب من مخبئه ، وتوجَّه إلى بيت الذِّئب . لقد قرَّر أخيراً أن يعقد صُلْحاً مع الذئب ... فهو لم يعد يثق ببقية الأرانب . إنهم دائماً على خلاف ، وندر أن يجتمعوا على رأي ، أو يتحدوا أمام خطر .

كان الذئب جالساً أمام البيت . اقترب منه الأرنب وحيَّاه ، ثم قال :

- لقد جئتك لأمر يا أبا ُمامة ، وأرجو ألا تردني خائباً .

قال الذئب :

- أهلاً بكَ أوَّلاً .. ما هو الأمر الذي يحملك على المجيىء إليَّ بقدميك .. لعلَّه أمر بالغ الأهمية ؟!

قال الأرنب :

- هو كذلك . لقد يئست من عناد اخوتي ، وجئت أعرض عليك الصلح ، فماذا تقول ؟

أطرق الذئب .. وبعد صمت قصير، رفع رأسه وقال :

- موافق، ولكن هل ستوافق على شرطي ؟

قال الأرنب :

- شرط !! .. إذا كان ممكناً ، فلن أعارض .

قال الذئب :

- لقد تقدمت بيَ السن ، وداهمتني الأوجاع .. وأنا بحاجة إلى فراش يقيني من حصباء الأرض.. أنا بحاجة إلى فرائك الناعم أيها العزيز .. فهل تعيرني إيَّاه؟

فوجىء الأرنب بهذا الطلب الغريب، ولكنه قال :

- لابأس .. فالوقت صيف ، وأنا لا أحتاج لفرائي الآن .. سأقدمه هدية لك عربوناً للصداقة الجديدة .

خلع الأرنب فراءه الجميل ، وقدَّمه للذئب الذي قال :

- شكراً لك أيها الصديق الرائع .. شكراً لك .

ومرَّت الأيَّام سراعاً ، وجاء الشتاء ببرده وثلجه ، وشعر الأرنب بحاجته إلى فرائه الدافىء، وأدرك كم كان غبيَّاً عندما تخلَّى عنه للذئب .. وبعد تفكير طويل ،

قررأن يستعيد الفراء ، وإلاَّ مات من البرد .

سار الأرنب متحاملاً على نفسه ، يقاوم لسعات البرد قدر ما استطاع ، حتى وصل إلى بيت الذئب .

وبعد طرق متواصل على الباب ، فُتح ، وأطلَّ منه الذئب برأسه الرمادي .. وما إن رأى الأرنب حتى صاح :

- أهلاً .. أهلاً بالأرنب العزيز .. هل من خدمة أستطيع أن أقدمها لك ؟

قال الأرنب وهو يرتجف :

- جئتك من أجل الفراء . أنا بحاجة إليه اليوم ، وسوف أعيده لك بعد أن ينقضي الشتاء .

ضرب الذئب كفَّاً بكف ، وقال بحزن مفتعل :

- يالتعاستي .. يالشقائي !!

صاح الأرنب :

- ماذا .. ماذا حصل؟!

قال الذئب :

- لن أقدر على تلبية طلبك اليوم . لقد مزَّقت الفئران بعض جوانب الفرو .. وكنت أعتزم إصلاحه الليلة لِعِلْمِي أنك ستحتاج إليه .

صمت الذئب لحظات ، ثم تابع كلامه :

- يُسعدني أن أستضيفكَ الليلة أيها العزيز .. وسوف أسهر الليل كله حتى أنجز لك فروكَ .. آهٍ كم أنا خجل منك .. تفضل يا أخي .. تفضل .

ودخل الأرنب بيت الذئب . ولا تسألوا ماذا حدث بعد ذلك . كل ما أعرفه أن أحداً لم يعد يرى الأرنب والذئب يسيران معاً . كما أن الأرنب لم يظهر له أثر منذ ذلك اليوم .

حسن خليل
25-09-07, 10:25 PM
القصة الواحدة والثمانون

أغنية الحقول

للكاتب جمال علوش


فجأة ، ودون سبب واضح ، قرر النهر الذي يمر بقريتنا أن يحبس ماءه، ويمتنع عن سقاية الحقول.
قال النهر بعجرفة:
- ما لي وللحقول؟! .. منذ زمن وأنا أمنحها الماء كي تعيش .. ولكن هل قابلت كرمي بكرم مماثل؟.. هل منحتني شيئاً؟.
لا .. لن أمنحها الماء ابداً .. أبداً .
وتابع النهر سيره وهو يغني بتكبر واستعلاء.
ومرت الأيام ، وشعرت الحقول التي انقطع عنها الماء بالعطش ، ولوت أشجارها الصغيرة أعناقها ، وراحت تنتحب بصمت.
قال حقل صغير للنهر :
- أنا عطش أيها النهر.. هلا منحتني قليلاً من الماء؟
قال النهر :
- لا .. الماء ملكي ، ولن أبدده عليك وعلى أصحابك .
قال الحقل باستغراب :
- ومن قال أنك تبدد ماءك؟! أنت تمنحنا الحياة التي نمنحها نحن ايضاً للناس بما نقدمه لهم من ثمار وخيرات . قال النهر:
- تمنحون خيراتكم للناس!.. وأنا .. أنا ألا أستحق شيئاً من هذه الخيرات؟!
- تستحق !.. ماذا تقول ؟!.. هل تريد ان تأكل تفاحاً .. أم ماذا ؟!
قال النهر بغضب:
- انظر ! .. ها أنت تسخر مني !!
- ولكن كلامك غريب .. غريب جداً !
- وما وجه الغرابة فيه؟
قال الحقل :
- الحياة يا صاحبي أخذ وعطاء.. ومن الحكمة أن تعطي بقدر ما تأخذ.. هذه سنة الحياة .
قال النهر باستخفاف :
- وماذا أخذت حتى أعطي لغيري؟
قال الحقل :
- الا تمنحك الثلوج ماءها عندما تذوب في نيسان من كل عام .. ألا تمدُّك الأمطار دائماً بالمياه العذبة في فصل الشتاء..
أليس هذا عطاء؟
قال النهر :
- هراء .. أنا قوّي وغزير بدون مياه الثلوج والأمطار.
كانت الشمس تبتسم ، وهي تنصت لما يدون من حوار بين الحقل والنهر ، فتدخلت قائلة :
- تعقّل أيها النهر.. وإلا هلكت الحقول ،رفع النهر رأسه إلى الشمس ، وقال :
- وما دخلك أنت؟
قالت الشمس :
- ستموت الحقول .
قال النهر :
- ما لي وللحقول ؟! .. ثم ألا أكون عاقلاً إلا إذا بدّدت مائي؟!
قالت الشمس :
- ولكن ماءك سيتبدد في النهاية ويذهب إلى حيث لا يُستفاد منه ، قال النهر :
- ماذا تعنين ؟
قالت الشمس :
- ألنْ تصبَّ في البحر؟
- بلى .
- إذن سيذهب ماؤك هباء، وستموت الحقول ، فكَّر النهر لحظات ، ثم هزَّ رأسه ، وقال بتعنت:
- أن أصبَّ في البحر خير لي من أن أمنحَ مائي لهذه الحقول الكسولة البخيلة.
قالت الشمس :
- لا فائدة من الجدل معك.. أنت نهر غبيّ ومتكبر..
سآخذ منك الماء بالقوة لأمنحه لهذه الحقول المسكينة قبل أن تموت.
قال النهر بتحد :
- تسبينني .. وتهينينني !! . هه.. ماذا يمكنك أن تفعلي؟
قالت الشمس :
- سترى .
وسرعان ما ضاعفت الشمس من حرارة أشعتها ، وسلطتها على مياه النهر، فبدأ البخار يتصاعد ويتجمع في السماء غيوماً بيضاء ناصعة ، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مطر راح يهطل بغزارة فوق الحقول العطشى.
رفعت الحقول عيونها على الأعلى ، فرأت الشمس تبتسم قبل أن تتوارى خلف تلال الغيوم .. فاهتزت أشجارها الصغيرة ، وراحت تغني للشمس والمطر والحياة.

حسن خليل
25-09-07, 10:29 PM
القصة الثانية والثمانون

ثوب من حجر

للكاتب جمال علوش


في الزمان القديم القديم ، كان يحكم إحدى الممالك ملك قويٌّ وعادل، اشتهر بالذكاء ورجاحة العقل ، وكان يحب الأذكياء ويقربهم إليه ويناقشهم في أمور الفلسفة والعلم والدين والفلك ، وكل مامن شأنه أن يزيد المعارف ويشحذ الذهن ويغذي الروح .

وطبيعي ، والحالة هذه ، أن يكون خاصة الملك والمقرَّبون منه أذكياء وأذكياء جدَّاً ،

وكان يحلو للملك ، في مرَّات كثيرة ، أن يمتحنهم ويختبر ذكاءهم ، وقد يقسو في الاختبار أحياناً إلى حدٍّ مُعجز ومستحيل .

مرَّة أراد الملك أن يختبر وزيره ، فاستدعاه ، وقال له : أريد أن تصنع لي ثوباً من حجر ! سأمهلك ثلاثين يوماً فقط لتنجز لي هذا الثوب ، وإن فشلت فسيكون عقابك عسيراً !

عاد الوزير إلى بيته حزيناً مهموماً ، ولزم غرفته .. وبدلاً من أن يحاول فهم قصد الملك من وراء هذا الطلب المعجز ويفكر بطريقة تخرجه من هذا المأزق ، راح يندب حظَّه العاثر ويبكي وقد حُرم من النوم والطعام والشراب .

أحسَّت ابنة الوزير بحالة أبيها ، واستغربت جلوسه في البيت وانقطاعه عن مجلس الملك ، فاقتربت منه ، وقالت بحب : مالكَ يا أبي ؟ لِمَ أنتَ حزين وكئيب ؟

قال الوزير :

- وكيف لا حزن ، ولم يتبقَّ من المهلة إلاَّ أيام معدودة !

قالت الابنة :

- مهلة ! عن أيَّة مهلة تتحدث يا أبي ؟!

قال الوزير :

- المهلة التي حددها لي الملك لأنجز له طلباً مستحيلاً .

