المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الانتخابات الأميركية والسياسات الخارجية: مقاربة قيمية


الصاعقة العراقية
07-11-12, 09:06 PM
الانتخابات الأميركية والسياسات الخارجية: مقاربة قيمية

د. محمد عياش الكبيسي

http://www.alqadisiyya3.com/q3/images/1721878132.jpg
الذي يتابع سير الانتخابات الأميركية بكل أبعادها وتفاصيلها لا يشك أنها تنطلق من منظومة قيمية منسجمة مع أرقى ما يمكن أن تتوصل إليه التجربة الإنسانية.
خمسون ولاية بشعوب مختلفة الأعراق والديانات والطباع تلتقي على نظام واحد بمنتهى الثقة والشعور بالمسؤولية والقبول المسبق بنتائجه النهائية، كل هذا يعني أن هؤلاء الناس قد قطعوا أشواطا بعيدة في بناء منظومتهم القيمية الحاكمة ووفق معايير تضمن لهم قدرا كبيرا من الاطمئنان النفسي والمجتمعي، وليس أمامنا كمسلمين إلا أن نقر لهم بهذا السبق والتميز فالقرآن يعلمنا «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ*وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا*اعْدِلُوا هُوَ أقرب لِلتَّقْوَىٰ» (المائدة 8).
لكن هذه التجربة على سبقها وتميزها لم تستطع أن تتحرر من قوانين الصراع التاريخي التي كرستها التجربة البشرية عبر تاريخها الطويل.
إن استئثار القوي بمصادر الثروة وتمدده جغرافيا وسياسيا على حساب الضعيف قد شكل ما يشبه القانون الثابت في العلاقات البشرية، على مستوى الأفراد والقبائل والدول، فالصراعات على موارد الماء والكلأ والتي عرفتها القبائل العربية والإفريقية والآسيوية وكذلك حروب القراصنة في عرض البحار الأوروبية إلى حروب البترول المعاصرة تؤكّد وجود هذا القانون في السلوك الإنساني، وعلى أساس هذا القانون قامت كل الإمبراطوريات الكبيرة على مدار التاريخ.
التجربة الوحيدة التي خرجت عن هذا القانون واستعلت عليه هي التجربة الإسلامية، فقد خرج الصحابة الفاتحون برسالة عالمية لا تفرق بين عربي وأعجمي ولا بين بعيد وقريب، ولم يفرضوا هذه الرسالة على الآخرين «لا إكراه في الدين»، وإنما فسَحُوا المجال أمامهم ليشاركوهم في حملها بل ولينافسوهم في الصدارة والسبق.
لقد فتح المسلمون العراق فأصبح عاصمة لهذه الأمة «الكوفة ثم بغداد»، وفتحوا الشام فكانت عاصمتهم أيام الأمويين، وقد دخل الناس أفواجا في الإسلام فتقدموا على الفاتحين أنفسهم فكانت ريادة الفقه لأبي حنيفة والذي كان مذهبه بمثابة القانون الرسمي للخلافة لما يزيد على ألف سنة «الخلافة العباسية والعثمانية»، وكانت ريادة الحديث للبخاري ومسلم وهما من أواسط آسيا، بل حتى في اللغة العربية وقواعدها حيث كان سيبويه وكتابه الذي يعد المرجع الأول في هذا الفن، وقل مثل هذا في الطب والفلك والرياضيات. وقد ذهب المسلمون الفاتحون بتجربتهم إلى أبعد من هذا فقد قدموا أبناء البلاد المفتوحة على أنفسهم حتى في القيادة السياسية والعسكرية فطارق بن زياد الذي رضيه المسلمون قائدا وفاتحا كان من الأمازيغ، وصلاح الدين الأيوبي الذي فضّله أهل مصر والشام والموصل على الخليفة العباسي نفسه كان كرديا، ثم آلت قيادة الأمة كلها إلى بني عثمان، وما زال العرب قبل غيرهم يتغنون بأيام محمد الفاتح ومواقف السلطان مراد الذي حرر بغداد من القبضة الصفوية والسلطان عبدالحميد الذي ضحى بعرشه في سبيل فلسطين!
اليوم يتقدم الأميركيون ودون منافس ليهيمنوا على موقع الصدارة العالمي ولكن بمنظومة قيمية متناقضة، فهم في داخل أميركا «ملائكة» وفي خارجها «شياطين»، في أميركا قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان وحقوق الحيوان والنبات أيضا، وخارج أميركا تنقلب كل هذه القيم رأسا على عقب. لقد احتلت أميركا أفغانستان والعراق احتلالا عسكريا مباشرا، وأصبحت بحكم القانون الدولي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن أمن هذين البلدين وحقوق شعبيهما الكاملة في الحرية والتعليم والخدمات وكل مستلزمات العيش الكريم، لكن الأميركيين لم يتجاوزوا القانون الدولي واتفاقية جنيف فحسب بل تجاوزوا كل القيم والمبادئ الديمقراطية التي يؤمن بها ويقدسها الأميركيون أنفسهم!
