المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عمان عبر التاريخ الحلقة الثالثة


**ابشر بعزك**
03-05-15, 06:21 AM
مالك بن فهم يتغلغل في داخلية عمان ،،،

لما نزل مالك بقلهات ترك الثق هناك للمنعة التي تصون الحرم، لأن قلهات كرة منيعة بالجبال، وعند الحرم حامية كافية ، فان الفرس في صحار وما إليها من أعمال ، و إلى أن يبلغ خبر نزوله صحار ويتحقق مقصده فقد تمكن من تركيز دعائم إمارته ، وضرب معسكره بعمان.

ثم سار هو ببقيه عساكره وصناديد رجاله ، وقد جعل على مقدمته ابنه هناءة مع ألفي فارس حتى دخل ناحية الجوف، فعكسروا بالصحراء ، وأرسل إلى الفرس يطلب منهم النزول في قطر من عمان، أي يريد منهم أن يخصصوه بجانب يستقر فيه لا يضاقهم ولا يضايقونه، وكان المرزبان بمنزلة الملك فيهم ، فطلب منهم أن يسمحوا له بذلك ، ويبقى بصفة لاجىء بعمان حتى يرى لتفسه ما يصلح فيقيم معهم أو يرحل عنهم.

الفرس يعقدون مؤتمرهم في ذلك،،،

ولما علموا بأمر طلب مالك بالإستقرار بعمان ، فأطالوا المقال فيما بينهم وائتمروا وتشاروا ، وبعد التمحيص للخطب أجمع رأيهم على عدم قبول ما طلب مالك منهم، وكما أنهم يعلمون بأنه ملك عظيم فهم يخشون وجوده بعمان لربما يستولي على عمان ، ولما صول جوابهم لمالك بعدم الرضا ، ولكن كان لابد من المقام في قطر من عمان ، فقال : " إن تركتموني طوعاً نزلت من عمان وحمدتكم ، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، وإن قاتلتموني قاتلتكم" ولكن الفرس أبت أن تتركه طوعاً وجعلت تستعد لحربه وقتاله...
مالك بن فهم يتأهب لمصادمة الفرس بعمان ،،،
رتب مالك أعماله ونظم رجاله ونفض غبار الأمن ، ولم ينظر إلى الفرس إلا نظرة النهم للأكل وقرر أن يحتسيهم إحتساء السم، فإما شفاء وإما قضاء، وكان معسكر مالك بن فهم وقومه بواحة منح في قلب عمان، وهو الذي حفر بها الفلج المعروف بفلج مالك، والفرس إذا ذاك بالساحل من عمان ومعسكرهم بصحار عاصمة عمان وخزانة الشرق آنذاك، قامت الفرس في عدها وعديدها وضربت أبواقها وضربت طبولها وجاءت بجيشها الضخم ، وصال المرزبان وجال وأمر أن ينفخ في البوق الذي يؤذن فيه الحرب، وركب هو وجنوده وعساكره وخرج من صحار ، يقال أن عسكره كان أربعين ألفاً وخرج معه الفيلة ، وتجه لإخراج مالك من عمان، عسكر الرزبان بصحراء سلوت بالقرب من الجبل الأخضر ، فبلغ مالك بن فهم وركب هو وجنوده الذين كانوا زهاء ستى آلاف فارس ورجل، وعلى مقدمته البطل المقدام هناءة بن مالك ، وصلوا إلى صحراء سلوب وعسكروا بإزاء عسكر المرزبان ، لم يقع بينهم الحرب في تلك اليوم ، ثم بات الفريقين بأوامره، وكان هناءة بن مالك على الميمنة وفراهيد بن مالك على الميسرة ، قليل العدد ولكن قوي العزائم، فجهزوا جهاز الحرب، وبات مرزبان أيضاً يعبىء جيشه ويرتبه ، في اليوم الثاني قام مالك بن فهم فظاهر بين درعين ولبس عليهما غلالة حمراء، ولبس على رأسه قطعة حديد تكون رقابة وقاية من ضرب السيوف وطعن السهام والرماح، وغطى عليها بعمامه صفراء وركب جواداً له أبلق، ثم ركب معه أولاده على تلك التعبئة، كذلك فعل أبطال الأزد الذين معه...

