سيف الجهاد
01-01-06, 08:29 PM
إستراتيجية الزرقاوي في العراق ـ هل هناك "قاعدة جديدة" ؟
إن قاعدة الجهاد في العراق ما هي إلا إعادة تأسيس لتنظيم القاعدة الجديد، والذي سيصدر الجهاد إلى بقية العالم كما فعلت القاعدة الأم في أفغانستان. ولأبي مصعب الزرقاوي إمكانيات وقابلية لا يستطيع أن يتخيلها عقل. استعد لقتال الأمريكيين قبل سنة من احتلال العراق. وقد بنى المعسكرات وجهز الترسانات، وجند المؤيدين من نجد والحجاز واليمن ليكونوا وكلاء له في كل مدينة في هذه المناطق. بالإضافة إلى ذلك، فقد بنى معسكراته في القلب وجند أناساً من بلاد الشام (سوريا، لبنان، والأردن)، الذين أصبحوا مستشاريه الرسميين".
تأليف روين بـاَزْ *
المقدمة
في العامين الماضيين، بات التمرد الجهادي في العراق العنصر الرئيسي في إستراتيجية القاعدة حول العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط وأوروبا بشكل خاص. وتحاول كلٌ من الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية التقليل والحد من أهمية العراق في الإستراتيجية التقليدية للقاعدة، إلا أنّ الحقيقة، وقبل كل شيء في خطر امتداد تأثير حركات التمرد الجهادي في العراق وتأثيره على العالم العربي يظهر العكس.
علماء الجهاد، الذين يقدمون ما بين الحين والآخر التحليل للتمرد ، سواء أكان ذلك بقصد الدعاية السياسية أو بهدف التلقين، يقومون بكل ما بوسعهم لإبراز القضية العراقية كجزء أساس من إستراتيجية محكمة التخطيط. وعلاوة على ذلك، فإن هناك محاولات مستمرة لتقديم "أبو مصعب الزرقاوي" باعتباره عبقرية هذه الإستراتيجية كجزء من تمجيده، ولكن مع الحرص دائماً على تقديمه كجزء مكمل لتنظيم "القاعدة". وكان قد نشر تحليل جديد في سلسلة هذا النوع من التحليلات بتاريخ 29/8/2005 على أحد المنتديات الجهادية ‘فرع تلقيني‘ (قسم الإعلام والتوعية) وهو جزء من الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية (GIMF)، والذي يعتبر مختلفاً نوعاً ما عن التحليلات السابقة من هذا النوع. التحليل الجديد، جاء تحت عنوان "السياسة العسكرية لقاعدة الجهاد في العراق" وهو مكتوب من قبل كاتب غير معروف، واسمه أبو عبد الله أحمد العمران من نجد (1). ولعله من المثير هنا هذا التركيز بالإشارة على نجد معقل الوهابية في المملكة العربية السعودية بمراحلها، في القرن الثامن عشر والقرن العشرين وليس على المملكة العربية السعودية. هذا التركيز على نجد بالإضافة إلى الحجاز كمنطقة منفصلة يظهر في جزء آخر من الوثيقة. وتهدف هذه المحاولة، وبضربة واحدة، إلى إبراز وإظهار المملكة العربية السعودية وتقديمها ككيان غير شرعي، محكومة بسلالة غير شرعية، وكذلك التأكيد على الدور النجدي الهام في التمرد العراقي.
الزرقاوي ـ تمجيد العبقرية الإستراتيجية
ترك أبو مصعب الزرقاوي أفغانستان مباشرة بعد سقوط نظام طالبان مغادراً إلى كردستان بهدف التخطيط والتهيئة للتمرد القادم، حيث أنه، طبقاً للمؤلف، كان يتوقع ما سيجري. من كردستان أسس معسكرات تدريبية وترسانات أسلحة جرى توزيعها في أنحاء العراق خلال حكم صدام حسين، إلا انه امتنع عن القتال حتى بعد سقوط صدام حسين وبداية الاحتلال الأمريكي. وقد أراد الزرقاوي بذلك أن يتفادى أي ربط مع النظام البعثي ودحضً أية اتهامات مستقبلية تندرج تحت هذا القبيل. وقد أراد الزرقاوي بدأ تمرده على ما يعرف "بصفحة جديدة". وفيما بعد، أقسم الولاء والمبايعة لأسامة بن لادن، وأصبح أميراً للقاعدة في العراق، ولكن ليس العراق وحده بل كامل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعلى أقل تقدير، فإن الزرقاوي بالنسبة لأتباعه هو زعيم القاعدة في العالم العربي، أو ما يسميه المؤلف في موضع آخر بـ "منطقة سايكس بيكو" (2).
