الصواعق
05-03-06, 02:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم .....
السرقات الشعرية
هذا الباب يعتبر من أوسع أبواب الأدب وأكثرها تفرعاً ، ولا يستطيع شاعر أن ينجو من السرقة ويسلم منها فهو واقع فيها واقع لا محالة ، ولكن تختلف من شاعر لشاعر ، فمنهم من يخفي سرقات ولا تتضح إلا لدى الأديب الحاذق الأريب الذي لديه اطلاع واسع في الشعر .
وقد اختلفت المسميات في ماهي السرقات .. وماهي فروعها .
في البداية نقول أن أكثر من تكلم في هذا الباب ، هو الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة أتي بأسماء محدثة وكثيرة وفصل في السرقات تفصيل ليس لها محصول .
وأيضا ابن رشيق القيرواني في العمدة تكلم عن السرقات والجرجاني في الموازنة وابن الأثير في المثل السائر والصفدي في نصرة الثائر
لمن أراد التوسع والتبحر فيها فليطلع على كتبهم
السرقة هو مانقل معناه دون لفظه وأبعد في أخذه الا أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل سائر مثل بيت طرفة وامرىء القيس حين لم يختلفا إلا في القافية .
وتقسم إلى أقسام كثيرة مثل :
الإصطراف ، والإهتدام ، والإغارة ، والمرافدة والإستلحاق وهي قريبة من بعض :)
وسأقوم بذكر أهم مواضع السرقات والأكثرها شهرة وجدلا ..
الإصطراف :
أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه لنفسه .
ويكون لنوعين هو الإجتلاب والإستلحاق .. والآخر الإنتحال ..
الإجتلاب :
أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر ويصرفه إلى جهة المثل
والإجتلاب نحو قول النابغة الذبياني :
وصهباء لا تخفي القذى وهو دونها = تصفق في راووقها حين تقطـب
تمززتها والديك يدعو صبـاحـه = إذا ما بنو نعش دنوا فتصـوبـوا
فاستلحق البيت الخير فقال:
وإجانة ريا السـرور كـأنـهـا = إذا غمست فيها الزجاجة كوكب
تمززتها والديك يدعو صباحـه = إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبـوا
وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، كما قال عمرو ذو الطوق:
صددت الكأس عنا أم عمرو = وكان الكأس مجراه اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمـرو = بصاحبك الذي لا تصبحينا
فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته المعلقة ، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد صنع المحدثون مثل هذا.
قال زياد الأعجم:
أشم إذا ما جئت للعرف طالباً = حباك بما تحوي عليه أناملـه
ولو لم يكن في كفه غير نفسه = لجاد بها فليتق الله سـائلـه
ويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره
والإنتحال :
أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر ويدعيه لنفسه
ولا يسمى منتحل إلا عندما ينتحل الشعر وهو شاعر أما إذا كان غير شاعر فهو مدعي
مثل قول جرير :
إن الذين غدوا بلبك غـادروا = وشلا بعينك لا يزال معـينـا
غيضن من عبراتهن وقلن لي: = ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟
فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيل الغنوي:
ولما التقى الحيان ألقيت العصا = ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
ولذلك قال الفرزدق:
إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم = وأوابدي تتنحلوا الأشعـارا
الإغارة :
أن يصنع الشعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله من هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا = وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره.
الغصب :
وأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل:
فما بين من لم يعط سمعاً وطاعةً = وبين تميم غير حز الحـلاقـم
فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتاً، إن لها لعروضاً وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال: وما قلت؟ فقال: قلت:
أحين أعادت بي تمـيم نـسـائهـا =وجردت تجريد اليماني من الغمـد
ومدت بضبعي الربـاب ومـالـك = وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد
ومـن آل يربـوع زهـاء كـأنـه = دجى الليل محمود النكاية والرفـد
فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبداً إلا لك وسمعت بعض المشايخ يقول: الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر نفسه أولى بذلك الكلام من قائله.
