المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فن المقامة ونصوص مقامات بديع الزمان والحريري وابن دريد وبعض التعليقات


حسن خليل
29-10-10, 09:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأخوة الأفاضل والأخوات الفاضلات

أسعد الله أوقاتكم بكل خير

لا يخفى عليكم أعضاء وعضوات هذا المنتدى الغالي مدى أهمية فن المقامة في النثر العربي وفنون الكتابة، ولما لهذا الجانب الغض الطري من عراقة في تاريخ الأدب العربي. لذلك رغبت في أن أجمع معلومات وافية قدر الإمكان حول هذا الفن ونشأته وتطوره من مصادر مختلفة - "أهمها كتاب "في النثر العربي وفنون الكتابه" - لنقف عليها وقوف المتأمل، آملاً أن تكون لنا مرجعاً يستفيد منه الجميع، ونستمتع معاً بقراءة المقامات المختلفة لكبار الكتاب والتعليقات عليها من خلال الصفحات القادمة في هذا الموضوع إن شاء الله.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الفن العربي الأصيل يستحق اهتماماً أكثر من ذي قبل من جانب الباحثين والدارسين والأدباء ليعرِّفوا الجيل الجديد جانباً من جمال الأدب العربي بمناهله الثرية وتراثه الضخم.

فن المقامة

المقامة لغةً: تعني في الأصل "مجلس القبيلة وناديها"، وذلك كقول زهير بن أبي سلمى:
فيهم مقامات حِسان وجوهها
وأندية ينتابها القولُ والفعلُ

وقد تعني "الجماعة في المجلس"، كقول لبيد:

ومقامةٍ غُلبِ الرقابِ كأنهمْ
جنٌ لدى باب الحصيرِ قيامُ

وأما المقامة من الناحية الاصطلاحية: فهي نوع من الحكايات القديمة، يتميّز بخصاص معينة من حيث الراوي وبطل الحدَث، ومن حيث الأسلوب القصصي والبديعي البلاغي، حتى يمكن القول: إن كل مقامة حكاية، ولكن ليس كل حكاية مقامة.

ولقد ظهر هذا الفن في القرن الرابع الهجري ويمکن القول أن جوهره هو تلك القصص والحکايات إلا أن مبدعيها تعمدوا التصنيع والتأنيق فيها. وهذه المقامات تضم الحکايات والنوادر والمطايبات، بينما لا تخلو من جوانب تاريخية وحکمية وأدبية.

والشائع بين الدارسين في الغلب أن مبدع المقامات بشكلها المعروف هو أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد ، أبو الفضل الملقب ببديع الزمان الهمذاني (من سنة 357هـ إلى 398هـ)، ولكن بعضهم يرى أن ابن دريد قد سبقه إليها حيث کان راوية وعالماً ولغويّاً وقد عنی برواية أحاديث عن الأعراب وأهل الحضر. وكان أوّل من لفت إلى هذا الدكتور زكي مبارك وممن تبعه فيه الدكتور شوقي ضيف، الذي لاحظ أيضاً أن جذورها موجودة قبل ابن دريد عن الجاحظ وإذا كان هو لم يعزّز كلامه عن تأثير الجاحظ في فن المقامه بنصوص، فقد وقعنا على نصوص تبيّن هذا خلال الصفحات القادمة، أما مقامات بديع الزمان فبعضهم يرفعها إلى أربع مئة، ولكنها على الأرجح حوالي خمسين مقامه، إذ إن أبو القاسم الحريري (446هـ - 516هـ) الذي اقتفى أثره قد وضع أيضاً نحو هذا العدد، والحريري كما يرى بعض الدارسين هو "أشهر من نَظم المقامات وإليه يرجع الفضل في ذيوع هذا الفن الجميل.

ومع أنه قد كتب المقامات في القديم أعلام كبار من أمثال الزمخشري والسيوطي والزيني وابن الجوزي والقلقشندي، لكن مقامات هؤلاء لم تشتهر شهرة مقامات البديع والحريري، لأن أصحابها لم يُعنوا فيها بروح الفن الحقيقي، فالزمخشري مثلاً قد مال في مقاماته إلى جانب الوعظ والإرشاد، والسيوطي قد مال في مقاماته إلى تصوير جمال النباتات والزهور.

ويعتقد جرجي زيدان أن بديع الزمان الهمذاني اقتبس أسلوب مقاماته من رسائل إمام اللغويين، أبي الحسين أحمد بن فارس (390هـ). بينما يعتبر الدکتور زکي مبارک مقامات الهمذاني مشتقة من أحاديث بن دريد (321هـ) ويری بين مقامات الهمذاني وأحاديث بن دريد مشابهات قوية من حيث الحبکة القصصية واستخدام السجع.

وقد برزت هذه الحركة الأدبية بروزاً واسع النطاق في عصر كثرت به المشاكل والفتن، بالإضافة إلى تغييرات في المجتمع العباسي في أساليب البناء والأكل والغناء والحياة بأسرها والتي جهد في تصويرها بديع الزمان الهمذاني.


سوف تكون التكملة على حلقات بحيث تشمل بنداً من بنود المقامة إن شاء الله.

احساس وافي
29-10-10, 09:18 PM
نبذة جميلة و معلومات أدبية رائعة أخي حسن خليل

شكراً جزيلاً على هذآ الموضوع المفيد

والذي كان بمثابة الأطلالة الخلابة على فن المقامة

تحياتي.

حسن خليل
30-10-10, 07:44 AM
نبذة جميلة و معلومات أدبية رائعة أخي حسن خليل

شكراً جزيلاً على هذآ الموضوع المفيد

والذي كان بمثابة الأطلالة الخلابة على فن المقامة


تحياتي.


الشكر الجزيل لك أخي احساس وافي على تشريفك لهذا الموضوع.

وإن شاء الله سوف نكمل الموضوع حتى يكون مرجعاً في فن المقامة.

لك فائق احترامي وتقديري وامتناني.

شيهانة
31-10-10, 12:39 AM
طرح قيم ... وانتقاء جميل
وإفادة ليست بمستغربة على المتألق حسن خليل
شاكرة لك جميل الاتحاف ..
وحتماً سأكون من المتابعين
كل التقدير

حسن خليل
31-10-10, 06:57 PM
طرح قيم ... وانتقاء جميل
وإفادة ليست بمستغربة على المتألق حسن خليل
شاكرة لك جميل الاتحاف ..
وحتماً سأكون من المتابعين
كل التقدير

مروركِ هو الأجمل أختي شيهانة.

لكِ كل الشكر والتقدير على تشريفك لهذا الموضوع.

حسن خليل
31-10-10, 06:59 PM
خصائص المقامة:

المقامة في حقيقتها حكاية، ولكنها تميزت منها بخصائص معينة، قد أرسى قواعدها بديع الزمان في الكثير من مقاماته، ومن أبرز هذه الخصائص:

1- وحدة الراوي: فهو واحد في مقالات الأديب كلها، على النقيض من الحكاية العادية، إذ قد نجد لكل حكاية قديمة راوياً مختلفاً عن الآخر في الأخرى، وهو في مقامات البديع مثلاً عيسى بن هشام.

2- وحدة البطل الذي يدور حوله الحدث، فهو عند الأديب في المقامات واحد في الغالب، على حين أن الحكايات العادية عن الأديب الواحد قد نجد لكل منها شخصية أساسية يدور حولها الحدث، فبطل مقامات البديع مثلاً هو أبو الفتح الاسكندري.

3- الأسلوب اللغوي والأدبي: والمقامة فيه تميل إلى الألفاظ الغريبة، وإلى المحسنات البديعية من جناس وسجع وطباق وتورية، وذلك على نحو ظاهر أو متكلّف، على حين أن الحكاية قبل المقامات نجدها ذات أسلوب حر مرسل في الغالب وإذن فعبارة المقامة تتقارب بلاغياً وموسيقياً من العبارة الشعرية.

4- تصوير المغامرة الطريفة، ذلك أن بطل المقامات يكون في الغالب عاثر الحظ، على الرغم من علمه وثقافته، ولذا يلجأ إلى الكُدية في الحصول على لقمة عيشه، والكدية هي احتيال المرء للحصول على الطعام أو المال، من خلال لبوسه لحالة ما من الحالات لبوسها. ولكن من دون السؤال المباشر في المال أو الطعام وهنا ينبغي أن نلاحظ أن هذه الحيلة في الكدية تكون في الغالب طريفة ظريفة، مما يضفي على المقامة جواً من المرح والدعابة، ويوفر لها عنصر التشويق، بالإضافة إلى تضافر جميع الخصائص السابقة معاً، وسنتعرف إلى هذه الخصائص كلها من كثب، حين نقدم نماذج محللّة لها.

احساس وافي
01-11-10, 12:58 PM
طيب أستفسآر بسيط أخي حسن

هل تصنف الرويات من فن المقامة أيضاً ؟

وهل إذا تصنف الرويات تحت فن المقامة

هل أنواع الرويات له علاقة ؟

لأن الرويات تختلف تاريخية - أدبية - بولسية - رومنسية ..الخ

يعني بختصار هل نطلق على الرويات بـ صُـنوفها أنها تقع تحت ( فن الماقمة ) ؟

حسن خليل
01-11-10, 03:27 PM
طيب أستفسآر بسيط أخي حسن






هل تصنف الرويات من فن المقامة أيضاً ؟

وهل إذا تصنف الرويات تحت فن المقامة

هل أنواع الرويات له علاقة ؟

لأن الرويات تختلف تاريخية - أدبية - بولسية - رومنسية ..الخ


يعني بختصار هل نطلق على الرويات بـ صُـنوفها أنها تقع تحت ( فن الماقمة ) ؟



حيّاك الله أخي احساس:

لا تصنّف الروايات ضمن فن المقامة، حيث أن هناك اختلاف جوهري بينهما.

الروايات قريبة من القصص.

ولا أعتقد أننا يمكن أن نطلق على الروايات بصنوفها أنها تقع ضمن فن المقامة.

لكن أحياناً تكون المقامة قريبة من القصة أحياناً مثل المقامة البغدادية والمقامة المضيرية لبديع الزمان الهمذاني.

وإن شاء الله سوف نتكلم عن فنون الكتابة الأدبية الأخرى بعد أن ننهي موضوع المقامة في موضوعات منفصلة (مثل الحكاية والقصة والرواية والخاطرة والمقالة والمسرحية والأمالي والسيرة والخطابة والأمثال).

لك شكري وتقديري واحترامي.

حسن خليل
02-11-10, 07:55 AM
المقامات في العصر الحديث:

لم يقتصر الاهتمام بفن المقامة على الأدباء في القديم، وإنما قد أبدى اهتماماً به بعض الأدباء في العصر الحديث، فقد تأثروا بمقامات البديع والحريري خاصة، إذ استظرفوا أسلوبها الشعري البلاغي، ولاحظوا أن بعضها تتوفر فيه عناصر القصة الحديثة، مثل: المقامة المضيرية والبغدادية للبديع، أو المقامه المكية للحريري، ... وإذا كان القدماء قد أولعوا في القرون الوسطى بمقامات الحريري لملهم إلى أسلوب الصنعة والزخرف البديعي، .. فلا شك أن الذوق في هذا العصر يميل أكثر إلى مقامات البديع، وذلك لأنه كما يقول زكي مبارك بحق: ".. عند مقارنة مقامات البديع بمقامات الحريري يتبين لنا أن لغة بديع الزمان خالية من التكلف والاعتساف، وأما لغة الحريري فتعد من أغرب نماذج النثر المصنوع ..، وأما شوقي ضيف فيقول عن أسلوب البديع إنه: يدل على ذوق رفيع يعرف كيف يختار الكلمة المناسبة، وكيف يضعها في مواضعها، فلا نبوَّ ولا شذوذ، بل دائماً دقة وضبط وإحكام في عذوبة وسلاسة وتناسق وانسجام .." على أن الحريري وجد بين الأدباء اللغويين من يؤثره، ويتأثره في كتابه المقامة، من أمثال إبراهيم اليازحي (1800-1871)، الذي وضع مقامات قلّد الحريري فيها، وسمّاها "مجمع البحرين"، وقد أودعها ثقافته اللغوية الواسعة، على نحو أفقدها حيوية هذا الفن ظرفه. ومن أشهر المحاولات الحديثة في كتابة المقامة محاولة محمد المويلحي في كتابه "حديث عيسى بن هشام" ويلاحظ من العنوان أنه يتأثر ببديع الزمان في مقاماته، فعيسى بن هشام كما مرّ بنا هو راوية البديع من المحاولات الحديثة أول هذا القرن في كتابه المقامة كتاب "ليالي سطيح" لشاعر النيل حافظ إبراهيم.

وفي زمننا هذا نجد أن من المعجبين بهذا الفن هو الدكتور/عائض القرني وله كتاب كامل في المقامات سمّاه المقامات.

حسن خليل
05-11-10, 05:09 PM
المقامة في العصر الحديث (وجهة نظر أخرى):

لم يخلو قرنا واحدا من القرون من فن المقامة ومع ذلك فقد وجدنا في هذا العصر إلى جانب الأنماط المقامية التي تواكب أسلوب المقامة الكلاسيكية أنماطا أخرى مختلفة تماما سواء من حيث الشكل أو المضمون .

إن هذا العصر هو عصر التخصص (عصر الصحافة، القصة، المقالة) فقد كان طبيعيا أن يأخذ كل فن مجاله الطبيعي ولعل هذا التجديد جاء نتيجة الديباجة المقامية التي احتوت في داخلها ألوان شتى من الفنون لم يشأ لها أن تظهر في الصور القديمة على نحو مستقل .

من الطبيعي أن تتجه المقامات الحديثة اتجاهات متشعبة كخطوة أولى نحو اتصال الفنون التي اشتملت عليها المقامة القديمة وظهورها كفنون مستقلة .

لم تعد للمقامة في العصر الحديث فعاليتها القديمة فقد آل أمرها إلى التفكك، والتحلل من عناصرها المختلفة التي ظلت تتكون منها وهي القصة والمقالة .

هذا العصر عصر التخصص في الأنواع ولم يكن من الممكن أن يقبل الذوق العام المعاصر فناً كفن المقامة فهذا العصر (عصر القصة والمقالة والكاريكاتير) وهي فنون جميعها تغني عن فن المقامة.

اتجاهات المقامة الحديثة :

- مقامات التزمت المنحى الكلاسيكي :

ونعني بها المقامات التي سارت على النمط الذي وضعه بديع الزمان الهمذاني أو التزمت بتقليد نموذج قديم سبق إليه المقاميون من بعده مثل مقامات محمد أفندي الجزائري .

- مقامات جنحت نحو أدب القصة :
كحديث عيسى بن هشام للمويلحي .

- مقامات جنحت نحو أدب المقالة بوجهها العام أو بصورتها القصصية :
مثل المقامة الشريفية في مزايا اللغة العربية / محمد أفندي شريف .

حسن خليل
05-11-10, 05:13 PM
تطوير فن المقامة:

على الرغم من أن الدكتور شوقي ضيف يرى أن التعقيد اللغوي في كتابة المقامة عند بعض الأدباء في العصر الحديث من أمثال اليازجي قد يكون هو "السبب الحقيقي في أدباءَنا المحدثين نفروا من الجري والسبق في هذا المضمار، وكأنهم وجدوه لا يلائم الذوق الحديث.."، فإن فن المقامة قد ظل له بين الأدباء من يجرّب الكتابة فيه كلّما رأى ذلك مناسباً وإذا كان بعض الدارسين من أمثال الدكتور عبدالرحمن ياغي يرون أن "العنصر الدرامي أو المسرحي في هذا الفن يقف قوياً .. ظاهراً .. إلى جانب العنصر اللغوي، بحيث يفوق الكثير من العناصر القصصية، فهو إلى المسرحية أقرب منه إلى القصة". فإن بعض المقامات المشهورة للبديع والحريري قد مُثلت على المسرح أو من خلال التلفاز، وذلك بعد إجراء لمسات مناسبة عليها، والحق أن فن المقامة في هذا العصر ما زال له تميّزه وسحره الخاص عند المثقفين، على نحو يدعو إلى تطوير قواعده، بما يتناسب وهذا العصر، وما ظهر فيه من وسائل تمثيل، مثل: السينما والتلفاز، فضلاً عن المسرح، ونحن نرى أن تطوير فن المقامة ينبغي أن يتلاءم مع هذه الوسائل الحديثة، فضلاً عن التلاؤم مع الذوق المعاصر، وذلك يكون بالابتعاد عن الألفاظ المتأبدة الغريبة، وبالابتعاد عن التعقيد البلاغي في الأسلوب، ولا بأس هنا من الإبقاء على السجع، من أجل الموسيقى، شريطة أن يكون هذا السجع طبيعياً غير متكلّف، كذلك لا بأس من مراعاة الحوار المسرحي التمثيلي الحديث، والابتعاد عن أسلوب "قال وقلت القديم"، وإذا كان لا ضير من الابقاء على دور الراوي في المقامات فإن من الأفضل عدم الإبقاء على وحدة البطل، ذلك أن التنويع في الشخصية الأساسية قد يكون شائقاً أكثر، لأنه أقرب إلى طبيعة الواقع، وأبعد عن التكلف، الذي يضطر الكاتب خلال مقامات كثيرة إلى أن يُلبس بطله الواحد لبوس حالات عدة، والحق أن من أوائل الدارسين الذين تنبهوا إلى هذا هو الدكتور زكي مبارك، إذ نجده يقول:

"من مظاهر الضعف عن بديع الزمان ومن حاكاه وقوفه عند شخصية واحدة، فأبو الفتح الاسكندري يتنقل من قصة إلى قصة، وعيسى بن هشام يحدثنا في كل مرة عن دهشته من كشف شخصيته، مع أنه كان يكفي أن يشتبه عليه أمره مرةً أو مرتين، ولكنه في جميع الأحوال يصل فيه عرفانه، ولا يتبينه إلا بعد كشف اللثام.

وأخيراً فلا بأس على فن المقامة الحديث من أن يتحرر من إسار موضوع "الكُدية" القديم، لينطلق ويعالج المشكلات الاجتماعية المعاصرة المختلفة المتنوعة؛ فهذا أجدى للقارئ وأكثر متعة ... وبعد .. فإننا في دعوتنا إلى الاهتمام بفن المقامة وتطويرها بما يتناسب والعصر الحديث، لسنا بأوّل المبادرين، ذلك أننا نجد الدكتور شوقي ضيف يحرص على أن ينهي كتابه "المقامة" بهذه الدعوة إذ يقول: ".. إننا لنأمل أن يجد هذا الفن بين الشباب من يُعيد إليه الحياة، ومن يهب له حيوية خصبة، لا في إطاره السابق، بل في إطار جديد، لا يرتبط بالموضوع البسيط القديم، ولا بأبطاله الشحاذين، وإنما يرتبط بحياته الاجتماعية الحديثة، وما بها من لواذع السخرية في الكلِم والمواقف.

حسن خليل
09-11-10, 06:21 PM
أقوال في أسباب نشأة المقامة:

الظروف السياسية:

أطل القرن الرابع الهجري على الدولة الإسلامية فوجدها من الوجهة السياسية تفاريق وأجزاء. عصفت بها رياح الخلاف والاختلاف.

أسهم بعض خلفاء الدولة العباسية في قيام دويلات ساهمت في الإغراء بقيامها إغراءً قوياً شديداً.

هذه الدويلات التي أنشئت حركت الدوافع الكامنة في نفوس كثير من الأجناس، والقوميات التي يتشكل فيها جسم الدولة على أساسات مختلفة.

في ظل هذه الظروف السياسية، وما أصاب الدولة الإسلامية من تدهور سياسي مريع برز فن المقامة واستوى ناضجاً له أصوله ومقوماته ملامحه وسماته.

برزت الحركة الأدبية بروزاً واسع النطاق في عصر كثرت به المشاكل والفتن بالإضافة إلى تغييرات في المجتمع العباسي في أساليب البناء والأكل والغناء والحياة بأسرها هي التي أصبحت الأساس التي قام عليها المجتمع العباسي الجديد، والتي جهد في تصويرها بديع الزمان الهمذاني من خلال مقاماته.

الظروف الاجتماعية:
اتشحت الحياة الاجتماعية برداء الحياة السياسية الخلق وراح أمراء تلك الدويلات المتناثرة على بقعة الأرض العربية الإسلامية يتنافسون في ابتداع ألوان من السرف، ويفتنون في ابتكار ضروب من الترف، قد يستطيع العقل أن يتخيلها، ولكنه يعجز تماما عن أن يحققها.

كان من الطبيعي أن تكون هذه الحياة البذخة الممزقة باهظة التكاليف، وهذه التكاليف الباهظة يجب أن يتحملها الشعب المقهور كي لا يفسد على سادته متعتهم وينغص عليهم مسرتهم وعيشهم.

في ظل هذه الحياة اللاهية العابثة من جانب، والقاسية من جانب آخر كان من الطبيعي أن تكثر المجاعات وتنتشر السرقات وتفشي ألوان من الفسق والفجور وتشيع الكدية والاستجداء.

لم يكن حال الأدباء في هذا العصر أفضل من حال مواطنيه فقد انقسموا إلى صنفين:

1. صنف أتيح له أن يتصل بالأمراء، ويخالط الوزراء ويحيا على أكتافهم ينعم بلذائد الحياة المادية ما وجد إلى ذلك سبيلا.

2. صنف آخر لم يتح له النجاح في تحقيق الصلة مع الأمراء، والوزراء أو عافت نفسه ذلك الاتصال هؤلاء قاسوا شظف العيش وضنك الحياة وعانوا لذع الحرمان ومرارته.

شاعت في هذا العصر ثلاث ظواهر في المجتمع آنذاك شيوعا كبيرا:

1. الظاهرة الأولى: الاستكثار من الجواري والغلمان.
2. الظاهرة الثانية: انتشار مجالس اللهو والمجون.
3. الظاهرة الثالثة: ظهور طائفة من الأدباء الفقراء يجوبون البقاع يتكسبون بأدبهم ويتسولون به لقمة العيش لأولادهم ويحتالون في سبيل ذلك احتيالا بالغاً، وقد يستغلون سذاجة البسطاء من عامة الناس عرفت هذه بأهل الكدية وهو ما صرح عنه بديع الزمان في بعض مقاماته.


الظروف الثقافية:

تحول كثير من الأدباء في هذا العصر إلى ندماء في قصور الخلفاء أو مستجدين لأموالهم بواسطة المديح إلا أن هذا الجانب وحده لا يعطي صورة حقيقة للحركة الفكرية.

لم يقتصر العباسيين في فكرهم على الفكر العربي الإسلامي الخالص بل فتحوا الباب واسعاً أمام التيارات الثقافية المختلفة المعروفة آنذاك ( الهندية، الفارسية، اليونانية) تركوها تتصارع مع الفكر الإسلامي الخالص، وتلونه.

لقد فتح العباسيون المجال لحرية الفكر في كل اتجاهاتها إلا اتجاها واحدا هو التعرض إلى سلامة الدولة.

لقد أصبح الفنان الشاعر و الأديب في كثير من حالاته بهلوانا أو مستجديا في قصور الخلفاء. ثم أن الفكر نفسه قد صار يتعامل به المشعوذون.

أمكن لنا ذلك أن نعرف أن ما جمعه بديع الزمان في مقاماته بمهارة تقدم صورة واهية لذلك المجتمع العباسي . غير أن الصورة التي استقى منها بديع الزمان فن المقامة تظل ناقصة إذا أهملنا ظاهرة هامة لعبت دورا رئيسيا في تلك الفترة وهي ظاهرة البؤس التي آل إليها كثير من الأدباء، وأصحاب المهارات في ذلك المجتمع وهنا تتضح كيف كانت المقامة الفنية عند بديع الزمان الهمذاني وليدة بيئة بعينها في مرحلة معينة من مراحل التاريخ .



اسم المقامة وطولها:


غالباً ما تؤخذ أسماء المقامات من اسم البلد الذي انعقد فيه مجلسها، فمن أسماء مقامات الحريري مثلاً: المقامة الصنعانية، المقامة الحلوانية، المقامة الكوفية، المقامة المراغية، المقامة الدمشقية، المقامة البغدادية، المقامة السنجارية، وتختلف المقامات فيما بينها في الطول، فقد تكون طويلة، وقد تكون قصيرة.



تأثير المقامة العربية في أدب العالم:


يشير بعض النقاد الى أن المقامة العربية قد أثرت في الأدب الغربي تأثيراً واسعاً، فقد أثار بعض الباحثين مسألة تأثيرها في (الكوميديا الإلهية) لدانتي، وكان لأثرها بروزٌ كبيرٌ وواضحٌ في قصص الشطّار الأسبانية التي تتحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس وقصص الطماعين والشحاذين، مما أوحى به مضمون المقامة، واعترف به المهتمون بالأدب الأندلسي استناداً الى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا.

حسن خليل
11-11-10, 09:04 PM
نص المقامة البغدادية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيَسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: اشْتَهَيْتُ الأَزَاذَ، وأَنَا بِبَغْدَاذَ، وَلَيِسَ مَعْي عَقْدٌ عَلى نَقْدٍ، فَخَرْجْتُ أَنْتَهِزُ مَحَالَّهُ حَتَّى أَحَلَّنِي الكَرْخَ، فَإِذَا أَنَا بِسَوادِيٍّ يَسُوقُ بِالجَهْدِ حِمِارَهُ، وَيَطَرِّفُ بِالعَقْدِ إِزَارَهُ، فَقُلْتُ: ظَفِرْنَا وَاللهِ بِصَيْدٍ، وَحَيَّاكَ اللهُ أَبَا زَيْدٍ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ وَأَيْنَ نَزَلْتَ؟ وَمَتَى وَافَيْتَ؟ وَهَلُمَّ إِلَى البَيْتِ، فَقَالَ السَّوادِيُّ: لَسْتُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَلَكِنِّي أَبْو عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَعَنَ اللهُ الشَّيطَانَ، وَأَبْعَدَ النِّسْيانَ، أَنْسَانِيكَ طُولُ العَهْدِ، وَاتْصَالُ البُعْدِ، فَكَيْفَ حَالُ أَبِيكَ ؟ أَشَابٌ كَعَهْدي، أَمْ شَابَ بَعْدِي؟ فَقَالَ: َقدْ نَبَتَ الرَّبِيعُ عَلَى دِمْنَتِهِ، وَأَرْجُو أَنْ يُصَيِّرَهُ اللهُ إِلَى جَنَّتِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلاَ حَوْلَ ولاَ قُوةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيم، وَمَدَدْتُ يَدَ البِدَارِ، إِلي الصِدَارِ، أُرِيدُ تَمْزِيقَهُ، فَقَبَضَ السَّوادِيُّ عَلى خَصْرِي بِجِمُعْهِ، وَقَالَ: نَشَدْتُكَ اللهَ لا مَزَّقْتَهُ، فَقُلْتُ: هَلُمَّ إِلى البَيْتِ نُصِبْ غَدَاءً، أَوْ إِلَى السُّوقِ نَشْتَرِ شِواءً، وَالسُّوقُ أَقْرَبُ، وَطَعَامُهُ أَطْيَبُ، فَاسْتَفَزَّتْهُ حُمَةُ القَرَمِ، وَعَطَفَتْهُ عَاطِفُةُ اللَّقَمِ، وَطَمِعَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ، ثُمَّ أَتَيْنَا شَوَّاءً يَتَقَاطَرُ شِوَاؤُهُ عَرَقاً، وَتَتَسَايَلُ جُوذَابَاتُهُ مَرَقاً، فَقُلْتُ: افْرِزْ لأَبِي زَيْدٍ مِنْ هَذا الشِّواءِ، ثُمَّ زِنْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الحَلْواءِ، واخْتَرْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الأَطْباقِ، وانْضِدْ عَلَيْهَا أَوْرَاقَ الرُّقَاقِ، وَرُشَّ عَلَيْهِ شَيْئَاً مِنْ مَاءِ السُّمَّاقِ، لِيأَكُلَهُ أَبُو زَيْدٍ هَنيَّاً، فَأنْخّى الشَّواءُ بِسَاطُورِهِ، عَلَى زُبْدَةِ تَنُّورِهِ، فَجَعَلها كَالكَحْلِ سَحْقاً، وَكَالطِّحْنِ دَقْا، ثُمَّ جَلسَ وَجَلَسْتُ، ولا يَئِسَ وَلا يَئِسْتُ، حَتَّى اسْتَوفَيْنَا، وَقُلْتُ لِصَاحِبِ الحَلْوَى: زِنْ لأَبي زَيْدٍ مِنَ اللُّوزِينج رِطْلَيْنِ فَهْوَ أَجْرَى فِي الحُلْوقِ، وَأَمْضَى فِي العُرُوقِ، وَلْيَكُنْ لَيْلَّي العُمْرِ، يَوْمِيَّ النَّشْرِ، رَقِيقَ القِشْرِ، كَثِيفِ الحَشْو، لُؤْلُؤِيَّ الدُّهْنِ، كَوْكَبيَّ اللَّوْنِ، يَذُوبُ كَالصَّمْغِ، قَبْلَ المَضْغِ، لِيَأْكُلَهُ أَبَو َزيْدٍ هَنِيَّاً، قَالَ: فَوَزَنَهُ ثُمَّ قَعَدَ وَقَعدْتُ، وَجَرَّدَ وَجَرَّدْتُ، حَتىَّ اسْتَوْفَيْنَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَبَا زَيْدٍ مَا أَحْوَجَنَا إِلَى مَاءٍ يُشَعْشِعُ بِالثَّلْجِ، لِيَقْمَعَ هَذِهِ الصَّارَّةَ، وَيَفْثأَ هذِهِ اللُّقَمَ الحَارَّةَ، اجْلِسْ يَا أَبَا َزيْدٍ حَتَّى نأْتِيكَ بِسَقَّاءٍ، يَأْتِيكَ بِشَرْبةِ ماءٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَجَلَسْتُ بِحَيْثُ أَرَاهُ ولاَ يَرَانِي أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ، فَلَمَّا أَبْطَأتُ عَلَيْهِ قَامَ السَّوادِيُّ إِلَى حِمَارِهِ، فَاعْتَلَقَ الشَّوَّاءُ بِإِزَارِهِ، وَقَالَ: أَيْنَ ثَمَنُ ما أَكَلْتَ؟ فَقَالَ: أَبُو زَيْدٍ: أَكَلْتُهُ ضَيْفَاً، فَلَكَمَهُ لَكْمَةً، وَثَنَّى عَلَيْهِ بِلَطْمَةٍ، ثُمَّ قَالَ الشَّوَّاءُ: هَاكَ، وَمَتَى دَعَوْنَاكَ؟ زِنْ يَا أَخَا القِحَةِ عِشْرِينَ، فَجَعَلَ السَّوَادِيُّ يَبْكِي وَيَحُلُّ عُقَدَهُ بِأَسْنَانِهِ وَيَقُولُ: كَمْ قُلْتُ لِذَاكَ القُرَيْدِ، أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَهْوَ يَقُولُ: أَنْتَ أَبُو زَيْدٍ، فَأَنْشَدْتُ:

أَعْمِلْ لِرِزْقِكَ كُلَّ آلـهْ *** لاَ تَقْعُدَنَّ بِكُلِّ حَـالَـهْ


وَانْهَضْ بِكُلِّ عَظِـيَمةٍ *** فَالمَرْءُ يَعْجِزُ لاَ مَحَالَهْ

معاني الكلمات:

1- الأزاد: نوع من التمر الجيد
2- على نقد: أي والحال أني مُعدم لا مال عندي
3- المحالُّ: جمع محلة، والمراد بها الأماكن التي يوجد بها الأزاذ، وانتهز: المراد منه أتلمس وأقصد، ولكنه جعلها كالغنيمة التي يسارع لانتهازها اللَّبقُ، والكرخ: محل ببغداد، والضمير في "أحلني" راجع إلى الأزاذ، من باب إسناد الفعل للسبب.
4- السواد: ريف العراق وقُراه، والنسبة إليه سواديٌّ، والمراد رجل من أهل السَّواد، وهم – في أغلب الأحوال – أغرار لا يفطنون لدقيق الحيل.
5- أراد بالصيد ذلك الرجل، ثم أقبل عليه يحادثه ويكالمه، ويتدخل معه، ينال منه ما أراد.
6- أخذ يُدخلُ بحيلته في روع السَّوادي أنه أليف قديم وصاحبٌ من عهد بعيد، فلما أخطأ تكنيته، وخشى ألا تجوز حيلته، عمد إلى انتحال المعاذير، بطول أمد الفراق، وبعد عهد التلاق.
7- المراد بالدِّمنة القبر، والربيع هنا: النبات، وكنى بذلك عن موته منذ عهد ليس بالقصير.
8- البِدار: المبادرة والمسارعة، والصِّدار: ثوب يلبس مما يلي الجسد، والمعنى أنه حين سمع بموت أبيه بادرَ إلى ثوبه ليمزقه؛ إظهاراً للجزع، وتأكيداً للحيلة بأنه صديق أبيه.
9- جُمْع اليد، بضم الجيم: قَبضَتها، والمعنى أنه قبض بكل يده عليه ليمنعه من تمزيق صِدَاره.
10- استفزته: استهوته وحركته بشدة، والحمة في الأصل: إبرة العقرب التي تلسع بها، ثم حملت على الشدة مطلقاً، والقَرَم: الشهوة البالغة لأكل اللحم، واللقم: السرعة في الأكل، والمعنى أن شدة حبه للطعام وعظيم شوقه إليه أسْرعا به إلى موافقتي.
11- الجوذابة: رغيف يخبر وفوقه طائر أو قطعة لحم.
12- السماق: حب صغير أحمر حامض يعتبر من المُشهِّيات.
13- الساطور: سكين عظيمة، وبهذا الاسم تعرف عند العامة من أهل مصر إلى يومنا هذا.
14- اللوزينج: نوع من الحلوى يتخذ من الخبر، ويسقى بدهن اللوز، ويحشى بالنَّقْل، ومعنى كنوه ليليَّ العمر أنه صنع ليلا، ومعنى كونه نهاريَّ النَّشر أنه قد ظهر نهاراً، ليكون – بعد مضي هذا الوقت – قد شرب دهنه وعسله.
15- يشعشع: يخلط، ومن ثم قيل للخر: مشعشعة؛ لأنها تشرب مخلوطة بالماء كثيراً، قال عمرو بن كلثوم:
مُشَعشَعةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ******إذا ما الماء خَالَطَها سَخِينا
16- ويقمع: يقهر، والصارة: شدة الحر، ويفثأ: يكسر ويخفف، والمعنى إننا في حاجة إلى الماء المخلوط بالثلج، ليبرد عنا سطوات الحر، ويخفف من حدة هذا الأكل في أجوافنا.
17- اعتلق: تعلَّق أمسك، أي أن الشَّوَّا لم يتركه يخرج، بل أمسك به ليستوفي حقه منه.
18- أكلته ضيفاً: أي كنت مدعُواً لتناول هذا الطعام، فلا يحل لك أن تطالبني بثمنه؛ لأن الضيف لا يدفع ثمن ما يأكل.
19- هاك: اسم فعل بمعنى خُذ، والمعنى: تناول من الضرب واللكم ما أنت به خليق.
20- القِحَة: الوقاحة وسوء الأدب، ومعنى زن عشرين: أعْطِ وزن عشرين درهما.
21- المعنى: لا تكن خائر القوى فتقعد عن طلب الرزق وأنت تعلم أنه لا يأتيك حتى تعمل له، ولا يُقبِل عليك حتى تسير إليه، بل أجهد نفسك، وادأب في السعي إليه، ولا تدخر وسعاً في تحصيله.
22- أي أنه لا بد أن يأتي على المرء يوم يعجز فيه عن القيام بحاجته؛ فانتهز فرصة شبابك وقوتك، واغتنم من فتوتك، وحداثة سنك ما يساعدك على القيام بعظائم الأمور، وجلائلها.

وفي الحلقة القادمة سنعرض التعليق والتحليل حول المقامة.

حسن خليل
13-11-10, 08:33 PM
تعليق وتحليل على المقامة البغدادية:

بديع الزمان الهمذاني أديب مشهور من أدباء القرن الرابع للهجرة، نشأ بهمذان، ودرس فيها العربية والأدب، ثم رحل إلى نيسابور، وأخذ يكتب المقامات، فذاع صيته، وراح يتجوّل في المدن والقرى الفارسية، "ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان بلدة إلا دخلها، واستفاد خيرها، وقد مات وهو في سن الأربعين، سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة للهجرة بعد أن أشهر فن المقامة وأذاعه وأرسى قواعده، وإن كانت بذوره موجودة قبله، عند الجاحظ وابن دريد، على نحو ما مرّ بنا.

وأما المقامة البغدادية فتتميز بحلاوة الدعابة وظرافة الحيلة فيها، وهي من أشهر المقامات التي كتبها بديع الزمان، ولا ينافسها في الشهرة، كما يرى زكي مبارك، سوى مقامته الأخرى، الموسومة بالمقامة "المضيرية" ... واللافت هنا أن الموازنة بين المقامتين تتمخض عن استخلاص الخصائص العامة لفن المقامة، كما غلبت عند بديع الزمان في سائر مقاماته، وكما حذا على مثالها الحريري بعده، إذ يلاحظ أن كلتا المقامتين تكاد توجد فيها عناصر القصة القصيرة بشروطها الحديثة: (البداية المشوّقة .. والحبكة .. والخاتمة المفاجئة"، ولكن مع ملاحظة أن المقامة البغدادية أقرب إلى روح المقامة، على حين أن المقامة المضيرية أقرب إلى روح القصة فهي لا تدور حول "الكدية"، كالمقامة البغدادية.

ويلاحظ أن راوية البديع "عيسى بن هشام" موجود في كلتيهما، على حين أن بطل مقامات البديع "أبا الفتح الإسكندري" لا نجده في المقامة البغدادية، وإنما نجده في المقامة المضيرية كسائر المقامات، ولسنا ندري السبب في حلول الراوية عيسى بن هشام محله في المقامة البغدادية: هل سقط من المقامة العبارة التقليدية التي تشير إلى أنه يروي عن صديقه أبي الفتح، على نحو ما نجد في المقامة المضيرية مثلاً أم هل قصد البديع إلى أن يصور الراوية، وقد أخذ دور أبي الفتح في الحيلة والكدية؟ والمعروف في معظم المقامات أن بطل البديع أبا الفتح يتصف بصفات معينة: فهو أديب وشاعر ولكنه فقير وسيئ الحظ، ولذا نراه يعمد إلى الحيلة في تحصيل الطعام والمال، والغريب أن هذه الصفات جميعاً تتقاسمها المقامتان السابقتان. فنحن نرى عيسى بن هشام يقدم لنا صديقه أبا الفتح وما يتمتع به من بلاغة وأدب بقوله في بداية المقامة المضيرية: "... ومعي أبو الفتح الأسكندري رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه، والبلاغة يأمرها فتطيعه"، ولكننا لا نجد فيها شيئاً من حيله وكديته، وإنما نجد شيئاً من هذا في المقامة البغدادية عند صديقه الراوية، الذي يبدو يشبهه في ميله ولجوئه إلى الكدية، فالحيلة التي يلجأ إليها حين دخل بغداد تبدو ظريفة وطريفة حقاً، إذ تجوز على "السواديّ": هذا الفلاح الطيب البريء، فتوقعه في مأزق، لا يدري كيف أوقعه فيه هذا المحتال "العفريت" أو القُريد" على حد تعبيره: "كم قلت لذاك القُريد: أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد".

ويرى الدارسون أن شخصية الراوية عيسى بن هشام هي شخصيّة خيالية، لا وجود لها، وأما شخصية بطل مقاماته في الغالب أبو الفتح الإسكندري صاحب الكدية، فيرون أنه قد استوحاها من شاعرين مكدين في عصره وبيئته وهما: الأحنف العكبري وأبو دلف الخزرجي، ذلك أن "طائفة من أصحاب الكدية في عصر البديع قد برزت، وكانوا يعرفون حينئذ بالساسانيين نسبة إلى ساسان، واشتهر من هذه الطائفة في عصره شاعران عقد لهما الثعالبي في يتيمته "فصلين طويلين، وهما الأحنف العكبري وأبو دلف الخزرجي، وصلة البديع في مقاماته بهذين الشاعرين وتأثره بهما تقوم عليه أدلة كثيرة..".

... وأما اللغة فهي تميل إلى الغريب في كلتا المقامتين على نحو ما نجدها في سائر مقامات البديع، كاستعماله في المقامة البغدادية لألفاظ غير مأنوسة نحو "جوذباته، الصارة، حُمة القرم"، ولا عجب في هذا؛ لأن أكثر الدارسين يرون أن من أهداف كتابة المقامات كان تعليم اللغة في عصر كان الاهتمام باللغة كبيراً، يقول الدكتور شوقي ضيف "... والحق أن مقاماته (البديع، إنما أراد بها إلى غاية تعليمية، ولذلك حشد فيها هذه الألفاظ الغريبة".

وأما الأسلوب في المقامتين (البغدادية والمضيرية) فهو كأسلوب البديع في سائر مقاماته يميل إلى المحسنات البديعية ميلاً واضحاً، حتى غدا هذا الأسلوب من الخصائص المميزة لكتابة المقامة بعده، ولكن مع ملاحظة أن أسلوب بديع الزمان يبدو رشيقاً غير متكلف، وله وقعه الموسيقي الحسن في الأذن والنفس نحو قوله في المقامة البغدادية" .. فإذا أنا بسواديّ يسوق بالجهد حماره، ويطرف بالعقد إزاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحياك الله أبا زيد .." أو قوله "... لعنَ الله الشيطان وأبعد النسيان، أنسانيك طول العهد واتصال البعد، فكيف حال أبيك: أشابٌ كعهدي أم شابَ بعدي..؟!

وإذن فأسلوب البديع شعري يبدو "خفيفاً رشيقاً، فليس فيه تكلف، وليس فيه صعوبة ولا جفاء، فهو دائماً كأنما يستمد من فيض لغوي لا ينفد، وتراه إزاء المعنى، وكأنه الصائد الماهر الذي يحسن إلقاء شِباكه على صيده، فلا يخطئه بل يصيبه دائماً ويخيل إليك كأنه يجمع نفسه جمعاً إزاء الكلمات اللغوية، فإذا هو قد أحصاها إحصاءً، وإذا هو يجيء بما يوافقه ويريده منها، وكأنه يمسك بزمامه.."

وبعد .. فنخلص مما سبق أن أهم خصائص المقامة، كما أرسى قواعدها البديع هي: وحدة الراوي في جميع المقامات، وهو عيسى بن هشام ووجود البطل وهو في معظمها أبو الفتح الإسكندري، وله صفات معينة أبرزها: أنه أديب وعالم، ولكنه فقير سيّء الحظ، ولذا فهو يلجأ إلى الحيلة الظريفة في تحصيل لقمة عيشه.

ومن هذه الخصائص أيضاً: موضوع الكدية الذي تدور حوله، والميل إلى غرابة اللفظ، وإلى أسلوب المحسنات البديعية، وهذه الخصائص هي التي غلبت على فن المقامة، حتى بعد البديع كما نجد عند الحريري مثلاً على نحو ما سوف نرى في النص القادم.

حسن خليل
14-11-10, 05:37 PM
المقامة المكية للحريري:

حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: نهضْتُ من مدينةِ السّلامِ. لحِجّةِ الإسلامِ. فلمّا قضيْتُ بعَونِ اللهِ التّفَثَ. واستبَحْتُ الطّيبَ والرَّفَثَ. صادَفَ موسِمُ الخيْفِ. معْمَعانَ الصّيفِ. فاستَظْهَرْتُ للضّرورةِ. بِما يَقي حرَّ الظّهيرةِ. فبَينَما أنا تحتَ طِرافٍ. مع رُفقَةٍ ظِرافٍ. وقدْ حَمِيَ وَطيسُ الحصْباء. وأعْشى الهَجيرُ عينَ الحِرْباء. إذ هجَمَ عليْنا شيخٌ مُتَسَعْسِعٌ. يتْلوهُ فتًى متَرَعرِعٌ. فسلّمَ الشيخُ تسْليمَ أديبٍ أريبٍ. وحاوَرَ مُحاوَرَةَ قَريبٍ لا غَريبٍ. فأُعْجِبْنا بما نثَرَ منْ سِمْطِهِ. وعِجبْنا منِ انبِساطِه قبلَ بسْطِهِ. وقُلْنا لهُ: ما أنتَ. وكيفَ ولَجْتَ وما استأذَنْتَ؟ فقال: أما أنا فعَافٍ. وطالِبُ إسْعافٍ. وسِرُّ ضُرّي غيرُ خافٍ. والنّظَرُ إليّ شفيعٌ لي كافٍ. وأمّا الانْسِيابُ. الذي علِقَ بهِ الارتِيابُ. فَما هوَ بعُجابٍ. إذ ما علَى الكُرَماء منْ حِجابٍ. فسألْناهُ: أنّى اهْتَدَى إليْنا. وبِمَ استَدَلّ علَيْنا؟ فقال: إنّ للكرَمِ نشْراً تَنُمّ بهِ نفَحاتُهُ. وتُرْشِدُ إلى روضِهِ فوْحاتُهُ. فاستَدْلَلْتُ بتأرّجِ عَرْفِكُمْ. على تبلّجِ عُرفِكُم! وبشّرَني تضوُّعُ رندِكُمْ. بحُسْنِ المُنقَلَبِ منْ عِندِكُم! فاستخْبَرْناهُ حينَئِذٍ عنْ لُبانَتِهِ. لنتَكفّلَ بإعانتِهِ. فقال: إنّ لي مأرَباً. ولفَتايَ مَطلَباً. فقُلْنا لهُ: كِلا المَرامَينِ سيُقْضى. وكِلاكُما سوفَ يرْضى. ولكِنِ الكُبرَ الكُبْرَ. فقال: أجَلْ ومنْ دَحا السّبْعَ الغُبْرَ. ثمّ وثبَ للمَقالِ. كالمُنشَطِ منَ العِقالِ. وأنشَدَ:

إني امرُؤٌ أُبدِعَ بي *** بعدَ الوَجى والتّعَبِ
وشُقّتي شـاسِـعةٌ *** يقْصُرُ عنها خَبَبي
وما معي خـرْدَلَةٌ *** مطبوعةٌ منْ ذهَبِ
فحيلَتـي مُـنـسَـدّةٌ *** وحَيرَتي تلعَـبُ بـي
إنِ ارتَحَلْـتُ راجِـلاً *** خِفْتُ دَواعي العطَبِ
وإنْ تخلّفْتُ عنِ الرُفْ *** قَةِ ضاقَ مذْهَـبـي
فزَفْرَتي في صُـعُـدٍ *** وعَبْرتي في صبَـبِ
وأنتُمُ مُنتـجَـعُ الـرّا *** جي ومرْمَى الطّلَـبِ
لُهـاكُـمُ مـنـهَـلّةٌ *** ولا انْهِلالَ السُحُـبِ
وجارُكُمْ فـي حـرَمٍ *** ووَفْرُكُمْ في حـرَبِ
ما لاذَ مُرْتـاعٌ بـكُـمْ *** فخافَ نابَ الـنُـوَبِ
ولا اسـتَـدَرّ آمِــلٌ *** حِباءكُمْ فما حُـبـي فانعَطِفوا في قِصّتـي *** وأحسِنوا مُنقـلَـبـي
فلوْ بلوْتُمْ عـيشَـتـي *** في مطْعمي ومَشرَبي
لساءكُمْ ضُرّي الـذي *** أسلَمَني لـلـكُـرَبِ
ولوْ خبَرْتُمْ حسَـبـي *** ونسَبي ومـذْهَـبـي
وما حوَتْ معرِفَـتـي *** منَ العُلومِ الُّـخَـبِ
لما اعتَرَتْكُمْ شُـبـهَةٌ *** في أنّ دائي أدَبــي
فلَيْتَ أنّـي لـمْ أكُـنْ *** أُرضِعْتُ ثَدْيَ الأدَبِ
فقد دَهانـي شُـؤمُـه *** وعَقّنـي فـيهِ أبـي

فقُلْنا له: أمّا أنتَ فقدْ صرّحَتْ أبياتُكَ بفاقَتِك. وعطَبِ ناقَتِكَ. وسنُمْطيكَ ما يوصّلُكَ إلى بلدِكَ. فما مأرَبَةُ ولَدِكَ؟ فقال له: قُمْ يا بني كما قام أبوكَ. وفُهْ بما في نفسِك لا فُضّ فوكَ. فنهضَ نُهوضَ البطَلِ للبِرازِ. وأصْلَتَ لِساناً كالعضْبِ الجُرازِ. وأنشأ يقول:
يا سادَةً في المَعالـي *** لهُمْ مبـانٍ مَـشـيدَهْ
ومَنْ إذا نابَ خطْـبٌ *** قاموا بدَفْعِ المكـيدَهْ
ومن يهونُ علـيهِـمْ *** بذْلُ الكُنوزِ العَتـيدَهْ
أريدُ منـكُـمْ شِـواءً *** وجرْدَقاً وعـصـيدَهْ
فإنْ غَـلا فَـرُقـاقٌ *** بهِ تُوارَى الشّـهـيدَهْ
أو لمْ يكُـنْ ذا ولا ذَا *** فشُبْعَةٌ مـنْ ثَـريدَهْ
فإنْ تـعـذّرْنَ طُـرّاً *** فعـجْـوَةٌ ونَـهـيدَهْ
فأحْضِروا ما تسنّـى *** ولوْ شَظًى منْ قَديدَهْ
وروِّجوهُ فنَـفْـسـي *** لِمـا يروجُ مُـريدَهْ
والزّادُ لا بُـدّ مـنْـهُ *** لرِحْلَةٍ لـي بَـعـيدَهْ
وأنتُـمُ خـيْرُ رهْـطٍ *** تُدعَوْنَ عند الشّـديدهْ
أيدِيكُـمُ كـــلَّ يومٍ *** لَهـا أيادٍ جَـــديدَهْ
وراحُكُـمْ واصِـلاتٌ *** شمْلَ الصِّلاتِ المُفيدَهْ
وبُغْيَتي في مَطـاوي *** ما تَرفِـدونَ زهـيدَهْ
وفيّ أجْرٌ وعُقْـبَـى *** تنْفيسِ كَرْبي حَمـيدَهْ
ولي نـتـائِجُ فِـكـرٍ *** يفضَحْنَ كُلّ قَصـيدَهْ

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا رأيْنا الشّبْلَ يُشبِهُ الأسَدَ. أرحَلْنا الوالِدَ وزوّدْنا الولَدَ. فقابَلا الصُّنْعَ بشُكْرٍ نشَرَ أرديَتَهُ. وأدّيا بِه ديَتَهُ. ولمّا عزَما على الانْطِلاقِ. وعَقَدا للرّحلَةِ حُبُكَ النّطاقِ. قُلتُ للشّيخِ: هلْ ضاهَتْ عِدَتُنا عِدَةَ عُرْقوبٍ. أو هلْ بقيَتْ حاجةٌ في نفْسِ يعْقوبَ؟ فقال: حاشَ للهِ وكَلاّ. بل جَلّ مَعروفُكُمْ وجَلّى. فقُلتُ لهُ: فَدِنّا كما دِنّاكَ. وأفِدْنا كما أفَدْناكَ. أينَ الدّوَيْرَةُ. فقدْ ملَكَتْنا فيكَ الحَيرَةُ؟ فتنفّسَ تنفُّسَ منِ ادّكَرَ أوطانَهُ. وأنشدَ والشّهيقُ يلَعثِمُ لسانَه:

سَروجُ داري ولكِـنْ *** كيفَ السّبيلُ إلَـيْهـا
وقدْ أنـاخَ الأعـادي *** بها وأخْنَوْا علَـيْهـا
فوالّتي سِرْتُ أبْغـي *** حَطّ الذُنوبِ لـدَيْهـا
ما راقَ طرْفيَ شيءٌ *** مُذْ غِبتُ عنْ طرَفَيْها

ثمّ اغرَوْرَقَتْ عيناهُ بالدّموعِ. وآذَنَتْ مَدامِعُهُ بالهُموعِ. فكَرِهَ أن يستَوكِفَها. ولم يملِكْ أن يكَفْكِفَها. فقطَعَ إنْشادَهُ المُستَحْلى. وأوجَزَ في الوَداعِ وولّى.