قالت الابنة :

- طلب مستحيل ! ما هو هذا الطلب يا أبي ؟

قال الوزير :

- تصوَّري .. طلب مني أن أصنع له ثوباً من حجر ، وأمهلني ثلاثين يوماً لأنجز له ذلك !

قالت الابنة وهي تضحك :

- إنَّ الملك يختبر ذكاءك يا أبي .. فهو لا يريد ثوباً !

صاح الوزير :

- لا يريد ثوباً ! ماذا يريد إذن ؟!

قالت الابنة :

- خذني معك غداً إلى الملك ، وسأنقذك من هذه الورطة .

لم يكن أمام الوزير سوى أن يفعل ذلك ، فالغريق يتعلَّق بقَشَّة كما يقولون ، لذا خاطب ابنته :

- ستكونين معي غداً في حضرة الملك .. فعسى أن يكون ظنك صحيحاً ، وتنجحي في إنقاذي مما ينتظرني من عقاب .

في صباح اليوم التالي ، اصطحب الوزير ابنته ، ومثلا معاً بين يديّ الملك . قال الملك للوزير :

- أراك عدت قبل انتهاء المهلة ! هل نجحت في إنجاز ما طلبته منك ؟

أجاب الوزير :

- يمكنك أن توجه هذا السؤال إلى ابنتي يا مولاي ، فقد تعهدت بإنجاز هذه المهمة عني .

ابتسم الملك ، وسأل الفتاة :

- هل أنجزتِ خياطة الثوب الذي طلبته من والدك ؟

أجابت الفتاة :

- ما طلبته ليس صعباً يا مولاي ، ولكنني أريد منك شيئاً واحداً وهو أن تعطيني خيوط رمل لأنسج لك أجمل ثوب حجريٍّ في الوجود ..

ذهل الملك لجواب الفتاة ، وأعجبه ذكاؤها ، فصاح :

- أحسنت أيتها الفتاة ! أنتِ ذكية جدَّاً ، فما قلتِهِ هو الرد المنطقي لطلبي المستحيل ثم التفت إلى الوزير قائلاً :

- إنني أطلب الزواج من ابنتك ، فهل توافق أيها الوزير ؟

فغر الوزير فاه فرحاً ، وقال :

- وهل يمكنني أن أرفض طلباً جميلاً كهذا يا مولاي ؟!

حسن خليل
25-09-07, 10:38 PM
القصة الثالثة والثمانون

الكسولان

للكاتب جمال علوش


حلَّ موعد الحرث والبذار . تمدد الفلاحان الكسولان تحت شجرة التوت ، وراحا يرقبان أرضهما الواسعة، ويمنيَّان النفس بمحصول وفير لهذا العام. قال أحدهما :
- لا شك أن محصولنا سيكون وفيراً هذا العام، وسيدرّ علينا الكثير من الأرباح.
قال الفلاح الثاني :
- هذا صحيح .. وسننفذ المشروع الذي كنا نحلم به سوية..سننشىء مزرعة كبيرة نربي فيها الأغنام والدواجن.. ونزرع فيها مختلف أنواع الفاكهة.
قال الفلاح الأول :
- وستزداد أرباحنا عاماً بعد عام.. فنشتري الأراضي المجاورة لأراضي المختار.. عندها يغدو سلطاننا أقوى من سلطانه.
قال الثاني :
- وسيطمع المختار بأموالي ، ويزوجني ابنته (خولة) فهي رغم سوء طباعها جميلة جداً.
قال الأول :
- أما أنا فسأتزوج بنتاً متعلِّمة من بنات المدينة ، وسأبني لها بيتاً واسعاً ومريحاً .
قال الثاني :
- أما أنا ، وبعد أن أتزوج ابنة المختار، فسأعمل جاهداًعلىتنحيته عن منصبه، فهو عجوز ، ولم يعد قادراًعلى تدبير شؤون القرية.
ابتسمت شجرة التوت وهي تستمع إلى هذا الحوار، وقالت في سرها : كل عام وفي مثل هذا الوقت ، يرددان هذا الكلام! .. ثم تابعت : تباً لهما.. ألم يتعبا من الأحلام؟!

حسن خليل
25-09-07, 10:40 PM
القصة الرابعة والثمانون

حكاية حبة القمح

للكاتب جمال علوش-1-

1-
أذكر عندما فتحت عينيَّ ذات صباح ، أنني أبصرت نهراً أصفرَ من السنابل ينساب باتجاه الشرق، كان المنظر ساحراً جداً ، لذلك رفعت رأسي لأرى أكثر ، إلا أن الريح هبت بقوة في تلك اللحظة، فحملتني على ظهرها وطارت بعيداً .
شعرت بفرح غامر يتملكني وأنا على ظهر الريح. قلت في سرّي : ( سأزور البلدان ، وأتعرف على كثير من الأصدقاء ). ونمت على كتف الريح.

-2-
رمتني الريح في وسط سهل واسع ، فابتسمت. قلتُ : ( سأظل هنا أتمتع بدفء الشمس ، وأسامر النجوم في الليل ، وعندما أشتاق للرحيل ، ستحملني صديقتي الريح إلى حيث أشاء ) .
قالت لي شجرة كانت تتوسط السهل :
- ليس هذا مكانك أيتها الحبة!
وقال لي غدير صغير :
- اغرسي نفسك في التربة .. وستتحولين بعد شهور إلى سنبلة تحبها الطيور والعصافير .
وقالت لي الأرض :
- انغرسي فيَّ ، تجدي الدفء والغذاء والأمان.
وطبعاً لم استجب لطلب أحد ، فقد قررت أن أظل كما أنا . حبة حنطة ذهبية .. أزور البلدان، وأتعرَّف على الناس ، واكتسب خلال تجوالي الكثير من الأصدقاء.. وربما يحالفني الحظ فيما بعد.. فاجمع مشاهداتي كلها في كتاب يحمل اسمي .
فأصبح أديبة مشهورة . ونمت بانتظار عودة صديقتي الريح.

-3-
ومرت الأيام والشهور.. وجاء الشتاء. فتحت عيني ذات يوم فشعرت بالبرد يسري في جسدي
قالت الشجرة :
- يا للحبة المسكينة!
وقال الغدير :
- ستندم بعد أيام.
وقالت الأرض :
- لم يفت الأوان بعد.. هيا انغرسي في جسدي لكنني ، وبدافع من كبرياء عنيدة متأصلة فيَّ ، تحاملت ، وتصنعت اللامبالاة.. إلا أن الخوف بدأ يساورني .. فلربما تأخرت الريح ، ورحت أعد الدقائق في انتظارها. وفي غمرة الحزن والأمل والخوف جاءت الريح. حملتني على ظهرها ، وطارت بي ، قلت في نفسي : (ستحملني ولا شك إلى مكان أكثر أمنا ودفئاً .. ونمت. )
-4-
فتحت عيني ، فإذا بي على ظهر تلَّة ، نظرت حولي فرأيت شجيرات برية ، كان المكان موحشاً.. لا ناس فيه ولا أصدقاء. قلت في سرّي ( لقد خذلتني الريح).. وبدون أن أشعر ، وجدتني أحفر في التربة وأتغلغل حتى وصلت إلى عمق شعرت معه بالدفء والأمن والحنان.
-5-
ومرَّت الأيام.. وأفقتُ ذات صباح على حركة تنبعث من داخلي : كان جسدي ينشق عن برعم أخضر طريّ نظرت من خلاله إلى الشمس فوجدتها تبتسم.. فابتسمت لها.. ورحت أتابع مع الأيام نمو ساقي التي توجت نهايتها بسنبلة تحمل الكثير من الحبوب الخضر وعندما حل الصيف بدفئه الساحر.. واكتسبت حبوبي لونها الذهبي، حدثتها عن حكايتي ، وأسهبت في وصف وطني هناك.. حيث السهول تنداح معجبة بلألائها .. فشعرت بالشوق بتدفق من عيونهن.. وبإصرارهن على انتظار ذلك اليوم الذي تجيئ فيه الريح وتحملهن إلى حيث يضحك الوطن.

حسن خليل
04-12-07, 09:38 PM
القصة الخامسة والثمانون

التلميذ الطماع


تأليف:ف. غاربوك-

ترجمة: د. رشا الجديدي

تأبط رومان حقيبة كتبه وانطلق إلى المدرسة وهو يلوح بيده مودعاً والدته التي رافقته حتى الباب.

ما أن قرع الجرس معلناً نهاية الدرس الأول حتى أسرع رومان بفتح محفظته وأخرج منها لفافة من الورق كانت والدته قد وضعت في داخلها أقراصاً من البسكويت اللذيذ صنعتها بيديها. ‏

رأت ناديا التي كانت تجلس خلف رومان أقراص البسكويت فاشتهت أن تأكل منها وانحنت نحو رومان وهي تهمس في أذنه: ‏

ـ دعني أتذوقها. ‏

فأجابها رومان بصوت منخفض: ‏

ـ هل تشترين بعضاً منها. ‏

تساءلت التلميذة باستغراب: ‏

ـ بكم ستبيعني القرص؟ ‏

فرح رومان لأنه اكتشف فجأة أنه يستطيع بيع ما صنعته أمه بالسعر الذي يراه مناسباً. ‏

أجابها:


ـ القرص الواحد بخمسة قروش. ‏

فصاحت ناديا بأعلى صوتها: ‏

ـ رومان يبيع أقراصاً لذيذة من البسكوت.. هيا يابنات... أسرعن... ‏

وسرعان ماتحلق التلاميذ حول البائع الصغير ،اشتروا كل ما بحوزته. ‏

شعر رومان بالسعادة . لأنه استطاع جمع قطعاً نقدية كثيرة . ‏

فأخذ يحدث نفسه: ترى لوكنت قد طلبت عشرة قروش ثمناً للقرص الواحد فهل كانوا سيدفعون؟ . ‏

ثم انتابه فجأة شعور بالندم لأن بضاعته كانت قليلة فنفدت سريعا. ‏

في اليوم التالي طلب من والدته أن تعطيه كمية أكبر من البسكويت غير أنه لسوء حظه لم يتمكن هذه المرة من ممارسة تجارته المحببة فقد دفعه أحد التلاميذ بقوة أطاحت بالحقيبة بعيداً فتناثرت كل محتوياتها.فأسرعت ناديا تجمع ماتبقى من أقراص البسكوت السليمة ثم عدتها وتناولت من جيبها قطعة نقدية وتقدمت من رومان وهي تقول: ‏