فلما توافقوا للحرب خطب مالك بن فهم خطبة الحرب ودعاهم دعوة القتال، وحرضهم تحريض المستمين وجعل يطوف عليهم راية راية وكتيبة كتيبة ، كان يقول في خطبته: يا معشر ازد أل النجدة والحفاظ حاموا أحسابكم وذبوا عن مآثر آبائكم ، وقاتلوا عدوكم وناصحوا ملكم وسلطانكم، فإنكم إن انكسرتم وهزمتم اتبعتكم العجم في كافة جنودها فإختطفوكم بين كل حجر ومدر، وباد عنكم ملككم وزال عنكم عزكم وسلطانكم، فوطنوا أنفسكم على الحرب وعليكم بالصبر والحفاظ "...

المرزبان يبتدئ بفتح الحرب،،،

بدأت الحرب بين الفريقين ، حمل مالك بن فهم وحملت أبطاله معه حمله عربية مملؤة حمساً وشدة، وراموا الفيلة بالرماح والسهام فولت الفيلة راجعة بجملتها على عسكر المرزبان، فوظئت منهم خلقاً كثيرا، ثم حمل مالك في كافة رجال الصناديد وأصحابه الأبطاله على المرزبان وأصحابه، فإنتفضت تعبئة المرزبان وجالوا جولة، ورجعت إلى بعضها البعض ، وصاح المرزبان في أصحابه ، وأمرهم بالحملة فحملوا وإلتقى الجميع وإختلط الضرب واشتد القتال، ثبت بعضهم لبعض إلى أن حال بينهم ظلام الليل فانصرفوا ، ثم أعادوا الحرب في اليوم الثاني على ذلك النظام، فكثر في الفرس القتل وقويت جرأة العرب على القتال، وما زالوا كذلك حتى حجز الليل بينهم فكان الليل لدفن الأموات وعلاج الجرحى، وفي اليوم الثالث كان القتل آخذاً مأخذه من الرجال ، والحرب نار تلتهم كل ما تلحق بلا جدال، فلما رأوا الحالة على هذا المثال خرج أربعة من رجال المرازبة ممكن كان يعد الرجل منهم عن رجل حتى دنوا من مالك بن فهم ، فقالوا له هلم أيها العربي لننصفك من أنفسنا ويبادرك منا رجل رجل، فلم ير مالك إلا إجابتهم، وإذا كان جأشه ثابتاً ونفسه أبيه، تجرد لهذا الأمر ووقع فيه فلا مناص ولا خلاص إلا بأحد الوجهين، فتقدم مالك وخرج له واحد من الأربعة الأبطال ، فما كان إلا دقائق حتى اختطفه مالك بالسيف على غرة، فأراده قتيلا، ثم خرج الثاني فطعنه ، ثم خرج الثالث ولقى حتفه ، فلما نظر الرابع ما فعله مالك بأصحابه اندهش، فهاله الأمر فأحجم عن ملاقاة مالك بن فهم ، وعلم أنه إن خرج فهم لا محالة مقتول، فكاعت نفسه القتال وولى راجعاً إلى أصحابه، انصرف مالك إلى موقفه والمنتصر لا يزال يأمل النصر فيزيد من نشاطه، فلما رأي المرزبان ما صنع مالك في قواده الثلاثة دخلته الحمية والغضب، ثم نادى مالك وطلب منه أن يخرج لملاقاته، وفضل الفارسي العاتي الموت على الحياة في سبيل العز والشرف، وإذا بمالك البطل يزحف إلى قرينه المرزبان البطل الغضبان ، فتجاولا ملياً والناس تنظر إليهما ، فصال المرزبان على مالك صولة الأسد الباسل ، فراغ عن الماهر المحنك بلبان الحرب روغان الثعلب، ثم عطف عليه فلق بها رأس المرزبان من مفرقه بضربة قطعت البيضة وأبانت الرأس فخر ميتاً على الأرض، فحملت أبطال المرزبان على مالك وأصحابه فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وأكل السيوف فرسان الرجال وصدقتهم الأزد ضرباً فولوا منهزمين حتى انتهوا إلى معسكرهم...