المرافدة
أن يكون شاعرين فيعجب أن بشعر الأخر ويطلبه منه ويأخذه ، فهذه تسمي المرافدة
ويقول ابن رشيق : المرافدة فأن يعين الشاعر صاحبه بالأبيات يهبها له
كما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته:
نبت عيناك عن طلل بحزوى = محته الريح وامتنح القطارا
فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له:
يعد الناسبون إلـى تـمـيم = بيوت المجد أربعة كبـارا
يعدون الرباب وآل سـعـد = وعمراً ثم حنظلة الخـيارا
ويهلك بينها المرئي لـغـواً = كما ألغيت في الدية الحوارا
فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة.(( يقصد جرير ))
واسترفد هشام المرئي جريراً على ذي الرمة فقال في أبيات:
يماشي عدياً لؤمها ما تـجـنـه = من الناس ما ماشت عدياً ظلالها
فقل لعدي تستعن بنسـائهـا علي فقد أعيا عدياً رجالهـا
أذا الرم، قد قلدت قومك رمة بطيئاً بأيدي العاقلين انحلالها
ويروي بأيدي المطلقين فقال ذو الرمة لما سمعها: يا ويلتنا، هذا والله شعر حنظلي، وغلب هشام على ذي الرمة بعد أن كان ذو الرمة مستعلياً عليه.
والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز.
الإهتدام :
هي سرقة مادون البيت ويسمى أيضا النسخ
والاهتدام نحو قول النجاشي:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة = ورجل رمت فيها يد الحـدثـان
فأخذ كثير عزة القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة = ورجل رمى فيها الزمان فشلت
من قصيدته التائية المبكية :)
النظر والملاحظة :
هي تساوي المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ منها وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر ، ويسمى هذا الإلمام .
فمثل قول مهلهل:
أنبضوا معجس القسي وأبرقـ = ـنا كما توعد الفحول الفحولا
نظر إليه زهير بقوله:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنـوا = ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وأبو ذؤيب بقوله:
ضروب لهامات الرجال بسيفه = إذا حن نبع بينهـم وشـريح
الإختلاس :
هو تحويل المعنى من معنى نسيب إلى مديح ويسمى أيضا نقل المعنى
وأما الاختلاس فهو قول أبي نواس:
ملك تصور في القلوب مثاله = فكأنه لم يخل منه مـكـان
اختلسه من قول كثيرعزة :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما =تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقول عبد الله بن مصعب:
كأنك كنت محتكماً عليهم = تخير في الأبوة ما تشاء
ويروى كأنك جئت محتكماً عليهم اختلسه من قول أبي نواس:
خليت والحسن تـأخـذه = تنتقي منه وتنتـخـب
الإلمام :
ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة = شغفا بذكرك فليلمني اللوم
وقول أبي الطيب:
أأحبه وأحب فيه مـلامة = إن الملامة فيه من أعدائه
وقول ابن الأثير :
لولا خلال سنها الشعر ما درى = بناة العلى من أين تؤتى المكارم
أخذه من قول أبي تمام :
لولا الكرام وما سنوه من كرم = لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
وهذه هي السرقات الخفية ، وهي أقرب للإبتداع من السرقة ... ولا يميز بينها إلا أديب حاذق بصير بالشعر :)
الموازنة :
أن يأخذ بنية الكلام فقط فإن جعل كل لفظة ضدها هو العكس .
والموازنة مثل قول كثيرعزة :
تقول مرضنا فما عـدتـنـا = وكيف يعود مريض مريضا
وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:
بخلنا لبخلك قد تعلمـين = وكيف يعيب بخيلاً بخيلا
والعكس قول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري:
ذهب الزمان برهط حسان الأولى = كانت مناقبهم حديث الـغـابـر
وبقيت في خلف يحل ضيوفهـم = منهم بمنزلة الـلـئيم الـغـادر
سود الوجوه لئيمة أحسـابـهـم = فطس الأنوف من الطراز الآخر
وقد عاب ابن وكيع هذا النوع بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة.
المواردة :
إذا كان الشاعرين في عصر واحد ولم يسمع بقول الآخر واتفقى تكون المواردة .
وأما الموارد فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، ولا أظن هذا مما يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين، وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادة، وربما وقع الحافر على موضع الحافر.
ومثل قول القاضي أبي بكر الأسكي :
دمع تكمن في الجفون فرعته = حذر الوشاة فلاذ بالأشفـار
فكان اسياف الغواة تـكـده = وكأنه عثـمـان يوم الـدار
فقد وارد قول الثعالبي :
إني بليت بسيدٍ كالـدهـر إذ = ينحى بسوته على الأحـرار
فرط الفظاظة والصلابة دأبه = وأنا لديه بـذلة وصـغـار
فكأنه عمر بن خـطـاب إذا = وكأنني عثمـان يوم الـدار
قال الثعالبي :
ولم اشك في أنه لم يسمع بقولي كما لم اسمع بقوله وحسبت قولي أمثل وارجح لجمعي بين عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما وما أشبه الحال في هذه المواردة الا بمواردتي أباالفرج بن هند وبقولي في صباي من نتفة:
إنـسـانة فـتــانة = بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بـهـا = فبالدموع تغتـسـل
ثم وقعت إلي قصيدة له وفيها:
يقولون لي ما بال عينك مذ رأت = محاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بطلعة وجهـه = فكان لها من صوب أدمعها غسل
وهي من بديع توارد الخواطر والعقول ..!