ـ خذ ثمنها. ‏

غير أن رومان أجاب بامتعاض: ‏

ـ يجب أولاً أن تسألي : كم ثمن القرص. ‏

أجابته ناديا وهي تقضم البسكوت بتلذذ: ‏

ـ لكنني أعرف ثمن القرص. ‏

ـ لن أبيع اليوم بسعر الأمس. ‏

ـ صاحت به ناديا وقد أخذتها الدهشة: ‏

ـ أنت تاجر ماكر إذن!. ‏

فأجاب رومان وهو يشعر بحزن عميق: ‏

ـ لقد صنعت والدتي هذه الأقراص بيديها! ‏

ـ مهما يكن فأنت تاجر طماع!. ‏

عاد رومان ظهراً إلى البيت حزيناً يائساً على غير عادته وما أن دخل إلى غرفة الجلوس حتى أدرك بأن هناك شيئاً ما حدث... فقد كانت والدته تنظر إليه بإمعان من رأسه حتى قدميه، وتراقب بصمت حركاته وهو يخلع ثيابه وينضد كتبه فوق الطاولة. ثم سألته: ‏

ـ هل ستتناول طعام الغداء؟ ‏

ـ حسب انها لاتعلم شيئاً فشعر بالاطمئنان وأجابها، نعم. ‏

بعد أن انتهى من تناول طعامه. سرعان ماسألته الأم بلهجة حازمة: ‏

ـ هيا حدثني عم فعلت بأقراص البسكوت. ‏

ـ بعض رفيقاتي في الصف طلبن تذوقه، ثم... ‏

ـ ثم ماذا؟.. ‏

ـ وجدوه لذيذاً.. فدفعوا ثمنه. ‏

ـ هكذا إذن!.. أصدقاؤك اعترضوا طريقي بعد عودتهم من المدرسة وقالوا لي: ‏

ياخالة ليزا ابنك يبيع البسكوت في المدرسة. ‏

ثم قالت له: ياللعار .. أعطني الدراهم هيا! ‏

ـ ليس لدي شيء منها.. ‏

ـ ماذا فعلت بها إذن؟ ‏

ـ لقد اشتريت بها مجموعة من الصور الملونة. ‏

ـ ألم تخجل من نفسك وأنت تبيع البسكوت لأصدقائك؟!. كان عليك أن تقدمه لهم ضيافة دون مقابل!.. ‏

احمرت وجنتا رومان خجلاً إذ تذكر كلمات زميلته ناديا. ‏

ثم سألته أمه: ‏

ـ لقد وصفوك بالطماع، أليس كذلك؟. ‏

ـ أجل.. ‏

ـ تستحق ذلك! . عسى أن تستفيد في المستقبل من تجربتك الفاشلة.

بريق النجوم
17-02-08, 11:40 AM
شكرا ً لك

تم حفظ القصص

حسن خليل
18-02-08, 08:58 AM
شكرا ً لك

تم حفظ القصص

الشكر لكم على المرور للقصص.

ولكم احترامي وتقديري.

مجنونة قصيمي
17-06-08, 09:46 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

حسن خليل
17-06-08, 08:43 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

والله يبارك فيكِ

شاكر لكِ مروركِ للموضوع.

مع احترامي وتقديري.

حسن خليل
04-12-08, 07:38 PM
القصة السادسة والثمانون

لميس والليمون

للكاتبة علياء الداية



أسرة لميس تستعد لاستقبال العمة التي تسكن في مدينة بعيدة، وهذا هو اليوم الأول من زيارتها التي تستغرق أسبوعا. لميس سعيدة بهذه الزيارة ورائحة زكية لطعام الغداء تنبعث من المطبخ، فتتجه إلى هناك.

ـ إياك أن تضعي زجاجة الليمون على الرف الرخامي، ضعيها على طاولة الطعام.

ـ حاضر يا أمي.

وقفت لميس ترقب أمها وهي توجه هذه العبارات لأختها الكبرى سلوى.

أخذت سلوى زجاجة الليمون ووضعتها على طاولة المطبخ الخشبية.. وقالت لها الأم:

ـ هذا الرف الرمادي مصنوع من الرخام يا سلوى، وهو يتأثر بالليمون الحامض، فإذا سقطت بضع قطرات منه على سطحه فإنها تترك بقعة بيضاء تشوه منظره وتصعب إزالتها فيما بعد.

التفتت الأم إلى لميس وقد لاحظت وقوفها بجانبهما:

ـ وأنت أيضا يا لميس ... انتبهي إلى هذه المسألة، وفيما عدا ذلك بإمكانكما وضع أي شيء على هذا الرف الجميل.

مضى اليوم على ما يرام ولميس وسلوى تستمتعان بحكايات العمة الممتعة التي ترويها لهما عند المساء.

في صبيحة اليوم التالي بعد طعام الفطور، شعرت لميس بالعطش فهمّت بشرب كوب من الماء، ولكنها تذكرت كم تحب شراب الليمون. فانطلقت إلى المطبخ الذي عادةً ما يكون خاليا في مثل هذا الوقت من النهار. كانت لميس تحب تقليد أمها وأختها في إعداد هذا الشراب المنعش، وقد قررت الاعتماد على نفسها هذه المرة، ولحسن الحظ وجدت كوبا مليئا بالليمون في الثلاجة، فأخرجته ووضعته بحرص على الرف الرخامي الرمادي، تذكرت لوهلة ما نبهتها إليه أمها البارحة، لكنها تلفتت حولها فلما لم تجد أحدا قالت لنفسها: (ما المانع أن أضعه هنا ؟ إن طاولة المطبخ أكثر ارتفاعا وأخشى أن تنزلق مني الزجاجة فأخسر العصير).

تذكرت لميس أن العصير بحاجة إلى سكر ليغدو مستساغا طيب المذاق.

أحضرت كرسيا من الكراسي التي حول طاولة الطعام، وصعدت عليه وهي مستندة إلى الرف، حتى تصل إلى ارتفاع الخزانة، ومدّت ذراعها، ففتحت بابها الأيمن وسرت لرؤيتها وعاء السكر وقد ملئ نصفه، فأمسكته بكلتا يديها بعد أن أحنت ظهرها إلى الأمام، وهي تحلم بملعقتي سكر تضيفهما إلى العصير.. ولكن، ما هذا ؟

لقد اتضح لها أنها لم تكن قد دفعت بكوب العصير إلى الداخل، بما يكفي، لذا فهي لم تشعر وهي تحاول إنزال وعاء السكر إلا بركبتها مصطدمة بطرف زجاج الكوب مما تسبب في قلب الكوب وانسكاب كمية من العصير على الرخام الرمادي الجميل، ثم وبلمح البصر يتدحرج الكوب في طريقه إلى أرض المطبخ فيرتطم بالأرض منكسرا مقسما إلى عدة أجزاء حادة الأطراف مع قليل من شظايا الزجاج تلتمع كالنجوم على أرضية المطبخ البيضاء.. كانت لميس قد نزلت من على الكرسي تاركة باب الخزانة مفتوحا وقد وضعت الوعاء على الرف وهي مشدوهة، أنظارها معلقة بشظايا الزجاج المنثورة، لتفاجأ بأفراد الأسرة من حولها وقد شدتهم الضجة وفي مقدمتهم الأم وهي تصيح:

ـ ما الذي فـعلته ؟ شظايا زجاج.. ثم.. ما هذا الليمون على الرخام! أنسيت ما قلناه البارحة؟
تطلعت لميس في عيني أمها الغاضبة ثم خطفت نظرة إلى عمتها التي وقفت عند عتبة الباب، وقبل أن تطغى سورة الغضب على الأم اندفعت العمة وهي تربت على كتفها:

ـ لا بأس يا عزيزتي، لميس طيبة نعرفها جميعا.. لم تكن تقصد ما فعلته.. إنها ستعتذر وتعد بألا تكرر ما حصل مرة أخرى.. أليس كذلك يا لميس ؟

لميس تنقل نظراتها بين وجوه أفراد أسرتها: عمتها، والدها، سلوى ثم أمها، لتقول: (بلى.. أنا آسفة).

حسن خليل
04-12-08, 07:43 PM
القصة السابعة والثمانون


الفراشة والكتاب


للكاتبة علياء الداية


ماذا أرى؟ كتاب! إنه حتما قد ضل طريقه، ولكن كيف؟

تساءلت فراشة الربيع الصفراء، وقد أذهلتها رؤية الكتاب فوق سطح منخفض لمدخل أحد المباني في المدينة... كان متخذاً شكل الخيمة مستنداً على دفتيه، تعلوهما طبقة كثيفة من الغبار تكاد تخفي تماماً غلافهما الأزرق الداكن.

كانت بشائر الربيع قد أقبلت منذ أسبوعين تقريبا، وبدأت النباتات في حدائق سكان الطوابق الأرضية تزهر، وأشجار الأرصفة على جوانب الطريق تتخذ لباسا زاهيا من البراعم الخضراء والأوراق الصغيرة، كما اعتدل الطقس فنشطت حركة الفراشات وابتهجت الكائنات بمقدم هذا الفصل الجميل.

اقتربت الفراشة الصفراء بمرح من الكتاب وحطت قربه...بادرت بالسؤال:

- لماذا تقبع هنا؟ هل هربت من المكتبة؟

فأجاب الكتاب بنبرة حزينة:

- لا، لم أكن أصلاً في المكتبة.

- أين كنت إذا؟

- إنه حادث مريع... يا له من ولد مشاغب!

- هل كنت في منزله؟

- إنني كتاب جغرافيا للمرحلة الابتدائية،وقد رماني الولد قاطن الطابق الرابع من الشرفة إلى هنا... فالامتحانات على الأبواب، وهو ولد كسول، وساذج أيضا! تخيلي، لقد اعتقد أنه بتخلصه مني سيتخلص من امتحان الجغرافية... وهكذا وصلت إلى هنا!

