المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيت المقدس في العهد العربي الإسلامي/د. أحمد الريماوي


Nabil48
23-03-12, 12:31 PM
بيت المقدس في العهد العربي الإسلامي

الدكتور أحمد الريماوي

سُرّ المسلمون لانتصار هرقل على الفرس عام 627م، باعتبار البيزنطيين أهل كتاب كالمسلمين، أما الفرس فكانوا يدينون بالمجوسية. وقد غاظهم انتصار الفرس أول مرة يوم غزوتهم للقدس عام 614م وقتلوا من المسيحيين أعداداً كبيرةً وهدموا وحرقوا كنائسهم. ورغم هذا الانتصار راى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أن من الحكمة أن يدعو "هرقل" وقومه إلى الدين الإسلامي الحنيف.
ولما لم يستجب هرقل Hercules إلى دعوة الرسول، قرّر فتح بلاد الشام، واتجهت أنظار الرسول الكريم في باديء الأمر إلى فلسطين التي تضم قبر إبراهيم ومولد إسماعيل اللذَين ينتهي إليهما نسبه. وقد أسري به إليها من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حيث عُرج به إلى السماء(30). وقد حث الرسول الكريم المسلمين على فتح بيت المقدس.

ففي عام 629م السنة الثانية للهجرة، جهّز الرسول عليه السلام جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زيد بن حارثة لفتح القدس، ولكن هذا الجيش هُزم في معركة مؤتة، ثم حاول مرّة أخرى فتح بيت المقدس فقاد جيشاً بنفسه وصل به إلى تبوك، وهناك أرسل علقمة المدلجي إلى فلسطين، كما أرسل خالد بن الوليد إلى دومة الجندل، أما هو فقد قفل راجعاً بعد أن صالح أهل (إيلة) العقبة(31). ثم جهّز جيشاً ثالثاً في السنة الحادية عشرة للهجرةبقيادة أسامة بن زيد ولكن المنية فاجأته قبل مغادرة جيش أسامة البلاد. ولما تولى الخلافة أبو بكر (رضي الله عنه) أرسل الحملة المذكورة إلى الشام(32).
استمر أبو بكر الصدِّيق في محاولته لفتح بيت المقدس، وقرّر إرسال جيش لفتح بلاد الشام بما فيها فلسطين وبيت المقدس، وكانت معركة اليرموك الخالدة التي انتصر فيها العرب على الروم بقيادة خالد بن الوليد، هي المعركة الفاصلة في التاريخ العربي التي قررت مصير سوريا وفلسطين، وانهت سيطرة الروم على الشرق كله(33).

وكان الخليفة أبو بكر قد كلف عمرو بن العاص بفتح فلسطين، فانطلق في مهمته، وحارب الروم وانتصر عليهم في عدة معارك ومن أهمها معركة أجنادين، ثم ما لبثت أن سقطت بقية مدن فلسطين بأيدي المسلمين ما عدا بيت المقدس، التي صمدت في وجه عمرو بن العاص، ثم تولى حصارها أبوعبيدة عامر بن الجراح، القائد العام للجيوش العربية في بلاد الشام، أنذر أبو عبيدة أهل "إيلياء" القدس طالباً إليهم الإسلام أو الجزية أو الحرب، فلم يستجيبوا لندائه واختاروا القتال، وبدأ القتال، واشتد الحصار عنفاً وقد استمر زهاء أربعة شهور. يئس أهلها وحلّ فيهم الضنك فرأوا التسليم، وخرج الروم مستسلمين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح بقيادة البطريرك "صفرونيوس" وطلبوا الصلح. ولكنهم اشترطوا أن لا يسلّموا المدينة إلا إلى شخص الخليفة.
وبعد أن استشار الخليفة عمر صحبه قدم إلى المدينة المقدسة، وقابله قادة المسلمين في الجابية، وهي قرية من قرى الجولان شمال حوران، ثم جاء إليهم وفد من الروم من أهالي "إيلياء" يعلنون الاستسلام، وبعد أن استمع إليهم أعطاهم الأمان. وسار إلى بيت المقدس حيث دخلها سنة 15 هـ/636م، وكان في استقباله بطريرك المدينة والأساقفة والقِسّيسون والرهبان، وبعد أن تحدثوا في شروط التسليم كتب لهم وثيقة الأمان التي عُرفت فيما بعد بالعُهدة العُمرية(34). والتي كانت بدايتها:
(بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسْكَن كنائسهم ولا تُهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيِّزِها، ولا من صليبهم ولا من شيءٍ من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحدٌ منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود)(35).

