المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد في ما يكتب للأحفاد 2


شامل سفر
18-06-05, 01:52 AM
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله. أما بعد: فيقول عبدُ الله الفقير إليه، الراجي رحمتَه : لما انتهيتُ من تِبيان أصولِ النظرِ في ما يكتبه الكتّابُ لفلذات الأكباد، ونظرتُ في ما تبقى من عمل الورّاق من بيع بضاعةٍ وكسب معيشة، وقارنتُ ما هو واجبٌ بما هو واقع، هالَني ما وجدتُ في عمل ورّاقي آخرِ الزمان من تقاعسٍ، وراعني تقصيُرهم. وأفلت زمام القلم، فما عدتُ آبه لتقريب حسابي من حسابهم، ولا لجعل كلامي قريباً من كلامهم. وجرى القلمُ على عادته، يخطُّ رسمَ كَلِم مَن لا يخشى في الحق لومةَ لائم.
ثم إنني أخذتُ الأمر ـ على فداحته ـ برويّة، وشرعتُ أحصي مما تسمونه ظروفاً أو أسباباً أو مبررات، ما أملتُ أن يبلغ السبعين، فما نِلتُ مناي. وإنْ هي إلا بضعُ أمراضٍ أهملتموها فاستفحلت، حتى باتت مهنةُ الوراقةِ مطبونةً مصدورةً مصدوعة.
ولو أنها تطلب الدواءَ فلا تجد، لهانَ الأمر ، لكنها تداوي الداء بالبكاء على طللٍ دَرَس، وتُفِرُّ من كواسرَ تروم افتراسها، وتكتفي بالشكوى.
وآثرتُ في آخر الأمر، أن أعود للكلام كما تتكلمون، وللحديث معكم بما تفهمون، مخافةَ أن تحسبوا أنني آتٍ من عهدٍ مضى، أو أن ما أتيتكم به من علمٍ، ولّى زمانُه وانقضى.
الأمراض السبع1
1ـ معالجة داءٍ بداء:
الدعاية لمطبوعٍ بمطبوع، ضربٌ من إضافة همٍّ إلى هَمّ، وأن يطبع ناشرٌ أباشيرَ (brochures) وقُصاصاتٍ ويرسلها ببريد أو نحوه، ليخبر عازفاً عن القراءة عن جديدٍ نُشر، كَفِعْلِ المستجيرِ من الرمضاء بالنار. فمن لا يقرأ طِوالاً لن يقرأ القِصار.
هذا وإن عدد الأباشير مهما كَبُر، لا يشكل إلا نسبةً ضئيلةً من عدد المخاطبين، ضآلةً تُسقطها من حساب السوق. ناهيك عن أن العلاج بالأباشير، علاجٌ مكلفٌ غير ناجع، يقوم على مداواة من لا يَقرأ بمكتوبٍ لا يُقرأ. ويصح فيه قول القائل: طبيبٌ ضَلّ …. ومريضٌ كَلّ.
2ـ العنكبوت:
رَبطَ قومٌ من العجم أسلاكاً بأسلاك، وآلات بآلات، وجعلوها بريدهم، وأسموهما شبكة العنكبوت الدولية (ولفظها بلسانهم: انترنت).
والدعاية لكتابٍ عبر تلك الشبكة، تسويقٌ للخاصة، أي ما هو بتسويق. وذلك لأن عدد مستعمليها قليل، ولأن عدد من يملكون الحواسيب في بلاد العُرب، يشكلون نسبةً بالغة الضآلة.
ومنشأ الداء سوءُ الحساب، فالوراق يقيس ما يبيع عبر الشبكة على ما يبيع بدونها، فيتوهم أن الشبكة علاج ناجع. وذاك قياس أدنى بأدنى، والصواب قياسُ الأدنى بما بَلَغَهُ آخرون إذ عرجوا نحو الأعلى. وتقديمُ الشبكة بين وسائل الدعاية الأخرى، كتنصيب أعورٍ ملكاً على العُمي. والكتاب في شبكة، عطرٌ في زوايا مهملة، لا يفوح شذاه في (كل) الأرجاء.
