المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقامـــة - بديع الزمان الهمذاني


الناقد
21-10-05, 08:00 PM
المقامة هي حكاية تقال في مقام معين وتشتمل على الكثير من درر اللغة وفرائد الأدب، والحكم والأمثال والأشعار النادرة التي تدل على سعة إطلاع وعلو مقام على طريقة السجع .
فن المقامة يتلمس علاج المجتمع في حلة من اللفظ، إن المتلقي يعجب بالصياغة، وحسن السبك، وجمال السجع، فينشغل بها ولا يفرغ لما تهدف اليه المقامة في مضمونها إلا بعد اكتمال المقامة وعمق التفكير في المضمون.

وهنا سوف نورد بعض المقامات لبديع الزمان الهمذاني :
وطبعاً نقل هذا من كتابه



الْمَقَامَةُ الْقَرِيضِيّةُ

حَدّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: طَرَحَتْنيِ النّوَى مَطَارِحَهَا حَتّى إذَا وَطِئْتُ جُرْجَان الأَقْصى. فاسْتَظْهَرْتُ عَلَى الأَيامِ

بِضِياعٍ أَجَلْتُ فِيهاَ يَدَ الْعِمَارةِ، وَأَمْوَالٍ وَقَفْتُهَا عَلى التّجَارَةِ، وَحَانُوتٍ جَعَلْتُهُ مَثَابَةٍ، وَرُفْقَةٍ اتّخَذْتُهَا صَحَابَةً، وَجَعَلْتُ لِلْدّارِ،

حَاشِيَتَيِ النّهَار، وللحَانُوتِ بَيْنَهُمَا، فَجَلَسْنَا يَوْماً نَتَذَاكَرُ القرِيضَ وَأَهْلَهُ، وَتِلْقَاءَنا شَابّ قَدْ جَلَسَ غَيْرَ بَعِيدٍ يُنْصِتُ وَكَأَنّهُ

يَفْهَمُ، وَيَسْكتُ وَكَأَنّهُ لاَ يَعْلَمُ حَتّى إِذَا مَالَ الكَلاَمُ بِنَا مَيْلَهُ، وَجَرّ الْجِدَالُ فِينَا ذَيْلَهُ، قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ عُذَيَقَهُ، وَوَافَيتُمْ جُذَيْلَهُ،

وَلَوْ شِئْتُ لَلَفْظْتُ وَأَفَضْتُ، وَلَوْ قُلْتُ لأَصْدَرْتُ وَأَوْرَدْتُ، وَلَجَلَوْتُ الْحقّ في مَعْرَضِ بَيَانٍ يُسْمِعُ الصُّمَّ، وَيُنزلُ الْعُصْمَ،

فَقُلْتُ: يَا فَاضِلُ أدْنُ فَقَدْ مَنَّيْتَ، وَهَاتِ فَقَدْ أَثْنَيتَ، فَدَنَا وَقَالَ: سَلُونِي أُجِبْكُمْ، وَاسْمَعُوا أُعْجِبْكُمْ.

فَقُلْنَا: مَا تَقُولُ فِي امْرِىءِ الْقَيسِ? قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَقَفَ بِالدِّيارِ وَعَرَصَاتِهَا، وَاغْتَدَى وَالطَّيرُ فِي وَكَنَاتِهَا،

وَوَصَفَ الْخيلَ بِصِفَاِتهَا، وَلَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ كَاسِياً. وَلَمْ يُجِدِ القَوْلَ رَاغِباً، فَفَضَلَ مَنْ تَفَتَّقَ للْحِيلةِ لِسَانُهُ، وَاْنتَجَعَ لِلرَّغْبَة بَنَانُهُ،

قُلْنَا: فَما تَقُولُ فِي الْنَّابِغَةِ? قالَ: يَثلِبُ إِذَا حَنِقَ، وَيَمْدَحُ إِذَا رَغِبَ، وَيَعْتَذِرُ إِذَا رَهِبَ، فَلاَ يَرْمي إِلاَّ صَائِباً،

قُلْنَا:فَمَا تَقُولُ فِي زُهَيرٍ? قَالَ يُذِيبُ الشِّعرَ، والشعْرُ يُذيبَهُ، وَيَدعُو القَولَ وَالسِّحْرَ يُجِيبُهُ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي طَرَفَةَ:

