المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوميات ليبرالي ما بين بريدة وكابول وبيروت..__ 1__


أبو زياد الصالح
09-23-2005, 05:39 AM
الزملاء الأفاضل هذا آخر مقال نزلته ....ولمعزة هذا المنتدى وأعضائه على القلب ...أحببت أن أجلب بضاعتي لأهل هجر......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

-1-
حدثتني جدران مدينة الرياض عن ذكرياتي.. عن خمس عشرة سنة مضت عن الطفولة والصبا وأيام كنا لا نخشى على الحب ناهياً.. عن فتى أذكره يقال له "الصيني" ليس نسبة إلى الصين بل إلى ثوبه المتطفح قذارة، والتي ترى خرائط زحل والمريخ مرسومة على ذاك الثوب البالي والعجيب في هذا الثوب أنه لم يلمس يوماً جسد صاحبه! يمتد من اليسار لليمين متراً ومن الأمام للخلف مثله، إذا هبت الريح عليه بدأت تسمع (طقطقة) ثوبه وأجزم أنه لم يخلعه إلا تحت التخدير الكامل لجسده أو بلّه تحت نفود (الحويزة).

البداية كانت عندما كان عمر "مسيطيح" 15 عاماً وكان يجوب أزقة حي (العجيبة) و(الجردة) يدور بعربته ذات الثلاث عجلات، وينادي بأعلى صوته: (التيم يا ولد الْحق على التيم البارد) -والتيم مشروب مثل السفن أب انقطع الآن- سألته يا "مسيطيح" ليش بس تيم؟ قال لأنه يتماشى مع لون بدلتي الخضراء وسروالي الأبيض المخطط بالأخضر!. وبالمناسبة حينما يركع مسيطيح ليأتي بعلبة التيم من حافظته يضحك عليه كل من يقف خلفه ولا تسألوني عن السبب...!

رأيته مرة وعليه (زنوبا) فقلت له: مبروك وعمرة متقبلة غريبة ما قد شفتك إلا حافي؛ فقال: لا يروح بالك بعيد ما كثر الله إلا المساجد!! فقلت له إذا سماك الله سارق فأقل شيء خذ لون واحد مو وحدة خضراء والثانية زرقاء! فقال أهم شيء إنها تروح المتعلقات تحت (رجليني)، فقلت: أي متعلقات؟ قال خبرك الفجر أقوم (أروس) – جملة يعرفها المزارعون-، ثم في الظهر أطلع (أخرف) النخل ثم بعد المغرب أروح (أحلب) البقر لذا دائماً تلقى (رجليني) ناشب فيها كل ما هب ودب، قلت له: طيب يا "مسيطيح" وش تتمنى؟ قال: بصراحة ودي أصير (متمدن). قلت وشلون؟ قال: ودي أعرف أشغل (الراديو) وأكلم بالتلفون وألبس ثوب بكبك واشتري سيكل 24، وأتمشى بشارع الخبيب –هذا الشارع هو القلب النابض لبريدة- قلت له: ليش أنت ما تعرف تكلم ولا تسمع الرادو ولا عندك سيكل؟ قال: لا.. بس بندر ولد خالي دايم يكلمني عنها..

غربت الشمس فافترقنا..



-2-
تفارقنا سنوات بعد ذاك الحديث وتغيرت معالم.. رحل عن تلك المدينة رجال وبقيت فيها بيوت واطئة...

