المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علماء السوء


عبيدالله السالمي
12-01-12, 05:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
علماء السوء
مقدمـة :
تجلى قدرة الله عز وجل في كل شيء من مخلوقاته، من ذلك قدرته سبحانه على خلق المتضادات المتقابلات، فقد خلق الله محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأطهرهم، وخلق إبليسَ أخبث الذوات وشرها، وخلق الليلَ والنهارَ، والداءَ والدواءَ، والموتَ والحياةَ، والشر والخيرَ، والقبيحَ والحسنَ، وخلق علماءَ السوء في مقابل علماء الآخرة.
فلولا وجود أمثال بلعام بن باعوراء، وبشر المريسي، وابن أبي دؤاد، ومن شاكلهم، ما عرفنا فضل الإمام أحمد، وبشر الحافي، وابن أبي العز، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأمثالهم من علماء الآخرة الأطهار الأبرار، فبضدها تتميز الأشياء، فلولا موقف ابن أبي دؤاد الخبيث، وبشر المريسي الخسيس، لما استبان صدق وثبات أحمد بن حنبل ، وأحمد بن نصر، وأبي نعيم من المخلصين الأخيار، فسبحان من لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدى .
من هم علماء السوء؟
علماء السوء ، هم الذين يفقهون معاني كتاب الله ويعلمون حكم الله في المسائل التي يفتون ، أو يقضون فيها، ولكنهم يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً كما كان يفعل علماء أهل الكتاب ، وهؤلاء هم أخطر على الإسلام ، والمسلمين من غيرهم، وذلك لعدة أمور:
الأول : قدرتهم على إظهار الحق في صورة الباطل، والعكس، ذلك أنهم قد يعتمدون على عمومات مخصصة ، أو مطلقات مقيدة ، أو مجملات مفسرة ، أو أقوال شاذة ، وهم يعلمون ذلك. ولكن عامة الناس لا يعلمون ، فيضللون الناس في فهم أحكام الله وينصرون الظالم ، ويخذلون المظلوم.
وهؤلاء يدخلون في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [آل عمران : 71].
الأمر الثاني: أن هؤلاء العلماء هم الذين يمكَن لهم فيظهرون أمام الأمة في الفتوى، والقضاء ، وغيرهما ، فيفتتن الجهال بفتاواهم، ويغترون بقضائهم، وتمجدهم وسائل الإعلام، وبخاصة في هذا العصر الذي تقلب فيه تلك الوسائل الحقائق، فتؤكد للناس لبس الحق بالباطل الذي يصدر من علماء السوء.
الأمر الثالث: تصدي علماء السوء لكل من أراد تنبيه الناس على باطلهم، حرصاً منهم على بروزهم وحدهم ، وعدم ظهور غيرهم، حتى يتسنى لهم الاستمرار في امتلاك الجاه، والمنصب الذين يدران عليهم الأموال التي يأخذونها في مقابل تحريفهم لكتاب الله ، وأحكامه.
وهذه الفئة أشد خطراً على الحق ، وأهله ، وأعظم الفئات مناصرة للباطل ، وأهله، لأنها تغزو العقول باسم الدين ، وبصفة علماء الأمة، وتنسب الباطل الذي تحاول السبق به إلى العقول تنسبه إلى الله ، همها حطام الدنيا وشراؤه بالدين، والتقرب بتأييدهم للباطل إلى أهله من الطغاة الظالمين.
إن هذه الفئة تكتم الحق وتلبسه بالباطل، وتصدر الفتاوى الظالمة ، والأحكام الآثمة، كل ذلك بصفتهم علماء الأمة وفقهاءها، يوقعون في فتاواهم وأحكامهم عن الله ورسوله ، فتسفك بفتاواهم الدماء ، وتستحل الحرمات ، وتصادر الأموال، ويخرج بها الناس من ديارهم ، ويفرق بينهم وبين أولادهم ، وأزواجهم، تفتح لهم الأبواب التي يلجون منها بأفكارهم إلى العقول، وتهيأ لهم الوسائل في الإعلام والتعليم، والمنابر وقاعات المحاضرات، وأماكن الحشود والتجمعات، حتى ينشروا الباطل باسم الحق، وتسد تلك الأبواب وتمنع كل تلك الوسائل ، من أن يتخذها علماء الحق ومفكروه وسيلة لنشر الحق والرد على الباطل، ولذلك تضلل عقول الناس فيصبح الحق عندهم باطلاً والباطل حقا.