قَالَ: هُوَ ماَءُ الأشْعَارِ وَطينَتُها، وَكَنْزُ الْقَوَافِي وَمَديِنَتُهَا، مَاتَ وَلَمْ تَظْهَرْ أَسْرَارُ دَفَائِنِهِ وَلَمْ تُفْتَحْ أَغْلاَقُ خَزَائِنِهِ،

قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي جَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ? أَيُّهُمَا أَسْبَقُ? فَقَالَ: جَرِيرٌ أَرَقُّ شِعْراً، وَأَغْزَرُ غَزْراً وَالْفَرَزْدَقُ أَمْتَنُ صَخْراً،

وَأَكْثَرُ فَخْراً وَجَرِيرٌ أَوْجَعُ هَجْواً، وَأَشْرَفُ يَوْماً وَالْفَرَزْدَقُ أَكَثَرُ رَوْماً، وَأَكْرَمُ قَوْماً، وَجَرِيرٌ إِذَا نَسَبَ أَشْجَى،

وَإِذَا ثَلَبَ أَرْدَى، وَإِذَا مَدَحَ أَسْنَى، وَالْفَرزدقُ إِذَا افْتَخَرَ أَجْزَى، وَإِذَا احْتَقرَ أَزرَى، وَإِذا وصَفَ أَوفَى،

قُلنَا: فَمَا تَقُولُ فِي المُحْدَثِينَ منْ الشُّعَراءِ والمُتَقَدِّمينَ مِنهُمْ? قالَ: المُتَقَدِّمونَ أَشْرفُ لَفْظاً، وَأَكثرُ منْ المَعَاني حَظاً،

وَالمُتَأَخِّرونَ أَلْطَفُ صُنْعاً، وَأَرَقُّ نَسْجاً، قُلْنا: فَلَو أَرَيْتَ مِنْ أَشْعارِكَ، وَرَوَيْتَ لَنا مِنْ أَخْبارِكَ، قالَ: خُذْهَما في مَعْرِضٍ واحِدٍ، وَقالَ:


أَما تَرَوْني أَتَغَشَّـى طِـمْـرَاً=مُمْتَطِياً في الضُّرِّ أَمْراً مُـرَّاً

مُضْطَبناً عَلى اللَّيالي غِـمَـراً=مُلاقِياً مِنْها صُرُوفاً حَـمْـرَا

أَقْصَى أَمانِيَّ طُلُوعُ الشِّعْـرى=فَقَد عُنِينَا بِالأَمَـانـي دَهْـرَاً

وَكانَ هذَا الحُرُّ أَعْلـى قَـدْراً=وَماءُ هذَا الوَجْهِ أَغْلى سِعْـرَا

ضَرَبْتُ لِلسَّرّا قِبَاباً خُـضْـرَا=فِي دَارِ دَارَا وَإِوَانِ كِسْـرى

فَانْقَلَبَ الدَّهْرُ لِبَطْنٍ ظَـهْـرا=وَعَادَ عُرْفُ العَيْشِ عِنْدي نُكْرَا

لَمْ يُبْقِ مِنْ وَفْـرِى إِلاَّ ذِكْـرَا=ثُمَّ إِلى الـيَوْمِ هَـلُـمَّ جَـرَّا

لَوْلا عَجُوزٌ لِي بِسُـرَّ مَـنْ رَاوَأ=َفْرُخٌ دونَ جِبَالِ بُـصْـرَى

قَدْ جَلَبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِـمْ ضُـرَّا=قَتَلْتَ يَا سَادَةُ نَفْسي صَـبْـرَا


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ، فَانَلْتُهُ مَا تَاحَ. وَأَعْرَضَ عَنَّا فَرَاحَ. فَجَعَلْتُ أَنْفيهِ وَأُثْبتُهُ، وَأَنْكِرُهُ وَكَأَنِّي أَعْرِفُهُ،

ثُمَّ دَلَّتْنِي عَلَيهِ ثَنَاياهُ، فَقُلْتُ: الإِسْكَنْدَريُّ وَاللَّهِ، فَقَدْ كَانَ فَارَقَنَا خِشْفاً، وَوَافانا جِلْفاً، وَنَهَضْتُ عَلى إِثرِهِ،

ثَمَّ قَبَضْتُ عَلَى خَصْرِهِ، وَقُلْتُ: أَلَسْتَ أَبَا الفَتْحِ? أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ?