الفرس تطلب من مالك بن فهم الهدنة ،،،

بعد الحرب استشعرت الفرس العجز عن حرب مالك بن فهم، فأرسلوا إلى مالك يطلبون منه أن يمن عليهم بأرواحهم ويجيبهم إلى الهدنة والصلح، ويؤجلهم سنة كاملة ليستظهروا على حمل أهلهم من عمان، ويخرجوا بغير حرب ولا قتال، فأجابهم مالك على ما طلبوه ، فتحملوا من سلوت إلى صحار مقر زعامتهم وما حولها من البلدان المنتشرين فيها، فكف مالك عنهم الحرب وأقرهم في عمان ما سألوه، فبقوا في الحال أمن مسالمين للعرب ملازمين الساحل ، وكانت الأزد ملوكاً في الداخلية سهولها وجبالها ، وإليهم أمر زعامتها، وقد اندقت عصا الفرس وإنهار صرحهم...


،،،

مالك بن فهم يلقى نظرة إلى قلهات
بعد انتهاء الحرب انحاز مالك بن فهم إلى قلهات ليؤيد زعامته فيها، وهي الكرة المنيعة والفرضة الرفيعة، التي لها شأن إذ ذاك في احل عمان ، لإلتقائها الوارد من الهند إلى عمان، والوافد من بحر العرب إلى الخيج العربي قبل صحار، وأغلب محطات التجارة العمانية من هذه الوجهة هنا، وأثناء مهادنة مالك بن فهم للعجم قاموا يطمسون الأنهار الكبيرة، لأنهم يعلمون أنهم لا قرار لهم بعمان، ولكن لم تكن الهدنة بين مالك والعجم تتناول إلا إعلان الحرب بينهم ، لا شك فيه ولا سيما وهم مفارقون البلاد مرغمين على الخروج منها فلا يتكون شيئاً يستطيعونه إلا فعلوه.

وأشعروا الملك ما وقع بينهم وبين مالك ، وأن مالك حكم عليهم بالجلاء من عمان ، فهم من هدنة منه كي يرتحلوا من البلاد لا ليقروا فيها، وكان ملك الفرس دارا بن دارا ملكاً عنيداً ، فاستشاط غضباً لقدوم مالك ، وما حل بهم من الوهن والضعف،هنا أخذت الملك الحمية لمن قُتل من أصحابه وقواده ، حيث دعا بقائد من قواده المرازبة العظماء عنده ...

الملك يجهز قواته لحرب العرب في عمان،،،
أمر الملك دارا قائده بالمسير إلى عمان وعقد له ثلاثة آلاف من رجال الشجعان المجربين، وقدمه على المرازبة واسارة، سيره ومدداً لأصحابه المذكورين بعمان الذين نكبهم مالك بن فهم ، وعهد إليهم حرب العرب وإخراجهم من عمان، وكل هذا ولا علم لمالك بشيء منه، فلما وصلوا صحار واجتمعوا ، وأخذوا يتشاورن فيما بينهم ويتأهبون للحرب، حتى انقضى أجل الهدنة، فبلغ مالك بن فهم حبرهم واهتم لهم اهتماماً كبيرا، فتحقق وصول المدد إليهم فلهجت نفسه الأبية لما سمع وثارت به سورة العرب...

مالك بن فهم يتأهب لمصادمة العجم مرة أخرى،،،

بعد ما تحقق من وصول المدد كتب مالك بن فهم إليهم يهددهم قائلاً : إني وفيت لكم بما كان بيني وبينكم من العهد ، لكن بلغني أنه أتاكم مدد من قتل الملك، وأنكم تستعدون لحربي وقتالي، فالآن إما أن تخرجوا من عمان طوعاً وإلا زحفت عليكم بخيلي ورجلي ووطأت ساحتكم وقتلت مقاتلتكم ،،، وهو من إذا قال فعل...