ولقد كان علماء السوء من أهل الكتاب هم قدوة علماء السوء من هذه الأمة، قال تعالى عن أولئك: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾[البقرة:79] .
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:146] . .
وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل عمران:78] .
وقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[آل عمران:71] .
الله يبين الحق للناس ويأمر ببيانه، وهم يلبسونه بالباطل ويكتمونه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة:159-160]
وقال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[البقرة:174].
فكل من لبس الحق بالباطل وكتم الحق وهو يعلمه، فهو من علماء السوء الذين اقتدوا بعلماء بني إسرائيل، يستحقون هذا الوعيد الشديد الذي سجله الله في آخر كتاب أنزله على آخر رسول ، وهو القرآن الكريم.
ولقد نجح أعداء الإسلام ومحاربوا الحق، في حشد كثير من علماء السوء الذين ينفرون الناس من دعاة الحق وأهله، ويصفونهم بما ليس فيهم من القبائح، ويطعنون في عقائدهم ومقاصدهم زوراً وبهتاناً، وقد يكون عند أهل الحق بعض الأخطاء التي وقعوا فيها عن اجتهاد وحسن نية، يؤجرون فيها على اجتهادهم عند الله، ولكن علماء السوء يضخمونها ويحكمون على أهلها أحكاماً جائرة سيكافئهم الله عليها بما يستحقون.
وما أجمل كلمات ابن القيم رحمه الله وهو يقول : " علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم ، فكلما قال قائلهم للناس هلموا، قالت أفعالهم : لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع الطرق ".
ويعتبر علماء السوء من أخطر فئات المجتمع المسلم على الإسلام ؛ ذلك لأن العالم موقع عن الله ، وينظر عامة الناس إليه أنه الشرع ، وعنده القول الفصل ، ولديه حسم لما قد يحير العباد في أمور دينهم التعبدية ، سواء في ميادين التعبد الفردية أو الجماعية .
كما أن العالم محل ثقة المجتمع ، وربما يأخذ البعض فتوى عالم أو كلام عالم مأخذ المسلمات التي لا نقاش فيها ، ولا تقبل الأخذ والعطاء . وبقدر ما في هذه النظرة من الغلو والإفراط بقدر ما تعبر عن حقيقة واقعية تعيشها المجتمعات الإسلامية تعكس مدى المكانة التي يحظى بها العالم في نفوس الناس .
لكن المؤسف عندما يقابل العالم هذا الاحترام والتقدير وحسن الظن من قبل الآخرين فيبدأ في استغلال هذه المكانة إما لخدمة أطماع شخصية ، أو لتحقيق مآرب آنية من خلال تضليل الناس في الفتوى ، أو من خلال كسب المواقف أمام أرباب الدنيا بغية في الحصول على لعاعة من الدنيا يكون هو في نهاية المطاف سلعة أو بوق شُرِيَ بثمن بخس دراهم معدودة ثم كانوا فيه من الزاهدين .
ولطالما حدثنا التاريخ عن دور علماء السوء وخطرهم على المجتمعات ، وأثرهم في تفريق الأمة وإشاعة الخلاف والتناحر ، وكم من فتنة ظهرت من قرن عالم سوء لم تطفأ لها نار ، ولم تخمد لها جذوة والله المستعان .
ولعلماء السوء علامات يعرفون بها نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر ما يلي :
1 ـ عدم الخشية والخوف من الله، بل التجرؤ على حدوده، فمن لم يخش الله فليس بعالم، مهما حوى من العلم . قال تعالى : ﴿ ... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...﴾[فاطر:28] .