3 ـ مخالفات البناء:
لو بَعَثَ الله عزَّ وجلَّ ابن خلدونَ قبل يوم النشور، لظنَّ الرجل في الوراقين ظنَّ السوء، ولاستهجن إيداعهم كتبهم في أيدي معدّي البرامج الثقافية (في التلفاز والمذياع)، وكأنهم لا يرومون إلا زيادة قراءة مَنْ هو قارئ لا زيادة (عدد) القارئين. وهذا ، في أحسن الأحوال ـ يصح (إذا) تكرم المعدّون بإعطاء نصيبٍ من خُطَبِهمُ العصماء لكتب الناشر الحقّ، وهم في معظم الأحوال، قليلاً ما يفعلون.
والأمرُ من قبيل إضافة طوابق للأبنية (القارئة أصلاً)، والصواب أن يُرام الانتشار أفقياً لا عمودياً. والتطاول في العمران شأنُ مَنْ بينهم وبين أهل الفضل من الناشرين، بونٌ شاسع، فاتقوا الشبهات يا معشرَ الوراقين.
وينسحب ما قلتُ عن البرامج الثقافية، على الصحف والمجلات، فكلاهما مجاني. وتتميز الصحف والمجلات بكونها داءٌ ثنائي التأثير، فهي دعايةٌ لمطبوع بمطبوعٍ يزيدُ الانتشار عمودياً …. فأيّ تميز هذا؟‍!
4ـ إلا متحرفاً لقتال:
التلفاز إذ يكشف العورات، ويحبّ أن تشيع الفاحشةُ، فاسقٌ يجب الجهادُ لإصلاحه، لا لقتله. وهو إذ يدعي أنه المصدر الثقافي الوحيد، كمسَيْلمة الكذاب إذ ادعى النبوة، فإنْ استتيب فعاد إلى رشده، كففنا عنه، وإن بقي على ضلاله، أتبعنا المحاولة بالمحاولة، تارةً بحوار وأخرى باقتراحات إصلاح نوجهها لأولي الأمر. وهذه حال الجهاد الفكري، حوارٌ ونصحٌ بالحُسنى.
بيد أنه طغى وبغى، وصار كالوحش المخيف، يهاجم حِمى الوقتِ المخصص للقراءة، فيلتهم منه حصتَه وحصةَ غيره، لا سيما ما كان من تلك الحصة للأطفال. وما عادَ أبناؤنا يفعلون شيئاً بعد كتابة واجبهم المدرسي، إلا الجري نحو التلفاز، ثم إشباع إدمانهم على الغث من البرامج، بمزيدٍ من التعاطي.
فماذا فعلَ الوراقون؟!
لقد اكتفى أصحابنا بالشكوى، وبدل أن يواجهوا الوحشَ، ولّوه الأدبار، وبرحوا الثغور، فاستحلّ التلفاز حمى الوقت، وصار يرتع فيه كما يحلو له، ونحن نصرخ: واكتاباه!
والصوابُ ما ستقرأه في باب (الدواء)، ضمن فقرة: امتطاءُ صهوة الوحش. ولا مصدرَ للثقافة بعد الكتاب.
5 ـ وذهبت مثلاً:
من كلام عوامّ أهل الشام قولهم: (الضربْ عالمِسْواق)، يقولونها هكذا، ولعلهم مسوّقون بالفطرة والخبرة، من قبل أن يولد فيليب كتلر (من جهابذة علوم التسويق) بقرون. وإنْ كنتُ قد ضبطتُ ذلك (المسواق) بمعيار ومنهجٍ وحساب، فما أتيتُ بجديد. وإنْ أنا إلا كالخليل بن أحمد، أستنبط الأوزانَ من روائع منظوم الأقدمين، ويسهر أمثالي جرّاها ويختصموا.
ولقد وصفتُ لكم دواءاً للتقييم وحسن الاختيار، فخذوه. وما من داءٍ أخطر من التفرد بقرار النشر، إلا مرض (رُهابِ الأدوية) فاحذوره.
6 ـ تجارة أو بيعاً:
ليس البيع كالتجارة، ولا التوزيع كالتسويق. فالتوزيع نقل الكتاب إلى دكاكين، ثم متابعةٌ لشؤون التزويد والاسترداد واستيفاء ثمن المباع، لا أكثر من هذا ولا أقل.
وأما التسويق، فعملٌ يبدأ قبل الانتاج (بالتقييم)، ويشارك في تحديد صفات المنتج الملموسة (بل يقود عملية التحديد)، ثم يرسم الخطط للباعة (وهم قومٌ غير الموزعين) وللموزعين وللمصدّرين وللإدارة ذاتها، ويتابع ذلك حتى آخر حدود استقصاء آراء القارئ (بعد) الشراء.