حسن خليل
14-11-10, 05:43 PM
معاني كلمات المقامة المكية:

مدينة السلام: بغداد، والسلام: اسم دجلة.
التفث: مناسك الحج.
استبحت: استحلت.
الرفث: الجماع. الموسم: المجمع، والخيف: خيف منى، والمراد مجمع الحاج هناك. معمعان الصيف: شدة الحر وتوقده.
استظهرت: استظلت.
طراف: خيمة من أدم.
الوطيس: التنور، والحصباء: الحصى الصغار، شبه حرارة الحصباء بالتنور. أعشى: أعمى وعشى.
متسعسع: هرم
أديب أريب: عاقل فطن.
السمط، بالكسر، والسماط: النظام يجمع اللؤلؤ والخرز والودع في عقد. الانبساط: ترك الاحتشام.
قبل بسطه: قبل أن نجعل له سبيلاً إلى ذلك.
العافي: السائل، طالب المعروف. ضري: ضرري.
الانسياب: الدخول بسرعة
النشر: الرائحة الطيبة.
تنم به: تفوح وتخبر به.
نفح الطيب: فاح، وله نفحة طيبة. فوحة الطيب: تضوع رياه.
العرف: الرائحة. والأريج والتأرج: توهج ريح الطيب.
التبلج: من البلج وهو وضوح النور.
العرف: المعروف.
الرند: نبت طيب الرائحة. وتضوعه: فوح رائحته.
اللبانة: الحاجة.
الكبر الكبر: قدم الأكبر.
ومن دحا السبع الغبر: أي ومن بسط الأرضين.
أنشط الحبل: حله. العقال: حبل يعقل به البعير.
أبدع بي: عطبت راحلتي.
الوجى: وجع الرجلين من الحفاء.
شقيّ: مسافة مقصدي.
الخبب: ضرب من العدو دون الجري.
ما معي خردلة: يريد مقدار خردلة.
راجلاً: ماشياً على رجليه، دواعي العطب: أسباب الهلاك.
مذهبي: طريقي.
الزفرة: التنفس. صعد: ارتفاع.
العبرة: الدمعة.
الصبب: الانحدار والهبوط.
منتجع الراجي: محل انتجاع الآمل أي مقصده.
اللهوة: العطية.
منهلة: منسكبة متتابعة.
في حرم: في منعة واحترام.
ووفركم: وما لكم.
في حرب: في انتهاب، بمعنى أنه مبذول لسائله بكثرة كالمنتهب.
ما لاذ مرتاع: ما لجأ خائف فزع.
استدر: استحلب.
حباءكم: عطاءكم.
وأحسنوا منقلبي: فيلوا وانظروا في أمري واحسنوا انقلابي ورجوعي.
بلوتم: أخبرتم.
لما اعترتكم شبهة: أي لما علق بكم شك.
الشؤم: نقيض اليمن.
عقني: قطع رحمي.
مأربه: حاجة.
لا فض فوك: أي لا كسرت أسنانك ولا فرقت.
أصلت: جرد وأخرج بسرعة.
كالعضب الجراز: كالسيف الماضي القاطع لكل شيء.
العتيدة: الحاضرة المستعدة أو الجسيمة.
شواء: لحماً مشوياً.
جردقاً: رغيفاً.
به توارى الشهيدة: تلف وتؤكل به الشهيدة أي الهريسة.
الثريدة: من ثردت الخبر ثرداً: وهو أن تفته ثم تبله بمرق.
العجوة: أجود التمر.
النهيدة: صنف من طبيخ العرب وهي الزبدة التي لم يتم روب لبنها.
الشظى، جمع شظية: وهي القشرة الصغيرة من خشب ونحوه.
روجوه: عجلوه وهيئوه.
أيديكم، جمع يد: بمعنى العضو المعروف. أياد، جمع أيد جمع يد: بمعنى النعمة والعطية.
الراحة: باطن الكف.
واصلات، من الوصل: ضد القطع.
الصلات: العطايا.
في مطاوي ما ترفدون: في ضمن ما تعطون.
أرحلنا الوالد: أعطيناه راحلة.
زودنا الولد: أعطيناه زاداً مما طلب.
بشكر نشر أرديته: يعني أكثرا من الشكر حتى اشتهر صيته.
الحبك: ما تشد به المرأة وسطها كالمنطقة.
النطاق: شقة تلبسها المرأة ثم تشد على وسطها خيطاً ثم ترسل الأعلى على الأسلف إلى الأرض، والجمع نطق.
ضاهت: ماثلت وشابهت.
عرقوب: هو يهودي من خيبر كذوب، يضرب به المثل في خلف الوعد.
جل معروفكم: عظم عطاؤكم.
جلى: كشف الهم وأذهبه.
فدنا: فجازنا بحديثك.
الدويرة: البلدة.
يلعثم: يحبس ويوقف.
سروج: بلد بين العراق والشام.
أخنوا عليها: أهلكوها وأفسدوها.

حسن خليل
15-11-10, 04:44 PM
تعليق وتحليل على المقامة المكية للحريري

الحريري هو القاسم بن علي، ولد بالبصرة في عام 446هـ، وكان أديباً .. واسع المعرفة باللغة، ومن كتبه "مُلحة الإعراب في كلام الإعراب" وهي قصيدة في النحو، وكتاب درّة الغوّاص في أوهام الخواص" وهو كتاب لغة محقق ومنشور، ويعد الحريري أهم ناثر ظهر بعد أبي العلاء في رأي الدكتور شوقي ضيف، وقد توفي عام 516 للهجرة.

أما النص السابق فنرى فيه مقامة من أشهر المقامات التي كتبها وهي "المقامة المكية"، ذلك أن شهرة الحريري الأدبية العريضة قد قامت على مقاماته، التي ذاع صيتها، وأعجب الناس بها في القديم، وقد نسجها على منوال مقامات بديع الزمان، لكنه أظهر تواضعه العلمي والأدبي، إذ اعترف بهذا قائلاً: "أُنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالغ شأو الضليع" أي: هيهات أن يدرك الناشئ اللاحق منزلة المتمكّن السابق..!... وفي العبارة إقرار ضمني من الحريري بأن البديع هو المنشئ الحقيقي لفن المقامة، ... وتبدو متابعة الحريري لبديع الزمان في كتابة المقامات حليةً، حين نحلل المقامة المكية، ونتعرف إلى الخصائص الأساسية الغالبة كما أرسى قواعدها البديع في مقاماته.

وأبرز هذه الخصائص هي:

(‌أ) وجود شخصية الراوي، وهو في المقامة المكية، كما هو في سائر مقامات الحريري – الحارث بن همّام، ودوره في هذه المقامات يقابل دور الراوية في مقامات بديع الزمان وهو "عيسى بن هشام".

(‌ب) بطل الحدث والحيلة، وهو في المقامة المكية، كما هو في سائر مقامات الحريري – أبو زيد السروجي، ويشبه في دوره، وصفات شخصيته بطل بديع الزمان أبا الفتح الإسكندري، فهو بليغ أريب، وشاعر أديب، لكنه سيِّئ الحظ، فقير، يلجأ إلى الحيلة لتحصيل الطعام أو المال.

(‌ج) الكُدية، ويدور حولها الحدث الذي تقوم عليه المقامات في الغالب، إذ يلجأ أبو زيد السروجي بطل الحريري – مثل أبي الفتح الإسكندري بطل البديع – إلى الحلية لاكتساب لقمة العيش أو المال، وقد بدت الكُدية واضحة في المقامة المكية، فالسروجي لا يسأل القوم الذين يلجأ إليهم في أثناء موسم الحج مباشرة، وكأنه شحاذ عادي، وإنما يبهرهم أولاً ببلاغته وسحر بيانه، ثم يزعم لهم أنه وجيه ذو حسب ونسب وأدب، قد جاء إلى الحجاز حاجاً مع رفاقه من بلد بعيد، "سروج"، ولكنه فقد ركوبته التي جاء عليها، وفقد ماله، ولا يستطيع أن يعود إلى موطنه راجلاً، لأنه شيخ متسعسع (هرم)، ومعه غلام ناشئ مترعرع، فتجوز الحيلة على الجماعة عندها ويساعدونه وابنه بإعطاء ناقة وطعام، على نحو ما رأينا.

.. وهذا الأسلوب في التحيّل للوصول إلى المال والطعام، نجده في كثير من مقامات الحريري، وفي كثير من مقامات البديع قبله، مثل المقامة البغدادية، التي مرت بنا.

(‌د) الظرف أو الدعابة، ونلمسها في المقامة المكية، وأكثر مقامات الحريري والبديع، وهي تنجم في الغالب من الحيلة التي يلجأ إليها البطل، ومن المفارقة التي تتخللها، ومن أسلوب معالجة الأجيب لها، ويلاحظ هنا أن الفكاهة أو الدعابة في مقامات البديع أوفر منها في مقامات الحريري، وهذا عائد إلى أن البديع كان ذا روح مرح ممتلئ بالفكاهة، كما لاحظ بحق شوقي ضيف، فهو يرى أن بديع الزمان قد ".. أوتي خفّة ورشاقة لا من حيث انتخاب الألفاظ والعبارات فحسب، بل أيضاً من حيث الروح الفكاهي الذي طبع به مقاماته، فأصبحت حرية بأن تُروى في المجالس، ويتلقفها الطلاب في الأقاليم الإسلامية المختلفة، إذ يقرأون فيها ما يسرّي عن نفوسهم، ويرسم الضحك على شفاههم.

(هـ) الأسلوب: وهو كما لاحظنا في المقامة المكية وكما يُلاحظ في سائر مقامات الحريري، أسلوب يميل إلى المحسنات البديعية، والحريري يتابع بديع الزمان في هذا، حتى غدا هذا الأسلوب من خصائص كتابة المقامة عند من حاول كتابتها بعدهما، على أنه يلاحظ أن ثمة فروقاً بين أسلوبي البديع والحريري، في مدى الإفراط في استعمال المحسنات البديعية، فعبارة بديع الزمان في مقاماته تبدو شعرية طبيعية وبعيدة عن التكلف، على النقيض من العبارة عند الحريري، وقد مرّت بنا موازنة زكي مبارك بين العبارتين، إذ قال: ".. عند مقارنة مقامات البديع بمقامات الحريري، يتبين لنا أن لغة بديع الزمان خالية من التكلف والاعتساف، وأما لغة الحريري فتعدّ من أغرب نماذج النثر المصنوع.

والسبب يعود في الغالب إلى تعقّد الذوق البلاغي عند الناس في زمن الحريري، وقد لاحظ الدكتور شوقي ضيف أن مقامات الحريري قد كتبت "في ظلال مذهب التصنّع وعُقَده، على حين كتبت مقامات بديع الزمان في ظلال مذهب التصنيع وزخرفة.."، إذ حذا الحريري على مثال أبي العلاء في تعقيده اللغوي، وعقّد أسلوب الكتابة في المقامات، فكان أن وشحّها بالأمثال والآيات القرآنية، وبالأحاجي النحوية ومسائل الفقه وضحى في سبيل اللفظ والبديع بروح الفن القصصي وبالمعنى، استجابة لذوق عصره، ومثال ذلك أنه كتب رسالة سمّاها الرسالة "السينية"، لأن كل كلمة فيها تحتوي على حرف الشين، ليدلّل بهذا ومثله على مهارته في اللعب والعبث بالألفاظ.

وبعد ... فلعلنا لمحنا شيئاً من الشبه بين هذه المقامة، وحكاية الجاحظ عن شيخ المكدين، فكلا البطلين فيهما يستغل المشاعر الدينية للمسلمين في الحج أو في المسجد، فيزعم أنه قُطع به، وكلاهما يزعم أنه من ثغر من الثغور، قد احتله الروم وأنه يود العودة إليه: يقول بطل الجاحظ:

"أنا ابن الغزيل بن الركان المصيصي المعروف المشهور في جميع الثغور ... أخذ لنا ابنان حُمِلا إلى بلاد الروم، فخرجت هارباً على وجهي، ومعي كتاب من التجار، فقطع بي، وقد استجرت بالله ثم بكم، فإن رأيتم أن تردوا ركناً من أركان الإسلام إلى طنه وبلده .."

ويقوم بطل الحريري أبو زيد السروجي:

إني امرؤ أُبدع بي ******** بعد الوجى والتعبِ
وشقتي شعاسة ******** يقصر عنها خببي
وجاركم في حرَم ******** ووفركم في حربِ
ما لاذ مرتاع بكم ******** فخاف ناب النوبِ
فانعطِفوا في قصتي ******** واحسنوا مُنقلبي

ويقول في النهاية ذاكراً وطنه:

سروج داري ولكن ******** كيف السبيلُ إليها
وقد أناخ الأعادي ******** بها وأخنوا عليها

وكلا البطلين يستطيع بحيلته وبلاغته أن يؤثر في مشاعر من يخاطبهم فيصدّقوه ويساعدوه ليعود إلى بلده، .. وهذا التشابه الظاهر يوحي بأنّ الجاحظ لم يؤثر في فن المقامات ببديع الزمان وحده، وإنما أثرّ في الحريري أيضاً.

حسن خليل
18-11-10, 08:28 PM
نكمل وإياكم ما تبقى من مقامات بديع الزمان الهمذاني

المقامة الجاحظية

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامِ قَالَ: أثَارَتْنِي وَرُفْقَةً وَلِيَمةٌ فَأَجَبْتُ إِلَيْهَا، لِلْحَدِيثِ المَأْثُور عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ" فأَفْضَى بِنَا السَّيْرُ إِلى دَارٍ.



تُرِكَتْ وَالحُسْنَ تـأْخُـذُهُ *** تَنْتَقِي مِنْهُ وَتَنْـتَـحِـبُ


فَانْتَقَتْ مِنْـهُ طَـرَائِفَـهُ *** وَاسْتَزَادَتْ بَعْضَ مَا تَهَبُ


بِسَاطُهَا، وَبُسِطَتْ أَنْمَاطُهَا، وَمُدَّ سِماطُهَا، وَقَوْمٍ قَدْ أَخَذُوا الوَقْتَ بَيْنَ آسٍ مَخْضُودٍ، وَوَرْدٍ مَنْضُودٍ، وَدَنٍّ مَفْصُودٍ، وَنَايٍ وَعُودٍ، فَصِرْنَا إِِلَيْهِمْ وَصَارُوا إِلَيْنَا، ثُمَّ عَكَفْنَا عَلَى خِوُانٍ قَدْ مُلِئَتْ حِيَاضُهُ، وَنَوَّرَتْ رياضُهُ، وَاصْطَفَّتْ جِفانُهُ، وَاخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ فَمِنْ حَالِكٍ بِإِزَائِهِ نَاصِعٌ، وَمِنْ قَانٍ تِلْقَاءَهُ فَاقِعٌ، وَمَعَنا عَلى الطَّعَامِ رَجُلٌ تُسَافِرُ يَدُهُ عَلَى الخِوَانِ، وَتَسْفِرُ بَيْنَ الأَلْوَانِ، وَتَأْخُذُ وُجُوهَ الرُّغفَانِ، وَتَفْقأُ عُيُونَ الجِفانِ، وَتَرْعَى أَرْضَ الجِيرانِ، وَتَجُولُ في القَصْعَةِ، كَالرُّخِّ في الرُّقْعَةِ، يَزْحَمُ باِللُّقْمَةِ اللُّقْمَةَ، وَيَهْزِمُ بِالمَضْغَةِ المْضغَة، وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ ساكِتٌ لاَ يَنْبِسُ بِحًرفٍ، وَنَحْنُ فِي الحَدِيثِ نَجْري مَعْهُ، حَتَّى وَقَفَ بِنَا عَلَى ذِكْرِ الجاحِظِ وَخَطابَتِهِ، وَوَصْفِ ابْنِ المُقَفّعِ وَذَرَابتِهِ، وَوَافَقَ أَوَّلُ الحَدِيثَ آخِرَ الخِوَانِ، وَزُلْنَا عَنْ ذَلِكَ المَكانِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيْنَ أَنْتُمْ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي كُنْتُمْ فيِهِ؟ فَأَخَذْنَا فِي وَصْفِ الجَاحِظِ ولَسَنِهِ، وَحُسْنِ سَنَنِهِ فِي الفَصاحَةِ وَسُنَنِهِ، فِيما عَرَفْنَاهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ لِكُلِّ عَمَلٍ رِجَالٌ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالُ، وَلِكُلِّ دَارٍ سُكَّانٌ، ولِكُلِّ زَمَانٍ جَاحِظٌ، وَلَوِ انْتَقَدْتُمْ، لَبَطَلَ مَا اعْتَقَدْتُمْ، فَكُلٌّ كَشَرَ لَهُ عَنْ نابِ الإِنْكَارِ، وَأَشَمَّ بِأَنِْف الإِكْبَارِ، وَضَحِكْتُ لَهُ لأَجلُبَ ما عِنْدَهُ، وَقُلْتُ: أَفِدْنا وَزِدْنا، فقَالَ: إنَّ الجَاحِظَ في أَحَدِ شِقَّيِ البَلاَغَةِ يَقْطِفُ، وفِي الآخَرِ يقَفُ، والبَليغُ مَنْ لَمْ يُقَصِّرْ نَظْمُهُ عَنْ نَثْرِهِ، ولَمْ يُزْرِ كَلامَهُ بشِعْرِهِ، فَهَل تَرْوُونَ للْجاحِظِ شِعْراً رائِعاً؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ: فَهَلُمُّوا إِلَى كَلاَمِهِ، فَهْوَ بَعِيدُ الإِشارَاتِ، قَلِيلُ الاسْتِعَاراتِ، قَرِيبُ العِبَارَات، مُنْقادٌ لعُرْيَانِ الكَلاَمِ يسْتَعْمِلُهُ، نَفُورٌ مِنْ مُعْتَاصِهِ يُهْمِلُهُ، فَهَلْ سَمِعْتُمْ لَهُ لَفْظَةً مَصْنُوعَةً، أَوْ كَلِمَةً غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ؟ فَقُلْنَا: لاَ ، فَقَالَ: هَلْ تُحِبُّ أَنْ َتسْمَعَ مِنَ الكَلاَمِ مَا يُخَفِّفُ عَنْ مَنْكِبَيْكَ، وَيَنِمُّ علَى مَا في يَدَيْكَ؟ فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ، قَالَ: فأَطْلِقْ لِي عَنْ خِنْصِرِكَ، بِمَا يُعِينُ على شُكْرِكَ، فَنُلْتُهُ رِدَائِي، فَقالَ:



لَعَمْرُ الَّذي أَلقَى عَلَيَّ ثِيَابَهُ *** لَقَدْ حُشِيَتْ تلْكَ الِّثيابُ بِهِ مَجْدَا


فَتىً قَمَرَتْهُ المَكْرُمَاتُ رِدَاءَهُ *** وَمَا ضَرَبَتْ قِدْحاً ولاَ نَصَبَتْ نَرْدَا


أَعِدْ نَظَراً يا مَنْ حَبَانِي ثِيابَهُ *** وَلاَ تَدَعِ الأَيَّامَ تَهْدِمُنِي هَدَّا


وَقُلْ للأُولَى إِنْ أَسْفَرُوا أَسْفَرُوا ضُحىً *** وإِنْ طَلَعُوا في غُمَّةٍ طلَعُوا سَعْدا


صِلُوا رَحِمَ العَلْيا، وَبُلُّوا لَهَانَهَا *** فَخَيْرُ النَّدَى ما سَحَّ وَاِبلُهُ نَقْدَا


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَارْتاحَتِ الجَمَاعَةُ إِلَيْهِ، وَانْثَالَتِ الصِّلاَتُ عَلَيهِ، وَقُلْتُ لَمَّا تآنَسْنَا: مِنْ أَيْنَ مَطْلُع هَذاَ البَدْرِ؟ فَقالَ:


إِسْكَـنْـدَرِيَّةُ دَارِي *** لَوْ قَرَّ فِيها قَرَارِي


لكِنَّ لَيْلِى بِنَـجْـدٍ *** وَبِالحِجَازِ نَهارِي.

حسن خليل
18-11-10, 08:32 PM
المقامة الأزاذية لبديع الزمان الهمداني

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْذَاذَ وَقْتَ الاَزَاذِ، فَخَرَجْتُ أَعْتَامُ مِنْ أَنْواعِهِ لاِبْتِيَاعِهِ، فَسِرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ إلى رَجُلٍ قَدْ أَخَذَ أَصْنَافَ الفَوَاكِهِ وَصَنَّفَهَا وَجَمَعَ أَنْوَاعَ الرُّطَبِ وَصَفَّفَهَا، فَقَبَضْتُ مِنْ ُكلِ شَيءٍ أَحْسَنَهُ، وَقَرَضْتُ مِنْ كُلِ نَوعٍ أَجْوَدَهُ، فَحِينَ جَمَعْتُ حَوَاشِيَ الإِزَارِ، عَلى تِلْكَ الأَوْزَارِ أَخَذَتْ عَيْنَايَ رَجُلاً َقدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِبُرْقُعٍ حَيَاءً، وَنَصَبَ جَسَدَهُ، وبَسَطَ يَدَهُ وَاحْتَضَنَ عِيَاَلهُ، وَتَأَبَّطَ أَطْفَالَهُ، وَهُوَ يَقُولُ بِصَوْتٍ يَدْفَعُ الضَّعَفَ فِي صَدْرِهِ، وَالْحَرضَ فِي ظَهْرِهِ:

وَيْلِي عَلَى كَفَّينِ مِنْ سَويقِ *** أوْ شَحْمَةٍ تُضْرَبُ بالدَّقِيقِ
أَوْ قَصْعَةٍ تُمْلأُ مِنْ خِرْدِيقِ *** يَفْتَأُ عَنَّا سَطَواتِ الـرِّيقِ
يُقِيمُنَا عَنْ مَنْهَجِ الطَـرِيقِ *** يَارَازِقَ الثَّرْوَةِ بَعْدَ الضِّيقِِ
سَهِّلْ عَلى كَفِّ فتىً لَبِـيقِ *** ذِي نَسَبٍ فِي مَجْدِهِ عَرِيقِ
يَهْدي إِلَيْنا قَدَمَ التَّـوْفـيقِ *** يُنْقِذُ عَيِشي مِنْ يَدِ التَّرْنيقِ
قالَ عِيسى بْنُ هِشامِ: فَأخَذْتُ مِنَ الكِيس أَخْذَةً وَنُلْتُهُ إِياهَا، فَقَالَ:
يَا مَنْ عَنَانِي بِجَمِـيلِ بِـرِّهِ *** أَفْضِ إِلى اللهِ بِحُسْنِ سِرِّهِ
وَاسْتَحْفظِ الله جَمِيلَ ستْـرِهِ *** إِنْ كانَ لا طَاقَةَ لِي بِشُكْرِهِ
فَاللهُ رَبِّي مِنْ وَرَائي أَجْرِهِ قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فِي الكيسِ فَضْلاً فَاُبْرُزْ لِي عَنْ بَاطِنِكَ أَخْرُجْ إِلَيْكَ عَنْ آخِرِهِ، فَأَمَاطَ لِثَامَهُ، فَإِذَا وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَندريُّ، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ أَيُّ دَاهِيَةٍ أَنْتَ؟ فَقَالَ:

فَقَضِّ العُمْرَ تَشْبيهَاً *** عَلَى النَّاسِ وَتَمْويهَا
أَرَى الأَيَّامَ لا تَبْقَـى *** عَلَى حَالٍ فَأَحْكِيهَا
فَيَوْماً شَرُّهَـا فِـيَّ *** وَيَوْماً شِرَّتِي فِيهَا

حسن خليل
18-11-10, 08:35 PM
المقامة القريضية لبديع الزمان الهمذاني


حَدّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: طَرَحَتْنيِ النّوَى مَطَارِحَهَا حَتّى إذَا وَطِئْتُ جُرْجَان الأَقْصى. فاسْتَظْهَرْتُ عَلَى الأَيامِ بِضِياعٍ أَجَلْتُ فِيهاَ يَدَ الْعِمَارةِ، وَأَمْوَالٍ وَقَفْتُهَا عَلى التّجَارَةِ، وَحَانُوتٍ جَعَلْتُهُ مَثَابَةٍ، وَرُفْقَةٍ اتّخَذْتُهَا صَحَابَةً، وَجَعَلْتُ لِلْدّارِ، حَاشِيَتَيِ النّهَار، وللحَانُوتِ بَيْنَهُمَا، فَجَلَسْنَا يَوْماً نَتَذَاكَرُ القرِيضَ وَأَهْلَهُ، وَتِلْقَاءَنا شَابّ قَدْ جَلَسَ غَيْرَ بَعِيدٍ يُنْصِتُ وَكَأَنّهُ يَفْهَمُ، وَيَسْكتُ وَكَأَنّهُ لاَ يَعْلَمُ حَتّى إِذَا مَالَ الكَلاَمُ بِنَا مَيْلَهُ، وَجَرّ الْجِدَالُ فِينَا ذَيْلَهُ، قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ عُذَيَقَهُ، وَوَافَيتُمْ جُذَيْلَهُ، وَلَوْ شِئْتُ لَلَفْظْتُ وَأَفَضْتُ، وَلَوْ قُلْتُ لأَصْدَرْتُ وَأَوْرَدْتُ، وَلَجَلَوْتُ الْحقّ في مَعْرَضِ بَيَانٍ يُسْمِعُ الصُّمَّ، وَيُنزلُ الْعُصْمَ، فَقُلْتُ: يَا فَاضِلُ أدْنُ فَقَدْ مَنَّيْتَ، وَهَاتِ فَقَدْ أَثْنَيتَ، فَدَنَا وَقَالَ: سَلُونِي أُجِبْكُمْ، وَاسْمَعُوا أُعْجِبْكُمْ. فَقُلْنَا: مَا تَقُولُ فِي امْرِىءِ الْقَيسِ؟ قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَقَفَ بِالدِّيارِ وَعَرَصَاتِهَا، وَاغْتَدَى وَالطَّيرُ فِي وَكَنَاتِهَا، وَوَصَفَ الْخيلَ بِصِفَاِتهَا، وَلَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ كَاسِياً. وَلَمْ يُجِدِ القَوْلَ رَاغِباً، فَفَضَلَ مَنْ تَفَتَّقَ للْحِيلةِ لِسَانُهُ، وَاْنتَجَعَ لِلرَّغْبَة بَنَانُهُ، قُلْنَا: فَما تَقُولُ فِي الْنَّابِغَةِ؟ قالَ: يَثلِبُ إِذَا حَنِقَ، وَيَمْدَحُ إِذَا رَغِبَ، وَيَعْتَذِرُ إِذَا رَهِبَ، فَلاَ يَرْمي إِلاَّ صَائِباً، قُلْنَا:فَمَا تَقُولُ فِي زُهَيرٍ؟ قَالَ يُذِيبُ الشِّعرَ، والشعْرُ يُذيبَهُ، وَيَدعُو القَولَ وَالسِّحْرَ يُجِيبُهُ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي طَرَفَةَ: قَالَ: هُوَ ماَءُ الأشْعَارِ وَطينَتُها، وَكَنْزُ الْقَوَافِي وَمَديِنَتُهَا، مَاتَ وَلَمْ تَظْهَرْ أَسْرَارُ دَفَائِنِهِ وَلَمْ تُفْتَحْ أَغْلاَقُ خَزَائِنِهِ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي جَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ؟ أَيُّهُمَا أَسْبَقُ؟ فَقَالَ: جَرِيرٌ أَرَقُّ شِعْراً، وَأَغْزَرُ غَزْراً وَالْفَرَزْدَقُ أَمْتَنُ صَخْراً، وَأَكْثَرُ فَخْراً وَجَرِيرٌ أَوْجَعُ هَجْواً، وَأَشْرَفُ يَوْماً وَالْفَرَزْدَقُ أَكَثَرُ رَوْماً، وَأَكْرَمُ قَوْماً، وَجَرِيرٌ إِذَا نَسَبَ أَشْجَى، وَإِذَا ثَلَبَ أَرْدَى، وَإِذَا مَدَحَ أَسْنَى، وَالْفَرزدقُ إِذَا افْتَخَرَ أَجْزَى، وَإِذَا احْتَقرَ أَزرَى، وَإِذا وصَفَ أَوفَى، قُلنَا: فَمَا تَقُولُ فِي المُحْدَثِينَ منْ الشُّعَراءِ والمُتَقَدِّمينَ مِنهُمْ؟ قالَ: المُتَقَدِّمونَ أَشْرفُ لَفْظاً، وَأَكثرُ منْ المَعَاني حَظاً، وَالمُتَأَخِّرونَ أَلْطَفُ صُنْعاً، وَأَرَقُّ نَسْجاً، قُلْنا: فَلَو أَرَيْتَ مِنْ أَشْعارِكَ، وَرَوَيْتَ لَنا مِنْ أَخْبارِكَ، قالَ: خُذْهَما في مَعْرِضٍ واحِدٍ، وَقالَ:


أَما تَرَوْني أَتَغَشَّـى طِـمْـرَاً *** مُمْتَطِياً في الضُّرِّ أَمْراً مُـرَّاً


مُضْطَبناً عَلى اللَّيالي غِـمَـراً *** مُلاقِياً مِنْها صُرُوفاً حَـمْـرَا


أَقْصَى أَمانِيَّ طُلُوعُ الشِّعْـرى *** فَقَد عُنِينَا بِالأَمَـانـي دَهْـرَاً


وَكانَ هذَا الحُرُّ أَعْلـى قَـدْراً *** وَماءُ هذَا الوَجْهِ أَغْلى سِعْـرَا


ضَرَبْتُ لِلسَّرّا قِبَاباً خُـضْـرَا *** فِي دَارِ دَارَا وَإِوَانِ كِسْـرى


فَانْقَلَبَ الدَّهْرُ لِبَطْنٍ ظَـهْـرا *** وَعَادَ عُرْفُ العَيْشِ عِنْدي نُكْرَا


لَمْ يُبْقِ مِنْ وَفْـرِى إِلاَّ ذِكْـرَا *** ثُمَّ إِلى الـيَوْمِ هَـلُـمَّ جَـرَّا


لَوْلا عَجُوزٌ لِي بِسُـرَّ مَـنْ رَا *** وَأَفْرُخٌ دونَ جِبَالِ بُـصْـرَى


قَدْ جَلَبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِـمْ ضُـرَّا *** قَتَلْتَ يَا سَادَةُ نَفْسي صَـبْـرَا


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ، فَانَلْتُهُ مَا تَاحَ. وَأَعْرَضَ عَنَّا فَرَاحَ. فَجَعَلْتُ أَنْفيهِ وَأُثْبتُهُ، وَأَنْكِرُهُ وَكَأَنِّي أَعْرِفُهُ، ثُمَّ دَلَّتْنِي عَلَيهِ ثَنَاياهُ، فَقُلْتُ: الإِسْكَنْدَريُّ وَاللَّهِ، فَقَدْ كَانَ فَارَقَنَا خِشْفاً، وَوَافانا جِلْفاً، وَنَهَضْتُ عَلى إِثرِهِ، ثَمَّ قَبَضْتُ عَلَى خَصْرِهِ، وَقُلْتُ: أَلَسْتَ أَبَا الفَتْحِ؟ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ؟ فَأَيُّ عَجُوزِ لَكَ بِسُرَّ مَنْ رَا فَضَحِكَ إِليَّ وَقَالَ:


وَيْحَكَ هذَا الزَّمَان زُورُ *** فَلَا يَغُرَّنَّكَ الـغُـرُورُ


لاَ تَلْتَزِمْ حَالَةً، وَلكِـنْ *** دُرْ بِالَّليَالِي كَمَا تَدُورُ.

حسن خليل
18-11-10, 08:44 PM
المقامة المضيرية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: كُنْتُ بِالبَصْرَةِ، وَمَعِي أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ رَجُلُ الفَصَاحَةِ يَدْعُوهَا فَتُجِيبُهُ، وَالبَلاغَةِ يَأَمُرُهَا فَتُطِيعُهُ، وَحَضَرْنَا مَعْهُ دَعْوَةَ بَعْضِ التُّجَّارِ، فَقُدِمَتْ إِلَيْنَا مَضِيرَةٌ، تُثْنِي على الحَضَارَةِ، وَتَتَرَجْرَجُ في الغَضَارَةِ، وَتُؤْذِنُ بِالسَّلاَمَةِ، وَتَشْهَدُ لِمَعَاوِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ بِالإِمَامَة،ِ فِي قَصْعَةٍ يَزِلُّ عَنْهَا الطَّرْفُ، وَيَمُوجُ فِيهَا الظَّرْفُ، فَلَمَّا أَخَذَتْ مِنَ الخِوانِ مَكانَهَا، وَمِنَ القُلُوبِ أَوْطَانَهَا، قَامَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ يَلْعَنُهَا وَصَاحِبَهَا، وَيَمْقُتُهَا وَآكِلَهَا، وَيَثْلِبُهَا وَطَابِخَهَا، وَظَنَنَّاهُ يَمْزَحُ فَإِذَا الأَمْرُ بِالضِّدِّ، وَإِذَا المِزَاحُ عَيْنُ الجِدِّ، وَتَنَحَى عَنِ اُلْخِوَانِ، وِتِرِكِ مُسَاعَدَةَ الإِخْوَانِ، وَرَفَعْنَاهَا فَارْتَفَعَتْ مَعَهَا القُلُوبُ، وَسَافَرَتْ خَلْفَهَا العُيُونُ، وَتَحَلَّبَتْ لَهَا الأَفْوَاهُ، وَتَلَمَّظَتْ لَهَا الشِّفَاهُ، وَاتَّقَدَتْ لَهَا الأَكْبَادُ، وَمَضَى فِي إِثْرِهَا الفُؤَادُ، وَلكِنَّا سَاعَدْنَاهُ على هَجْرِهَا، وَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَمْرِهَا، فَقَالَ: قِصَّتِي مَعَهَا أَطْوَلُ مِنْ مُصِيبَتي فِيهَا، وَلَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِهَا لَمْ آمَنِ المَقْتَ، وَإِضَاعَةَ الوَقْتِ، قُلْنَا: هَاتِ: قَالَ: دَعَاني بَعْضُ التُّجَّارِ إِلَى مَضِيرَةٍ وَأَنَا بِبَغْدَادَ، وَلَزِمَنِي مُلاَزَمَةَ الغَريمِ، وَالكَلْبِ لأَصْحَابِ الرَّقِيمِ، إِلَى أَنْ أَجَبْتُهُ إِلَيْهَا، وَقُمْنَا فَجَعَلَ طُولَ الطَّرِيقِ ِيُثَنِي عَلَى زَوْجَتِهِ، وَيُفَدِّيهَا بِمُهْجَتِهَ، وَيَصِفُ حِذْقَهَا فِي صَنْعَتِهَا، وَتَأَنُّقَهَا فِي طَبْخِهَا وَيَقُولُ: يَا مَولاْيَ لَوْ رَأَيْتَهَا، وَالخَرْقَةُ فِي وَسَطِهَا، وَهْيَ تَدُورُ فِي الدُّورِ، مِنَ التَّنُّورِ إِلَى القُدُورِ وَمِنَ القُدُورِ إِلَى التَّنُّورِ تَنْفُثُ بفِيهَا النَّارَ، وَتَدُقُّ بِيَدَيْهَا الأَبْزَارَ، وَلَوْ رَأَيْتَ الدُّخَانَ وَقَدْ غَبَّرَ فِي ذَلِكَ الوَجْهِ الجَمِيلِ، وَأَثَّرَ فِي ذَلِكَ الخَدِّ الصَّقِيلِ، لَرَأَيْتَ مَنْظَراً تَحارُ فِيهِ العيُوُنُ: وَأَنَا أَعْشَقُهَا لأَنَّهَا تَعْشَقُنِي، وَمِنْ سَعَادَةِ المَرْءِ أَنْ يُرْزَقَ المُسَاعَدَةَ مِنْ حَلِيلَتِهِ، وَأَنْ يَسْعَدَ بِظَعِينَتِهِ، وَلاَ سِيَمَّا إِذَا كانَتْ مِنْ طِينَتِهِ، وَهْيَ ابْنَةُ عَمِّي لَّحَا، طِينَتُها طِيِنَتِي، وَمَدِينَتُهَا مَدِينَتي، وَعُمُومَتُهَا عُمُومَتِي، وَأَرُومَتَها أَرُومَتي، لَكِنَّها أَوْسَعُ مِنِّي خُلْقاً، وَأَحْسَنُ خَلْقاً وَصَدَّعَنِي بِصِفَاتِ زَوْجَتِهِ، حَتَّى انْتَهَينَا إِلَى مَحَلَّتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَوْلاي تَرَى هَذِهِ المَحَلَّةَ؟ هِيَ أَشْرَفُ مَحَالِّ بَغْدَادَ، يَتَنَافَسُ الأَخْيَارُ في نُزُولِها، وَيَتَغايَرُ الكِبَارُ فِي حُلُولِهَا، ثُمَّ لاَ يَسْكُنُهَا غَيْرُ التُّجَّارِ، وَإِنَّمَا المَرْءُ بِالْجَارِ وَدَارِى فِي السِّطَةِ مِنْ قِلادَتِهَا، وَالنُّقْطَةِ من دَائِرتَهَا، كَمْ تُقَدِّرُ يَا مَوْلايَ أُنْفِقَ عَلى كُلِّ دَارٍ مِنْهَا؟ قُلْهُ تَخْمِيناً إِنْ لَمْ تَعْرِفُهُ يَقِيناً، قُلْتُ: الكَثِيرُ، فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ! مَا أَكْبَرَ هَذا الغَلَطَ! تَقُولُ الكَثِيرَ فَقَطْ؟ وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ، وَانْتَهَيْنَا إِلَى بَابِ دَارِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، كَمْ تُقَدِّرُ يَا مَوْلايَ أَنْفَقْتُ على هذِهِ الطَّاقَةِ؟ أَنْفَقْتُ واللهِ عَلَيْهَا فَوْقَ الطَّاقَةِ، وَوَرَاءَ الفَاقَةِ، كَيْفَ ترى صَنْعَتَهَا وَشَكْلَهَا؟ أَرَأَيْتَ باللهِ مِثْلَهَا؟ انْظُرْ إِلَى دَقَائِقِ الصَّنْعَةِ فِيهَا، وَتَأَمَّلْ حُسْنَ تَعْرِيجَهَا، فَكَأَنَّمَا خُطَّ بِالبِرْكارِ وَانْظُرْ إِلى حِذْقِ النَّجَّارِ فِي صَنْعَةِ هذَا البَابِ، اتَخَذَهُ مِنْ كَمْ؟ قُلْ: وَمِنْ أَيْنَ أَعْلَمُ، هُوَ سَاجٌ مِنْ قِطْعَةٍ وَاحِدَةٍ لاَ مَأْرُوضٌ وَلا عَفِنٌ، إِذَا حُرَِكَ أَنَّ، وَإِذَا نُقِرَ طَنَّ، مَنِ اتَّخَذَهُ يا سَيِّدِي؟ اتَّخَذَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مَحَمَّدٍ البَصْريُّ، وَهْوَ واللهِ رَجُلٌ نَظِيفُ الأَثْوَابِ، بَصِيرٌ بِصَنْعِة الأَبْوَابِ خَفِيفُ اليَدِ فِي العَمَلِ، للهِ دَرُّ ذَلِكَ الرَّجُلِ! بِحَياتِي لا اسْتَعَنْتَ إِلا بِهِ عَلى مِثْلِهِ، وَهَذِهِ الحَلَقَةُ تَرَاهَا اشْتَرَيْتُهَا فِي سُوقِ الطَّرَائِفِ مِنْ عِمْرَانَ الطَّرَائِفِيِّ بِثَلاثَةِ دَنَانِيرَ مُعِزِّيَّة، وَكَمْ فِيهَا يَا سَيِّدِي مِنَ الشَّبَهِ؟ فِيهَا سِتَّةُ أَرْطَالٍ، وَهْيَ تَدُورُ بِلَوْلَبٍ فِي البَابِ، بِاللهِ دَوِّرْهَا، ثُمَّ انْقُرْهَا وَأْبْصُرْهَا، وَبِحَياتِي عَلَيْكَ لا اشْتَرَيْتَ الحَلَقَ إِلاَّ مِنْهُ؛ فَلَيْسَ يَبِيعُ إِلاَّ الأَعْلاَقَ، ثُمَّ قَرَعَ البَابَ وَدَخَلْنَا الدِّهْلِيزَ، وَقَالَ: عَمَّرَكِ اللهُ يَا دَارُ وَلاَ خَرَّبَكَ يَا جِدَارُ، فَمَا أَمْتَنَ حِيطَانَكِ، وَأَوْثَقَ بُنْيَانَكِ، وَأَقْوى أَسَاسَكِ، تَأَمَّلْ بِاللهِ مَعَارِجَهَا، وَتَبَيَّنْ دَواخِلَهَا وَخَوارِجَهَا، وَسَلْني: كَيْفَ حَصَّلْتَهَا؟ وَكَمْ مِنْ حِيلَةٍ احْتَلْتَهَا، حَتَّى عَقَدْتَهَا؟ كانَ لِي جَارٌ يُكْنى أَبَا سُلَيْمَانَ يَسْكُنُ هَذِهِ المَحَلَّةَ، وَلَهُ مِنَ المَالِ مَا لا يَسَعُهُ الخْزْنُ، وَمِنَ الصَّامِتِ مَا لاَ يَحْصُرُهُ الوَزْنُ، مَاتَ رَحِمَهُ اللهُ وَخَلَّفَ خَلْفاً أَتْلَفَهُ بَيْنَ الخَمْرِ وَالزَّمْرِ، وَمَزَّقَهُ بَيْنَ النَّرْدِ وَالقَمْرِ، وَأَشْفَقْتُ أَنْ يَسُوَقُه قَائِدُ الاضْطِرَارِ، إِلَى بَيْعِ الدَّارِ، فَيَبِيعَهَا فِي أَثْنَاءِ الضَّجَرِ، أَوْ يَجْعَلَهَا عُرْضَةً لِلْخَطَرِ، ثُمَّ أَرَاها، وَقَدْ فَاتَنِي شِرَاهَا، فَأَتَقَطَّعُ عَلَيْهَا حَسَرَاتٍ، إِلَى يَوْمِ المَماتِ، فَعَمِدْتُ إِلَى أَثْوَابٍ لاَ تَنِضُّ تِجَارَتُهَا فَحَمَلْتُهَا إِلَيْهِ، وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ، وَسَاوَمْتُهُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيهَا نَسِيَّةً، وَالمُدْبِرُ يَحْسَبُ النَّسِيَّةَ عَطِيَّةً، والمُتَخَلِّفُ يَعْتَدُّهَا هَديَّةً، وَسَأَلْتُهُ وَثِيقَةً بِأَصْلِ المَالِ، فَفَعَلَ وَعَقَدَهَا لِي، ثُمَّ تَغَافَلْتُ عَنِ اقْتِضَائِهِ، حَتَّى كَادَتْ حَاشِيَةُ حَالِهِ تَرِقُّ، فَأَتَيْتُهُ فَاقْتَضَيْتُهُ، واسْتَمْهَلَنِي فَأَنْظَرْتُهُ، وَالْتَمَسَ غَيْرَهَا مِنَ الثِيَّابِ فَأَحْضَرْتُهُ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَجْعَلَ دَارَهُ رَهِينَةً لَدَيَّ، وَوَثِيقَةً فِي يَدَيَّ، فَفَعَلَ، ثُمَّ دَرَّجْتُهُ بِالمُعَامَلاتِ إِلَى بَيْعِهَا حَتَّى حَصَلَتْ لِي بِجَدٍّ صَاعِدٍ، وَبَخْتٍ مُسَاعِدٍ، وَقُوَّة ِسَاعِدٍ، وَرُبَّ سَاعٍ لِقَاعِدٍ، وَأَنَا بِحَمْدِ اللهِ مَجْدُودٌ، وَفي مِثْلِ هَذهِ الأَحْوَالِ مَحْمُودٌ، وَحَسْبُكَ يَا مَوْلاَي أَنِّي كُنْتُ مُنْذُ لَيَالٍ ناَئِماً في البَيْتِ مَعَ مَنْ فَيِهِ إِذْ قُرِعَ عَلَيْنَا البَابُ فَقُلْتُ: مَنِ الطَّارِقُ المُنْتَابُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مَعَهَا عِقْدُ لآلٍ، فِي جِلْدَةِ مَاءٍ وَرِقَّةِ آلٍ، تَعْرِضُهُ لِلْبَيْعِ، فَأَخَذْتُهُ مِنْهَا إِخْذَةَ خَلْسٍ، وَاْشَتَريْتُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَسَيَكُونُ لَهُ نَفْعٌ ظَاهِرٌ، وَرِبْحٌ وَافِرٌ، بِعَوْنِ اللهِ تَعَالَى وَدَوْلَتِكَ، وَإِنَّمَا حَدَّثْتُكَ بِهَذَا الحَدِيثِ لِتَعْلَمَ سَعَادَةَ جَدِّيَ فِي التِّجَارَةِ، وَالسَّعَادَةُ تُنْبِطُ المَاءَ مِنَ الحِجَارَةِ، اللهُ أَكْبَرُ لاَ يُنْبِئُكَ أَصْدَقُ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ أَقْرَبُ مِنْ أَمْسِكَ، اشْتَرَيْتُ هَذا الحَصِيرَ فِي المُنَادَاتِ، وَقَدْ أُخْرِجَ مِنْ دُورِ آلِ الفُرَاتِ، وَقْتَ المُصَادَرَاتِ، وَزَمَنَ الغَارَاتِ وَكُنْتُ أَطْلُبُ مِثْلُهُ مُنْذُ الزَّمَنِ الَأْطَوِل فَلا أَجِدُ، وَالدَّهْرُ حُبْلَى لَيْسَ يُدْرَى مَا يَلِدُ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنِّي حَضَرْتُ بَابَ الطَّاقِ، وَهَذا يُعْرَضُ بِالأَسْوَاقِ، فَوَزَنْتُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا دِينَاراً، تَأَمَّلْ بِاللهِ دِقَّتَهُ وَلِينَهُ، وَصَنْعَتَهُ وَلَوْنَهُ، فَهْوَ عَظِيمُ القَدْرِ، لا يَقَعُ مِثْلُهُ إِلاَّ فِي النَّدْرِ، وَإِنْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِأَبِي عِمْرَانَ الحَصِيريِّ فَهْوَ عَمَلُهُ، وَلَهُ ابْنٌ يَخْلُفُهُ الآنَ فِي حَانُوتِهِ لاَ يُوْجَدُ اعْلاَقُ الحُصُرِ إِلاَّ عِنْدَهُ؛ فَبِحَياتِي لاَ اشْتَرَيْتَ الحُصُرَ إِلا مِنْ دُكَّانِهِ، فَالمُؤْمِنُ نَاصِحٌ لإِخْوانِهِ، لاَ سِيَّما مَنْ تَحَرَّمَ بِخُوَانِهِ، وَنَعُودُ إِلَى حَدِيثِ المَضِيرَةِ، فَقَدْ حَانَ وَقْتُ الظَّهِيرَةِ، يَا غُلاَمُ الطَّسْتَ وَالمَاءَ فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، رُبَّمَا قَرُبَ الفَرَجُ، وَسَهُلَ المَخْرَجُ، وَتقَدَّمَ الغُلاَمُ، فَقَالَ: تَرى هذَا الغُلاَمَ؟ إِنَّهُ رُومِيُّ الأَصْلِ، عِرَاقِيُّ النَّشْءِ. تَقَدَّمْ يَا غُلاَمُ وَاحْسِرْ عَنْ رَأْسِكَ، وَشَمِّرْ عَنْ سَاقِكَ، وانْضُ عَنْ ذِرَاعِكَ، وَافْتَرَّ عَنْ أَسْنَانِكَ، وَأَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، فَفَعَلَ الغُلاَمُ ذَلِكَ، وَقَالَ: التَّاجِرُ: باللهِ منَ ِاشْتَرَاهُ؟ اشْتَرَاهُ وَاللهِ أَبُو العَبَّاسِ، مِنَ النَّخَّاسِ، ضَعِ الطَّسْتَ، وَهَاتِ الإِبْريقَ، فَوَضَعَهُ الغُلاَمُ، وَأَخَذَهُ التَّاجِرُ وَقَلَّبَهُ وَأَدَارَ فِيهِ النَّظَرَ ثُمَّ نَقَرَهُ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلى هَذَا الشَّبَهِ كَأَنَّهُ جِذْوَةُ اللَّهَبِ، أَوْ قِطْعَةٌ مِنَ الذَّهَبِ، شَبَهُ الشَّامِ، وَصَنْعَةُ العِراقِ، لِيْسَ مِنْ خُلْقَانِ الأَعْلاَقِ قَدْ عَرَفَ دُورَ المُلُوكِ ودَارَهَا، تَأَمَّلْ حُسْنَهُ وَسَلْنِي مَتَى اشْتَرَيْتُهُ؟ اشْتَرَيْتُهُ واللهِ عَامَ المَجَاعَةِ، وَادَّخَرْتُهُ لِهَذِهِ السَّاعَةِ، يَا غُلاَمُ الإِبْرِيقُ، فَقَدَّمَهُ وَأَخَذُه التَّاجِرُ فَقَلَّبَهُ ثُمَّ قَالَ وَأُنْبُوبُهُ مِنْهُ لاَ يَصْلُحُ هَذا الإِبْرِيقُ إِلاَّ لِهَذا الطَّسْت، وَلا يَصْلِحُ هَذا الطَّسْت إِلاَّ مَعَ هَذَا الدَّسْتِ، وَلاَ يَحْسُنُ هَذا الدَّسْتُ إِلاَّ فِي هَذا البَيْتِ، وَلاَ يَجْمُلُ هذَا البَيْتُ إِلاَ مَعَ هَذا الضَّيْفِ، أَرْسِلِ المَاءَ يَا غُلاَمُ، فَقَدْ حَانَ وَقْتُ الطَّعَامِ، باللهِ تَرى هَذَا المَاءَ مَا أَصْفَاهُ، أَزرَقُ كَعَيْنِ السِّنَّوْرِ، وَصَافٍ كَقَضِيبِ البِلَّوْرِ، اسْتُقِىَ مِنَ الفُرَاتِ، وَاسْتُعْمِلَ بَعْدَ البَيَاتِ، فَجَاءَ كَلِسَانِ الشَّمْعَةِ، فِي صَفَاءِ الدَّمْعَةِ، وَلَيْسَ الشَّانُ فِي السَّقَّاءِ، الشَّانُ فِي الإِنَاءِ، لاَ يَدُلُّكَ عَلَى نَظَافَةِ أَسْبَابِهِ، أَصْدَقُ مِنْ نَظَافَةِ شَرَابِهِ، وَهذَا المِنْدِيلُ سَلْنِي عَنْ قِصَّتِهِ، فَهُوَ نَسْجُ جُرْجَانَ، وَعَملُ أَرَّجَانَ، وَقَعَ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُهُ، فَاتَّخَذَتَ امْرَأَتِي بَعْضَهُ سَرَاوِيلاً، وَاتَّخَذْتُ بَعْضَهُ مِنْدِيلاً، دَخَلَ فِي سَرَاوِيلهَا عِشْرُونَ ذِرَاعاً، وانْتَزَعْتُ مِنْ يَدِهَا هَذَا القْدَرَ انْتِزاعاً، وأَسْلَمْتُهُ إِلى المُطَرِّزِ حَتَّى صَنَعَهُ كَمَا تَرَاهُ وَطَرَّزَهُ، ثُمَّ رَدَدْتُهُ مِنَ السُّوقِ، وَخَزَنْتُهُ في الصُّنْدُوقِ، وَأَدَّخَرْتُهُ لِلْظِّرَافِ، مِنْ الأَضْيَافِ لَمْ تُذِلَّهُ عَرَبُ العَامّةِ بِأَيْدِيهَا، وَلاَ النِّسَاءُ لِمَآقِيهَا، فَلِكُلِّ عِلْقٍ يَوْمٌ، وَلِكُلِّ آلَةٍ قَوْمٌ، يَاغُلاَمُ الْخُوَانَ، فَقَدْ طَالَ الزَّمَانُ، وَالقِصَاعَ، فَقَدْ طَالَ المِصَاعُ، والطَّعَامَ، فَقَدْ كَثْرَ الكَلامَ، فَأَتَى الغُلاَمُ بَالخُوَانِ، وَقَلَّبَهُ التَّاجِرُ عَلَى المَكانِ، وَنَقَرَهُ بِالبَنَانِ، وَعَجَمَهُ بِالأَسْنَانِ، وَقَالَ: عَمَّرَ اللهُ بَغْدَادَ فَما أَجْوَدَ مَتَاعَهَا، وَأَظْرَفَ صُنَّاعَهَا، تَأَمَّلْ بِاللهِ هَذَا الخِوَانُ، وَانْظُرْ إِلَى عَرْضِ مَتْنِهِ، وَخِفَّةِ وَزْنِهِ، وَصَلاَبَةَ عُودِهِ، وَحُسْنِ شَكْلِهِ، فَقُلْتُ: هَذا الشَّكْلُ، فَمَتى الأَكْلُ؟ فقَالَ: الآنَ، عَجِّلْ يَاغُلاَمُ الطَّعَامَ، لكِنَّ الخِوَانَ قَوَائِمُهُ مِنْهُ، قَالَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ فَجَاشَتْ نَفْسِي وَقُلْتُ قَدْ بَقِيَ الخَبْزُ وآَلاتُهُ وَالخُبْزُ وَصِفاتُهُ وَالحِنْطَةُ مِنْ أَيْنَ اشْتُرِيَتْ أَصْلاً، وَكَيْفَ اكْتَرى لَهَا حَمْلاً، وَفِي أَيِّ رَحىً طَحَنَ، وَإِجَّانَةٍ عَجَنَ، وَأَيَّ تَنُّورٍ سَجَرَ، وَخَبَّازٍ اسْتَأْجَرَ، وَبَقِيَ الحَطَبُ مِنْ أَيْنَ احْتُطِبَ، وَمَتَى جُلِبَ؟ وَكَيْفَ صُفِّفَ حَتَّى جُفِّفَ؟ وَحُبِسَ، حَتَّى يَبِسَ، وَبَقِيَ الخَبَّازُ وَوَصْفُهُ، وَالتِّلْمِيذُ وَنَعْتُهُ، وَالدَّقِيقُ وَمَدْحُهُ، وَالْخَمِيرُ وَشَرْحُهُ، وَالمِلْحُ ومَلاَحَتُهُ وَبَقِيَتِ السُّكُرَّجاتُ مَنِ اتَّخَذَها، وَكَيْفَ انْتَقَذَهَا، وَمَنِ اسْتَعْمَلَهاَ،؟ وَمَنْ عَمِلَها؟ والخَلُّ كَيفَ انْتُقِى عِنَبُهُ، أَوْ اشْتُرِيَ رُطَبُهُ، وَكَيفَ صُهْرِجَتْ مِعْصَرَتُهُ؟ وَاسْتُخْلِصَ لُبُّهُ؟ وَكَيْفَ قُيِّرَ حَبُّهُ؟ وَكَمْ يُساوِي دَنُّهُ؟ وَبَقِيَ البَقْلُ كيفَ احْتِيلَ لَهُ حَتَّى قُطِفَ؟ وَفِي أَيِّ مَبْقَلَةٍ رُصِفَ؟ وَكَيْفَ تُؤُنِّقَ حَتَّى نُظِّفَ؟ وَبَقيتِ المَضِيرَةُ كَيْفَ اشْتُرِيَ لَحْمُها؟ وَوُفِّيَ شَحْمُهَا؟ ونُصِبَتْ قِدْرُها، وَأَجِّجَتْ نَارُها، وَدُقَّتْ أَبزَارُها، حَتَّى أُجِيدَ طَبْخُها وَعُقِدَ مَرَقُها؟ وَهذَا خَطْبٌ يَطُمُّ، وأَمْرٌ لا يَتِمُّ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: حَاجَةً أَقْضِيها، فَقَالَ: يَا مَوْلايَ تُرِيدُ كَنِيفاً يُزْري برَبِيِعيَّ الأَمِيرِ، وَخَريِفِيَّ الوَزِيرِ، قَدْ جُصِّصَ أَعْلاَهُ، وَصُهْرِجَ أَسْفَلُهُ، وَسُطِّحَ سَقْفُهُ، وَفُرِشَتْ بِالمَرْمَرِ أَرْضُهُ، يَزِلُّ عَنْ حائِطِهِ الذَّرُّ فَلاَ يَعْلَقُ، وَيَمْشِي عَلَى أَرْضُهُ الذُّبَابُ فَيَنْزَلِقُِ، عَلَيْهِ بَابٌ غِيِرَانُهُ مِنْ خَلِيطيْ ساجٍ وَعَاجٍ، مُزْدَوجَينِ أَحْسَنَ ازْدِواجٍ، يِتِمِنَّى الضَّيْفُ أَنْ يَأَكُلَ فِيهِ، فَقُلْتُ: كُلْ أَنْتَ مِنْ هَذا الجِرابِ، لَمْ يَكُنِ الكَنِيفُ فِي الحِسابِ، وَخَرَجْتُ نَحْوَ البَابِ، وَأَسْرَعْتُ فِي الذَّهَابِ، وََجَعَلْتُ أَعْدُو وَهُوَ يَتْبَعُني وَيَصِيحُ: يَا أَبَا الفَتْحِ المَضِيرَةَ، وَظَنَّ الصِّبْيَانُ أَنَّ المَضِيرَةَ لَقَبٌ لِي فَصاحُوا صِياحَهُ، فَرَمَيْتُ أَحَدَهُمْ بِحَجَرٍ، مِنْ فَرْطِ الضَّجَرِ، فَلقِي رَجُلٌ الحَجَرَ بِعِمامَتِهِ، فَغَاصَ فِي هامَتِهِ، فَأُخِذْتُ مِنَ النَّعَالِ بِما قَدُمَ وَحَدُثُ، وَمِنَ الصَّفْعِ بِمَا طَابَ وَخَبُثَ، وَحُشِرْتُ إِلَى الحَبْسِ، فَأَقَمْتُ عامَينِ فِي ذلكَ النَّحْسِ، فَنَذرْتُ أَنْ لا آكلَ مَضِيرَةً ما عِشْتُ، فَهَلْ أَنَا فِي ذَا يَالَهَمْدَانَ ظَالمُ؟. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقَبِلْنَا عُذْرَهُ، وَنَذَرْنَا نَذْرَهُ، وَقُلْنا: قَدِيماً جَنَتِ المَضِيرةُ عَلَى الأَحْرَارِ، وَقَدَّمَتِ الأَرَاذِلِ عَلى الأَخْيارِ.