اهتم المسلمون ببيت المقدس . فشيد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الحرم القدسي الشريف عام 66هـ- 685م(36). وأمر ببناء مسجد الصخرة بقبتها الواسعة عام 72هـ/691م. ورُمِّمت القبة أكثر من مرّة فرمّمها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بعد الزلزال الذي أصابها. ورمّمها الخليفة العباسي المأمون بعد حوالي قرن وربع من بنائها.

وقد تضافرت جهود المسلمين الحضارية والإنسانية في مجال العمل والبناء لتعمير المدينة بعدما أصابها من خَرابٍ وتهدّم في العهد الروماني. فأقام الأمويون والعباسيون الكثير من المساجد الإسلامية والقصور الفخمة والأبنية الحكومية، وأعادوا بناء الأسوار المحيطة بالمدينة المقدسة. وعامل المسلمون أبناء الأديان الأخرى في بيت المقدس وغيرها أفضل معاملة عرفها التاريخ، حتى اعتبر المؤرخ الإنجليزي آرنولد توينبي ظاهرة التسامح الديني ظاهرة فريدة في تاريخ الديانات. وقد اعترف السائح برنارد الحكيم الذي زار القدس في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فيقول:"إن المسلمين والمسيحيين في القدس ومصر على تفاهم تام. حتى أنني إذا سافرت ومات في الطريق جملي أو حماري وتركت أمتعتي مكانها وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة عدت فوجدت كل شيء على حاله لم تمسّه يد..."(37).
ولمكانة بيت المقدس الدينية وأهميتها فقد اعتنى بها الخلفاء في العهود الإسلامية المختلفة، وبحثوا في شؤونها و مشروعاتها المختلفة، بخاصة تلك المشروعات الدينية التي تهم الحرم القدسي الشريف. وقد وضع الخليفة أبو جعفر المنصور تقليداً يقضي بموجبه على كل خليفة عباسي أن يزور القدس ولو مرة واحدة في حياته(38).
وبعد أن استرد صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس من الصليبيين عام 1187م، أمر برفع الأعلام الإسلامية على أسوارها، وأعاد إلى المدينة حُرمتها وقُدسيتها
فأعاد بيت المقدس إلى الإسلام، وأمر بإعادة بناء وترميم ما خرب من المدينة، وعامل من كان فيها من الإفرنج معاملة غير معاملتهم لسكانها المسلمين عندما احتلوها. وقد اهتم السلاطين الأيوبين بالعلم والعلماء في بيت المقدس(39).
وقد اهتم المماليك بأحوال بيت المقدس وكان أول سلاطينهم الذين عنوا بالمدينة عناية فائقة هو السلطان الظاهر بيبرس، الذي رمم قُبّة الصخرة واهتم بتحديد قُبّة السلسلة وزخرفها(40). وقد نظّم وقف المدينة واهتم بوقف الكثير على المقدسات الإسلامية في المدينة المقدسة. ولقد لقيت مدينة بيت المقدس الكثير من الاهتمام من قِبل السلاطين المماليك الذين عنوا ببنائها وعمرانها وإصلاحها والاهتمام بترميم أبنيتها الدينية والثقافية والخيرية(41).
كما اهتم العثمانيون في عهد السلطان سليمان القانوني بأمر بيت المقدس، فأقاموا فيها عدة منشآت وجدّدوا عمارة سورها ورمّموا القلعة. وعمروا قُبّة الصخرة وأعادوا تبليطها وعمروا جدران الحرم القدسي الشريف وأبوابه. وفي عهد السلطان سليمان القانوني صارت مدينة بيت المقدس تشكل لواءً من ألوية إيالة دمشق(42). وقد تابع العثمانيون إهتمامهم بمدينة بيت المقدس، بالرغم مما انتاب المدينة من ويلات على إثر المشاحنات القائمة بين السكان النصارى الأورثوذوكس وبين النصارى الإفرنج في عهد السلطان مصطفى الثالث، وبالرغم من ثورة الإنكشارية وتمردهم في المدينة في عهد السلطان محمود الثاني(43).

ولما سقطت بيت المقدس وفلسطين في عام 1247هـ/1831م بيد إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر آنذاك، ركّز أثناء وجوده في المدينة على الأمن، وهناك أمور مهمة يجب الإشارة إليها هنا وهي: أن محمد علي صادَق على قرار مجلس الشورى في بيت المقدس الذي رفض السماح لليهود بشراء الأملاك والأراضي الزراعية وممارسة الفلاحة والحراثة والزراعة وبيع الأغنام والأبقار في المدينة. وسمح لليهود بممارسة العمل بالتجارة فقط. وقد نص قرار محمد علي على: "لا يسمح ببيع الأراضي في القدس ونواحيها إلى اليهود الأجانب نظراً لعدم وجود مسوِّغ شرعي لهذا العمل"(44).