والآراءُُ والأفكار والسياسة والرجال، بل وحتى الدعوة إلى الله، تُسوَّقُ، بمعنى أنه يُخطَّطُ لنشرها بعلمٍ خاصٍ وعملٍ بمقتضاه.
وفي كل حكومةٍ في العالم، وزيرٌ يطلق عليه ـ من باب الأدب ـ تسمية وزير الإعلام، ويعرف القاصي والداني أن عمله يتعدى الإعلام إلى ما هو أهم، وأعني تسويق وجهات النظر الرسمية والسياسات، باتقان. فما لحكومة الوِراقة تُشكَّلُ بدون وزير إعلام؟! أم أن الوزير المعين غير كفء؟‍ أم أنه كفءٌ لا يتعاون معه بقية الوزراء؟
والاكتفاء بالموزعين، ظناً بأنهم مسوّقون، وبأن كادرَ الدار الناشرة مكتملُ النِصاب، كتشكيل وزارةٍ بدون وزير إعلام،والاكتفاءِ بناطق رسمي يكرر قول ما يقال: يا أصحاب الدكاكين هذا جديدنا، كتبٌ جديدةٌ جادة، فخذوها! بل الناطقُ الرسمي أهم شأناً بكثير، إذ أنه إذا طُرحتْ عليه أسئلةٌ في مؤتمر صحفي، أجاب وأجاد، وأوجز فأفاد.
7ـ يا أبتِ استأجره:
يسير كلُّ أُجَرائكم خلف قيادتكم، إلا أهل السوق، يقودونكم وتدفعون لهم أجراً. حقيقةٌ ساطعةٌ كالشمس، يكره سماعَها ويرغب عن تصديقها، (كلُّ) أصحابِ الأعمال في العالم، باستثناء قلةٍ قليلةٍ ممن يوقنون بأنّ من أُعجبَ بعقله ضلّ، ومن اكتفى برأيه زلّ.
والداءُ العُضال، أن يستأجر وراقٌ قوياً أميناً للقيادة، ثم يجعله تحت قيادته! والأدهى أن يؤمرَ مسوقٌ بفعل ما هو موقنٌ بخطأه علمياً، ويبين ذلك فلا يُأبَهُ له (وأحياناُ لا يُأبه به)، ثم إذا نَفَّذ فما جنى ثمراً، لامَه آمِرُهُ على سوء التنفيذ !
وإذا كانت هذه حالُ الإدارة مع مدير التسويق، فما بالك بباقي أعضاء الجهاز الإداري؟ أفيأخذون على محمل الجد، مَنْ لا تأبه له الإدارة، ويتعاونون معه؟ 
وفي عُرف العسكريين أنّ الجهة المصدرة للأوامر مسؤولةٌ عنها، فأعطوا الرايةَ لمن به تثقون، أو احملوها. (انتهى قولنا في الأمراض).
و لئن أمكن ضبطُ أداءِ عملٍ معنوي (مثل الأدب وقصص الأطفال) مما ليس فيه من ملموس إلا الورق، فما حال أداء المسوّقين، وعملهم كله أرقام وحسابات، ونتاجُ عملِهم واضحٌ في جردِ المخازن وأموال المبيعات؟
وإن عملَ المسوّقين لقابلٌ للضبط، ضبطاً معيارياً يُعرف من خلاله المحسنُ والمسيء، بل وتُكشف من خلاله أسبابُ نجاحِ من نَجَحَ وفَشَلِ مَنْ فَشِل، ولكلٍّ درجات.
وأنوي خوض غمار الكتابة في ذلك، في رسالة أخرى، إنْ قَدَّرَ لي المولى عز وجل، ويَسَّر لي، وعلى الله قصد السبيل.
ولقد عرفتُ الداء ووصفت الدواء، فإليكموهما .
وتعاونوا على البِرِّ والتقوى
نحو معيارٍ متكامل
أولاً ـ سببُ تلازمِ التقييمن (العلمي والتسويقي) وطبيعتُه:
أ‌-أما السببُ فمعروفٌ من الدين (ومن العقل) بالضرورة:
1.فالاختيار الصائبُ للصالح للنشر، ومن ثم إنتاجُه فتسويقُه… قاعدةٌ خاطئةٌ شائعة!
2.والصوابُ أن: يُختار من الصالح للنشر، ما يمكن تسويقه في المكان والزمان المناسبين.