2ـ عالم السوء تزل به القدم في اتباع المتشابه بسبب الزيغ الذي حل في قلبه.فتراه داعية فتن وقلاقل. قال تعالى:﴿ ... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ...﴾[ آل عمران:7].
3ـ كتمان العلم . إما تحقيقاً لمصلحة شخصية ، أو خوفاً وجبنا ً ، أو غير ذلك . ولهذا ذمّ الله أحبار السوء من اليهود: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾[آل عمران:187]. وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾[البقرة:146] .
4 ـ يؤثرون الدنيا على الآخرة، فيصدق عليهم قوله تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *
وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:16-17].
5 ـ كثرة الدخول على السلاطين بغية الحصول على فتات أقواتهم ومعايشهم ، والتزلف إلى الحكام من غير قيام بواجب النصح لولاة الأمر وفق ما يرضي الله عنهم في حق رعيتهم .
ولا يعني هذا أن كل عالم دخل على السلاطين والأمراء نصنفه من علماء السوء فهذه نظرة قاصرة ، وإنما نحكم على عالم بأنه من علماء السوء ليس بمجرد دخوله على الأمراء ، وإنما بتبعات ذلك الدخول من إصدار فتاوى التمجيد، والتقديس ، والتبجيل ، وتزييف الحقائق ، وعدم النصح للسلطان ، والتكسب المهين بالعلم ، فمن علِمنا من حاله ذلك فإنها بوادر السوء في العالم ، ونذير التردي ، وعلامة السقوط .
أما العالم الذي يدخل على الأمراء فيذكرهم بما فيهم من الخير وينصح لهم في أمور الدنيا ، والدين ، ويذكرهم بواجبات الراعي ، وحقوق الرعية ، ويكون عوناً لهم في أداء أمانة الرعاية ، والولاية . فهذا هو الأصل .
ذلك أن الأصل في الإسلام هو اجتماع السلطان والقرآن ـ أعني الحكم و العلم ـ وما حصلت الجفوة بين السلطان ، والقرآن إلا عندما بدأت الأمة تنحرف عن مسارها الطبيعي الصحيح ، فأصبح تفكير السلطان في وادٍ والقرآن في وادٍ ، وعندما اختلفت الرؤى واختلت الموازين ، وتباينت الأهداف ، وتبدلت المعالم . أصبح من يتردد على السلطان محل تهمة ، ومثار شبهة حوله ؛ ليس لفساد العلماء حينها ، وإنما لفساد السلطان وسوء طويته ، وابتعاده عن المنهج القويم ، وإضاعته لأوامر الشارع الحكيم ، فنفر العلماء من الحكام وابتعدوا عنهم . فكانت فرصة أهل الدنيا ، وأصحاب الأهواء في التقرب للسلاطين والأمراء ، وتحقيق مآربهم من خلال هذا التقرب والاحتكاك .فاتسع الخرق على الراقع ، وأصبح العقلاء يطعنون في عدالة المترددين على السلاطين والأمراء ، وكلما مر زمان كان الذي بعده شر منه .
ففي ذلك الزمان لم يكن الانحراف في الأمراء قد وصل ذروته ، كما لم يكن السوء في العلماء قد بلغ نهايته ، فكان الحكام يطبقون الشريعة ، ويعلون راية الإسلام ، ويذودون عن حياض الدين ويحفظون للأمة كرامتها . ومع ذلك كان التشنيع على علماء السوء وفقهاء السلاطين .
فكيف بنا اليوم ، وقد أصبح صوت العلم غريباً عند الأمراء بل وشاذاً في كثير من الأحيان ، فظهر فساد الأمراء والسلاطين في البر والبحر ، وخفت صوت العلم وانطفأت مشاعل الهداية ، وأقصي أهل الدين والصلاح ، وقرب أهل المطامع والأهواء من ضعاف النفوس الذين لا يبالون بما يفتون ولا يتورعون فيما لا يعلمون فيقولون على الله ما لا يعلمون ، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ، فأصبح الحاكم اليوم يصنع الفتوى ويستخرج شرعيتها في طبق من الدراهم والحلوى من عالم لا يخاف عالم السر والنجوى .