فَأَيُّ عَجُوزِ لَكَ بِسُرَّ مَنْ رَا? فَضَحِكَ إِليَّ وَقَالَ:


وَيْحَكَ هذَا الزَّمَان زُورُ=فَلَا يَغُرَّنَّكَ الـغُـرُورُ

لاَ تَلْتَزِمْ حَالَةً، وَلكِـنْ=دُرْ بِالَّليَالِي كَمَا تَدُورُ.


وإن شاء العلي القدير سوف نورد لكم جميع مقاماته .

نتمنى أن ينال الموضوع إعجابكم .

أخيكم : الناقد


[line]
تم توسيع المسافة بين السطور لكي نستمتع بقرائتها

حسن خليل
21-10-05, 08:13 PM
جميل ما أوردت أخي الناقد

ولكن حبذا لو كانت حجم الخط أكبر في المرات القادمة حتى يتمكن القارئ من القراءة بدون ارهاق لعينيه.

بارك الله بك وجزاك الله خيراً على هذا النقل المميز لمقامات بديع الزمان الهمذاني.

دمت بحفظ الله ورعايته

(طلاع الثنايا) بعزم
22-10-05, 12:52 AM
أخي الناقد أشكرك من الأعماق ..

هل هذه الرائعة ..

قد نحتاج في بعض الأوقات ..

للعودة لمثل هذا الأدب الرفيع ..

لاأخفيك أخي أنا ممن يعشق مثل هذه المقامات وتطربني قراءتها ..

وقد كانت لي محاولات بسيطة في الولوج لمثل هذا الأدب ..

قد أوفق في طرح بعضها

إن أراد الله ذلك



أتمنى أن نستفيد من نقدك لما يطرح هنا إن كنت كما تسميت به أيها الناقد الأديب :)

شيهانة
22-10-05, 02:21 PM
أخي الناقد
موضوع قيم بالفعل ...
نفتح من خلاله ..كنز من كنوز الأدب العربي ..
لنبحر بين سطوره ..
شاكرة لك إهدائك الرائع ..
وكلنا شوق لجديدك..

خالد اليزيد
22-10-05, 03:36 PM
الناقد

طرحك وجبة ثقافية دسمة

تحتاج الى الى وقت يكون مناسب من اجل

السياحة فى تلك الملحمة الثقافية النادرة

نعم طرحك مانحتاجة هنا من غذاء للفكر

دمت بخير

المياسه
23-10-05, 05:12 AM
النااقد ايها السيد الفاضل

رائع ما طرحته هنا لا عدمناك

الناقد
24-10-05, 08:30 PM
جميل ما أوردت أخي الناقد

ولكن حبذا لو كانت حجم الخط أكبر في المرات القادمة حتى يتمكن القارئ من القراءة بدون ارهاق لعينيه.

بارك الله بك وجزاك الله خيراً على هذا النقل المميز لمقامات بديع الزمان الهمذاني.

دمت بحفظ الله ورعايته

أخي الكريم حسن خليل
أشكر لك مرورك العطر

وسوف يتم تكبير الخط في القادم

تقبل خالص الود لشخصكم الكريم

الناقد
24-10-05, 08:33 PM
أخي الناقد أشكرك من الأعماق ..
هل هذه الرائعة ..
قد نحتاج في بعض الأوقات ..
للعودة لمثل هذا الأدب الرفيع ..
لاأخفيك أخي أنا ممن يعشق مثل هذه المقامات وتطربني قراءتها ..
وقد كانت لي محاولات بسيطة في الولوج لمثل هذا الأدب ..
قد أوفق في طرح بعضها
إن أراد الله ذلك
أتمنى أن نستفيد من نقدك لما يطرح هنا إن كنت كما تسميت به أيها الناقد الأديب :)

أخي الكريم طلاع الثنايا

ولك مني كل الشكر والتقدير على ما تقوم به من دعم للأعضاء

وحقيقة أني لست من المبدعين في هذا المجال من هذا الأدب

ولكن من هواة قرائته

وأنا لست بناقد أدبي ولكنه اسم مر على ذاكرتي في وقت تسجيلي

وأتمنى أن أستفيد منكم أخي

تقبل خالص التحية الإحترام

الناقد
24-10-05, 08:35 PM
أخي الناقد
موضوع قيم بالفعل ...
نفتح من خلاله ..كنز من كنوز الأدب العربي ..
لنبحر بين سطوره ..
شاكرة لك إهدائك الرائع ..
وكلنا شوق لجديدك..


شاكر لك أختي الكريمة

وسوف أهتم هنا في إنزال المقامة جميعاً وبدعمكم نواصل

تقبلي خالص والود