وطبقاً للوثيقة المشار إليها، قام الزرقاوي بوضع خطة إستراتيجية محكمة متماشية مع أحكام الشريعة الإسلامية. وأركان الخطة تأتي على النحو الآتي:ـ
1. عزل القوات الأمريكية في العراق، من خلال أنشطة تسير في خطين رئيسيين:
· مهاجمة المترجمين العرب الذين يعملون مع القوات الأمريكية والإدارة الجديدة في العراق، وذلك بهدف منع أي تفاهم ما بين الجمهور العراقي والأمريكيين؛ ولمنع وصول المعلومات الإستخباراتية المتوفرة من قبل العناصر العراقية. بكلمات أخرى - ترك الجيش الأمريكي في العراق أصماً.
· استهداف رجال الشرطة الجدد العراقيين وأعضاء الحرس الوطني لأنهم باتوا "درعاً" للأمريكيين. وبهذه الطريقة فإنهم يتركون القوات الأمريكية أكثر عرضة لعمليات الهجوم الجهادية. هذه هي الإستراتيجية الرئيسية الحالية، بالإضافة إلى الهجمات على معسكرات الجيش العراقي، وذلك بهدف قتل "أولئك الذين يبتغون الحياة الدنيا بدلا من الآخرة".
2. استهداف الدبلوماسيين العرب والأجانب والذين لا يتمتعون بالأمان طبقاً لقواعد الشريعة الإسلامية. إذ أن أولئك الدبلوماسيين ليسوا ممثلي بلادهم بالنسبة للقاعدة، بل إلى نظام كافر، لذا وجب قتلهم. وتأتي هذه الإشارة في سياق تبرير قتل الدبلوماسيين المصريين والجزائريين في الشهور الأخيرة المنصرمة، بالإضافة إلى اعتبار هذه الإستراتيجية تحذيراً للدول العربية الأخرى. "إذ أن كل الدول العربية والأجنبية يجب أن تعرف بأن دبلوماسييها أهداف مشروعة وأنها ستهاجم من قبل مجاهدي القاعدة في العراق، إذ أنّ هذا القتال يأتي في سياق القتال في المعركة المقدسة ضد "التحالف الصليبي" ".
3. مهاجمة التجمعات الشيعية، أبناء "العلقمي" (3) رمز البدعة. ويركز المؤلف على القوة العراقية الجديدة المعروفة بقوات (فيلق بدر) ـ "المدعومة من قبل إيران وسوريا، وعناصر أجنبية أخرى". ويشير إلى الدور الخطر الذي يلعبه هؤلاء ضد المجاهدين، ويدعو إلى "القضاء على هذه المنظمات، قادة وأعضاءً ورجال دين، بما في ذلك الحكيم والسيستاني. وبغير ذلك، فإن هذه المنظمة [أي فيلق بدر] قد تكون كارثية للمسلمين السنة وللإسلام بشكل عام". وإزالة هذه العناصر يجب أن يتم قبل الانسحاب الأمريكي من العراق، وذلك بهدف منع حرب طائفية مع الشيعة في المستقبل. الهدف من قتال العلقميين عنده له هدفان، أولاهما الانتقام من الشيعة على أعمالهم الوحشية ضد السنة؛ وتمهيد الطريق أمام المجاهدين بعد الانسحاب الأمريكي، لتأسيس حكومة إسلامية سنية حقيقية في العراق".
العراق ـ النموذج العالمي للجهاد
طبقاً للمؤلف، فإن الغرب يدرك ويعي جيداً إن انتصار التمرد الجهادي في العراق يعني بان "الجهاد سينتقل إلى بقية أرجاء الشرق الأوسط والبلدان العربية الأخرى، ومن هناك سيغدو عالمياً على شكل حركة عالمية للجهاد". لذا، فإن الحكومة السعودية تهيئ نفسها للتعامل بقسوة مع "المجاهدين في العراق"، أو ما بات يعرف بإسم "الجيل الجديد"، أي أعضاء القاعدة العائدين من العراق الذين "جرى تدريب بعضهم على إعداد المتفجرات والسيارات المفخخة".