- يا للمسكين! ولماذا اختارك أنت بالذات؟ ألم يرم بأي من بقية الكتب؟

- لا أدري، كنت أتمنى أن يؤنسني زملائي، ولكن يبدو أن أهله قد اكتشفوا اختفائي فشددوا العقاب عليه!

- وهل مر عليك زمن طويل؟

- أسبوع ويومان، هذا الغبار مزعج، وأنا أتحمله يوما بعد يوم، فصل الربيع فصل غير مستقر، وعندما تهطل الأمطار سيبتل سطحي ويتحول الغبار إلى طين...كما ستغرق أوراقي بالمياه، هذا إن لم تتسبب الريح في ترنحي وسقوطي في بركة من الماء!

- أمر محزن...لو تخيل ذلك الولد ما تخشاه لما عاملك بهذه القسوة.

- هذا غير صحيح، كل الأولاد مثله مزعجون شرسون! لا أصدق أبداً بأن هناك ولداً تسرّه رؤية الكتب المدرسية على مقربة منه.

- أنت تبالغ بالتأكيد... البارحة كنت أطير بين الأزهار في الحديقة العامة... كم كان منظر الأطفال رائعاً وهم يلهون بدراجاتهم ويلعبون بالكرة في المساحات المفتوحة تحت أشعة الشمس الدافئة... منتهى البراءة والجمال...

- لكنهم مشاكسون لا يطيعون آباءهم.

- بعض منهم، وليس الجميع!

- تدافعين عنهم وكأن أحدهم أسدى إليك معروفاً!

- وأنت! لقد اتخذت من الإساءة إليك منفذا لتعميم أحكامك على الكل بلا استثناء... هذا ليس عدلا! انظر، ها هو تلميذ قادم يحمل حقيبته على ظهره...

- يبدو ذاهبا إلى المدرسة.

- حسنا! هيا بنا! وتأهبت الفراشة الصفراء للطيران!

- ماذا تفعلين؟ إلى أين؟

- سوف أنقذك... هذا الولد تبدو عليه أمارات الذكاء.

- عن أي ذكاء تتحدثين؟

- سوف أطير أمامه وألفت انتباهه إليك... ربما يخلصك مما أنت فيه.

- إنك مغفلة، ستتعرضين للخطر.

قالت الفراشة وهي في طريقها مغادرة باتجاه التلميذ:

- أنت متشائم، وأنا أحاول، سيكون ذلك خيرا لك من حفلة ماطرة!

لم تبذل الفراشة الكثير من الجهد، فسرعان ما تنبه إليها التلميذ:

- كم أهوى جمع الفراشات!

وصار يركض وراءها حتى تجاوزت سطح المدخل وتوارت عن الأنظار.

- أين ذهبت؟ تساءل التلميذ، لاحت الفراشة من جديد طائرة فوق السطح... رآها التلميذ فترك حقيبته عند الباب وتسلق سور الحديقة الملاصق لسطح المدخل إلى أن تمكن من ارتقائه والوصول إلى السطح.

- ياه... يبدو أن هذا الكتاب سبقني إلى هنا! ها ها...هل كان يطير بدفتيه مطارداً فراشة؟ لنر...ما محتواه؟ وفتح التلميذ الصفحة الأولى: الجغرافيا الطبيعية... كتاب مفيد، بما أنه مرميّ هنا فلا أحد يريده، سآخذه معي...إنه يلزمني للسنة القادمة.

وأخرج من جيبه منديلا تعاقبت عليه الطيات حتى غدا شديد السماكة، فرده وأخذ يمسح الغبار عن الكتاب.

- غلافه جميل...أزرق داكن كسماء الشتاء البارد...

ورفع رأسه وقد تذكر السماء التي بدت فيها الغيوم منذ الصباح الباكر... فرأى الفراشة الصفراء... كانت تبتسم للكتاب سعيدة بينما التلميذ يرمقها قائلاً في نفسه:

- لقد نجوت، لكنني ظفرت بما هو خير منك... سأصطادك في مرة لاحقة!

حسن خليل
04-12-08, 07:47 PM
القصة الثامنة والثمانون


نورا


للكاتبة علياء الداية

هذه القصة للناشئين


السماء مكفهرة ملبّدة بالغيوم، ولكنني مع ذلك مضيت إلى كشك الهاتف وسط المدينة، هذا الطقس لن يشجّع الكثيرين على الازدحام أمامه. أخيراً جاء صوتها : آآلو ... من يتكلم؟!

آه، يا للصوت المخيف ... مشوّش لكنه مرتجف يهتزّ في إيقاع مرعب، كأنه صوت حقيقي لشبح قادم من العالم الآخر! ماذا أفعل؟

-آآآآلو...

قررت المضي قدماً لأنني قد أفقد الخطّ، إنها تهنئة سريعة على كل حال، ولن أطيل، ليس معي ما يكفي من قطع النقود المعدنية للآلة.

-أمي، كل عام وأنت بخير... هل تسمعينني؟

-آآآه، نورااااا!

-ما...

يقاطعني الصوت القادم:

-أين اختفيت يا نورا يا ابنتي؟

هل قالت نورا؟ ربما لم أسمع جيداً بسبب الخط الرديء هذا.

-كل عام وأنت بخير يا أمي.

-بخير؟ أي خير هذاااااا؟ بعد أن تركتني وحيدة؟
حسناً، الخط يصبح أوضح قليلاً الآن،لا شك أنها ليست أمي، إنه تشابك الخطوط مجدداً. أهم بإقفال السماعة ولكن يتناهى إلى سمعي بكاء.

-أخيراً يا نورا خطر في بالك الاطمئنان على أمك المريضة! لا شكّ أن لديك الآن طفلاً أو أكثر، أحفادي الجدد!

-ولكنني لست نورا، أنا بانة.

-آه، أنت صديقتها التي حرضتها على السفر، حسناً قولي لنورا إن إخوتها تركوني هم أيضاً، سافروا فلا أراهم سوى مرة في العام! كم أنا وحيدة وحزينة.

هل هي عجوز خرفة؟ ماذا أفعل؟ إنها حزينة كما تقول، سأحاول أن أشرح لها. لكن الخط يسوء مجدداً، وأسمع أناساً آخرين بكلام مبهم بعيد. عبر زجاج الكشك تبدو كتل الغيوم متقاربة في مساء آذار. ستمطر، حسن أن المظلة جاهزة معي. يعود صوتها سائلاً:

-ماذا قلت؟ لا أسمع جيداً.

-لا شيء، إنه الخط يتداخل مع آخر.

-أين أنت يا نورا؟

-أنا بانة، إنها مكالمة خارجية.

-آه، نعم ، كم أنت بعيدة إذن ، ولا تفكرين بزيارتي...

ويعود صوت البكاء مجدداً . كيف أنتهي من هذه الورطة؟ كانت الأضواء قد أخذت تبدو أكثر لمعاناً وتوهجاً مع خيمة المساء التي تهبط على الشارع وما فيه. لم يبق معي سوى قطعة معدنية واحدة، إنه التحذير مجدداً، سينقطع الخط، أضيف آخر ما تبقى معي، لنر ، سأكمل الجولة لا مفرّ.

-يا سيدتي ، أنا لست نورا.

-من أنت؟ صديقتها؟ لماذا لا تتحدث هي معي؟ أريد أن أسمع صوتها... أخبريها أن ...

وانقطع الخط ... لا شيء الآن سوى الصمت الذي يبتلع جهاز الهاتف... هذا ما تبقى لي: تهنئة مميزة لوالدة بعيدة في عيد الأم !
أخرج من كشك الهاتف هذا، كانت الأمطار منهمرة بشكل تدريجي آخذ بالازدياد، بينما تمرّ السيارات والحافلات مزهوة بأنوارها: صفراء، بيضاء، حمراء ... يتطاير رذاذ مياه الأمطار مع حركة عجلاتها على الأرض . أقف بانتظار فرصة لعبور الشارع بينما كان القطار الطويل مطلقاً نفيره المستمر الشبيه برنة هاتف حزين. عبرت بقربي فتاة احتواها الكشك ذاته، تدير الأرقام الأولى، من يدري؟ لعلها تكون نورا!

الزهراني و القصيمي
07-12-08, 07:18 AM
الأطفال عالم النقاء البراءة الحياة بطعمها اللذيذ

الطفل ابني واخي وصديقي حتى !!

فلنقدم لهم ما يستحقون

وحسن بصراحة ما قصرت والله يعطيك الصحة والعافية

حسن خليل
08-12-08, 12:49 AM
الأطفال عالم النقاء البراءة الحياة بطعمها اللذيذ

الطفل ابني واخي وصديقي حتى !!

فلنقدم لهم ما يستحقون

وحسن بصراحة ما قصرت والله يعطيك الصحة والعافية


الله يعافيك أخي الغالي الزهراني و القصيمي

بالفعل الأطفال هم زهرة الحياة

وكما ذكرت أخي الكريم هو ابني وأخي وابنك وصديقي وصديقك

لك فائق احترامي وتقديري وامتناني لمرورك العطر.

حسن خليل
03-08-12, 10:45 PM
القصة التاسعة والثمانون: الطائر الطيب العجيب

الكاتبة: لينا الكيلاني

كانت نباتات البطيخ الأخضر تملأ ذلك الحقل الكبير وهي فرحة بأنها نضجت وأصبحت جاهزة للقطاف وكل بطيخة كانت تتخيل مصيرها: هل ستقع في يد مسافر عطشان.؟... أم ستنتقل على العربات إلى البعيد من البلدان؟. هل سيقطفها الصغار من الصبيان ليأخذوها إلى بيوتهم ويأكلوها مع وجباتهم؟...أم ستأتي الفلاحات النشيطات لقطفها وجمعها ثم توزيعها على أهل القرية جميعاً من المساكين العطشانين؟

كل ثمار البطيخ بألوانها الخضراء الزاهية كانت تضحك، ما عدا واحدة منها هي أضخمها وأكبرها حجماً.. كانت قشرتها قد أصبحت سميكة وصفراء، وتكاد تنفجر من كثرة نضجها وامتلائها.