خرجت ذات مساء من الجامع الكبير -كان إمامه الشيخ عبد الله القرعاوي والذي أبعد عنه سنوات ثم عاد له الآن، أعقبه في الإمامة الشيخ الراحل محمد السعوي –رحمه الله-، لم تصدّق عيني ما رأت.. لقد رأت صاحبنا :مسيطيح" لكن بهيئة أخرى فركت عيني أهو هو..؟! نعم إنه هو.. ما شاء الله "مسيطيح" وش جابك الحمد لله على السلامة، لم يبتسم، لم يبادلني الشعور، رد بكلام مقتضب، ثم سمعته يتعوذ! قلت له: ما بك..؟! قال ما تخاف الله تصلون مع إمام يصلي بالمكرفون بعدين أنتم يا عيال المدارس المفترض ما أسلم عليكم تدرسون بمدارس الحكومة ودروسكم كلها صور وبلاوي، وسمعت إن عندكم دروس تلهون فيها (بخصية إبليس) –المقصود حصة الرياضة- وتركبون هالسيارات اللي صنعوها كفرة فجرة، وترى سبب ها الحوادث عقوبة من الله لأنكم ركبتم صناعة الكفار.. وقفت فاغراً فيّ من هول ما سمعت لم أصدق أبداً أن هذا هو "مسيطيح" الأول، تركت هواجس النفس وسألته: طيب أنت وش جابك تصلي مع إمام يصلي بالمكرفون؟ قال أنا جيت أنصحه الله يعافيه ولا يبلانا، قلت: طيب وين رايح الحين؟ قال بروح لسيارتي.. سيارتك غريبة.. ألم تقل: إن السيارات حرام وهي من صنع الكفرة؟ قال: بلى ولكن سيارتي من صنع ربي تعال معي لتراها.. خرجنا من الباب الشمالي ومررنا ما بين محلات (السقوطات) وبين دكاكين الجامع متجهين جهة الغرب متجاوزين شارع الصناعة، كان صاحبي يسبقني وكانت الريح تهب علي ريحاً ممزوجة ما بين دهن العود وسنان حمار فكانت ريحاً نتنة لم أحتملها، لكنها كانت تضيع تحت صفير (زبيريات) صاحبي، فقلت في نفسي أمس (زنوبا) مسروقة واليوم (زبيريات).. يا مغير الأحوال.. تبعت صاحبي حتى وصلنا إلى أزقة حي الخريصي -وهو حي قديم تجدد بعضه ولا يزال البعض شاهداً على تاريخ رجالاته ببيوته الطينية الموحشة- فجأة توقف مسيطيح ثم مال إلى جهة اليسار ليدخل إلى أحد البيوت المتهدمة فتبعته يدفعني حب الاستطلاع ويربكني الخوف، دخلنا إحدى هذه الغرف، فرأيت حماراً أشهب مربوطاً على سارية البيت، ففزعت وسميت وقلت: ما هذا يا مسيطيح؟ فقال: هذه سيارتي نحن لا نركب ما صنعه الكفار!! عندها أدركت سر الريحة الكريهة المنبثقة من صاحبي، سألته: هل تذكر حديث الطفولة؟ أما كنت تحلم بسيكل 24؟ فقال أعوذ بالله أنا أركب حصان إبليس سكت وفي النفس لهفة لمعرفة المزيد...

تركني صاحبي واجماً في مكاني وقال ألقاك غداً هنا.. في نفس الوقت



-3-
أويت إلى فراشي مهموم القلب، موجع الفؤاد أفكر بصاحبي وما حل به.. يا إلهي ما الذي غيره واختار له هذا الطريق! أتعبني التفكير وطار النوم من عيني، لجأت لكتاب كان يجلب لي النوم وهو أخبار الحمقى والمغفلين لكن كيف لي أن أقرأ سطوراً وأنا عشت اليوم مع أحد أبطال هذا الكتاب.. رأتني والدتي وقالت لي: ما بك يا ولدي؟ قلت لا شيء مسحت على جسدي وهي تتمتم بكلمات لم أسمعها...

ذهبتُ إلى ذاك المكان في الوقت المعين لألتقي صاحبي وكلي همّ وأمل أن أعرف المزيد فحديثه ذو شجون.. وقلبي ذو استطلاع..