3.فما كل صالحٍ للنشر قابلٌ للتسويق: ككتبِ المنفلوطي، قرأها الفتيةُ في الماضي، وفتيةُ اليوم غير قادرين (لغوياً) على قرائتها، (وإن كان يصحُّ تسويقُها لجامعيي هذه الأيام).
4.ولا كل صالحٍ للتسويق يصحُّ نشره: ككتبٍ فيها الخلاعةُ والمجون، (والعياذ بالله).
5.وأما الزمان: فكتابٌ عن الاستنساخ، يُعَد اليومَ قديماً.
6.وأما المكان: فَسَوّق ـ إن استطعتَ ـ كتاباً عن الأمثال الشامية في تنزانيا!
ب‌-وأما طبيعة التلازم، فَعَيْنُ العلاقة بين الحاجة والرغبة:
1.يحتاج الطفل من العمل الأدبي أن: يعلِّمه، ويربّيه، بلغة مفهومةٍ، وبشكلٍ مقنع.
2.يرغب الطفل من العمل الأدبي أن: يمتعه ويسليه.
3.والعلاقةُ واضحة: فالتعليمُ دون إمتاع درسٌ لا عملٌ أدبي، وكذا التربية دون تسلية. ولا يستقيم ذلك لكه ما لم تكن اللغة مفهومةً والمحتوى مقنعاً.
4.وهكذا يسير التقييم العلمي على طريق حاجات الطفل ويعرّج على رغباته (دون أن يستطيع الاستغناء عنها) ويطرق التقييم التسويقي رغبات الطفل دون أن ينسى حاجاته.
5.وذروةُ سنامِ النجاح، التوفيقُ بين مؤدى جملتين: نريد لهم أن….، ويريدون أن….
6.فإن اكتفينا بالأوُلى، ما قرأ لنا إلا النقّاد، وإن اقتصرنا على الثانية، هبطنا بمهنة النشر إلى دركٍ أسفل.
ت‌-وليست رغباتُ الأطفال سيئةً كلها، ولا الناشرُ خير من يحدد لهم حاجاتهم. بيدَ أن الغزو الثقافي الإعلامي، قد نجح عبر سنوات، في تشكيل رغبات الجيل بشكل يزداد تشوهاً يوماً بعد يوم. الأمر الذي يجعلنا نأخذ موضوع توافق الرغبات مع الحاجات، على محمل الجد، ونسعى دوماً لالتزام جادة الحياد العلمي في مسك العصا من الوسط، ونبذل قصارى الجهد لإشباع الرغبات وتلبية الحاجات بشكل منسجم، نستحق معه تسمية الأوصياء على المعرفة،… وإنّا عليها لأوصياء.
ثانياً: تسايُرُ التقييمن ودلالاتُ نتائجه:
أ‌-بما أن اتخاذ القرار بالنشر، يستند إلى تكامل حيثيات القبولَين (العلمي والتسويقي)، فقد استوجب المنطقُ أن يسير التقييمان جنباً إلى جنب، متزامنَين مُوحَدَيّ الهدف، لا يطغى أحدهما على الآخر بترجيحٍ أو بحسابِ نتائج.
ب‌-ولنتائج التقييمن دلالةٌ وأيُّ دلالة:
1)فإذا رفض الطرفان العملَ، رُفض.
2)وإذ قبل الطرفان العملَ، قُبلْ.
3)أما إذا اختلف الطرفان في الرأي، فلهذا حالتان:
• العلميون يرفضون والتسويقيون يقبلون: وهذه حالٌ لا يجوز معها التهاون في أمر الرفض المقاطع. والأمر هنا (رغبة) الطفل، لا حاجته، فَلْيحققها له غيرنا. وقد سبق بيان سبب ذلك.
• العلميون يقبلون والتسويقيون يرفضون: وهذه حالُ الكتاب الجيد والجاف في آن، ونشرُه (دون تعديل) خطاٌ تسويقيٌ فادح
والتعديلُ في عٌرفِ بعض المسِّوقين، إلباسً سلعةٍٍ يحتاجها المتسهلكُ، ويرغبُ عنها في شكلها الحالي، لَبوساً يناسب رغباته، دونما مسٍّ بقدسيةِ حاجاته. ومن ذلك أن يُعادَ العملُ إلى المؤلف، ويطلبَ إليه (على سبيل المثال لا الحصر):
1)تغيير اسم إحدى الشخصيات في قصة ما.