وتنتهي الوثيقة ببيان جديد مثير:
إن قاعدة الجهاد في العراق ما هي إلا إعادة تأسيس لتنظيم القاعدة الجديد، والذي سيصدر الجهاد إلى بقية العالم كما فعلت القاعدة الأم في أفغانستان. ولأبي مصعب الزرقاوي إمكانيات وقابلية لا يستطيع أن يتخيلها عقل. استعد لقتال الأمريكيين قبل سنة من احتلال العراق. وقد بنى المعسكرات وجهز الترسانات، وجند المؤيدين من نجد والحجاز واليمن ليكونوا وكلاء له في كل مدينة في هذه المناطق. بالإضافة إلى ذلك، فقد بنى معسكراته في القلب وجند أناساً من بلاد الشام (سوريا، لبنان، والأردن)، الذين أصبحوا مستشاريه الرسميين".
الخاتمة والاستنتاجات
إن الوثيقة تثير الاهتمام من عدة نواح وعناصر جديدة. غير أنه لا بد من الإستهلال بملاحظة مفادها أن الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية تعطي الوثيقة صفة البيان الصادر عن القاعدة، الأمر الذي يزيد في أهميتها. الكاتب غير معروف، إلا أنه سعودي من نجد، والتركيز على "استقلال نجد والحجاز" بالإضافة إلى انتماء نجد وارتباطها بالمجاهدين يزيد من أهمية هذه الوثيقة. في افتتاحية الوثيقة يؤكد الكاتب أن الزرقاوي انتقل إلى كردستان " فإن العديد من "الأخوة من أرض الحرمين" انضموا إليه في العراق، وأنه كان مشهوراً جدا في أفغانستان. ويسبغ هنا على الزرقاوي الأردني صفة البطل، والقائد الذي يتمتع بكثير من المؤيدين السعوديين للقاعدة.
علاوة على ذلك، فقد أعطيت الصفة الرسمية للوثيقة من الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية ما يعد ظاهرة أخرى تطورت خلال العام المنصرم بغرض تمجيد مكانة الزرقاوي، أحياناً لدرجة أكبر من بن لادن. إذ أنّ الأخير يذكر هنا مرة واحدة، بالرغم من إعطائه صفة جديدة من المجاهدين والتي بدأ استعمالها مؤخراً وهي ـ شيخ الإسلام ـ لقب جرى حصره لمدة طويلة بالأب الروحي للجهاد المسلح، ابن تيمية من القرن الرابع عشر. الزرقاوي، "أمير القاعدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، كما يبرز هنا ظهور مرحلة قيادية جديدة تحت اسم "القاعدة الجديدة" مسبغة على الأخرى اسم "الحركة الأم في أفغانستان". فهل نشهد هنا تغيراً في الأدوار فيما يتعلق بقيادة الجهاد العالمي؟ وهل جرى استبعاد بن لادن من قبل الجيل الجديد، كما يسميه السعوديون، بل ويدعون كل من تربى على القصص من أفغانستان إلى الانضمام إليه ودعم الجهاد في العراق؟
إن الحماس المنبعث من العراق يؤثر أيضاً على حقل آخر، ويتمثل ذلك في ازدياد جماعات التكفير، العمليات الإنتحارية وقتل هائل بين المسلمين. الزرقاوي و "إستراتيجيته العسكرية" تستجلب نقداً قاسيا من رجال الدين الذين اعتبروا من الرعيل الأول للقاعدة، بما في ذلك الإنتقاد الموجه للزرقاوي بنفسه، إذ يظهرون بها كناصحين بارزين مثل أبو بشير الطرطوسي، الذي نشر مؤخراً فتوى بتحريم العمليات التفجيرية الانتحارية؛ وأبو محمد المقدسي الذي انتقد الزرقاوي علناً؛ ومحمد المسعري، والذي يعتبر أحد الآباء المؤسسين لحركة الإصلاح السعودية في لندن؛ وغيرهم كثر ممن نصحوا الزرقاوي ومؤيديه السنة في العراق لإعادة النظر في معارضتهم الصارمة للدستور العراقي الجديد والانتخابات المزمع إجراؤها.