حسن خليل
18-11-10, 08:46 PM
المقامة البلخية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: نَهَضَتْ بِي إِلى بَلخَ تِجَارَةُ الْبَزِّ فَوَرَدْنُهَا وَأَنَا بِعُذْرَةِ الشَّبَابِ وَبَالِ الفَرَاغِ وَحِلْيَةِ الثَّرْوَةِ، لا يُهِمُّنِي إِلاَّ مُهْرَةُ فِكْرٍ أَسْتَقِيدُهَا، أَوْ شَروُدٌ مِنَ الْكَلِمِ أَصِيدُهَا، فَمَا اسْتَأْذَنَ عَلَى سَمْعِي مَسَافَةً مُقَاِمي؟؟، أَفْصَحُ مِنْ كَلاِمي، وَلمَّا حَنَى الْفِراقُ بِنَاقَوْسَهُ أَو كَادَ دَخَلَ عَليَّ شَابٌّ في زَيٍّ مِلءِ العَيْنِ، وَلْحَيةٍ تَشُوكُ الأَخْدَعَيْنِ، وَطَرفٍ قْد شَرِبَ مَاءَ الرَّافِدَيْنِ، وَلَقِيَنِي مِنَ الْبرِّ فِي السَّناءِ، بِمَا زِدْتُهُ فِي الثَّناءِ، ثُمَّ قَالَ: أَظَعْناً تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، فَقَالَ: أَخْصَبَ رَائِدُكَ، وَلاَ ضَلَّ قَائِدُكَ، فَمَتَى عَزَمْتَ؟ فَقُلْتُ: غَدَاةَ غَدٍ، فَقَالَ:

صَبَاحُ اللهِ لا صُبْحُ انطِـلاقٍ *** وَطَيرُ الوَصْلِ لا طَيْرُ الفِراقِ

فأَيْنَ تُريدُ؟ قُلْتُ: الوَطَنَ، فَقَالَ:بُلِّغْت الوَطَنَ، وَقَضَيْتَ الوَطَرَ، فَمَتَى العَوْدُ؟ قُلْتُ: القَابِلَ، فَقَالَ: طَوَيْتُ الرَّيْطَ، وَثَنَيْتَ الْخيْطَ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الكَرَمِ؟ فَقُلْتُ: بِحَيْثُ أَرَدْتَ، فَقَالَ: إِذَا أَرْجَعَكَ اللهُ سَالِماً مِنْ هَذَا الطَّريقِ، فَاسْتَصْحِبْ لي عَدُوّاً في بُرْدَةِ صَديقٍ، مِنْ نِجار الصُّفْرِ، يَدْعُو إِلى الكُفْرِ، وَيَرْقُصُ عَلَى الظُّفرِ، كَدَارَةِ العَيْنِ، يَحُطُّ ثِقَلَ الدَّيْنِ، وَيُنافِقُ بِوَجْهَيْنِ. قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَلْتَمِسُ دِيناراً، فَقُلْتُ: لَكَ ذلِك نَقْداً، وَمِثْلُهُ وَعْداً، فَأَنْشأَ يَقُولُ:

رَأيُكَ مِمَّا خَطَبْتُ أَعْـلَـى *** لا زِلْتَ لِلمَكْرُمَاتِ أَهْـلا
صَلُبْتَ عُوداً، وَدُمْتَ جُوداً *** وَفُقْتَ فَرْعاً، وَطِبْتَ أَصْلا
لا أَسْتَطيعُ العَطَاءَ حَمْـلاً *** وَلا أُطيقُ السُّؤَالَ ثِـقْـلا
قَصُرْتُ عَنْ مُنْتَهَاكَ ظَنّـاً *** وَطُلْتَ عَمَّا ظَنَنْتُ فِعْـلا
يا رُجْمَةَ الدَّهْر والمَعَالـي *** لا لَقِىَ الدَّهْرُ مِنْكَ ثُكْـلا

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَام: فَنُلْتُهُ الدِّينَارَ، وَقُلتُ: أَينَ مَنْبِتُ هَذا الفَضْلِ؟ فَقَالَ: نَمَتْنِي قُرَيشٌ وَمُهِّدَ لِيَ الشَّرفُ فِي بَطَائِحِهَا، فَقالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: أَلَسْتَ بِأَبِي الْفَتْحِ الإْسْكَنْدَريِ؟ أَلَمْ أَرَكَ بِالْعِراقِ، تَطُوفُ فِي الأَسْواقِ، مُكَدِّياً بِالأَوْرَاقِ؟ فَأَنْشِأَ يَقُولُ:

إِنَّ لـلـهِ عَـبِـيدَاً *** أَخَذُوا الْعُمْرَ خَلِيطاً
فَهُمُ يُمْسُونَ أَعْـرَا *** باً، وَيُضْحُونَ نَبِيطا

حسن خليل
18-11-10, 08:48 PM
المقامة السجستانية لبديع الزمان

حَدَثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدا بِي إِلى سِجِسْتَانَ أَرَبٌ، فَاقْتَعَدْتُ طِيَتَّهُ، وَامْتَطَيْتُ مَطِيَّتَهُ، وَاسْتَخَرْتُ الله فِي العَزْمِ جَعَلْتُهُ أَمَامِي، وَالْحَزْمِ جَعَلْتُهُ إِمَامِي حَتَّى هَدَانِي إِلَيْهَا، فَوَافَيْتُ دُرُوبَهَا وَقَدْ وَافَتِ الشَّمْسُ غُرُوبَهَا، وَاتَّفَقَ المَبِيتُ حَيْثُ انْتَهَيْتُ، فَلَمَّا انْتُضيَ نَصْلُ الصَّبَاحِ، وَبَرَزَ جَيْشُ الْمِصْبَاحِ، مَضَيْتُ إِلى السُّوقِ أَخْتَارُ مَنْزِلاً، فَحِينَ انْتَهَيْتُ مِنْ دَائِرَةُ الْبَلَدِ إِلَى نُقْطَتِهَا، وَمِنْ قِلادَةِ السُّوقِ إِلى وَاسِطَتِهَا، خَرَقَ سَمْعِي صَوْتٌ لَهُ مِنْ كُلِّ عِرْقٍ مَعْنىً، فَانْتَحَيْتُ وَفْدَهُ حَتَّى وَقَفْتُ عِنْدَهُ، فَإذَا رَجُلٌ عَلى فَرَسِهِ، مُختَنِقٌ بِنَفسِهِ، قَدْ ولاَّنِي قَذَالَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ عَرَفَني فَقَدْ عَرَفَني، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفني فأَنا أُعَرِّفُهُ بِنَفْسي: أَنَا با كُورَةُ اليَمَنِ وَأُحْدُوثةُ الزَّمَنِ أَنَا أُدْعِيَّةُ الرِّجالِ، وَأُحْجيَّةُ رَبَّاتِ الحِجالِ، سَلُوا عنِّي البِلادَ وَحُصُونَها، وَالجِبالَ وَحُزُونَها، وَالأوْدية وَبُطُونَها، وَالبِحارَ وَعُيُونَهَا، والخيلَ وَمُتُونَها، مَنِ الذَّي مَلَكَ أَسْوَارَها، وَعَرَفَ أَسْرَارَهَا، وَنَهَجَ سَمْتَها، وَوَلَجَ حَرَّتَهَا؟ سَلُوا المُلوكَ وَخَزَائِنَها، وَالأَغْلاقَ وَمَعادِنَها، وَالأُمُورَ وَبَوَاطِنَها، وَالعُلُومَ وَمَوَاطِنها، وَالخُطُوبَ وَمَغالِقَهَا، وَالحُروبَ وَمَضَايِقَهَا، مَنِ الذَّي أَخَذَ مُخْتَزَنَها، وَلَمْ يُؤَدِّ ثَمَنَهَا؟ وَمَنِ الذَّي مَلَكَ مَفَاتِحَها، وَعَرَفَ مَصَالِحَها؟ أَنَا وَاللهِ فَعَلْتُ ذلِكَ، وَسَفَرْتُ بَيْن المُلُوكِ الصِّيدِ، وَكَشْفُت أَسْتَارَ الخُطُوبِ السُّودِ، أَنَا وَاللهِ شَهِدْتُ حَتّى مَصارِعَ العُشَّاقِ، وَمَرِضْتُ حَتَّى لِمَرَضِ الأَحْدَاقِ، وَهَصَرْتُ الغُصُونَ النَّاعِماتِ، وَأَجْتَنَيْتُ وَرْدَ الْخُدُودِ الْمُوَرَّداتِ، وَنَفَرْتُ مَعَ ذَلِكَ عَنْ الدُّنْيَا نُفُورَ طَبْعِ الْكَرِيمِ عَنْ وُجُوهِ اللِّئَامِ، وَنَبَوتُ عَنْ الْمُخْزِياتِ نُبُوَ السَّمْعِ الشَّريفِ عَنْ شَنْيعِ الْكَلامِ وَالآنَ لَمَّا أَسْفَرَ صُبْحُ الْمَشِيبِ، وَعَلَتْنِي أُبَهةُ الْكِبَرِ، عَمَدْتُ لإِصْلاحِ أَمْرِ الْمَعَادِ، بإِعْدَادِ الزَّادِ، فَلَمْ أَرَ طَرِيقاً أَهْدَى إِلى الرَّشَادِ مِمَّا أَنْا سَالِكُهُ، يَرَانِي أَحَدُكُمْ رَاكِبَ فَرَسٍ، نَاثِرَ هَوَسٍ، يَقُولُ: هذاَ أَبُو الْعَجَبِ، لاَ وَلَكِّنِيَ أَبُو الْعَجَاِئبِ، عَايَنْتُهَا وَعَانَيْتُهَا، وَأُمُّ الْكَبَائِرِ قَايَسْتُهَا وَقَاسَيْتُهَا، وَأَخُو الاْغْلاَقِ: صَعْباً وَجَدْتُهَا، وَهَوْناً أَضَعْتُهَا، وَغَالِياً اشْتَرَيْتُهَا، وَرَخِيصاً ابْتَعْتُهَا، فَقَدْ واللهِ صَحِبْت لهَا الْمَواكِبَ، وَزَاحَمْتُ الْمَنَاكِبَ، وَرَعَيْتُ الْكَواكِبَ، وأَنْضَيْتَ الْمَراكِبَ، دُفِعْتُ إِلى مَكَارِهَ نَذَرْتُ مَعَهَا أَلاَّ أَدَّخِرَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَنَافِعَهَا، وَلاَ بُدَّ لِي أَنْ أَخْلَعَ رِبْقَةَ هَذِهِ الأَمَانَة مِنْ عُنُقِي إِلَى أَعْنَاِقكُمْ، وَأَعْرِضَ دَوائِي هَذا فِي أَسْوَاقِكُمْ، فَلْيَشْتَرِ مِنِّي مَنْ لاَ يَتَقَزُّزُ مِنْ مَوْقِفِ الْعَبِيدِ، ولاَ يَأَنَفُ مِنْ كَلِمَةِ الْتَّوحِيدِ، وَلْيَصُنْهُ مَنْ أَنْجَبَتْ جُدُودُهُ، وَسَقَى بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ عُوُدُهُ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَدُرْتُ إِلَى وَجْهِهِ لأَعْلَمَ عِلْمَه فَإِذَا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبْو الْفتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، وَانْتَظَرْتُ إَجْفَالَ النَّعَامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَعَرَّضْتُ فَقُلْتُ: كَمْ يُحِلُّ دَوَاءَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: يُحِلُّ الْكِيسُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكْتُهُ وَانْصَرَفْتُ

حسن خليل
18-11-10, 08:50 PM
المقامة الكوفية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ وَأَنَا فَتِىُّ السِّنِّ أَشُدُّ رَحْلِي لِكُلِّ عَمَايَةٍ، وَأَرْكُضُ طِرْفَي إِلَى كلِّ غِوَايَةٍ، حَتَّى شَرِبْتُ مِنَ العُمْرِ سَائِغَهُ، وَلَبِسْتُ مِنَ الدَّهْرِ سابِغَهُ، فَلَمَّا انْصَاحَ النَّهَارُ بِجَانِبِ لَيْلَى، وَجَمَعْتُ للمَعَادِ ذَيْلي، وَطِئتُ ظَهْرَ المَرُوضةِ، لأداءِ المَفْرُوضَةِ، وَصَحِبَني فِي الطَّريقِ رَفيقٌ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ سُوءٍ، فَلَمَّا تجَالَيْنا، وَخَبَّرْنا بحالَيْنا، سَفَرَتِ القِصَّةُ عَنْ أصْلٍ كُوفيّ، وَمَذْهَبٍ صُوفِيّ، وَسِرْنا فَلَمَّا أَحَلَّتْنا الكُوفَةُ مِلْنا إِلى دَارِهِ، وَدَخلْنَاهَا وَقَدْ بَقَلَ وَجْهُ النَّهَارِ وَاخْضَرَّ جَانِبُهُ وَلَّما اغْتَمَضَ جَفْنُ اللَّيْلِْ وَطَرَّ شَارِبُهُ، قُرِعَ عَلَيْنا البابُ، فَقُلْنا: مَنِ القارِعُ المُنْتابُ؟ فقالَ: وَفْدُ اللَّيْلِ وَبَريدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَريدُهُ، وَحُرُّ قَادَهُ الضُّرُّ، والزَّمَنُ المُرُّ، وَضَيْفٌ وَطْؤُهَ خَفيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغيفٌ، وَجَارٌ يَسْتَعْدِى عَلى الجُوعِ، وَالجْيبِ المَرْقُوعِ، وَغَرِيبٌ أَوقِدَتِ النَّارُ عَلى سَفَرِهِ، وَنَبَحَ العَوَّاءُ عَلَى أَثَرِهِ، وَنُبِذَتْ خَلْفَهُ الحُصَيَّاتُ، وَكُنِسَتْ بَعْدَهُ العَرَصاتُ، فَنِضْوُهُ طَليحٌ ، وَعَيْشُهُ تَبْريحٌ، وَمِنَ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ.

قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَقَبَضْتُ مِنْ كِيسي قَبْضَةَ اللَّيْثِ، وَبَعَثْتُها إِلَيهِ وَقُلْتُ: زِدْنا سُؤَالاً، نَزِدْكَ نَوَالاً، فَقَالَ: ما عُرِضَ عَرْفُ العُودِ، عَلى أَحَرَّ مِنْ نَارِ الجُودِ، وَلا لُقِيَ وَفْدُ البِرِّ، بأَحْسَنَ مِنْ بَريدِ الشُّكْرِ، وَمَنْ مَلَكَ الفَضْلَ فَلْيُؤَاسِ، فَلَنْ يَذْهَبَ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ، وَأَمَّا أَنْتَ فَحَقَّقَ اللهُ آمَالَكَ، وَجَعَلَ اليَدَ العُلْيا لَكَ.

قَالَ عِيسى بْنُ هِشامٍ: فَفَتَحْنا لَهُ البَابَ وَقُلْنا: ادْخُلْ، فَإِذا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَريُّ، فَقُلْتُ: يا أَبَا الفَتْح، شَدَّ مَا بَلَغتْ مِنْكَ الخصَاصَةُ. وَهذَا الزِّيِّ خَاصَّةٌ، فَتَبَسَّمَ وَأَنْشأَ يَقولُ:

لاَ يَغُـرَّنَـكَ الـذِي *** أَنَا فيهِ مِنَ الطَّلَـبْ
أَنَا فِي ثَـرْوَةٍ تُـشَ *** قُّ لَهَا بُرْدَةُ الطَّرَبْ
أَنَا لَوْ شِئْتُ لاَتَّـخَـذْ *** تُ سُقُوفاً مِنَ الذَهَبْ

حسن خليل
18-11-10, 08:55 PM
المقامة الأسدية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كانَ يَبْلُغُنِي مِنْ مَقَامَاتِ الإِسْكَنْدَريِّ وَمَقَالاتِهِ مَا يَصْغَى إِلَيْهِ النُّفُورُ، وَيَنْتَفِضُ لَهُ العُصْفُورُ، وَيَرْوَي لَنَا مِنْ شِعْرِهِ مَا يَمْتَزِجُ بأَجْزَاءِ النَّفْسِ رقَّةً، وَيَغْمُضُ عَنْ أَوْهَامِ الكَهَنَةِ دِقَةً، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهُ بَقَاءَهُ، حَتْى أُرْزَقَ لِقَاءَهُ، وَأَتَعَجَّبُ مِنْ قُعُودِ هِمَّتِهِ بِحَالَتِهِ، مَعَ حُسْنِ آلَتِهِ، وَقَدْ ضَرَبَ الدَّهْرُ شُؤُونَهَ، بِأَسِدَادِ دُونَهُ، وَهَلَّمَ جَرًّا، إِلَى أَنْ اتَّفَقَتْ لِيَ حَاجَةٌ بِحِمْصَ فَشَحَذْتُ إِليَهَا الحِرصَ، فِي صُحْبَةِ أَفْرِادٍ كَنُجُومِ اللَّيلِ، أَحْلاسٍ لِظُهُورِ الخَيلِ، وَأَخذْنَا الطَرِيقَ نَنْتَهِبُ مَسَافَتَهُ، وَنَسْتَأْصِلُ شأْفَتَهُ، وَلَمْ نَزَلْ نَفْرِي أَسْنِمَةَ النِّجَادِ بِتِلْكَ الْجِيَادِ، حَتَّى صِرْنَ كَالْعِصِيِّ، وَرَجَعْنَ كَالْقِسِيِّ، وَتَاخَ لَنَا وَادٍ فِي سَفْحِ جَبَلٍ ذِي أَلاءٍ وأَثْلٍ، كَالعَذَارَى يُسَّرِحْنَ الضَّفَائِرَ، وَيَنْشُرْنَ الغَدَائِرَ، وَمَالتِ الهَاجِرَةُ بِنَا إِليْهَا، وَنَزَلْنَا نُغَوِّرُ وَنَغُورُ، وَرَبَطْنَا الأَفْرَاسَ بِالأَمْراسِ، وَمِلنَا مَعَ النُّعَاسِ، فَمَا رَاعَنَا إِلاَّ صَهِيلُ الخَيلِ، وَنَظَرتُ إِلى فَرَسِي وَقَدْ أَرْهَفَ أُذَنَيِهِ، وَطَمَحَ بِعَيْنَيهِ، يَجُّذُ قُوَى الحَبْلِ بِمَشَافِرِهِ، وَيَخُدُّ خَدَّ الأَرْضِ بِحَوافرهِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتِ الخَيْلُ فَأَرْسَلَتِ الأَبْوَالَ، وَقَطَّعَتِ الحِبَالَ، وَأَخَذَتْ نَحْوَ الجِبَالِ، وَطَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى سِلاحِهِ؛ فإِذَا السَّبُعُ فِي فَرْوَةِ المَوتِ، قَدْ طَلَعَ مِنْ غَابِهِ، مُنْتَفِخاً فِي إِهَابِهِ، كَاشِراً عَنْ أَنْيَابِهِ، بِطَرْفٍ قَدْ مُلِئَ صَلَفاً، وَأَنْفٍ قَدْ حُشِىَ أَنَفَاً، وَصَدْرٍ لاَ يَبْرَحُهُ القَلْبُ، ولاَ يَسْكُنُهُ الرُّعْبُ، وَقُلْنَا خطْبٌ مُلِمٌ، وَحَادِثٌ مُهِمٌ، وَتَبَادرَ إِلَيِهِ مِنْ سُرْعَانِ الرُّفْقَةِ فَتَىً:

أَخْضَرُ الجِلْدَةِ فِي بَيْتِ العَرَبْ *** يَمْلأُ الدَّلْوً إِلَى عَقْدِ الكَـرَبْ

بِقَلْبٍ سَاقَهُ قَدْرٌ، وَسَيْفٍ كُلُّهُ أَثْرٌ، وَمَلَكَتْهُ سَوْرَةُ الأَسَدِ فَخَانَتْهُ أَرْضُ قَدَمِهِ، حَتَّى سَقَطَ لِيَدِهِ وَفَمِهِ، وَتَجَاوَزَ الأَسَدُ مَصْرَعَهُ، إِلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَدَعَا الْحَيْنَ أَخَاهُ، بِمِثْلِ مَا دَعَاهُ، فَصارَ إِلَيْهِ، وَعَقَلَ الرُّعْبُ يَدَيهِ، فَأَخَذَ أَرْضَهُ، وَافْتَرشَ اللَّيثُ صَدْرَهُ، وَلَكِّنْي رَمَيْتُهُ بِعِمَامَتِي، وَشَغلتُ فَمَهُ، حَتَّى حَقَنْتُ دَمَهُ، وَقَامَ الفَتَى فَوَجَأَ بَطْنَهُ، حتَّى هَلَكَ الفَتَى مِنْ خَوْفِهِ، والأَسَدُ لِلْوَجْأَةِ في جَوفِهِ، ونَهَضْنا فِي أَثَرِ الخَيْلِ فَتَأَلَّفْنا مِنْهَا ما ثَبَتَ، وَتَرَكْنَا مَا أَفْلَتَ، َوعُدْنَا إِلى الرَّفِيقِ لِنُجَهِّزَهُ

فَلمَّا حَثَونَا التُّرْبَ فَوْقَ رَفِيقَنَا *** جَزِعْنَا وَلَكِنْ أَيُّ سَاعَةِ مَجْزَعِ

وَعُدُنَا إِلَى الفَلاةِ، وَهَبَطْنَا أَرْضَهَا، وَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ضَمِرَتِ المَزَادُ، وَنَفِدَ الزَّادُ أَوْ كَادَ يُدْرِكُهُ الْنَّفادُ، وَلَمْ نَمْلِكِ الذَّهَابِ وَلاَ الرُّجُوعَ، وَخِفْنَا القَاتِلِينَ الظَّمَأَ وَالجُوعَ، عَنَّ لَنَا فَارِسٌ فَصَمَدْنَا صَمْدَهُ، وَقَصَدْنَا قَصْدَهُ، وَلَمَّا بَلَغَنَا نَزَلَ عَنْ حُرِّ فَرَسَهَ يَنْقُشُ الأَرْضَ بِشَفَتَيهِ، ويَلْقِي التُّرَابَ بِيَدَيْهِ، وَعَمَدَنْي مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ، فَقَّبَلَ رِكَابِي، وَتَحَّرَمَ بِجَنَابِي، وَنَظَرْتُ فَإِذْا هُوَ وَجْهٌ يَبْرُقُ بَرْقَ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ، وَقَوَامٌ مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّل، وَعَارِضٌ قَدِ اخْضَرَّ، وَشَارِبٌ قَدْ طَرًّ، وَسَاعِدٌ مَلآنٌ، وَقَضِيبٌ رَيَّانُ، ونِجَارٌ تُرْكِيٌ، وَزِيٌ مَلَكِيٌ، فَقُلْنَا: مَالَكَ لاَ أَبَالكَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ بَعْضِ الْمُلوكِ، هَمَّ مِنْ قَتْلي بِهَمٍّ، فَهِمْتُ عَلى وَجْهِي إِلى حَيْثُ تَرانِي، وَشَهِدَتْ شَوَاهِدُ حالهِ، على صِدْقِ مَقَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا اليَومَ عَبْدُكَ، وَمَالِي مَالُكَ، فَقُلْتُ: بُشْرَى لَكَ وَبِكَ، أَدَّاكَ سَيْرُكَ إِلَى فِنَاءٍ رَحْبٍ، وَعَيْشٍ رَطْبٍ، وَهَنْأَتْنِي الْجَمَاعَةُ، وَجَعَلَ ينْظُرُ فَتَقْتُلَنَا أَلْحَاظَهُ، وَيَنْطِقُ فَتَفْتِنٌنَا أَلْفَاظَهُ، فَقَالَ: يَا سَادَةُ إِنَّ فِي سَفْحِ الجَبَلِ عَيْنَاً، وَقَدْ رَكِبْتُمْ فُلاَةً عَوْرَاءَ، فَخُذُوا مِنْ هُنَالِكَ الْمَاءَ، فَلَوَيْنَا الأَعِنَةَ إِلى حَيثُ أشَارَ، وَبَلَغْنَاهُ وَقَدْ صَهَرَتِ الهَاجِرَةُ الأَبْدَانَ، وَرَكِبَ الجَنَادِبُ الْعِيدَانَ، فَقَالَ: أَلاَ تَقِيلُونَ فِي الظِّلِّ الْرَّحْبِ، عَلى هَذا المَاءِ الْعَذْبِ؟ فَقُلْنَا: أَنْتَ وَذَاكَ فَنَزَلَ عَنْ فرَسِهِ، وَحَلَّ مِنْطَقَتَهُ، وَنَحَى قُرْطَقَتَهُ فَمَا اسْتَرَعَنَّا إِلاَّ بِغِلاَلَةٍ تَنِمُّ عَنْ بَدَنِهِ، فَمَا شَكَكْنَا أَنَّهُ خَاصَمَ الوِلْدَانَ، فَفَارَقَ الْجِنَانَ، وَهَرَبَ مِنْ رِضْوَانٍ، وَعَمَدَ إِلَى السُّرُوجِ فَحَطَّهَا، وإِلَى الأَفْراسِ فَحشَّهَا، وإِلَى الأَمْكِنةِ فَرَشَّهَا، وَقَدْ حَارَتِ الْبَصَائِرُ فِيهِ، وَوَقَفْتِ الأَبْصَارُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى مَا أَلْطَفَكَ فِي الٍخِدْمَةِ، وَأَحْسَنَكَ فِي الجُمْلَةِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ فَارَقْتَهُ، وَطُوبَى لِمَنْ رَافَقْتَهُ، فَكَيِفَ شُكْرُ اللهِ عَلَى الْنِعْمَةَ بِكَ؟ فَقَالَ: مَا سَتَرُونَهُ مِنِّي أَكْثَرُ، أَتُعْجِبُكُمْ خِفَّتي فِي الخِدْمَةِ، وَحُسْنِيَ فِي الجُمْلَةِ؟ فَكَيِفَ لَوْ رَأَيْتُمُونِي فِي الْرُّفْقًةِ؟ أُرِيكُمْ مِنْ حِذْقِيَ طُرَفَا، لِتَزْدَاُدوا بِي شَغَفَاً؟ فَقٌلْنَا: هَاتِ: فَعَمَدَ إِلَى قَوْسِ أَحَدِنَا فَأَوْتَرَهُ، وَفَوَّقَ سَهْمَاً فَرَمَاهُ فِي السَّماءِ، وَأَتْبَعَهُ بِآخَرَ فَشَقَّهُ في الهَواءِ، وَقَالَ: سَأُرِيكمْ نَوعَاً آخَرَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى كِنَانَتي فَأَخَذَهَا، وإِلَى فَرَسِي فَعَلاهُ، وَرَمَى أَحَدَنا بِسَهْمٍ أَثْبَتَهُ فِي صَدْرِهِ، وَآخَرَ طَيَّرَهُ منْ ظَهْرِهِ، فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: اسْكُتْ يَا لُكَعُ، وَاللهِ لَيَشُدَّنَ كُلٌ مِنْكُمْ يَدَ رَفِيِقِهِ، أَوْ لأُغِصِنَّهُ بِرِيِقهِ، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَصْنَعْ وَأَفْرَاسُنَا مَرْبُوطَةٌ، وَسُروجَنَا مَحْطُوطَةٌ، وَأَسْلِحَتُنْا بَعِيدَةٌ، وَهْوَ رَاكِبٌ وَنَحْنُ رَجَّالَةٌ، وَالقَوْسُ فِي يَدِهِ يَرْشِقُ بِهَا الظُّهُورَ، وَيَمْشُقُ بِهَا الْبُطُونَ والْصُّدُورَ، وَحِينَ رَأَيْنَا الْجِدَّ، أَخَذْنَا الْقِدَّ، فَشَدَّ بَعْضُنَا بَعْضَاً، وَبَقَيْتُ وَحْدِيَ لاَ أَجِدُ مَنْ يَشُدُّ يَدِي، فَقَالَ: اخْرُجْ بإِهَابِكَ، عَنْ ثِيَابِكَ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وِجِعِلِ يِصْفَعُ الواحِدَ مِنَّا بَعْدَ الآخَرِ، وَيَنْزَعُ ثِيَابَهُ وَصَارَ إِلَيَّ وَعَليَّ خُفَّانِ جَدِيدانِ، فَقَالَ: اخْلَعْهُمَا لاَ أُمَّ لَكَ، فَقُلْتُ: هَذا خُفٌ لَبِسْتُهُ رَطْباً فَلَيْسَ يُمْكِنُي نَزْعَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ خَلْعُهُ، ثُمَّ دَنَا إِلَيَّ لِيَنْزَعَ الخُفَّ، وَمَدَدْتُ يَدْي إِلَى سِكْينٍ كَانَ مَعْي فِي الخُفِّ وَهْوَ فِي شُغْلِهِ فَأَثْبَتَّهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَبَنْتَهُ مِنْ َمَتْنهِ، فَمَا زَادَ عَلى فَمٍ فَغَرَهُ، وأَلَقَمَهُ حَجَرَهُ، وَقُمْتُ إِلى أَصْحَابِي فَخَلَلْتُ أَيْدِيِهِمْ، وَتَوَزْعَنَا سَلَبَ القَتِيلَينِ، وأَدَرَكْنَا الرَّفِيقَ وَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ، وِصِارَ لِرَمْسِهِ، وَصِرْنَا إِلى الطَّرِيقِ، وَوَرَدْنا حِمْصَ بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلى فُرْضَةِ مِنْ سُوقِهَا رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلى رأَسِ ابْنٍ وَبُنَيةٍ، بِجِرابٍ وَعَصِيةٍ، وهُوَ يَقُولُ:عُهُ، ثُمَّ دَنَا إِلَيَّ لِيَنْزَعَ الخُفَّ، وَمَدَدْتُ يَدْي إِلَى سِكْينٍ كَانَ مَعْي فِي الخُفِّ وَهْوَ فِي شُغْلِهِ فَأَثْبَتَّهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَبَنْتَهُ مِنْ َمَتْنهِ، فَمَا زَادَ عَلى فَمٍ فَغَرَهُ، وأَلَقَمَهُ حَجَرَهُ، وَقُمْتُ إِلى أَصْحَابِي فَخَلَلْتُ أَيْدِيِهِمْ، وَتَوَزْعَنَا سَلَبَ القَتِيلَينِ، وأَدَرَكْنَا الرَّفِيقَ وَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ، وِصِارَ لِرَمْسِهِ، وَصِرْنَا إِلى الطَّرِيقِ، وَوَرَدْنا حِمْصَ بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلى فُرْضَةِ مِنْ سُوقِهَا رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلى رأَسِ ابْنٍ وَبُنَيةٍ، بِجِرابٍ وَعَصِيةٍ، وهُوَ يَقُولُ:

رَحِمَ اللهُ مَنْ حَشَـا *** فِي جِرَابِي مَكَارِمَهْ
رَحِمَ اللهُ َمـنْ رَنَـا *** لِسَعِيدٍ وَفَاطِـمَـهْ
إِنَّـهُ خَـادِمٌ لَـكُـمْ *** وَهْيَ لاَ شَكَّ خَادِمَهْ

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ إِنَّ هَذا الرَّجُلَ هُوَ الإِسْكَنْدَرِيُّ الَّذي سَمِعْتُ بِهِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ هُوَ، فَدَلَفْتُ إَلَيهِ، وَقُلْتُ: احْتَكِمْ حُكْمَكَ فَقَالَ: دِرْهَمٌ، فَقُلْتُ:

لَكَ دِرْهَمٌ فِي مِثْـلِـهِ *** مَا دَامَ يُسْعِــدُنِي النَّفَسْ
فَاحْسُبْ حِسَابَكَ وَالتَمِس *** كَيْمَا أُنِيلُ الْملْتَـمَـس

وَقُلْتُ لَهُ: دِرْهَمٌ فِي اثْنَينِ فِي ثَلاثَةٍ فِي أَرْبَعةٍ فِي خَمْسَةٍ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى العِشْرِينَ، ثُمَّ قُلْتُ: كَمْ مَعَكَ؟ قَالَ: عِشْرونَ رَغِيفاً، فَأَمَرْتُ لَهُ بِهَا، وَقُلْتُ: لاَ نَصْرَ مَعَ الخِذَلاَنِ، وَلاَ حِيلَةَ مَعَ الْحِرْمَانِ.

حسن خليل
19-11-10, 07:01 PM
المقامة الغيلانية لبديع الزمان

حَدَثَنْي عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِجُرْجَانَ، فِي مُجْتَمَعٍ لنَا نَتَحَدَّثُ، وَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ رَجُلُ العَرَبِ حِفْظاُ وَرِوَايةً، وَهَوَ عِصْمَةُ بْنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ، فأَفْضَى بِنَا الكَلاَمُ إِلَى ذِكْرِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ حِلْماً، وِمِنْ أَعْرَضَ عَنْ خَصْمِهِ احْتِقَاراً، حَتَّى ذَكَرْنَا الصَّلَتَانَ الْعَبْدِيَّ وَالبَيِثَ، وَمَا كَانَ مِنْ احْتِقَارِ جَريرٍ وَالفَرَزْدَقِ لَهُمَا، فَقَالَ عِصْمَةُ: سَأُحَدِثَكُم بِمَا شَاهَدَتْهُ عَيْني، وَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ غَيْري، بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي بِلادِ تَمِيمٍ مُرْتَحِلاً نَجِيَبةً، وَقائِداً جَنِيبَةً، عنَّ ليَ رَاكِبٌ عَلىَ أَوْرَقٍ جَعْدِ اللُّغَامِ، فَحَاذَانِي حَتَّى إِذا صَكَّ الشَّبَحُ بِالشَّبَحِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، مَنِ الرَّاكِبُ الجَهيرُ الكَلاَمِ المُحَيِّي بِتَحيَّة الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ: أَنَا غَيْلاَنُ بْنُ عُقْبَةَ، فَقُلتُ: مَرْحَباً بِالكَرِيم حَسَبهُ الشَّهِيرِ نَسَبُهُ، السَّائِرُ مَنْطِقُهُ، فَقَالَ: رَحُبَ وَادِيكَ، وَعَزَّ نَاِديَكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عِصْمةُ بْنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَياَّكَ اللهُ نِعْمَ الصَّدِيقُ، وَالصَاحبُ والرَّفِيقُ، وَسِرْنَا فَلَمَّا هَجَّرْنا قَالَ: أَلاَ نُغَوِّرُ يَاعِصْمةُ فَقَدْ صَهَرَتْنَا الْشَّمْسُ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَمِلْنَا إِلِى شَجراتٍ أَلاَءٍ كَأَنْهُنَّ عَذارَى مُتَبَرِّجاتٌ، قَد نَشَرْنَ غَدائِرَهُنَّ، ِلأثَلاثٍ تُنَاوِحُهُنَّ، فَحَطَطْنَا رِحَالَنَا، وَنِلْنَا مِنَ الطَّعَامِ، وَكانَ ذُو الرُّمَةِ زَهِيدَ الأَكلِ، وَصَلَّيْنَا بَعْدُ، وَآلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلى ظِلِّ أَثَلةٍ يُرِيدُ الْقَائِلَةَ، وَاضَطَجَعَ ذُو الرُّمَّةِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ مِثَلَ صَنِيعِهِ، فَوَلَّيْتُ ظَهْرِي الأَرْضَ، وَعَيْنَاي لاَ يَمْلِكُهُمَا غُمْضٌ، فَنَظَرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ قَدْ ضَحِيَتْ وَغَبِيطُهَا مُلْقىً، وَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يَكْلأُهَا كأَنَّهُ عَسِيفٌ أَوْ أَسِيفٌ فَلَهِيتُ عَنْهُمَا، وَما أَنَا وَالسُّؤالَ عَمَّا لاَ يَعْنِينِي؟ وَنَام ذُو الرُّمَّةِ غِرَاراً، ثُمَّ انْتَبَهَ، َوكاَنَ ذلِكَ فِي أَيَّامِ مُهَاجاتِهِ لِذَلكَ الْمُرِّيَّ، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَأَنْشَدَ يَقُولُ:


أَمِنْ مَيَّةَ الطُّلَلُ الـدَّارِسُ *** أَلَظَّ بِهِ العَاصِفُ الرَّامِسُ


فَلَمْ يَبْقَ إِلاَ شَجِيجُ الْقَـذَالِ *** وَمُسْتَوْقَدٌ مَا لَهُ قَـابِـس


وَحَوْضٌ تَثَلَّمَ مِنْ جَانِـبَـيْهِ *** وَمُحْتَفَلٌ دَارِسٌ طامِـسُ


وَعَهْدي بِهِ وَبِهِ سَـكْـنُـهُ *** وَمَيَّهُ وَالإِنْـسُ وَالآِنـسُ


كَأَنِّي بِمَيَّةَ مُسْـتَـنْـفِـرٌ *** غَزَالاً ترَاءَى لَهُ عَاطِسٌ


إِذَا جِئْتُهَا رَدَّنيِ عَـابِـسٌ *** رَقِيبٌ عَلَيْها لَهَا حَـارِسٌ


سَتَأْتِي امْرِأَ الْقَيْسِ مَأْثُورَةٌ *** يُغَنِّي بِها العَابِرَ الجَالِـسُ


أَلَمْ تَرَ أَنَّ امْرأَ القَيْسِ قَـدْ *** أَلَظَّ بِهِ دَاؤُهُ الـنَّـاجِـسُ


هُمُ القَوْمُ لاَ يَأَلَمُونَ الْهِجَاءَ *** وَهَلْ يَأَلَمُ الحَجَرُ الْيَابِـسُ


فَمَا لَهُمُ في الْعُلاَ رَاكِـبٌ *** وَلاَ لَهُمُ فِي الوَغَى فَارِسُ


مُمَرْطَلةٌ فِي حِياضِ المَلاَمِ *** كَمَا دَعَسَ الاْدَمَ الدَّاعِـسُ


إِذَا طَمَحَ النَّاسُ لِلْمَكْرُماتِ *** فَطَرْفُهُمُ المُطْرِقُ النَّاعِسُ


تَعَافُ الأَكَارِمُ إِصْهَارَهُـمْ *** فَكًلُّ أَيَامَاهُـمُ عـانِـسُ


فَلَمَّا بَلَغَ هَذا البَيْتَ تَنَبَّهَ ذَلِكَ النَّائِمُ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: أَذُو الرُّمَيْمَةِ يَمْنَعُنِي النَّوْمَ بِشِعْر غيْرِ مُثَقّفٍ وَلاَ سَائِر؟ فَقُلْتُ يَا غَيْلاَنُ، مَنْ هَذا؟ فَقَالَ: الْفَرَزْدَقُ، وَحَمِى ذُو الرُّمَّةِ فَقَالَ:


وَأَمَّا مُجاشِـعٌ الأَرْذَلُـونَ *** فلَم يَسْقِِ مَنْبِتَهُـمْ رَاجِـسُ


سَيَعْقِلَهُمُ عَنْ مَسَاعِي الْكِرَام *** عِقَالٌ، وَيَحْبِسهُمُ حَـابِـسُ


فَقُلْتُ: الآنَ يَشْرَقُ فَيَثُورُ، وَيَعُمُّ هذا وَقبِيلَتُهُ بِالهِجَاءِ، فَوَاللهِ مَا زَادَ الفَرَزْدَقُ عَلى أَنْ قَالَ: قُبْحَاً لكَ يا ذَا الرُّمَيْمَةِ! أَتَعْرِضُ لِمِثْلي بِمَقالٍ مُنْتَحَلٍ؟ ثُمَّ عَادَ فِي نَوْمِهِ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً، وَسَارَ ذُو الرُّمَّةِ وَسِرْتُ مَعَهُ، وَإِنِّي لأَرَى فِيهِ انْكِسَاراً حَتَّى افْتَرَقْنَا.

حسن خليل
19-11-10, 07:04 PM
المقامة الأذربيجانية لبديع الزمان

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: لَمَّا نَطَّقَنِي الْغِنَى بِفَاضِلِ ذَيْلِهِ، اتُّهِمتُ بِمَالٍ سلَبْتُهُ، أَو كَنْزٍ أَصَبْتُهُ، فَحَفَزَنيِ اللَّيْلُ، وَسَرَتْ بِي الخَيْلُ، وَسَلكتُ فِي هَرَبِي مَسَالِكَ لَمْ يَرُضْهَا السَّيْرُ، وَلاَ اهْتَدَتْ إِلَيْهَا الطَّيْرُ، حَتَّى طَوَيْتُ أَرْضَ الرُّعْبِ وَتَجاوَزْتُ حَدَّهُ، وَصِرْتُ إِلى حِمَى الأَمْنِ َوَوجَدْتُ بَرْدَهُ، وَبَلَغْتُ أَذْرَبِيجَانَ وقَدْ حَفِيَتِ الرَّوَاحِلُ، وأَكَلَتَّهَا المَرَاحِلُ، وَلَمَّا بَلَغْتُهَا:

نَزَلْنَا عَلى أَنَّ المُـقَـامَ ثَـلاثَةٌ ***** فَطَابَتْ لَنَا حَتَّى أَقَمْنَا بِها شَهْراً

فَبَيْنَا أَنا يَوْماً في بِعْضِ أَسْوَاقِها إِذْ طَلَعَ رَجُلٌ بِرَكْوَةٍ قَدِ اعْتَضَدَهَا وَعَصاً قَدِ اعْتَمَدَها، وَدنِّيَّةٍ قَدْ تَقَلَّسَهَا، وَفُوطةٍ قدْ تَطَلَّسَهَا، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ يا مُبْدِئَ الأَشْيَاءِ وَمُعيدَهَا، وَمُحْيِيَ الْعِظَامِ وَمُبِيدَها، وَخَالِقَ الْمِصْباحِ وَمُدِيرَهُ، وفالِقَ الإِصْباحِ وَمُنِيرَهُ، وَمُوصِلَ الآلاءِ سابِغَةً إِلَيْنا، وَمُمْسِكَ السَّمَاءِ أَنْ تَقَعَ عَلَيْنَا، وَبَارِئَ النَّسَمِ أَزْواجاً وَجَاعِلَ الشَّمْسِ سِرَاجاً، والسَّمِاءِ سَقْفاً والأَرْضِ فِرَاشاً، وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَناً وَالنَّهَارِ مَعَاشاً، ومُنْشِئَ السَّحَابِ ثِقَالاً، وَمُرْسِلَ الصَّواعِقِ نِكَالاً، وَعَالِمَ ما فَوْقَ النُّجُومِ وما تَحْتَ التُّخُومِ، أَسْأَلَكَ الصَّلاةَ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلينَ، مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّاهِرينَ، وأَنْ تُعِينَني على الغُرْبَةِ أَثْنِي حَبْلَهَا، وَعلى العُسْرَةِ أَعْدُو ظِلَّها، وأَنْ تُسَهِّلَ لِي عَلى يَدَيْ مِنْ فَطَرَتْهُ الفِطْرَةُ، وَأَطْلَعَتْهُ الْطُّهْرَةُ، وَسَعِدَ بالدِّينِ الْمَتِينِ، وَلَمْ يَعْمَ عَنِ الحَقِّ الْمُبِينِ، رَاحِلةً تَطْوِى هَذَا الطَّرِيقَ، وزَاداً يَسَعُنِي والرَّفِيقَ. قَالَ عيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنَاجَيْتُ نَفْسِي بِأَنَّ هذَا الرَّجُلَ أَفْصَحُ مِنْ إِسْكَنْدَرِيِّنَا أَبِي الفَتْحِ، وَالْتَفَتُّ لَفْتَةً فَإِذَا هُوَ واللهِ أَبُو الْفَتْحِ، فَقُلْتُ يَا أَبَا الفَتْحِ بَلَغَ هذِهِ الأَرْضَ كَيْدُكَ، وانْتَهى إِلى هذَا الشِّعْبِ صَيْدُكَ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

أِنا جَوَّالةُ الـبِـلا ******* دِ وجَوَّابِةُ الأُفُـقْ
أَنَا خُذْرُوَفةُ الزَّمـا ****** نِ وَعَمَّارَةُ الطُّرُقْ
لاَ َتلُمْنِي لَكَ الَّرشَا ****** دُ عَلَى كُدْيَتي وذُقْ

حسن خليل
19-11-10, 07:06 PM
المقامة الجرجانية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:

بَيْنمَا نَحْنُ بِجُرجَانَ، فِي مَجْمَعٍ لَنَا نَتَحَدَّثُ وما فينا إِلاَّ مِنَّا، إِذْ وَقَفَ عَليْنَا رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّويلِ المُتَمَدِّدِ، ولا الْقصيرِ المُتَرَدِّدِ، كَثُّ العُثْنُونِ، يَتْلُوهُ صِغَارٌ فِي أَطْمارٍ، فافْتَتَحَ الْكَلامَ بِالسَّلامِ، وَتَحِيَّةِ الإِسْلامِ، فَوَلاَّنا جميلاً، وأَوْلَيْناهُ جَزيلاً، فَقَالَ: يا قَوْمُ إِنِّي امْرؤٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مِنَ الثُغُورِ الأَمَويَّةِ نَمَتْني سُلَيْمٌ ورَحَّبَتْ بِي عَبْسٌ جُبْتُ الآفاق، وتَقَصَّيْتُ العِرَاقَ، وَجُلْتُ الْبَدْوَ وَالْحَضَرَ، ودَارَيْ رَبِيَعَةَ وَمُضَرَ، ما هُنْتُ، حَيْثُ كُنْتُ، فَلا يُزْرِيَنَّ بِي عِنْدكُمْ ما تَرَوْنَهُ مِن سَمَلي وأَطْماري، فَلَقَدْ كُنَّا وَاللهِ مِنْ أَهْلِ ثَمٍّ وَرَمٍّ، نُرْغِي لَدَى الصَّباحِ ونُثْغِى عِنًدَ الرَّواحِ

وفينَا مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُم *** وأَنْدِيَةٌ يَنتَابُها القَوْلُ والفِعْلُ
عَلَى مُكْثِرِيهِمْ رَزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ *** وَعِنْدَ المُقِلَّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ

ثُمَّ إِنَّ الدَّهْرَ يا قَوْمُ قَلَبَ لِي مِنْ بَيْنِهمْ ظَهْرَ الْمِجَنَّ، فاعْتَضْتُ بِالنَّوْمِ السَّهَر، وبالإِقامَةِ السَّفَرَ، تَتَرَامى بِي المَرَامي، وتَتَهَادَى بِي المَوَامِي، وَقَلَعَتْنِي حَوَادِثُ الزَّمَنِ قلْعَ الصَّمْغَةِ، فَأُصْبِحُ وأُمْسِي أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ وأَعْرَى مِنْ صَفْحَةِ الْوَليدِ، وأَصْبَحْتُ فَارِغَ الفِناءِ، صَفِرَ الإِنَاءِ، مالِي إِلَّا كَآبَةُ الأَسْفارِ، ومُعَاَقَرَةُ السِّفَارِ، أُعَانِي الفَقْرَ، وأمَاني الْقَفْرَ، فِراشِي الْمَدَرُ، وَوِسَادِي الحَجَرُ

بِآمدَ مَرَّةً وَبِـرأْسِ عَـيْنٍ *** وأَحْيَاناً بِمَيّا فَـارِقِـينَـا
لَيْلَةً بِالشَّآمِ ثُـمَّـتَ بِـالأهْ *** وَازِ رَحْلِي وَلَيلَةً بِالْعِرَاقِ

فَما زَالَتِ النَّوَى تَطْرَحُ بيِ كُلَّ مَطْرَحٍ، حَتَّى وَطِئْتُ بِلادَ الحَجَرِ وَأَحَلَّتنِي بَلَدَ هَمَذَانَ، فَقَبِلَنِي أَحْيَاؤُهَا، وَأَشْرَأَبَّ إِلَىَّ أَحِبَّاؤُهَا، وَلكِنِّي مِلْتُ لإِعْظَمِهشمْ جَفْنَةً، وَأَزْهَدِهِمْ جَفْوةً:

َلهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَـاعٍ *** إِذَا النِّيرانُ أُلْبِسَتِ الْقِنَاعَا

فَوَطَّأَ لِي مَضْجَعاً، وَمَهَّدَ لِي مَهْجَعاً، فَإِنْ وَنَى لِيَ وَنْيةً هَبَّ لِيَ ابْنٌ كأَنَّهُ َسَيْفٌ يَمَانٍ، أَوْ هِلاَلٌ بَدَا فِي غَيْرِ قَتَمانٍ، وَأَوْلاني نِعَماً ضَاقَ عَنْهَا قَدْرِي، وَاتَّسَعَ بِهَا صَدْرِي، أَوَّ لُهَا فَرْشُ الدَّارِ، وَآخِرُها أَلْفُ دِينَارٍ، فَمَا طَيَّرَتْنِي إِلا َّالنِّعَمُ حَيْثُ تَوَالَتْ، وَالدِّيَمُ لَمَّا انْثَالتْ، فَطَلَعْتُ مِنْ هَمَذَانَ طُلُوعَ الشَّارِدِ، وَنَفَرْتُ نِفَارَ الْآبِدِ، أَفْرِي الْمَسَالِكَ، وَأَقْتَفِرُ المَهَالِكَ، وَأَعَانِي الْمَمَالِكَ، عَلَى أَنِّيَ خَلَّفْتُ أُمَّ مّثْوَايَ وَزُغْلوُلاً لِي.