فلما وصلهم رسوله هالهم أمره وعظم في أعينهم خطره، ولكن ردوا عليه أقبح الرد وأغلظوا له في المقال، فلما رأى مالك منهم ذلك الحال زحف عليهم ومعه عزمه القوى وصبره العظيم، إذ يباشر الحرب بنفسه ويلاقي الأبطال قبل رجاله، فقامت الفرس للقاء البطل العربي والملك الأزدي ، فجاءوا بالفيلة أمامهم لأنها أعظم قواتهم وهي من أعظم القوات إذ ذاك، وليس للعرب سوا قلوبهم وسواعدهم والنصر من الله ينصر من يشاء...
فلما تقارب الزحفان ، وتلاقى العسكران ، قام مالك بن فهم يتفقد أصحابه، راية راية، كتيبة كتيبة، ويلقى عليهم تعاليمه كما هي عادته السابقة، وكان هناءة بن مالك على الميمنة ووفراهيد على الميسرة وهما الجناحان وبهما يطير الجيش ، ونزل مالك مع الأبطال ، والقوا بالفرس فإقتتلوا قتالاً شديداً ، هجموا عليهم هجوم الأسد ، وزاد نشاط العرب لقتالهم...

الحرب تشتد بين مالك بن فهم والفرس لتنتهي

رأت الفرس لوائح التقهقر ، وأن مالك لابد أن ينفذ فيهم ما صرح به لهم، أعلنت الفرس لرجالها الهجوم على مالك بغير مبالات، فإما النصر على مالك وإما الانهزام النهائي، فجالت الأزد جولتها ونادت في رجالها البواسل، وناداها مالك قائلاً : يا معشر الأزد اقصدوا إلى لوائهم فإكتشفوه، فإن لهذا اليوم ما بعده.. فحمل مالك جملته الملوكية فهوى على الفرس كالنجم المنقض للرجم، فسرعان ما انكشف لواء القوم واختلط الطعن والتحم القتال، وثار العجاج إلى أن تحجب عين الشمس، تجالدوا بالسيوف وتطاعنوا بالرماح وكثر الجراح والقتل في الفريقين ، فبدرت بوادر الهزيمة للفرس الأشداء، ورأوا الهزيمة أو الموت النهائي، وهما أمران أحلاهما مر، ففضلوا الهزيمة فولوا منهزمين على وجوههم...

وفي ذلك الأثناء التقى فراهيد بن مالك بأسنفديار ابن امرزبان، وكان من أعظم قواد الجيش الفارسي، فطعنه فراهيد طعنة أراده بها قتيلاً ،فهزموا وركبوا في السفن وعبورا إلى أرض فارس، واستولى مالك بن فهم ومن معه على سوادهم، واستباحهم وغنم أوالهم، وسجن من الأسرى خلقاً كثيراً، فمكثوا في السجن زمنا طويلا إلى أن أطلقهم ومن عليهم بأراوحهم، فإستولى مالك على عمان كلها وملكها وما يليها من أعمالها على الخليج العماني، وبذلك انتهى جلاء الفرس من عمان فلم يبقى فيها إلا مواطن تحت سلطان مالك سيد الأزد في عمان، فما مضى وقت طويل إلا ورايات العرب تتوالى على عمان،،،

أعمال مالك بن فهم بعد انتهاء الحرب ووفاته،،،

وبعد انهيار صرح العجم في عمان، رجع مالك إلى شؤونه الداخلية ليؤيدها بسياسته الحكيمة وآرائه السديدة، وألقى نظرته ما حول عمان من الممالك، وما يتبعها من البلدان، وظل يتردد على الأطراف لأنها الابواب، وكان ينزل في النواحي المختصة ويقيم في الأمكنة المنظور إليها، وهو الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، فكان ملكاً عظيماً في العرب...