تأخر "مسيطيح" عن الوقت المحدد حتى هممت بالرجوع، لكن كيف لي أن أذهب وأنا لم أنم تلك الليلة أنتظر هذه اللحظة؟!، قطع حبل أفكاري نهيق حماره الأشهب بين أزقة حي الخريصي خلف جامع الشيخ صالح الخريصي -رحمه الله- سلمت عليه، فردّ علي (السلام على من اتبع الهدى)، فقلت له: هذه تحية لا تقال لمسلم، قال: كيف أثق بك وأجزم وأنت تدرس بهذه المدارس الحكومية؟ تركته يربط حماره (ويعلّفه) نظر إلي وقال: كيف بك إذا لقيت ربك وأنت تركب ما صنعه الكفار؟ بل هل تجزم أن الله سيتقبل صلاتك وأنت تصلي خلف إمام يصلي بمكرفون وهو بدعة لم يفعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما تخاف الله؟ أما...؟

انتهى صاحبي من حديثه وكنت مطأطئ الرأس فرفعت بصري له وبادرته بالسؤال: "مسيطيح" ما الذي غيرك؟ أما كنت تلبس الأخضر والأبيض فإذا سألتك عن سرها قلت لي لأني ريداوي - نسبة لنادي الرائد ذو اللون الأحمر والأبيض والأسود- فأضحك لأني أعلم أنه يسمع به دون أن يراه؟ ألم تقل لي إنك تريد أن تكون (متمدناً) كما حدثك قريبك (بندر) وتريد أن تلبس ثوباً بكبك؟ قال: ذاك زمن الطفولة أما الآن فنحن الغرباء في آخر الزمان!!.. فحدثني حديث القابض على الجمر فقال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القابض على جمرة كالقابض على الدين.." فقلت أستغفر الله لا تفتري على رسول الله وأحسن قراءة الحديث.. (القابض على دينه كالقابض على الجمر..) فقال الحمد لله أنك تعرف إذاً لماذا تعيش عيشة الخنا والفجور؟ فقلت: أي فجور يا أخي؟ قال تلفونات ومسجلات ومدارس ومراكب الشيطان و...؟ قلت هذا حل أحله الله لي..

تركنا حماره ينهق... ومشينا في طريق مقمر.. يثب الخوف فيه قبلنا... حدثني فيه كيف هجر بيتهم وترك والده وأهله وهو الآن قابض على دينه مع أهل الصفة.. قلت له: أين تدرس؟ فقال في الدينية وأنا الآن في الصف الخامس...(والدينية عبارة عن مدرسة غير حكومية لها مناهجها الخاصة تهتم بالتعليم الشرعي انتهى بها المطاف في الجهة الغربية الجنوبية من حي الهلال قرب مقبرة الموطأ والتي تسمى الآن مدرسة الشيخ صالح البليهي لتحفيظ القرآن وهي الآن حكومية.. هذه المدرسة لها نظام يختلف كلياً عن المدارس الحكومية، فمثلاً يبدأ الطالب بأول (ردية) عكس جيدة ثم ينجح لأولى جيدة ثم للثانية ثم الثالثة وهكذا وينتهي بالصف الثامن فإذا تخرج الطالب من الصف الثامن فإنه يلتحق بحلقة الشيخ المحدث الراحل عبد الله الدويش رحمه الله، وهو شيخ الشيخ سليمان العلوان -فك الله أسره- وحلقة الشيخ الدويش في أول غرفة من جهة اليمين أول ما تدخل هذه المدرسة يليها الإدارة والتي تَعاقب عليها في نهاية عمرها كلاً من الشيخ محمد الرشودي إمام جامع الفاخرية وصالح البجادي والذي أيضاً يسكن في نفس الحي.. هذه المدرسة لا يوجد بها طاولات وكراسي فهي عبارة عن فصول مفروشة وهناك رف في آخر الفصل يضع الطلاب عليه حقائبهم يخلعون أحذيتهم قبل دخول الفصل وغالباً ما يجلسون على شكل حلقة دائرية وأحياناً على شكل صفوف، فإذا أراد الطالب الكتابة؛ فإن عليه أن يرفع إحدى رجليه ليتكأ عليها ويكتب أو يكون على هيئة السجود ويكتب على الأرض ولا يخرج الطلاب من الفصول إلا حينما يضرب المراقب _ والمراقب مثل الوكيل_ بعصاه الطويلة ضربات سريعة متتابعة وقوية على إحدى الحيطان أو الأعمدة وتنتهي الدراسة فيها قرابة الساعة 11 صباحاً.. تُدعم هذه المدرسة من أهل الخير مثل التاجر المعروف فهد العشاب –رحمه الله- وهو أحد رجالات هذا التيار الإخواني المعروف في بريدة وهم غير جماعة الإخوان الشهيرة بل تختلف اختلافاً جذرياً عنهم، والحقيقة أن هذه المدرسة يتخرج منها الطالب وقد أتقن كثيراً من العلوم الشرعية فمثلاً الطالب لا ينتقل من الصف الرابع إلا وقد أتقن وحفظ الأصول الثلاثة وكتاب التوحيد والأربعين النووية وغيرها.. لكنها تحفظ الطالب أكثر من أن تربيه..أغلقت هذه المدرسة سنة1408 هـ تقريبا)..