وبعد أن استعاد العثمانيون سيادتهم على بيت المقدس عام 1256هـ/1840م، قرروا أن يجعلوا من بيت المقدس مدينة مستقلة، فأعلنوا أنها متصرفية مستقلة مرتبطة رأساً بوزارة الداخلية في استانبول عام 1291هـ/1874م(45). وظلت بيد العثمانيين حتى اليوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر عام 1917م. وفي صباح اليوم التالي خرج رئيس بلدية القدس ومفتشا الشرطة عبد القادر العلمي وأحمد شريف وفريق من الشبان وهم يحملون العلم الأبيض إشارة للتسليم. ودخل الجيش البريطاني المدينة المقدسة. وهكذا انتهى الحكم العثماني في بيت المقدس بعد أن دام في حدود أربعمائة سنة امتدت من عام 1517- 1917م. ليحل حكم الانتداب البريطاني فيها محل الحكم العثماني(46).
وظلّت بيت المقدس عربية إسلامية تعاقب عليها الحكام العرب المسلمون من الخلفاء الراشدين إلى الأمويين إلى العباسيين إلى بني طولون إلى الأخشيديين إلى الفاطميين فالسلاجقة، فالمماليك فالأتراك المسلمين. وبقيت فلسطين بما فيها بيت المقدس عربية إسلامية منذ الفتح العُمري سنة 15هـ حتى سنة 1367هـ- 1948م باستثناء فترة الحروب الصليبية (1099- 1187).

ومما يستلفت النظر أن الفتح الإسلامي لبيت المقدس سبقه فتح عربي نحو أربعة وأربعين قرناً، وإن الوجود العربي في فلسطين لم ينقطع أبداً. كما أن الحياة العربية لم تُحتجب إبان غزوات العبرانيين أو الفرس أو الإغريق أو الرومان. فقد استمر الشعب العربي في فلسطين مستوطناً لبلاده. مهما تعاقب عليها الغزاة والفاتحون. ومع أن هذه الغزوات قد أثرت إلى حَدٍّ ما في حياة المجتمع الفلسطيني. وسواء من ناحية تقاليده وحضارته. إلاّ أن حياة الشعب بكل ما لها من خصائص ومقومات لم تصطبغ بصبغة الفاتحين.
الهوامش:
(30) عارف العارف، المفصّل في تاريخ القدس"، القدس، 1961، ص82.
(31) ابن العبري،"تاريخ مختصر الدول"، بيروت، 1958، ص162.
(32) محمد بن جرير الطبري،"تاريخ الرسل والملوك"، ج3، القاهرة، 1961م، ص227.
(33) ابن الأثير،"الكامل في التاريخ"، ج2، بيروت، 1965، ص404- 405.
(34) محمد بن جرير الطبري، المرجعر السابق، ص609.
(35) أنظر نص الوثيقة العمرية.
(36) "القدس: تاريخ وصور"، إعداد حركة التحرير الوطني الفلسطيني "مكتب فتح بالسعودية"، 1978، ص28. ويعتقد أن الصخرة المذكورة هي تلك الصخرة التي عرج منها رسول الله إلى السماء. وقيل أيضاً إنها الصخرة التي كان إبراهيم عليه السلام سيقدم ولده إسماعيل ذبيحاً عليها.
(37) نقولا زيادة،"رواد الشرق العربي في العصور الوسطى"، القاهرة، 1943، ص55.
(38) محمود العابدي، المرجع السابق، ص65.
(39) ،"فلسطين تاريخاً وقضية" إسماعيل أحمد ياغي، ورفيق شاكر النتشة، وعبد الفتاح حسن أبو علية،الرياض، 1988، ط3 ، ص87.
(40) ابن خلكان،"وفيات الأعيان وأحياء أبناء الزمان"، ج1، القاهرة، ص168.
(41) ،"فلسطين تاريخاً وقضية" ، المصدر السابق، ص93.
(42) عارف العارف، المرجع السابق، ص307.
(43) شحادة خوري ونقولا زيادة،"خلاصة تاريخ الكنيسة الأورثوذوكسية"، طبعة القدس، 1925، ص182- 184. وكذلك: إبراهيم العورة،"تاريخ ولاية سليمان باشا العادل"، طبعة صيدا 1965، ص88- 89.
(44) مصطفى مراد الدباغ، ،"بلادنا فلسطين"، ق2:ج9، بيروت دار الطليعة، 1975، ص27، نقلاً عن الوثائق المصرية.
(45) المصدر نفسه، ص42.
(46) ،"فلسطين تاريخاً وقضية" المصدر السابق، ص102.

* مقتطعة من مقالة بعنوان عروبة وإسلامية بيت المقدس

عن مركز الشرق العربي

نور الإيمان 2
20-04-12, 08:23 PM
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع القيم

كتاابي
21-04-12, 08:08 AM
الله يجزاك خيرر