ويبدو إن هناك أزمة متنامية في العلاقات ما بين الرعيل الأول للمجاهدين السلفيين من رجال دين وعلماء وأتباع فاعلين، وبين الزرقاوي وزملائه في الشيشان وأفغانستان، والمملكة العربية السعودية، أو كشمير، وسيجد لنفسه دائماً رجال دين جدد وأصغر سناًً لدعم إستراتيجيتهم من وجهة النظر الإسلامية. وإيجاد السلطة الصحيحة من بين المئات من خريجي الجامعات الإسلامية الوهابية ليس بالأمر العسير. مثل هذا الانشقاق حدث مثلا بين العالمين سفر الحوالي وسلمان العوده، وأتباعهم في السعودية خلال السنوات الثلاث الماضية. في حالة العوده والحوالي، فقد فقدت نداءاتهم بريقها وتأثيرها على المؤيدين السعوديين للقاعدة، حتى أنه بدأ يطلق عليهم علماء السلاطين، أي رجال دين الحكومة. وهم لا يستطيعون الانفكاك والخلاص من الصورة السيئة للحكومة العربية في عيون المجاهدين.
إن ردود الفعل في منتديات المجاهدين من مؤيدي الزرقاوي وإستراتيجيته قبالة أي نوع من النقاش أو النقد الموجه للزرقاوي وإستراتيجيته عادة ما يتصف بالحدة والإهانة وقلة الاحترام. ودافعهم الرئيسي إلى ذلك: "وجوب ترك الأمر للمجاهدين لتقرير سياساتهم، إذ أنهم هم من على جبهة الجهاد لا رجال الدين". إذ نحن أمام شكل حديث من الخطاب، وإذا أعدنا النظر إلى الوراء باتجاه الانتقادات فإننا نجد أن أكثر الرسائل احتراما تلك الموجهة من بن لادن إلى الشيخ عبد العزيز بن باز، أو الشيخ يوسف العويري إلى الدكتور سفر الحوالي. الجيل الجديد من العراقيين العرب وقح ولكنه معتد بنفسه أكثر بكثير من آبائه "الأفغان العرب" خاصة أن لهم بطريقة ما ملكاً يدعى ـ أبو مصعب الزرقاوي.
ولكن وقبل كل شيء فإن إستراتيجية الزرقاوي، جرى اشتقاقها من إستراتيجية بن لادن، والقاضية بتغيير وجه "الشرق الأوسط القديم" المستند الى اتفاقية سايكس بيكو من العام 1916م. ومركز التغيير هو العراق. وما أخفق بن لادن في تحقيقه في المملكة العربية السعودية ضد الوجود الأمريكي هناك في التسعينيات، فإن الزرقاوي يطبقه في العراق في القرن الحادي والعشرين. وشظايا تمرده في العراق تتساقط على البلدان العربية والأوروبية الأخرى. إلا أنّ نجاحه الأكبر فيما يبدو يكمن في تزايد مؤيديه وأنصاره بين صفوف "الجيل الجديد" على الرغم من أي نقد.
روﭙن ﭙـاَزْ
_____________________
* مدير ومحرر المشروع الخاص ببحث الحركات الإسلامية (PPISM)
1. أبو عبد الله أحمد العمران، السياسة القتالية لقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، 29 آب 2005. راجع الموقع الإلكتروني: منتدى الصافنات http://www.al-saf.net/vb/showthread.php?t=14567
2. اتفاقية سايكس بيكو الموقعة في أيار من العام 1916، والتي قُسم الشرق الأوسط بموجبها إلى مناطق خاصة بالنفوذ البريطاني وأخرى بالنفوذ الفرنسي، وهي أسس قواعد الحدود الجغرافية والسياسية للشرق الأوسط الحديث. في العالم العربي تعتبر هذه الاتفاقية أحد أعظم رموز الإمبريالية الغربية في المنطقة. وفي عيون الإسلاميين فهي أحد أسوأ أفعال المؤامرة الإمبريالية العالمية ضد المسلمين.
3. مؤيد الدين ابن العلقمي كان وزيراً شيعياً في بلاط آخر الخلفاء السنيين للإمبراطورية العباسية إبان الاحتلال المغولي لبغداد في القرن الثالث عشر. وقد اتهم بالخيانة العظمى وتقديم المساعدة لجيش هولاكو المغولي. وقد غدا في التاريخ الإسلامي السني رمزاً للخيانة الشيعية ضد السنة. وقد جرى تداوله في السنوات الأخيرة كثيراً في أحاديث الجهاديين السلفيين ضد الشيعة في العراق. علقم أيضاً في اللغة العربية تعني أحد أكثر النباتات مرارة ـ العلقم.