فأصبحت الأمة أمام دعاة على أبواب جهنم ، وأبواق تشرع لغيرها الفساد وتؤصل لهم المنكرات وتحل لهم ما حرم الله .
ومع كل هذا فلا تيأس الأمة من بارقة خير في علماء عز نظيرهم وقل مثيلهم ممن لا يزالون يؤدون رسالة العلم بثوبها القشيب وجوهرها الصافي . لا يضرهم من خذلهم ، ولا يخيفهم من قلاهم وهجرهم ، فهم وإن أقصاهم السلاطين فقد قربهم رب السلاطين ، فهم سائرون على الدرب ماضون في الطريق يقتفون نهج علماء الأمة الأخيار أمثال العز بن عبد السلام ، والإمام أحمد والشوكاني وغيرهم من علماء الأمة الذين سطر التاريخ سيرتهم بأحرف من نور فكانت مشاعل هداية لعلماء اليوم .
6 ـ ومن صفات علماء السوء : الاشتغال بالجدل والخصومات والتوسع في العلوم الفارغات فيدخلوا الأمة في قضايا جانبية ، وخلافات فلسفية مما يوسع الهوة ويزيد الفرقة في الأمة
7 ـ الانغماس في الشبه والمعاصي وعدم التورع من البدع .
8 ـ يخالف عملهم قولهم، فأقوالهم تدعو إلى الدين، وأفعالهم تنفر منه.
9 ـ ليس لهم شغل إلا البحث والتفتيش عن الزلات وتتبع الهفوات، وتجريح الأشخاص والهيئات .
10 ـ الاستكبار والتعالي على الناس .
هذا الحال الذي وصلت الأمة إليه كان يبشر به الصحابي الجليل أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحب علم الفتن حذيفة رضي الله عنه ، فكان يقول لأصحابه : ( إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك، وسيأتي زمان من عمل فيه بعٌشر ما يعلم نجا، وذلك لكثرة البطالين )(1) (http://www.jameataleman.org/eman/FIGTAB9/almaso.htm#_ftn40) .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في وصف علماء الآخرة والدنيا يرفعه، والصحيح وقفه عليه: "علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه علماً فبذله للناس، ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشتر به ثمناً، فذلك يصلي عليه طير السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض، والكرام الكاتبون، يقدم على الله عز وجل يوم القيامة سيداً شريفاً، حتى يوافق المرسلين، ورجل آتاه الله علماً في الدنيا فضنَّ به على عباد الله ، وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً، فذلك يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار، ينادي منادٍ على رؤوس الخلائق: هذا فلان ابن فلان، آتاه الله علماً في الدنيا، فضنَّ به على عباده، وأخذ به طمعاً، واشترى به ثمناً، فيعذب حتى يفرغ من حساب الناس", قال الحافظ العراقي : أخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعاً بسند ضعيف.
وقال الحسن البصري رحمه الله : "عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا ".
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله معدداً أصناف العلماء ودرجاتهم، معلقاً على ما قاله هشام الدَّستُوائي: "والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبتُ يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عز وجل": قلت ـ أي الذهبي ـ: ولا أنا، فقد كان السلف:
أ. يطلبون العلم لله فنبُلوا، وصاروا أئمة يُقتدى بهم.
ب. وطلبه قوم منهم أولاً، لا لله ، وحصَّلوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرَّهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعدُ؛ وبعضُهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله؛ فهذا أيضاً حسن، ثم نشروه بنية صالحة.
ج. وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا، وليُثنى عليهم، فلهم ما نووا، قال عليه السـلام: "من غـزا ينوي عِقـالاً فله ما نوى"(2) (http://www.jameataleman.org/eman/FIGTAB9/almaso.htm#_ftn41) .
وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم ، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل ، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتباً لهم، فما هؤلاء بعلماء.
وبعضُهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار.