كأَنَّهُ ُدْمُـلٌـج مِـنْ فِـضَّةٍ نَـبَـهٌ *** فِي مَلْعَبٍ مِنْ عَذَارَى الحَيِّ مَفْصُومُ

وَقَدْ هَبَّتْ بِي إِلَيْكُمْ رِيحُ الاِحْتِيَاجِ، وَنَسِيمُ الإِلْفَاجِ، فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ لِنِقْضٍ مِنَ الأَنْقَاضِ مَهْزُولٍ، هَدَتْهُ الحَاجَةُ، وَكَدَّتْهُ الْفَاقَةُ :

أَخَا سَفَرٍ، جَوَّابَ أَرْضٍ، تَقَاذَفَتْ *** بِهِ فَلَوَاتٌ؛ فَهْوَ أَشْعَثُ أَغْبَـرُ

جَعَلَ اللهُ لِلخَيْرِ عَلَيْكُمْ دَلِيلاً، وَلاَ جَعَلَ للِشَّرِّ إِلَيْكُمْ سَبِيلاً. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَقَّتْ وَاللهِ لَهُ الْقُلُوبُ، وَاغْرَوْرَقَتْ لِلُطْفِ كلاَمِهِ العُيُونُ، وَنُلْنَاُه مَا تَاحَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ، وأَعْرَضَ عَنَّا حَامِداً لَنا، فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الْفَتْح الإِسْكَنْدَرِيُّ.

حسن خليل
19-11-10, 07:09 PM
المقامة الأصفهانية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى ْبنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِأَصْفَهَانَ، أَعْتَزِمُ المَسِيرَ إِلى الرَّيِّ، فَحَلَلْتُهَا حُلُولَ أَلْفَيِّ، أَتَوَقَّعُ الْقَافِلةَ كُلَّ َلْمَحةٍ، وَأَتَرَقَّبُ الرَّاحِلَةَ كلَّ صّبْحَةٍ، فَلَمَّا حُمَّ مَا تَوَقَّعْتُهُ نُودِيَ لِلصَّلاةِ نِدَاءً سَمِعْتُهُ، وتَعَيَّنَ فَرْصُ الإِجَابَةِ، فَانْسَلَلْتُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابةِ، أَغْتَنِمُ الجَمَاَعةَ أُدْرِكُهَا، وأَخْشَى فَوْتَ القَافِلَةِ أَتْرُكَها، لَكِنِّي اسْتَعَنْتُ بِبَركاتِ الصَّلاةِ، عَلى وَعْثَاءِ الفَلاةِ، فَصِرْتُ إِلَى أَوَّلِ الصَُفُوفِ، وَمَثَلْتُ لِلْوُقُوفِ، وَتَقَدَّمَ الإِمَاُم إِلى المِحْرَابِ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكتَابِ، بِقِراءَةِ حَمْزَةَ، مَدَّةً وَهَمْزَةً، وَبِي الْغَمُّ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ في فَوْتِ القَافِلَةِ، وَالبُعْدِ عَنِ الرَّاحِلَةِ، وَاتْبَعَ الفَاتِحَةَ الوَاقِعَةَ، وَأَنَا أَتَصَلَّى نَارَ الصَّبْرِ وَأَتَصَلَّبُ، وَأَتَقَلَّى عَلى جَمْرِ الغَيْظِ وأَتَقَلَّبُ، َوَلْيَس إِلاَّ السُّكُوتُ وَالصَّبْرُ، أَوِ الكَلاَمُ وَالْقَبْرُ؛ لِمَا عَرَفْتُ مِنْ خُشُونَةِ القَومِ فِي ذَلكَ المَقامِ، أَنْ لَوْ قُطِعًتِ الصَّلاةُ دُونَ السَّلام، فَوَقَفْتُ بِقَدَمِ الضَّرُورَةِ، على تِلْكَ الصُّورَةِ إِلَى انْتِهَاءِ السُّورَةِ، وَقَدْ قَنِطْتُ مِنَ القَافِلَةِ، وَأِيِسْتُ مِنَ الرَّحْلِ وَالرَّاحِلَةِ، ثُمَّ حَنَى قَوْسَهُ لِلْرُّكُوع، بِنَوْعِ مِنَ الخُشُوعِ، وَضَرْبٍ من الخُضُوعِ، لَمْ أَعْهَدْهُ مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسَهُ وَيَدَهُ، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَامَ، حَتَّى مَا شَكَكْتُ أَنَّهُ قَدْ نَامَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَمِيِنِهِ، وَأَكَبَّ لِجَبِيِنهِ، ثُمَّ انْكَبَّ لِوَجْهِهِ، وَرَفَعْتُ رَأَسِي أَنْتَهزُ فُرْصةً، فَلَمْ أَرَ بَيْنَ الصُّفُوفِ فُرْجَةً، فَعُدْتُ إِلَى السُّجُودِ، حَتَّى كبَّر لِلْقُعُودِ، وَقامَ إِلى الرَّكْعةِ الثَّانِيَةِ، فَقَرَأَ الفَاتِحَةَ وَالقَارِعَةَ، قِرَاءَةً اسْتَوْفَى بِها عُمْرَ السَّاعَةِ، وَاستَنْزَفَ أَرْوَاحَ الجَمَاعَةِ، فَلَمَّا فَرِغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلى التَّشَهُّدِ بِلَحْيَيْهِ، وَمَالَ إِلَى التَّحِيَّةِ بِأَخْدَعَيْهِ، وَقُلْتُ: قَدْ سَهَّلَ اللهُ الَمْخرَجَ، وَقَرَّبَ الفَرَجَ، قَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُحِبُّ الصَّحَابَةَ والجَمَاعَةَ، فَلْيُعِرْنِي سَمْعَهُ سَاعَةً.
قَالَ عِيَسى بْنُ هِشَامٍ: فَلَزِمْتُ أَرْضِي، صِيِانَةَ لِعَرْصِي، فَقَالَ: حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لاَ أَقُولَ غَيْرَ الحَقْ، وَلا أَشْهَدَ إِلاَّ بِالصِّدْقِ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِبِشَاَرةٍ مِنْ نَبِيكُمْ، لكِنِّي لاَ أُؤَدِّيهَا حَتَّى يُطَهِّرَ اللهُ هَذا المَسْجدَ مِنْ كُلِّ نَذْلٍ يَجْحَدُ نُبُوءَتَهُ.
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَبَطني بِالْقُيُودِ، وَشَدَّني بِالحِبَالِ السُّودِ، ثُمَّ قَالَ: رأَيْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَنَامِ، كالشَّمْسِ تَحْتَ الغَمامِ، وَالبَدْرِ لَيْلَ التَّمَامِ، يَسِيرُ وَالنُّجُومُ تتَبْعَهُ، ويَسْحَبُ الذَّيْلَ والمَلائِكَةُ تَرْفَعُهُ، ثمَّ علَمَني دُعَاءً أَوْصَانِي أَنْ أُعَلِّمَ ذَلِك أُمَّتَهُ، فَكَتَبْتُهُ عَلَى هذِهِ الأَوْرَاق بِخَلُوقٍ وَمِسْكٍ، وَزَعْفَرَانٍ وَسُكٍ، فَمَنِ اسْتَوْهَبَهُ مِنيِّ وَهَبْتُهُ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ ثَمَنَ القِرْطَاسِ أَخَذْتُهُ.

قَالَ عِيسى بْنُ هِشَامٍ: فَلَقَدِ انْثِالَتْ عَليهِ الدَّرَاهِمُ حَتَّى حَيَّرَتْهُ، وَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ مُتَعَجِّبَاً مِنْ حِذْقِهِ بِزَرْقِهِ، وَتَمَحُّلِ رِزِقِهِ، وهَمَمْتُ بِمَسْأَلَتِهِ عَنْ حَالِهِ فَأَمْسَكْتُ، وَبِمُكَالَمَتِهِ فَسكَتُّ، وَتَأَمَّلْتُ فَصَاحَتَهُ فِي وَقَاحَتِهِ، وَمَلاحَتَهُ في اسْتِمَاحَتِهِ، وَرَبْطَهُ النَّاسَ بِحيَلتِهِ، وَأَخْذَهُ المَالَ بوَسِيلَتِهِ، وَنَظَرْتُ فإِذَا هُوَ أَبُو الْفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: كَيْفَ اهْتَدَيْتَ إِلَى هذِهِ الحِيلَةِ فَتَبَسَّمَ وأَنْشَأَ يَقُولَ:

النَّاسُ حُمْرٌ فَجَـوِّزْ *** وابْرُزْ عَلَيْهِمْ وبَرِّزْ
حَتَّى إِذَا نِلْتُ مِنْهُـمْ *** مَا تَشْتَهِيهِ فَفَرْوِزْ

حسن خليل
19-11-10, 07:11 PM
المقامة الأهوازية لبديع الزمان

حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بالأهواز، في رفقة مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِمْ تَسَهَّلِ، لَيْسَ فِينَا إِلاَّ أَمْرَدُ بكْرُ الآمالِ، أَوْ مُخْتَطُّ حَسَنُ الإِقْبالِ، مَرْجُوُّ الايَّامِ وَاللَّيال، فَأَفَضْنَا فِي العِشْرَةِ كَيْفَ نَضَعُ قَوَاعِدَهَا، وَالأُخُوَّةِ كَيْفَ نُحْكِمُ مَعَاقِدَهَا، وَالسُّرورِ فِي أَيِّ وَقْتٍ نَتَقَاضَاهُ، والشُّرْبِ فِي أَيِّ وَقْتٍ نَتَعاطاهُ، وَالانْسِ كَيْفَ نَتَهَاداهُ، وَفَائِتِ الحَظِّ كَيْفَ نَتَلافَاهُ، وَالشَّرَابِ مِنْ أَيْنَ نُحَصِّلُهُ، وَالمَجْلِسِ كَيْفَ نُزَيُّنُهُ. فَقَالَ أَحَدُنا: عَلَىَّ الْبَيْتُ والنُّزْلُ، وَقالَ آخَرُ: عَلَىَّ الشَّرابُ وَالنَّقْلُ، وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلى المَسيرِ اسْتَقَبَلنَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ فِي يُمْنَاهُ عُكَّازَةٌ، وَعَلى كَتِفَيْهِ جِنَاَزةٌ، فَتَطَيَّرْنَا لَمَّا رَأَيْنَا الجِنَازَةَ وَأَعْرَضْنَا عَنْهَا صَفْحاً، وَطَوَيْنَا دُوَنَها كَشْحاً، فَصَاحَ بِنَا صَيْحَةً كَادَتْ الأَرْضُ لهَا تَنْفَطِرُ، وَالنُّجُومُ تَنْكَدِرُ، وَقَالَ: لَتَروُنَّهَا صُغْراً وَلَتَرْكَبُنَّهَا كَرْهاً وَقَسْراً، مَا لكُمْ تَطَّيَّرونَ مِنْ مَطِّيةٍ رَكِبَهَا أَسْلاَفُكُمْ، وسَيَرْكَبُهَا أَخْلاَفُكُمْ، وَتَتَقَذَّرُونَ سَرِيراً وَطِئَهُ آبَاؤُكُمْ، وَسَيَطؤُهُ أَبْنَاؤُكُمْ، أَمَا واللهِ لَتُحْمَلُنَّ عَلَى هذِهِ العِيدَانِ، إِلَى تِلْكُمُ الدِّيدَانِ، وَلَتُنْقَلُنَّ بِهَذِهِ الجِيَادِ، إِلَى تِلْكُمُ الوِهادِ، وَيْحَكُمْ تَطَيَّرُونَ، كأَنَّكُمْ مُخَيَّرونَ، وَتَتَكَرَّهونَ، كأَنَّكُمْ مُنَزَّهُونَ، هَلْ تَنَفَعُ هَذهِ الطِّيَرَُ، يِا فَجَرَةُ؟ .

قَالَ عِيَسى بْنُ هِشَامٍ: فَلَقَدْ نقَضَ مَا كُنَّا عَقَدْنَاهُ، وأَبْطَلَ مَا كُنَّا أَرَدْنَاهُ، فَمِلنَا إِلَيهِ وَقُلنَا لَهُ: مَا أَحْوَجَنَا إِلى وَعْظِكَ، وأَعْشَقَنَا لِلَفْظِكَ، وَلَوْ شِئْتَ لَزِدْتَ قَالَ: إِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوَارِدَ أَنْتمْ وَارِدُوهَا، وَقَدْ سِرْتُمْ إِلَيْهَا عِشْرينَ حِجَةً:

وإِنْ امْرأَ قَدْ سَارَ عِشْرِينَ حِجَةً *** إِلى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِهِ لِقَـرِيبُ

وَمِنْ فَوِقِكُمْ مِنْ يَعْلَمُ أَسْرارَكُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَهَتَكَ أَسْتَارَكُمْ، يُعَامِلِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِحِلمٍ، وَيَقْضِي عَلَيِكُمْ فِي الآخِرَةِ بِعِلمٍ، فَلْيَكُنِ المَوتُ مِنْكُمْ على ذُكْرٍ، لِئَلا تَأَتْوا بِنُكْرٍ، فَإِنَّكُمْ إِذَا اسْتَشْعَرْتُمُوهُ لَمْ تَجْمَحُوا، وَمَتى ذَكَرْتُمُوهُ لَمْ تَمْرَحوا، وإِنْ نَسِيتُمُوهُ فَهْوَ ذَاكِرُكُمْ، وإِنْ نِمْتُمْ عَنْهُ فَهُوَ ثَائِركُمْ، وإِنْ كَرِهْتُمُوهُ فهُوَ زَائِرُكُمْ، قُلْنَا: فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَطْوَلُ مِنْ أَنْ تُحَدَّ، وأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ، قُلْنَا: فَسَانِحُ الوَقْتِ، قَالَ: رَدُّ فَائِتِ العُمْرِ، وَدَفَعُ نَازِلِ الأَمْرِ، قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَلَكِنْ مَا شِئْتَ مِنْ متَاعِ الدُنْيَا وَزُخْرِفِهَا، قَالَ لا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وإِنمَا حَاجَتِي بَعْدَ هَذا أَنْ تَخِدُوا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَعُوا.

حسن خليل
19-11-10, 07:12 PM
المقامة البصرية لبديع الزمان

حدثني عيسى بن هشام قال: دخلت البصرة وأنا من سنّي في فتاء، ومن الزي في حبر ووِشَاء، ومن الغِنَى في بَقَر وشَاء، فأتيت المِرْبَدَ في رُفْقَةٍ تأخذهم العيون، ومشينا غير بعيد إلى بعض تلك المُتنزهات، في تلك المُتَوَجَّهَات، وَمَلَكَتْنَا أرض فَحَلَلْنَاهَا، وَعَمَدْنَا لقِدَاح اللهو فَأجَلْنَاهَا، مُطَرِّحِينَ لِلْحِشمةِ إذ لم يكن فينا إلا منا، فما كان بأسرع من ارتداد الطَّرْفِ حتى عَنَّ لنا سواد تَخْفضُه وِهَادُ، وَتَرْفَعُهُ نِجَاد، وعلمنا أنّه يهم بنا، فأتلعنا له، حتى أَدَّاهُ إلينا سَيْرُهُ وَلَقِيَنَا بِتَحِّيَةِ الإِسْلاَمِ، وَرَدَدْنَا عَلْيْهِ مُقْتَضى السَّلامِ، ثُمَّ أَجالَ فِينَا طَرْفَهُ وَقَالَ: يا قَوْمُ ما مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ يَلْحَظُنِي شَزْراً، وَيوسِعُنِي حَزْراً، وَمَا يُنبئُكُمْ عني، أصْدَقُ مني، أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنَ الثُّغُورِ الأَمَوِيَّةِ، قَدْ وَطَّأَ لِيَ الفَضْلُ كَنَفَهُ، وَرَحَّبَ بي عَيْش، ونَمَاني بَيْت، ثُمَّ جَعْجَعَ بي الدَّهْر عَنْ ثَمِّهِ وَرَمِّهِ، وأتلاني زَغَاليلَ حُمْرَ الحواصل:

كَأَنَّهُمْ حَيَّاتُ أَرْضِ مَحْلَةٍ *** فلو يَعَضُّونَ لَذَكَّي سَمُّهُمْ
إِذَا نَزَلْنَا أَرْسَلُونِي كَاسِباً *** وإن رحلنا ركبوني كُلُّهُمْ

وََنَشَزَتُ عَلَيْنَا البِيضُ، وَشَمَسَتْ مِنَّا الصُّفْر، وأَكَلَتْنَا السُّودُ، وَحَطَّمَتْنَا الحُمْرُ، وانتابنا أبو مالك، فَمَا يَلْقَانَا أبو جابر إلا عن عفر، وهذه البَصْرَةُ مَاؤُهَا هَضُوم، وَفَقِيرُهَا مهضوم، والمرء مِن ضِرْسِه في شُغْل، ومِن نفسه في كَل، فكيف بمن:

يُطَوِّفُ مَا يُطَوِّفُ ثُـمَّ يَأَوِي *** إِلَى زُغْبٍ مُحَدَّدَةِ العُـيُونِ
كَسَاهُنَّ الْبِلَى شُعْثاً فَتُمْسِـي *** جِيَاعَ النَّابِ ضَامِرَةَ البُطُونِ

وَلَقَدْ أَصْبَحْنَ الْيَوْمَ وَسَرَّحْنَ الطَّرْفَ فِي حَيٍّ كَمَيْتٍ، وَبَيْتٍ كلاَ بَيْتٍ، وَقلَّبْنَ الأَكُفَّ عَلَى لَيْتَ، فَفَضَضْنَ عُقَدَ الضُّلُوعِ، وَأَفَضْنَ مَاءَ الدُّمُوعِ، وَتَدَاعَيْنَ بِاسْمِ الجُوعِ.

وَالفَقْرُ فِي زَمَنِ الـلِّـئَا *** مِ لِكُلِّ ذِي كَرَمٍ عَلاَمَهْ
رَغِبَ الكِرَامُ إِلَى اللِّـئَا *** مِ ، وَتِلْكَ أَشْرَاطُ الْقِيَامَهْ

وَلَقَدِ اُخْتِرْتُمْ يَا سَادَةُ، وَدَلَّتْنِي عَلَيْكُمُ السَّعَادَةُ، وَقُلْتُ قَسَماً، إِنَّ فِيهِمْ لَدَسَما، فَهَلْ مِنْ فَتَىً يُعَشِّيهِنَّ، أَوْ يُغَشِّيهِنَّ؟ وَهَلْ مِنْ حُرٍّ يُغَدِّيهِنَّ، أَوْ يُرَدِّيهِنَّ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَوَاللهِ مَا اسْتَأْذَنَ عَلَى حِجَابِ سَمْعي كلاَمٌ رَائعٌ أَبْرَعُ، وَأَرْفَعُ وَأَبْدَعُ، مِمَّا سَمِعْتُ مِنْهُ، لاَجَرَمَ أَنَّا اسْتَمَحْنَا الأَوْسَاطَ، وَنَفَضْنَا الأَكْمَامَ، وَنَحَّيْنَا الجُيُوبَ، وَنُلْتُهُ أَنَا مُطْرَفِي، وَأَخَذَتِ الجَمَاعَةُ إِخْذِي، وَقُلْنَا لَهُ: الْحَقْ بِأَطْفَالِكَ، فَأَعْرَضَ عَنَّا بَعْدَ شُكْرٍ وَفَّاهُ، وَنَشْرٍ مَلَأ بِهِ فاهُ.

حسن خليل
19-11-10, 07:14 PM
المقامة الفزارية

عيسى بن هشام قال:

كُنْتُ فِي بَعْضِ بلادِ فَزَارَةَ مُرْتَحِلاً نَجِيبَةً، وَقائِداً جَنِيبَةً، يَسْبَحَانِ بِي سَبْحاً، وَأَنَا أَهِمُّ بِالْوَطَنِ، فَلاَ اللَّيْلُ يَثْنِينِي بِوَعِيدِهِ، وَلاَ البُعْدُ يَلْوِينِي بِبِيدِهِ، فَظَلِلْتُ أَخْبِطُ وَرَقَ النَّهَارِ، بِعَصَا التَّسْيَار وَأَخُوضُ بَطْنَ اللَيلِ، بِحَوَافِرِ الخَيْلِ، فَبَيْنَا أَنَا فِي لَيْلَةٍ يَضِلُّ فِيها الغَطاطُ، وَلا يُبْصِرُ فِيهَا الوَطْواطُ، أَسِيَحُ سَيْحاً، وَلا سَانِح إِلاَّ السَّبُعُ، وَلاَ بَارِحَ إِلاَّ الضَّيُعُ، إِذْ عَنَّ لِي رَاكِبٌ تامُّ الالاَتِ، يَؤُمُّ الأَثَلاَتِ، يَطْوي إِلَىَّ مَنْشُورَ الفَلَوَاتِ، فَأَخَذَني مِنْهُ ما يَأْخُذُ الأَعْزَلَ مِنْ شَاكِي السِّلاَحِ، لكِنِّي تَجَلدْتُ فَقُلْتُ: أَرْضَكَ لاَ أُمَّ لَكَ، فَدُونَكَ شَرْطُ الحِدَادِ، وَخَرْطَ الْقَتَادِ، وَخَصْمٌ ضَخْمٌ، وَحَمِيَّةٌ أَزْدِيَّةٌ، وَأَنَا سِلْمٌ إِنْ شِئْتَ، وَحَرْبٌ إِنْ أَرَدْتَ، فَقُلْ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: سِلْماً أَصَبْتَ، فَقُلتُ: خَيْراً أَجَبْتَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: نَصِيحٌ إِنْ شَاوَرْتَ فَصِيحٌ إِنْ حَاوَرتَ، وَدُونَ إسْمِي لِثَامٌ، لاَ تُميطُهُ الأَعْلاَمُ، قُلْتُ: فَمَا الطُّعْمَةُ؟ قَالَ: أَجُوبُ جُيُوبَ البِلاَدِ، حَتَّى أَقَعَ عَلى جَفْنَةِ جَوادٍ، وَلِي فُؤَادٌ يَخْدِمُهُ لِسَانٌ، وَبَيَانٌ يَرْقُمُهُ بَنَانٌ وَقٌصَارَاي كَرِيمٌ يَخْفِضُ لِي جَنِيبَتَهُ، وَيَنْفُضُ إِليَّ حَقِيبَتَهُ، كَابْنِ حُرَّةٍ طَلَعَ عَلَيَّ بِالأمْسِ، طُلُوعَ الشَّمسِ، وَغَربَ عَنِّي بِغُرُوبِها، لكِنَّهُ غَابَ وَلمْ يَغِبْ تَذْكارُهُ، وَوَدَّعَ وَشَيَّعْتَني آثَارُهُ، وَلا يُنْبِئُكَ عنْهَا، أَقْرَبُ مِنُهَا، وَأَوْمأَ إِلى ما كانَ لَبِسَهُ، فَقُلْتُ: شَحَّاذٌ وَرَبِّ الْكَعْبةِ آخَّاذُ، لَهُ فِي الصَّنْعَةِ نَفَاذٌ، بَلْ هُوَ فِيها أُسْتاذٌ، وَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ تَرْشَحَ لَهُ، وَتَسِحَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى قَدْ جَلَّيْتَ عِبَارَتَكَ، فَأَيْنَ شِعْرُكَ مِنْ كَلاَمِكَ؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ كَلامِي مِنْ شِعْرِي؟ ثُمَّ اسْتَمَدَّ غَرِيزَتَهُ، وَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ، بِصَوْتٍ ملأَ الوَادِي، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

وأَرْوَعَ أَهْدَاهُ لِيَ اللَّيْلُ وَالْفَلا *** وَخَمْسُ تَمَسُّ الأَرْضَ لكِن كَلاَ وَلا
عَرَضْتُ عَلَى نَارِ المَكارِمِ عُوَدهُ *** فَكانَ مُعِماًّ في السِّيَادَةِ مُخْوِلاَ
وَخَادَعْتُهُ عَنْ مَالِهِ فَخَدَعْتُهُ *** وَسَاهَلْتُهُ مِنْ بِرِّهِ فَتَسَهـــــَّلاَ
وَلَمَّا تَجَالَيْنَا وَأَحْمَدَ مَنْطِقِي *** بَلاَ بِيَ مِنْ نَظْمِ القَرِيضِ بِـمَـا بَـلاَ
فَمَا هَزَّ إِلاَّ صَارِماً حينَ هَزَّنِي *** وِلِمْ يَلْقَنِي إِلاَّ إِلَى السَّبْقِ أَوَّلاَ
وَلَمْ أَرَهُ إِلاَ أَغَرَّ مُحجَّلاَ *** وَمَـا تحْتَهُ إِلاَّ أَغَرَّ مُحَجَّلاَ

فَقُلْتُ لَهُ: عَلَى رِسْلِكَ يَا فَتَى، وَلَكَ فِيمَا يَصْحَبُنِي حُكْمُكَ، فَقَالَ: الحَقِيبَةُ بِمَا فِيهَا، فَقُلْتُ: إِنَّ وَحَامِلَتَهَا، ثُمَّ قَبَضْتُ بجُمْعِي عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: لاَ وَالَّذِي أَلْهَمَهَا لَمْساً، وَشَقَّهَا مِنْ وَاحِدَةٍ خَمْساً، لاَ تُزَايُلنِي أَوْ أَعْلَمَ علْمكَ، فَحَدَرَ لِثَامَهُ عَنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ قُلْتُ:

تَوَشَّحْتَ أَبَا الْفَتْـحِ *** بِهَذَا السَّيْفِ مُخْتَالاً
فَمَا تَصْنَعُ بِالسَّيفِ *** إِذَا لَمْ تَكُ قَتَّـالاً؟
فَصُغْ مَا أَنْتَ حَلَّيْتَ *** بِهِ سَيْفَكَ خَلْخـالا

حسن خليل
19-11-10, 07:17 PM
المقامة الجاحظية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامِ قَالَ: أثَارَتْنِي وَرُفْقَةً وَلِيَمةٌ فَأَجَبْتُ إِلَيْهَا، لِلْحَدِيثِ المَأْثُور عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ" فأَفْضَى بِنَا السَّيْرُ إِلى دَارٍ.



تُرِكَتْ وَالحُسْنَ تـأْخُـذُهُ *** تَنْتَقِي مِنْهُ وَتَنْـتَـحِـبُ


فَانْتَقَتْ مِنْـهُ طَـرَائِفَـهُ *** وَاسْتَزَادَتْ بَعْضَ مَا تَهَبُ

بِسَاطُهَا، وَبُسِطَتْ أَنْمَاطُهَا، وَمُدَّ سِماطُهَا، وَقَوْمٍ قَدْ أَخَذُوا الوَقْتَ بَيْنَ آسٍ مَخْضُودٍ، وَوَرْدٍ مَنْضُودٍ، وَدَنٍّ مَفْصُودٍ، وَنَايٍ وَعُودٍ، فَصِرْنَا إِِلَيْهِمْ وَصَارُوا إِلَيْنَا، ثُمَّ عَكَفْنَا عَلَى خِوُانٍ قَدْ مُلِئَتْ حِيَاضُهُ، وَنَوَّرَتْ رياضُهُ، وَاصْطَفَّتْ جِفانُهُ، وَاخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ فَمِنْ حَالِكٍ بِإِزَائِهِ نَاصِعٌ، وَمِنْ قَانٍ تِلْقَاءَهُ فَاقِعٌ، وَمَعَنا عَلى الطَّعَامِ رَجُلٌ تُسَافِرُ يَدُهُ عَلَى الخِوَانِ، وَتَسْفِرُ بَيْنَ الأَلْوَانِ، وَتَأْخُذُ وُجُوهَ الرُّغفَانِ، وَتَفْقأُ عُيُونَ الجِفانِ، وَتَرْعَى أَرْضَ الجِيرانِ، وَتَجُولُ في القَصْعَةِ، كَالرُّخِّ في الرُّقْعَةِ، يَزْحَمُ باِللُّقْمَةِ اللُّقْمَةَ، وَيَهْزِمُ بِالمَضْغَةِ المْضغَة، وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ ساكِتٌ لاَ يَنْبِسُ بِحًرفٍ، وَنَحْنُ فِي الحَدِيثِ نَجْري مَعْهُ، حَتَّى وَقَفَ بِنَا عَلَى ذِكْرِ الجاحِظِ وَخَطابَتِهِ، وَوَصْفِ ابْنِ المُقَفّعِ وَذَرَابتِهِ، وَوَافَقَ أَوَّلُ الحَدِيثَ آخِرَ الخِوَانِ، وَزُلْنَا عَنْ ذَلِكَ المَكانِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيْنَ أَنْتُمْ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي كُنْتُمْ فيِهِ؟ فَأَخَذْنَا فِي وَصْفِ الجَاحِظِ ولَسَنِهِ، وَحُسْنِ سَنَنِهِ فِي الفَصاحَةِ وَسُنَنِهِ، فِيما عَرَفْنَاهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ لِكُلِّ عَمَلٍ رِجَالٌ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالُ، وَلِكُلِّ دَارٍ سُكَّانٌ، ولِكُلِّ زَمَانٍ جَاحِظٌ، وَلَوِ انْتَقَدْتُمْ، لَبَطَلَ مَا اعْتَقَدْتُمْ، فَكُلٌّ كَشَرَ لَهُ عَنْ نابِ الإِنْكَارِ، وَأَشَمَّ بِأَنِْف الإِكْبَارِ، وَضَحِكْتُ لَهُ لأَجلُبَ ما عِنْدَهُ، وَقُلْتُ: أَفِدْنا وَزِدْنا، فقَالَ: إنَّ الجَاحِظَ في أَحَدِ شِقَّيِ البَلاَغَةِ يَقْطِفُ، وفِي الآخَرِ يقَفُ، والبَليغُ مَنْ لَمْ يُقَصِّرْ نَظْمُهُ عَنْ نَثْرِهِ، ولَمْ يُزْرِ كَلامَهُ بشِعْرِهِ، فَهَل تَرْوُونَ للْجاحِظِ شِعْراً رائِعاً؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ: فَهَلُمُّوا إِلَى كَلاَمِهِ، فَهْوَ بَعِيدُ الإِشارَاتِ، قَلِيلُ الاسْتِعَاراتِ، قَرِيبُ العِبَارَات، مُنْقادٌ لعُرْيَانِ الكَلاَمِ يسْتَعْمِلُهُ، نَفُورٌ مِنْ مُعْتَاصِهِ يُهْمِلُهُ، فَهَلْ سَمِعْتُمْ لَهُ لَفْظَةً مَصْنُوعَةً، أَوْ كَلِمَةً غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ؟ فَقُلْنَا: لاَ ، فَقَالَ: هَلْ تُحِبُّ أَنْ َتسْمَعَ مِنَ الكَلاَمِ مَا يُخَفِّفُ عَنْ مَنْكِبَيْكَ، وَيَنِمُّ علَى مَا في يَدَيْكَ؟ فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ، قَالَ: فأَطْلِقْ لِي عَنْ خِنْصِرِكَ، بِمَا يُعِينُ على شُكْرِكَ، فَنُلْتُهُ رِدَائِي، فَقالَ:


لَعَمْرُ الَّذي أَلقَى عَلَيَّ ثِيَابَهُ *** لَقَدْ حُشِيَتْ تلْكَ الِّثيابُ بِهِ مَجْدَا


فَتىً قَمَرَتْهُ المَكْرُمَاتُ رِدَاءَهُ *** وَمَا ضَرَبَتْ قِدْحاً ولاَ نَصَبَتْ نَرْدَا


أَعِدْ نَظَراً يا مَنْ حَبَانِي ثِيابَهُ *** وَلاَ تَدَعِ الأَيَّامَ تَهْدِمُنِي هَدَّا


وَقُلْ للأُولَى إِنْ أَسْفَرُوا أَسْفَرُوا ضُحىً *** وإِنْ طَلَعُوا في غُمَّةٍ طلَعُوا سَعْدا


صِلُوا رَحِمَ العَلْيا، وَبُلُّوا لَهَانَهَا *** فَخَيْرُ النَّدَى ما سَحَّ وَاِبلُهُ نَقْدَا


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَارْتاحَتِ الجَمَاعَةُ إِلَيْهِ، وَانْثَالَتِ الصِّلاَتُ عَلَيهِ، وَقُلْتُ لَمَّا تآنَسْنَا: مِنْ أَيْنَ مَطْلُع هَذاَ البَدْرِ? فَقالَ:

إِسْكَـنْـدَرِيَّةُ دَارِي *** لَوْ قَرَّ فِيها قَرَارِي


لكِنَّ لَيْلِى بِنَـجْـدٍ *** وَبِالحِجَازِ نَهارِي.

حسن خليل
19-11-10, 07:20 PM
المقامة المكفوفية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ أَجْتَازُ، فِي بَعْضِ بِلاَدِ الأَهْوَازِ، وَقُصَارَايَ لَفْظَةٌ شَرُودٌ أَصِيدُهَا، وَكَلِمَةٌ بَلِيَغٌة أَسْتَزِيدُهَا، فَأَدَّانِي السَّيْرُ إِلَى رُقْعَةٍ فَسِيحَةٍ مِنَ البَلَدِ، وَإِذَا هُنَاكَ قَوْمٌ مُجْتَمِعُونَ عَلى رَجُلٍ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَخْبِطُ الأَرْضَ بعصاً على إِيقَاعٍ لاَ يَخْتَلِفُ، وَعَلِمْتُ أَنَّ مَعَ الإِيقَاعِ لَحْناً، وَلَمْ أَبْعُدْ لأَنَالَ مِنَ السَّمَاعِ حَظًّاً، أَوْ أَسْمَعَ مِنَ الفَصِيحِ لَفْظاً، فَمَا زِلْتُ بالنَّظَّارَةِ أَزْحَمُ هَذا وَأَدْفَعُ ذَاكَ حَتَّى وَصَلْتُ إِلى الرَّجُلِ، وَسَرَّحْتُ الطَّرْفَ مِنْهُ إِلَى حُزُقَّةٍ كَالَقَرَنْبَي أَعمى مَكْفُوفٍ، فِي شَمْلَةِ صُوفٍ، يَدُورُ كَالخُذْرُوفِ، مُتَبَرْنِساً بِأَطْوَلَ مِنْهُ، مُعْتَمِداً على عَصاً فِيهَا جَلاَجِلُ يَخْبِطُ الأَرْضَ بِهَا عَلى إِيقَاعٍ غَنِجٍ، بِلَحْنٍ هَزِجٍ، وَصَوْتٍ شَجٍ، مِنْ صَدْرٍ حَرِجٍ، وَهْوَ يَقُولُ:

يا قَوْمُ قَدْ أَثْقَلَ دَيْنِي ظَهْـرِي *** وَطَالَبَتْنِي طَلَّتِي بالمَـهْـرِ
أَصْبَحْتُ مِنْ بَعْدُ غِنىً وَوَفْرِ *** سَاكِنَ قَفْرٍ وَحَلِيفَ فَـقْـرٍ
يا قَوْمُ هَلْ بَيْنَكُمُ مِـنْ حُـرِّ *** يُعِيُننِي على صُرُوفِ الدَّهْرِ
يا قَوْمُ قَدْ عِيلَ لِفَقْري صَبْرِي *** وَانْكَشَفَتْ عنِّي ذُيُولُ السِّتْرِ
وَفَضَ ذَا الدَّهْرُ بِأَيْدِي البَتْـرِ *** ما كانَ بِي مِنْ فِضَّةٍ وَتِبْـرِ
آوِي إِلَى بَيْتٍ كَقِـيدِ شِـبْـرِ *** خَامِلَ قَدْرِ وَصَغِـيرِ قِـدْرِ
لَوْ خَتَمَ اللهُ بِـخَـيْرٍ أَمْـرِي *** أَعْقَبَنِي عَنْ عُسُرٍ بِـيُسْـرِ
هَلْ مِنْ فَتىً فِيكم كَرِيم النَّجْرِ *** مُحْتَسِبٍ فِيَّ عَظِيمَ الأجْـرِ


إِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْتَنَمِاً للشُّكْرِ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَقَّ لَهُ واللهِ قَلْبِي، وَاغْرَوْرَقَتْ لَهُ عَيْنِي، فَنُلْتُهُ ديناراً كانَ مَعِي، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَالَ:

يا حُسْنَهَا فاقِعَةٌ صَفْـراءُ *** مَمْشوقَةٌ مَنْقُوشَةٌ قَـوْرَاءُ
يِكَادُ أَنْ يَقْطُرَ مِنهَا المَـاءُ *** قَدْ أَثْمَرَتْها هِمَّةٌ عَـلْـياءُ
نَفْسُ فَتىً يَمْلِكُهُ السَّخَـاءُ *** يَصْرِفًهُ فِيهِ كمَـا يَشَـاءُ
يا ذَا الَّذِي يَعْنيهِ ذَا الثَّنـاءُ *** ما يَتَقَضَّى قَدْرَكَ الإِطْرَاءُ

امْضِ إلِى اللهِ لِكِ الجِزِاءُ ورَحِمَ اللهُ مَنْ شَدَّهَا فِي قَرَنِ مِثْلِها، وَآنَسَهَا بُأخُتِها، فَنَالَهُ النَّاسُ ما نالُوهُ، ثُمَّ فَارَقَهُمْ وَتَبِعْتُهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُتَعَامٍ، لِسُرْعَةِ ما عَرَفَ الدِّينَارَ، فَلَمَّا نَظَمَتْنَا خَلْوَةٌ، مَدَدْتُ يُمْنَايَ إِلى يُسْرَى عَضُدَيْهِ وَقُلْتُ: واللهِ لَتُرَينِّي سِرَّكَ، أَوْ لأَكْشِفَنَّ سِتْرَكَ، فَفَتَحَ عَنْ تَوْأَمَتَيْ لَوْزٍ، وَحَدَرْتُ لِثَامَهُ عَنْ وَجْهِهِ، فإِذَا وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: أَنْتَ أَبو الفَتْحِ؟ فَقَالَ: لا


أَنَا أَبُـو قَـلَـمُـونٍ *** فِي كُلِّ لَوْنٍ أَكُـونُ
أَخْتَرْ مِنَ الكَسْبِ دُوناً *** فإِنَّ دَهْــرَكَ دُونُ
زَجَّ الزَّمَانَ بَحُمْـقٍ *** إِنَّ الزَّمَانَ زَبُـونُ
لا تُكَذَبَنَّ بِـعَـقْـلٍ *** ما العَقْلُ إِلاَّ الجُنُونُ

حسن خليل
19-11-10, 07:21 PM
المقامة البخارية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَحَلَّنِي جَامِعَ بُخَارى يَوْمٌ وَقَدِ انْتَظَمْتُ مَعَ رِفْقَةٍ في سِمْطِ الثُّرَيَّا، َوِحينَ احْتَفَلَ الجَامِعُ بِأَهْلِهِ طَلَعَ إِلَيْنَا ذُوْ طِمْرِينِ قَدْ أَرْسَلَ صِواناً، وَاسْتَتْلى طِْفلاً عُرْيَانَاً، يَضِيقُ بِالضُّرِّ وُسْعُهُ، وَيأْخُذُهُ القُرُّ ويَدَعُهُ، لاَ يَمْلِكُ غَيْرَ القِشْرَةِ بُرْدَةٍ، وَلاَ يَكْتَفِي لِحِمَايَةِ رِعْدَةٍ، فَوَقَفَ الرَّجُلُ وَقَالَ: لاَ يَنْظُرُ لِهَذا الطِّفْلِ إِلاَّ مَنِ اللهُ طَفَّلَهُ، وَلاَ يَرِقُّ لِهذا الضُّرِّ إِلاَّ مَنْ لا يأْمَنُ مِثْلَهُ، يا أَصْحَابَ الجُدودِ المَفْروزَةِ، وَالأَرْدِيةِ المْطُروزَةِ، وَالدُّورِ المُنَّجَدَةِ، والقُصُورِ المَشَّيدَةِ، إِنَّكُمْ لَنْ تَأَمَنُوا حَادِثاً، وَلَنْ تَعْدَمُوا وارِثاً، فَبادِرُوا الخْيرَ ما أَمْكَنَ، وأَحْسِنُوا مَعَ الدَّهْرِ ما أَحْسَنَ، فَقَدْ واللهِ طَعِمْنَا السِّكْبَاجَ، وَرَكِبْنَا الهِمْلاجَ، وَلَبِسْنَا الدِّيبَاجَ، وَافْتَرَشْنَا الحَشَايَا، بِالعَشَايَا، فَمَا رَاعَنَا إِلاَّ هُبوبُ الدَّهْرِ بِغَدْرِهِ، وانْقِلابُ المِجَنِّ لظَهْرِهِ، فَعَادَ الهِمْلاَجُ قَطُوفاً، وانْقَلَبَ الدِّيَباجُ صُوفاً، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلى ما تُشَاهِدونَ مِنْ حالي وَزِيِّي، فَهَا نَحْنُ نَرْنَضِعُ مِنَ الدَّهْرِ ثَدْي عَقيمٍ، وَنَرْكَبُ مِنَ الفَقْرِ ظَهْرَ بَهِيمٍ، فَلا نَرْنُو إِلاّ بِعَيْنِ الْيَتيمِ، وَلاَ نَمُدُّ إِلاَّ يَدَ العَدِيمِ، فَهَلْ مِنْ كَرِيمٍ يَجْلو غَياهِبَ هذِهِ البُؤُوسِ، وَيَفُلُّ شَبَا هذِهِ النُّحوسِ؟ ثُمَّ قَعَدَ مُرْتَفِقاً وَقالَ للْطِّفْلِ: أَنْتَ وَشَاْنُكَ، فقالَ: ما عَسى أَنْ أَقُولَ وَهذا الكلامُ لَوْ لَقِيَ الشَّعْرَ لَحَلَقَهُ، أَوْ الصَّخْرَ لَفَلَقهُ، وإِنَّ قَلْباً لَمْ يُنْضِجْهُ ما قُلْتَ لنِيءٌ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ يَا قَوْمُ، مَا لَمْ تَسْمَعُوا قَبْلَ اليَوْمِ، فلْيِشْغَلْ كُلُّ مِنْكُمْ بِالجُودِ يَدَهُ، وَلْيَذْكُرْ غَدَهُ، وَاقِياً بِيَ ولَدَهُ، واذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وأَعْطُوني أَشْكُرْكُمْ. قَالَ عِيسَى بْنُ هشَامٍ: فَمَا آنَسَني فِي وَحْدَتِي إِلاَّ خَاتَمُ خَتَّمْتُ بِهِ خِنْصَرَهُ، فَلَمَّا تَنَاوَلَهُ أنْشَأَ يصِفُ الخَاتَمَ عَلى الإِصْبَعِ، وَجَعَلَ يَقُولُ:


ومُمَنْطَقٍ مِـنْ نَـفْـسِـهِ *** بِقِلادَةِ الجَوزَاءَ حُـسْـنَـا
كَمُتَيَّمٍ لَـقِـيَ الْـحَـبـيـ *** بَ فَضَمَّهُ شَغَفاً وحُـزْنَـا
مُتَـأَلّـفٍ مِـنْ غَـيْرِ أَسْـ *** رَتِهِ عَلـى الأَيَّامِ خِـدْنَـا
عِلْـقٌ سَـنِـيٌّ قَـــدْرُهُ *** لكِنَّ مَنْ أَهْـدَاهُ أَسْـنـى
أَقْسَمْتُ لَوْ كَـانَ الـوَرى *** في المَجْدِ لَفْظاً كُنْتَ مَعْنَى

قالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنُلْنَاهُ ما تَاحَ لَنْا منَ الفَوْرِ، فَأَعْرَضَ عَنَّا، حَامِداً لَنَا، فَتَبِعْتُهُ حَتَّى سَفَرتِ الخَلْوَةُ عَنْ وَجْهِهِ، فَإِذا هُوَ وَاللهِ شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، وإِذَا الطَّلاَ زُغْلُولُهُ، فَقُلْتُ:

أَبَا الفَتْحِ شِبْتَ، وَشَبَّ الغُلاَمُ *** فَأَيْنَ السَّلاَمُ، وَأَيْنَ الكَلاَمُ؟

فَقَالَ:
غَرِيباً إِذَا جَمَعَتْنَا الطَّرِيقُ *** أَليفاً إِذَا نَظَمَتْنَا الخِيَامُ

فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ مُخَاطَبَتي، فَتَرَكْتُهُ وانْصَرَفْتُ.

حسن خليل
19-11-10, 07:23 PM
المقامة القزوينية لبديع الزمان

حَدَّثَّنَا عِيسَى بْنُ هِشَامِ قَالَ: غَزَوْتُ الثَّغْرَ بِقَزْوِينَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فِيَمْن غَزَاهُ، فَما أَجَزْنَا حَزْناً، إِلاَّ هَبَطْنَا بَطْناً، حَتَّى وَقَفَ المَسِيُر بِنَا عَلَى بَعْضِ قُرَاهَا، فَمَالتِ الهَاجِرَةُ بِنَا إِلى ظِلَّ أَثَلاثٍ، في حُجْرتَهِا عَيْنٌ كَلِسَانِ الشَّمْعَةِ، أَصْفَى مِنَ الدَّمْعَةِ، تَسِيحُ فِي الرَّضْرَاضِ سَيْحَ النَّضْنَاضِ ، فَنِلْنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نِلْنَا، ثُمَّ مِلْنَا إِلى الظِّلِّ فَقِلْنَا، فَمَا مَلَكَنَا النَّوْمُ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتاً أَنْكَرَمِنْ صَوْتِ حِمَارٍ، وَرَجْعاً أَضْعَفَ مِنْ رَجْعِ الحُوَارِ، يَشْفَعُهُمَا صَوْتُ طَبْلٍ كَأَنَّهُ خَاِرٌج مِنْ ما ضِغَيْ أَسَدٍ، فَذَادَ عَنِ القَومِ، رَائِدَ النَّوْمِ، وَفَتَحْتُ التَّوْأَمَتَيْنِ إِلَيْهِ وَقَدْ حَالَتِ الأَشْجَارُ دُونَهُ، وَأَصْغَيْتُ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ، عَلى إِيَقاعِ الطُّبُولِ:


أَدْعُو إِلَى اللهِ فَهَلْ مِنْ مُـجِـيبْ *** إِلي ذَراً رَحْبٍ وَمَرْعىً خَصِيبْ
وَجَـنَّةٍ عَـالِـيَةٍ مَـا تَـنِــى *** قُطُوُفهـا دَانِـيَةً مَـا تَـغِـيبْ
يَاقَـومُ إِنِّـي رَجُـلٌ تَـــائِبٌ *** مِنْ بَلَدِ الكُفْرِ وأَمْرِي عَجِـيبْ
إِنْ أَكُ آَمَـنْـتُ فَـكَـمْ لَــيْلَةٍ *** جحَدْتُ رَبِّي وَأَتَيْتُ الـمُـريبْ
يَا رَبَّ خِنْزيرٍ تَـمَـشَّـشْـتُـهُ *** وَمُسْكِرٍ أَحْرَزْتُ مِنْهُ النَّصِـيبْ
ثُمَّ هَدَاني اللـهُ وَانْـتَـاشَـنِـي *** مِنْ ذِلَّةِ الكُفْرِ اجْتِهَادُ المُصِـيبْ
فَظَلْتُ أَخْفِي الدِّينَ في أُسْرَتِـي *** وأَعْبِدُ اللهَ بِـقَـلْـبٍ مُـنِـيبْ
أَسْجِدُ لـلاَّتِ حِـذَارَ الـعِـدَى *** وَلا أَرَى الكَعْبَةَ خَوْفَ الرَّقِيبْ
وَأَسْـأَلُ الـلـهَ إِذا جَـنَّـنِـي *** لَيْلٌ وأَضْنَانِـيَ يَوْمٌ عَـصِـيبْ
رَبِّ كَمَـا أَنَّـكَ أَنْـقَـذْتَـنِـي *** فَنَجِّنِي إِنِّـيَ فـيِهِـمْ غَـرِيبْ
ثُمَّ اتَّخَذْتُ اللَّيْلَ لَـي مَـرْكـبـاً *** وَمَا سِوَى العَزْمِ أَمَامَي جَنِـيبْ
فَقَدْكَ مِنْ سَيْرِيَ فـشـي لَـيْلةٍ *** يِكِادُ رأَسُ الطِّفْلِ فيهَـا يَشِـيبْ
حَتَّى إِذَا جُزْتُ بِـلادَ الـعِـدَى *** إِلَى حِمَى الدِّين نَفَضْتُ الوَجِيبْ
فَقُلْتُ: إِذْ لاَحَ شِعَـارُ الـهُـدَى *** نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَـتْـحٌ قَـرِيبْ


فَمَا بَلَغَ هَذا البَيْتَ قَالَ: يا قَوْمُ وَطِئْتُ دَارَكُمْ بِعَزْمٍ لا العِشْقُ شاقَهُ، وَلاَ الفْقَرْ سَاقَهُ، وَقَدْ تَرَكْتُ وَرَاءَ ظَهْري حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً، وَكَواعِبَ أَتْرَاباً، وَخَيْلاً مُسَوَّمَةً، وَقَنَاطِيرَ مُقَنْطَرةً، وَعُدَّةً وَعَدِيداً، وَمَراكِبَ وعَبِيداً، وَخَرَجْتُ خُرُوجَ الحَّيةِ مِنْ جُحْرِهِ، وَبَرَزْتُ بُرُوزَ الطَّائِرِ مِنْ وَكْرِهِ، مُؤْثِراً دِيني عَلى دُنْيَايَ، جَامِعاً يُمْنَايَ إِلى يُسْرَايَ، وَاصِلاً سَيْري ِبُسَرايَ، فَلَوْ دَفَعْتُمُ النَّارَ بِشَرَارهَا، وَرَمَيْتُمُ الرُّومَ بِحِجَارِها، وأَعَنْتُمُونِي عَلى غَزْوِها، مُسَاعَدَةً وإِسْعَاداً، ومُرافَدَةً وإِرْفَاداً وَلا شَطَطَ فكُلٌّ عَلى قَدْرِ قُدْرَتِهِ، وَحَسَبِ ثَرْوَتِهِ، وَلا أَسْتَكْثِرُ البَدْرَةَ، وأَقْبَلُ الذَّرَّةَ، وَلاَ أَرُدُّ التَّمْرَةَ، وَلِكُلٍّ مِنِّي سَهْمَانِ: سَهْمٌ أُذَلِّقُهُ لِلِّقَاءِ وآخَرُ أُفَوِّقَهُ بِالدُّعَاءِ، وَأَرْشُقُ بِهِ أَبْوابَ السَّمَاءِ، عَنْ قَوْسِ الظَّلْمَاءِ.