2005-09-01
مركز المعلومات حول الإستخبارات والإرهاب
في مركز تراث الإستخبارات (م. ت. س)
http://www.terrorism-information.com/?act=articles&id=77&sid=22&ssid=0
إن قاعدة الجهاد في العراق ما هي إلا إعادة تأسيس لتنظيم القاعدة الجديد، والذي سيصدر الجهاد إلى بقية العالم كما فعلت القاعدة الأم في أفغانستان. ولأبي مصعب الزرقاوي إمكانيات وقابلية لا يستطيع أن يتخيلها عقل. استعد لقتال الأمريكيين قبل سنة من احتلال العراق. وقد بنى المعسكرات وجهز الترسانات، وجند المؤيدين من نجد والحجاز واليمن ليكونوا وكلاء له في كل مدينة في هذه المناطق. بالإضافة إلى ذلك، فقد بنى معسكراته في القلب وجند أناساً من بلاد الشام (سوريا، لبنان، والأردن)، الذين أصبحوا مستشاريه الرسميين".
تأليف روين بـاَزْ *
المقدمة
في العامين الماضيين، بات التمرد الجهادي في العراق العنصر الرئيسي في إستراتيجية القاعدة حول العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط وأوروبا بشكل خاص. وتحاول كلٌ من الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية التقليل والحد من أهمية العراق في الإستراتيجية التقليدية للقاعدة، إلا أنّ الحقيقة، وقبل كل شيء في خطر امتداد تأثير حركات التمرد الجهادي في العراق وتأثيره على العالم العربي يظهر العكس.
علماء الجهاد، الذين يقدمون ما بين الحين والآخر التحليل للتمرد ، سواء أكان ذلك بقصد الدعاية السياسية أو بهدف التلقين، يقومون بكل ما بوسعهم لإبراز القضية العراقية كجزء أساس من إستراتيجية محكمة التخطيط. وعلاوة على ذلك، فإن هناك محاولات مستمرة لتقديم "أبو مصعب الزرقاوي" باعتباره عبقرية هذه الإستراتيجية كجزء من تمجيده، ولكن مع الحرص دائماً على تقديمه كجزء مكمل لتنظيم "القاعدة". وكان قد نشر تحليل جديد في سلسلة هذا النوع من التحليلات بتاريخ 29/8/2005 على أحد المنتديات الجهادية ‘فرع تلقيني‘ (قسم الإعلام والتوعية) وهو جزء من الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية (GIMF)، والذي يعتبر مختلفاً نوعاً ما عن التحليلات السابقة من هذا النوع. التحليل الجديد، جاء تحت عنوان "السياسة العسكرية لقاعدة الجهاد في العراق" وهو مكتوب من قبل كاتب غير معروف، واسمه أبو عبد الله أحمد العمران من نجد (1). ولعله من المثير هنا هذا التركيز بالإشارة على نجد معقل الوهابية في المملكة العربية السعودية بمراحلها، في القرن الثامن عشر والقرن العشرين وليس على المملكة العربية السعودية. هذا التركيز على نجد بالإضافة إلى الحجاز كمنطقة منفصلة يظهر في جزء آخر من الوثيقة. وتهدف هذه المحاولة، وبضربة واحدة، إلى إبراز وإظهار المملكة العربية السعودية وتقديمها ككيان غير شرعي، محكومة بسلالة غير شرعية، وكذلك التأكيد على الدور النجدي الهام في التمرد العراقي.
الزرقاوي ـ تمجيد العبقرية الإستراتيجية
ترك أبو مصعب الزرقاوي أفغانستان مباشرة بعد سقوط نظام طالبان مغادراً إلى كردستان بهدف التخطيط والتهيئة للتمرد القادم، حيث أنه، طبقاً للمؤلف، كان يتوقع ما سيجري. من كردستان أسس معسكرات تدريبية وترسانات أسلحة جرى توزيعها في أنحاء العراق خلال حكم صدام حسين، إلا انه امتنع عن القتال حتى بعد سقوط صدام حسين وبداية الاحتلال الأمريكي. وقد أراد الزرقاوي بذلك أن يتفادى أي ربط مع النظام البعثي ودحضً أية اتهامات مستقبلية تندرج تحت هذا القبيل. وقد أراد الزرقاوي بدأ تمرده على ما يعرف "بصفحة جديدة". وفيما بعد، أقسم الولاء والمبايعة لأسامة بن لادن، وأصبح أميراً للقاعدة في العراق، ولكن ليس العراق وحده بل كامل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعلى أقل تقدير، فإن الزرقاوي بالنسبة لأتباعه هو زعيم القاعدة في العالم العربي، أو ما يسميه المؤلف في موضع آخر بـ "منطقة سايكس بيكو" (2).