قالت البطيخات لهذه البطيخة الأم:
- أنت لم يقطفك أحد الموسم الماضي... أليس كذلك؟
قالت:
- أنا مثلكن... زرعوني هذا الموسم، لكن بذرتي كانت كبيرة وقوية، ونمَوَتُ بسرعة أكثر منكن.
وهم زرعوني لغاية غير الغاية التي من أجلها زرعوكن.
قالت البطيخات الشابات بفضول:
-هيه... قصي علينا قصتك... ثم ما هي هذه الغاية؟
قالت البطيخة الأم أكبر البطيخات:
-قصتي هي أنني سأظل في مكاني هنا حتى أنفجر وتخرج بذوري مني.
صاحت بطيخة صغيرة بفزع:
- ولماذا؟ ألا تذهبين معنا وتنفعين الناس. وينتهي الأمر؟ وإلا لماذا خلقنا؟ ضحكت البطيخة الكبيرة أم البطيخات، وقالت:
- إنني أنتظر هنا صديقي الطائر الطيب... ذلك الرسول الأمين الذي سينقل بمنقاره ما استطاع من بذوري، ثم يطير بها إلى مسافة بعيدة ويرميها في أرض لا تعرف البطيخ.. فأنبت من جديد هناك وأكون سعيدة بسعادة الناس بي.

قالت البطيخات الشابات:
- كان الله في عونك... ستظلين هنا وحدك مع ريح الليل، وشمس النهار... وربما هطلت الأمطار عليك فأفسدت كل شيء.

قالت البطيخة الأم:
- وماذا تظنين أنت ومثيلاتك أيتها البطيخات الشابات؟ من أين أتيتن إلى هذا المكان ولم يكن يعرف البطيخ أبداً؟. إنه الطائر الطيب العجيب.. هذا الذي حمل أول بذرة وألقاها في بلاد بعيدة.. وكانت مغامرته مفيدة وسعيدة... وهكذا يفعل.
قالت بطيخة ناضجة أكثر من سواها:
- دعينا من هذا الكلام.. إنه من الوهم أو الأحلام... أنهم يزرعوننا بذوراً... ولم نسمع هذه الحكاية إلا منك.
هزت البطيخة العجوز برأسها، وقالت:
- صحيح... إنها حكاية... لكنني أحبها، وأتشوق أن تحصل معي... ولعل الطائر الطيب سيرسل بدلاً منه آخرين... من المزارعين الطيبين يأخذونني... ويستغلون بذوري لأعود فأنبت مع كل بذرة من جديد.

ونظرت البطيخات كل منها إلى الأخرى وتشاورن... من تريد أن تبقى مع البطيخة الأم لتغدو من جديد هي الأم؟
وبينما هن كذلك رفرف طائر فوق حقل البطيخ.. ولم يعرف اسمه أحد.. ولم يعرف سره أحد.. وأخذ يهبط ويطير فوق حقل البطيخ، وهو يزقزق بحبور... ويبحث بين التراب عن البذور.

حسن خليل
03-08-12, 10:49 PM
القصة التسعون

للكاتبة لينا الكيلاني

ثوب الدمية سلمى


كانت (زينب) وهي بنت صغيرة مدللة لم يرزق أبواها سواها، تحب الدمى كثيراً، وأفضل دمية عندها هي التي أسمتها (سلمى). لماذا أسمتها (سلمى) ذلك لأنها سلمت بعد أن سقطت في النهر في اليوم الأول الذي أهدوها فيه هذه الدمية.
سقطت في النهر وظنت (زينت) أنها ضاعت منها، ولن تعود أبداً.
لكنها علقت بجذوع شجيرات حول الماء. ولما ركضت (زينب) بمحاذاة النهر لتودعها سمعتها تناديها:
- انقذيني يا زينب... انقذيني... أنا دمية جميلة... وأريد أن أفرح قلب طفلة جميلة مثلك.. وبما أن هذا اليوم هو أول يوم لي أخرج فيه من الواجهة الزجاجية لمحل الألعاب فمعنى هذا أنه أول يوم في حياتي.
انقذيني.. وسأكون صديقتك... وسأستمع إلى حكاياتك... وأسليك... وأنام بقربك.
ولم تجرؤ (زينب) بالطبع أن تمد يدها لتسحب دميتها خوفاً من أن تنزلق قدمها فتغرق في النهر. ظلت تنتظر أمواج النهر المتدافعة موجة بعد أخرى عسى أن تقذف الدمية نحوها. انتظرت وهي تقول لها:
-هيا خلصي نفسك يا دميتي... على كل منا أن يخلص نفسه إذا وقع في مشكلة، وخاصة إذا وجد غيره يساعده، وها أنا أساعدك.. وسأسميك (سلمى) إن سلمت، ولن أفارقك أو أفرط بك أبداً.
ثم أتت موجة كبيرة فدفعت (سلمى) نفسها نحو (زينب)، ودفعتها الموجة أيضاً فوصلت إلى حافة النهر، فتناولتها (زينب) وضمتها إلى صدرها وهي تقطر ماء وعيناها مليئة بالدمع.
تذكرت (زينب) كل هذا وخالتها تدعوها إلى عيد ميلاد ابنتها (سناء)، قالت (زينب):
- سأصحبك معي يا سلمى... ألم أعاهدك على أنني لن أفارقك؟

لكن أم (زينب) قالت:
- وهل تأخذ الصغيرات الدمى معهن إلى الحفلات؟.. أنهن يذهبن ليشاركن رفيقاتهن في الأناشيد، والألعاب، والتسلية، والمرح فلماذا تأخذين معك دميتك؟
قالت (زينب):
-لكنها (سلمى) يا أمي... ولا أستطيع أن أتركها وحدها، وإذا لم تسمحي لها فلن أذهب أنا أيضاً.
قالت الأم:
- لا.. يجب أن تذهبي، وما عليك سوى أن تخبئيها عند خالتك حتى تنتتهي الحفلة فترجعيها معك إذا كنت لا تريدين فراقها.
قالت (زينب):
- لكن عندي مشلكة يا أمي... سلمى لا تملك ثوباً جديداً للحفلات فماذا أفعل؟
ضحكت الأم وقالت:
- ثوب جديد للدمية، الدمى لا تبدل أثوابا يا حبيبتي. هيا اسرعي سرحي شعرك وارتدي ثوبك الأبيض الجميل ولا تتأخري.
ولما هبطت (زينب) لتذهب إلى الحفلة كانت فرحة لأنها مع دميتها، وعندما وصلت أخذت الصغيرات كلهن يضحكن من منظر الدمية (سلمى)، فقد ألبستها (زينب) أحد أثوابها حين كانت أصغر وعقدت لها شريطاً أبيض على رأسها فبدت تشبهها تماماً.
واضطربت (زينب) وكل واحدة من البنات تداعب الدمية أو تلامسها، أو تحركها، أو تهزها لتقول (ماما) مثل بعض الدمى. وأسرعت (زينب) لتخطفها من ايديهن وتسلمها إلى خالتها حتى تنتهي الحفلة. وضعتها في سرير (ندى) ابنة خالتها صاحبة الاحتفال بعيد الميلاد، وعادت وهي تظن أن الجميع كانوا يسخرون منها ومن دميتها التي تشبهها.
لكن المفاجأة كانت عندما دخل (سالم) أخو (ندى) بعد قليل وقد وضع جهاز تسجيل صغير تحت ثوب (سلمى) فيه قصص وأغنيات وحكايات ونكات، حتى كأن (سلمى) هي التي تشارك في الحفلة.
سرت (زينب) بهذا غاية السرور، وضحك الجميع لهذه المفاجأة اللطيفة، وقال (سالم):
- عندما أكبر وافتتح محلاً لبيع الألعاب والدمى سأجعل كل دمية تتكلم بهذه الطريقة، ما رأيك يا سلمى؟.

واهتز الجهاز تحت ثوب (سلمى) وهي تقول: أنا سلمى الدمية... أحبكم جميعاً وأريد مشاركتكم الحفل.

حسن خليل
03-08-12, 11:01 PM
القصة الواحدة والتسعون

للكاتبة لينا الكيلاني

لا تبردي يا قطتي


(سمر) بنت صغيرة... حلوة ومؤدبة... أمها تحبها كثيراً... وأبوها يدللها... وأخوها (سامي) لا يزعجها أبداً. (سمر) لم تذهب إلى المدرسة بعد... بل إلى حديقة الأطفال القريبة من عمارتهم... توصلها أمها أوأبوها وأحياناً بواب العمارة.
وفي يوم عثرت هي والبواب على قطيطات صغيرات مع أمهن خلف دكان البقال. أسرعت نحوها... وحاولت أن تمسك بالقطيطة البيضاء... لكن القطة الأم نفخت في وجهها، وأخرجت أظافرها لتخمشها.
قال العم البواب:
- هل أحببت هذه القطيطة يا سمر؟
قالت سمر:
-جداً.... جداً.... ليتني آخذها إلى البيت.
قال العم البواب:
- حسناً.... سآتي لك بها بعد أيام عندما تكون أمها قد فطمتها. وتكونين أنت قد طلبت الإذن من أمك برعاية هذه القطيطة الجميلة. ولكن اسمعي ما سأقوله لك يا سمر.
واستمعت (سمر) بكل انتباه إلى العم البواب وهو يقول:
- فالقطيطة يجب أن تتناول أولاً اللبن لأنها صغيرة.... وبعد ذلك تطعمينها ما تشائين. ويجب أن تنام في مكان آمن ودافئ. وأهم من كل ذلك ألا يؤذيها أحد.
قالت (سمر):
- سأفعل كل ذلك يا عم... سأفعل.
وبعد أيام ومن وجود القطيطة التي أسمتها (ماسة)، أصبحت (سمر) لا تفارقها.... تحملها... وتطعمها... وتضعها مساءً في سلة من القش مفروشة بالقطن.
وفي ليلة... وقد نسيت (سمر) قطتها المحبوسة في غرفتها دون أن تقدم لها طعاماً، أخذت (ماسة) تموء وتموء، ولم يسمعها أحد. وما إن فتحت (سمر) باب غرفتها حتى هربت (ماسة) بسرعة كبيرة إلى المطبخ.. ووثبت فوق الطاولة الصغيرة بحثاً عن الطعام فأوقعت الصحون فحطمتها.
أسرعت الأم إلى المطبخ لتعرف ما الخبر... فقالت (سمر):
- ماسة هي التي أوقعت الصحون... ولست أنا.
غضبت الأم وقالت:
- يجب أن نعاقب (ماسة) فلا تنام في سلتها في غرفتك بل في الخارج.
أطرقت (سمر) حزينة.... ولم تعارض أمها التي أخرجت (ماسة) إلى الحديقة، وأغلقت الباب.
ولما كان الفصل شتاء.. وهطلت الأمطار... لم تستطع (سمر) النوم.. وأخذت تبكي لأنها هي السبب فيما جرى مع (ماسة) وهي لم تخبر أمها بالحقيقة.
تسللت (سمر) من فراشها بهدوء وخرجت إلى الحديقة، والتقطت (ماسة) التي كانت ترتجف برداً أمام الباب، وقالت لها:
- لا تبردي يا قطتي... سامحيني أنا السبب.. أنا السبب، فقد نسيتك في الغرفة وما قصدت حبسك.
وكانت أم (سمر) قد سمعت ضجة وحركة، ورأت ابنتها وهي تحتضن القطة وتعتذر منها، فابتسمت... واعترفت لها (سمر) بكل شيء.
قالت الأم:
- عودي إلى فراشك يا سمر.. الطقس بارد.
قالت سمر:
- وهل تعود (ماسة) أيضاً إلى فراشها؟
قالت الأم:
- طبعاً كي لا تبرد هي أيضاً... هيا يا قطتي أسرعي كي لا تبردي.