قَالَ عِيَسى بْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَفَزَّنِي رَائعُ أَلْفاظِهِ، وَسَرَوْتُ جِلْبَابَ النَّوْمِ، وَعَدَوْتُ إِلى القَوْمِ، فَإِذَا واللهِ شَيْخُنا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ بِسَيْفٍ قَدْ شَهَرَهُ، وَزِيّ قّدْ نَكَّرَهُ، فَلَمَّا رآنِي غَمَزَنِي بِعَيْنِهِ، وَقَالَ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَعَانَنَا بِفَاضِلَ ذَيْلَهِ، وَقَسَمَ لنَا مِنْ نَيْلهِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا أَخَذَ، وَخَلْوتُ بِهِ فَقُلْتُ: أَأَنْتَ مِنْ أَوْلادِ النَّبِيطِ؟ فَقَالَ:

أَنَا حَالِي مِـن الـزَّمَـا *** نِ كَحَالِي مَعَ النَّسـبْ
نَسَبِي فَـي يَدِ الـزَّمَـا *** نَ إِذَا سَامَهُ انْقَـلَـبْ
أَنَا أَمْسِي مِنَ النَّـبِـي *** طِ وأُضْحِي مِنَ العَرَبْ

حسن خليل
19-11-10, 07:24 PM
المقامة الساسانية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَحَلَّتْنِي دِمَشْقَ بَعْضُ أَسْفارِي، فَبَيْنَا أَنَا يَوْماً عَلى بَابِ دارِي، إِذْ طَلعَ عَلَيَّ مِنْ بَنِي سَاسانَ كَتِيبَةٌ قَدْ لَفُّوا رُؤُوَسُهمْ، وَصَلَوْا بالْمَغْرَةِ لَبُوسَهُمْ، وَتَأَبَّطَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَجَراً يَدُقُّ بِهِ صدْرَهُ، وَفِيهِمْ زَعِيمٌ لَهُمْ يَقُولُ وَهُمْ يُرَاسِلونَهُ، وَيْدعُو وَيُجَاوبُونَهُ، فَلَمَّا رآني قَالَ:

أُرِيدُ مِنْكَ رَغِيفـاً *** يَعْلُو خُواناً نَظِيفـاً
أُرِيدً مِلُحاً جَرِيشـاً *** أُرِيدُ بَقْلاً قَطِيفـاً
أُرِيدُ لَحْماً غَريضاً *** أُرِيدُ خَلاً ثَقِـيفَـاً
أُرِيدُ جَدْياً رَضِيعـاً *** أُرِيدُ سَخْلاً خَرُوفَا
أُريدُ مَاءً بِـثَـلـج *** يَغْشَى إِناءً طَرِيفاَ
أُرِيدُ دَنَّ مُـــدَامٍ *** أَقُومُ عَنْهُ نَـزِيفَـا
وَسَاقِياً مُسْتَهَـشّـاً *** علَى القُلُوبِ خَفِيفَا
أُرِيدُ مِنْكَ قَمِيصـاً *** وَجُّبةً وَنَصِـيَفـا
أُرِيدُ نَعْلاً كَثِـيفـاً *** بِها أَزُورُ الكَنِيفَـا
أُرِيدُ مُشْطاً وَمُوسَى *** أُرِيدُ سَطْلاً وَلِيفَـا
يَا حَبَّذَا أَنا ضَـيْفـاً *** لَكُمْ وَأَنْتَ مُضِيفـا
رَضِيتُ مِنُكَ بِهَـذا *** وَلَمْ أَرِدْ أَنْ أَحِيفـاً

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنُلْتُهُ دِرْهَماً، وَقُلْتُ لَهُ: قَدْ آذَنْتُ بِالدَّعْوَةِ وَسَنُعِدُّ وَنَسْتَعِدُّ، وَنَجْتَهِدُ وَنَجِدُّ، وَلَكَ عَلَيْنَا الوَعْدُ مِنْ بَعْدُ، وَهَذا الدِّرْهَمُ تَذْكِرةٌ مَعَكَ، فَخُذِ المَنْقُودَ، وانْتَظِرِ المَوْعُودَ، فَأَخَذَهُ وَصَارَ إِلى رَجُلٍ آخَرَ ظَنَنْتُ أََّنهُ يَلْقَاهُ بِمِثْلِ مَا لَقِيَنِي، فَقَالَ:


يا فَـاضِـلاً قَـدْ تَـبَـدَّى *** كَأَنَّـهُ الـغُـصْـنُ قَـدّاً
قَدِ اشْتَهى اللَّحْمض ضِرْسِي *** فَاجْلِدْهُ بِالخُـبْـزِ جَـلْـداً
وامنُـنُ عـلَّـي بِـشَـيءٍ *** واجْعَلْهُ لِلْـوَقْـتِ نَـقْـداً
أَطْلِقْ مِنَ الـيِدِ خَـصْـراً *** واحْلُلُ مِنَ الكِيسِ عَـقْـدا
واضْـمُـمُ يَدَيْكَ لأَجْـلـي *** إِلَى جَـنَـاحِـكَ عَـمْـداً

قَالَ عَيِسَى بْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا فَتَقَ سَمْعي مِنْهُ هَذا الكَلامُ، عَلِمْتُ أَنَّ وراءَهُ فَضْلاً، فَتَبِعْتُهُ َحَتَّى صَارَ إِلى أُمِّ مَثْواهُ، وَوَقَفْتُ مِنْهُ بِحَيْثُ لاَ يَراني وأَرَاهُ، وَأَمَاطَ السَّادَةُ لُثُمَهُمْ، فإِذَا زَعِيمُهُمْ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَنَظَرْتُ إِليهِ وَقُلْتُ: مَا هَذهِ الحِيلَةُ وَيْحَكَ؟ فأَنشأَ يَقُولُ:


هَذا الزَّمَانُ مَشُـومُ *** كَمَا تَراهُ غَشُـومُ
الحُمْقًَ فِيهِ مَـلِـيحٌ *** والعِقْلُ عَيْبٌ وَلُومُ
والمَالُ طَيْفٌ، ولكِنْ *** حَوْلَ اللئَّامِ يحـومُ

حسن خليل
19-11-10, 07:25 PM
المقامة القردية لبديع الزمان

حَدَّثنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا أَنا بِمَديِنَةِ السَّلامِ، قَافِلاً مِنَ البَلَدِ الحرَامِ، أَمِيسُ مَيْسَ الرِّجْلَةِ، على شاطئِ الدِّجْلَةِ، أَتَأَمَّلُ تِلْكَ الطَّرَائِفَ، وَأَتَقَصَّى تِلْكَ الزَّخَارِفَ، إِذْ انْتَهَيْتُ إِلَى حَلْقَةِ رِجَالٍ مُزْدَحِمِينَ يَلْوي الطَّرَبُ أَعْنَاقَهُمْ، وَيَشَّقُ الضَحِكُ أَشْداقَهُمْ، فَسَاقَنِي الحِرصُ إِلى مَا ساقَهُمْ، حَتَّى وَقَفْتُ بِمَسْمَعِ صَوتِ رَجُلٍ دُونَ مَرأَيَ وَجْهِهِ لِشِدَّةِ الهَجْمَةِ وَفَرْطِ الزَّحْمَةِ، فَإِذَا هُوَ قَرَّادٌ يُرْقِصُ قِرْدَهُ، وَيُضْحِكُ مَنْ عِنْدَهُ، فَرقَصْتُ رَقْصَ المُحَرَّجِ، وَسِرتُ سَيْرَ الأَعْرَجِ، فَوْقَ رِقَابِ النَّاسِ يَلْفِظُنِي عَاتِقُ هَذا لِسُرَّةِ ذَاكَ، حَتَّى افْتَرَشْتُ لِحَيَةَ رَجُلَيْنِ، وَقَعَدْتُ بَعْدَ الايْنَ، وَقَدْ أَشْرَقَنِي الخَجَلُ بَرِيقهِ، وَأَرْهَقَنِي المَكانُ بِضِيِقِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ القَّرادُ مِن شُغْلِهِ، وانْتَفَضَ المَجْلِسُ عَنْ أَهْلِهِ، قُمْتُ وَقَدْ كَسَانِي الدَّهَشُ حُلَّتَهُ، وَوَقَفْتُ لأَرَى صُورَتَهُ، فَإِذا هُو واللهِ أَبو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلتُ: مَا هَذِهِ الدَّنَاءَةُ وَيْحَكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

الـذَّنْـبُ لِـلأَيَام لاَ لِــي *** فَاعْتِبْ عَلَي صَرْفِ اللَّيالِي
بِالحْمْقِ أَدْرَكْتُ الـمُـنَـى *** وَرَفَلْتُ فَي حُلَلِ الجَمَـالِ

حسن خليل
19-11-10, 07:27 PM
المقامة الموصلية لبديع الزمان

حدَّثَنا عيسَى بْنُ هِشَامٍ قالَ: لَمَّا قَفِلْنَا مِنَ المُوصِلِ، وَهَمَمْنَا بِالْمَنْزَلِ، وَمُلِكَتْ عَلَيْنَا القَافِلةُ، وَأَخَذَ مِنَّا الرَّحْلُ والرَّاحِلةُ، جَرَتْ ِبي الحُشَاشَةُ إِلَى بَعْضِ قُرَاهَا، وَمَعِي الإِسْكَنْدَِيُّ أَبُو الفَتْحِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الحِيلَةِ? فَقَالَ: يَكْفِي اللهُ، وَدُفِعْنَا إِلَى دَارٍ قَدْ مَاتَ صَاحِبُها، وَقَامَتْ نَوادِبُهَا، واحْتَفَلتْ بِقَوْمٍ قَدْ كَوَى الجَزعُ قلوبَهُمْ، وَشَقَّتِ الفَجِيعَةُ جُيُوبَهُمْ، ونِسَاءٍ قد نَشَرْنَ شعُورَهُنَّ، يَضْرِبْنَ صُدُورَهُنَّ، وَشَدَدْنَ عقُوُدَهُنَّ، يَلْطِمْنَ خدُودَهُنَّ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: لَنَا فِي هَذا السَّوادِ نَخْلَةٌ، وَفِي هذا القَطِيعِ سَخْلَةٌ، وَدَخَلَ الدَّارَ لِيَنْظُرَ إِلى المَيِّتِ وَقَدُ شُدَّتْ عِصَابَتُهُ لِيُنْقَلَ، وَسُخِّنَ ماؤُهُ لِيُغْسَلَ، وهُيِّئَ تَابُوتُهُ لِيُحْمَلَ، وَخِيطَتْ أَثْوَابُهُ لِيُكَفَّنَ، وَحُفِرَتُ حُفْرَتُهُ لِيُدْفَنَ، فَلَمَّا رَآهُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَخَذَ حَلْقَهُ، فَجَسَّ عِرْقَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ اتَّقُوا اللهَ لا تَدْفِنُوهُ فَهْوَ حَيٌّ، وإِنَّمَا عَرَتْهُ بَهْتَةٌ، وَعَلتهُ سَكتَةٌ، وَأَنَا أُسَلِّمُهُ مَفْتُوحَ العَيْنَيْنِ، بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ ذَلِكْ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذا ماتَ بَرَدَ اسْتُهُ، وَهذَا الرَّجُلُ قَدْ لَمْستُهُ فعَلِمْتُ أَنَّهُ حَيٌّ، فَجَعَلوا أَيْدِيَهُمْ فِي اسْتِهِ، فَقَالوا: الأَمْرُ على مَا ذَكَرَ، فَافْعَلُوا كَمَا أَمَرَ، وَقَامَ الإِسْكَنْدَرِيُّ إِلى المَيِّتِ، فَنَزَع ثِيابَهُ ثُمَّ شَدَّ لهُ العَمَائِمَ، وَعَلَّقَ عَليْهِ تَمائِمَ، وَأَلعَقَهُ الزَّيْتَ، وَأَخْلَى لَهُ البَيْتَ، وَقَالَ: دَعُوهُ وَلا تُرَوِّعُوهُ، وَإِنْ سَمِعْتُمْ لَهُ أَنِيناً فَلاَ تُجِيبُوهُ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ شَاعَ الخَبَرُ وانْتَشَرَ، بِأَنَّ المَيِّتَ قَدْ نُشِرَ، وَأَخَذَتْنَا المَبارُّ، مِنْ كُلِّ دَارٍ، وَانْثَالَتْ عَلَيْنا الهَدَايا مِنْ كُلِّ جَار، حَتَّى وَرِمَ كِيسُنَا فِضَّةً وَتِبْراً وامْتَلأَ رَحْلُنَا أَقِطاً وَتَمْراً، وَجَهَدْنا أَنْ نَنْتَهِزَ فُرْصَة في الهَرَبِ فَلَمْ نَجِدْهَا، حَتَّى حَلَّ الأَجَلُ المَضْرُوبُ، واسْتُنْجِزَ الوَعْدُ المَكْذُوبُ فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: هَلْ سَمِعْتُمْ لِهَذَا العُلَيِلِ رِكْزاً، أَوْ رَأَيْتُمْ مِنْهُ رَمْزاً؟ فَقَالوا: لا، فَقالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ صَوَّتَ مُذْ فَارَقْتُهُ، فَلَمْ يَجِيئْ بَعْدُ وَقْتُهُ، دَعُوهُ إِلَى غَدٍ فَإِنَّكُمْ إِذا سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، أَمِنْتُمْ مَوْتَهُ، ثُمَّ عَرِّفُونِي لأَحْتَالَ في عِلاجِهِ، وإِصْلاحِ ما فَسَدَ مِنْ مِرَاجِهِ، فَقَالوا: لا تُؤَخِّرْ ذَلِكَ عَنْ غَدٍ، قَالَ: لا، فَلَمَّا ابْتَسَمَ ثَغْرُ الصُّبْحِ وانْتَشَر جَناحُ الضَّوِّ، في أُفُقِ الجَوِّ، جاءَهُ الرِّجَالُ أَفْوَاجاً، والنِّساءُ أَزْوَاجاً، وَقَالوا: نُحِبُّ أَنْ تَشْفِيَ العَلِيلَ، وَتَدَعَ القَالَ والقِيلَ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: قُومُوا بِنا إِلَيْهِ، ثُمَّ حَدَرَ التَّمَائِمَ عَنْ يَدِهِ، وَحَلَّ العَمائِمَ عنْ جَسَدِهِ، وَقَالَ: أَنِيمُوهُ على وَجْهِهِ، فَأُنِيمَ، ثُمَّ قَالَ: أَقِيمُوهُ على رِجْلَيْهِ، فَأُقِيمُ، ثُمَّ قَالَ: خَلُّوا عَنْ يَدَيْهِ، فَسَقَطَ رأَسْاً، وَطَنَّ الإِسْكَنْدَرِيُّ بِفِيهِ وَقَالَ: هُوَ مَيِّتٌ كَيْفَ أُحْيِيهِ؟ فَأَخَذَهُ الخُفُّ، وَمَلَكَتُهُ الأَكُفُّ، وَصَارَ إِذَا رُفِعَتْ عَنْهُ يَدٌ وَقَعَتْ عَلَيْهِ أُخْرَى، ثُمَّ تَشَاغَلوا بِتَجْهيزِ المَيِّتِ، فانْسَللْنَا هَارِبينَ حَتَّى أَتَيْنَا قَرْيةً على شَفِيرِ وَادٍ السَّيْلُ يُطَرِّفُها وَالمَاءُ يَتَحَيَّفُها. وأَهْلُهَا مغْتَمُّونَ لا َيمْلِكُهُم غُمْضُ الَّليْلِ، مِنْ خَشْيَةِ السَّيْلِ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: يَا قَوْمُ أَنَا أَكْفِيكمْ هَذا المَاءَ وَمَعَرَّتَهُ، وأَرَدُّ عَنْ هذهِ القَرْيَةِ مَضَرَّتَهُ، فَأَطيعوني، ولا تُبْرِمُوا أَمْراً دُونِي، فَقَالوا: ومَا أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: أذْبَحُوا في مَجْرَى هَذا المَاءِ بَقَرَةً صَفْرَاءَ، وأَتُونِي بِجَارِيةٍ عَذْراءَ، وَصَلُّوا خَلْفِي رَكْعَتَيْنِ يَثْنِ اللهُ عَنْكُمْ عِنان هذا المَاءِ، إِلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْثَنِ المَاءُ فَدَمِي عَلَيْكُمْ حَلالٌ، قَالوا: نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَذَبَحُوا البَقَرَةَ، وَزَوَّجُوهُ الجَارِيَةَ، وَقَامَ إِلى الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِما، وَقَالَ: يَا قَوْمُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ يَقَعْ مِنْكُمْ فِي القِيامِ كَبْوٌ، أَوْ فِي الرُّكُوعِ هَفْوٌ، أَوْ في السُّجُودِ سَهْوٌ، أَوْ فِي القُعُودِ لَغْوٌ، فَمَتَى سَهَوْنَا خَرَجَ أَمَلُنَا عَاطِلاً، وَذَهَبَ عَمَلُنا بَاطِلاً، وَاصْبِرُوا عَلى الرَّكْعَتَينِ فَمَسَافَتُهُمَا طَوِيلَةٌ، وَقَامَ لِلْرَكْعَةِ الأُولَى فَانْتَصَبَ انْتِصَابَ الجِذْعِ، حَتَّى شَكَوا وَجَعَ الضِّلْعِ، وَسَجَدَ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ هَجَدَ ولمْ يَشْجُعُوا لِرَفْعِ الرُّؤُوسِ، حَتَّى كَبَّرَ لِلْجُلُوسِ، ثُمَّ عَادَ إِلى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَوْمَأَ إِلَيَّ، فَأَخَذْنَا الوَادِيَ وَتَرَكْنَا القَوْمَ سَاجِدينَ، لاَ نَعْلَمُ مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمْ، فَأَنْشَأَ أَبُو الفَتْحِ يقُولُ:

لاَ يُبْعِدُ اللهُ مِثْلـي *** وَأَيْنَ مثْلِي أَيْنَـا؟
للهِ غَـفْـلَةُ قَـوْمٍ *** غَنِمْتُهَا بِالْهُوَيْنَـا!

اكْتَلْتُ خَيْراً عَلَيْهِمْ *** وَكِلْتُ زُوراً وَمَيْناً

حسن خليل
19-11-10, 07:28 PM
المقامة الحرزية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَتِ بِيَ الغُرْبَةُ بَابَ الأَبْوَابِ، وَرَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإِيَابِ، وَدُونَهُ منِ َالبَحْرِ وَثَّابٌ بِغَاربِهِ، وَمِنَ السُّفُنِ عَسَّافٌ بِراكِبِهِ، اسْتَخَرْتُ اللهَ فِي القُفُولِ، وَقَعَدْتُ مِنَ الفُلْكِ، بِمَثَابَةِ الهُلْكِ، وَلَمَّا مَلَكْنَا البَحْرُ وَجَنَّ عَلَيْنَا الَّلْيلُ غَشِيَتْنَا سَحابَةٌ تَمُدُّ مِنَ الأَمْطَارِ حِبَالاً، وَتَحْدُو مِنَ الغَيْمِ جِبَالاً، بِرِيحٍ تُرْسِلُ الأَمْواجَ أَزْوَاجاً، وَالأَمْطَارَ أَفْوَاجاً، وَبَقِينا فِي يَدِ الحِينِ، بَيْنَ البَحْرَيْنِ، لاَ نَمْلِكُ عُدَّةً غَيْرَ الدُّعَاءِ، وَلا حِيلَةً إِلاَّ البُكَاءَ وَلا عِصْمَةً غَيْرَ الرَّجَاءِ، وَطَوَيْنَاهَا لَيْلةً نَابِغِيَّةً، وَأَصْبَحْنَا نَتَباكَى وَنَتَشاكَى، وَفِينَا رَجُلٌ لا يَخْضَلُّ جَفْنُهُ، وَلا تَبْتَلُّ عَيْنُهُ، رَخِيُّ الصَّدْرِ مُنْشَرِحُهُ، نَشِيطُ القَلْبِ فَرِخُهُ، فَعَجِبْنَا واللهِ كُلَّ العَجَبِ، وَقُلْنَا لَهُ: مَا الَّذِي أَمَّنَكَ مِنَ العَطَبِ؟ فَقَالَ: حِرْزٌ لا يَغْرَقُ صَاحِبُهُ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمْنَحَ كُلاًّ مِنْكُمْ حِرْزاً لَفَعْلتُ، فَكُلُّ رَغِبَ إِلَيْهِ، وَأَلَحَّ فِي المَسْأَلَةِ عَليْهِ، فَقَالَ: لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُعْطِيَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ دِيناراً الآنَ، وَيَعِدَنِي دِيناراً إِذا سِلِمَ.

قاَلَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنَقَدْنَاهُ مَا طَلَبَ، وَوَعَدْنَاهُ مَا خَطَبَ، وَآبَتْ يَدُهُ إِلَى جَيْبِهِ، فَأَخْرَجَ قُطْعَةَ دِيْبَاجٍ، فِيْهَا حُقَّةُ عَاجٍ، قَدْ ضُمِّنَ صَدْرُها رِقَاعاً، وَحَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، فَلمَّا سَلَمتِ السَّفِينَةِ، وَأَحَلَّتْنَا المَدِينَةَ، افْتَضَى النَّاسَ ما وَعَدُوهُ، فَنَقَدُوهُ، وَانْتَهَى الأَمْرُ إِليَّ فَقَالَ: دَعُوهُ، فَقُلْتُ: لَكَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تُعْلِمَنِي سِرَّ حَالِكَ، قَالَ: أَنَا مِنْ بِلادِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ نَصَرَكَ الصَبْرُ وَخَذَلَنَا؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:


وَيْكَ لَوْلاَ الصَّبْرُ مَا كُنْ *** تُ مَلأَتُ الكِيسَ تِبْرَا
لَنْ يَنالَ المَجْدَ منْ ضَا *** قَ بِما يَغْشاهُ صَـدْرا
ثُمَّ مَا أَعْقَبَنِـي الـسَّـا *** عَةَ مَا أُعْطِيتُ ضَرَّا
بَلْ بِـهِ أَشْـتَـدُّ أَزْراً *** وَبِهِ أُجْبُـرُ كَـسْـرَا
وَلَوَ أَنِّيَ اليَوْمَ في الغَرْ *** قَى لَمَا كُلِّفْتُ عُـذْراً

حسن خليل
19-11-10, 07:29 PM
المقامة المارستانية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسِى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَارسْتانَ البَصْرَةِ وَمَعِي أَبُو داوُدَ المُتَكَلِّمُ، فَنَظَرْتُ إِلَى مَجْنُونٍ تَأْخُذُنِي عَيْنُهُ وَتَدَعُنِي فَقالَ: إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ فَأَنْتُمْ غُرَباءُ، فَقُلْنَا: كَذلِكَ، فَقَالَ: مَنِ القَوْمُ للهِ أَبُوهُمْ؟ فَقُلْتُ: أَنَا عِيسَى ابْنُ هِشامٍ وَهَذَا أَبُو دَاوْدَ المُتَكَلِّمُ فَقالَ: العَسْكَرِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: شَاهَتِ الوُجُوهُ وَأَهْلُهَا إِنَّ الخَيْرَةَ للهِ لا لِعَبْدِهِ، وَالأَمُورَ بِيَدِ اللهِ لا بِيَدِهِ وَأَنْتُمْ يا مَجُوسَ هذِهِ الأُمَّةِ تَعِيشُونَ جَبْراً، وَتَمُوتُونَ صَبْراً وَتُسَاقُونَ إِلى المَقْدُورِ قَهْراً، وَلَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذينَ كُتِبَ عَلَيْهِم القَتْلُ إِلى مَضَاجِعِهِمْ، أَفَلا تُنْصِفُونَ، إِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَصِفُونَ؟ وَتَقُولونَ: خالِقُ الظُلْمِ ظَالِمٌ! أَفَلا تَقُولُونَ: خَالِقُ الهُلْكَ هَالِكٌ؟ أَتَعْلَمُونَ يَقِينَاً، أَنَّكُمْ أَخْبَثُ مِنْ إِبْليسَ دِيناً؟ قَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَني، فَأَقَرَّ وَأَنْكَرْتُمْ وَآمَنَ وَكَفَرْتُمْ، وَتَقُولونَ: خُيِّرَ فَاخْتَارَ، وَكَلاَّ فَإِنَّ المُخْتارَ لاَ يُبْعَجُ بَطْنَهُ، وَلاَ يَفْقَأُ عَيْنُهُ وَلا يَرْمِى مِنْ حالِقِ ابْنَهُ، فَهَلِ الإِكْرَاهُ إِلاَّ مَا تَرَاهُ؟ وَالإِكْرَاهُ مَرَّةً بِالمَرَّةِ وَمَرَّةً بِالدِّرَّةِ. فَلْيُخْزِكُمْ أَنَّ القُرْآنَ بَغِيضُكُمْ، وَأَنَّ الحَديثَ يَغِيظُكُمْ، إِذَا سَمِعْتُمْ: " مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هَادِيَ لَهُ " أَلْحَدْتُمْ وَإِذَا سَمِعْتُمْ: " زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا " جَحَدْتُمْ وَإِذَا سَمِعْتُمْ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَقْطِفَ ثِمَارَهَا، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ حَتَّى اتَّقَيْتُ حَرَّهَا بِيَدِي " أَنْغَضْتُمْ رُؤُوسَكُمْ وَلَوَيْتُمْ أَعْنَاقَكُمْ وَإِنْ قِيلَ: " عَذابُ القَبْرِ " تَطَيَّرْتُم، وَإِنْ قيلَ: " الصِّراطُ " تَغَامَزْتُمْ وَإِنْ ذُكِرَ المِيزَانُ قُلْتُمْ: مِنَ الفِرْغِ كِفَّتَاهُ، وَإِنْ ذُكِرَ الكِتابُ قُلْتُمْ: مِنَ القِدِّ دَفَّتَاهُ، يَا أَعْدَاءَ الكِتابِ وَالحْديثِ، بِماذَا تَطَّيَّرُونَ؟ أَباللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ تَسْتَهْزِئُونَ؟. إِنَّما مَرَقتْ مَارِقَةُ فَكَانُوا خَبَثَ الحَديثِ، ثُمَّ مَرَقْتُمْ مِنْها فَأَنْتُمْ خَبَثُ الخَبِيثِ، يَا مَخَابِيثَ الخَوارجِ، تَرَوْنَ رَأَيَهُمْ إِلاَّ القِتَالَ! وَأَنْتَ يا ابْنَ هِشامٍ تُؤْمِنُ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُ بِبَعْضِ؟ سَمِعْتُ أَنَّكَ افْتَرَشْتَ مِنهُمْ شَيْطَانَةً! أَلَمْ يَنْهَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَتَّخِذَ مِنْهُمْ بِطَانَةً؟. وَيْلَكَ هَلا؟ َتَخَيَّرْتَ لِنُطْفَتِكَ، وَنَظَرْتَ لِعَقِبِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: الَّلهُمَّ أَْبِدْلِني بِهؤُلاءِ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَشْهِدْنِي مَلائِكَتَكَ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَبَقِيتُ وَبَقِي أَبُو دَاوُدَ لا نُحِيرُ جَوَاباً، وَرَجَعْنَا عَنْهُ بِشَرٍ وإِنِّي لأَعْرِفُ فِي أَبي دَاوُدَ انْكِسَاراً، حَتَّى إِذَا أَرَدْنَا الافْتِراقَ قَالَ: ياعِيسَى هَذا وَأَبِيكَ الحَدِيثُ، فَمَا الَّذي أَرَادَ بِالشَّيْطَانَةِ؟ قُلْتُ: لاَ واللهِ مَا أَدْرِي، غَيْرَ أَنِّي هَمَمْتُ أَنْ أَخْطُبَ إِليَّ أَحَدِهِمْ وَلَمْ أُحَدِّثَ بِما هَمَمْتُ بِهِ أَحَداً، وَاللهِ لا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَداً، فَقَالَ: مَا هَذا وَاللهِ إِلاَّ شَيْطَانٌ فِي أَشْطَانٍ، فَرَجِعْنَا إِلَيْهِ، وَوَقَفْنَا عَلَيْهِ، فَابْتَدَرَ بِالْمَقَالِ، وَبَدأَنَا بِالسُّؤَالِ، فَقالَ: لَعَلَّكُمَا آثَرْتُمَا، أَنْ تَعْرِفَا مِنْ أَمْرِي ما أَنْكَرْتُمَا، فَقُلْنَا: كُنْتَ مِنْ قَبْلُ مُطَّلِعَاً على أُمُورِنَا، وَلَمْ تَعْدُ الآنَ مَا في صُدُورِنَا، فَفَسِّرْ لَنَا أَمْرَكَ، وَاكْشِفْ لَنَا سِرَّكَ، فَقالَ:

أَنَا يَنْبُوعُ الـعَـجَـائِبْ *** فِي احْتِيَالِي ذُو مَرَاتِبْ
أَنَا فِي الحَـقِّ سَـنَـامٌ *** أَنَا في البَاطِلِ غَارِبْ
أَنَا إِسكَنْدَرُ دَارِي *** فِي بِلادِ اللهِ سِـــارِبْ
أَغْتَدِي فِي الدَّيْرِ قِسِّيساً *** وَفي المَسْجِدِ رَاهِبْ.

حسن خليل
20-11-10, 11:36 AM
المقامة المجاعية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ عَامَ مَجاعَةٍ فَمِلْتُ إِلى جَماعَةٍ، قَدْ ضَمَّهُمْ سِمْطُ الثُّرَيَّا، أَطْلُبُ مِنْهُمْ شَيَّا، وَفِيهمْ فَتىً ذُو لَثْغَةٍ بِلِسَانِهِ، وَفَلَجٍ بِأَسْنَانِهِ، فَقَالَ: مَا خَطْبُكَ، قُلْتُ: حَالاَنِ لا يُفْلِحُ صَاحِبُهُما فَقِيرٌ كَدَّهُ الجُوعُ وَغَرِيبٌ لايُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فَقَالَ الغُلامُ: أَيُّ الثُّلْمَتَينِ نُقَدِّمُ سَدَّها؟ قُلْتُ: الجُوعُ فَقَدْ بَلَغَ مِنِّي مَبْلَغاً! قَالَ: فَمَا تَقولُ فِي رَغيفٍ، عَلى خِوَانٍ نَظيفٍ، وَبَقْلٍ قَطِيف إِلى خَلٍّ ثَقِيفٍ، وَلَوْنٍ لَطِيفٍ، إِلَى خَرْدَلٍ حِرِّيفٍ، وَشِوَاءٍ صَفِيفٍ، إِلَى مِلْحٍ خَفِيفٍ، يُقَدِّمُهُ إِلَيْكَ الآنَ مَنْ لا يَمْطُلُكَ بِوَعْدٍ وَلا يُعَذِّبُكَ بِصَبْرٍ، ثُمَّ يَعُلكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَقْداحٍ ذَهَبِيةٍ، مِنْ راحٍ عِنَبِيَّةٍ؟ أَذَاكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ أَوْسَاطٌ مَحْشُوَّةٌ، وَأَكْوابٌ مَمْلُوَّةٌ، وَأَنْقَالٌ مُعَدَّدَةٌ، وَفُرُشٌ مُنَضَّدَةٌ، وَأَنْوَارٌ مُجَوَّدَةٌ، وَمُطْرِبٌ مُجِيدٌ، لَهُ مِنَ الغَزَالِ عَيْنٌ وَجِيدٌ؟ فَإِنْ لَمْ تُرِدْ هذَا وَلا ذَاكَ، فَمَا قَوْلُكَ في لَحْمٍ طَرِيٍّ، وَسَمَكٍ نَهْرِيٍ، وَبَاذِنْجَانٍ مَقْليٍّ، وَرَاحٍ قُطْرُبُّليٍّ، وَتُفَّاحٍ جَنِيٍ، وَمَضْجَعٍ وَطِيٍّ، عَلَى مَكَانٍ عَليٍّ، حِذَاءَ نَهْرٍ جَرَّارٍ، وَحَوْضٍ ثَرْثَارٍ، وَجَنَّةٍ ذَاتِ أَنْهَارٍ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ الثَّلاَثَةِ، فَقَالَ الغُلاَمُ: وَأَنَا خَادِمُهَا لَوْ كَانَتْ، فَقُلْتُ: لا حَيَّاكَ اللهُ، أَحْيَيْتَ شَهَوَاتٍ قَدْ كَانَ اليَأَسُ أَمَاتَها، ثُمَّ قَبَضْتَ لَهَاتَهَا، فَمنْ أَيِّ الخَرَابَاتِ أَنْتَ؟ فَقالَ:

أَنَا مِنْ ذَوِي الإِسْكَنْـدَرِيَّةْ *** مِنْ نَبْعَةٍ فِيهِـمْ زِكِـيَّةْ
سَخُفَ الزَّمَانُ وَأَهْـلُـهُ *** فَرَكِبْتُ مِنْ سُخْفيِ مَطِيَّهْ

حسن خليل
20-11-10, 11:38 AM
المقامة الوعظية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: بَيْنَا أَنا بِالْبَصْرَةِ أَمِيسُ، حَتَّى أَدَّانِي السَّيْرُ إِلَى فُرْضَةٍ قَدْ كَثُرَ فِيها قَوْمٌ عَلَى قَائِمٍ يَعِظُهُمْ وَهْوَ يَقُولُ: أَيُّها النَّاسُ إِنَّكُمْ لَمْ تُتْرَكُوا سُدَى، وَإِنَّ مَعَ اليَوْمِ غَداً، وَإِنَّكُمْ وَاردُو هُوَّةٍ، فَأِعُّدوا لهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَإِنَّ بَعْدَ المَعَاشِ مَعاداً، فَأَعِدُّوا لهُ زَاداً، أَلا لاَ عُذْرَ فَقَدْ بُيِّنَتْ لَكُمُ المَحَجَّةُ، وَأَخِذَتُ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، مِنَ السَّماءِ بِالخَبَرِ، وَمِنَ الأَرْضِ بَالعِبَرِ، أَلا وَإِنَّ الَّذِي بَدَأَ الخَلْقَ عَلِيماً، يُحْيِ العَظامَ رَمِيماً، أَلا وَإِنَّ الدُّنْيا دَارُ جَهَازٍ، وَقَنْطَرَةُ جَوَازٍ، مَنْ عَبَرَها سَلِمَ، وَمَنْ عَمَرها نَدِمَ، أَلا وَقَدْ نَصَبَتْ لَكُمُ الفَخَّ وَنَثرَتْ لَكُمُ الْحَبَّ؛ فَمَنْ يَرْتَعْ، يَقَعْ، وَمَنْ يَلْقُطْ، يَسْقُطْ، أَلا وَإِنَّ الفَقْرَ حِلْيَةُ نَبِيِّكُمْ فَاكْتَسُوهَا، وَالغِنى حُلَّةُ الطُّغْيَانِ فَلاَ تَلْبَسُوها، كَذَبَتْ ظُنْونُ المُلْحِدِينَ، الَّذَينَ جَحَدُوا الدِّينَ، وَجَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ إِنَّ بَعْدَ الحَدثِ جَدَثاً، وَإنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا عَبَثاً، فَحَذَارِ حَرَّ النَّارِ، وَبَدَارَ عُقْبَى الدَّارِ، أَلا وَإِنَّ العِلْم أَحْسَنُ علَىَ عِلاَّتِهِ، وَالجَهْلَ أَقْبَحُ عَلَى حَالاتِهِ وَإِنَّكُمْ أَشْقَى مَنْ أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، إِنْ شَقِيَ بِكُمُ العُلماءُ، النَّاسُ بِأَئِمَّتِهمْ، فإِنِ انْقَادُوا بِأَزِمَّتِهِمْ، نَجَوْا بِذِمَّتِهمْ، وَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: عَالِمٌ يَرْعَى، وَمُتَعَلِّمٌ يَسْعَى، وَالبَاقُونَ هامِلُ نَعامٍ، وَرَاتِعُ أَنْعَامٍ، وَيْلُ عَالٍ أُمِرَ مِنْ سَافِلِهِ، وَعَالِمِ شَيْءٍ مِنْ جاهِلِهِ، وَقَدْ سَمِعْثت أَنَّ عَلِيَّ بْنُ الحُسَيْنِ كَانَ قَائِماً يَعِظُ النَّاسَ وَيَقُولُ: يا نَفْسُ حَتَّامَ إِلى الحَياةِ رُكُونُكِ، وَإِلَى الدُّنْيَا وَعِمَارَتِهَا سُكُوُنُكِ؟ أَما اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلاَفِكِ، وَبِمَنْ وَارَتْهُ الأَرْضُ مِنْ أُلاَّفِكِ، وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى دَارِ البِلَى مِنْ أَقْرانِكِ؟؟


فُهْم في بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ ظهورها *** مَحاسِنُهُمْ فِيهَا بَوَالٍ دَوَاثِرُ
خَلَتْ دُورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِرَاصُهُمْ *** وَسَاقَتْهُمُ نَحْوَ المَنايَا المَقادِرُ
وَخَلُّوْا عَنِ الدُّنْيا وِما جَمَعُوا لهَا *** وَضَمَّتْهُمُ تَحْتَ التُّرابِ الحَفائِرُ
كَمْ اخْتَلَسَتْ أَيْدي المَنُونِ، مِنْ قُرُونٍ بَعْدَ قُرُونٍ؟ َوكَمْ غَيَّرَتْ بِبِلاهَا، وَغَيَّبَتْ أَكْثَرَ الرِّجَالِ في ثَرَاها؟؟؟

وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيا مُكِبٌ مٌنافِـسٌ *** لِخُطَّابِها فيها حَريصٌ مُكاثِـرُ
عَلَى خَطَرٍ تَمْشِي وَتُصْبِحُ لاهِياً *** أَتَدْري بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخاطِـرُ
وَإِنَّ امْرَأً يَسْعى لِدُنْياهُ جـاهِـداً *** وَيُذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لا شَكَّ خَاسِرُ

انْظُرْ إِلى الأُمَمِ الخَالِيةِ، وَالمُلُوكِ الفَانِيَةِ، كَيْفَ انْتَسَفَتْهُمُ الأَيَّامُ، وَأَفْنَاهُمُ الحِمَامُ؟ فَانْمَحَتْ آثارُهُمْ، وَبَقِيَتْ أَخْبارُهمْ.

فَأَضْحَوْا رَمِيماً في التُّرَابِ وَأَقْفَرَتْ *** مَجالِسُ مِنْهُمْ عُطِّلَتْ وَمَقَاصِرُ
وَخَلَّوْا عَنِ الدُّنْيَا وَما جَمَعُوا بِها *** وَما فَازَ مِنْهُمْ غَيْرُ مَنْ هُوَ صَابِرُ
وَحَلوا بِدَارٍ لاَ تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ *** وَأَنَّى لِسُكَّانِ القُبورِ التزَاوُرُ
فَمَا إِنْ تَرَى إِلاَّ رُمُوساً ثَوَوْا بِها *** مُسَطَّحَةً تًسْفِي عَلَيْها الأَعَاصِرُ

كَمْ عَايَنْتَ مِن ذِي عِزَّةٍ وَسُلْطانٍ، وَجُنُودٍ وَأَعْوَانٍ، قَدْ تَمكَّنَ مِنْ دُنْياهُ، وَنالَ مِنْهَا مُنَاهُ، فَبَنَى الحُصُونَ وَالدَّسَاكِرَ، وَجَمَعَ الأَعْلاَقَ وَالعَساكِرَ

فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ المَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ *** مُبادِرَةً تًهْوِى إِلَيْهِ الـذَّخـائِرُ
وَلا دَفَعَتْ عَنْهُ الحُصونُ الَّتي بَنَـى *** وَحَفَّتْ بِها أَنْهارُها والـدَّسـاكِـرُ
وَلا قَارَعَتْ عَنْهُ الـمَـنِـيَّةَ حِـيلَةٌ *** وَلا طَمِعَتْ في الذَّبِّ عَنْهُ العَساكِرُ


يا قَوْمُ الحَذَرَ الحَذَرَ، وَالبِدارَ البِدارَ، مِنْ الدُّنْيا وَمَكايدِهَا، وَمَا نَصَبَتْ لكُمْ من مَصايِدِها، وَتَجَلَّتْ لَكُمْ مِنْ زِينَتِها، واسْتَشْرَفَتْ لَكُمْ مِنْ بَهْجَتِهَا.


وَفي دُونِ مَاعَاَينْتَ مِنْ فَجَعاتِهَا *** إِلَى رَفْضِهَا دَاعٍ وَبالزُّهْدِ آمِرُ
فَجِدَّ وَلا تَغْفُلْ فَعَـيْشُـكَ بَـائِدٌ *** وَأَنْتَ إِلَى دارِ المَنِيَّةِ صـائِرُ
وَلا تَطْلُبِ الدُّنْيا فَإِنَّ طِلابَـهـا *** وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا رَغْبَةً لَكَ ضَائِرُ
وَكَيْفَ يَحْرِصُ عَلَيْها لَبيبٌ، أَوْ يُسَرُّ بِهَا أَريبٌ، وَهْوَ عَلى ثِقَةٍ مِنْ فَنَائِهَا؟ أَلاَ تَعْجَبُونَ مِمَّنْ يَنامُ وَهْوَ يَخْشى الْمَوتَ، وَلا يَرْجُو الفَوْتَ؟

أَلاَ، لاَ، وَلكِنَّا نَغُرُّ نُفوسنا *** وَتَغَلُهَـا اللَّذَّاتُ عَمَّا نُحَاذِرُ
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ *** بِمَوْقِفِ عَدْلٍ حَيْثُ تُبْلى السَرَائِرُ
كَأَنَّا نَرى أَنْ لا نُشُورَ، وَأَنَّنَا *** سُدَىً، مَا لَنَا بَعْدَ الفَنَاءِ مَصَائِرُ!
كَمْ َغَرَّتِ الدُّنْيا مِنْ مُخْلِدٍ إِلَيْهَا وَصَرَعَتْ مِنْ مُكِبٍّ عَلَيْهَا؛ فَلَمْ تُنْعِشْهُ مِنْ عَثْرَتِهِ؟ وَلَمْ تُقِلْهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَلَمْ تُداوِهِ مِنْ سَقَمِهِ، وَلَمْ تَشْفِهِ مِنْ أَلَمِهِ.

بَلـى أَوْرَدَتْهُ بَعْـدَ عِزٍّ وَرِفْعَةِ *** مَوَارِدَ سُوءٍ ما لَهُنَّ مصادِرُ
فَلَمَّا رَأَى أَنْ لاَ نَجَاةَ وَأَنَّهُ *** هُوَ المَوْتُ لاَ يُنْجِيهِ مِنْهُ المُؤازِرُ
تَنَدَّمَ لَوْ أَغْناهُ طُولُ نَدَامَةٍ *** عَلَيْهِ وَأَبْكتهُ الذُّنُوبُ الكَبَائِرُ

بَكَى عَلى مَا سَلَفَ مِنْ خَطَايَاهُ، وَتَحَسَّرَ عَلى مَا خَلَّفَ مِنْ دُنْيَاهُ، حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ الاِسْتِعْبَارُ، وَلَمْ يُنْجِهَ الاعْتَذَارُ.

أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمومهُ *** وَأَبْلَسَ لَمَا أَعْجَزَتْـهُ المَعاذِرُ
فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كرْبَةِ امَوْتِ فَارِجٌ *** وَلَيْسَ لَهُ مَمَّا يُحاذِرُ نَاصِرُ
وَقَدْ خَسِئَتْ فَوْقَ المَنِيَّةِ نَفْسُهُ *** تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللُّهَى وَالحَنَاجِرُ


فَإِلَى مَتَى تُرَقِّعُ بِآخِرَتِكَ دُنْيَاكَ، وَتَرْكَبُ في ذاكَ هوَاكَ؟ إِنِّي أَرَاكَ ضَعيفَ اليَقينِ، يَا رَاقِعَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، أَبِهذا أَمَرَكَ الرَّحْمنْ، أَمْ عَلى هَذا دَلَّكَ القُرْآنُ؟

تُخَـرِّبُ مَـا يَبْقَى، وَتعْمُرُ فَانِياً *** فَلاَ ذَاكَ مَوْفُورٌ، وَلاَ ذَاكَ عَامرُ
فَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً *** وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرَاً لَدَى اللهِ عَاذِرُ؟؟
أَتَرْضَى بِأَنْ تُقْضَى الحَياةُ وَتَنْقَضِي *** وَدِينُـكَ مَنْقُوصٌ وَمَالكَ وَافِرُ؟؟

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ لِبَعْضِ الحَاضِرِينَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: غَرِيبٌ قَدْ طَرَأَ لاَ أَعْرِفُ شَخْصَهُ، فَاصْبِرْ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ مَقَامَتِهِ، لَعَلَّهُ يُنْبِئُ بِعَلاَمَتِهِ، فَصَبَرْتُ فَقَالَ: زَيِّنُوا العِلْمَ بِالعَمَلِ، وَاشْكُرُوا القُدْرَةَ بِالْعَفْوِ، وَخُذُوا الصَّفْوَ وَدَعوا الكَدَرَ، يَغْفِرِ اللهُ لِي وَلَكُمْ، ثُمَّ أَرَادَ الذَّهَابَ، فَمَضَيْتُ عَلى أَثَرِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! لَمْ تَرْضَ بِالْحِلْيَةِ غَيَّرْتَها، حَتَّى عَمَدْتَ إِلى المَعْرِفةِ فَأَنْكَرْتَهَا! أَنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: حَفِظَكَ اللهُ، فَمَا هَذا الشَّيْبُ؟ فَقَالَ:

نَذِيرٌ، وَلَكِنَّهُ سَـاكِـتُ *** وَضَعِيفٌ، وَلَكِنَّهُ شَامِتُ
وَأَشْخَاصُ مَوْتٍ، وَلَكِنَّهُ *** إِلَى أَنْ أُشَيِّعَهُ ثَـابِـتُ

حسن خليل
20-11-10, 11:41 AM
المقامة الأسودية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ أُتَّهَمُ بِمَالٍ أَصَبْتُهُ، فَهِمْتُ عَلى وَجْهِي هَارِبَاً حتّىَّ أَتَيْتُ البَادِيَةَ فَآدَّتْنِي الهَيْمَةُ، إِلى ظِلِّ خَيْمَةٍ، فَصَادَفْتُ عِنْدَ أَطْنَابِهَا فَتىً، يَلْعَبُ بِالتُّرَابِ، مَعَ الأَتْرَابِ، وَيُنْشِدُ شِعْراً يَقْتَضِيهِ حَالهُ، وَلاَ يَقْتَضِيهِ ارْتِجَالهُ، وَأَبْعَدْتُ أَنْ يُلْحِمَ نَسِيجَهُ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى العَرَبِ أَتَرْوِي هَذا الشِّعْرَ أَمْ تَعْزِمُهُ؟ فَقَالَ: بَلْ أَعْزِمُهُ، وَأَنْشَدَ يَقُولُ:

إِنِّي وَإِنْ كُنْتُ صَغِـيرَ الـسِّـنِّ *** وَكَانَ فِي العَيْنِ نُـبُـوٌّ عَـنِّـي
فَإِنَّ شَيْطَـانِـي أَمِـيرُ الـجِـنِّ *** يَذْهَبُ بِي في الشِّعْرِ كُـلَّ فَـنِّ
حَتَّى يَرُدَّ عَارِضَ الـتَّـظَـنِّـي *** فَامْضِ عَلَى رِسْلِكِ وَاغْرُبْ عَنِّي

فَقُلْتُ: يَا فَتَى العَرَبِ أَدَّتْنِي إِلَيْكَ خِيفَةٌ فَهَلْ عِنْدَكَ أَمْنٌ أَوْ قِرىً؟ قَالَ: بَيْتَ الأَمْنِ نَزَلْتَ، وَأَرْضَ القِرَى حَلَلْتَ، وَقَامَ فَعَلِقَ بِكُمِّي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ إِلى خَيْمَةٍ قَدْ أُسْبِلَ سِتْرُهَا، ثُمَّ نَادَى: يَا فَتَاةَ الحَيِّ، هَذا جَارٌ نَبَتّ بِهِ أَوْطَانُهُ، وَظَلَمَهُ سُلْطَانُهُ، وَحَدَاهُ إِلَيْنَا صِيتُ سَمِعَهُ، أَوْ ذِكْرٌ بَلَغَهُ، فَأَجِيرِيِهِ، فَقَالَتِ الفَتَاةُ: اسْكُنْ يَا حَضَرِيُّ.

أَيَا حَضَرِيُّ اسْكُنْ وَلا تَخْشَ خِيفَةً *** فَأَنْتَ بِبَيْتِ الأَسْوَدِ بْنِ قِـنَـانِ
أَعَزِّ ابْنِ أُنْثَي مِنْ مَعَدٍ وَيَعْـرُبٍ *** وَأَوْفَاهُمُ عَهْداً بِـكُـلِّ مَـكـانِ
وَأَضْرَبَهُمْ بِالسَّيْفِ مِنْ دُونِ جَارِهِ *** وَأَطْعَنُهُمْ مِنْ دُونِـهِ بِـسِـنَـانِ
كَأَنَّ المَنَايَا وَالعَطَـايا بِـكَـفِّـهِ *** سَحَابان مَقْرُونَانِ مُؤْتَـلِـفَـانِ
وَأَبْيَضَ وَضَّاحِ الجَبِينِ إِذَا انْتَمَى *** تَلاَقَي إِلَى عِيصٍ أَغَرَّ يَمَانِـي
فَدُونَكَهُ بَيْتِ الجِـوَارِ وَسَـبْـعَةٌ *** يَحُلّوْنَهُ شَفَّعْتَـهُـمْ بِـثَـمَـانِ

فَأَخَذَ الفَتَى بِيَدِي إِلَى البَيْتِ الَّذِي أَوْمأَتْ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَبْعَةُ نَفَرٍ فِيهِ، فَمَا أَخَذَتْ عَيْني إِلاَّ أَبَا الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيَّ فِي جُمْلَتِهِمْ فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ بِأَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ؟ فَقَالَ:


نَزَلْتُ بِالأَسْـوَدِ فِـي دَارِهِ *** أَخْتَارُ مِنْ طَيِّبِ أَثْمَارِهَـا
فَقُلْتُ: إِنِّي رَجُـلٌ خَـائِفٌ *** هَامَتْ بِيَ الخِيفَةُ مِنْ ثَارِهَا
حِيلَةُ أَمْثَالِي عَلَى مِـثْـلِـهِ *** فِي هَذِهِ الحَالِ وَأَطْوَارِهَـا
حَتَّى كَسَانِي جَابِراً خَلَّـتِـي *** وَمَاحِـياً بَـيِّنَ آثـارِهَـا
فَخُذْ مِنَ الدَّهْرِ وَنَلْ مَا صَفَا *** مِنْ قَبْلِ أَنْ تًنْقَلَ عَنْ دَارهَا
إِيَّاكَ أَنْ تُبْـقِـيَ أُمْـنِـيَةً *** أَوْ تَكْسَعَ الشَّوْلَ بِأَغْبَارِهَـا


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: يَا سُبْحَانَ اللهِ!أَيَّ طَرِيقِ الكُدْيَةِ لَمْ تَسْلُكْهَا؟ ثُمَّ عِشْنَا زَمَاناً فِي ذَلِكَ الجَنَابِ حَتَّى أَمِنَّا، فَرَاحَ مُشَرِّقاً وَرُحْتُ مُغَرِّبَاً.