وطبقاً للوثيقة المشار إليها، قام الزرقاوي بوضع خطة إستراتيجية محكمة متماشية مع أحكام الشريعة الإسلامية. وأركان الخطة تأتي على النحو الآتي:ـ
1. عزل القوات الأمريكية في العراق، من خلال أنشطة تسير في خطين رئيسيين:
· مهاجمة المترجمين العرب الذين يعملون مع القوات الأمريكية والإدارة الجديدة في العراق، وذلك بهدف منع أي تفاهم ما بين الجمهور العراقي والأمريكيين؛ ولمنع وصول المعلومات الإستخباراتية المتوفرة من قبل العناصر العراقية. بكلمات أخرى - ترك الجيش الأمريكي في العراق أصماً.
· استهداف رجال الشرطة الجدد العراقيين وأعضاء الحرس الوطني لأنهم باتوا "درعاً" للأمريكيين. وبهذه الطريقة فإنهم يتركون القوات الأمريكية أكثر عرضة لعمليات الهجوم الجهادية. هذه هي الإستراتيجية الرئيسية الحالية، بالإضافة إلى الهجمات على معسكرات الجيش العراقي، وذلك بهدف قتل "أولئك الذين يبتغون الحياة الدنيا بدلا من الآخرة".
2. استهداف الدبلوماسيين العرب والأجانب والذين لا يتمتعون بالأمان طبقاً لقواعد الشريعة الإسلامية. إذ أن أولئك الدبلوماسيين ليسوا ممثلي بلادهم بالنسبة للقاعدة، بل إلى نظام كافر، لذا وجب قتلهم. وتأتي هذه الإشارة في سياق تبرير قتل الدبلوماسيين المصريين والجزائريين في الشهور الأخيرة المنصرمة، بالإضافة إلى اعتبار هذه الإستراتيجية تحذيراً للدول العربية الأخرى. "إذ أن كل الدول العربية والأجنبية يجب أن تعرف بأن دبلوماسييها أهداف مشروعة وأنها ستهاجم من قبل مجاهدي القاعدة في العراق، إذ أنّ هذا القتال يأتي في سياق القتال في المعركة المقدسة ضد "التحالف الصليبي" ".
3. مهاجمة التجمعات الشيعية، أبناء "العلقمي" (3) رمز البدعة. ويركز المؤلف على القوة العراقية الجديدة المعروفة بقوات (فيلق بدر) ـ "المدعومة من قبل إيران وسوريا، وعناصر أجنبية أخرى". ويشير إلى الدور الخطر الذي يلعبه هؤلاء ضد المجاهدين، ويدعو إلى "القضاء على هذه المنظمات، قادة وأعضاءً ورجال دين، بما في ذلك الحكيم والسيستاني. وبغير ذلك، فإن هذه المنظمة [أي فيلق بدر] قد تكون كارثية للمسلمين السنة وللإسلام بشكل عام". وإزالة هذه العناصر يجب أن يتم قبل الانسحاب الأمريكي من العراق، وذلك بهدف منع حرب طائفية مع الشيعة في المستقبل. الهدف من قتال العلقميين عنده له هدفان، أولاهما الانتقام من الشيعة على أعمالهم الوحشية ضد السنة؛ وتمهيد الطريق أمام المجاهدين بعد الانسحاب الأمريكي، لتأسيس حكومة إسلامية سنية حقيقية في العراق".
العراق ـ النموذج العالمي للجهاد
طبقاً للمؤلف، فإن الغرب يدرك ويعي جيداً إن انتصار التمرد الجهادي في العراق يعني بان "الجهاد سينتقل إلى بقية أرجاء الشرق الأوسط والبلدان العربية الأخرى، ومن هناك سيغدو عالمياً على شكل حركة عالمية للجهاد". لذا، فإن الحكومة السعودية تهيئ نفسها للتعامل بقسوة مع "المجاهدين في العراق"، أو ما بات يعرف بإسم "الجيل الجديد"، أي أعضاء القاعدة العائدين من العراق الذين "جرى تدريب بعضهم على إعداد المتفجرات والسيارات المفخخة".
