المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هرطقات بحر الهدوء ( مسؤولية الكلمة )


بحرالهدوء
07-10-14, 01:00 PM
لم يبالغ من قال : إن العرب ظاهرة صوتية فمنذ أن بدأت اللغة العربية تتشكل وفي مهادها كان هناك نوع من البديع في الخطاب يسمى السجع وكان يستخدمه الكهان فلما جاء الإسلام ذمه وبقي السجع مذموما من السماء إلا ما كان عفو الخاطر غير متكلف وورد في ثنايا الكلام ..أما إذا وجد في كل سطر فإن هدفه هو الحلية اللفظية على حساب المعنى وإشغال السامع أو القارئ بتأثير الشكل والجرس والموسيقى اللفظية وليس في المعنى .

إن علماء البلاغة نزهوا القرآن الكريم من السجع وسموا تلك التوافقات في الجرس الصوتي في الآيات فواصل حتى يفرقوا بين خطاب السماء وخطاب الكهان .. ولعلنا نتفهم غضب الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال له أحدهم : كيف يُغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل هذا يطل !؟ فقال الرسول : كيف تسجع مثل سجع الكهان. إنما هذا من إخوان الكهان .

أيعقل أن يغضب رسول الله بسبب عبارة مسجوعة ؟! لا .. طبعا إنما الأمر أكبر من ذلك وأقل ما فيه هو تربية الأمة أن تبتعد عن هذا النوع من الكلام الحشو والمؤثر عكسيا فالكلمة مسؤولية ونطقها هكذا خبطا لزقا ومن الذين هم في موقع الريادة والقيادة لهو عبث ينبغي تجنبه واختيار الكلمة في موقعها صارخة بالحقيقة والوضوح حتى لا تضيع أمة بكاملها وتتربى على هذا الهدر اللفظي والترف اللغوي الذي إن تسامحنا فيه مع أصحاب الفنون فإنه لا ينبغي أن نسكت عن من هم في موقع الفكر وتشكيل عقول الناس .

لدينا نموذجان من الجانب الديني في السعودية على وجه الخصوص : جانب يوجه خطابه عاطفيا يعتمد على المؤثرات الصوتية والخطابة ويهتم بالتأثير على العامة مستغلا جهلهم وشحن عواطفهم بالترغيب تارة والترهيب تارة ومعتمدا على السجع في الكلام وتنغيم الصوت ونبر بعض الحروف وليس له من هدف إلا حشد الناس خلفه وسلب أبسط أدوات الفهم : السؤال والحوار .. وهو عندما يخاطبهم فهو لا يفتح لهم الأبواب بل يملي عليهم الطريق الأوحد والنهج الأصدق والحق الذي ليس بعده إلا الباطل .. وجانب يوجه خطابه للعقل والمنطق وكشف الحقائق وتجلية المعميات والمعممات وهذا النوع من الخطاب المرسل لا يستسيغه إلا المثقفون فإذا قرؤوه رسخ في عقولهم وتشكلت على ضوئه مفاهيمهم وأصبحوا على قناعة تامة وثقة في تتبع الفكر والثقافة بكل صنوفها فهو يفتح بابا للرؤية الواسعة وشحذ العقول وحثها على طلب المزيد لتنداح دوائر من الثقافة هي غاية المتعة والدهشة والفائدة والبناء .. وللأسف فإن هذا الجانب غير مرحب به من قبل العامة عكس السابق الذي يجد كل الاحتفاء وتسليط الإعلام والضوء عليه.

النوع الثاني هو الذي يبني الأمم وهو ما يستحق أن يطلق عليه فكرا وعلما عكس السابق الذي يدخل في جملة الفنون التي هي من الترف الفكري المتقلب المتلون الذي تجده يتغير بتغير الظروف والأحوال وتجد صاحبه كل مرة يطرق جديدا يتعارض مع قول سابق له ..ولا تكاد أن تفهم تلك الأوجه من التلونات كل مرة ولا سبيل لفهمها إلا كما نفهم الفنون المضطربة التي هي فسيفساء من الأشكال والأطياف تعتمد على الحالة النفسية والمزاج والتأثير والإيحاء وربما لتلبية الرغبات أو الحاجات أو للمجاملات أو للمصالح الذاتية أو لتعمية الحقيقة بهكذات شعوذات إلخ .. فهي مزيج من ضروب ودروب شتى لا يجمعها إلا قاسم واحد وهو غير الحقيقة.

عيدكم مبارك وتقبل الله منا ومنكم وعساكم من عواده

" بحر الهدوء "

السهل 1
07-10-14, 01:25 PM
أنزل الله تعالى قرآنه الكريم باللغة العربية، فشرفها وشرف الناطقين بها ورحم الله الحافظ ابن كثير في

تفسيره هذه الآية (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) حيث قال: إن لغة العرب أفصح اللغات وأوسعها،

وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلذلك أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف

الرسل، بسفارة أشرف الملائكة وكان ذلك بأشرف بقاع الأرض، وابتدأ إنزاله في أشرف شهور السنة

وهو رمضان، فكَمَلَ من كل الوجوه. ذلك ما قاله الإمام ابن كثير في عصره .