حسن خليل
20-11-10, 11:49 AM
المقامة العراقية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:طِفْتُ الآفَاقَ، حَتَّى بَلَغْتُ العِرَاقَ، وَتَصَفَّحْتُ دَوَاوينَ الشُّعَرَاءِ، حَتَّى ظَنَنْتُني لَمْ أُبْقِ فِي القَوْسِ مِنْزَعَ ظَفَرٍ، وَأَحَلَّتْنِي بَغْدَادُ فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى الشَّطِّ إِذْ عَنَّ لِي فَتَىً فِي أَطْمَارٍ، يَسْأَلُ النَّاسَ وَيَحْرِمُونَهُ، فَأَعْجَبَتْنِي فَصَاحَتُهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ أَسْأَلَهُ عَنْ أَصْلِهِ وَدَارِهِ، فَقَالَ: أَنَا عَبْسِيُّ الأَصْلِ إِسْكَنْدَرِيُّ الدَّارِ، فَقُلْتُ: مَا هَذا اللِّسَانُ؟ وَمِنْ أَيْنَ هذَا البَيانُ؟ فَقَالَ: مِنَ الْعِلْمِ، رُضْتُ صِعَابَهُ؟ وَخُضْتُ بِحَارَهُ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ العُلُومِ تَتَحَلَى؟ فَقَالَ: لِي فِي كُلِّ كِنانَةٍ سَهْمٌ فَأَيَّهَا تُحْسِنُ؟ فَقُلْتُ: الشِّعْرَ: فَقَالَ: هَلْ قَالَتِ العَرَبُ بَيْتاً لا يُمْكِنُ حَلَّهُ؟ وَهَلْ نَظَمَتْ مَدْحَاً لَمْ يُعْرَفْ أَهْلُهُ؟ وَهَلْ لَهَا بَيْتٌ سَمُجَ وَضْعُهُ، وَحَسُنَ قَطْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لاَ يَرْقَأُ دَمْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَثْقُلُ وَقْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَشُجُّ عَرْضُهُ وَيَأْسُو ضَرْبُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَعْظُمُ وَعِيدُهُ وَيَصْغُرُ خَطْبُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ أَكْثَرُ رَمْلاً مِنْ يَبْرينَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ كَأَسْنَانِ المَظْلُومِ، وَالمِنْشَارِ المَثْلُومِ؟ وَأَيُّ بِيْتٍ يَسُرُّكَ أَوَّلُهُ وَيَسُوءُكَ آخِرُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَصْفَعُكَ بَاطِنُهُ، وَيَخْدَعُكَ ظَاهِرُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لاَ يُخْلَقُ سَامِعُهُ، حَتَّى تُذْكَرَ جَوَامِعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يُمْكِنُ لَمْسُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَسْهُلُ عَكْسُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ أَطْوَلُ مِنْ مِثْلِهِ، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ مَهِينٌ بِحَرْفٍ، وَرَهِينٌ بِحَذْفٍ؟؟؟ قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَوَ اللهِ مَا أَجَلْتُ قِدْحَاً في جَوَابهِ، وَلا اهْتَدَيْتُ لِوَجْهِ صَوَابِهِ، إِلاَّ لا أَعْلَمُ. فَقَالَ: وَمَا لاَ تَعْلَمُ أَكْثَرُ، فَقُلْتُ: وَمَا لَكَ مَعْ هَذا الفَضْلِ، تَرْضَى بِهَذا العَيْشِ الرَّذْلِ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

بُؤْساً لِهَذا الزَّمَانِ مِنْ زَمَنٍ *** كُلُّ تَصَارِيفِ أَمْرِهِ عَجَبُ
أَصْبَحَ حَرْباً لِكُلِّ ذِي أَدَبٍ *** كَأَنَّمَا سَـاءَ أُمَّـهُ الأَدَبُ

فَأَجَلْتُ فِيهِ بَصَري، وَكَرَّرْتُ فِي وَجْهِهِ نَظَري، فَإِذَا هُوَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْتُ: حَيَّاكَ اللهُ وَأَنْعَشَ صَرْعَكَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ بِتَفْسيرِ مَا أَنْزَلْتَ، وَتَفْصِيلِ مَا أَجْمَلْتَ، فَعَلْتَ، فَقَالَ: تَفْسيرُهُ: أَمَّا البَيْتُ لا يُمْكِنُ حَلُّهُ فَكَثيرٌ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ الأَعْشَى.

دَراهِمُنَا كُلُّها جَـيِّدٌ *** فَلا تَحْبَسَّنا بِتَنْقَادِهَا

وأَمَّا المَدْحُ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ أَهْلُهُ فَكَثيرٌ، وَمِثالُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

وِلِمْ أِدْرِ مَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ رِداءَهُ *** عَلَى أَنَّهُ قَدْ سُلَّ عَنْ مَاجِدٍ مَحْضِ

وَأَمَّا البَيْتُ الذَّي سَمُجَ وَضْعُهُ، وَحَسُنَ قَطْعُهُ، فَقَوْلُ أَبي نُوَاسِ:
فَبِتْنَا يَرَانَا اللهُ شَـرَّ عِـصَـابَةٍ *** تُجَرِّرُ أَذْيَالَ الفُسُوقِ، وَلا فَخْرُ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي لاَ يَرْفَأُ دَمْعُهُ فَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ *** كَأَنَّهُ مِنْ كُلىً مَفْرِيَّةٍ سَرَبَ

فَإِنَّ جَوامِعَهُ: إِمَّا مَاٌء، أَوْ عَيْنٌ، أَوْ انْسِكَابٌ، أَوْ بَوْلٌ، أَوْ نَشيئَةٌ، أَوْ أَسْفَلُ مَزادَةٍ، أَوْ شِقٌّ، أَوْ سَيَلانٌ.

وَأَمَّا البَيتُ الَّذِي يَثُقلُ وَقْعُهُ فَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ:
إِذَا مَنَّ لَمْ يَمْنُنْ بِمَنّ يَمُنُّهُ *** وَقَالَ لِنَفْسي: أَيُّها النَّفْسُ أَمْهِلي

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذي تَشُجُّ عَرُوضُهُ وَيَأَسُو ضَرْبُهُ فَمِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
دَلَفْتُ لَهُ بِأَبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ *** كَمَا يَدْنُو المُصَافِحُ لِلسَّلامِ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي يَعْظِمُ وَعِيدُهُ وَيَصْغُرُ خَطْبُهُ فَمِثَالُهُ قَوْلُ عَمْرو ابْنِ كُلْثُوم:
كَأَنَّ سُيُوفَنا مِنَّا وَمِنْهُمْ *** مَخارِيقٌ بِأَيْدِي لاعِبينَا

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ رَمْلاً مِنْ يَبْرِينَ فَمِثُلُ قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
مُعْرَوْرِياً رَمَضَ الرَّضْرَاضِ يَرْكُضُهُ *** وَالشَّمْسُ حَيْرَى لَها في الجَوِّ تَدْوِيمُ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي هُوَ كَأَسْنَانِ المَظْلُومِ، وَالمِنْشَارِ المَثْلُومِ؛ فَكَقَولِ الأَعْشَى:
وَقَدْ غَدَوْتُ إِلى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي *** شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَـوِلُ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي يَسُرُّكَ أَوَّلُهُ وَيَسُوؤُكَ آخِرُهُ فَكَقَوْلِ امْرِئ القَيْسِ:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً *** كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي يَصْفَعُكَ بَاطِنُهُ وَيَخْدَعُكَ ظَاهِرُهُ فَكَقَوُلُ القَائِل:
عَاتَبْتُهَا فَبَكَتْ، وَقَالَتْ يَا فَتىً *** نَجَّاكَ رَبُّ العَرْشِ مِنْ عَتْبِي

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي لا يُخْلَقُ سَامِعُهُ، حَتَّى تُذْكَرَ جَوَامِعُهُ، فَكَقَوْلِ طَرِفَةَ:
وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَىَّ مَطِيَّتُهُمْ *** يَقُولُونَ: لاَ تَهْلِكْ أَسىً وَتَجَلَّدِ

فَإِنَّ السَّامِعَ يَظُنُّ أَنَّكَ تُنْشِدُ قَوْلَ امْرِئ القَيْسِ.
وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ لَمْسُهُ فَكَقَوْلِ الخُبْزرُزِّيِّ:
تَقَشَّعَ غَيْمُ الهَجْرِ عَنْ قَمَرِ الحُبِّوَ *** أَشْرَقَ نُورُ الصُّلْحِ مِنْ ظُلْمَةِ العَتْبِ

وَكَقَوْلِ أَبي نُوَاسٍ:
نَسِيمُ عَبِيرٍ فِي غِلاَلَةِ مَاءٍ *** وَتَمْثَالُ نُورٍ فِي أَدِيمِ هَوَاءٍ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي يَسْهُلُ عَكْسُهُ فَكَقَوْلِ حَسَّانَ:
بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ *** شُمُّ الأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الأَوَّلِ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي هُوُ أَطْوَلُ مِنْ مِثْلِه فَكَحَمَاقَةِ المُتَنَبي:
عِش ابْقَ اسْمُ سُدْ جُدْ قُدْ مُر أَنْه اسْرُفُهْ تُسَلْغِظِ *** ارْمِ صِبِ احْمِ اغْزُ اسْبِ رُعْ زَعْ دِلِ ابْنِ نَلْ

وَأَمَّا البَيْتُ الَّذِي هُوَ مَهِينٌ بِحَرْفٍ، وَرَهِينٌ بِحَذْفٍ، فَكَقَوْلِ أَبِي نُوَاسِ:
لَقَدْ ضَاعَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ *** كَمَا ضَاعَ دُرٌّ عَلَى خَالِصَهْ

وَكَقَوْلِ الآخَرِ:
إِنَّ كَلاَماً تَرَاهُ مَدْحـاً *** كَانَ كَلاماً عَلَيْهِ ضَاءَ

يِعْنِي أَنَّهُ إِذَا أَنْشَدَ " ضَاعاَ" كَانَ هِجَاءً، وَإِذَا أَنْشَدَ "ضَاءَ" كانَ مَدْحاً.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَتَعَجَّبْتُ واللهِ مِنْ مَقَالِه، وَأَعْطَيْتُهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى تَغْييرِ حَالهِ، وَافْتَرَقْنَا.

حسن خليل
20-11-10, 12:03 PM
المقامة الحمدانية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: حَضَرْنَا مَجْلِسَ سَيْفِ الدَّوْلةِ بْنِ حَمْدَانَ يَوْماً، وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ فَرَسٌ مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ، فَلحَظَتْهُ الجَمَاعَةُ، وَقَالَ سَيْفُ الدَّوْلةِ: أَيُّكُمْ أَحْسَنَ صِفَتَهُ، جَعَلْتُهُ صِلتَهُ، فَكُلٌّ جَهْدَ جَهْدَهُ، وَبَذَلَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَحَدُ خَدَمِهِ: أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيرَ! رَأَيْتُ بِالأَمْسِ رَجُلاً يَطأُ الفَصَاحَةَ بِنَعْلَيْهِ، وَتَقِفُ الأَبْصَارُ عَلَيْهِ، يَسْأَلُ النَّاسَ، وَيَسْقِى اليَاسَ، وَلَوْ أَمَرَ الأَمِيرُ بِإِحْضَارِهِ، لَفَضَلَهُمْ بِحَضَارِهِ، فقَالَ سَيْفُ الدَّوْلةِ: عَلَيَّ بِهِ فِي هَيْئَتِهِ، فَطَارَ الخَدَمُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جَاءُوا لِلْوَقْتِ بِهِ، وَلَمْ يُعْلِمُوهُ لأَّيِة حَالٍ دُعِيَ، ثُمَّ قرِّبَ وَاسْتُدْنِىَ، وَهْوَ فِي طِمْرَيْنِ قَدْ أَكَلَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمَا وَشَرِبَ، وَحِينَ حَضَرَ السِّمَاطَ، لَثَمَ البِسَاطَ، وَوَقَفَ، فَقَالَ: سَيْفُ الدَّوْلةِ: بَلَغَتْنَا عَنْكَ عَارِضَةٌ فَاعْرِضْهَا في هذا الفَرَسَ وَوَصْفِهِ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيرَ كَيْفَ بِهِ قَبْلَ رُكُوبهِ وَوُثُوبهِ، وَكَشْفِ عُيُوبهِ وَغُيُوبهِ؟ فَقَالَ: ارْكَبْهُ، فَرَكِبَهُ وَأَجْرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيرَ هُوَ طَويلُ الأُذُنَيْنِ، قَلِيلُ الإِثْنَيْنِ، وَاسِعُ المَرَاثِ، لَيِّنُ الثَّلاَثِ، غَلِيظُ الأَكْرُع، غَامِضُ الأَرْبَعِ، شَدِيدُ النَّفْسِ، لَطِيفُ الخَمْسِ، ضَيّقُ القَلْتِ، رَقِيقُ السِّتِّ، حَدِيدُ السَّمْعِ، غَلِيظُ السَّبْعِ، دَقِيقُ الِّلسَانِ، عَرِيضُ الثَّمانِ، مَدِيدُ الضِّلعَ، قَصِيرُ التِّسْعَ، وَاسِعُ الشَّجْرِ، بَعِيدُ العَشْرِ، يَأْخُذُ بِالسَّابحِ، وَيُطْلِقُ بِالرَّامِحِ. يَطلُعُ بِلائِحٍ وَيَضْحَكُ عنْ قَارِحٍ يَجُزُّ وَجْهَ الجَديدِ، بِمَدَاقِّ الحَدِيدِ، يُحْضِرُ كَالبَحْرِ إِذَا مَاجَ، والسَّيْلِ إِذَا هَاجَ، فَقَالَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: لَكَ الفَرَسُ مُبَارَكاً فِيهِ، فَقَالَ: لا زِلْتَ تَأْخُذُ الأَنْفَاسَ، وَتَمْنَحُ الأَفْرَاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَبِعْتُهُ وَقُلْتُ لَكَ عَلَيَّ مَا يَلِيقُ بِهَذا الفَرَسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَبِعْتُهُ وَقُلْتُ لَكَ عَلَيَّ مَا يَلِيقُ بِهذَا الفَرَسِ مِنْ خِلْعَةٍ إِنْ فَسَّرْتَ مَا وَصَفْتَ، فَقَالَ: سَلْ عَمَّا أَحْبَبْتَ، فَقُلتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِكَ بَعِيدُ العَشْرِ، فقَالَ: بَعِيدُ النَّظَرِ وَالْخَطْوِ وَأَعَالِي اللَّحْيَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الوَقْبَيْينِ، وَالجَاعِرَتَيِنِ، وَمَا بَيْنَ الغُرَابَيْنِ وَالمِنْخَرَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، وَمَا بَيْنَ المَنْقَبِ وَالصِّفَاقِ، بَعِيدُ الغَايَةِ فِي السِّبَاقِ، فَقُلْتُ: لاَ فُضَّ فُوكْ فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ قَصِيرُ التِّسْعِ، قَالَ: قصِيرُ الشَّعْرَةِ قَصِيرُ الأُطْرَةِ قَصِيرُ العَسِيْبِ، قَصِيرُ العَضُدَيْنِ، قَصِيرُ الرُّسْغَينش، قَصِيرُ النَّسَا، قَصِيرُ الظَّهْرِ، قَصِيرُ الوَظِيفِ. فَقُلْتُ: للهِ أَنْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ: عَرِيضُ الثَّمَانِ؟ قَالَ: عَريضُ الجَبْهَةِ، عَرِيضُ الوَرِكِ، عَرِيضُ الصَّهْوَةِ، عَريضُ الكَتِفِ، عَرِيضُ الجَنْبِ، عَرِيضُ العَصَبِ، عَرِيضُ البَلْدَةِ، عَرِيضُ صَفْحَةِ العُنُقِ.
فَقُلْتُ: أَحْسَنْتَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ: غَلِيظُ السَّبْعِ؟ قَالَ: غَلِيظُ الذِّرَاعِ، غَلِيظُ المَحْزَمِ، غَلِيظُ العُكْوَةِ، غَلِيظُ الشَّوى، غَلِيظُ الرُّسْغِ، غَلِيظُ الفَخْذَيْنِ، غَليظُ الْحَاذِ.

قُلْتُ: للهِ دَرُّكَ! فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ: رَقيقُ السِّتِّ؟ قَالَ: رَقيقُ الجَفْنِ، رَقِيقُ السَّالِفَةِ، رَقِيقُ الجَحْفَلةِ، رَقِيقُ الأَدِيمِ، رَقِيقُ أَعَالِي الأُذْنَيْنِ، رَقِيقُ العُرُضَينِ.

فَقُلْتُ: أَجَدْتَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ: لَطِيفُ الخَمْسِ؟ فَقَالَ: لَطِيفُ الزَّوْرِ، لَطِيفُ النَّسْرِ، لَطِيفُ الجَبْهَةِ، لَطِيفُ الرُّكْبَةِ، لَطِيفُ العُجَايَةِ.

فَقُلْتُ: حَيَّاكَ اللهُ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ: غَامِضُ الأَرْبَعِ؟ قَالَ:غَامِضُ أَعَالشي الكَتِفَيْنِ، غَامِضُ المَرْفَقَيْنِ، غَامِضُ الحِجَاجَيْن، غَامِضُ الشَّظى.
قُلْتُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ لَيِّنُ الثَّلاَثِ، قَالَ: لَيِّنُ الْمَرْدَغَتَيْنِ لَيِّنُ العُرْفِ لَيِّنُ العِنَانِ قُلْتُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ قَلِيلُ الإِثْنَثْنِ قَالَ: قَلِيلُ لَحْمِ الوَجْهِ قَلِيلُ لَحْمِ المَتْنَيْنِ،
قُلْتُ: فَمِنْ أَيْنَ مَنْبِتُ هَذا الفَضْلِ؟ قَالَ: مِنَ الثُّغُورِ الأَمَوِيَّةِ والبِلادِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: أَنْتَ مَعَ هَذا الفَضْلِ تُعَرِّضُ وَجْهَكَ لِهَذا الَبَذْلِ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

سَاخِفْ زَمَانَكَ جِدّاً *** إِنَّ الزَّمَانَ سَخِيفْ
دَعِ الحَمِيَّةَ نِـسْـياً *** وَعِشْ بِخَيْرٍ وَرِيفْ
وَقُلْ لِعَبْـدِكَ هَـذا *** يَجِيئُنَا بِـرَغِـيفْ

حسن خليل
20-11-10, 12:53 PM
المقامة الرصافية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الرَّصَافَةِ أُرِيدُ دَارَ الخَلاَفَةِ، وَحَمَارَّةُ القَيْظِ تَغْلِي بِصَدْرِ الغَيْظِ، فَلَمَّا نَصَفْتُ الطَّرِيقَ اشْتَدَّ الحَرُّ وَأَعْوَزَنِي الصَّبْرُ فَمِلْتُ إِلى مَسْجِدٍ قَدْ أَخَذَ مِنْ كُلِّ حُسْنٍ سِرَّهُ وَفِيهِ قَومٌ يَتَأَمَّلُونَ سُقُوفَهُ وَيَتَذَاكَرُونَ وقُوفَهُ، وَأَدَّاهُمْ عَجُزُ الحَدِيثِ إِلى ذِكُرِ اللُّصُوصِ وَحِيَلِهِمْ وَالطَّرَارِينَ وَعَمَلِهِمْ، فَذَكَروا أَصْحَابَ الفُصُوصِ مِنَ اللُّصُوصِ وَأَهْلَ الكَفِّ وَالَقِّف وَمَنْ يَعْمَلُ بِالْطَّفِ، وَمَنْ يَحْتَالُ في الصَّفِّ، وِمِنْ يِخْنُقُ بِالدَّفِّ، وَمَنْ يَكْمُنُ فِي الرَّفِّ، إِلَى أَنْ يُمْكِنَ اللَّفِّ، وَمَنْ يُبَدَِلُ بِالمَسْحِ، وَمَنْ يَأْخُذُ بِالمَزْحِ، وَمَنْ يَسْرِقُ بِالنُّصْحِ، وَمَنْ يَدْعُو إِلى الصُّلْحِ، وَمَنْ قَمَشَ بِالصَّرْفِ، وَمَنْ أَنْعَسَ بِالطَّرْفِ، وَمَنْ بَاهَتَ بالنَّرْدِ، وَمَنْ غَالَطَ بِالْقِرْدِ، وَمَنْ كَابَرَ بِالْرَّيْطِ، مَعَ الإِبْرَةِ والخَيْطِ، وَمَنْ جَاءَكَ بِالقُفْلِ، وَمَنْ شَقَّ الأَرْضَ منْ سُفْلِ، وَمَنْ نَوَّمَ بِالبَنْجِ، أُوْ احْتَالَ بِنِيرَنْجٍ، وَمَنْ بَدَّل نَعْلَيْهِ، ومَنْ شَدَّ بِحَبْلَيْهِ، وَمَنْ كَابَرَ بِالسَّيْفِ، وَمَنْ يَصْعَدُ في البِيرِ وَمَنْ سَارَ مَعَ العِيرِ، وَأَصْحَابُ العَلاَمَاتِ وَمَنْ يَأَتِي المَقَامَاتِ وَمَنْ فَرَّ مِنَ الطَّوْفِ وَمَنْ لاذَ مِنَ الخَوْفِ وَمَنْ طَيَّرَ باِلطَّيْرِ وَمَنْ لاعَبَ بِالسَّيْرِ وَقَالَ: اجْلِسْ وَلا ضَيْرٌ وَمَنْ يَسْرِقُ بِالبَوْلِ وَمَنْ يِنْتَهِزُ الهَوْلَ وَمَنْ أَطْعَمَ فِي السُّوقِ بِمَا يَنْفُخُ فِي البُوقِ وَمَنْ جَاءَ بِبَسْتُوقٍ ، وَأَصْحَابُ البَسَاتِينِ وَسُرَّاقُ الرَّوَازِينِ وَمَنْ ضَبَرَ فِي الصَّرْحِ وَمَنْ سَلَّمَ في السَّطْحِ وَمَنْ دَبَّ بِسِكِّينٍ عَلى الحَائطِ مِنْ طِينٍ وَمَنْ جَاءَكَ فِي الحِينِ يُحَيِّي بِالْرَّيَاحِينِ وَأَصْحَابُ الطَّبْرَزِينِ كَأَعْوَانِ الدَّوَاوِينِ وَمَنْ دَبَّ بِأَنِينٍ عَلى رَسْمِ المَجَانِينِ وَأَصْحَابُ المَفَاتِيحِ وَأَهْلَ القُطْنِ وَالرِّيحِ، وَمَنْ يَقْتَحِمُ البَابَ، علَى زِيِّ مَنِ انْتَابَ، وَمَنْ يَدْخُلُ فِي الدَّارِ، عَلَى صُورَةِ مَنْ زَارَ، وَمَنْ يَدْخُلُ بِالِّلينِ، عَلَى زِيِّ المَسَاكِينِ، وَمَنْ يَسْرِقُ فِي الحَوْضِ، إِذَا أَمْكَنَ فِي الخَوْضِ، وَمَنْ سَلَّ بِعُودَيْنِ، وَمَنْ حَلَّفَ بِالدَّيْنِ، وَمَنْ غَالَطَ بِالرَّهْنِ، وَمَنْ سَفْتَجَ بِالدَّيْنِ، وَمَنْ خَالَفَ بِالْكِيسِ، وَمَنْ زَجَّ بِتَدْلِيسِ، وَمَنْ أَعْطى المَفَالِيسَ، وَمَنْ قَصَّ مِنَ الكُمِّ، وَقَالَ: انْظُرْ وَاحْكُمْ، وَمَنْ خَاطَ عَلى الصَدْرِ، وَمَنْ قَالَ: أَلَمْ تَدْرِ؟ وَمَنْ عَضَّ، وَمَنْ شَدَّ، وَمَنْ دَسَّ إِذَا عَدَّ،وَمَنْ لَجَّ مَعَ القَوْمِ وَقَالَ: لَيْسَ ذَا نَوْمٍ وَمَنْ غَرَّكَ بِالأَلْفِ وَمَنْ زَجَّ إِلَى خَلْفٍ وَمَنْ يَسْرِقُ بِالقَيْدِ وَمَنْ يَأَلَمُ لِلْكَيْدِ وَمَنْ صَافَعَ بِالنَّعْلِ وَمَنْ خَاصَمَ في الحَّقِ وَمَنْ عاَلجَ بِالشَّقِ وَمَنْ يَدُخُلُ في السَّرْبِ وَمَنْ يَنْتَهِزُ النَّقْبَ وَأَصْحَابِ الخَطَاطِيفِ عَلى الحَبْلِ مِنَ الِّليِفِ وَانْجَرَّ الحَدِيثُ إِلى ذِكُرِ مَنْ رَبِحَ عَلَيْهِمْ ، وَأَتَى بِقِصَّةٍ لأَبِي الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ حذفناها لعدم الفائدة فيها مع وجود ألفاظ تنافي آداب هذه الأيام وليس فيها شيء يستحق الذكر سوى أن الليلة القمراء يقال فيها ليلة في غير زيها وأنشد يقول:

وَطَيْفٌ سَرَى وَالْلَّيْلُ فِي غَيْرِ زِيِّهِ *** وِوِافِاهُ بِدْرٌ التِّمِّ فَابْيَضَ مَفْرِقَهُ

حسن خليل
20-11-10, 12:55 PM
المقامة المغزلية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: دَخَلْتُ البَصْرَةَ وَأَنَا مُتَّسِعُ الصِّيتِ كَثِيرُ الذِّكْرِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ فَتَيَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَيَّدَ اللهُ الشَّيْخَ، دَخَلَ هَذَا الفَتَى دَارَنَا، فَأَخَذَ فَنَجَ سُنَّارٍ. بِرَأْسِهِ دُوَارٌ، بِوَسَطِهِ زُنَّارٌ، وَفَلَكٌ دَوَّارٌ، رَخِيمُ الصَّوْتِ إِنْ صَرَّ، سَرِيعُ الكَرِّ إِنْ فَرَّ، طَويلُ الذَّيْلِ إِنْ جَرَّ، نَحيفُ المُنَطَّقِ، ضَعيفُ المُقَرْطَقِ، في قَدْرِ الجَزَرِ، مُقِيمٌ بِالحَضرِ، لا يَخْلُو مِنَ السَّفَرِ، إِنْ أَودِعَ شَيْئاً رَدَّ، وَإِنْ كُلِّفَ سَيْراً جَدَّ، وَإِنْ أَجَرَّ حَبْلاً مَدَّ، هُنَاكَ عَظْمٌ وَخَشَبٌ، وَفيهِ مَالٌ وَنَشَبٌ، وَقَبْلٌ وَبَعْدٌ، فَقَالَ الفَتَى: نَعَمْ أَيَّدَ اللهُ الشَّيْخَ لأَنَّهُ غَصَبَنِي عَلَى:


مُرَهَّفٍ سِـنـانُـهُ *** مُذَلَّـقٍ أَسْـنَـانُـهُ
أَوْلاَدُهُ أَعْـوانُـــهُ *** تَفْرِيقُ شَمْلٍ شَانُـهُ
مُوَاثِبٌ لِصَـاحِـبِـهْ *** مُعَلَّقٌ بِـشَـارِبِـهِ
مُشْتَـبِـكُ الأَنْـيَابِ *** في الشِّيبِ وَالشَّبَابِ
حُلْوٌ مَليحُ الشَّـكْـلِ *** ضَاوٍ زَهِيدُ الأَكْـلِ
رَامٍ كَثيرُ الـنَّـبْـلِ *** حَوْفَ اللِّحى والسَّبْلِ


فَقُلْتُ للأَوَّلِ: رُدَّ عَلَيْهِ المُشْطَ لِيَرُدَّ عَلَيْكَ المِغْزَلَ.

حسن خليل
20-11-10, 12:56 PM
المقامة الشيرازية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسى بْنُ هِشامٍ قَالَ:

لَمَّا قَفَلْتُ مِنَ اليَمَنِ، وَهَمَمْتُ بِالوَطَنِ، ضَمَّ إِلَيْنا رَفيقٌ رَحْلَهُ، فَتَرَافَقْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ،حَتَّى جَذَبَني نَجْدٌ، وَالتَقَمَهُ وَهْدٌ، فَصَعَّدْتُ وَصَوَّبَ، وَشَرَّقْتُ وَغَرَّبَ، وَنَدِمْتُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ بَعْدَ أَنْ مَلَكَنِي الجَبَلُ وَحَزْنُهُ، وَأخَذَهُ الغَوْرُ وَبَطْنُهُ فَوَ اللهِ لَقْدَ تَرَكَني فِرَاقُهُ وَأَنا أَشْتَاقُهُ، وَغادَرَنِي بَعْدَهُ أَقَاسِي بُعْدَهُ، وَكُنْتُ فَارَقْتُهُ ذَا شَارَةٍ وَجَمالٍ، وَهَيْئَةٍ وَكَمالٍ، وَضَرَبَ الدَّهْرُ بِنا ضُروبَهُ، وَأَنا أَتَمَثَّلُهُ في كُلِّ وَقْتٍ، وَأَتَذَكَّرُهُ في كُلِّ لَمْحَةٍ، وَلا أَظُنُّ أَنَّ الدَّهْرَ يُسْعِدُني بِهِ وَيُسْعِفُني فيهِ، حَتَّى أَتَيْتُ شِيرَازَ، فَبَيْنا أَنا يَوماً في حُجْرَتِي إِذْ دَخَلَ كَهْلٌ قَدْ غَبَّرَ في وَجْهِهِ الفَقْرُ، وَانْتَزَفَ ماءَهُ الدَّهْرُ، وَأَمالَ قَنَاتَهُ السُّقْمُ، وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ العُدْمُ، بِوَجْهٍ أَكْسَفَ مِنْ بالِهِ، وَزِيٍّ أَوْحَشَ مِنْ حالِهِ، وَلِثَةٍ نَشِفَةٍ، وَشَفَةٍ قَشِفَةِ، وَرِجْلٍ وَحِلَةٍ، وَيَدٍ مَحِلَةٍ، وَأَنْيَابٍ َقد جَرَعهَا الضُّرُّ وَالعَيْشُ المُرُّ، وَسَلَّمَ فَازْدَرَتْهُ عَيْني، لكِنِّي أَجَبْتُهُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا خَيْرَاً مِمَّا يُظَنُّ بِنا، فَبَسَطْتُ لَهُ أَسِرَّةَ وَجْهِي، وَفَتَقْتُ لَهُ سَمْعِي،وََقُلْتُ لَهُ: إِيهِ، فَقَالَ: قَدْ أَرْضَعْتُكَ ثَدْيَ حُرْمَةٍ، وَشَارَكْتُكَ عِنَانَ عِصْمَةٍ، وَالمَعْرِفَةُ عِنْدَ الكِرَامِ حُرْمَةٌ، وَالمَوَدَّةُ لُحْمَةٌ، فَقُلْتُ: أَبَلَدِيٌّ أَنْتَ أَمْ عَشِيريٌّ فَقَالَ مَا يَجْمَعُنا إِلاَّ بَلَدُ الغُرْبَةِ وَلا يَنْظِمُنا إِلا رَحِمُ القُرْبَةِ فَقُلْتُ: أَيُّ الطَّريقِ شَدَّنَا في قَرَنٍ؟ قَالَ: طَريقُ اليَمَنِ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: أَنْتَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ؟ فَقَالَ: أَنا ذَاكَ، فَقُلْتُ: شَدَّ مَا هُزِلْتَ بَعْدِي! وَحُلْتَ عَنْ عَهْدي! فانْفُضْ إِلىَّ جُمْلَةَ حالِكَ، وَسَبَبَ اخْتِلاَلِكَ، فَقالَ: نَكَحْتُ خَضْرَاءَ دِمْنَةٍ، وَشَقِيتُ مِنهَا بِابْنَةٍ، فَأَنَا مِنهَا في مِحْنَةٍ، قَدْ أَكَلَتْ حَرِيبَتي، وَأَرَاقَتْ مَاءَ شَيْبَتي، فَقُلْتُ: هَلاَّ سَرَّحْتَ وَاسْتَرَحْتَ.

ثُمَّ ذَكَر كَلاَماً يَنْدَى لَهُ وَجْهُ الأَدب فَتعفَّفْنَا عَنْ ذِكْرِهِ وَالخَوْضَ فِيهِ.

حسن خليل
20-11-10, 12:59 PM
المقامة الحلوانية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامِ قَالَ: لَمَّا قَفَلْتُ مِنَ الحَجِّ فِيمَنْ قَفَلَ، وَنَزَلْتُ مَعَ مَنْ نَزلَ، قُلْتُ لِغُلامي: أَجِدُ شَعْرِي طَوِيلاً، وَقَدْ اتَّسَخَ بَدَنِي قَليلاً، فَاخْتَرْ لَنَا حَمَّامَاً نَدْخُلهُ، وَحَجَّامَاً نَسْتَعْمِلهُ، وَلِيَكُنْ الحَمَّامُ وَاسِعَ الرُّقْعَةِ، نَظِيفَ البُقْعَةِ، طَيِّبَ الهَوَاءِ، مُعْتَدِلَ المَاءِ، وَلْيِكُنْ الحَجَّامُ خَفِيفَ اليَدِ، حَدِيدَ المُوسَى، نَظيفَ الثِّيابِ، قَليلَ الفُضُولِ، فَخَرَجَ مَلِيّاً وَعَادَ بَطِيّاً، وَقالَ: قَدْ اخْتَرْتُهُ كَمَا رَسَمْتَ، فَأَخَذْنَا إِلَى الحَمَّامَ السَّمْتَ، وَأَتَيْناهُ فَلَمْ نَرَ قَوّامَهُ، لَكِنِّي دَخَلْتُهُ وَدَخَلَ عَلى أَثَرِي رَجُلٌ وَعَمَدَ إِلى قِطْعَةِ طِينٍ فَلطَّخَ بِها جَبِينِي، وَوَضَعَها على رأَسِي، ثُمَّ خَرَجَ وَدَخَل آخَرُ فَجَعَلَ يَدْلِكُنِي دَلْكَاً يَكُدُّ العِظامَ، وَيَغْمِزُنِي غَمْزَاً يَهُدُّ الأَوْصالَ وَيُصَفِّرُ صَفِيراً يَرُشُ البُزَاقَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى رَأَسِي يَغْسِلْهُ، وَإِلَى المَاءِ يُرْسِلهُ، وَمَا لَبِثَ أَنْ دَخَلَ الأَوَّلُ فَحَيَّا أَخْدَعَ الثَّانِي بِمَضُمومَةٍ قَعْقَعَتْ أَنْيابَهُ، وَقَالَ: يَا لُكَعُ مَا لَكَ وَلِهَذا الرَّأْسِ وَهُوَ لي؟ ثُمَّ عَطَفَ الثَّاني عَلى الأَوَّلِ بِمَجْمُوعَةٍ هَتَكَتْ حِجَابَهُ، وَقالَ: بَلْ هَذَا الرَّأْسُ حَقِّي وَمِلْكِي وَفِي يَدِي، ثُمَّ تَلاكَمَا حّتَّى عَيِيَا، وَتَحَاكَمَا لِما بَقِيا، فَأَتَيا صَاحِبَ الحَمَّامِ، فَقَالَ الأَوَّلُ: أَنَا صَاحِبُ هَذا الرَّأْسِ؛ لأَنِّي لَطَّخْتُ جَبِينَهُ، وَوَضَعْتُ عَلَيْهِ طِيَنهُ، وَقَالَ الثَّاني: بَلْ أَنَا مَالِكُهُ؛ لأَني دَلَكْتُ حَامِلَهُ، وَغَمَزْتُ مَفَاصِلَهُ، فَقَالَ الحَمَّامِيُّ: ائْتُونِي بِصَاحِبِ الرَّأْسِ أَسْأَلهُ، أَلَكَ هذَا الرَّأْسُ أَمْ لَهُ، فَأَتَيَانِي وَقَالا: لَنَا عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَتَجَشَّمْ، فَقُمْتُ وَأَتَيْتُ، شِئْتُ أَمْ أَبَيْتُ، فَقَالَ الحَمَّامِي: يَا رَجُلُ لاَ تَقُل غَيْرَ الصِّدْقِ، وَلا تَشْهَدْ بِغَيْرِ الحَقِّ، وَقُلْ لِي: هذَا الرَّأْسُ لأيِّهِمَا، فَقُلْتُ: يَا عَافَاكَ اللهُ هذَا رأْسِي، قَدْ صَحِبَنِي فِي الطَّرِيقِ، وَطَافَ مَعِي بِالْبَيْتِ العَتِيقِ، وَمَا شَككْتُ أَنَّهُ لِي، فَقالَ لِي: اسْكُتْ يِا فُضُولِيُّ، ثُمَّ مالَ إِلى أَحَدِ الخَصْمَيَنِ فَقَالَ: يَا هَذَا إِلَى كَمْ هَذِهِ المُنافَسَةُ مَعَ النَّاسِ، بِهذَا الرَّأْسِ؟ تَسَلَّ عَنْ قَلِيلِ خَطَرِهِ، إِلى لَعْنَةِ اللهِ وَحَرِّ سَقَرِهِ، وَهَبْ أَنَّ هَذا الرَّأْسَ لَيْسَ، وَأَنَا لَمْ نَرَ هذَا التَّيْسَ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُمْتَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ خَجِلاً، وَلَبِسْتُ الثِّيابَ وَجِلاً، وَانْسَلَلْتُ مِنْ الحَمَّامِ عَجِلاً، وَسَبَبْتُ الغُلاَمَ بِالعَضِّ وَالمصِّ، وَدَقَقْتُهُ دَقَّ الجِصِّ، وَقُلْتْ لآخَرَ: اذْهَبْ فَأْتِني بِحَجَّامٍ يَحُطُّ عَنِّي هَذا الثِّقَلَ، فَجَاءَني بِرَجُلِ لَطِيفِ البِنْيَةِ، مَلِيحِ الحِلْيَةِ، في صُورَةِ الدُّمْيَةِ، فارْتَحْتُ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ فَقَالَ: السَّلاَمُ عليْكَ، وَمِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ قُمَّ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اللهُ! مِنْ أَرْضِ النِّعْمَةِ وَالرَّفَاهَةِ وَبَلَدِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَلَقَدْ حَضَرْتُ فِي شَهْرِ رَمضانَ جَامِعَها وَقَدْ أُشْعِلَتْ فِيهِ المَصَابِيحُ، وَأُقِيَمتِ التَّرَاويحُ، فَمَا شَعَرْنا إِلاَّ بِمَدِّ النِّيلِ، وَقَدْ أَتَى عَلَى تِلْكَ القَنَادِيلِ، لكِنْ صَنَعَ اللهُ لِي بِخُفِّ قَدْ كُنْتُ لَبِسْتُهُ رطْباً فَلَمْ يَحْصُلْ طِرَازُهُ على كُمِّهِ، وَعَادَ الصَّبيُّ إِلِى أُمِّهِ، بَعْدَ أَنْ صَلَّيْتُ العَتَمَةَ واعْتَدَلَ الظِّلُّ، وَلَكِنْ كَيفَ كَانَ حَجُّكَ؟ هَلْ قَضَيْتَ منَاَسِكَهُ كَما وَجَبَ، وَصَاحُوا العَجَبَ العَجَبَ؟ فَنَظَرْتُ إِلى المَنَارَةِ، وَمَا أَهْوَنَ الحَرْبَ عَلى النَّظَّارَةِ، وَوجَدْتُ الهَرِيسَةَ عَلى حالِهَا، وَعَلِمْتُ أَنَّ الأَمْرَ بِقَضَاءٍ ِمنَ اللهِ وَقَدرٍ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الضَّجَرُ؟ وَاليَوْمُ وَغَدُ، وَالسَّبْتُ وَالأَحَدُ، وَلا أَطِيلُ وَمَا هَذا القَالَ وَالقِيلَ؟ وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ المُبَرِّدَ فِي النَّحْوِ حَدِيدُ المُوسَى فَلاَ تَشْتَغِلْ بِقَوْلِ العَامَّةِ؛ فَلَوْ كَانَتْ الاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ لَكُنْتُ قَدْ حَلَقْتُ رَأَسَكَ، فَهَلْ تَرَى أَنْ نَبْتَدِئَ؟.
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَبَقَيْتُ مُتَحَيِّراً مِنْ بَيَانِهِ، فِي هَذَيَانِهِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَطُولَ مَجْلِسَهُ، فَقُلْتُ: إِلى غَدٍ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْ حَضَرَ، فَقَالوا: هَذا رَجُلٌ مِنْ بِلادِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمْ يُوَافْقُهُ هَذا المَاءُ، فَغَلَبَتْ عَلْيِهِ السَّوْدَاءُ، وَهُو طُولَ النَّهارِ يَهْذِي كَمَا تَرَى، وَوَرَاءَهُ فَضْلٌ كَثِيرٌ، فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهِ، وَعَزَّ عَلَيَّ جُنُونُهُ، وَأَنْشأْتُ أَقُولُ:

أَنَا أُعْطِي اللهَ عَـهْـداً *** مُحكَماً في النَّذْرِ عَقْدَا
لا حَلَقْتُ الرَّأْسَ مَا عِشْـ *** تُ وَلَوْ لاقَيْتُ جَـهْـدَا

حسن خليل
20-11-10, 01:00 PM
المقامة النهيدية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: مِلْتُ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحابي إِلى فِنَاءِ خَيْمَةٍ أَلْتَمِسُ القِرى مِنْ أَهْلِها، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَجُلٌ حُزُقَةٌ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقُلْنَا: أَضْيافٌ لمْ يَذُوقُوا مُنْذُ ثَلاثٍ عَدُوفاً، قَالَ: فَتَنَحْنَحَ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا رَأْيُكُمْ يَا فِتْيَانُ فِي نَهِيدَةِ فِرْقٍ كَهامَةِ الأَصْلَعِ، في جَفْنَةٍ رَوْحاءَ، مُكَلَّلَةٍ بِعَجْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ أَكْتارِ جَبَّارٍ رَبُوضٍ الوَاحِدَةُ مِنْهَا تَمْلأُ الفَمَ، مِنْ جَماعَةٍ خُمْصٍ عُطْشِ خِمْسِ، يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ، كَأَنَّ نَوَاهَا أَلْسُنُ الطَّيْرِ يَجْحَفُونَ فِيهَا النَّهِيدَةَ مَعْ أَقْعُبٍ قَدِ احْتُلِبنَ مِنَ الجِلادِ الهَزْمِيَّةِ الرَّبْلِيَّةِ أَتَشْتَهُونَهَا يا فِتْيَانُ؟ فَقُلْنَا: إِي وَاللهِ نَْشَتهيهَا، فَقَهْقَهَ الشَّيْخُ وَقالَ: وَعَمُّكُمْ أَيْضَاً يَشْتَهِيهَا، ثُمَّ قَالَ: فَما رَأْيُكُمْ يا فِتْيَانُ فِي دَرْمَكٍ كَأَنَّهَا قِطَعُ السَّبَائِكِ تُجَرْثمُ عَلى سُفْرَةٍ حَرْتِيَّةٍ بِها رِيحُ القَرَظِ فَيَثِبُ إِلَيْهَا مِنْكُمْ فتى رَفِيفٌ، لَبِقٌ خَفِيفٌ، فَيَعَجُنُهُ مِنْ غَيْرِ أَن يَرْجُفَهُ أَوْ يَخْشِفَهُ، فَيُزِيُلهُ دُونَ مَلْكٍ نِاعِمٍ، ثُمَّ يَلُتُّهُ بِالسَّمَارِ أُوْ المَذْقِ لَتّاً غَزِيراً، ثُمَّ يَعْمَدُ إِلَيْهِ فَيَلْويهِ وَيَدَعُهُ في نَاحِيَةِ الصَّيْدَاءِ، حَتَّى إِذَا تَخَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْزُرَ عَمَدَ إِلى قَصَدِ الغَضَا فَأَشْعَلَ فِيهِ النَّارَ فَلَمَّا خبَتْ نَارُهُ، مَهَّدَ لِقُرْمُوصِهِ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى عَجِينِهَ فَفَرْطَحَهُ بَعْدَ مَا أَنْعَمَ تَلْويِثَهُ، ثُمَّ دَحَا بِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ خَمَّرَهُ فَلَمّضا قَفَّ وَقّبَّ أَحالَ عَلَيهِ مِنَ الرَّضْفِ ما يَلْتَقِي بِهِ الأَوَارَانِ، حَتّضى إِذَا غَطَّاهُمَا عَلى المَلَّةِ المُشاكِهَةِ بِطَبَقٍ وَتَفَلَّجَ شِقَاقَاً، وَحَكى قِشْرُها رُقَاقاً، وَاحْمِرَارُهَا احْمِرارَ بُسْرِ الحِجازِ المَشْهُورِ بِأُمِّ الجِرْذَانِ أَوْ عَذِقِ بْنُ طَابٍ شُنَّ عَلَيْهَا ضَرْبٌ بَيْضاءُ كَالثَّلْجِ إِلَى أَوَانِ رُسُوخِها فِي خِلالِ الدِّهانِ، وَيَشْرَبُ لُبُّ الدَّرْمَكِ ما عَلَيْهِ مِنَ الضَّرْبِ، قُدِّمَتْ إِلَيْكُمْ فَتَلْقَمُونَها لَقْمَ جُوَيْنٍ أَوْ زَنْكَلٍ أَفَتَشْتَهُونَهَا يَا فِتْيَانُ؟ قَالَ: فَاشْرَأَبَّ كُلُّ مِنَّا إِلى وَصْفِهِ، وَتَحَلَّبَ رِيقُهُ وَتَلَمَّظَ، وَتَمَطَّقَ، قُلْنَا: إِي وَاللهِ نَشْتَهيها، قَالَ: فَقَهْقَهَ الشَّيْخُ وَقَالَ: وَعَمُّكُمْ واللهِ لا يُبْغِضُهَا ثُمَّ قَالَ: ما رَأْيُكُمْ يا فِتْيِانُ في عَنَاقٍ نَجْدِيٍة، عُلْوِيَّةٍ بَرِّيَّةٍ، قَدْ أَكَلَتِ البَرَمَ وَالشِّيحَ النَّجْدِيَّ وَالقَيْصُومَ وَالهَشِيمِ، وَتَبَرَّضَتِ الحَمِيمَ، وَتَملاتْ مِنَ القَصِيصِ فَوَرى مُخُّها، وَزَهِمَتْ كُشْيَتُهَا تُشْحَطُ مُعْتَبَطَةٍ ثُمَّ تُنْكَسُ في وَطِيسٍ حَتَّى تَنْضَجَ مِنْ غَيْرِ امْتِحَاشٍ أَوْ إِنْهَاءٍ، ثُمَّ تُقَدَّمَ إِلَيْكُمْ وَقَدْ عُطَّ إِهَابُهَا عَنْ شَحْمَةٍ بَيْضاءَ عَلَى خِوانٍ مُنَضَّدٍ بِصَلاِئَق كَأَنَّهَا القَبَاطِيُّ المُنَشَّرُ، أَوِ القُوهِيُّ المُمَصَّرُ، وَقًدْ احْتَفَّتْها نُقْرَاتٌ فِيها صِنَابٌ وَأَصْباغٌ شَتَّى، فَتُوضَعُ بَيْنَكُمْ تَهَادَرُ عَرَقاً، وَتَسايَلُ مَرَقاً، أَفَتَشْتَهُونَهَا يا فِتْيَانُ؟ قُلْنا: إِي وَاللهِ نَشْتَهِيها، قَالَ: وَعَمُّكُمْ واللهِ يَرْقُصُ لَهَا، فَوَثَبَ بَعْضُنَا إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ: مَا يَكْفِي مَا بِنَا مِنَ الدَّقَعِ حَتَّى تَسْخَرَ بِنَا؟ فَأَتتْنا ابْنَتُهُ بِطَبَق عَلَيْهِ جِلْفَةٌ وَحُثَالَةٌ وَلَوِيَّةٌ وَأَكْرَمَتْ مَثْوَانَا، فَانْصَرَفْنَا لَهَا حَامِدِينَ، وَلَهُ ذَامِّينَ.

حسن خليل
20-11-10, 01:02 PM
المقامة الإبليسية لبديع الزمان

حَدَّثَنْا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ إِبِلاً لِي، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهَا، فَحَلَلْتُ بِوادٍ خَضِر، فَإِذَا أَنْهَارٌ مُصَرَّدَةٌ، وَأَشْجَارٌ بَاسِقَةٌ، وَأَثْمَارٌ يَانِعَةٌ، وَأَزْهَارٌ مُنَوِّرَةٌ، وَأَنْمَاطٌ مَبْسُوطَةٌ، وَإِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ، فَرَاعَنِي مِنْهُ مَا يَرُوعُ الوَحِيدَ مِنْ مِثْلِهِ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ عَلَيْكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَنِي بالجُلُوسِ فَامْتَثَلْتُ، وَسَأَلَنِي عَنْ حَالِي فَأَخْبَرْتُ، فَقَالَ لِي: أَصَبْتَ دَالَّتَكَ وَوَجَدْتَ ضَالَّتِكَ، فَهَلْ تَرْوِي مِنْ أَشْعَارِ العَرَبِ شَيْئاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَنْشَدْتُ لاِمْرِئِ القَيْسِ، وَعَبيدٍ وَلَبِيدٍ وَطَرَفَةَ فَلَمْ يَطْرَبُ لِشَيْئٍ مِنْ ذلِكَ، وَقالَ: أُنْشِدُكَ مشِنْ شِعْري؟ فَقُلتُ لَهُ: إِيهِ، فَأَنْشَدَ:


بَانَ الخَلِيطُ وَلَوْ طَوَّعْتَ ما بَانَا *** وَقَطَّعُوا مِنْ حِبَالِ الوَصْلِ أَقْرَانا

حَتَّى أَتَى عَلىَ القَصِيدَةِ كُلِّها، فَقُلُتُ: يَا شَيْخُ هَذِهِ القَصِيدَةُ لِجَرِيرٍ قَدْ حَفِظَتْهَا الصِّبْيَانُ، وَعَرَفَها النِّسْوانُ، وَوَلَجتِ الأَخْبِيةَ. وَوَرَدِتْ الأَنْدِيَة، فقالَ: دَعْني مِنْ هذَا، وَإِنْ كُنْتَ تَرْوِي لأَبي نُوَاسٍ شِعْراً فَأَنْشِدْنِيهِ، فَأَنْشَدْتُهُ:

لا أَنْدُبُ الدَّهْرَ رَبْعاً غَيْرَ مَأْنُوسِ *** وَلَسْتُ أَصْبُو إِلَى الحَادِينَ بِالْـعِـيسِ
أَحَقُّ مَنْزِلَةٍ بِالهَجْرِ مَنْزِلَةٌ *** وَصْـلُ الحَبِيبِ عَلَيْهَا غَيْرُ مَلْبُوسِ
يَا لَيْلَةً غَبَرَتْ مَا كَانَ أَطْيَبَهَا *** وَالْكُوسُ تَعْمَلُ فِي إِخْوَانِنَـا الـشُّـوسِ
وَشَادِنٍ نَطَقَتْ بِالْسِّحْرِ مُقْلَتُهُ *** مُزَنَّرٍ حــلْفَ تَسْبِيحِ وَتَقــــدِيسِ
نَازَعْتُهُ الرِّيقَ وِالصَّهْبَاءَ صَافِيَةًَ *** فِي زيِّ قَاضٍ وَنُسْكِ الشَّيْخِ إِبْلِـيسِ
لَمَّا ثَمِلْنَا وَكلُّ النَاسِ قَدْ ثَمِلوُا *** وَخِفْتُ صَرْعَتَهُ إِيَّاي بِالكُـــوسِ
غَطَطْتُ مُسْتَنْعِساً نوْماً لأُنْعِسَهُ *** فَاسْتَشْعَرَتْ مُقْلتَاهُ النَّوْمَ مِن كِيسِــي
وَامْتَدَّ فَوْقَ سَرِيرٍ كَانَ أَرْفَقَ بِي *** عَلـى تشَعُّثِهِ مِنْ عَرْشِ بَلْقِــيسِ
وَزُرْتُ مَضْجَعَهُ قَبْلَ الصَّبَاحِ وَقَدْ *** دَلَّتْ عَلى الصُّبْحِ أَصْوَاتُ النَّوَاقِيسِ
فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: القَسُّ زَارَ، *** وَلاَبُدُّ لِدَيْرِكَ مِنْ تَشْمِيسِ قِسْـيسِ
فَقَالَ: بِئْسَ لَعَمْرِي أَنْتَ مِنْ رَجُل *** ٍفَقُلْتُ كَلاَّ فَإِنِّي لَسْتُ بِـإِبْـلـيسِ

قَالَ: فَطَربَ الشَّيْخُ وَشَهَقَ وَزَعَقَ، فَقُلْتُ: قَبَّحَكَ اللهُ مِنْ شَيْخٍ لاَ أَدْري أَبِانْتِحَالِكَ، شِعْرَ جَرِيرٍ أَنْتَ أَسْخَفُ أَمْ بِطَرَبِكَ مِنْ شِعْرِ أَبي نُوَاسٍ وَهْوَ فُوَيْسِقٌ عَيَّارٌ؟؟. فَقَالَ: دَعْنِي مِنْ هَذاَ وَامْضِ عَلى وَجْهِكَ، فَإِذَا لَقِيتَ فِي طَرِيقِكَ رَجُلاً مَعَهُ نِحيٌ صَغِيرٌ يَدُورُ فِي الدُّورِ، حَوْلَ القُدُورِ، يُزْهِى بِحِلْيَتِهِ، وَيُبَاهِي بِلِحْيَتِهِ، فَقُلْ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى حُوتٍ مَصْرُورٍ، فِي بَعْضِ البُحورِ، مُخْطَفِ الخُصورِ، يَلْدَغُ كالزُّنْبُورِ، وَيَعْتَمُّ بِالنُّورِ، أَبُوهُ حَجَرٌ، وَأُمُّهُ ذَكَرٌ، وَرَأْسُهُ ذَهَبٌ، وَاسْمُهُ لَهَبٌ، وَباقِيهِ ذَنَبٌ، لهُ فِي المَلْبُوسِ، عَمَلُ السُّوسِ، وَهُوَ في البَيْتِ، آفَةُ الزَّيْتِ، شِرِّيبٌ لا يَنْقَعُ، أَكُولٌ لا يَشْبَعُ، بَذُولٌ لا يَمْنَعُ، يُنْمى إِلى الصُّعُودِ، وَلاَ يَنْقَصُ مَالُهُ مِنْ جُودٍ، يَسُوءُكَ مَا يَسُرُّهُ، وَيَنْفَعُكَ مَا يَضُرُّهُ، وَكُنْتُ أَكْتُمُكَ حَدِيثي، وَأَعِيشُ مَعَكَ في رَخَاءٍ، لَكِّنَكَ أَبَيْتَ فَخُذَ الآنَ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ إِلاَّ وَمَعْهُ مُعِينٌ مِنَّا، وَأَنَا أَمْلَيْتْ عَلَى جَرِيرٍ هذِهِ القَصِيدَةَ، وَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُرَّةَ. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ غَابَ وَلَمْ أَرَهُ وَمَضَيْتُ لِوَجْهِي، فَلَقِيتُ رَجُلاً فِي يَدِهِ مَذَبَّةُ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ صَاحِبي، وَقُلْتُ لَهُ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ فَنَاوَلنِي مِسْرَجَةً، وَأَوْمَأَ إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ مُظْلِمٍ، فَقَالَ: دُونَكَ الغَارَ، وَمَعكَ النَّار، قَالَ: فَدَخَلْتُهُ فَإِذَا أَنَا بإِبِلي قَدْ أَخَذَتْ سَمْتَهَا، فَلَوَيْتُ وَجُوهَهَا وَرَدَدْتُهَا، وَبَيْنَا أَنَا في تِلْكَ الحَالةِ في الغِيَاضِ أَدُبُّ الخَمَرَ، إِذْ بِأَبِي الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيِّ تَلَقَّانِي بِالسَّلاَمش، فَقُلْتُ: مَا حَدَاكَ وَيْحَكَ إِلَى هَذَا المَقامِ؟ قَالَ: جَوْرُ الأَيَّامِ، فِي الأَحْكَامِ، وَعَدَمُ الكِرَامِ، مِنَ الأَنَامِ، قُلتُ: فَاحْكُمْ حُكْمَكَ يا أَبَا الفَتْحِ، فَقَالَ: احْمِلنِي عَلَى قَعُودٍ، وَأَرِقْ لي مَاءً فِي عُودٍ، فَقلْتُ: لَكَ ذَلِكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

نَفْسِي فِـدَاءُ مُـحَـكِّـمٍ *** كَلَّفْتُهُ شَطَطَاً فَأَسْـجَـحْ
مَا حَكَّ لِـحْـيَتَـهُ، وَلاَ *** مَسَحَ المُخَاطَ، وَلاَ تَنَحْنَحَ

ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِخَبرِ الشَّيْخِ، فَأَوْمأَ إِلى عِمَامَتِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ ثَمَرَةُ بِرِّهِ، فَقُلتُ: يَا أَبَا الفَتْحِ شَحَذْتَ عَلى إِبْلِيسَ؟ إِنَّكَ لَشَحَّاذٌ!!