عوداً على صاحبنا قلت له أين تسكن...؟ فقال لا تستعجل سترى.. أخذ بيدي واليد الأخرى على أنفي فقد أزكمتني رائحته العفنة فحاذينا جامع الشيخ الخريصي وذهبنا إلى بيت هناك خربة لا نور فيها موحشة فهز بابها ودخلنا عبر ممر صغير مظلم وفي آخره تريك قديم يضيء هذا الممر بإضاءة باهتة، مررنا على غرفة لا تكاد ترى فيها شيئاً قلت له يا "مسيطيح" ألا تضيء لنا الطريق؟ أين الكهرب؟ فقال: أعوذ بالله منك ..كهرب..!! هذا ترف وهو من صنع الكفار وهذا التريك الذي تراه متدلياً في بعض النواحي هو أنيسنا وهو ما بقي لنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. استدرك كلامه وماذا ستنفعك هذه الأضواء في قبرك..؟! سكتُّ ليس لأنه ليس لدي جواب، لكن عندما يقول لك شخص أحمق يا حمار فإنك لن تستطيع أن ترد عليه وتقول أنا لست حماراً لأن الحمار يمشي على أربع وأنا أمشي على ثنتين وله أذنان طويلتان وأنا أذناي صغيرتان.. بل تلزم الصمت وأنا لزمت الصمت مع "مسيطيح".. استقر بنا المقام داخل غرفة تقع بجانب مربض الحمير والخيول وقعت عيني على كتب متكدسة يعلوها الغبار حاولت أن استبين عناوينها لكن لم يتضح لي إلا اسم ابن تيمية وابن القيم والإمام أحمد واختفت أسماء كثيرة تحت طبقات الغبار، فعرفت أنها لا تُقرأ، وفي الزاوية الأخرى رأيت كتباً نظيفة يبدو للمشاهد أنها تُقرأ بشكل يومي لا أذكر منها الآن إلا ذم الهوى والمستطرف في كل فن مستظرف.. وأدركت سر اهتمام "مسيطيح" بها الآن لأنها مصرف الشبق عنده.. سألته وهل أنت وحدك هنا؟ لم أنتظر الجواب فالجواب كان مشاهداً أمامي إذ سمعت صهيل الخيل ورفسه في الممر المظلم، وما هي إلا لحظات حتى دخل رجل أشعث أغبر كهيأة صاحبنا لم يُسلّم.. بل قال من هذا يا "مسيطيح"؟ وأشار عليّ؛ فأجاب هذا مَن كلمتك عنه وهو ابن أحد العوائل الذين غرتّهم الحياة الدنيا كنت واجماً حينها لا أدري ماذا أقول.. ربط فرسه وقال يا ولد المدارس نحن الغرباء القابضون على الجمر ونريد أن نغيّر حال المجتمع لكن لا نريد أن ننغمس في أسواقهم وبيوتهم ومنكراتهم، وقد كان عندنا واحد مثلك هنا يشتري لنا ما ينقصنا ويتعاهدنا بالصدقة والمعونة، لكن له الآن شهور لم يزرنا.. سألت "مسيطيح" وماذا ينقصكم؟ هل تريدون الطعام؟ قال لا قلت أجل ما المراد قال عاهدني ألاّ تخبر أحداً.. سكت ولم أعاهده فقال أريدك أن تنزل لشارع الخبيب وهذا الشارع تكثر فيه الجاليات يمتد من الشمال للجنوب وهو قلب بريدة النابض كرر صاحبي أريدك أن تنزل للخبيب تجد هناك مكتبة اسمها (النهضة) لديه والعياذ بالله مجلات فاجرة عليها صور البغايا اشتر لنا منها أكبر كمية لأننا نريد أن ننكر عليهم، قلت أما قلت لي الصور حرام والبيت الذي فيه صورة لا تدخله الملائكة؟ قال نحن ننتقيها لأسباب غير أسبابكم، نحن نريد أن نعرف حتى ننكر ضحكت في داخلي وصمت وقلت لا أعرفها ولا أعرف شكلها قاطعني بانصرافه من الغرفة وجلجلة ثوبه الصيني القذر، ثم عاد وفي يده حزمة من المجلات الساقطة، فقال مثل هذه نريد.. تأملتها تحت ضوء التريك فكانت تعلوها الخرائط ولها رائحة كريهة صفحاتها ملتصقة رميتها استقذاراً فنهق الحمار وقطع الحديث..
-4-