وبعضهم وضع الأحاديث فهتكه الله وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئاً كبيراً، وتضلعوا منه في الجملة.
فخلف من بعدهم خَلْف بان نقصهم في العلم والعمل ، ففحش خطؤهم وعظم الزلل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخاً يُقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رعاعاً، غاية المدرِّس منهم أن يحصل كتباً مثمنة يخزنها وينظر فيها يوماً ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا بعالم ولا رأيت عالماً. سير أعلام النبلاء 7 / 152، 153
وقال يحيى بن معاذ رحمه الله في وصف علماء الدنيا: (يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية؟).
وقال ابن المبارك في علماء السوء:
رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ ويـورثُ الذلَّ إدمانُهـا
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخيرٌ لنفسِك عصيانُهـا
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهبانُهـا
ولله در القائل في وصف علماء الدنيا:
عجبتُ لمبتـاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجبُ
وأعجبُ من هذين من بـاعَ دينَه بدنيا سواه فهو من هذين أعجبُ
وقيل في علماء السوء كذلك:
يا واعظَ الناسِ قد أصبحتَ متهماً إذ عبتَ منهم أموراً أنتَ تأتيها
أصبحتَ تنصحُهم بالوعظ مجتهداً فالموبقات لعمري أنت جانيها
تعيبُ دنياً وناسـاً راغبين لهـا وأنتَ أكثـرُ منهم رغبـة فيها
ويقول الأستاذ سيّد قطب معلّقاً على قوله تعالى: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها فأتبَعَه الشيطانُ فكان من الغاوين * ولو شِئنا لرفعناه بها، ولكنّه أخلَدَ إلى الأرضِ واتَّبَعَ هواه، فمثله كمثلِ الكلب إن تحمِل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ [الأعراف: 175- 176] ( وكم من عالم دينٍ رأيناه يعلمُ حقيقة دين الله ثم يزيغُ عنها، ويعلن غيرها ويستخدم علمَه في التحريفات المقصودة والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل يحاول أن يثبتَ بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحُرُماته في الأرض جميعاً. لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حقٌّ من حقوق الله -سبحانه- من ادعاه فقد ادعى الألوهية ومن ادعى الألوهية فقد كفر، ومن أقر له بهذا الحق وتابع عليه فقد كفر أيضاً ومع ذلك.. مع علمه بهذه الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة فإنه يدعو للطواغيت الذين يدعون حق التشريع ويدعون الألوهية بادعاء هذا الحق ممن حكم عليهم هو بالكفر، ويسميهم المسلمين ويسمي ما يزاولونه إسلاماً لا إسلام بعده!)(3) (http://www.jameataleman.org/eman/FIGTAB9/almaso.htm#_ftn42)
ولعلماء السـوء نـمـوذج :
إذا أراد الله بالحاكم خيراً هيأ له وزراء صالحين، وأعوان راشدين، ومستشارين ناصحين، وجلساء عالمين.
وإذا أراد به غير ذلك هيأ له وزراء خبثاء غاشين، ومستشارين خائنين تعساء، وعلماء سوء مضلين ومزورين، كاتمين للحق، مزينين للباطل.
ولهذا عندما احتضن المأمون والمعتصم والواثق العباسيين بعض علماء السوء وقرَّبوهم إليهم، أمثال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي لا كثر الله من أمثالهم أزاغوهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الذي كان عليه آباؤهم، وابتدعوا لهم مذهباً شيطانياً ـ مذهب الاعتزال ـ وزينوه لهم حتى تبنوه، وامتحنوا العلماء الأخيار والأئمة الكبار، وسجنوا وعذبوا وقتلوا بعض الأطهار، فعلى مبتدعيه من الله ما يستحقون.
وإليك طرفاً من محنة إمام أهل السنة والجماعة في عصره الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، كما رواها أحد تلاميذه وهو سليمان بن عبد الله السجزي، وحكاها عنه القاضي أبو يعلى في طبقات الحنابلة.