الإلتقاط والتلفيق :
أن يألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض ... ويسمى أيضا الإجتذاب والتركيب
مثل قول يزيد بن الطثرية:
إذا ما رآني مقبلاً غض طرفه = كأن شعاع الشمس دوني مقابله
فأوله من قول جميل:
إذا ما رأوني طالعاً من ثـنـية = يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني
ووسطه من قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير = فلا كعباً بلغت ولا كلابـا
وعجزه من قول عنترة الطائي:
إذا أبصرتني أعرضت عني =كأن الشمس من حولي تدور
والمخترع معروف له فضله، متروك له من درجته، غير أن المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن يختصره إن كان طويلاً، أو يبسطه إن كان كزاً، أو يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافاً، أو رشيق الوزن إن كان جافياً فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدع فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، فإن قصر كان ذلك دليلاً على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته.
سأقف إلى هذا الحد
ومن أراد الزيادة فلينظر كتاب العمدة لابي رشيق القيرواني ، وكتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر وكتاب كفاية الطالب في نقد الشاعر والكاتب كلاهما لابن الأثير الجزري
وكتب كثيرة تكلمت فيها ولكن هذه هي التي اعتمدت عليها لإطلاعي عليها ودراستها .
لدي كثير من الشواهد الشعرية ، ولكن أخاف السأم والملالة ..
لذلك سأكتفي بها
ويوجد بعض الظروب في السرقات لم أذكرها لأنها ليست بالشيء المهم .
واختم بكلام الجرجاني وهو حامل نصاصية العلم في الشعر واللغة :
ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.
احترامي لكم ..
الصواعق
السلام عليكم .....
السرقات الشعرية
هذا الباب يعتبر من أوسع أبواب الأدب وأكثرها تفرعاً ، ولا يستطيع شاعر أن ينجو من السرقة ويسلم منها فهو واقع فيها واقع لا محالة ، ولكن تختلف من شاعر لشاعر ، فمنهم من يخفي سرقات ولا تتضح إلا لدى الأديب الحاذق الأريب الذي لديه اطلاع واسع في الشعر .
وقد اختلفت المسميات في ماهي السرقات .. وماهي فروعها .
في البداية نقول أن أكثر من تكلم في هذا الباب ، هو الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة أتي بأسماء محدثة وكثيرة وفصل في السرقات تفصيل ليس لها محصول .
وأيضا ابن رشيق القيرواني في العمدة تكلم عن السرقات والجرجاني في الموازنة وابن الأثير في المثل السائر والصفدي في نصرة الثائر
لمن أراد التوسع والتبحر فيها فليطلع على كتبهم
السرقة هو مانقل معناه دون لفظه وأبعد في أخذه الا أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل سائر مثل بيت طرفة وامرىء القيس حين لم يختلفا إلا في القافية .
وتقسم إلى أقسام كثيرة مثل :
الإصطراف ، والإهتدام ، والإغارة ، والمرافدة والإستلحاق وهي قريبة من بعض :)
وسأقوم بذكر أهم مواضع السرقات والأكثرها شهرة وجدلا ..
الإصطراف :
أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه لنفسه .
ويكون لنوعين هو الإجتلاب والإستلحاق .. والآخر الإنتحال ..
الإجتلاب :
أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر ويصرفه إلى جهة المثل
والإجتلاب نحو قول النابغة الذبياني :
وصهباء لا تخفي القذى وهو دونها = تصفق في راووقها حين تقطـب
تمززتها والديك يدعو صبـاحـه = إذا ما بنو نعش دنوا فتصـوبـوا
فاستلحق البيت الخير فقال:
وإجانة ريا السـرور كـأنـهـا = إذا غمست فيها الزجاجة كوكب
تمززتها والديك يدعو صباحـه = إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبـوا
وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، كما قال عمرو ذو الطوق:
صددت الكأس عنا أم عمرو = وكان الكأس مجراه اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمـرو = بصاحبك الذي لا تصبحينا
فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته المعلقة ، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد صنع المحدثون مثل هذا.