بيتنا في حي الفاخرية شرق بريدة وهي ثاني أكبر معقل للإخوان بعد حي الخبيبية الواقع غرب بريدة، يأمّنا في الصلاة الشيخ محمد الفهد الرشودي ومسجدنا جامع طيني له مصابيح ومن دون مكرفون، يصعد المؤذن السويد إلى أعلى المسجد ليؤذن فلا نكاد نسمعه، خطبة الجمعة يلقيها الشيخ من دون مكرفون وعلى الطريقة التقليدية القديمة يلقيها مرتلة، أمّا المصلون في (الخلوة) فقد حُفر حفرة صغيرة تحت المنبر تطل على الخلوة ليسمع المصلون صوت الإمام والشيخ محمد الرشودي يعتبر أباً وشيخاً للإخوان، ويدرّس في هذا المسجد منذ فترة طويلة وعلى الطريقة التقليدية أيضاً، فعندما ننتهي من صلاة الفجر ويقرأ الناس وردهم يقوم ويتكئ على المحراب من الجهة الأخرى ثم يتحلق الطلاب حوله، كل طالب يقرأ بفن معين فهذا يقرأ نونية ابن القيم وذاك في السيرة وهذا في العقيدة وهكذا والشيخ لا يزيد على تعليق بسيط وتصحيح للقراءة وعندما ينتهي الطالب من قراءة ما تيسر له فله حق الانصراف، والشيخ محمد من أعجب من رأيت زهداً وتواضعاً وحلماً، تراه من أول وهلة فتحبه.. حيي عابد ورع، له حلقة بعد الفجر وفي الضحى وبعد العصر وبعد المغرب وقبل العشاء. إذا رأيت هذا المسجد فالذاكرة ترجع بك سنوات كثيرة للخلف خاصة في رمضان ففي هذا المسجد أكثر من 17 غرفة هي للغرباء والمعتكفين كلها تمتلئ في رمضان وفي الليل لهم دوي كدوي النحل، جماعة هذا المسجد يختمون القرآن مرتين في هذا الشهر الكريم.
أذكر الشيخ سليمان العلوان عندما كان يأتي طالباً للعلم في هذا المسجد عند الشيخ الرشودي والشيء بالشيء يذكر رأيت الشيخ الرشودي يحضر حلقة الشيخ سليمان العلوان بعدما عُرف واشتهر في مسجده في (حي الصناعة). هناك مسجد آخر في حي الخبيبية يؤمه الشيخ محمد العمر وبيت الشيخ المحدث عبد الله الدويش يقع في الجهة الشمالية من مسجد العمر يقصده كثير من طلاب العلم، وللأمانة أقول: إن الإخوان ليسوا على درجة واحدة فبعضهم المتشدد الذي يحرّم كل شيء: سيارة وكهرباء ومدارس وغيرها.. والبعض الآخر أقل حدة لا يرى في هذه الأشياء بأس وهم الأغلب لذا يكثرون في ثلاثة أحياء: الخبيبية وهو في الغرب والفاخرية وهو في الشرق وحي الخريصي وهو في الوسط.
صليت المغرب في مسجدنا وكان ذلك في العشرين من رمضان وحينما أردت الانصراف إذا بشخص يناديني ويربت على كتفي التفت فإذا هو "مسيطيح" سلمت عليه.. ما جاء بك إلى هنا تبسّم ثم قال بئس الرجل الذي لا يعرف الله إلا في رمضان.. كررت سؤالي فأشار لي نحو الحجرات التي بالخلف، عندها عرفت أنه جاء ليعتكف وقال حينما تريدني تجدني هناك، تركني ومشى يحفر في الرمل خطوات -والمسجد ذو أرض رملية-، خرجت من المسجد وذهبت للبيت وكلي أمل أن أعرف مصير "مسيطيح" فكل يوم يخرج علي بشكل آخر.. صلينا التراويح وبعد الصلاة أمسكني وتبادلنا أطراف الحديث على ذاك الرمل الخشن الرطب ثم قال لي هل معك (عبس) -وهي نواة التمر- قلت له لماذا؟ قال بس أريدها ضروري تعجبت منه وحيث إنه لا يخرج من المسجد بسبب اعتكافه خرجت أبحث له عن مراده وحب الاستطلاع يغلي في قلبي تُرى ماذا يريد بها؟!! وجدت له مراده فقال لي اجلس..وبدأ يرسم بالأرض انتابني هم.. هل بدأ صاحبنا يقرأ الكف؟. لا مستحيل رسم رسمة على الأرض ثم جمع حصيات وقال أريدك أن تلعب معي (أم تسع) _وهي لعبة قديمة_ شعرت بالغضب والقهر والمرارة رجل معتكف عمره أكثر من 22 عاماً وهذا فكره.. سبحان الله!! دست برجلي على رسمته وخرجت غاضباً..
"مسيطيح" شخصية غريبة جداً متقلب ذو تعصب أعمى إذا اقتنع بفكرة تقول سيموت من أجلها، ولا يمكن أن يتنازل عنها، تلقاه بعد أيام فإذا هو على العكس تماماً..
قربت صلاة القيام تلفتُّ أبحث عن ذاك المعتكف فلم أجده ذهبت لغرفته فوجدته نائماً حاولت أن أوقظه لكنه أبى وقال (ليصلين أحدكم نشاطه) قلت في نفسي مثل هذا لماذا يعتكف؟!! سمعت شاباً يهمس في أذني صاحبه أحذرك أن تصلي بجانب هذا يقصد "مسيطيح" فإن له رائحة تتأذى منها القطط.