حسن خليل
03-08-12, 11:04 PM
القصة الثانية والتسعون

للكاتبة لينا الكيلاني

الليمونة الحزينة...

كانت شجرة الليمون محملة بثمارها الناضجة الصفراء وقد حان قطافها، وكل ثمرة تنتظر قاطفها وتحلم كيف ستكون مفيدة له... أليس من أجل هذا خلقت؟

وبينما الثمار تلتمع في الليل كأضواء الكهرباء بين الأوراق الزاهية الخضراء كانت ليمونة في أعلى الشجرة تخبئ نفسها ولا تشارك رفيقاتها في أحلامهن، تقول لنفسها:
- سأظل هنا مختبئة بين الأوراق فلا يراني أحد. لا أريد أن يقطفني أحد... بل أظل هنا في أعلى الشجرة كملكة على عرشها. ماذا في ذلك؟ أن قشرتي قوية.. وعودي المتين عالق تماماً بالشجرة. سأظل لأشهد ربيعاً آخر... وأرى الأزهار كيف تتفتح... صحيح أنني سأبقى وحدي لكنني سأسامر النجوم في الليل.. وأداعب الهواء في النهار.. وتحط علي العصافير فأسمع قصصها وحكاياتها.

وإذ حل وباء (الانفلونزا) فجأة في الحي أسرع السكان لاقتطاف ثمار الليمون دواء لهم ولأطفالهم... ولم يروا تلك الليمونة لأنها اختبأت أكثر وأكثر. وهكذا فجأة وجدت نفسها وحيدة وحزينة خاصة وأن الفصل أصبح شتاء... ولا نجوم في الليل لأن السماء مغطاة بالسحب والهواء يلسع ببرودته، والعصافير كلها آوت في أعشاشها. بدأت الليمونة المتكبرة تلوم نفسها على ما فعلت عندما هبت عاصفة قوية مصحوبة بالمطر وحبات البرد، فإذا بها تسقط في حفرة مليئة بالطين.

نادت الأطفال ليأتوا وينقذوها لكنهم كانوا مختبئين في بيوتهم بسبب البرد ولأنهم لم يشفوا من الانفلونزا بعد.

بكت الليمونة المتكبرة وأصبحت تعاني من موت بطيء.. هكذا مهملة دون نفع أو فائدة. وبعد أيام وعندما أشرقت الشمس في يوم صحو جميل خرج الأطفال إلى حديقة العمارة فشموا رائحة كريهة في حوض مليء بالطين. ورأوا الليمونة المتفسخة وقد أصبح لونها داكناً وهي منتفخة والبذور تخرج منها، قال بعضهم لبعض:

-هذه ليمونة مسكينة.. سقطت من يد أحدهم أثناء القطاف. ليتها لم تلاق هذا المصير البشع.

ثم حملوها بطرف غصن من الشجرة، وألقوها في القمامة وهم لا يعرفون أنها الليمونة الحزينة... وليست المسكينة.

حسن خليل
26-05-13, 11:33 AM
القصة الثالثة والتسعون

الغوّاصون السبعة

للكاتب: محمد مينو


(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا) آل عمران 3/ 103

تنادى سبعةٌ من الغوّاصين الأشدّاءِ من أقصى الخليجِ وأدناه، فرَسَتْ زوارقُهم على شاطئِ مدينةِ ( الوَصْلِ )، وأخذوا يُعدّون العُدَّةَ لرحلةِ غوصٍ مشتركةٍ، لا هدفَ لها إلاّ دانةٌ ذاتُ سحرٍ عجيبٍ، تقولُ الأساطيرُ: " إنّ بريقَها يحيلُ الّليلَ نهاراً، أينما أضاء تفتّحتِ الأزهارُ، وغرّدتِ الأطيارُ ".

ويزعمُ كثيرٌ من الغوّاصين أنّ الدُّرّةَ استقرّتْ في أعماقِ مَغَاصةٍ، تحرسُها عرائسُ البحرِ، وكلّما سعَوا إليها بَهَرَ بريقُها اللامعُ عيونَهم، فارتدّوا خائبين.

ويُقالُ: " كان في قديمِ الزمانِ ملكٌ ظالمٌ، اسْتَجْلَبَ من جنودِه هذه الدانةَ في غَمْضَةِ عينٍ، فهَلَكُوا. وبعد زمنٍ حازَ الملكُ الدُّرّةَ من قُرْصانٍ، غافلَ يوماً عرائسَ البحرِ، واختلسَها، فهاجَ البحرُ، حتّى كادَ أن يغرقَ المملكةَ، فأشارَ عليه حكيمٌ أن يعيدَها إلى مَغاصتِها في عُرْضِ البحرِ، وحين أعادَ الملكُ الدُّرّةَ إلى مكانِها، هدأتِ الأمواجُ، وأشرقتِ الشمسُ، وصارَ الملكُ عادلاً ".

حكاياتُ الدانةِ عجيبةٌ غريبةٌ، يرويها الأجدادُ للآباءِ، ويقصُّها الآباءُ على الأبناءِ، والدانةُ أمنيةٌ، تراودُ الصغارَ والكبارَ من أهلِ الخليجِ، فكلّما غَفَوا رأوها في أحلامِهم، وكلّما أَعْوَزَهم الدهرُ غاصوا في البحرِ على اللآلىءِ، فمنهم مَنْ يعودُ خائباً أو رابحاً، ومنهم مَنْ لا يعودُ.

من بعيدٍ..
تعالى صوتُ نَهّامٍ، يردّدُ مواويلَ ( الماجديِّ بنِ ظاهرٍ )، وأخذتِ مراكبُ (السَّنْـبُوْكِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_)) تلوحُ في الأفقِ، كأنّها النوارسُ، فخفقَ قلبُ راشدٍ، ولوّحَ لها بيديه المعروقتين.

واحداً في إثرِ واحدٍ رَسَتِ ( السَّنابيكُ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) على شاطئِ ( الوَصْلِ )، ونزلَ منها رجالُها الأشدّاءُ، والدُّرّةُ تَهْجِسُ في صدورِهم آمالاً، لا تُعدُّ، ولا تُحصى.

تعانقَ الإخوةُ السبعةُ، وتعاهدوا على البحثِ عن الدُّرّةِ العجيبةِ، وأقسموا على الوقوفِ في وجهِ المخاطرِ وَقْفةَ رجلٍ واحدٍ، لا يهابُ وحوشَ البحرِ وأمواجَه، ولا يخشى شمسَه اللافحةَ وأعماقَه السحيقةَ.

كان راشدٌ قد أقامَ على الشاطئ حَوْشاً من ( الجَنْدَلِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) و( الدعونِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) ، يَقيهم هَجِيْرَ الظهيرةِ، وأعدّ في ( سَنْبوكٍ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) كبيرٍ ما يكفيهم من المِيْرَةِ والتمرِ والماءِ أسبوعاً أو بعضَ أسبوعٍ، ثمّ تركَهم يَقِيْلون.

لم يَغْمَضْ لراشدٍ عينٌ، وهو يتوسّدُ ذراعَه، ويتشوّقُ إلى الانطلاقِ في مغامرةٍ جديدةٍ، ربّما تكشِفُ سرَّ الدانةِ الكبيرَ. والدانةُ حُلُمُ راشدٍ منذ صغرِه، يكبرُ، فتكبرُ معه، حتّى تصيرَ كالبدرِ في الليلةِ المُقْمِرةِ، وكلّما عزمَ والدُه على غوصٍ، تعلّقَ راشدٌ بأَرْدانِه باكياً، وألحَّ عليه أن يصحبَه في هذه الرحلةِ أو تلك، ولكنّ الوالدَ ذهبَ مرّةً في رحلةِ غوصٍ طويلةٍ، ولم يعدْ. بكى راشدٌ والدَه بكاءً مُرّاً، وصمّمَ أن يصبحَ مثلَه غوّاصاً ماهراً، لا تُعْجِزُه لآلئُ، ولا تُـثنيه مخاطرُ. ما زال يذكرُ أنّ والدَه أوصاه بالبحثِ عن الدانةِ، مهما كانتْ ظروفُ البحرِ وأحوالُه، وأودعه صندوقاً خشبيّاً مُطَعَّماً بالأصدافِ، لا يفتحُه إلاّ عندما يصبحُ قادراً على الغوصِ.

هاهي ذي ساعةُ الصفرِ قد دَنَتْ، والصّندوقُ مغلقٌ منذ سنواتٍ طويلةٍ، لا يعرفُ راشدٌ ما يحويه من الأسرارِ، ومِفتاحُه معلّقٌ كالقِلادةِ في عُنُقِ راشدٍ منذ كان صغيراً، لا يَغْفُلُ عنه، ولا ينساه.