وتنتهي الوثيقة ببيان جديد مثير:
إن قاعدة الجهاد في العراق ما هي إلا إعادة تأسيس لتنظيم القاعدة الجديد، والذي سيصدر الجهاد إلى بقية العالم كما فعلت القاعدة الأم في أفغانستان. ولأبي مصعب الزرقاوي إمكانيات وقابلية لا يستطيع أن يتخيلها عقل. استعد لقتال الأمريكيين قبل سنة من احتلال العراق. وقد بنى المعسكرات وجهز الترسانات، وجند المؤيدين من نجد والحجاز واليمن ليكونوا وكلاء له في كل مدينة في هذه المناطق. بالإضافة إلى ذلك، فقد بنى معسكراته في القلب وجند أناساً من بلاد الشام (سوريا، لبنان، والأردن)، الذين أصبحوا مستشاريه الرسميين".
الخاتمة والاستنتاجات
إن الوثيقة تثير الاهتمام من عدة نواح وعناصر جديدة. غير أنه لا بد من الإستهلال بملاحظة مفادها أن الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية تعطي الوثيقة صفة البيان الصادر عن القاعدة، الأمر الذي يزيد في أهميتها. الكاتب غير معروف، إلا أنه سعودي من نجد، والتركيز على "استقلال نجد والحجاز" بالإضافة إلى انتماء نجد وارتباطها بالمجاهدين يزيد من أهمية هذه الوثيقة. في افتتاحية الوثيقة يؤكد الكاتب أن الزرقاوي انتقل إلى كردستان " فإن العديد من "الأخوة من أرض الحرمين" انضموا إليه في العراق، وأنه كان مشهوراً جدا في أفغانستان. ويسبغ هنا على الزرقاوي الأردني صفة البطل، والقائد الذي يتمتع بكثير من المؤيدين السعوديين للقاعدة.
علاوة على ذلك، فقد أعطيت الصفة الرسمية للوثيقة من الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية ما يعد ظاهرة أخرى تطورت خلال العام المنصرم بغرض تمجيد مكانة الزرقاوي، أحياناً لدرجة أكبر من بن لادن. إذ أنّ الأخير يذكر هنا مرة واحدة، بالرغم من إعطائه صفة جديدة من المجاهدين والتي بدأ استعمالها مؤخراً وهي ـ شيخ الإسلام ـ لقب جرى حصره لمدة طويلة بالأب الروحي للجهاد المسلح، ابن تيمية من القرن الرابع عشر. الزرقاوي، "أمير القاعدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، كما يبرز هنا ظهور مرحلة قيادية جديدة تحت اسم "القاعدة الجديدة" مسبغة على الأخرى اسم "الحركة الأم في أفغانستان". فهل نشهد هنا تغيراً في الأدوار فيما يتعلق بقيادة الجهاد العالمي؟ وهل جرى استبعاد بن لادن من قبل الجيل الجديد، كما يسميه السعوديون، بل ويدعون كل من تربى على القصص من أفغانستان إلى الانضمام إليه ودعم الجهاد في العراق؟
إن الحماس المنبعث من العراق يؤثر أيضاً على حقل آخر، ويتمثل ذلك في ازدياد جماعات التكفير، العمليات الإنتحارية وقتل هائل بين المسلمين. الزرقاوي و "إستراتيجيته العسكرية" تستجلب نقداً قاسيا من رجال الدين الذين اعتبروا من الرعيل الأول للقاعدة، بما في ذلك الإنتقاد الموجه للزرقاوي بنفسه، إذ يظهرون بها كناصحين بارزين مثل أبو بشير الطرطوسي، الذي نشر مؤخراً فتوى بتحريم العمليات التفجيرية الانتحارية؛ وأبو محمد المقدسي الذي انتقد الزرقاوي علناً؛ ومحمد المسعري، والذي يعتبر أحد الآباء المؤسسين لحركة الإصلاح السعودية في لندن؛ وغيرهم كثر ممن نصحوا الزرقاوي ومؤيديه السنة في العراق لإعادة النظر في معارضتهم الصارمة للدستور العراقي الجديد والانتخابات المزمع إجراؤها.