بعد حادثة (أم تسع) تذكرت حدثاً حصل لـ"مسيطيح" أيام مراهقته فقد رأيته ذات يوم بهيئة غير هيئته المعتادة القذرة.. رأيته وعليه ثوب جديد وشماغ جديد له مرزام لو ذبح به طير لكان ممن أراح ذبيحته وعليه (طاقية) لونها أصفر لم يغيرها لأن الشماغ يغطيها، علمت أن هناك سراً وراء هذه الهيئة خاصة وأنه يتقلد سبحة نصراوية وكان متجهاً من شارع الصناعة غرب الجامع الكبير إلى (قبة رشيد)، سألته: "مسيطيح" اليوم صاير كشخة وش السالفة؟ قال: زيك عارف غزل ووناسة نطرد وراء هالضباء!! قلت صاير عبد الحليم على غفلة!! لكن الكارثة أن صاحبنا بهذه الكشخة يغازل وهو حافي.. تخيل هالشكل ثوب جديد وشماغ مشخص فيه وسبحة نصر وحافي، لذا هرب منه الرجال قبل النساء ضحكت ومشيت وتذكرت أن من فعل هذا قادر على أن يعتكف ويلعب (أم تسع) و(أم ثلاث) في المسجد ولا يصلي التراويح والقيام مع الجماعة ولو أن صلاة الفجر لا يسبقها سحور لجزمت أن صاحبنا سينام عنها.