فتحَ الصندوقَ، فانبعثَ منه نورٌ، يَخْلُبُ الألبابَ، ويَبْهَرُ العيونَ، فالصندوقُ زاخرٌ بلآلئَ من مختلِفِ الألوانِ والأحجامِ، راح راشدٌ يقلّبُها بين يديه، وهو بين مُصدّقٍ ومُكذّبٍ، فرأى تحتها خرائطَ، أَنْعَمَ النظرَ في خطوطِها وألوانِها، فإذا هي مواقعُ ( الهِيْراتِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) في عُرْضِ البحرِ، والبحرُ دونها مخافةٌ ومتاهةٌ، لا يعرف إلاّ أهلُه عواقبَها المريرةَ.
وحين نهضَ الغوّاصون من غفوتِهم، أطلعَهم راشدٌ على الخرائطِ، وتـوزّعوا بينهم وظائفَ المركبِ، فاختاروا زايـداً - وهو أكبرُهم سنّاً - ( نُوْخَـذَةً (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) )، وانقسموا مجموعتين، إحداهما مجموعةُ ( السُّـيُوْبِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) )، وهي: راشدٌ وسعيدٌ وصقرٌ، والأخرى مجموعةُ الغوّاصين، وهي: خالدٌ وحميدٌ وخليفةُ، ثمّ انطلقوا على بركةِ اللهِ، وشمسُ يومِ ( الدَّشَّةِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_)) توشكُ وقتئذٍ أن تَأْفِلَ.

شيئاً فشيئاً غاب الشاطئُ عن أعينِهم، فلم يبدُ منه إلاّ رأسُ ( بارجِيْلَ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) وسِرْبُ نوارسَ، ومواويلُ ( النَّهّامِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) يتردّدُ صداها في الآفاقِ الشاسعةِ.
قالَ زايدٌ ، وهو يحدّقُ في الأفقِ البعيدِ:
- " عجيبٌ أمرُ هذه الدانةِ، فقد شَغَلَتْنا عن أهلِنا وعن أنفسِنا ! هل تظنّون أنّها ستكونُ حقّاً من نصيبِنا ؟ ".

أجابَ راشدٌ في عزيمةٍ وإصرارٍ:
- " هي قدرُنا وقدرُ أجيالِنا القادمةِ. سنفتّشُ عنها - يا زايدُ - في هِيْراتِ الخليجِ كلِّه واحدةً واحدةً، حتّى نحظى بها. ستبدّدُ من حولِنا هذا الظلامَ الدامسَ، وتجعل أيّامَنا نهاراً دائماً. ستحيلُ صحراءَنا القاحلةَ نخيلاً وسِدْراً، وستتعالى في سمائِنا المآذنُ والجباهُ ".

شدّ زايدٌ على يدِ راشدٍ، وتعاضدَ الإخوةُ، حتّى صارتِ الأيدي قبضةَ رجلٍ واحدٍ، لا يقوى أحدٌ - مهما بلغ من القوّةِ - على صدِّها، والمركبُ يَمْخُرُ عُبابَ البحرِ، فلا يُسمعُ في هَدأةِ الليلِ إلاّ اصْطِخابُ أمواجِه.

في طريقِهم الطويلةِ لاحتْ فجأةً سفينةٌ، تتّجه إليهم من بعيدٍ، فنهضوا لها مُستعدّين مُتوفِّزين، وتراءتْ لهم مثلَ غُرابِ الزاغِ، تُبديها الأمواجُ تارةً، وتُخفيها تارةً أخرى. والبحرُ وحوشٌ وقراصنةٌ ومخاطرُ.. لا مفرَّ من مواجهتِها، فإمّا أن يكونَ البحّارُ شجاعاً مِقداماً، وإمّا ألاّ يكونَ..
قال راشدٌ، وهو يطوي الخرائطَ، ويستلُّ خِنْجَرَه من غِمْدِه:
- " إنّهم قراصنةٌ، والخليجُ لا يخلو - يا زايدُ - من سفنِ القراصنةِ ".

فقال زايدٌ:
- " الخليجُ آمنٌ، ولعلّهم تجّارٌ أو صيّادون ".

قال راشدٌ:
- " لنتهيَّأْ لهم، ولنحْذَرْهم، فربّما كانوا قراصنةً حقّاً ".

فقال زايدٌ، وهو يرفعُ رايةً حمراءَ وبيضاءَ على ساريةِ المركبِ:
- " الحذرُ - يا راشدُ - لا يُنجي من القدرِ ".

رويداً رويداً اقتربتِ السّفينةُ، فبـدا على مقدّمتِها نقشُ مِرْساةٍ، يذكّرُ أنّها سفينةٌ من سفنِ البرتغاليين القديمةِ، والبرتغاليّون في زمنٍ غابرٍ كانوا قراصنةَ الخليجِ، وكلّما دَنَتْ أكثرَ انبعثتْ منها رائحةُ البَخَورِ، فاطمأنَّ الغوّاصون، واستبشروا خيراً، لأنّهم كانوا يعرفون أنّ مثلَ هذه السفنِ القديمةِ كانتْ تجلُبُ البخورَ من ( ظُفار )، وتقصِدُ ساحلَ (الوَصْلِ)، لتتزوّدَ بالسمكِ المجفّفِ، وتحملَ مختلفَ أنواعِ اللآلىءِ والتمورِ، وهي في طريقِها إلى بلادِ الهندِ.

تساءلَ راشدٌ، ويدُه مازالتْ تقبِضُ على خِنْجَرِه:
- " ماذا تريدُ السفينةُ منّا إذن في هذه الساعةِ المتأخّرةِ من الليل ِ؟! ".

قال زايدٌ:
- " ربّما كانت في مَأْزِقٍ، وربّما احتاجتْ معونةً ما. تمهّلْ، تمهّلْ قليلاً، يا راشدُ حتّى تقتربَ السّفينةُ أكثرَ ".

على مَهَلٍ وصلتِ السفينةُ، وحاذتْ برفـقٍ مركبَ الغوّاصين السبعةِ، ثمّ لاحَ قُبطانٌ، اعْتَمَرَ كُوفيـّةً مُلوّنةً، وائْتَزَرَ ثوباً مخطّطاً، وانْتَطَقَ بخِنْجَرٍ ذهبيٍّ معقوفٍ، فبـدا للوهلةِ الأولى أنّه رجلٌ عربيٌّ من (عُمانَ).

علا البِشْرُ والسرورُ وجهَ النُّـوْخَذَةِ زايدٍ، وبعد أن حيّاه الرجلُ بادره بالسؤالِ:
- " إلى أين وُجْهَتُكم، أيّها الرجالُ ؟ ".

أجاب زايدٌ، وهو يشيرُ إلى الأفقِ البعيدِ:
- " وُجهتُنا نحن الغوّاصين تلك الهِيْراتُ في عُرْضِ البحرِ ".

ثمّ أردفَ الرجلُ ناصحاً:
- " أرجو ألاّ تجروا وراءَ الدانةِ التي أعجزتْ من قبلِكم بعضَ الغوّاصين، وأهلكتْ بعضَهم الآخرَ. هذه الطّريقُ لا يقصِدُها إلاّ قُرصانُ، ولا يلجأُ إليها إلاّ اللصوصُ. لقد أغرتْ هذه الدانةُ المزعومةُ أهلَ الغوصِ، فلهثوا وراءَ بريقِها الخادعِ منذ زمنٍ بعيدٍ، فمنهم مَنْ خرج من البحرِ سالماً معافىً، ومنهم مَنْ هَلَكَ. ( جَرْجورُ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) البحرِ هنا مفترسٌ، لا يرحمُ أحداً، والمَغَاصاتُ هناك خاويةٌ، لا محارَ فيها ولا لؤلؤَ.. ".

قاطع زايدٌ الرجلَ، وقال له:
- " معي رجالٌ أشدّاءُ من أقصى الخليجِ وأدناه، خَبِرُوا البحرَ، وعرفوا أسرارَه وأغوارَه. سنجرّبُ حظَّنا معاً، فإن لم نحظَ بالدانةِ، حظينا بنصيبٍ وافرٍ من اللآلئ ".
قال الرجلُ العُمانيُّ، وهو يرفعُ يديه إلى السماءِ:
- "باركَ اللهُ الرجالَ، وشدّ أَزْرَهم، وقوّاهم. على بركةِ اللهِ ذهابُكم وإيابُكم ".

شكرَ زايدٌ للرجلِ نصائحَه ودعواتِه، ولوّحَ له بيدِه مودّعاً، ثمّ عاد إلى مجلسِه في مُقدّمةِ المركبِ، يضربُ صفحةَ البحرِ بمجدافِه العنيدِ، فيشقُّ المركبُ الماءَ بإصرارٍ وعزيمةٍ، والليلُ بدأ يُسْفِرُ عن صباحٍ ساحرٍ، علا جبـاهَ الغوّاصين السبعةِ، فأشرقتِ الشمسُ.

بدأ نهارٌ آخرُ، والمركبُ يَنْهَبُ البحرَ الذي يمتدُّ أمامَ الأعينِ بعيداً بعيداً، ليعانقَ أعنانَ السماءِ عِناقاً خالداً. وفي هذا التِّيْهِ الأزرقِ أخذتْ تلوحُ مراكبُ الغوصِ، وتتراءى لهم مثلَ قطيعٍ من الإبلِ شاردٍ في صحراءَ موحشةٍ متراميةِ الأطرافِ، مراكبُ مختلفةٌ من هنا وهناك، لا هدفَ لها إلاّ الدانةُ العجيبةُ التي شغلت أهلَ الخليجِ عن أعمالهم حتّى ارتدمتِ الأفلاجُ، ويبسَ الزرعُ.

هدأتْ رياحُ الكُوْسِ، وتطايرتْ نوارسُ، وتناثرتْ جُزُرٌ، تبدو تارةً، وتختفي تارةً أخرى.. والغوّاصون السبعةُ تركوا مجاديفَهم، وراحوا يطوون شراعَ المركبِ اللاهثِ الذي أخذَ يستقرُّ بعد أن ألقى النُّوْخَذَةُ المِرْسـاةَ إلى أعماقِ البحرِ.