قال زياد الأعجم:
أشم إذا ما جئت للعرف طالباً = حباك بما تحوي عليه أناملـه
ولو لم يكن في كفه غير نفسه = لجاد بها فليتق الله سـائلـه
ويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره
والإنتحال :
أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر ويدعيه لنفسه
ولا يسمى منتحل إلا عندما ينتحل الشعر وهو شاعر أما إذا كان غير شاعر فهو مدعي
مثل قول جرير :
إن الذين غدوا بلبك غـادروا = وشلا بعينك لا يزال معـينـا
غيضن من عبراتهن وقلن لي: = ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟
فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيل الغنوي:
ولما التقى الحيان ألقيت العصا = ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
ولذلك قال الفرزدق:
إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم = وأوابدي تتنحلوا الأشعـارا
الإغارة :
أن يصنع الشعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله من هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا = وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره.
الغصب :
وأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل:
فما بين من لم يعط سمعاً وطاعةً = وبين تميم غير حز الحـلاقـم
فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتاً، إن لها لعروضاً وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال: وما قلت؟ فقال: قلت:
أحين أعادت بي تمـيم نـسـائهـا =وجردت تجريد اليماني من الغمـد
ومدت بضبعي الربـاب ومـالـك = وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد
ومـن آل يربـوع زهـاء كـأنـه = دجى الليل محمود النكاية والرفـد
فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبداً إلا لك وسمعت بعض المشايخ يقول: الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر نفسه أولى بذلك الكلام من قائله.
المرافدة
أن يكون شاعرين فيعجب أن بشعر الأخر ويطلبه منه ويأخذه ، فهذه تسمي المرافدة
ويقول ابن رشيق : المرافدة فأن يعين الشاعر صاحبه بالأبيات يهبها له
كما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته:
نبت عيناك عن طلل بحزوى = محته الريح وامتنح القطارا
فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له:
يعد الناسبون إلـى تـمـيم = بيوت المجد أربعة كبـارا
يعدون الرباب وآل سـعـد = وعمراً ثم حنظلة الخـيارا
ويهلك بينها المرئي لـغـواً = كما ألغيت في الدية الحوارا
فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة.(( يقصد جرير ))
واسترفد هشام المرئي جريراً على ذي الرمة فقال في أبيات:
يماشي عدياً لؤمها ما تـجـنـه = من الناس ما ماشت عدياً ظلالها
فقل لعدي تستعن بنسـائهـا علي فقد أعيا عدياً رجالهـا
أذا الرم، قد قلدت قومك رمة بطيئاً بأيدي العاقلين انحلالها
ويروي بأيدي المطلقين فقال ذو الرمة لما سمعها: يا ويلتنا، هذا والله شعر حنظلي، وغلب هشام على ذي الرمة بعد أن كان ذو الرمة مستعلياً عليه.
والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز.
الإهتدام :
هي سرقة مادون البيت ويسمى أيضا النسخ
والاهتدام نحو قول النجاشي:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة = ورجل رمت فيها يد الحـدثـان
فأخذ كثير عزة القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة = ورجل رمى فيها الزمان فشلت
من قصيدته التائية المبكية :)
النظر والملاحظة :
هي تساوي المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ منها وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر ، ويسمى هذا الإلمام .
فمثل قول مهلهل:
أنبضوا معجس القسي وأبرقـ = ـنا كما توعد الفحول الفحولا
نظر إليه زهير بقوله:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنـوا = ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وأبو ذؤيب بقوله:
ضروب لهامات الرجال بسيفه = إذا حن نبع بينهـم وشـريح
الإختلاس :
هو تحويل المعنى من معنى نسيب إلى مديح ويسمى أيضا نقل المعنى
وأما الاختلاس فهو قول أبي نواس:
ملك تصور في القلوب مثاله = فكأنه لم يخل منه مـكـان
اختلسه من قول كثيرعزة :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما =تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقول عبد الله بن مصعب:
كأنك كنت محتكماً عليهم = تخير في الأبوة ما تشاء
ويروى كأنك جئت محتكماً عليهم اختلسه من قول أبي نواس:
خليت والحسن تـأخـذه = تنتقي منه وتنتـخـب
الإلمام :
ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة = شغفا بذكرك فليلمني اللوم
وقول أبي الطيب:
أأحبه وأحب فيه مـلامة = إن الملامة فيه من أعدائه
وقول ابن الأثير :
لولا خلال سنها الشعر ما درى = بناة العلى من أين تؤتى المكارم
أخذه من قول أبي تمام :
لولا الكرام وما سنوه من كرم = لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
وهذه هي السرقات الخفية ، وهي أقرب للإبتداع من السرقة ... ولا يميز بينها إلا أديب حاذق بصير بالشعر :)
الموازنة :
أن يأخذ بنية الكلام فقط فإن جعل كل لفظة ضدها هو العكس .