إمتد سلطان مالك في عمان حتى ضم إليها البحرين وأطراف العراق، وقد كان مراقباً يسر الأعمال في الجزيرة، وقد طال عمر مالك بن فهم في الملك ، فقد ملك عمان وما حولها سبعين سنة، وعاش مائة وعشرون سنة ، وكانت وفاته نتيجة الكيد الأخوي الأشبه بكيد أخوة يوسف، وذلك أن مالك بن فهم تزوج بنت مالك بن زهير ، واشترط على مالك بن فهم أن يكون الملك في ذريتها فوافقه مالك بن فهم، ولا بد أن يكون ذلك مؤثراً في قلوب أولاد مالك بن فهم خصوصاً إذا جاءت برجال يتولون الملك بالوراثة عن بقية إخوتهم، والقدر أن جاءت الحزام بولد سموه سليمة ، وكان ولداً تلوح عليه مخائل النجابة، وأحبه مالك بن فهم حباً بالغاً ، فتوقعوا إخوته أن هذا لا شك سيكون تبعاً للشرط الذي شرطه والد أمه ، فتآمروا عليه أن يكيدوه بمكيدة تسقطه من كرسي محبة الوالد ، وكان مالك بن فهم وضع الحرس الداخلي الذي يسميه العصريون حرس الشرف على كواهل أولاده إذ لا يطمئن بغيرهم ، وكان لكل أحد منه نوبة، فقالوا لمالك : أيها الملك إن إبنك سلمية لا يقوم بواجبه في الحرس، وأنه ينام فنخشى عليك من قبل نوبة سليمة، وكان القصد من ذلك أن ينكسر خاطر مالك بن فهم عن سليمة ويطرده أو يرفضه ولا يقبل منه في الأعمال الخاصة شيئاً ، وجعلوا يوهنون أمره عند أبيه ، فقال لهم مالك: أنكم كذلك وما أحد منكم إلا وقائم بما عليه، وأما قولكم بإبني سليمة فليس هو كذلك ، وأن ظني فيه كعلمي به ...

ذات ليلة كانت فيها نوبة سليمة، فخرج سليمة في فرسان للحرس كعادتهم، ثم اعتزل عنهم سليمة في المكان الذي يكمن فيه، وما كان لسليمة علم بذلك التآمر الذي تآمر به الأخوة من شأنه، فكان سليمة في مكمنه المعتاد بقرب دار أبيه، فينما هو كذلك اذ أقبل مالك من قصره في جوف الظلام مختفياً من حيث لا يعلم به أحد ليحقق مقال الأولاد في أخيهم، فتوجه قاصداً للموضع الذي فيه سليمة ليرى ما هو عليه من الحال، فكان من قدر الله لا محال عنه أمن لحقت سليمة سنة في تلك اللحظة التي ساق الله لها مالكاً لتكون سبباً لحتفه، فأغفا سليمة على ظهر فرسه وهذا طبعاً يعتري الإنسان، وكان سلمية قد تنكب كنانته وفي يده قوسه وهو على ذلك الحال، فأحست الفرس شخص، مالك وقد ألهم الله الخيل من الحس وجعل لها من البصر ما لم يجعله لغيرها، وكان مالك بعيداً فصهلت الفرس عند ذلك لتعطي راكبها انذراً بما أحست به، فانتبه سليمة ذلك البطل الشاب الجديد في حركاته كلها، القوى على أداء أعماله كما يلزم مذعوراً من صهيل الفرس، إذ من عادة الخيل ألا تصهل إلا لأمر تراه، فنظر سليمة إلى فرسه وهي ناصبة أذنيها إلى الشخص الذي أحسته، وكان إخباراً منها لصاحبها، ففوق سليمة سهمه في كبد قوسه ويممه نحو الشخص الذي تشير إليه الفرس ولا علم له أنه أبوه، ولم يعلم ما بمالك من الاهتمام في ذلك الوقت، فسمع مالك صوت السهم حين يجذبه سليمة موجهاً له نحو أبيه الملك، فصاح به قائلاً ) لا ترم أنه أبوك ) فبينما هو يقول وقد أطلق السهم محلقاً نحو الشخص المرمي فقال سليمة بصوت المتلوم على ما فرط ( السهم ملك قصده ) أي لا حيلة على رده، وعند ذلك أنشد مالك تلك القصيدة التي جعلها تاريخاً لحياته، وعبر فيها عن مهامه وأعماله، وفيها يقول نحو سليمة ابنه:
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
ولكن القدر حاكم على الإنسان ولا بد من وقوعه، ولكل شيء غاية ينتهي بها...