ويبدو إن هناك أزمة متنامية في العلاقات ما بين الرعيل الأول للمجاهدين السلفيين من رجال دين وعلماء وأتباع فاعلين، وبين الزرقاوي وزملائه في الشيشان وأفغانستان، والمملكة العربية السعودية، أو كشمير، وسيجد لنفسه دائماً رجال دين جدد وأصغر سناًً لدعم إستراتيجيتهم من وجهة النظر الإسلامية. وإيجاد السلطة الصحيحة من بين المئات من خريجي الجامعات الإسلامية الوهابية ليس بالأمر العسير. مثل هذا الانشقاق حدث مثلا بين العالمين سفر الحوالي وسلمان العوده، وأتباعهم في السعودية خلال السنوات الثلاث الماضية. في حالة العوده والحوالي، فقد فقدت نداءاتهم بريقها وتأثيرها على المؤيدين السعوديين للقاعدة، حتى أنه بدأ يطلق عليهم علماء السلاطين، أي رجال دين الحكومة. وهم لا يستطيعون الانفكاك والخلاص من الصورة السيئة للحكومة العربية في عيون المجاهدين.
إن ردود الفعل في منتديات المجاهدين من مؤيدي الزرقاوي وإستراتيجيته قبالة أي نوع من النقاش أو النقد الموجه للزرقاوي وإستراتيجيته عادة ما يتصف بالحدة والإهانة وقلة الاحترام. ودافعهم الرئيسي إلى ذلك: "وجوب ترك الأمر للمجاهدين لتقرير سياساتهم، إذ أنهم هم من على جبهة الجهاد لا رجال الدين". إذ نحن أمام شكل حديث من الخطاب، وإذا أعدنا النظر إلى الوراء باتجاه الانتقادات فإننا نجد أن أكثر الرسائل احتراما تلك الموجهة من بن لادن إلى الشيخ عبد العزيز بن باز، أو الشيخ يوسف العويري إلى الدكتور سفر الحوالي. الجيل الجديد من العراقيين العرب وقح ولكنه معتد بنفسه أكثر بكثير من آبائه "الأفغان العرب" خاصة أن لهم بطريقة ما ملكاً يدعى ـ أبو مصعب الزرقاوي.
ولكن وقبل كل شيء فإن إستراتيجية الزرقاوي، جرى اشتقاقها من إستراتيجية بن لادن، والقاضية بتغيير وجه "الشرق الأوسط القديم" المستند الى اتفاقية سايكس بيكو من العام 1916م. ومركز التغيير هو العراق. وما أخفق بن لادن في تحقيقه في المملكة العربية السعودية ضد الوجود الأمريكي هناك في التسعينيات، فإن الزرقاوي يطبقه في العراق في القرن الحادي والعشرين. وشظايا تمرده في العراق تتساقط على البلدان العربية والأوروبية الأخرى. إلا أنّ نجاحه الأكبر فيما يبدو يكمن في تزايد مؤيديه وأنصاره بين صفوف "الجيل الجديد" على الرغم من أي نقد.
روﭙن ﭙـاَزْ
_____________________
* مدير ومحرر المشروع الخاص ببحث الحركات الإسلامية (PPISM)
1. أبو عبد الله أحمد العمران، السياسة القتالية لقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، 29 آب 2005. راجع الموقع الإلكتروني: منتدى الصافنات http://www.al-saf.net/vb/showthread.php?t=14567
2. اتفاقية سايكس بيكو الموقعة في أيار من العام 1916، والتي قُسم الشرق الأوسط بموجبها إلى مناطق خاصة بالنفوذ البريطاني وأخرى بالنفوذ الفرنسي، وهي أسس قواعد الحدود الجغرافية والسياسية للشرق الأوسط الحديث. في العالم العربي تعتبر هذه الاتفاقية أحد أعظم رموز الإمبريالية الغربية في المنطقة. وفي عيون الإسلاميين فهي أحد أسوأ أفعال المؤامرة الإمبريالية العالمية ضد المسلمين.
3. مؤيد الدين ابن العلقمي كان وزيراً شيعياً في بلاط آخر الخلفاء السنيين للإمبراطورية العباسية إبان الاحتلال المغولي لبغداد في القرن الثالث عشر. وقد اتهم بالخيانة العظمى وتقديم المساعدة لجيش هولاكو المغولي. وقد غدا في التاريخ الإسلامي السني رمزاً للخيانة الشيعية ضد السنة. وقد جرى تداوله في السنوات الأخيرة كثيراً في أحاديث الجهاديين السلفيين ضد الشيعة في العراق. علقم أيضاً في اللغة العربية تعني أحد أكثر النباتات مرارة ـ العلقم.
2005-09-01
مركز المعلومات حول الإستخبارات والإرهاب
في مركز تراث الإستخبارات (م. ت. س)
http://www.terrorism-information.com/?act=articles&id=77&sid=22&ssid=0