فتحَ راشدٌ الخرائطَ، وجعلَ يستطلعُ ما فيها من المواقعِ، ثمّ التفتَ إلى زايدٍ، وقال له، وهو يشيرُ إلى موقعٍ على الخريطةِ:
- " لنبدأْ من هنا من مغاصةِ ( أمِّ الحطبِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) حصادَنا، فربّما كان اليومَ وافراً. هذه المِنطقةُ أغنى هِيْراتِ الخليجِ، ولعلّها ليست عميقةً كثيراً ".

قال زايدٌ متسائلاً:
- " متى كان الغـوّاصُ يخشى أعماقَ البحرِ ؟! تزعـمُ الحكاياتُ - يا راشدُ _ أنّ الدانةَ في أعماقٍ سحيقةٍ، يَطالهُا إنسٌ ولا جنٌّ ".

التفتَ راشدٌ إلى السِّيْبِ خالدٍ، وقال له:
- " ابْلِدْ، يا خالدُ، فالبِلْدُ سبعةٌ، والبحرُ سبعةٌ " .

ألقى خالدٌ بِلْدَ الرصاصِ الثقيلَ في الماءِ، وأرخى له الحبلَ حتّى يهوي إلى الأعماقِ، وحين شعرَ أنّ البِلْدَ قد استقرَّ في القاع، سحبَ الحبلَ، وقدّره، فوجده تسعةَ عشرَ باعاً، والدهشةُ تعلو وجوهَ الغوّاصين أسئلةً متلاحقةً !
نظر زايدٌ في وجوهِم الواجمةِ، وسألهم:
- " من منكم سيكونُ النزيلَ الأوّلَ ؟ الأعماقُ هنا سَحيقةٌ، والخيرُ - إن شاء اللهُ - وافر ".

بَرَقَتْ أساريرُ خالدٍ، وقال من فَوْرِه:
- " هذا الموقعُ مَنْزِلُنا، سنجرّبُ أنا وراشدٌ حظَّنا هنا، فربّما كانتِ الدّانةُ من نصيبِنا ".

أعدّ راشدٌ حبلَ الإنقاذِ، وارتدى خالدٌ لباسَ الغوصِ، ثمّ راح يَنْزلُ ويَصْعدُ، وهو يحملُ في ( الدِّيِـيْن (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) مَحَاراً معدوداً، وبعد دقائقَ لاح رَجْفُ الغوصِ وسُكْرُه على وجهِ خالدٍ، فارتمى على سطحِ المركبِ، وجسمُه ينتفضُ مثلَ طائرٍ ذبيحٍ.

خيّبَ هذا الحصادُ الهزيلُ آمالَ الغوّاصين، ولكنّ زايداً شدّ على أيديهم قائلاً، وهو يشيرُ إلى سَلّةِ المَحَارِ:
- "هذا أبو سبعةِ أرزاقٍ، ما ينقطعُ رزقُ الإنسانِ منه " .

ثمّ راح يمسحُ بيدِه على رأسِ خالدٍ، ويقرأ آياتٍ من القرآنِ الكريمِ، وخالدٌ يَهذي بالدانةِ وعروسِ البحرِ هذياناً مسموعاً.

انتقلَ الرَّكْبُ إلى مَغَاصةٍ أخرى، نزلها حميدٌ هنيهةً، ثمّ صعِد بسرعةٍ، وهو يلهثُ قائلاً:
- " لم أرَ هنا سوى قناديلِ البحرِ الوديعةِ، خشيتُ أن أقتربَ منها، لأنّ لسعةً واحدةً منها تصيبُ الغوّاص بالحمّى أيّاماً ".

ثمّ مرّوا بمغاصةِ ( حَلْجٍ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) )، فنـزلها آخرُ الغوّاصين خليفةُ، ولكنّه سُرعان ما عاد واجماً، والخيبةُ تعلو وجهَه، وقال:
- " لقد تحوّلَ البحرُ مَكَبّاً للسفنِ العابرةِ حتّى نَدَرَ المحارُ، وقلّتِ الأسماكُ. إنّ البحرَ - أيّها الغوّاصون - يحتاجُ إلى حمايةٍ ونظرةِ عطفٍ ".

هزّ الغوّاصون رؤوسَهم، والأسى على حالِ صديقِهم البحرِ يملأُ وجوهَهم. ومنذ ذلك المساءِ قرّرَ الغوّاصون ألاّ يتركوا البحرَ وحيداً في وجهِ المخاطرِ، فغَفَوا ليلتَهم، وهم يحلمون.

في الصباحِ استيقظ الغوّاصون على جَرْجورٍ مفترسٍ، يهزُّ المركبَ هزّاً عنيفاً، فأفرحهم هذا الصيدُ الثمينُ، وأخذوا يرمونه بالحِرابِ حتّى أوقعوا به في شِباكِهم، وحملوه معاً إلى سطحِ المركبِ، والبحرُ يصطبغ بدمٍ قانٍ. وحين صحا خالد جَعَلَ ينظرُ في عيونِ الغوّاصين اللاهثةِ، وهم يَفْلِقُون المَحَارَ، ويقولُ لهم ضاحكاً:
- " لن تحظَوا بالدانةِ، لأنّها ما زالتْ هناك في مَغَاصةِ ( أمِّ الحطبِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) )، تحرسُها عرائسُ البحرِ، وتحومُ حولَها قراصنةٌ ولصوصٌ ".

واحدةً واحدةً فَلَقَ الغوّاصون المَحَارَ، ووجوهُهم واجمةٌ، فلم يعثروا إلاّ على لآلئَ من مختلِفِ الألوانِ والأحجامِ، لا دانةَ بينها ولا أملَ.. وحين علا صوتُ النُّوْخَذَةِ زايدٍ قائلاً: " لا إلهَ إلاّ اللهُ ، لا إلهَ إلاّ اللهُ "، رفعوا رايةً حمراءَ وبيضاءَ على أعلى ساريةِ المركبِ، ونشروا أشرعتَه، وقَفَـلُوا عائدين إلى شاطئِ ( الوَصْلِ )، والنَّهَّامُ يغنّي أهازيجَ يومِ (القُفَّالِ)، فيختلجُ الحنينُ إلى الأهلِ في النفوسِ، وتتراءى في الأفـقِ القريبِ صورٌ وذكرياتٌ.

في طريقِ العودةِ راح الغوّاصون يتذكّرون لحظاتِهم العصيبةِ في أعماقِ البحرِ، فقال خالدٌ، ويدُه تلوحُ في الوجوهِ:
- " لا أعتقدُ أنّ في البحرِ مَغَاصةً مَخُوْفةً مثلَ ( أمِّ الحطبِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) ! إنّها مأوى ثعابينِ البحرِ، كأنّها تحرسُ المَحَارَ، وتترصّدُ الغوّاصين. أحدها بدا هادئاً، وحين اقتلعتُ من قربه مَحَارةً هاجَ وماجَ، فهززتُ من فَوْري حبلَ ( الزِّيْبَنِ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) ) سبعَ مرّاتٍ، فانتشلني راشدٌ من الماء بسرعةٍ مذهلةٍ، وأنا في الرَّمَقِ الأخيرِ ".

وبينما أخذَ الغوّاصون يروون ما رأوه في أعماقِ البحرِ من أهوالٍ كان المركبُ يمخُرُ عُبابَ الخليجِ، حتّى لاحتْ من بعيـدٍ شواطئُ ( الوَصْلِ )، فخفقتْ قلوبُـهم بشدّةٍ، وترقرقتْ الدموعُ في أعينِهم، والنوارسُ تتـطايرُ إليهم، وتحومُ فوق رؤوسِهم.

كان ثَمّةَ رجالٌ يرقصون ( العَيّالةَ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) )، وكانت النساءُ ترقصْنَ ( النـُّوبانَ (http://www.syrianstory.com/amis-4-69.htm#معاني_بعض_المفردات_الشعبية:_) )، وكان في استقبالِهم شيخٌ عجوزٌ، يتوكّأُ على عصاه الغليظةِ، وحين رآهم يجرّون وراءهم جَرْجوراً، قال، وهو يضحكُ:
- " أتستبدلون بالدانةِ جَرْجوراً هزيلاً ؟! أين الدانةُ، أيّها الغوّاصون الأشدّاءُ ؟ إنّ الدانةَ هي أنتم، باركَ اللهُ بكم، وسدّد خطاكم ".

ثمّ أخذ عصاه الغليظةَ، وكتب على الرمالِ تاريـخَ عودتِهم من الغوصِ سالمين غانمين، والبحرُ في ذلك اليومِ هائجٌ مائجٌ على غيرِ عادته في مثلِ هذه الأيّامِ من شهرِ ديسمبرَ.

في ذلك الصباحِ.. صباحِ الثاني من ديسمبرَ عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وسبعين كانتِ الأمواجُ تتكسّرُ على شاطئِ ( الوَصْلِ ) موجةً في إثرِ موجةٍ، وكان ما كتبه الرجلُ العجوزُ على الرمالِ الذهبيّةِ بعصاه الغليظةِ شاهداً خالداً على رحلةِ الغوّاصين السبعةِ، لا تستطيعُ الأمواجُ العاتيةُ أن تمحوه من شاطئِ البحرِ وذاكرة التاريخِ.

معاني بعض المفردات الشعبية:
1- الحَوْش: بيت يبنى على شاطئ البحر من الجندل والدّعون، والجندل: أعواد الخشب، والدعون: حزمة من جريد النخل.
2- يوم الدّشّة هو أوّل أيام الغوص، ودشّ في العاميّة: دخل، ويوم القُفّال هو يوم العودة منه وانتهاء موسمه.
3- مثل شعبيّ يعني أنّ طول البِلْد سبع باعات وعمق البحر سبع باعات، والبلد: ثقّالة من الرصاص، تصنع على شكل كرة، تربط بنهاية حبل مُعَلَّم بعلامات، يكون ما بين العلامة والعلامة باع، ويقذف في البحر لقياس أعماقه قبل الغوص، والباع: مسافة ما بين الكفّين إذا انبسطت الذراعان يميناً أو شمالاً. يقولون: ابْلِدْ، أي: ارْمِ البِلْد في الماء. ويضرب هذا المثل في الشيء أو المال يسدّ الحاجة دون فائض ولا زيادة.
4- مثل شعبيّ يضرب في اللؤلؤ وما يدرّه من رزق وافر.