حسن خليل
20-11-10, 01:04 PM
المقامة الأرمنية لبديع الزمان

حدَثَّنَاَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ تِجَارَةِ إِرْمِيِنِّيَة أَهْدَتْنَا الفَلاَةُ إِلَى أَطْفَالِهَا، وَعَثَرْنَا بِهِمْ فِي أَذْيَالِهَا، وَأَنَاخُونَا بِأَرْضِ نَعَامَةٍ، حَتَّى اسْتَنْظَفُوا حَقَائِبَنا، وأَرَاحُوا رَكَائِبنَا، وَبقِينَا بَياضَ اليَوْمِ، وَقَدء نَظَمَنا القِدُّ أَحْزَاباً، وَرُبِطَتْ خُيُولُنَا اغْتِصَاباً. حتَّى أَرْدَفَ اللَّيْلُ أَذْنَابَهُ، وَمَدَّ النَّجْمُ أَطْنَابَهُ، ثُمَّ انْتَحَوْا عَجُزَ الفَلاَةِ، وَأَخَذْنَا صَدْرَها، وَهَلُمَّ جَرَّا، حَتَّى طَلَعَ حُسْنُ الفَجْرِ مِنْ نِقَابِ الحِشْمَةِ، وانْتُضِىَ سَيْفُ الصَّبْحِ مِنْ قِرَابِ الظُّلْمَةِ، فَمَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهَارِ، إَلاَّ عَلَى الأَشْعَارِ وَالأَبْشَارِ، وَمَا زِلْنَا بِالأَهْوَالِ نَدْرَأُ حُجُبَهَا، وَبِالْفَلَوَاتِ نَقْطَعُ نَجَبَها، حَتَّى حَلَلْنا المَرَاغَةَ، وَكُلٌّ مِنَّا انْتَظَمَ إِلى رَفِيقٍ، وَأَخَذَ فِي طَرِيقٍ، وَانْضَمَّ إِلَىَّ شَابٌّ يَعْلُوهُ صَفَارٌ، وَتعْلوهُ أَطْمَارٌ، يُكْنَى أَبَا الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيَّ، وَسِرْنَا فِي طَلَبِ أَبي جَابرٍ فَوَجَدْنَاهُ يَطْلُعُ مِنْ ذَاتِ لَظيً، تُسْجَرُ بِالغَضَا، فَعَمَدَ الإِسْكَنْدَرِيُّ إِلى رَجُلٍ فَاسْتَمَاحَهُ كفَّ مِلحٍ، وَقَالَ لِلْخَبَّازِ: أَعِرْنِي رَأْسَ التَّنُّورِ، فَإِنَّي مَقْرُورٌ، وَلَمَّا فَرَعَ سَنَامَهُ جَعَلَ يُحَدِّثُ القَوْمَ بِحَالِهِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِاخْتِلاَلَهِ، وَيَنْشُرُ المِلْحَ فشي التَّنُّورِ مِنْ تَحْتِ أَذْيَالهِ، يُوهِمُهُمْ أَنَّ أَذَىً بِثِيَابِهِ، فَقَالَ الخَبَّازُ: مَا لَكَ لا أَبَا لَكَ؟! اجْمَعْ أَذْيَالَكَ فَقَدْ أَفْسَدْتَ الخُبْزَ عَلَيْنَا، وَقَامَ إِلَى الرُّغْفَانِ فَرَمَاهَا، وَجَعَل الإِسْكَنْدَرِيُّ يَلْتَقِطُهَا، وَيَتَأَبَّطُهَا، فَأَعْجَبَتَني حِيَلتُهُ فِيمَا فَعَلَ، وَقاَل: اصْبِرْ عَلَيَّ حَتَّى أَحْتَالَ عَلَى الأَدْمِ، فَلاَ حِيلَةَ مَعَ العُدْمِ، وَصَارَ إِلى رَجُلٍ قَدْ صَفَّفَ أَوانيَ نَظِيفةً فيها أَلوانُ الأَلْبَانِ، فَسأَلَهُ عَنِ الأَثْمَانِ، وَاسْتَأْذَنَ في الذَّوْقِ، فَقَالَ: أفْعَلْ، فَأَدَارَ في الآنِيةِ إِصْبَعَهُ، كَأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئَاً ضَيَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مَعِي ثَمَنُهُ، وَهَلْ رَغْبَةٌ في الحِجَامَةِ؟ فَقالَ: قَبَّحَكَ اللهُ ! أَنْتَ حَجَّامٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَمَدَ لأَعْرَاضِهِ يَسُبَّهَا، وإِلَى الآنِيَةِ يَصُبُّهَا، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: آثِرْنِي عَلَى الشَّيْطانِ، فَقالَ: خُذْهَا لاَ بُورِكَ لَكَ فِيها، فَأَخَذَهَا وَأَوَيْنَا إِلى خَلْوَةٍ، وَأَكَلْنَاهَا بِدَفْعَةٍ، وَسِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَرْيَةً اسْتَطَعَمْنا أَهْلَهَا، فَبَادَرَ مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ فَتىً إِلَى مَنْزِلِهِ، فَجاءَنَا بِصَفْحَةٍ قَدْ سَدَّ اللَّبَنُ أَنْفاسَها، حَتَّى بَلَغَ رَأْسَهَا، فَجَعَلْنا نَتَحَسَّاها، حَتَّى اسْتَوفَيْناها، وسَأَلْناهُمُ الخُبْزَ، فَأَبَوا إِلاَ بِالثَّمَنِ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: مَا لَكُمْ تَجُودُونَ بِاللَّبَنِ، وَتَمْنَعُونَ الخُبْزَ إِلاَّ بِالثَمَنِ؟ فَقَالَ الغُلاَمُ: كَانَ هَذَا اللَّبَنُ فِي غَضَارةٍ، قَدْ وَقَعَتْ فَيهَ فَارَةٌ، فَنَحْنُ نَتَصَدَّقُ بِهِ على السَّيَّارَةِ، فَقالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: إِنَّا للهِ! وَأَخَذَ الصَّحْفَةَ فَكَسَرَهَا، فَصَاحَ الغُلاَمُ: وَاحَرَبَاهُ، وَامَحْرُوبَاهُ، فَاقْشَعَرَّتْ مِنَّا الجِلْدَةُ، وَانْقَلَبَتْ عَلَيْنَا المَعِدَةُ، وَنَفَضْنَا مَا كُنَّا أَكَلْنَاهُ، وَقُلْتُ: هَذا جَزَاءُ مَا بِالأَمْسِ فَعَلْنَاهُ، وَأَنْشأَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ يَقُولُ:


يَا نَفْسُ لاَ تَتَـغَـثَّـى *** فَالشَّهْـمُ لاَ يَتَـغَـثَّـا
مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرِ يَأْكلْ *** فِيهِ سَمِـينـاً وَغَـثَّـا
فَالْبَسْ لِدَهْـرٍ جَـدِيداً *** وَالْبَـسْ لآخَـرَ رَثَّـا

حسن خليل
20-11-10, 01:18 PM
المَقَامَةُ النَّاجِمِيَّةُ لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلةٍ في كَتِيبَةِ فَضْلٍ مِنْ رُفَقَائِي، فَتَذَاكَرْنَا الفَصَاحَةَ، وَمَا وَدَّعْنَا الحَدِيثَ حَتَّى قُرِعَ عَلَيْنَا البَابُ، فَقُلْتُ: مَنِ المُنْتَابُ؟ فَقَالَ: وَفْدُ الَّليْلِ وَبَرِيدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَرِيدُهُ، وَغَرِيبٌ نِضْوُهُ طَلِيحُ وَعَيْشُهُ تَبْرِيحٌ، وَمِنْ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ، وَضَيْفٌ ظِلُّهُ خَفِيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغِيفُ، فَهَلْ مِنْكُمْ مُضِيفٌ؟ فَتَبَادَرْنَا إِلى فَتْحِ البَابِ وَأَنَخْنَا رَاحِلَتَهُ، وَجَمَعْنَا رُحْلَتَهُ، وَقُلْنَا: دَارَكَ أَتَيْتَ، وَأَهْلَكَ وَافَيْتَ، وَهَلُّمَّ البَيْتَ، وَضَحِكْنَا إِلَيْهِ، وَرَحَّبْنَا بِهِ، وَأَرَيْنَاهُ ضَالَّتَهُ، وَسَاعَدْنَاهُ حَتَّى شَبِعَ، وَحَادَثْنَاهُ حَتَّى أَنِسَ، وَقُلْنَا: مَنِ الطَّالِعُ بِمَشْرِقِهِ، الفَاتِنُ بِمَنْطِقِهِ؟؟ فَقَالَ:لاَ يَعْرِفُ العُودَ كَالعَاجِمِ، وَأَنَا المَعْرُوفُ بِالنَّاجِمِ، عَاَشْرتُ الدَّهْرَ لأَخْبُرَهُ، فَعَصَرْتُ أَعْصُرَهُ، وَحَلَبْتُ أَشْطُرَهُ، وَجَرَّبْتُ النَّاسَ لأَعْرِفَهُمْ، فَعَرَفْتُ مِنْهُمْ غَثَّهُمْ وَسَمينَهُمْ، وَالغُرْبَةَ لأَذُوقَهَا، فَما لَمَحَتْني أَرْضٌ إِلاَّ فَقَأْتُ عَيْنَهَا، وَلا انْتَظَمَتْ رُفْقَةٌ إِلاَّ وَلَجْتُ بَيْنَها، فَأَنَا في الشَّرْقِ أُذْكَرُ، وفي الغَرْبِ لا أُنْكَرُ، فَما مَلِكٌ إِلاَّ وَطِئْتُ بِساطَهُ، وَلا خَطْبٌ إِلاَّ خَرَقْتُ سِمَاطِهُ، وَمَا سَكَنَتْ حَرْبٌ إِلاَّ وَكُنْتُ فِيها سَفِيراً، َقْد جَرَّبَنِي الدَّهْرُ فِي زَمَنَي رَخَائِهِ وَبُوسِهِ، وَلَقِيَنِي بِوَجْهِي بِشْرِهِ وَعُبُوسِهِ. فَمَا بُحْتُ لِبُوسِهِ إِلاَّ بِلَبُوسِهِ:


وَإِنْ كَاَنَ صَرْفُ الدَّهْرِ قِدْماً أَضَرَّ *** بِي وَحَمَّلَنِي مِنْ رَيْبِهِ مَا يُحَمِّلُ
فَقَدْ جَاءَ بِالإِحْسَانِ حَيْثُ أَحَلَّنِي *** مَحَلَّةَ صِدْقٍ لَيْسَ عَنْهَا مُـحَـوَّلُ

قُلْنَا: لا فُضَّ فُوكَ، واللهِ أَنْتَ وَأَبْوكَ، مَا يَحْرُمُ السُّكُوتُ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَلا يَحِلُّ النُّطْقُ إِلاَّ لَكَ، فَمِنْ أَيْنَ طَلَعْتَ؟ وَأَيَْ تَغْرُبُ؟ وَمَا الَّذِي يَحْدُو أَمَلَكَ أَمَامَكَ، وَيَسُوقُ غَرَضَكَ قُدَّامَكَ؟؟ قَالَ: أَمَّا الوَطَنُ فَاليَمَنُ، وَأَمَّا الوَطَرُ فَالمَطَرُ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَالضُّرُّ، وَالْعَيْشُ المُرُّ، قُلْنَا: فَلَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا المَكَانِ لَقَاسَمْنَاكَ العُمْرَ فَمَا دُونَهُ، وَلَصَادَفْتَ مِنَ الأَمْطَارِ ما يُزْرَعُ، وَمِنَ الأَنْوَاءِ ما يُكْرَع، قَالَ: مَا أَخْتَارُ عَلَيْكُمْ صَحْباً، وَلَقَدْ وَجَدْتُ فِنَاءَكُمْ رَحْباً، وَلَكِنَّ أَمْطَارَكُمْ مَاءٌ وَالمَاءُ لا يُرْوِي العِطَاشَ، قُلْنَا فَأَيُّ الأَمْطَارِ يُرْوِيكَ? قَالَ: مَطَرٌ خَلفَيٌّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:


سِجِسْتَانَ أَيَّتُـهَـا الـرَّاحِـلَةْ *** وَبَحْراً يَؤُّمُّ المُنَى سَاحِـلَـهْ
سَتَقْصِدُ أَرْجان إِنْ زُرْتَـهـا *** بِوَاحِـدَةٍ مَـائَةٍ كَـامِــلَةْ
وَفَضْلُ الأَمِيرِ عَلَى ابْنِ العَمِيدِ *** كَفَضْلِ قُرَيْشٌ عَلَى بَاهِـلَةْ

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَخَرَجَ وَوَدَّعْناهُ وَأَقَمْنَا بَعْدَهُ بُرْهَةً نَشْتَاقُهُ، وَيُؤْلِمُنَا فِرَاقُهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِيَوْمِ غَيْمٍ فِي سِمْطِ الثُّرَيَّا جُلُوسٌ إِذْ المَرَاكِبُ تُسَاقُ، وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ، وَإِذَا رَجُلٍ قَدْ هَجَمَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: مَنِ الهَاجِمُ؟ فَإِذَا شَيْخُنَا الناَّجِمُ، يَرْفُلُ في نَيْلِ المُنَى، وَذَيْلِ الغِنَى، فَقُمْنَا إِلَيْهِ مُعَانِقِينَ، وَقُلْنَا: مَا وَرَاءَكَ يَا عِصَامُ، فَقَالَ: جِمالٌ مُوَقَرَةٌ، وَبِغَالٌ مُثْقَلَةٌ، وَحَقَائِبَ مُقْفَلَةٌ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:


مَوْلايَ أَيُّ رَذِيلَةٍ لَـمْ يَأَبَـهَــا *** خَلَفٌ وَأَيُّ فَضِيلَةٍ لَمْ يَأْتِهـا؟
مَا يُسْمِعُ العَافِينَ إِلاَّ هَـاكَـهَـا *** لَفْظاً، وَلَيْسَ يُجَابُ إِلاَّ هَاتِهـا
إِنَّ المَكَارِمَ أَسْفَرَتْ عَنْ أَوْجُـهٍ *** بِيضٍ، وَكَانَ الخَالَ في وَجَنَاتِهَا
بِأَبِي شَمَائِلهُ الَّتِي تَجْلو الـعُـلاَ *** وَيَداً تَرَى البَرَكَاتِ فِي حَرَكَاتِهَا
مَنْ عَدَّهَا حَسَنَاتِ دَهْرٍ إِنَّـنِـي *** مِمَّنْ يَعُدُّ الدَّهْرَ مِنْ حَسَنَاتِهَـا

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَسَأَلْنَا اللهُ بَقَاءَهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا لِقَاءَهُ، وَأَقَامَ النًّاجِمُ أَيَّامَاً مُقْتَصِراً مِنْ لِسَانِهِ، عَلَى شُكْرِ إِحْسَانِهِ، وَلا يَتَصَرَّفُ مِنْ كَلاَمِهِ، إِلاَّ في مَدْحِ أَيَّامِهِ، وَالتَّحَدُّثِ بِإِنْعَامِهِ.

حسن خليل
20-11-10, 01:23 PM
المقامة الخلفية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا وُلِّيتُ أَحْكامَ البَصْرةِ، وَانْحَدَرْتُ إِلَيْهَا عَنْ الحَضْرَةِ، صَحِبَنِي فِي المَرْكَبِ شَابٌ كَأَنَّهُ العَافيَةُ فَي البَدَنِ، فَقَالَ: إِنِّي في أَعْطَافِ الأَرْضِ وَأَطْرَافِهَا ضَائِعٌ، لَكِنِّي أُعَدُّ مُعَدَّ أَلْفٍ، وَأَقُومُ مَقَامَ صَفٍّ، وَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَّخِذَني صَنِيعَةً، وَلا تَطْلُبَ مِنِّي ذَرِيعَةً، فَقُلْتُ: وَأَيُّ ذَرِيعَةٍ آكَدُ مِنْ فَضْلِكَ؟ وَأَيُّ وَسِيلَةٍ أَعْظَمُ مِنْ عَقْلِكَ؟؟ لا بَلْ أَخْدِمُكَ خِدْمَةَ الرَّفِيقِ، وَأَشَارِكُكَ في السَّعَةِ وَالضِّيقِ، وَسِرْنَا فَلَمَّا وَصَلْنَا البَصْرَةَ غَابَ عَنِّي أَيَّامَاً، فَضِقْتُ لِغَيْبَتِهِ ذَرْعاً، وَلَمْ أَمْلِكْ صَبْراً، فَأَخَذْتُ أُفَتِّشُ جُيُوبَ البَلَدِ حَتَّى وَجَدْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ؟ وَلِمَ هَجَرْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الوَحْشَةَ تَقْدَحُ فِي الصَدْرِ اقْتِدَاحَ النَّارِ فِي الزَّنْدِ، فَإِنْ أُطْفِئَتُ بَادَتْ وَتَلاشَتْ، وَإِنْ عَاشَتْ، طَارَتْ وَطَاشَتْ، وَالقَطْرُ إِذَا تَتَابَعَ على الإِنَاءِ امْتَلأَ وَفَاضَ، وَالعَتَبُ إِذَا تُرِكَ فَرَّخَ وَبَاضَ، وَالحُرُّ لا يَعْلَقُهُ شَرَكٌ كَالعَطَاءِ، وَلا يَطْرُدُهُ سَوْطٌ كَالجَفَاءِ، وَعَلَى كُلِّ حالٍ، نَنْظُرُ مِنْ عَالٍ، عَلى الكَريمِ نَظَرَ إِدْلالٍ، وَعَلى الْلَّئِيمِ نَظَرَ إِذْلالٍ، فَمَنْ لَقِينَا بِأَنَفٍ طَويلٍ، لَقِيناهُ بِخُرْطُومِ فِيلٍ، وَمَنْ لَحَظَنَا بِنَظَرٍ شَزْرٍ، بِعْنَاهُ بِثَمَنٍ نَزْرٍ، وَأَنْتَ لَمْ تَغْرِسْنِي لِيَقْتَلِعُنِي غُلاَمَكَ، وَلا اشْتَرَيْتَني لِتَبِيعَني خُدَّامَكَ، وَالمَرْءُ مِنْ غِلْمِانِهِ، كَالْكِتَابِ مِنْ عُنْوَانِهِ، فَإِنْ كَانَ جَفَاؤُهُمْ شَيْئاً أَمَرْتَ بِهِ فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلِمْتَ بِهِ كَانَ أَعْجَبَ!! ثُمَّ قَالَ:

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَعْرَضَ وَتَبِعْتُهُ أَسْتَعْطِفُهُ، وَمَا زِلْتُ أُلاطِفُهُ حَتَّى انْصَرفَ، بَعْدَ أَنْ حَلَفَ أَنْ لا أَوْرَدْتُ مَنْ أَسَاءَ عِشْرَتَهُ، فَوَهَبْتُ لَهُ حُرْمَتَهُ.

ظَفِرَتْ يَدَا خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ؛ إِنَّهُ *** سَهْلُ الفِنَاءِ مُـؤَدَّبُ الـخُـدَّامِ
أَوْ مَا رَأَيْتَ الجُودَ يَجْتَازُ الوَرى *** وَيَحِلُّ مِنْ يَدِهِ بِـدَارِ مُـقَـامِ

حسن خليل
20-11-10, 01:24 PM
المقامة النيسابورية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِنَيْسابُورَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَحَضَرْتُ المَفْرُوضَةَ، وَلَمَّا قَضَيْتُهَا اجْتَازَ بِي رَجُلٌ قَدْ لَبِسَ دَنِّيَّةً وَتَحَنَّكَ سُنِّيَّةً، فَقُلْتُ لِمُصَلٍّ بِجَنْبي: مَنْ هَذا؟ قَالَ: هَذا سُوسٌ لا يَقَعُ إِلاَّ فِي صُوفِ الأَيْتامِ، وَجَرَادٍ لا يَسْقُطُ إِلاَّ عَلى الزَّرْعِ الحَرَامِ وَلِصٌّ لا يَنْقُبُ إِلاَّ خِزَانَةَ الأَوْقَافِ، وَكُرْدِيٌّ لاَ يُغِيرُ إِلاَّ عَلى الضِّعَافِ، وَذِئْبٌ لا يَفْتَرِسُ عِبَادَ اللهِ إِلاَّ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمُحَارِبٌ لا يَنْهَبُ مَالَ اللهِ إِلاَّ بَيْن العُهُودِ وَالشُّهُودِ وَقَدْ لَبِسَ دَنِّيَّتَهُ، وَخَلَعَ دِينِيَّتَهُ، وَسَوَّى طَيْلَسَانَهُ، وَحَرَّفَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ، وَقَصَّرَ سِبَالَهُ، وَأَطَالَ حِبَالَهُ، وَأَبْدَى شَقَاشِقَهُ، وَغَطَّي مَخَارِقَهُ وَبَيَّضَ لِحْيَتَهُ، وَسَّوَدَ صَحِيفَتَهُ، وَأَظْهَرَ وَرَعَهُ، وَسَتَرَ طَمَعَهُ فَقُلْتُ لَعَنَ اللهُ هَذَا فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجْلٌ أُعْرَفُ بِالإِسْكَنْدَرِيِّ، فَقُلْتُ: سَقي اللهُ أَرْضَاً أَنْبَتَتْ هَذا الفَضْلَ، وَأَباً خَلًّفَ هذا النَّسْلَ، فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الكَعْبَةَ، فَقُلْتُ: بَخٍّ بَخٍّ بِأَكْلِهَا وَلَما تُطْبَخْ، وَنَحْنُ إِذاً رِفَاقٌ فَقَالَ: كَيْفَ ذلِكَ وَأَنَا مُصَعِّدٌ وَأَنْتَ مُصَوِّبُ؟! قُلْتُ: فَكَيْفَ تُصَعِّدُ إِلَى الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي أُرِيدُ كَعْبَةَ المُحْتَاجِ، لاَ كَعْبَةَ الحُجَّاجِ، وَمَشْعَرَ الكَرَمِ، لاَ مَشْعَرَ الحَرَمِ، وَبَيْتَ السَّبْيِ، لا بَيْتَ الهَدْيِ، وَقِبْلَةَ الصِّلاتِ، لا قِبْلِةَ الصَّلاةِ، وَمِنَى الضَّيْفِ، لا مِنَى الخَيْفِ، قُلْتُ: وَأَيْنَ هَذِهِ المَكَارِمُ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

بِحَيثُ الدِّينُ وَالمَلِكُ المُـؤَيَّدْ *** وَخَدُّ المَكْرُمَاتِ بِهِ مُـوَرَّدْ
بِأَرْضٍ تَنْبُتُ الآمَالُ فِـيهَـا *** لأنَّ سَحَابَهَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدُ.

حسن خليل
20-11-10, 01:25 PM
المقامة العلمية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عَيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: كُنْتُ فِي بَعْضِ مَطَارحِ الغُرْبَةِ مُجْتَازَاً، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ لآخَرَ: بِمَ أَدْرَكْتَ العِلْمَ؟ وَهُوَ يُجِيبُهُ، قَالَ: طَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ بَعِيدَ المَرَامِ، لا يُصْطَادُ بِالسِّهَامِ، وَلا يُقْسَمُ بالأَزْلامِ، وَلا يُرَى في المَنَامِ، وَلا يُضْبَطُ بِالِّلجَامِ، وَلا يُورَثُ عَنِ الأَعْمَامِ، وَلا يُسْتَعَارُ مِنَ الكِرَامِ، فَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِافْتِرَاشِ المَدَرِ، وَاسْتِنَادِ الحَجَرِ، وَرَدِّ الضَّجَرِ، وَرُكُوبِ الخَطَرِ، وَإِدْمَانِ السَّهَرِ، وِاصْطِحَابِ السَّفَرِ، وَكَثْرةِ النَّظَرِ، وَإِعْمَالِ الفِكَرِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْئاً لا يَصْلُحُ إِلاَّ لِلْغَرْسِ، وَلاَ يُغْرَسُ إِلاَّ بِالنَّفْسِ، وَصَيْداً لاَ يَقَعُ إِلاَّ فِي النَّدْرِ، وَلا يَنْشَبُ إِلاَّ فِي الصَّدْرِ، وَطَائِراً لا يَخْدَعُهُ إِلاَّ قَنَصُ الَّلفْظِ، وَلاَ يَعْلَقُهُ إِلاَّ شَرَكُ الحِفُظِ، فَحَمَلْتُهُ عَلى الرُّوحِ، وَحَبَسْتُهُ عَلى العَينِ. وَأَنْفَقْتُ مِنَ العَيْشِ، وَخَزَنْتُ فِي القَلْبِ، وَحَرَّرْتُ بِالدَّرْسِ، وَاسْتَرَحْتُ مِنَ النَّظَرِ إِلى التَّحْقِيقِ، وِمِنَ التَّحْقِيقِ إِلى التَّعْلِيقِ، وِاسْتَعَنْتُ فِي ذَلِكَ بِالتَّوْفِيقِ، فَسَمِعْتُ مِنَ الكَلامِ مَا فَتَقَ السَّمْعَ وَوَصَلَ إِلَى القَلْبِ وَتَغَلْغَلَ فِي الصَّدْرِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى، وَمِنْ أَيْنَ مَطْلَعُ هَذِهِ الشَّمْسِ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ:

إِسْكَـنْـدَرِيَّةُ دَارِي *** لَوْ قَرَّ فِيهَا قَرَارِي
لكِنَّ بِالشَّامِ لَـيْلِـي *** وَبالْعِرَاقِ نَهارِي.

حسن خليل
20-11-10, 01:27 PM
المقامة الوصية لبديع الزمان

حَدَثَّنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا جَهَّزَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ وَلَدَهُ لِلْتِّجَارَةِ أِقْعَدَهُ يُوَصِّيهِ، فَقَالَ بَعْدَ مَا حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسْولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي وَإِنْ وَثِقْتُ بِمَتَانَةِ عَقْلِكَ، وَطَهَارَةُ أَصْلِكَ، فَإِنِّي شَفِيقٌ، وَالشَّفِيقُ سَيِّئُ الظَّنِّ، وَلَسْتُ آمَنُ عَلْيكَ النَّفْسَ وَسُلْطَانَهَا، وَالشَّهْوَةَ وَشَيْطَانَهَا، فَاسْتَعِنْ عَليْهِما نَهارَكَ باِلصَّوْمِ وَلَيْلَكَ بِالنَّوْمِ، إِنَّهُ لَبُوسُ ظِهَارَتُهُ الجُوعُ، وَبِطَانُتُهُ الهُجُوعُ، وَمَا لَبِسَهُمَا أَسَدُّ إِلاَّ لانَتْ ثَوْرَتُهُ، أَفَهِمْتَهُمَا يَابْنَ الخَبِيثَةِ؟ وَكَمَا أَخْشَى عَلَيْكَ ذَاكَ، فَلاَ آمَنُ عَلَيْكَ لِصَّيْنِ: أَحَدُهُمَا الكَرَمُ، وَاسْمُ الآخَرِ القَرَمُ، فإِياَّكَ وَإِيَّاهُمَا؛ إِنَّ الكَرَمَ أَسْرَعُ فِي المَالِ مِنَ السُّوسِ، وَإِنَّ القَرَمَ أَشْأَمُ مِنَ البَسُوسِ. وَدَعْنِي مِنْ قَوْلِهِمْ " إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ " إِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِّي عَنِ اللَّبَنِ، بَلَى إِنَّ اللهَ لَكَرِيمٌ، وَلَكِنَّ كَرَمَ اللهِ يَزِيدُنَا وَلا يَنْقُصُهُ، وَيَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّهُ، وَمَنْ كَانَتْ هذِهِ حَالُهُ، فَلْتَكْرُمُ خِصَالُهُ، فَأَمَّا كَرَم ٌلا يَزِيدُكَ حَتَّى يَنْقُصِني، وَلا يَرِيشُكَ حَتَّى يَبْرِيَنِي، فَخِذلاَنٌ لا أَقُولُ عَبْقَرِيُّ، وَلَكِنْ بُقَرِيُّ. أَفَهِمْتَهُمَا يَا ابْنَ المَشْؤُومَةِ؟ إِنَّمَا التِّجَارَةُ، تُنْبِطُ المَاءَ مِنَ الحِجَارَةِ، وَبَيْنَ الأَكْلَةِ وَالأَكْلَةِ رِيحُ البَحْرِ، بَيْدَ أَنْ لا خَطَرَ، وَالصِّينُ غَيْرَ أَنْ لا سَفَرَ، أَفَتَتْرُكُهُ وَهْوَ مُعْرِضٌ ثٌمَّ تَطْلُبُهُ وَهْوَ مُعْوَزٌ؟ أَفَهِمْتَهَا لا أُمَّ لَكَ؟ إِنَّهُ المَالُ عَافَاكَ اللهُ فَلا تُنْفِقَنَّ إِلاَّ مِنْ الرِّبْحِ، وَعَلَيْكَ بِالخُبْزِ واَلمِلْحِ، وَلَكَ في الخَلِّ والبَصَلِ رُخْصَةٌ مَا لَمْ تُذِمَّهُمَا، وَلَمْ تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَاللَّحْمُ لَحْمُكَ وَمَا أَرَاكَ تَأْكُلُهُ، وَالحُلْوُ طَعَامُ مَنْ لا يُبَالي عَلى أَيِّ جَنْبَيْهِ يَقَعُ، وَالوَجَبَاتُ عَيْشُ الصَالِحِينَ، وَالأكْلُ على الجُوعِ وَاقِيَةَ الفَوْتِ، وَعَلى الشِبَعِ دَاعِيَةُ المَوْتِ، ثُمَّ كُنْ مَعَ النَّاسِ كَلاعِبِ الشِّطْرَنْجِ: خُذْ كُلَّ مَا مَعَهُمْ، وَاحْفَظْ كُلَّ مَا مَعَكَ.
يَا بُنَيَّ قَدْ أَسْمَعْتُ وَأَبْلَغْتُ، فَإِنْ قَبِلْتَ فَاللهُ حَسْبُكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ فاَللهُ حَسِيبُكَ، وَصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

حسن خليل
20-11-10, 01:29 PM
المقامة الصيمرية لبديع الزمان

حَدَثَّنا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: قاَلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المَعْرُوفُ بِأَبِي العَنْبَسَ الصَّيْمَرِيُّ: إِنَّ مِمَّا نَزَلَ بِي مِنْ إِخْوانِي الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهُمْ وَانْتَخَبْتُهُمْ وَادَّخَرْتُهُمْ لِلشَّدَائِدِ مَا فِيهِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ وَأَدَبٌ لِمَنْ اعْتَبَرَ وَاتَّعَظَ وَتَأَدَبَ.

وَذَلِكَ أَنِّي قَدِمْتُ مِنَ الصَّيْمَرَةِ إِلَى مَدِينَةِ السَّلامِ، وَمَعِي جِرَابُ دَنَانِيرَ وَمِنَ الخُرْثِيِّ وَالآلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لا أَحْتَاجُ مَعَهُ إِلى أَحَدٍ، فَصَحِبْتُ مِنْ أَهْلِ البُيُوتَاتِ والكُتَّابِ والتُّجَّارِ، وَوُجُوهِ الثَّنَاءِ مِنْ أَهْلِ الثَرْوَةِ وَاليَسَارِ، وَالجِدَةِ والعَقَارِ، جَمَاعَةً اخْتَرْتُهُمْ لِلْصُحْبَةِ، وَادَّخَرْتُهُمْ لِلْنَّكْبَةِ، فَلَمْ نَزَلْ في صَبُوحٍ وَغَبُوقٍ، نَتَغَذَّى بِالجَدَايا الرُّضَعِ وَالطَّبَاهِجَاتِ الفَارِسِيَّةِ، وَالمُدَقَّقَاتِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ، وَالقَلاَيَا المُحْرِقَةِ وَالكَبَابِ الرَّشِيدِي وَالحُملانِ، وَشَرَابُنَا نَبِيذُ العَسَلِ، وَسَمَاعُنَا مِنَ المُحْسِنَاتِ الحُذَّاقِ، المَوْصُوفَاتِ فِي الآفَاقِ، وَنَقْلُنَا اللَّوْزُ المُقَشَّرُ وَالسُّكَّرُ وَالطَّبَرْزَدُ، وَرَيْحَانُنَا الوَرْدُ وَبًخُورُنَا النَّدُّ، وَكُنْتُ عِنْدَهُمْ أَعْقَلَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَبَّاسٍ.

وَأَظْرَفَ مِنْ أَبي نُواسٍ، وَأَسْخَى مِنْ حَاتِمٍ، وَأَشْجَعَ مِنْ عَمْرو، وَأَبْلَغَ مِنْ سَحْبَانِ وَائِلٍ وَأَدْهَى مِنْ قَصِيرٍ، وَأَشْعَرَ مِنْ جَرِيرٍ، وَأَعْذَبَ مِنْ مَاِء الفًرَاتِ، وَأَطْيَبَ مِنَ العَافِيِةِ، لبِذَلْيِ وَمُرُوءَتِي، وَإِتْلافِ ذَخِيرَتِي، فَلَمَّا خَفَّ المَتَاعُ، وَانْحَطَّ الشِّرَاعُ وَفَرَغَ الجِرَابُ، تَبَادَرَ القَوْمُ البَابَ، لَمَّا أَحَسُّوا بِالقِصَّةِ، وَصَارَتْ في قُلُوبِهِم غُصَّةً، وَدَعَوْنِي بَرْصَةً، وَاْنَبَعُثوا لِلْفِرَارِ كَرَمْيَةِ الشَّرَارِ، وأَخَذَتْهُمُ الضُّجْرَةُ، فَانْسَلُّوا قَطْرَةً قَطْرَةً، وَتَفَرَّقُوا يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَبَقِيتُ عَلى الآجُرَّةِ، قَدْ أَوْرَثُونِي الحَسْرَةَ، وَاشْتَمَلَتْ مِنْهُمْ عَلى العَبْرَةُ لا أُسَاوِي بَعْرَةً، وَحِيداً فَرِيداً كَالُبومِ، المَوسُومِ بَالشُّومِ، أَقَعُ وَأَقُومُ، كَأَنَّ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ، وَنَدِمْتُ حِينَ لَمْ تَنْفَعْنِي النَّدَامَةُ، فَبُدِّلْتُ بِالجَمَالِ وَحْشَةً، وَصَارَتْ بِي طُرْشَةٌ، أَقْبَحُ مِنْ رَهْطَةَ المُنَادِى، كَأَنِّي رَاهِبٌ عِبَادِيٌّ، وَقَدْ ذَهَبَ المَالُ وَبَقِيَ الطَّنْزُ، وَحَصَلَ بِيَدِي ذَنَبُ العَنْزِ، وَحَصَلْتُ في بَيْتِي وَحْدِي مُتَفَتِّتَةً كَبِدِي، لِتَعْسِ جَدِّي، قَدْ قَرَّحَتْ دُمُوعِي خَدِّي، أْعمُرُ مَنْزِلاً دَرَسَتْ طُلُولُهُ، وَعَفَتْ مَعَالِمَهُ سُيُولُهُ، فَأَضْحَى وَأَمْسَى بِرَبْعِهِ الوُحُوش، تَجُولُ وَتَنُوشُ، وَقَدْ ذَهَبَ جَاهِي، وَنَفِدَتْ صِحاحِي، وَقَلَّ مَرَاحِي، وَسَلَحْتُ فِي رَاحِي، وَرَفَضَنِي النُّدَمَاءِ، وَالإِخَوَانُ القُدَمَاءُ، لا يُرْفَعُ لِي رَأْسٌ، وَلا أُعَدُّ مِنَ النَّاسِ، أَوْتَحُ مِنَ بَزِيع الهَرَّاسِ وَرَزِينٍ المَّراسِ، أَتَرَدَّدُ عَلى الشَّطِّ، كَأَنِّي رَاعِي البَطِّ، أَمْشِي وَأَنَا حَافي، وَأَتْبَعُ الفَيَافِي، عَيْنِي سَخِينَةٌ، وَنَفْسِي رَهِينَةٌ، كَأَنِّي مَجْنُونٌ قَدْ أَفْلَتَ مِنْ دَيْرٍ، أَوْ عَيْرٌ يَدٌورٌ فَي الحَيْرِ، أَشَدُّ حُزْناً مِنَ الخَنْسَاءِ عَلى صَخْرٍ.

وَمِنْ هِنْدٍ عَلى عَمْرو وَقَدْ تَاهَ عَقْلِي، وَتَلاَشَتْ صِحَّتِي، وَفَرَغَتْ صُرَّتي، وَفَرَّ غُلامِي، وَكَثُرَتْ أَحْلامِي، وَجِزْتُ في الوَسْوِاسِ المِقْدَارَ، وَصِرْتُ بِمَنْزِلَةِ العُمّارِ، وَشَيْطانِ الدَّارِ، أَظْهَر بِالَّليْلِ وَأَخْفَى بِالنَّهَارِ أَشأَمُ مِنْ حَفَّارٍ وَأَثْقَلُ مِنْ كِراء الدْارِ وَأْرَعَنُ مِنْ طَيْطَىءِ القَصَّارِ وَأَحْمَقُ مِنْ دَاوُدَ العَصَّارِ وَقَدْ حَالَفَتْنِي القِلَّةُ وَشَمَلَتْنِي الذِّلْةُ ، وَخَرَجْتُ مِنَ المِلَّةِ، وَأَبْغَضْتُ فِي اللهِ، وَكُنْتُ أَبَا العَنْبَسِ، فَصِرْتُ أَبَا عَمَلَّسِ. قَدْ ضَلِلْتُ المَحَجَّةَ، وَصَارَتْ عَلَيَّ الحُجَّةُ، لا أَجِدُ لِي نَاصِراً، وَالإِفْلاسُ عِنْدِي أَرَاهُ حَاضِراً، فَلَمَّا رَأَيْتُ الأَمْرَ قَدْ صَعُبَ، وَالزَّمَانَ قَدْ كَلِبَ، التَمَسْتُ الدِّرْهَمَ فَإِذَا هُوَ مَعَ النَّسْرَيْنِ، وَعِنْدَ مُنْقَطِعِ البَحْرَيْنِ، وَأَبْعَدَ مِنْ الفَرْقَدَيْنِ. فَخَرَجْتُ أَسِيحُ كَأَنِّيَ المَسِيحُ، فَجُلْتُ خُرَاسَانَ، وَالخَرابَ مِنْهَا وَالعُمْرَانَ، إِلَى كَرْمَانَ وَسِجِسْتَانَ، وَجيلاَنَ إِلَى طُبْرِسْتَانَ وَإِلَى عُمَانَ إِلَى السِّنْدِ، وَالهِنْدِ، وَالنَّوبَةِ، وَالقُبْطِ، وَاليَمَنِ، وَالحِجَازِ، وَمَكَّةَ، وَالطَّاِئِف، أَجُولُ البَرَارِيَّ وَالْقِفَارِ، وَأَصْطَلِي بِالَّناِر، وَآوِي مَعَ الحِمَارِ، حَتَّى اسْوَدَّتْ وَجْنَتَايَ، وَتَقَلَّصَتْ خُصْيَتَايَ، فَجَمَعْتُ مِنَ النَّوَادِرِ وَالأَخْبَارِ وَالأَسْمَارِ، وَالفَوَائِدِ وَالآثَارِ، وَأَشْعَارِ الْمُتَطَرِّفِينَ، وَسُخْفِ المُلْهِينَ، وَأَسْمَارِ المُتَيَّمِينَ، وَأَحْكَامِ المُتَفَلْسِفِينَ، وَحِيَلِ المُشَعْوِذِينَ، وَنَوَامِيسِ المُتَمَخْرِقِينَ، وَنَوَادِرِ المُنَادِمِينَ، وَرَزْقِ المُنَجِّمِينَ، وَلُطْفِ المُتَطَبِّبِينَ، وَكِيِاَدِ المُخَنَّثِينَ، وَدَخْمَسَةِ الجَرَابِذَةِ، وَشَيْطَنَةِ الأَبَالِسَةِ، وَمَا قَصَّرَ عَنْهُ فُتْيَا الشَّعْبِيِّ، وَحِفْظُ الضَّبِيِّ. وَعِلْمُ الكَلْبِيِّ. فَاْسَتْرَفْدْتُ وَاجْتَدَيْتُ، وَتَوَسَّلْتُ وَتَكَدَّيْتُ، وَمَدَحْتُ وَهَاجَيْتُ، حَتَّى كَسَبْتُ ثَرْوَةً مِنَ المَالِ، وَاتَّخَذْتُ مِنْ الصَّفَائحِ الهِنْدِيَّةِ، وَالقْضُبِ اليَمَانِيَّةِ، وَالدُّرُوعِ السَّابِرِيَّةِ. وَالدَّرَقِ التُّبَّتيَّةِ، وَالرِّمَاحِ الخَطِّيَّةِ، وَالحِرَابِ البَرْبَرِيَّةِ، وَالخَيْلِ العِتَاقِ الجُرْدِيَّةِ، وَالبِغَالِ الأَرْمَنِيَّةِ، وَالحُمْرُ المَرِيسِيَّةِ، وَالدَّيَابِيجِ الرُّومِيَّةِ، وَالْخُزُوزِ السُّوسِيَّةِ، وَأَنْواعِ الطُّرَفِ وَالُّلطُفِ، وَالهَدَايَا وَالتُّحَفِ، مَعَ حُسْنِ الحَالِ، وَكَثْرةِ المَالِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ بَغْدَادَ وَوَجَدَ القَوْمُ خَبَري، وَمَا رُزقْتُهُ فِي سَفَرِي، سُّرُّوا بِمَقْدَمِي، وَصَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيَّ، يَشْكُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الوَحْشَةِ لِفَقْدِي، وَمَا نَالَهُمْ لِبُعْدِي، وَشَكَوْا شِدَّةَ الشَّوْقِ، وَرُزْءَ التَّوْقِ وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْتَذِرُ مِمَّا فَعَلَ، وَيُظْهِرُ النَّدَمَ عَلى مَا صَنَعَ، فَأَوْهَمْتُهُمْ أَنِّي قَدْ صَفَحْتُ عَنْهُمْ، وَلَمْ أْظْهِرْ لَهُمْ أَثَرَ المَوْجِدَةِ عَلَيهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ، فَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَكَنَتْ جَوَارحُهُمْ، وَانْصَرَفُوا عَلى ذَلِكَ، وَعَادُوا إِليَّ فِي اليَوْمِ الثَّانِي، فَحَبَسْتُهُمْ عِنْدِي، وَوَجَّهْتُ وَكِيلي إِلَى السُّوقِ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئَاً تَقَدَّمْتُ بِشِرَائِهِ إِلاَّ أَتَى بِهِ، وَكَانَتْ لَنَا طَبَّاخَةٌ حَاذِقَةٌ؛ فَاتْخَذْتُ عِشْرِينَ لَوْنَاً مِنْ قَلاَيَا مُحْرِقَاتٍ، وَأَلْوَاناً مِنْ طَبَاهِجَاتٍ، وَنَوادِرَ مُعَدَّاتٍ، وَأَكَلْنَا وَانْتَقَلْنَا إِلَى مَجْلِسِ الشَّرَابِ، فَأُحْضِرَتْ لَهُمْ زَهْرَاءٌ خَنْدَرِيسِيَّةٌ، وَمُغَنِّيَاتٌ حِسَانٌ مُحْسِنَاتٌ، فَأَخَذُوا فِي شَأْنِهِمْ وَشَرِبْنَا، فَمَضَى لَنَا أَحْسَنُ يَوْمٍ يَكُونُ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَعْدَدْتُ لَهُمْ بِعَدَدِهِمْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَنّاً مِنْ صِنَانِ البَاذِنْجَانِ، كُلُّ صَنٍّ بِأَرْبَعَةِ آذَانٍ، واسْتَأْجَرَ غُلاَمِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمَّالاً، كلُّ حَمَّالٍ بِدِرْهَمينِ، وَعَرَّفَ الحَمالِينَ مَنَازِلَ القَوْمِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالمُوَافَاةِ بِعِشاَءِ الآخِرَةِ، وَتَقَدَّمْتُ إِلى غُلاَمي وَكَانَ دَاهِيَةً أَنْ يَدْفَعَ إِلَى القَوْمِ بِالْمَنِّ وَالرَّطْلِ، وَيَصْرِفَ لَهُمْ، وَأَنَا أُبَخِّرُ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ النَّدَّ وَالعُودَ وَالعَنْبَرَ، فَمَا مَضَتْ سَاعَةٌ إِلاَّ وَهُمْ مِنَ السُّكْرِ أَمْوَاتُ لاَ يَعْقِلُونَ وَوَافَانَا غِلْمَانُهُمْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِدَابَّةٍ أَوْ حِمارٍ أَوْ بَغْلَةٍ، فَعَرَّفْتُهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدِي الَّلْيلَةَ بَائِتُونَ، فَانْصَرَفُوا، وَوَجَّهْتُ إِلى بِلاَلٍ المُزَيِّنِ فَأَحْضَرْتُهُ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ طَعَاماً فَأَكَلَ، وَسَقَيْتُهُ مِنَ الشَّرَابِ القُطْرُ بُّلىً، فَشَرِبَ حَتَّى ثَمِلَ، وَجَعَلْتُ فِي فِيهِ دِينَارَيْنِ أَحْمَرَينِ، وَقُلْتُ: شَأْنَكَ وَالقَوْمَ، فَحَلَقَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ لِحْيَةً، فَصَارَ القَوْمُ جُرْداً مُرْداً، كَأَهْلِ الجَنَّةِ، وَجَعَلْتُ لِحْيَةَ كُلَِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَصْرُورَةً فِي ثَوْبِهِ، وَمَعْهَا رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: " مَنْ أَضْمَرَ بِصَدِيقِهِ الغَدْرَ وَتَرْكَ الوَفَاءِ، كَانَ هَذَا مُكَاَفأَتَهُ وَالجَزَاءَ ". وَجَعَلْتُهَا فِي جَيْبِهِ، وَشَدَدْنَاهُمْ فِي الصِّنَانِ، وَوَافَى الحَمَّالُونَ عِشَاءَ الآخِرَةِ، فَحَمَلُوهُمْ بِكَرَّةٍ خَاسِرَةٍ، فَحَصَلُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَأَوْا فِي نُفُوسِهِمْ هَمَّاً عَظِيماً، لا يَخْرُجُ مِنْهُمْ تَاجِرٌ إِلَى دُكَّانِهِ، وَلا كَاتِبٌ إِلَى دِيَوَانِهِ، وَلا يَظْهَرُ لإِخْوانِهِ، فَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ خَوَلِهِمْ، وَمِنْ نِسَاءٍ وَغِلْمَانٍ وَرِجَالٍ يَشْتِمُونَنِي وَيُزَنُّونَنِي، وَيَسْتَحْكِمُونَ اللهَ عَليَّ، وَأَنَا سَاكِتٌ لا أَرْدُّ عَلَيهِمْ جَوَاباً، وَلَمْ أَعْبَأُ بِمَقَالِهِمْ، وَشَاعَ الخَبَرُ بِمَدِينَةِ السَّلامِ بِفُعْلِي مَعَهُمْ، وَلَمْ يَزَلِ الأَمُرُ يَزْدَادُ حَتَّى بَلَغَ الوَزِيرَ القَاسِمَ بْنَ عُبَيْدِ اللُه. وَذَلِكَ أَنَّهُ طَلَبَ كَاتِباً لَهُ فَافْتَقَدَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ لا يَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قِيلَ: مِنْ أَجْلِ مَا صَنَعَ أَبُو العَنْبَسِ؛ لأَنَّهُ كَانَ امْتُحِنَ بِعِشْرَتِهِ وَمُنَادَمَتِهِ، فَضَحِكَ حَتَّى كَادَ يُبَوِلُ فِي سَرَاوِيلِهِ أَوْ بَالَ، واللهُ أَعْلَمْ. ثُمَّ قَالَ: واللهِ لَقَدْ أَصَابَ وَمَا أَخْطَأَ فِيمَا فَعَلَ، ذَرُوهُ فَإِنَّهُ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهِمْ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيَّ خِلْعَةً سَنِيَّةً، وَقَادَ فَرَساً بِمَرْكَبٍ، وَحَمَلَ إِلَيَّ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لاسْتِحْسَانِهِ فِعْلِي، وَمَكَثْتُ فَي مَنْزِلِي شَهْرَيْنِ أُنْفِقُ وَآكلُ وَأَشْرَبُ، ثُمًّ ظَهَرْتُ بَعْدَ الاسْتِتَارِ، فَصَالَحَنِي بَعْضُهُمْ لِعِلْمِهِ بِمَا صَنَعَ الوَِزيرُ، وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ وَبِعِتْقِ غِلْمَانِهِ وَجَوَارِيهِ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُنيِ مِنْ رَأْسِهِ أَبَداً، فَلا واللهِ العَظِيمِ شَانُهُ، العَلِيِّ بُرْهَانَهُ، مَا اكْتَرَثْتُ بِذَلِكَ، وَلا بَالَيْتُ، وَلا حُكَّ أَصْلُ أُذُنِي، وَلا أَوْجَعَ بَطْنِي، وَلا صَرَّنِي، بَلْ سَرَّنِي، وَإِنَّمَا كانَتْ حَاجَةٌ فِي نَفْسِ يَعْقوبَ قَضَاهَا.

وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذا وَنَّهْتُ عَلَيْهِ لِيُؤْخَذَ الحَذَرُ مِنْ أَبْنَاءِ الزَّمَنِ، وَتُتْرَكَ الثِّقَةُ بِالإِخْوانِ الأَنْذَالِ السَّفَلِ، وَبِفُلاَنٍ الوَرَّاقِ النَّمَّامِ الزَّرَّافِ الَّذِي يُنْكِرُ حَقَّ الأُدَبَاءِ، وَيَسْتَخِفُّ بِهِمْ، وَيَسْتَعِيرُ كُتُبَهُمْ لا يَرُدُّهَا عَلَيْهِمْ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُكْلاَنُ.