حدثَني عن شيخ الإسلام وكيف أنه لم يتزوج وأغلب حديثه عن المرأة والجنس شيء لم يتغير فيه حتى هذا الوقت، قلت له هل تقرأ لابن تيمية؟ قال نعم قلت له ماذا قرأت له فذكر لي المجلد العاشر والحادي عشر من الفتاوى ولا أدري لماذا اختارهما دون غيرهما ..يقرأ لك من الكتاب صفحة عن ظهر غيب ولو سألته أي سؤال فيه تحريك للعقل لما أجاب، وهنا تذكرت حمار الفروع إلا أن صاحبنا يحفظ صفحات معينة ليثبت للمستمع كم هو قارئ وعالم.. لكن هيهات..

-5-

الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. كان هذا صوت المؤذن ينادي لصلاة الجمعة.. توضأت وخرجت للصلاة في الجامع المركزي في حي الصفراء وكان يؤمه الأستاذ محمد المشوح.. والمشوح هذا هو الذي يعمل الآن في المحاماة وله ثلاثية في شمال الرياض.. صليت تحية المسجد وشرعت بقراءة سورة الكهف ثم دخل الخطيب وأذن المؤذن، تأملت في شكل الإمام فلم يكن هو الإمام الرسمي المعروف بدأ الخطبة بصوت أجش ممزوجاً بغضب علا صوته، ثم قال إلى متى وأنتم تعلّمون أولادكم في هذه المدارس؟! إلى متى وأنتم تقودون ما صنعه الكفار؟!! إلى متى وأنتم تحملون هذه الدراهم التي كلها صور، أما آن لكم أن تتوبوا وترجعوا و...؟!! تأملت صاحب هذا الصوت جيداً فعرفت أنه من أهل الصفة كما يسمون أنفسهم وأنه من أصحاب ذاك البيت الطيني ذي التريك المتدلي من ساريته الجنوبية... عرفت بعد الصلاة أن هذا الإمام دخل من دون إذن وقد سبق الإمام الرسمي بدقائق واعتقد المؤذن أن الإمام هو من وكله بهذا.. رجعت للبيت وتبادلنا أطراف الحديث مع أهلي وكالعادة نجتمع بعد صلاة الجمعة في بيت جدي..
قالت لي والدتي ذات يوم يا ولدي: إذا صليت الفجر رح للسوق واشتري لنا تمر قلت سمي وأبشري يمه.. صليت الفجر ثم ذهبت أنا وصاحبٌ لي لسوق التمر وهذا السوق قريب من سوق الخضار شرق مدرسة الأندلس وفيه تتعالى الأصوات.. [الحق على السكري يا ولد... الحق على الزين يا ولد..البرحي البرحي] بين هذه الأصوات الشاردة والتي تهرب منها الطيور في السماء ميزت صوتاً مبحوحاً لم تستنكره أذناي تأملت الصوت بحثت عن مصدره فإذا هو "مسيطيح" معتلياً (تندة) السيارة بثوبه الصيني القذر ورائحته الكريهة يحرّج على بضاعته ويقسم أيماناً على جودتها، ناديته "مسيطيح" وش جابك والله إنك يا "مسيطيح" صاحب مفاجآت.. قال: تبي تشتري وإلا لا؟ قلت نعم لكن قبل كل شيء مبروك السيارة، قال الله يبارك فيك، قلت كل عمرك تقول إنها مركب الشيطان وإنها من صنع الكفار؟!! قال ترى ماني فاضي لك ولنقاشاتك، أنا جاي بترزق الله تبي تشتري حياك وترى لازم أشوفك الليلة عندي لك علوم.. اشتريت حاجتي وغادر الطائر....