2)تغيير تصرف شخصية ما في أحد المواقف، مما لم يجده الأطفال منطقياً أو معقولاً.
3)تغيير العنوان بسبب عدم جاذبيته للأطفال.
4)تعديلُ جملةٍ من حوار، لم يحبذها الأطفال.
5)إلخ.
وإن في خيال الطفل من المقدرة على الإبداع، ما جعل كثيراً من الكتاب يتمنون أن يبقى (ذلك الطفل) المتحفز دوماً للمعرفة، والمتوقد الذهن، التوّاقُ للاطلاع، حياً في داخل كلٍ منهم لا يشيخ. وأعود فأذكرّ بأن تجميد البراعم في صقيع قناعات الكبار، لَيحرِمُها فرصةَ الإزهار، فتغدو الأجيال بلا ثمر.
كما أن التعديل، وما استوجبَ التعديلَ، لا يأتيان من فراغ. ففي حين يعتمد العلميون ( في 12% فقط) من مجمل تقييمهم على آراءِ عددٍ قليلٍ من الأطفال (بموجب الأسئلة: 13-14-15-16 فقط) ويعتمدون في الـ88% الباقية على آرائهم هم،…. لا يقدِّم التسويقيون تقييماتهم إلا بعد استقصاء آراء عينةٍ مئويةٍ من الأطفال (حسب ما سيرد لاحقاً)، وبحيث يشكل الاستقصاء المذكور قاعدة من المعلومات يستندون إليها في تقييم ما نسبتُه (50%) من مجمل تقييمهم. وأما الـ50% الباقية فهي مما لا يمكن لطفلٍ ولا لمقّيم علمي القيام به، وأعني دراسات السعر والجدوى والتوزيع إلخ. أي أن المسوقين يقلصون آراءهم الشخصية (القائمة على الخبرة) إلى أدنى حدٍ ممكن.





وشاوِرْهُم في الأمر
منهجُ التقييمِ التسويقي ومعيارُه
أ-‌مرحلتا التقييم التسويقي:
1)استقصاء آراء الأطفال (وهذا عملٌ ميداني).
2)تقييم الكتاب في ضوء الاستقصاء المذكور (وهذا عملٌ مكتبيٌ في جوانبَ، ميدانيٌ في أُخرى).
ب‌-استقصاء آراء الأطفال:
1)تُستقصى آراء الأطفال حول/7/ سبعة عناصر من العمل هي: الشخصيات ـ الحوار ـ الأحداث ـ المغزى ـ البيئة المكانية ـ البيئة الزمانية ـ اللغة.
2)ولكٍل من العناصر المذكورة: صفة ودورٌ ودلالة.
3)تقيَّم آراء الأطفال حول العناصر المذكورة، على ثلاثة صُعد هي: التفاعل العقلي ـ التفاعل الشعوري ـ التفاعل اللغوي.
4)يُقصد بالتفاعل العقلي:
 فهم الأطفال لمراد الكاتب.
 الاقتناع العقلي بإمكان الحدوث أو الورود أو الوجود.
 إدراك المغزى.
5)يُقصد بالتفاعل الشعوري:
 حصول الانجذاب والتشويق.
 حصول الإمتاع والتسلية.
 عدم طغيان التفاعل الشعوري على التفاعل العقلي.
6)يُقصد بالتفاعل اللغوي:
 فهم لغة الكاتب على ما أراد منها.
 فهمها بيُسرٍ وسهولة.
 حبُّ الأطفال لها وانتقال بعض مفرداتها إلى كلامهم.
7)يُقصد بمراد الكاتب: مراده من خلقِ شخصية، أو إيرادها، أو تركيبِ حدثٍ، أو استهداف مغزًى، أو صياغةِ حوارٍ، أو اختيار بيئةٍ، مُراداً يتوسُّل لبلوغِه لغةً مباشرة أو موحيةً، ومحتوى مقنعاً في كل ذلك.
8)يُقصد بالتقييم: تقدير مدى التطابق بين مراد الكاتب من كل عنصرٍ من العمل، وبين فهم الأطفال لذلك المراد، واقتناعهم به، وانجذابهم له. وهو تقديرٌ عَدِّيٌّ، يقوم على ملاحظة نسبة الإجماع أو الغالبية أو الأقلية، من أصل العدد الكلي للأطفال.