والموازنة مثل قول كثيرعزة :
تقول مرضنا فما عـدتـنـا = وكيف يعود مريض مريضا
وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:
بخلنا لبخلك قد تعلمـين = وكيف يعيب بخيلاً بخيلا
والعكس قول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري:
ذهب الزمان برهط حسان الأولى = كانت مناقبهم حديث الـغـابـر
وبقيت في خلف يحل ضيوفهـم = منهم بمنزلة الـلـئيم الـغـادر
سود الوجوه لئيمة أحسـابـهـم = فطس الأنوف من الطراز الآخر
وقد عاب ابن وكيع هذا النوع بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة.
المواردة :
إذا كان الشاعرين في عصر واحد ولم يسمع بقول الآخر واتفقى تكون المواردة .
وأما الموارد فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، ولا أظن هذا مما يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين، وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادة، وربما وقع الحافر على موضع الحافر.
ومثل قول القاضي أبي بكر الأسكي :
دمع تكمن في الجفون فرعته = حذر الوشاة فلاذ بالأشفـار
فكان اسياف الغواة تـكـده = وكأنه عثـمـان يوم الـدار
فقد وارد قول الثعالبي :
إني بليت بسيدٍ كالـدهـر إذ = ينحى بسوته على الأحـرار
فرط الفظاظة والصلابة دأبه = وأنا لديه بـذلة وصـغـار
فكأنه عمر بن خـطـاب إذا = وكأنني عثمـان يوم الـدار
قال الثعالبي :
ولم اشك في أنه لم يسمع بقولي كما لم اسمع بقوله وحسبت قولي أمثل وارجح لجمعي بين عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما وما أشبه الحال في هذه المواردة الا بمواردتي أباالفرج بن هند وبقولي في صباي من نتفة:
إنـسـانة فـتــانة = بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بـهـا = فبالدموع تغتـسـل
ثم وقعت إلي قصيدة له وفيها:
يقولون لي ما بال عينك مذ رأت = محاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بطلعة وجهـه = فكان لها من صوب أدمعها غسل
وهي من بديع توارد الخواطر والعقول ..!
الإلتقاط والتلفيق :
أن يألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض ... ويسمى أيضا الإجتذاب والتركيب
مثل قول يزيد بن الطثرية:
إذا ما رآني مقبلاً غض طرفه = كأن شعاع الشمس دوني مقابله
فأوله من قول جميل:
إذا ما رأوني طالعاً من ثـنـية = يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني
ووسطه من قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير = فلا كعباً بلغت ولا كلابـا
وعجزه من قول عنترة الطائي:
إذا أبصرتني أعرضت عني =كأن الشمس من حولي تدور
والمخترع معروف له فضله، متروك له من درجته، غير أن المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن يختصره إن كان طويلاً، أو يبسطه إن كان كزاً، أو يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافاً، أو رشيق الوزن إن كان جافياً فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدع فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، فإن قصر كان ذلك دليلاً على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته.
سأقف إلى هذا الحد
ومن أراد الزيادة فلينظر كتاب العمدة لابي رشيق القيرواني ، وكتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر وكتاب كفاية الطالب في نقد الشاعر والكاتب كلاهما لابن الأثير الجزري
وكتب كثيرة تكلمت فيها ولكن هذه هي التي اعتمدت عليها لإطلاعي عليها ودراستها .
لدي كثير من الشواهد الشعرية ، ولكن أخاف السأم والملالة ..
لذلك سأكتفي بها
ويوجد بعض الظروب في السرقات لم أذكرها لأنها ليست بالشيء المهم .
واختم بكلام الجرجاني وهو حامل نصاصية العلم في الشعر واللغة :
ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.
احترامي لكم ..
الصواعق