المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمير من زمن الحرب بخروش بن علاس الحلقة السابعة


**ابشر بعزك**
02-05-15, 07:39 AM
نهاية بطل

بعد هزيمة القوات السعودية في معركة بسل , بدأ محمد علي باشا في تجهيز العدة للقضاء على فلول المقاومة الشعبية في جنوب الجزيرة العربية , حيث تمكن من الاستيلاء على بلدة تربة , وواصل الزحف إلى بلدة بيشه فأطاعه أهلها , ومنها إلى بلدة تباله وبقية البلدان الأخرى كـ "رنيه " وشهران و زهران وغامد وانتهاءً بعسير كآخر معقلٍ من معاقل مناصري الدولة السعودية الأولى .

في يوم التاسع من ربيع الثاني من عام 1230هـ , أرسل محمد علي باشا حملتين للقضاء على بخروش بن علاس , الأولى : كانت من بلدة رنيه , وهدفها مباغتة بخروش بن علاس وقومه من الشرق حيث الأرض المنبسطة , والحملة الثانية : بقيادة محو بك , وهدفها مباغتة بخروش وقومه عن طريق النزول من الجبال , وعمل ما يُسمى في العُرف العسكري بـ( كماشة الهجوم ) .

أما عن الجانب الآخر فقد قام بخروش بن علاس بتحصين مواقعه الدفاعية في قرية العدية بقريش الحسن من أجل ذلك اللقاء الأخير , و قام أيضاً بعمل بعض التشكيلات الدفاعية بين أبناء قومه الذين انقسموا إلى عددٍ من المجموعات , منها بعض المجموعات التي كان عملها تبادل إطلاق النيران من داخل الحصون والأبراج , والبعض الآخر كان عمله التسلل ليلاً في مجموعاتٍ صغيرة للقيام ببعض الغزوات الصغير عملاً بمبدأ الكر والفر .

كانت تلك المعركة الأخيرة شرسةً لدرجة أنها استمرت ست ليالي دون توقف , غير أن أمراً جديداً قد حصل في موازين القوى الحربية لقوات محو بك , فقد تمكن ذلك القائد من نصب المدافع الحربية على الجبال المطلة على قلعة بخروش , وتحت القصف المدفعي و انفجارات براميل البارود استطاع محو بك اقتحام القلعة , بعد أن دمر بعض أجزاءها الخارجية, وحينها تمكن العثمانيون من قتل عددٍ كبير من أبناء قبيلة زهران , واستطاعوا أسر عددٍ آخر لا يستهان به .

هنا نتوقف لنقول : أثناء تلك الحرب وبعدها حدثت خيانةٌ كبرى , تعددت فيها الأقوال والأهواء , ولكن يبقى السؤال التاريخي الغامض و المهم : كيف قُبض على بخروش بن علاس ؟ و ممن كانت الخيانة ... ؟

أيها القراء الكرام ..

لإجابة هذا السؤال التاريخي نطرح لكم الآراء والأقوال التي ذهب إليها أرباب التاريخ :

القول الأول : أنه وأثناء القصف المدفعي و انفجارات براميل البارود حدثت الخيانة الكبرى , عندما فضل عددٌ قليل من مقاتلي بخروش طلب النجاة وطلب الدنيا , فقاموا بالاتصال سراً بمحو بك طلباً للعفو والنجاة , فطلب منهم فتح أبواب القلعة والقبض على بخروش وتسليمه إليه .

ودليل ذلك القول هي الرسالة الشهيرة التي بعث بها محمد علي باشا إلى الوالي العثماني في اسطنبول :

الرسالة بتاريخ 21 ربيع الثاني عام 1230هـ

( استمر زحفنا على ديار بخروش رئيس قبيلة زهران , وكان أميرهم في القلعة مع بضعة آلاف من رجاله , حيث بدوا وكأنهم حشرات , وحاصرنا القلعة لمدة أسبوع ثم قمنا ببعض التفجيرات . وعندما كنّا على وشك مهاجمته في قلعته جاء إلينا رجاله يطلبون السلم . فمنحناهم العفو والسلم على شرط أن يقبضوا على بخروش ويحضروه لنا ) .