شجّع الأميركيون الطائفية السياسية في العراق وجعلوا من الكهنوت الطائفي مرجعا رئيسا لسياساتهم وأسلوب إدارتهم، وقد تكرر في مذكرات بريمر زياراته المتكررة للسيستاني وقوله للشيعة لا تفوتوا فرصتكم التاريخية في حكم العراق! ثم راح يشجعهم من خلال إقناعهم بأن السنة ليسوا إلا أقلية في العراق لا يتجاوزون العشرين بالمائة، وهذا ما كرره في كتابه كثيرا، وهذا لوحده انتهاك صارخ لمبادئ الديمقراطية فضلا عن انتهاكه للحق والحقيقة.
وقد ترتب على هذا هيمنة الشيعة على مراكز القوى في العراق كالجيش والشرطة مما أخل بالتوازن الأمني والمجتمعي بين المكونات العراقية، ولم يكتف الأميركيون بهذا بل شجعوا حركة المليشيات الشيعية المسلحة على الأرض وبغطاء جوي وقد نتج عن هذا تغيير ديموجرافي خطير خاصة في العاصمة بغداد.
في جانب حقوق الإنسان والمدنيين بشكل خاص كانت الانتهاكات الأميركية أكبر من أن تحصى، من سجن أبي غريب حتى استخدام اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض في أكثر من مواجهة والتي نتج عنها عشرات الآلاف من التشوهات الخلقية وربما تستمر هذه الظاهرة لآلاف السنين كما يؤكد الخبراء. في جانب الخدمات تراجع العراق إلى عصور الظلام حيث تعيش المحافظات العراقية كلها بلا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب ولا شبكات للصرف الصحي مع تهديم شبه كامل لكل البنى التحتية.
على مستوى التعليم فإن الموضوع أكثر مأساوية فالمدارس المبنية من الطين والقصب منتشرة خاصة في الأرياف، والتي تفتقر إلى أبسط متطلبات الحياة الآدمية فضلا عن التربوية والتعليمية، وقد اختفت المعايير العلمية في المناهج وأساليب التقويم لتحل محلها المعايير الطائفية، مع نزيف مستمر للكفاءات سجنا وقتلا وتشريدا.
لقد كنت أرى الجنود الأميركيين يدمرون بعجلاتهم وآلياتهم الثقيلة الحواجز المرورية والعلامات الإرشادية الموجودة على الطرق وأتساءل هل يمكن أن يقوم هذا الجندي بمثل هذا في شوارع واشنطن أو نيويورك؟!
والذي نسمعه ونقرأه عن أفغانستان ربما لا يختلف عن هذا وهو ما يؤكد وجود سياسة مقصودة وليست أخطاء بشرية فردية أو عفوية ناهيك عن الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني الغاصب وحرمان ملايين الفلسطينيين حتى من حق العودة والعيش في مساكنهم.
إن الديمقراطية الأميركية وربما الغربية بشكل عام فقدت مصداقيتها كرسالة إنسانية عالمية، لأنها لم تنطلق أساسا من قيم إنسانية عالمية بل انطلقت من حاجة محلية داخلية، والحاجة هذه لها أكثر من وجه، فالشعوب الأميركية أو الغربية التي أنتجت الديمقراطية لتحل بها مشاكلها وعقدها التاريخية من الاحتراب الطائفي والتمايز العرقي والتسلط الكنسي ومشاكل الإنتاج والتنمية.. إلخ هذه الشعوب نفسها تشعر بالحاجة إلى إضعاف الشعوب الأخرى وإبقائها تحت سقف معين من الاستقرار والتعايش والتعليم والإنتاج.
إن الغرب لا يرضى بنا كشركاء حتى لو آمنا نحن إيمانا كاملا بالديمقراطية، ومقولاتهم في نشر الديمقراطية لا تعدو كونها جسرا يعبرون عليه لتحقيق مصالحهم الممزوجة بقدر كبير من الأنانية والاستئثار.
ربما يعزو بعض المراقبين هذه الأنانية أو العدوانية إلى حالة الرفض التي تعاملنا بها نحن مع الغزاة أو الفاتحين الجدد، كما حصل لطالبان في أفغانستان وللمقاومة السنّية في العراق، وكأنهم يقولون لنا لو لم تقاوموهم لرأيتم منهم سلوكا آخر، وربما ينسى هؤلاء أن القارة الإفريقية التي تخضع للهيمنة الغربية منذ عقود طويلة وليس فيها أي شكل من أشكال الرفض أو المقاومة، فما الذي جعلها تعيش بهذا المستوى الأدنى في العالم؟
إن الإسلام هو الرسالة الوحيدة التي أثبتت أنها الأقدر على صناعة المظلة العالمية التي توفّر العدل والأمن لكل العالمين «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وأن ميدان التنافس مفتوح للجميع «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وإن الإسلام يحترم خصوصيات الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم حتى جعل العرف مصدرا من مصادر التشريع، وإنه لا يمانع من أخذ التجارب الناجحة من أي مكان جاءت فالحكمة ضالة المؤمن أين وجدها فهو أحق بها، وإذا كانت المصلحة هي القيمة المحورية في الغرب فإن الرحمة هي القيمة المحورية لمنظومتنا الإسلامية.
الذي ينقص المسلمين اليوم هو وجود النموذج العصري الناجح، وكلنا أمل أن نجد في الربيع الإسلامي المصري والتونسي إضافة إلى التجربة التركية ما يفتح الباب لصناعة هذا النموذج الذي طال انتظاره.