9)ونظراً لاستحالة إعطاء الأطفال صيغة استقصاء مكتوبة، والطلبَ إليهم تعبئتها، يقوم التقييم على مقابلتهم والحوار معهم لاستقصاء آرائهم. ويقوم بذلك (المستقصي والمراقب معاً) وسيأتي تعريفهما في مكانه.
10)يُلجأ إلى التقليص النوعي لعدد أسئلة الاستقصاء، تبعاً لرأي المستقصي والمراقب.
11) ويُقصد بالتقليص النوعي: اختيار عناصر العمل الأكثر أهمية، ثم الأهم، وترك ما أمكن من المهم، وترك غير المهم بالكامل.
12)إحصائياً: /7/ عناصر × /3/ (صفةٌ ودورٌ ودلالة) × /3/ أنواع من التفاعل × /3/ أقسام لكل تفاعل × /1/ سؤالٍ واحدٍ لكلٍ (على أقل تقدير) = /189/ سؤالاً، وهذا مستحيل عملياً.
13)أدبياً: بما أن عدد الشخصيات يختلف من قصةٍ لأخرى، وكذا عدد الأحداثِ ومقاطع الحوار، وبما أن الكاتب يختار أحياناً أكثر من بيئة في العمل الواحد، دون أن تَلْتَزمَ لغتُه خطاً واحداً، وبما أن العنصر الواحد من العمل يحتاج إلى أكثر من سؤال، فإن من خطأ المنهج واختلال المعيار، تقييد الاستقصاء بعددٍ محددٍ من الأسئلة.
14)بل الأمر خطوطٌ عامةٌ، شأنُها شأنُ منارات البحر، … ولا يهمُّ القبطان معرفة اسم كلِّ نوعٍ من أنواع السمك الذي يجوبُ اليمَّ تحته، والأهمُّ أن يصل بالأطفال إلى برّ الأمان دون أن يخشوا ظلمة البحر، ودون أن يشعروا أثناء الرحلة بالملل أو السأم.
15)بيد أننا ضبطنا عمل الإبحار بسُننٍ رقمية ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وسنأتي على ذكرها في باب (عمل المحتسب).
16)تتضمن فكرة التقليص النوعي لعدد الأسئلة، جانباً من فنِّ صياغة السؤال، المذكور في أدبيات علم النفس اللغوي الاجتماعي، وهو فنٌّ قائمٌ بذاته، يعرف أهله كيف يسألون سؤالاً بسيطاً، ليعرفوا (بحسن الإصغاء) الكثير الكثير.
ت‌-سَمْعُ الدار الناشرةِ وبَصرُها:
1 ـ بغية تغطية الاستقصاء لأكبر عددٍ ممكن من الفئات الاجتماعية، يتم اختيار عينة مئوية عشوائية من أبناء المرحلة العمرية المخاطبة، وذلك من مدارس أطفالٍ، وبالتنسيق مع إدارتها، وبحيث تحتوي العينة على:
ـ /20/ طالباً من مدرسةٍ خاصةٍ مرتفعة الأقساط.
ـ /20/ طالباً من مدرسةٍ خاصةٍ منخفضة الأقساط.
ـ /20/ طالباً من مدرسةٍ خاصةٍ متوسطة الأقساط.
ـ /20/ طالباً من مدرسةٍ خاصةٍ ذات كادرٍ تدريسي ملتزم.
ـ /20/ طالباً من مدرسةٍ خاصةٍ بأبناء الأقليات أو أتباع الأديان الأخرى.
2ـ تتم مقابلة كل /20/ طالب على حدة، خلال وقتٍ مناسب، وذلك ضمن المدرسة كبابٍ من أبواب النشاط المدرسي خارج المنهاج. ورفدُ الناشرِ للمناهج النظامية ببناءٍ ثقافيٍ رديف، يُحدِثُ دون شك، أطيب الأثر لدى المدرسة والأهالي (بل ووزارة التربية)، ويمتع الأطفال زارعاً فيهم بذور حبِّ القراءة.
3 ـ يقوم بالتنسيق مع المدارس وإجراء المقابلات، موظفان (شابُ وفتاة)، أحدُهما يقرأ ويقرئ ويعلِّق ويسأل، والثاني يراقب ردود الأفعال ويدوّن نتائجها في صيغة الاستقصاء.