أولاد مالك بن فهم وأعمالهم بعد أبيهم،،،

1- كان أولاد مالك بن فهم خمسة عشرة رجلاً ، أولهم النوبي وبه يكنى مالك، ولكنه لم يذكر عند التاريخ شيئاً ، لعله مات قبل وقوع حرب الفرس ومالك، أو أنه انعزل إلى مكان آخر فقضايا العرب عديدة.

2- جذيمة بن مالك ويقال له الأبرش والوضاح لوضح كان به، كان ملكاً عظيماً طال عهده، وامتد سلطانه من مشارف الشام إلى الفرات من جهة الروم، وعاصر من ملوك الفرس أزدشير بن بابك وولده سابرو...

3- جماز بن مالك : كان اسمه زياد فلقب جمازاً ، ولم يذكروا أين كان ملكه ، بل ذكروا أنه الذي ذكره الله في القرآن بقوله عز وجل : " قال لصاحبه وهو يحاوره" إلى قوله " وهي خاوية على عروشها" ، كان جباراً عنيداً عاتياً ظالماً كافراً ، يضرب به المثل في الكفر والظلم والجبروت، فيقال : أكفر من جماز ، وأظلم من جماز...

4- هناءة بن مالك : كان أعقل أولاد مالك بن فهم كلهم، وأثبتهم في الأزمات وأعزهم نفساً ، وأكثرهم شأناً في عمان، وهو الذي ملك عمان بعد أبيه وأحسن إلى الرعية وساسها سياسة الحكيم الماهر، وهو الذي عزز ملك أخيه سليمة بن مالك في أرض فارس حتى ثبتت دعائمه وقوى سلطانه...

5- سليمة بن مالك: فقد خرج إلى أرض فارس بعد قتله لأبيه ، فتخوف من معن بن مالك، فنزل جأشه وهو معروف بجأش، توغل في أرض كرمان لاجئاً في أيام ولد دارا ابن دارا ، راجياً منهم الإيواء الجميل ، وبقى كرمان حتى ساعده الحظ وتملك عليهم إذ قتل ملكهم الطاغية بجوره ، وتولى الملك في ذلك القطر بمعونة أعيان البلاد ، صار سلطاناً على الفرس حتى مات هناك بأرض كرمان ، وكان له عشرة أولاد وهم نجب اسفاهية...

6- فراهيد بن مالك : كان معدوداً من أشجع أولاد مالك بن فهم، فكان ميسرة أبيه في حروب الفارسية، عرف مقامه ، ولا بدع فان أباه من عرفت وقد عقب ذراري عديدة ، ومن أشهرها آل فراهيد الخليل بن أحمد في الإسلام، أكبر العلماء الأعلام وأجل الفقهاء الكرام...

7- ثعلبة بن مالك: هو الذي اعتزل إخوته حين اختلفوا في سليمة...

8- معن بن مالك: كان أشد الناس على سليمة فلم ترضيه دية ولا قبل عذر سليمة ولا خضع لمقال إخوته، كان يتحين الفرصة حتى يفتك من سليمة ، ولكن ارتحل سليمة من عمان إلى فارس من أجله...

9- عمرو بن مالك: ولم تكن له أخيار في عمان، ومن ذراريه الشحوح المعروفين في شمال عمان، ويقال أنهم لقبوا بالشحوح حين شحوا بالصدقة أيام أبي بكر رضى الله عنه، وهم من أولاد الحارث بن مالك ، ولهم لهجة ينفردون بها ولهم لغة يختصون بها فيما يبنهم ويتفاهمون بها ....