المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحرف العربي في تركيا/د. حسن المعايرجي


Nabil48
22-02-12, 10:50 AM
الحرف العربي في تركيا

الدكتور حسن المعايرجي

إذا كانت اللغة التركية قد تحولت عن الحرف العربي الشريف إلى الحرف اللاتيني في عام 1926م ، فأن عباقرة الخطاطين ظلوا يؤدون رسالتهم المقدسة: ألا وهي رسالة المحافظة على الحرف العربي بجماله وقمة إبداعه.
وإذا تحدثنا عن الحرف العربي الشريف فهو ذلك الحرف الذي كتب به القرآن الكريم من ألف ولام وميم ونون وصاد.. فشرفت العربية بقرآن كريم من لدن عزيز حكيم.
فإذا كان الصوت الحسن مع الخشوع عند ترتيل القرآن مستحباً واجباً، فإن الخط الجميل عند تدوينه وكتابته أوجب للمحب. ولقد شعر المسلمون قبل انتشار حروف الطباعة بأهمية الخط الجميل وطواعية الحرف العربي الشريف لهذا الإبداع، فاهتموا به اهتماماً شديداً وخدموه وطوروه وسنوا له من القواعد والقوانين ما ارتقى به إلى أن أصبح الخط العربي على درجة كبيرة من الجمال والكمال والرقي، واعترف العالم كله بذلك.
وكان نسخ مخطوطات القرآن الكريم من أسباب اهتمام المسلمين بالخط العربي، وأصبح تعلم الخط العربي لا يقل أهمية عن باقي علوم اللغة، وأصبح تعلم الخط يقترن بتحفيظ القرآن الكريم لكتابته كتابة صحيحة جميلة.
ولم يكن هذا الاهتمام محصوراً في عامة الناس فقط، بل وفي خاصتهم أيضاً، فكان الخط مادة أساسية في تعليم أبناء السلاطين والكبراء.
وتسلم الخطاطون المبدعون مناصب رفيعة في الدواوين واشتهر من السلاطين بالخط الجميل السلطان مصطفى الثاني (1664-1704م)، والسلطان محمود الثاني (1785-1839م) والسلطان عبد المجيد الأول (1823-1861م)، والسلطان عبد العزيز خان (1830-1876م)، والسلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918م). وللقارئ أن يتأمل نماذج من خطوطهم التي كانوا يفخرون بها افتخارهم بما يحفظون من كتاب الله.

دعوة التجديد.. خروج عن القواعد
وكان القرن الثالث الهجري هو المنطلف الذي تطور فيه الخط العربي على يد ابن مقلة الذي طور الخط الكوفي ورسم الخط الجديد بنسب ثابتة استمرت في تطورها على يد من جاء بعدَه من شيوخ الخطاطين أمثال: ابن عبد السلام وابن البواب وياقوت الذي بلغ الخط العربي على يديه حداً كبيراً من الروعة والجمال، وتعددت الخطوط ونضجت على مر القرون فكان: الثلث، والنسخ، والرقعة، والديواني، والجلي الديواني، والفارسي تعليق، والجلي تعليق، والجلي ثلث وغيرها.
وازدهر الخط العربي في العصر العباسي ازدهاراً كبيراً، وعند انتقال الخلافة إلى العثمانيين أصبحت استانبول مركزاً هاماً للحضارة الإسلامية، وعنوا بالخط العربي الشريف، وكان للخطاطين الحظوة عند السلاطين وكبار رجال الدولة فزينوا مساجدهم بالآيات القرآنية المذهبة، واستعملوا الألوان، وتقدموا بالخط العربي تقدماً كبيراً. ومن أشهر خطاطيهم: الشيخ حمد الله الأماسي، وجلال الدين، والحافظ عثمان، ومحمد عزت وغيرهم كثيرون.
حتى كانت الكارثة التي عزلت الشعب التركي عن تراثه وفصلته عن جذوره الإسلامية باستعمال الحرف اللاتيني فهاجر من هاجر من الخطاطين الأتراك، وعمل بعضهم بمدرسة تحسين الخطوط المصرية بالقاهرة فأنجبوا جيلاً جديداً من الخطاطين حملوا اللواء من أمثال: عبد الله الزهدي (تركي)،ومحمد مؤنس زاده، والشيخ عبد العزيز الرفاعي، ومحمد جعفر، ومحمد محفوظ، والحريري، وبدوي، وحسني، وغزلان.. وغيرهم. وأدعو الله أن تكون لتركيا عودة إلى الخط العربي، وكذلك غيرها من بلاد المسلمين التي تحولت عن الحرف العربي كالصومال وبنجلادش وماليزيا وأندونيسيا ودول أواسط آسيا ونيجيريا وغيرها.
وكما يرقى الأدب ويضعف برقي الدولة وضعفها، كذلك الخط العربي كان فرعاً من الفنون، يرقى ويضعف برقي الدولة وضعفها، فإذا كنا نمر الآن بفترة ضعف ظهرت آثارها في الأدب من شعر ونثر وخطابة وغيرها من ضروب الأدب فإن الخط العربي يعاني في هذه الأيام من ادعاءات التجديد والتحديث والزخرفة، ويعاني من الخطوط الخارجة على الأصول والقواعد فهبطت به من متاهات لا يعرف مداها، كما حدث في الشعر فأصبح منثوراً خالياً من القواعد والأصول.
واختلطت الخطوط فلا هي نسخ أو ثلث، لا يعرف لها اسم أو قاعدة. وانحدر الحرف العربي من قمته التي سلمَنا إياها شيوخ الخطاطين القدماء لنهبط به على أيدي دعاة التجديد والتحديث.

مقتطعة من مقال بعنوان حامد آيتاش الآمدي
عن موقع الفسطاط