--------------------------------------------------------------------------------

وللحديث بقية حيث ينتقل "مسيطيح" لفكر آخر وكيف خطط مع أهل الصفة لحرق محل الفديو.. في حلقة قادمة ألقاكم..
أبو زياد الصالح 18/8/1426هـ
sf_317@hotmail.com

الصواعق
09-23-2005, 01:45 PM
تسجيل حضور........
ولي عودة بإذن الله

قلم بلا قيود
09-23-2005, 04:20 PM
ننتظر البقية بفارغ الصبر قد أندمجت حتى لم أشعر بماحولي


تسطير سلس ورائع وتمكن منفرد

بحفظ الله

أم أديم
09-23-2005, 07:01 PM
هل مسيطيح هو منصور النقيدان؟؟

ننتظر لنعرف نهاية القصة المشوقه

واهنيك على السرد والاسلوب الشيق الممتع

أبو زياد الصالح
09-24-2005, 01:45 PM
الحبيب الغالي الصواعق ...
أنتظر عودتك ...

أبو زياد الصالح
09-25-2005, 03:20 PM
الحبيب الغالي قلم بلا قيود ....
بصراحة الى الان لم أكتب البقية وربي يعنني عليها ....
أشكر لك ثناءك الجميل ....
,,,,,,,,,,,,,,,
وعندي سؤال لما أفتح على منتدى الأدب في هذا الموقع ...يظهر موضوعي هو الوحيد اللي من دون قراء ومن دون تعليقات ومكتوب عليه منقول ...لاأدري هل هي سياسة الموقع ....

شيهانة
09-25-2005, 10:49 PM
وعندي سؤال لما أفتح على منتدى الأدب في هذا الموقع ...يظهر موضوعي هو الوحيد اللي من دون قراء ومن دون تعليقات ومكتوب عليه منقول ...لاأدري هل هي سياسة الموقع ....
الأخ ابو زياد الصالح
يظهر موضوعك في الصالون الأدبي بالشكل الذي ذكرت..
لأني قمت بنقله الى قسم القصص والروايات..وهو المكان الأنسب له..
وتعمدت الإبقاء على عنوان الموضوع هناك..حتى لايفتقده رواد القسم..
لك مني كل التقدير والاحترام..
وكلنا شوق لبقية القصة..
تحياتي..

أبو زياد الصالح
09-26-2005, 02:54 PM
أم أديم .....أسعد الله مساءك
,,,,,,,,
هل هو منصور ....؟!!!
فيه من منصور كثير ولايلزم أن يكون منصور ...
ننتظر البقية التي لم أكتبها إلى الآن ......

وفي النفس حاجات وفيك فطانة ...سكوتي بيان عندها وخطاب

...لك وافر التحايا
..............................
..............................
الأخت شيهانة ......
أشكر لك هذا التوضيح وأعتذر عن الخلل في إنزالي هذا الموضوع في المكان الخطأ
مرة أخرى أعتذر وأشكر لك التوضيح ..
دمت بخير

حسن خليل
10-21-2005, 03:13 PM
الأخ أبو زياد الصالح

قرأت القسم الأول من القصة

يبدو لي أنها قصة جميلة مشوقة

ولكن عندي اقتراح فلو قلنا بدلاً من زنوبا كلمة أخرى لكان أنسب مثل شحاطة أو ما الى ذلك

حيث أن زنوبا هي تصغير لكلمة زينب ولا يخفى عليك من هي زينب فهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بارك الله فيك أخي الكريم وسلمت يداك على هذا القصص.