قال السجزي رحمه الله: ( أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار، فرأيت بساطاً مبسوطاً وكرسياً مطروحاً، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلاً على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل؛ فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه، قال له: يا أحمد تكلم ولا تخف؛ فقال أحمد: والله يا أمير المؤمنين لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع؛ فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله، قديم غير مخلوق، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ... ﴾[التوبة:6]؛ فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول الله عز وجل: ﴿ يّـس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾[يّـس:2]، ولم يقل: يس والقرآن المخلوق؛ فقال المعتصم: احبسوه؛ فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحتُ قصدتُ الباب، فأدخل الناس فأدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه، فقال: هاتوا أحمد بن حنبل؛ فجيء به، فلما أن وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة؟ فقال: بخير والحمد لله، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمراً عجباً؛ قال له: وما رأيت؟ قال: قمتُ في نصف الليل فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة "الحمد لله"، و"قل أعوذ برب الناس"، وفي الثانية "الحمد لله" و"قل أعوذ برب الفلق"، ثم جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت "الحمد لله" وأردت أن أقرأ "قل هو الله أحد"، فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مسجَّى ميتاً، فغسلته وكفنته وصليت عليه ودفنته؛ فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ فقال له أحمد: فأنت كذا تقول إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت؛ فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد؛ فقال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي: اقتله، حتى نستريح منه؛ فقال: إني قد عاهدت الله أن لا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف؛ فقال له ابن أبي دؤاد: اضربه بالسياط؛ فقال: نعم؛ ثم قال: أحضروا الجلادين؛ فأحضروا، فقال المعتصم لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين؛ فقال: خذه إليك؛ قال سليمان السجزي: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، وائتزر بمئزر من الصوف، وشدَّ في يديه حبلان جديداً، وأخذ السوط في يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعصتم: اضرب؛ فضربه سوطاً، فقال أحمد: الحمد لله؛ وضربه ثانياً، فقال: ما شاء الله كان؛ فضربه ثالثاً: فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل، ويريد أن يسقط، فرفع رأسه نحو السماء وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت، وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة الله عز وجل، فلما أن نظر المعتصم إلى ذلك قال: خلوه؛ فتقدم إليه ابن أبي دؤاد وقال له: يا أحمد، قل في أذني إن القرآن مخلوق حتى أخلصك من يد الخليفة؛ فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد، قل في أذني إن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب الله عز وجل).
أخيراً نقول : فكم عانت الأمة من علماء السوء ، وما أكثرهم في هذا الزمان زمن غربة الحق وأهله ، والتاريخ يعيد نفسه فكم يوجد اليوم ابن أبي دؤاد، وكم من مريسي في هذه الأمة ، الذين ذاقت بسبب فتاواهم الأمرين ، وهدمت على كلماتهم المأجورة كليات الشريعة ، وضيعت بسبب مصالحهم مصالح المسلمين ، فسفكت الدماء وانتهكت الأعراض وصودرت الحقوق .
ألا فليتق الله كل عالم سوء ، وليراجع حساباته فإن زلة العالم قد تهلك شعباً بأكمله، وهذا يستلزم من علماء السوء توبة نصوحة إلى الله وتحللاً من مظالم المسلمين التي حصلت بسبب فتاواهم ؛ فإن اليوم عمل وغداً أجل ؛ فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا فتاواكم قبل أن توزن عليكم .
وليكن شعار الشعبي هو شعار كل عالم حيث قال : " لأن أكون ذنباً في الحق خير من أن أكون رأساً في الباطل " .
نسأل الله أن يأخذ بأيدي علمائنا إلى كل خير وأن يجنبهم مهاوي الردى .
المراجع :
1 ـ طبقات الحنابلة .
2 ـ سير أعلام النبلاء .
3 ـ الفوائد لابن القيم .
4 ـ في ظلال القرآن .
5 ـ حلية الأولياء .
إعداد : عبد الحميد أحمد مرشد .
مراجعة : علي عمر بلعجم .