القول الثاني : بعد طول الحصار , وبعد تمكن القوات العثمانية من اقتحام القلعة , استطاع بخروش بن علاس النجاة مع عددٍ قليل من مقاتليه , حيث تمكن بخروش من السير إلى أرض زهران الغربية , وقام بالتخفي عدة أيام متنقلاً بين قبائل شعف زهران , ومن هناك حاول بخروش بن علاس القيام بتجهيز قواته مرةً أخرى لمواصلة المقاومة والثورة .
غير أن محو بك وبعد دخوله القلعة تمكن من أسر عددٍ لا يستهان به من مقاتلي زهران , وخصوصاً من قوم بخروش بن علاس ( قبيلة قريش ) , حيث قام محو بك بإرسال أولئك الأسرى إلى محمد علي باشا في قاعدته ببلدة القوز " قوز بلعير " , وهناك من بلدة القوز أرسل محمد علي باشا رسالته المُتفق على صحتها شعبياً إلى بخروش بن علاس , وفيها يُخيّرهُ بين افتداء الأسرى من أبناء قومه وذلك بمبايعة محمد علي باشا , أو ترحيل أولئك الأسرى إلى الأستانة العثمانية بمصر .

وأمام تلك الخيارات الصعبة فضل المجاهد الشيخ بخروش بن علاس الزهراني افتداء الأسرى من أبناء قومه بمبايعة محمد علي باشا, حيث سار بخروش بن علاس بنفسه إلى قاعدة محمد علي باشا في بلدة القوز , غير أن طبع الخيانة والغدر لدى محمد علي باشا جعله ينكث بوعده عندما قرر القبض على بخروش بن علاس وإرساله بمرافقة الأسرى إلى مصر .


الرأي في القولين .. وهذا الرأي لا يتعدى كونه رأياً شخصياً للعبد الفقير إلى الله عبدالله الجابري , ولا ألزم به أحداً , ولا أتمنى الدفاع عنه بأي حال من الأحوال .

أرى القول الثاني أقرب إلى الحقيقة , فـ"محمد علي باشا" ذلك الرجل الألباني لا أستغرب منه الخيانة , فقد روت كثيرٌ من كُتب التاريخ خبر المعاهدة التي كانت بينه وبين الشريف غالب , تلك المعاهدة التي حلف على إمضائها محمد علي باشا على كتاب الله المقدس بين جنبات الحرم الشريف بمكة المكرمة وأمام حشدٍ غفير من معتمري البيت وزواره . لكنّ هو طبع الخيانة التي دفعت بمحمد علي باشا إلى نقض ذلك العهد قبل مضيء شهرٍ على بدءه , عندما أرسل ابنه طوسون إلى منزل الشريف غالب للقبض عليه غدراً , بعد منتصف الليل .

أما عن أمر تلك الرسالة التي بعث بها محمد علي باشا إلى السلطان العثماني , فيجب علينا ألا نؤمن بكل شيء , ويعجبني في هذا السياق قول أستاذ الوثائق التاريخية السيد أحمد مرسي عباس عندما قال ( هل الوثائق التي خلفها صُناع الأحداث التاريخية تعتبر أوثق المصادر للتاريخ , أم أن الكتابات التي حرروها معاصرو الأحداث التاريخية عمّا شاهدوه ولمسوه بل وأقول وعانوه أكثر صدقاً وأمانة من الوثائق التاريخية .. فمثلاً إذا كانت الوثائق تقول أن حاكماً من الحكام أصدر مرسوماً بتخفيض أعباء الضرائب عن رعيته , وسجل الكُتّاب المعاصرون خلاف ذلك – فهل يأخذ كاتب التاريخ وثيقة الحاكم أي المرسوم الذي أصدره بتخفيف الضرائب ويصدق أن الحاكم كان رحيماً برعيته – أم أنه يأخذ كتابة الشاهد الذي عانى بنفسه من تطبيق المرسوم ؟
لاشك أن كتابة الشاهد أكثر صدقاً من الوثيقة – وتعتبر الوثيقة هنا دلالة على خداع الحاكم للشعب )