4 ـ هذان الرسولان سَمْعُ الدار الناشرةِ وبَصُرها، وهما مسوِّقان مقيِّمان مثقفان، من الشخصيات اللطيفة المحببة للأطفال، يتمتعان بالخصال التالية:
ـ عارفان بهموم الكتابة للأطفال وبأسباب العزوف القرائي.
ـ قارئان نهمان محبّان للأطفال.
ـ مطّلعان على فن صياغة الأسئلة وإدارة المقابلات مع الجمهور، ومدرّبان على ذلك، متقنان له بشهادة غيرهما.
ـ لمّاحان قويّا الملاحظة، يحسنان التقاط حالات الإجماع الغالبية، دون إغفال الإضاءات الفردية.
ـ متفاهمان كشريكين.
ـ ويستحسن أن يكونا مختصِّين بالتربية.
هذان الرسولان هما: المستقصي والمراقب.
5ـ لا يقوم المذكوران بجمع درجات الاستقصاء، ويتركان ذلك للمحتسب.
6ـ يُعتبر تقييمهما قاعدة معلوماتٍ فيها 50% من مجمل التقييم التسويقي.
ملاحظة: ناشدتُكم الله أن تُحسنوا اختيار هذين، وألا تَدَعوا عملي يذهب جُفاءً.
7 ـ لا ضير في اشتمال الزيارة على تقديم هدايا للأطفال، (دون) الإيحاء للطلاب بأن من يحبّ القصة سيأخذ هدية.

إن السمع والبصر والفؤاد
توجيهاتُ عملِ المستقصي والمراقب-
1-لهذا الاستقصاء منهجٌ ومعيار، اقرأهما واستوعبْهما، واسألْ من كان بهما عليماً، إن أشكل عليك منهما شيء. وافعل كل ذلك (قبل) قراءتك لهذه التوجيهات.
2- لهذا الاستقصاء تطبيقٌ عمليٌ مُفتَرَض، اقرأه (بعد) قراءتك لهذه التوجيهات.
3-صيغت أسئلة التطبيق العملي، بالفصحى المفهومة من قِبلك أنت (لا من قبل الأطفال)، لهذا نرجو منك صياغة أسئلتك بلغةٍ يسهل فهمها على الأطفال. ولك حريةُ استخدام العبارات التي تراها مناسبة، على أن تتدرج في استخدامك للغة وفق ما يلي:
أـ ابدأ بالعاميّة الفصيحة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
بـ ثم اجعل كلامك بينها وبين العامية الدارجة، مزيجاً تغلب عليه الأولى.
جـ فإن لم تجد مناصاً من الاقتصار على العامية الدراجة فافعلْ. وكنْ في ذلك كله، أباً يحدثُ أولاده، أو أماً تحكي لأبنائها قصة.
4-اقرأ العملَ المراد استقصاء آراء الأطفال حوله، بعناية لمرتين، وقم في الثانية بتدوين خطوطه الرئيسية، متبعاً في ذلك ما وُجِّهْتَ إليه في المنهج والمعيار.
5- حضّر خطةً لكل ما ستقول وتفعل أثناء الجلسة، بما في ذلك حركاتك وسكناتك. ولا تنسى أن التخطيط لمجريات الجلسة، ليس إلا وضعاً لخطوط عامة حسب ما تتوقع، لا تحديداً حرفياً.
6- اخلق جواً من المرح والودّ والحميمية في الجلسة، وأوحِ إلى الأطفال باستمرار أن هذا اللقاء جلسةُ حوار وليس درساً إجبارياً. واجلس بينهم بأريحية، تاركاً إياهم يجلسون ويتكلمون ويتحركون، بل ويقاطعون كلامك… كما يحلو لهم.
7- لا تدع السؤال (أيا كان مُوَجِّهه) يأخذ اتجاهاً وحيداً، ولكن اسأل الجميع، وحَرِّك الصامتين، ودع الجميع يسألونك، بل دعهم يسألون بعضهم بعضاً. وباختصار: اجعل من الجلسة نقاشاً مفتوحاً، وضرباً من التفكير بصوتٍ عالٍ.
8- دع جانباً قناعاتِكَ وآراءك الشخصية حول العمل الذي تستقصي آراء الأطفال حوله، وكن حيادياً.
9- انتبه لمطبّات (عملية صياغة الأسئلة):
س1ـ إلى أي حدٍ كانت الانتهاكات لقرارات الشرعية الدولية مؤثرة على موقف الدول العربية؟
في هذا السؤال وأشباهه، دفعٌ للمسؤول باتجاه إجابة ما، يريد السائلُ سماعها. إنه نوعٌ من حشر المسؤول في خانة التسليم المسبَق بأن أحداً انتهك شيئاً ما! وبأن العرب تأثروا! وبأن هنالك شرعية دولية!! الأمر الذي سيؤثر على إجابةِ ناضجٍ، فما بالك بالأطفال؟!
س2: هل كان لموقف فلانٍ من قرارات الأمم المتحدة، انعكاسٌ على باقي الدول العربية؟
والسؤال هكذا أفضل، أليس كذلك؟‍!
10-لا تلقِ بالاً لصياغة الأسئلة ضمن صيغة التقييم العلمي، فتلك أسئلةٌ موجَّهة لأصحاب اختصاصٍ ناضجين ومخوّلين حرية التقييم (رقمياً وباتجاه الزيادة أو النقصان). وما تراه في صياغة أسئلة تقييمهم من (توجيه) طبيعي جداً، وهم أنفسهم يتوقعونه، لأن للدار الناشرة منهجاً مرسوماً، والتوجيه فيه وبه وإليه… واجبٌ.
11- انتبه إلى أن تتالي الأسئلة حسب التسلسل الرقمي الوارد في (التطبيق العلمي المفترض) ليس مُلزماً لك. ويفرض عليك واقعُ الحال خلال الجلسة، تغييراتٍ ومستجدّات، فكن مرناً، لكن دُر في فلك الخطوط العامة للمنهج والمعيار.
12- لا تتردد في قراءة كتبٍ تخصيصية في فن الحوار والأسئلة وإدارة الجلسات مع الجمهور.
13- عيونُ الأطفال، حركاتهم، إيماءاتهم الموحية، أصوات استحسانهم أو استهجانهم، همهمة بعضهم، وصمت آخرين، ولغة الجسم، والاستغراق، والتململ…. ابقَ دوماً على اتصالٍ كافٍ بكل ذلك، وراقب بعين الفاحص المتأمل.
14- إذا ما جعلتَ أحدَ الراغبين من الأطفال يقرأ، فلا تنسى أنك لستَ مدرِّساً يحصى عليه ثغراته، فما هذا مرادُك.
15- يتطلب تحريكُ عقول مجموعةٍ من الناس، قدراً ما من موهبة التمثيل الحركة والصوتي والإيمائي، لا سيما إذا ما كنتَ في مواجهة جمهورٍ بالغ الذكاء كالأطفال. لكن نرجوك ألا تلجأ إلى التمثيل (إلا) إذا كنتَ متيقناً من قدرتك عليه بشهادة غيرك، لا بشهادتك بنفسك.
ومن ذلك أنْ لا مانع من تخفيض طبقة صوتك قليلاً في لفظ جملةٍ قالها مَنْ يسرُّ إسراراً، أو لا مانع من أن تهدِّج صوتك شيئاً ما لتوحي بارتجاف خائفٍ. كما أن الأطفال سيحبونك أكثر، إذا ما تحركتَ خطوةً خاطفةً وأنتَ تقرأ شيئاً من الهرب.
16- ولكَ أن تتخيل (عمرو خالد) جالساً وراء مكتبه لا يتحرك، يتحدث بنفس طبقة الصوت من أول الحلقة إلى آخرها، ثم يختم الحلقة بالدعاء دون أن يضم يديه ويغمض عينيه… ودون أن يترك للدمعة حريتها‍! كم سيكون عدد المشاهدين في الحلقة التالية؟ !
17-انتبه لعنصر الزمن. وانصرفْ والأطفال يتمنون بقاءك. وجملة (والأطفال…) حالية.
18- لخّصْ هذه التوجيهات على ورقة واحدة بخط كبير، وضعها أمامك أثناء الجلسة، وألق عليها نظرةً من حينٍ لآخر.
19- دعنا نهمس في أذنك: إن ما تفعله أعظم أثراً من دور الأب ذاته. وإنَّ أَخْذَكَ للأمر على غير محمل الجدّ، أو ممارستَك له وأنت راغبٌ عنه، لأمرٌ جلل. ونكون لك من الشاكرين إنْ اعتذرتَ عنه ـ إذا كنتَ ستعتذر ـ قبل أن تجرّب… فما هذا أمرٌ يجرَّب.
20- فَتَحَ اللهُ عليك فتوحَ العارفين.