حسن خليل
20-11-10, 01:30 PM
المقامة الدينارية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: اتَّفَقَ لي نَذْرٌ نَذَرْتُهُ في دِينَارٍ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلى أَشْحَذِ رَجُلٍ بِبَغْدَادَ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَدُلِلْتُ عَلى أَبِي الفَتْحَ الإِسْكَنْدَرِيِّ، فَمضَيْتُ إِلَيْهِ لأَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ فِي رُفْقَةٍ، قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ في حَلَقَةٍ، فَقُلْتُ: يَا بَني سَاسَانَ، أَيُّكُمْ أَعْرَفُ بِسِلْعَتِه، وَأَشْحَذُ في صَنْعَتِهَ، فَأُعْطِيهُ هذَا الدِّينَارَ؟ فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: أَنَا، وَقَالَ آخَرُ مِنَ الجَمَاعَةِ: لاَ، بَلْ أَنَا. ثُمَّ تَنَاقَشَا وَتَهَارَشَا حّتَّى قُلْتُ: لِيَشْتُمْ كُلٌّ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، فَمَنْ غَلَبَ سَلَبَ، وَمَنْ عَزَّ بَزَّ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: يَا بَرْدَ العَجُوزِ، يَا كُرْبَةَ تَمُّوزَ، يَا وَسَخَ الكُوزِ، يَا دِرْهَماً لا يَجُوزُ، يَا حَدِيثَ الْمَغِّنينَ، يَا سَنَةَ الْبُوسِ، يَا كَوْكَبَ النَّحُوسِ، يَا وَطَأَ الكابُوسِ، يَا تُخْمَةَ الرَّؤُسِ، يَا أُمَّ حُبَيْنِ، يَا رَمَدَ العَيْنِ، يَا غَدَاةَ الْبَيْنِ، يَا فِرَاقَ المُحِبَّيْن، يَا سَاعةَ الحَيْنِ يَا مَقْتَلَ الحُسَيْنِ يَا ثِقَلَ الدَّيْنِ يَا سِمَةَ الشَّيْنِ يَا بَريدَ الشُّومِ يَا طَرِيدَ اللُّومِ يَا ثَرِيدَ الثُّومِ يَا بَادِيةَ الزَّقُّومِ يَا مَنْعَ المَاعُونِ يَا سَنَةَ الطَّاعُونِ يا بَغْيَ العَبِيدِ، يَا آيَةَ الوَعِيدِ، يَا كَلامَ المُعِيدِ، يَا أَقْبَحَ مِنْ حَتَّى، في مَوَاضِعَ شَتَّى، يَا دُودَةَ الكَنِيفِ، يَا فَرْوَةً فِي المَصِيفِ، يَا تَنَحْنُحَ المُضِيفِ إِذَا كُسِرَ الرَّغِيفُ، يَا جُشَاءَ المَخْمُورِ، يَا نَكْهَةََ الصُّقُورِ، يَا وَتِدَ الدُّورِ، يَا خُذْرُوفَةَ القُدُورِ، يَا أَرْبُعَاءَ لاَ تَدُورُ، يَا طَمَعَ المَقْمُورِ، يَا ضَجَرَ اللِّسَانِ، يَا بَوْلَ الخِصْيَانِ، يَا مُؤَاكَلَةَ العُمْيَانِ، يَا شَفَاعَةَ العُرْيَان، يَا سَبْتَ الصِّبْيَانِ، يَا كِتَابَ التَّعَازِي، يَا قَرَارَةَ المَخازِي، يَا بُخْلَ الأَهْوَازِي، يَا فُضُولَ الرَّازِي، واللهِ لَوْ وَضَعْتَ إِحْدَى رِجْلَيْكَ عَلى أَرْوَنْدَ، وَالأُخْرَى عَلَى دُنْباوَنْدَ، وَأَخَذْتَ بِيَدِكَ قَوْسَ قُزَحَ، وَنَدَفْتَ الغَيْمَ فِي جِبَابِ المَلائِكَةَ، مَا كُنْتَ إِلاَ حَلاَّجاً.

وَقَالَ الآخَرُ: يَا قَرَّادَ القُرُودِ، يَا لَبُودَ اليَهُودِ: يَا نَكْهَةَ الأُسُودِ ، يَا عَدَماً فِي وُجُودٍ، يَا كَلْبَاً فِي الهِرَاشِ، يَا قِرْداً فِي الفِرَاشِ، يَا قَرءعِيَّةً بِمَاشٍ، يَا أَقَلَّ مِنْ لاشٍ، يَا دُخَانَ النِّفْطِ، يَا صُنَانَ الإِبْطِ، يَا زَوَالَ المُلْكِ، يَا هِلاَلَ لهُلكِ، يَا أَخْبَثَ مِمَّنْ بَاءَ بِذُلِّ الطَّلاَقِ، وَمَنْعِ الصَّدَاقِ، يَا وَحْلَ الطَّرِيقِ، يَا مَاءً عَلى الرِّيقِ يَامُحَرِّكَ العَظْمِ يَامُعَجِّلَ الهَضْمِ يا قَلَحَ الأَسْنَانِ، يَا وَسَخَ الآذَانِ، يَا أَجَرَّ مِنْ قَلْسٍ، يَا أَقَلَّ مِنْ فَلْسٍ، يَا أَفْضَحَ مِنْ عَبْرَةٍ، يَا أَبْغَى مِنْ إِبْرَةٍ، يَا مَهَبِّ الخُفِّ، يا مَدْرَجَةَ الأَكُفِّ، يَا كلِمَةَ لَيْتَ، يا وَكْفَ البيْتِ، يَا كَيْتَ وَكَيْتَ، واللهِ لوْ وَضَعْتَ أسْتَكَ عَلَى النُّجُومِ، وَدَلَّيْتَ رِجْلَكَ في التُّخُومِ، وَاتَّخَذْتَ الشِّعْرَى خُفّاً، وَالثُرَيَّا رَفَّاً، وَجَعَلْتَ السَّماءَ مِنْوَالاً، وَحِكْتَ الهَوَاءَ سِرْبالاً، فَسَدَّيْتَهُ بِالْنَّسْرِ الطَّائِرِ، وَأَلْحَمْتَهُ بالفَلَكِ الدَّائِرِ، ما كُنْتَ إِلاَّ حَائِكاً.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشامٍ: فَوَ اللهِ مَا عَلِمْتُ أَيَّ الرَّجُلَين أُوثِرُ؟! وَمَا مِنْهُما إِلاَّ بَدِيع الْكَلاَمِ، عَجِيبُ المَقَامِ، أَلَدُّ الخِصَامِ، فَتَرَكْتُهما، وَالدِّينَارُ مُشاعٌ بَيْنَهُمَا، وانْصَرَفْتُ وَمَا أَدْرِي مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمَا.

حسن خليل
20-11-10, 01:31 PM
المقامة الشعرية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ بِبِلادِ الشَّامِ، وَانْضَمَّ إِلَى رُفْقَةٌ، فَاجْتَمَعْنا ذَاتَ يَوْم فِي حَلَقَةٍ، فَجَعَلْنا نَتَذَاكَرُ الشِّعْرَ فَنُورِدُ أَبْيَاتَ مَعَانِيِه، وَنَتَحاجى بِمَعَامِيهِ، وَقَدْ وَقَفَ عَليْنَا فَتَىً يَسْمَعُ وَكَأَنَّهُ يَفْهَمُ، وَيَسْكُت وَكَأَنَّهُ يَنْدَمُ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى قَدْ آذَانَا وُقُوُفكَ؛ فَإِمَّا أَنْ تَقْعُدَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْعُدَ، فَقالَ: لا يُمْكِنُنِي القُعُودُ، وَلَكِنْ أَذْهَبُ فَأَعُودُ، فَالزَمُوا مَكانَكُمْ هَذا، قُلْنَا: نَفْعَلُ وَكَرَامَةً، ثُمَّ غَابَ بِشَخْصِهِ، وَمَا لَبِثَ أَنْ عادَ لِوَقْتِهِ، وَقَالَ: أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ تِلْكَ الأَبْيَاتِ؟ وَمَا فَعَلْتُمْ بِالمُعَمَّياتِ؟ سَلُونِي عَنْهَا، فَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ بَيْتٍ إِلاَّ أَجَابَ، وَلا عَنْ مَعْنَىً إِلاَّ أَصَابَ، وَلَمَّا نَفَضْنَا الكَنَائِنَ، وَأَفْنَيْنَا الخَزَائِنَ، عَطَفَ عَلَيْنَا سائِلاً، وَكَرَّ مُبَاحِثاً، فَقَالَ: عَرِّفُوني أَيُّ بَيْتٍ شَطْرُهُ يَرْفَعُ وَشَطْرُهُ يَدْفَعُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ يَصْفَعُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصُفُهُ يَغْضَبُ، وَنِصْفُهُ يَلْعَبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ أَجْرَبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ عَرُوضُهُ يُحَارِبُ، وَضَرْبُهُ يُقَارِبُ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ عَقَارِبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ سَمُجَ وَضْعُهُ، وَحَسُنَ قَطْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يَرْقَأُ دَمْعُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَأْبِقُ كُلُّهُ، إِلاَّ رِجْلُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لاَ يُعْرَفُ أَهْلُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ أَطْوَلُ مِنْ مِثْلِهِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يُمْكِنُ نَبْضُهُ، وَلا تُحْتَفَرُ أَرْضُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ كَامِلٌ وَنِصْفُهُ سَرَابِلُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا تُحْصَى عِدَّتُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يُرِيكَ مَا يُسَرُّ بِهِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لا يَسَعُهُ العَالَمُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ يَضْحَكُ وَنِصْفُهُ يَأَلَمُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِنْ حُرِّكَ غُصْنُهُ، ذَهَبَ حُسْنُهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِنْ جَمَعْنَاهُ، ذَهَبَ مَعْنَاهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِنْ أَفْلَتْنَاهُ، أَضْلَلْنَاهُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ شَهْدُهُ سَمٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ مَدْحُهُ ذَمٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ لَفْظُهُ حُلْوٌ وَتَحْتَهُ غَمٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ حَلُّهُ عِقْدٌ، وَكُلُّهٌ نَقْدٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفَهُ مَدٌّ، وَنِصْفُهُ رَدٌّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ رَفْعٌ، وَرَفْعُهُ صَفْعٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ طَرْدُهُ مَدْحٌ؟ وَعَكْسُهُ قَدْحٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ هُوَ فِي طَوْفٍ صَلاَةُ الخَوْفِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَأْكُلُهُ الشَّاءُ مَتَّى شَاءَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ إِذَا أَصَابَ الرَّاسَ هَشَمَ الأَضْرَاسَ، وَأَيُّ بَيْتٍ طَالَ، حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَرْطَالٍ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ قَامَ، ثُمَّ سَقَطَ وَنَامَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أَرَادَ أَنْ يَنْقُصُ فَزَادَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كَادَ يَذْهَبُ فَعَادَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ حَرَبَ العِرَاقَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ فَتَحَ البَصْرَةَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ ذَابَ، تَحْتَ العَذَابَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ شَابَ، قَبْلَ الشَّبَابَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ عَادَ قَبْلَ المِيعَادَ؟ وأَيُّ بَيْتٍ حَلَّ، ثُمَّ اضْمَحَّلَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أُمِرَ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أَصْلَحَ، حَتَّى صَلَحَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ اسْبَقَ مِنْ سَهْمِ الطِّرِمَّاحِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ خَرَجَ مِنْ عَيْنِهِمْ؟ وَأَيُ بَيْتٍ ضَاقَ، وَوَسِعَ الآفَاقَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ رَجِعَ، فَهَاجَ الوَجَعَ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ نِصْفُهُ ذَهَبٌ، وَبَاقِيهِ ذَنَبٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ بِعْضُهُ ظَلامٌ، وَبَعْضُهُ مُدَامٌ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ جَعَلَ فَاعِلُهُ مَفْعُولاً، وَعَاقِلُهُ مَعْقُولاً؟ وَأَيُّ بَيْتٍ كُلُّهُ حُرْمَةٌ؟ وَأَيُّ بَيْتَيْنِ هُمَا كَقِطَارِ الإِبِلِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ يَنْزِلُ مِنْ عَالٍ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ طِيَرَتُهُ فِي الفَالِ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ آخِرُهُ يَهْرُبُ، وَأَوَّلُهُ يَطْلُبُ؟ وَأَيُّ بَيْتٍ أَوَّلُهُ يَهِبُ، وَآخِرُهُ يَنْهَبُ؟.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَسَمِعْنَا شَيْئاً لَمْ نَكُنْ سَمِعْنَاهُ، وَسَأَلْنَاهُ التَّفْسِيرَ فَمَنَعْنَاهُ، وَحَسِبْنَاهُ أَلْفَاظاً قَدْ جُوِّدَ نَحْتُهُا، وَلا مَعَانِيَ تَحْتَها، فَقَالَ: اخْتَاروا مِنْ هذِهِ المَسَائِلِ خَمْساً لأُفَسِّرَهَا، وَاجْتَهِدُوا فِي البَاقِي أَيَّامَاً، فَلَعَلَّ إِنَاءَكُمْ يَرْشَحُ، وَلَعَلَّ خَاطِرَكُمْ يَسْمَحُ، ثُمَّ إِنْ عَجِزْتُمْ فَاسْتَأَنِفُوا التَّلاَقِيَ، لأُفَسِّرَ البَاقِيَ، وَكَانَ مِمَّا اخْتَرْنَا البَيْتَ الَّذِي سَمُجَ وَضْعُهُ وَحَسُنَ قَطْعُهُ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْهُ فَقالَ: هُوَ قُوْلُ أَبي نُوَاسٍ:
فَبِتْنا يَرَانا اللهُ شَرَّ عِـصَـابَةٍ *** تُجَرِّرُ أَذْيَالَ الفُسُوقِ وَلا فَخْرُ

قُلْنَا: فَالْبَيْتُ الَّذِي حَلُّهُ عَقْدٌ، وَكُلُّهُ نَقْدٌ، فَقَالَ: قُوْلُ الأَعْشَى:
دَرَاهِمُنَا كُلُّهَا جَـيِّدٌ *** فَلا تَحْبِسَنَّا بِتَنْقادِهَا

وَحَلُّهُ أَنْ يُقَالَ دَرَاهِمُنَا جَيِّدٌ كُلُّهَا وَلا يَخْرِجُ بِهَذا الحَلِّ عَنْ وَزْنِهِ قُلْنَا: فَالْبَيْتُ الَّذِي نِصْفُهُ مَدٌّ، وَنِصْفُهُ رَدٌّ، فَقَالَ: قَوْلُ البَكْرِيّ:
أَتَاكَ دِيَنارُ صِـدْقٍ *** يِنْقُصُ سِتِّيَن فَلْسَـا
مَنْ أَكُرَمِ النَّاسِ إِلاَّ *** أَصْلاً وَفَرْعاً وَنَفْساً

قُلْنَا: فَالْبَيْتُ الَّذِي يَأَكُلُهُ الشَّاءُ، مَتَى شَاءَ، قالَ: بَيْتُ القَائِلِ
فَمَا لِلْنَوى? جُذّ النَّوَى، قُطِعَ النَّوَى *** رَأَيْتُ النَّوَى فَطَّاعَةً لَلْقَرَائِنِ

قُلْنَا فَالْبَيْتُ الَّذِي طَالَ، حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَرْطالٍ، قَالَ: بَيْتُ ابْنِ الرُّومِيّ:
إِذَا مَنَّ لَمْ يَمْنٌنْ بِمَنٍ يًمُنُّهُ *** وَقَالَ لِنَفْسي: أَيُّهَا النَّفْسُ أَمْهِلي

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَعَلِمْنَا أَنَّ المَسَائِلَ، لَيْسَتْ عَواطِلَ، وَاجْتَهَدْنَا، فَبَعْضَها وَجَدْنا، وَبَعْضَها اسْتَفَدْنا، فَقُلْتُ عَلى أَثَرِهِ وَهُوَ عَادٍ:

تَفَاوَتَ النَّاسُ فَضْـلاً *** وَأَشْبَهَ البَعْضُ بَعْضَا لَوْلاهُ كُنتُ كَرَضْـوَى *** طُولاً وَعُمْقاً وَعَرْضا

حسن خليل
20-11-10, 01:32 PM
المقامة الملوكية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كُنْتُ في مُنْصَرَفي مِنَ الْيَمنِ، وَتَوَجُّهِي إلى نَحْوِ الوَطَنِ، أَسْرِى ذَاتَ لَيْلَةٍ لا سَانِحَ بِهَا إِلاَّ الضَّبُعُ، وَلا بَارِحَ إِلاَّ السَّبُعُ، فَلَمَّا انْتَضَى نَصْلُ الصَّبَاحِ، وَبَرَزَ جَبِينُ المِصُبَاحِ، عَنَّ لي في الْبَرَاحِ، رَاكِبٌ شَاكي السِّلاحِ، فأَخَذَنِي مِنْهُ ما يأَخُذُ الأَعْزَلَ، مِنْ مِثْلِهِ إِذا أَقْبَلَ، لكِنّي تَجَّلَدْتُ فَوَقَفْتُ وَقُلْتُ: أَرْضَكَ لا أُمَّ لَكَ، فَدُونِي شَرْطُ الحِدَادِ، وَخَرْطُ القَتادِ، وَحَمِيَّةٌ أُزْدِيَّةٌ، وَأَنَا سِلْمٌ إِنْ كُنْتَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: سِلْماً أَصَبْتَ، وَرَفِيقاً كَمَا أَحْبَبْتَ، فَقُلْتُ : خَيْراً أَجَبْتَ، وَسِرْنَا فَلَمَّا تَخَالَيْنَا، وَحِينَ تَجَالَيْنَا، أَجْلَتِ القِصَّةُ عَنْ أَبي الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيِّ، وَسَأَلَنِي عَنْ أَكْرَمِ مَنْ لَقَيْتُهُ مِنَ المُلُوكِ، فَذَكَرْتُ مُلُوكَ الشَّامِ، وَمَنْ بِهَا مِنَ الكِرَامِ، وَمُلُوكَ العِرَاقِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الأَشْرافِ، وَأُمَرَاءِ الأَطْرَافِ، وَسُقْتُ الذِّكْرَ، إِلَى مُلوكِ مِصْرَ، فَرَوَيْتُ مَا رَأَيْتُ، وَحَدَّثْتُهُ، بِعَوارِفِ مُلُوكِ اليَمَنِ، وَلَطَائِفِ مُلُوكَ الطَّائِفِ، وَخَتَمْتُ الجُمْلَةَ، بِذِكْرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَأَنْشأَ يَقُولُ:

يَا سَارياً بِنُجُومِ اللَّيْلِ يَمْدَحُهَا *** وَلَوْ رَأَى الشَّمْسَ لَمْ يَعْرِفْ لَهَا خَطَرَاً
وَوَاصِفاً لِلْسَّوَاقِي هَبْكَ لَمْ تَزُرِ الـ *** بَحْرَ المُحِيطَ أَلَمْ تَعْرِفْ لَهُ خَبَرا
مَنْ أَبْصَرَ الدُّرَّ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ حَجَر *** اًوَ مَنْ رَأَى خَلَفاً لَم يَذْكُرِ الْبَشَـرا
زُرْهُ تَزُرْ مَلِكاً يُعْطِي بِأَرْبَعَةٍ *** لَمْ يَحْوِهَا أَحَدٌ وَانْظُرْ إِلَـيٍهِ تَـرَى
أَيَّامَهُ غُرَراً، وَوَجْهَهُ قَمَراً *** وَعَزْمَهُ قَدَراً ، وَسَيْبَهُ مَطَرَا
مَا زِلْتُ أَمْدَحُ أَقْواماً أَظُنُّهُمْ *** صَفْوَ الزَّمَانِ؛ فَكَانُوا عِنْدَهُ كَدَرَا


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذا المَلِكُ الرَّحِيمُ الكَرِيمُ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ، مَا لَمْ تَبْلُغْهُ الظُّنُونُ؟ وَكَيْفَ أَقْولُ، مَا لَمْ تَقْبَلُهُ العُقُولُ؟ وَمَتَى كَانَ مَلِكٌ يَأْنَفُ الأَكَارِمَ، إِنَّ بَعَثَتْ بِالدَّرَاهِم؟ وَالذَّهَبُ، أَيْسَرُ مَا يَهَبُ، وَالالْفُ، لا يَعُمُّهٌ إِلاَّ الخَلْفُ، وَهَذا جَبَلُ الكُحْلِ قَدْ أَضَرَّ بِهِ المِيلُ فَكَيْفَ لا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ العَطَاءُ الجَزِيلُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلِكٌ يَرْجعُ مِنَ البَذْلِ إِلَى سَرَفِهِ، وَمِنَ الخُلْقِ إِلَى شَرَفِهِ، وَمِنَ الدّيْنِ إِلَى كَلَفِهِ وَمِنَ المُلْكِ إِلى كَنَفِهِ، وَمِنَ الأَصْلِ إِلى سَلَفِهِ، وَمِنَ النَّسْلِ إِلى خَلَفِهِ:

فَلَيْتَ شِعْرِيَ مَنْ هَذِي مَآثِرُهُ *** ماذَا الَّذِي بِبُلُوغِ النَّجْمِ يَنْتَظِرُ؟!.

حسن خليل
20-11-10, 01:33 PM
المقامة الصفرية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا أَرَدْتُ القُفُولَ مِنَ الحَجِّ، دَخَلَ إِلَيَّ فَتَىً فَقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ مِنُ نِجَارِ الصُّفْرِ، يَدْعُو إِلَى الكُفْرِ، وَيَرْقُصُ عَلى الظُّفْرِ، وَقَدْ أَدَّبَتْهُ الغُرْبَةُ، وَأَدَّتْنِي الحِسْبَةُ إِلَيْكَ، لأُمَثِّلَ حَالهُ لَدَيْكَ، وَقَدْ خَطَبَ مِنْكَ جَارِيَةً صَفْرَاءَ، تُعْجِبُ الحَاضِرينَ، وُتُسِرُّ النَّاظِرِينَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ يَنْجُبُ مِنَهما وَلَدٌ يَعُمُّ البِقاعَ وَالأَسْمَاعَ، فَإِذَا طَوَيْتَ هَذا الرَّيْطَ، وثَنَيْتَ هَذا الخَيْطَ، يَكُونُ قَدْ سَبَقكَ إِلى بَلدِكَ، فَرَأْيَكَ فِي نَشْرِ مَا فِي يَدِكَ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَعَجِبْتُ مِنْ إِيرَادِهِ، وَلُطْفِهِ فِي سُؤَالِهِ، وَأَجَبْتُهُ فِي مُرادِهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

المَجْدُ يُخْدَعُ بِاليَدِ السُّفْلِـى *** وَيَدُ الكَرِيمِ وَرَأْيُهُ أَعْلَى.

حسن خليل
20-11-10, 01:35 PM
المقامة السارية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِسَارِيَّةَ، عِنْدَ وَاليها، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَتَىً بِهِ رَدْعُ صُفَارٍ، فَانْتَفَضَ المَجْلِسُ لَهُ قِيَاماً، وَأُجْلِسَ فِي صَدْرِهِ إِعْظَاماً، وَمَنَعَتْنِي الحِشْمَةُ لَهُ مِنْ مَسْأَلَتِي إِيَّاهُ عَنْ اسْمِهِ، وَابْتَدأَ فَقَالَ لِلْوالي: مَا فَعَلْتَ فِي الحَدِيثِ الأَمْسِي، لَعَلَّكَ جَعَلْتَهُ في المَنْسِي؟! فَقَالَ: مَعَاذَ اللهُ، وَلَكِنْ عَاقَنِي عَنْ بُلُوغِهِ عُذْرٌ لا يُمْكِنُ شَرْحُهُ، وَلا يُؤْسى جُرْحُهُ، فَقَالَ الدَّاخِلُ: يَا هَذا قَدْ طَالَ مِطَالُ هَذَا الوَعْدِ، فَمَا أَجِدُ غَدَكَ فِيهِ إِلاَّ كَيَوْمِكَ، وَلا يَوْمَكَ فِيهِ إِلاَّ كَأَمْسِكَ، فَمَا أُشَبِّهُكَ فِي الإِخْلاَفِ، إِلاَّ بِشَجَرِ الخِلافٍ، زَهْرُهُ يَمْلأُ العَيْنَ، وَلا ثَمَرَ فِي البَيْنِ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ هَذا المَكَانَ قَطَعْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: حَرَسَكَ اللهُ! أَلَسْتَ الإِسْكَنْدَرِيَّ؟ فَقَالَ: وَأَدَامَ حِرَاسَتَكَ، مَا أَحْسَنَ فِرَاسَتكَ! فَقُلْتُ: مَرحَباً بِأَمِيرِ الكَلاَمِ، وَأَهْلاً بِضَالَّةِ الكِرَامِ، لَقَدْ نَشَدْتُهَا حَتَّى وَجَدْتُهَا، وَطَلَبْتُهَا، حَتَّى أَصَبْتُهَا، ثُمَّ تَرَافَقْنَا حَتَّى اجْتَذَبَني نَجْدٌ، وَلَقِمَهُ وَهْدٌ، وَصَعَّدِتُ وَصَوَّبَ، وَشَرَّقْتُ وَغَرَّبْ، فَقُلْتُ عَلَى أَثَرِهِ:


يَا لَيْتَ شِعْريَ عَنْ أَخٍ *** ضَاقَتْ يَدَاهُ وَطَالَ صيتُهْ
قَدْ بَاتَ بَارِحَةً لَدَيَّ *** فَأَيْنَ لَيْلَتَنا مَبِيتهْ
لاَ دَرَّ دَرُّ الفَقْرِ فَهْ *** وَ طَرِيدُهُ وَبِهِ رُزِيتُهْ
لاَ سَلِّطَنَّ عَلَيْهِ مِنْ *** خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ مَنْ يُمِيتُهْ

حسن خليل
20-11-10, 01:35 PM
المقامة التميمية لبديع الزمان

حَدَثَّنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: وُلِيتُ بَعْضَ الوِلاَيَاتِ مِنْ بِلاَدِ الشَّامِ، وَوَرَدَهَا سَعْدُ بْنُ بَدْرٍ أَخُو فَزَارَةَ، وَقَدْ وُلِّيَ الوِزَارَةَ، وَأَحْمَدُ الوَلِيدِ، عَلَى عَمَلِ البَرِيدِ، وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ، عَلَى عَمَلِ المَظَالِمِ، وَبَعْضُ بَنِي ثَوَابَةَ، وَقَدْ وُلِّيَ الكِتَابَةِ وَجُعِلَ عَمَلُ الزِّمَامِ، إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَصَارَتْ تُحْفَةَ الفُضَلاءِ، وَمَحَطَّ رِحَالِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يَرِدُ الوَاحِدُ بَعْدَ الوَاحِدِ، حَتَّى امْتَلأتِ العُيُونُ مِنَ الحَاضِرِينَ، وَثَقُلُوا عَلَى القُلُوبِ، وَوَرَدَ فِيْمَنْ وَرَدَ أَبُو النَّدَى التَّمِيمِيُّ، فَلَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ العُيُونُ، وَلا صَفَتْ لَهُ القُلوبُ، وَدَخَلَ يَوْماً إِلَيَّ فَقَدَرْتُهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَأَقْعَدْتُهُ مِنَ المَجْلِسِ فِي صَدْرِهِ، وَقُلْتُ: كَيْفَ يُرَجِّى الأُسْتاذُ عُمْرَهُ؟ وَكَيْفَ يَرَى أَمْرَهُ؟ فَنَظَرَ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ اليَسَارِ، فَقَالَ: بَيْنَ الخُسْرَانِ وَالخَسارِ، وَالذُّلِّ وَالصَّغارِ وَقَوْمٌ كَرَوْثِ الحِمَارِ، يَشُمُّهُم الإِقْبَالُ وَهُمْ مُنْتِنُونَ، وَيُحْسِنُ إِلَيِّهِمْ فَلا يُحْسِنُونَ، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ وَرَدْتُ مِنْهُمْ عَلَى قَوْمٍ مَا يُشْبِهُهُمْ مِنَ النَّاسِ، غَيْرُ الرَّأْسِ وَاللِّبَاسِ، وَجَعَلَ يَقُولُ:

فِدَىً لَكِ يَا سِجِسْتَانُ البِلاَدُ *** وَلِلْمَلِكِ الكَرِيمِ بِكِ العِبَـادُ
هَبِ الأَيَّامَ تُسْعِدُنِي وَهَبْنِي *** تُبَلِّغُـنِـيهِ رَاحِـلَةٌ وَزَادُ
فَمَنْ لِي بِالَّذِي قَدْ مَاتَ مِنْهُ *** وَبِالعُمْرِ الَّذِي لا يُسْتَعَادُ.؟

حسن خليل
20-11-10, 01:37 PM
المقامة الخمرية لبديع الزمان

حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:اتَّفَقَ ليِ في عُنْفُوَانِ الشَّبِيبَةِ خُلُقٌ سَجِيحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيحٌ، فَعَدَّلْتُ مِيزَانَ عَقْليِ، وَعَدَلْتُ بَيْنَ جِدِّي وَهَزْلِي، وَاتَّخَذْتُ إِخْواناً لِلْمِقَةِ، وَآخَرِينَ للنَّفَقَةِ، وَجَعَلْتُ النَّهَاَرَ لِلنَّاسِ، وَاللَّيْلَ لْلكاَسِ.

قَالَ: واجْتَمَعَ إِلَيَّ فِي بَعْضِ لَيَالِيَّ إِخْوانُ الخَلْوَةِ، ذَوُو المَعَاني الحُلْوَةِ، فَمَا زِلْنَا نَتَعَاطَى نُجُومَ الأَقْدَاحِ، حَتَّى نَفَدَ مَا مَعْنَا مِنْ الرَّاحِ.

قَالَ: واجْتَمَعَ رَأْيُ النَّدْمَانِ، عَلَى فَصْدِ الدِّنَانِ، فَأَسَلْنَا نَفْسَهَا، وَبَقِيَتْ كَالصَّدَفِ بِلا دُرٍّ، أَوْ المِصْرِ بِلا حُرٍّ.

قَالَ: وَلَمَّا مَسَّتْنَا حَالُنَا تِلْكَ دَعَتْنَا دَوَاعِي الشَّطَارَةِ، إِلَى حَانِ الخَمَّارَةِ، وَالْلَّيْلُ أَخْضَرُ الدِّيبَاجِ، مُغْتَلِمُ الأَمْواجِ، فَلَمَّا أَخَذْنَا فِي السَّبْحِ، ثَوَّبَ مُنَادِي الصُّبْحِ، فَخَنَسَ شَيْطَانُ الصَّبْوَةِ، وَتَبَادَرْنَا إِلَى الدَّعْوَةِ، وَقُمْنَا وَرَاءَ الإِمَامِ، قِيَامِ البَرَرَةِ الكِرَامِ، بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، وَحَرَكَاتٍ مَوْزُونَةٍ، فَلِكُلِّ بِضَاعَةٍ وَقْتٌ، وَلِكُلِّ صِنَاعَةٍ سَمْتٌ، وَإِمَامُنَا يَجِدُّ فِي خَفْضِهِ وَرَفْعِهِ، وَيَدْعُونَا بِإِطَالَتِهِ إِلَى صَفْعِهِ، حَتَّى إِذَا رَاجَعَ بَصِيرَتَهُ، وَرَفَعَ بِالسَّلاَمِ عَقِيرَتَهُ، تَرَبَّعَ فِي رُكْنِ مِحْرَابِهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلى أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ يُطِيلُ إِطْرَاقِهِ، وَيُدِيمُ اسْتِنْشَاقَهُ، ثُمًّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ خَلَطَ فِي سِيرَتِهِ، وابْتُلِيَ بِقَاذُورَتِهِ، فَلْيَسَعْهُ دِيماسُهُ، دُونَ أَنْ تُنَجِّسَنَا أَنْفَاسَهُ، إِنِّي لأَجِدُ مُنْذُ اليَومِ، رِيحَ أُُمِّ الكَبَائِرِ مِنْ بَعْضِ القَوْمِ، فَمَا جَزَاءُ مَنْ بَاتَ صَرِيعَ الطَاغُوتِ، ثُمَّ ابْتَكَرَ إِلَى هذِهِ البُيُوتِ، الَّتِي أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ، وَبِدَابِرِ هَؤُلاءِ أَنْ يُقْطَعْ، وَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَتَأَلَّبَتِ الجَمَاعَةُ عَلَيْنَا، حَتَّى مُزِّقَتِ الأَرْدِيَةُ، وَدَمِيَتِ الأَقْفِيَةُ، وَحَتَّى أَقْسَمْنَا لَهُمْ لا عُدْنَا، وَأَفْلَتْنَا مِنْ بَيْنِهِمْ وَمَا كِدْنَا، وَكُلُّنَا مُغْتَفِرٌ لِلْسَلامَةِ، مِثْلَ هَذِهِ الآفَةِ، وَسَأَلْنَا مَنْ مَرَّ بِنَا مِنَ الصِّبْيَةِ، عَنْ إِمَامِ تِلْكَ القَرْيَةِ، فَقَالُوا: الرَّجُلُ التَّقِيُّ، أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَقُلْنَا: سُبْحَانَ اللهِ! رُبَّمَا أَبْصَرَ عِمِّيتٌ، وَآمَنَ عِفْرِيتٌ، وَالحَمْدُ للِه لَقَدْ أَسْرَعَ فِي أَوْبَتِهِ، وَلا حَرَمَنَا اللهُ مِثْلَ تَوْبَتِهِ، وَجَعَلنَا بَقِيَّةَ يَوْمِنَا نَعْجَبُ مِنْ نُسْكِهِ، مَعَ مَا كُنَّا نَعْلَمُ مِنْ فِسْقِهِ.

قَالَ: وَلَمَّا حَشْرَجَ النَّهَارُ أَوْ كَادَ، نَظَرْنَا فَإِذَا بِرَايَاتِ الحَانَاتِ أَمْثَالُ النُّجُومِ، في الْلَّيْلِ البَهِيمِ، فَتَهَادَيْنَا بِهَا السَّرَّاءَ، وَتَبَاشَرْنَا بِلَيْلَةٍ غَرَّاءَ، وَوَصَلْنَا إِلَى أَفْخَمِهَا بَاباً، وَأَضْخَمِهَا كِلاباً، وَقَدْ جَعَلْنَا الدِّينَارَ إِمَاماً، وَالاسْتِهْتَارِ لِزَاماً، فَدُفِعْنَا إِلَى ذَاتِ شَكْلٍ وَدَلٍّ، وَوِشَاحِ مُنْحَلٍّ، إِذَا قَتَلَتْ أَلْحَاظُهَا، أَحْيَتْ أَلْفَاظُهَا، فَأَحْسَنَتْ تَلَقِّينَا، وَأَسْرَعَتْ تُقَبِّلُ رُؤُوسَنَا وَأَيْدِينَا، وَأَسْرَعَ مَنْ مَعَهَا مِنَ العُلُوجِ ، إِلَى حَطِّ الرِّحَالِ وَالسُّرُوجِ، وَسَأَلْنَاهَا عَنْ خَمْرِهَا، فَقَالَتْ:




خَمْـرٌ كَـرِيقِـي فِـي الــعُـــذُو *** بَةِ وَالَّـلـــذَاذَةِ وَالـــحَـــلاوَةْ


تَذَرُ الحَلِيمَ وَمَا عَلَيْهِ *** لِحِلْمِهِ أَدْنَى طُلاَوَةْ


كَأَنَّمَا اعْتَصَرَهَا مِنْ خَدِّي، أَجْدَادُ جَدِّي. وَسَرْبَلُوها مِنَ القَارِ، بِمِثْلِ هَجْرِي وَصَدِّي، وَدِيعَةُ الدُّهُورِ، وَخَبِيئَةُ جَيْبِ السُّرُورِ، وَمَا زَالَتْ تَتَوارَثْهَا الأَخْيَارُ، وَيَأْخِذُ مِنْهَا الْلَّيْلُ وَالنَّهَارُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرَجٌ وَشُعَاعٌ،وَوَهْجٌ لَذَّاعُ، رَيْحَانَةُ النَّفْسِ، وَضَرَّةُ الشَّمْسِ، فَتَاةُ البَرْقِ، عَجُوزُ المَلْقِ، كَالَّلهَبِ في العُرُوقِ، وَكَبَرْدِ النَّسِيم فِي الحُلُوقِ، مِصْبَاحُ الفِكْرِ، وَتِرْيَاقُ سَمِّ الدَّهْرِ، بِمِثْلِهَا عُزّزَ المَيِّتُ فَانْتَشَرَ، وَدُووِيَ الأَكْمَهُ فَأَبْصَرَ، قُلْنَا: هذِهِ الضَّالَّةُ وَأَبِيكِ، فَمنِ المُطْرِبُ فِي نَادِيكِ؟.

وَلَعَلَّهَا تُشَعْشَعُ لِلشَّرْب، بِرِيقِكِ العَذْبِ، قَالَتْ: إِنَّ لِي شَيْخاً ظَرِيفَ الطَّبْعِ، طَرِيفَ المُجُونِ، مَرَّ بِي يَوْمَ الأَحَدِ فِي دَيْرِ المِرْبَدِ، فَسَارَّنِي حَتَّى سَرَّنِي، فَوَقَعَتِ الخُلْطَةُ، وَتَكَرَّرَتِ الغِبْطَةُ، وَذَكَرَ لِي مِنْ وُفُورِ عِرْضِهِ، وَشَرَفِ قَوْمِهِ فِي أَرْضِهِ، مَا عَطَفَ بِهِ وُدّي، وَحَظِيَ بِهِ عِنْدِي، وَسَيَكُونُ لَكُمْ بِهِ أُنْسٌ، وَعَلَيْهِ حِرْصٌ، قَالَ: وَدَعَتْ بِشَيْخِهَا فَإِذَا هُوَ إِسْكَنْدَرِينَا أَبُو الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الفَتْحِ، واللهِ كَأَنَّمَا نَظَرَ إِلَيْكَ، وَنَطَقَ عَنْ لِسَانِكَ الَّذِي يَقُولُ:
كَانَ لِي فِيمَـا مَـضَ *** ى عَقْلٌ وَدِينٌ وَاسْتِقَامَةْ
ثُمَّ قَدْ بِعْنَـا بِـحَـمْـدِ *** اللهِ فِقْهاً بِـحِـجـامَةْ
وَلَئِنْ عِشْـنَـا قَـلِـيلاً *** نَسأَلُ اللهَ الـسَّـلاَمَةْ
قَالَ: فَنَخَرَ نِخْرَةَ المُعْجَبِ، وَصَاحَ وَزَمْهَرَ، وَضَحِكَ حَتَّى قَهْقَهَ. ثُمَّ قَالَ: أَلِمِثْلِي يُقَالُ، أَوْ بِمِثْلِي تُضْرَبُ الأَمْثَالُ ؟؟




دَعْ مِـنَ الـلَّـــوْمِ وَلَـــكِـــنْ *** أَيُّ دَكَّـــاكٍ تَـــرَانِـــــي


أَنَـا مَـنْ يَعْـــرِفُـــهُ كُـــلُّ *** تَهَـــامٍ وَيَمـــانِـــــــي


أَنَـا مِــنْ كُـــلِّ غُـــبـــارٍ *** أَنَـا مِـنْ كُـــلِّ مَـــكَـــانِ


سَاعَـــــــــــةَ أَلزَمُ مِحْرَا *** باً، وَأُخْرَى بَيْتَ حَــــــــانِ


وَكَذَا يَفــــــــــْعَلُ مَنْ يَعْقِـ *** لُ فِـي هَـــذَا الـــزَّمَـــانِ



قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَعَذْتُ بِاللهِ مِنْ مِثْلِ حَالِهِ، وَعَجِبْتُ لِقُعُودِ الرِّزْقِ عَنْ أَمْثَالِه، وَطِبْنَا مَعَهُ أُسْبُوعَنَا ذَلِكَ، وَرَحَلْنَا عَنْهُ.

حسن خليل
20-11-10, 01:38 PM
المقامة المطلبية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: اجْتَمَعْتُ يَوْماً بِجَماعَةٍ كَأَنَّهُمْ زَهْرُ الرَّبِيعِ، أَوْ نُجُومُ اللَّيْلِ بَعْدَ هَزِيعٍ، بِوُجُوهٍ مُضِيَّةٍ، وَأَخْلاقٍ رَضِيَّةٍ، قَدْ تَنَاسَبُوا فِي الزِّيِّ وَالحَالِ، وَتَشَابَهُوا في حُسْنِ الأَحْوَالِ، فَأَخَذْنَا نَتَجَاذَبُ أَذْيَالَ المُذَاكَرَةِ، وَنَفْتَحُ أَبْوابَ المُحَاضَرَةٍ، وَفِي وَسَطِنَا شَابٌّ قَصِيرٌ مِنْ بَيْنِ الرِّجَالِ، مَحْفُوفُ السِّبَالِ، لا يَنْبِسُ بِحَرْفٍ، وَلا يَخُوضُ مَعَنا في وَصْفٍ، حَتَّى انْتَهَى بِنَا الكَلاَمُ إِلَى مَدْحِ الغِنَى وَأَهْلِهِ، وَذِكْرِ المَالِ وَفَضْلِهِ، وَأَنَّهُ زِينَةُ الرِّجَالِ، وَغَايَةُ الكَمَال، فَكَأَنَّمَا هَبَّ مِنْ رَقْدَةٍ، أَوْ حَضَرَ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وَفَتَحَ دِيوَانَهُ، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ، فَقَالَ: صَهْ لقَدْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيئٍ عَدِمْتُمُوهُ، وَقَصَّرْتُمْ عَنْ طَلَبِهِ فَهَجَّنْتُمُوهُ، وَخُدِعْتُمْ عَنْ البَاقِي بِالفَانِي، وَشُغِلْتُمْ عَنْ النَّائِي بِالدَّانِي، هَلْ الدُّنْيَا إِلاَّ مُنَاخُ رَاكِبٍ، وَتَعِلَّةُ ذَاهِبٍ؟ وَهَلْ المَالُ إِلاَّ عَارِيَةٌ مُرْتَجَعَةٌ، وَوَدِيعَةٌ مُنْتزَعَةٌ؟ يُنْقَلُ مِنْ قَوْمٍ إِلَى آخَرِينَ، وَتَخْزُنُهُ الأَوَائِلُ لِلآخِرِينَ، هَلْ تَرَوْنَ المَالَ إِلاَّ عِنْدَ البُخَلاَءِ، دُوَنَ الكُرَماءِ، وَالجُهَّالِ دُونَ العُلَمَاءِ؟ إِيَّاكُمْ وَالانْخِدَاعَ فَلَيْسَ الفَخْرُ إِلاَّ في إِحْدَى الجِهَتَيْنِ، وَلا التَّقَدُّمُ إِلاَّ بِإِحْدَى القِسْمَتَيْنِ: إِمَّا نَسَبٌ شَرِيفٌ، أَوْ عِلْمٌ مُنَيفٌ، وَأَكْرِمْ بِشَيءٍ يُحْمَلُ عَلى الرُّؤُوسِ حَامِلُهُ، وَلا يَيْأَسُ مِنْهُ آمِلُهُ، وَاللهِ لَوْلاَ صِيَانَةُ النَّفْسِ وَالعِرْضِ، لَكُنْتُ أَغْنَى أَهْلِ الأَرْضِ، لأَنَّنِي أَعْرِفُ مَطْلَبَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِأَرْضِ طَرْسُوسَ، تَشْرَهُ فِيهِ النُّفُوسُ، مِنْ ذَخَائِرِ العَمَالِقَةِ، وَخَبَايَا البَطارِقَةِ، فِيهِ مَائَةُ أَلْفِ مِثْقالٍ، وَأَمَّا الآخَرُ فَهْوَ مَا بَينَ سُورَا وَالجَامِعَيْنِ، فِيهِ مَا يَعُمُّ أَهْلَ الثَّقَلْينِ، مِنْ كُنُوزِ الأَكَاسِرَةِ، وَعُدَدِ الجَبَابِرَةِ، أَكْثَرُهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ، وَدُرُّ وَجَوْهَرٌ وَتِيجَانٌ مُرَصَّعَةٌ وَبِدَرٌ مُجَمَّعَةٌ فَلَمَّا أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ وَمِلْنَا إِلَيْهِ، وَأَخَذْنَا نَسْتَعْجِز رَأَيَهُ، فِي القُنُوعِ بِيَسِيرِ المَكَاسِبِ، مَعَ أَنَّهُ عَارِفٌ بِهَذِهِ المَطَالِبِ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَفْزَعُ مِنْ السُّلْطانِ، وَلا يَثِقُ إِلى أَحَدٍ مِنَ الإِخْوَانِ، فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا حُجَّتُكَ، وَقَبِلْنَا مَعْذِرَتَكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْنَا، وَتَمُنَّ عَلَيْنَا، وَتُعَرَّفْنَا أَحَدَ هَذَيْنِ المَطْلَبَيْنِ، عَلى أَنَّ لَكَ الثُّلُثَيْنِ؛ فَعَلْتَ، فَأمالَ إِلَيْنَا يَدَهُ، وَقَالَ: مَنْ قَدَّمَ شَيْئاً وَجَدَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَا يُنَالُ، هَانَ عَلَيْهِ بَذْلُ المَالِ، فَكُلٌّ مِنَّا حَبَاهُ بِما حَضَرَ، وَتَشَوَّقَ إِلى مَا ذَكَرَ، فَلَمَّا مَلأْنَا كَفَّهُ، رَفَعَ إِلَيْنَا طَرْفَهُ، وَقَالَ: لابُدَّ أَنْ يَقْضِيَ عَلَقاً، وَنَنَالُ مَا يُمْسِكُ رَمَقاً، وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُنَا، وَالمَوْعِدُ غَداً هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا تَفَرَّقَتْ تِلْكَ الجَمَاعَةُ، قَعَدْتُ بَعْدَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ، وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقُلْتُ وَقَدْ رَغِبْتُ في مَعْرِفَتِهِ، وَتَاقَتْ نَفْسِي إِلَى مُحَادَثَتِهِ: كَأَنَّنيِ عَارِفٌ بِنَسَبِكَ، وَقَدْ اجْتَمَعْتُ بِكَ! فَقَالَ: نَعَمْ ضَمَّنَا طَرِيقُ، وَأَنْتَ لِي رَفِيقٌ، فَقُلْتُ: قَدْ غَيَّرَكَ عَلَيَّ الزَّمَانُ، وَمَا أَنْسَانِيكَ إِلاَّ الشَّيْطَانُ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

أَنَا جَبَّـارُ الـزَّمَـانِ *** لِي مِنَ السُّخْفِ مَعَانِي
وَأَنَا المُنْفِقُ بَـعْـدَ ال *** مَالِ مِنْ كِيسِ الأَمَانِي
مَن أَرَادَ القَصْفَ وَالغَرْ *** فَ عَلَى عَزْفِ المَثَانِي
وَاصْطَفَى المُرْدَانَ جَهْلاً *** مِنْ فُـلاَنٍ وَفُـــلاَنِ
صَارَ مِنْ مَالٍ وَإِقْـبَـا *** لٍ تَـرَاهُ فِـي أَمَـانِ

حسن خليل
20-11-10, 01:40 PM
المقامة البشرية لبديع الزمان

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: كَانَ بِشْرُ بْنُ عَوَانَةُ العَبْدِيُّ صُعْلُوكاً. فَأَغَارَ عَلَى رَكْبٍ فِيهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ، فَتَزَوَّجَ بِهَا، وَقالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَومِ، فَقالَتْ:

أَعْجَبَ بِشْراً حَوَرٌ في عَيْنِي *** وَسَاعِدٌ أَبْيَضُ كالُّـلـجَـيْنِ
وَدُونَهُ مَسْرحَ طَرْفِ العَـيْنِ *** خَمْصَانَةٌ تَرْفُلُ فَي حِجْلَـينِ
أَحْسَنُ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْليَنِ *** لَوْ ضَمَّ بِشْرٌ بَيْنَهَا وَبَـيْنـي
أَدَامَ هَجْرِي وَأَطَالَ بَـيْنِـي *** وَلَوْ يَقِيسُ زَيْنَهَـا بِـزَيْنِـي

لأَسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ قَالَ بِشْرٌ: وَيْحَكِ مَنْ عَنَيْتِ؟ فَقَالَتْ: بِنْتَ عَمِّكَ فَاطِمَةَ، فَقالَ: أَهِيَ مِنَ الحُسْنِ بِحَيْثُ وَصَفْتِ؟ قالَتْ: وَأَزْيَدُ وَأَكْثَرُ، فَأَنْشَأ يَقُولُ:

وَيْحَكِ يَا ذَاتَ الثَّـنَـايَا الـبِـيضِ *** مَا خِلْتُنِي مِنْكِ بِمُـسْـتَـعـيضِ
فَالآنَ إِذْ لَوَّحْتِ بِـالـتَّـعْـرِيضِ *** خَلَوْتِ جَوّاً فَاصْفِري وَبِـيِضـي
لاَ ضُمَّ جَفْنَايَ عَلى تَـغْـمِـيضِ *** مَا لَمْ أُشُلْ عِرْضِي مِنَ الحَضِيضِ

فَقَالَتْ:
كَمْ خَاطِبٍ فِي أَمْرِهَا أَلحَّا *** وَهْيَ إِلْيكَ ابْنَةُ عَمٍّ لَحَّـا

ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ يَخْطُبُ ابْنَتَهُ، وَمَنَعَهُ العَمُّ أُمْنِيَّتَهُ، فَآلى أَلاَّ يُرْعِىَ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، ثُمَّ كَثُرَتْ مَضَرَّاتُهُ فِيهِمْ، وَاتَّصَلَتْ مَعَرَّاتُهُ إِلَيْهِمْ؛ فَاجْتَمَعَ رِجَالُ الحَيِّ إِلَى عَمِّهِ، وَقَالُوا:كُفَّ عَنَّا مَجْنُونَكَ، فَقَالَ: لاَ تُلْبِسُونشي عَاراً، وَأَمْهِلُونِي حَتَّى أُهْلِكَهُ بِبَعْضِ الحِيَلِ، فَقَالُوا: أَنْتَ وَذَاكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَمُّهُ: إِنِّي آلَيْتُ أَنْ لاَ أُزَوِّجَ ابْنَتِي هَذِهِ إِلاَّ مِمَّنْ يَسُوقُ إِلَيْهَا أَلْفَ نَاقَةٍ مَهْراً، وَلا أَرْضَاهَا إِلاَّ مِنْ نُوقِ خُزَاعَةَ، وَغَرَضُ العَمِّ كَانَ أَنْ يَسْلُكَ بِشْرٌ الطَّرِيقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُزَاعَةَ فَيَفْتَرِسَهُ الأَسَدُ؛ لأَنَّ العَرَبَ قَدْ كَانَتْ تَحَامَتْ عَنْ ذَلكَ الطَّريقِ، وَكَانَ فِيهِ أَسَدٌ يُسَمَّى دَاذاً، وَحَيَّةٌ تُدْعَى شُجَاعاً، يَقُولُ فِيِهِمَا قَائِلهُمْ:

أَفْتَكُ مِنْ دَاذٍ وَمِنْ شُجَاعٍ *** إِنْ يِكُ دَاذٌ سَيِّدَ السِّبَـاعِ

فَإِنَّهَا سَيِّدَةُ الأَفَاعي ثُمَّ إِنَّ بِشْراً سَلَكَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَمَا نَصَفَهُ حَتَّى لَقِيَ الأَسَدَ، وَقَمَصَ مُهْرُهُ، فَنَزَلَ وَعَقَرَهُ، ثُمَّ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ إِلَى الأَسَدِ، وَاعْتَرَضَهُ، وَقَطَّهُ، ثُمَّ كَتَبَ بِدَمِ الأَسَدِ عَلى قَميصِهِ إِلَى ابْنَةِ عَمِّهِ:

أَفَاطِمُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَـبْـتٍ *** وَقَدْ لاَقى الهِزَبْرُ أَخَاكِ بِشْـرَا
إِذاً لَـرَأَيْتِ لَـيْثـاً زَارَ لَـيْثـاً *** هِزَبْرَاً أَغْلَباُ لاقـى هِـزَبْـرَا
تَبَهْنَسَ ثم أحجم عَنْهُ مُهْـرِي *** مُحَاذَرَةً، فَقُلْتُ: عُقِرْتَ مُهْـرَا
أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الأَرْضِ؛ إِنِّـي *** رَأَيْتُ الأَرْضَ أَثْبَتَ مِنْكَ ظَهْرَا
وَقُلْتُ لَهُ وَقَدْ أَبْـدَى نِـصـالاَ *** مُحَدَّدَةً وَوَجْهاً مُـكْـفَـهِـراًّ
يُكَفْـكِـفُ غِـيلَةً إِحْـدَى يَدَيْهِ *** وَيَبْسُطُ للْوُثُوبِ عَلـىَّ أُخْـرَى
يُدِلُّ بِمِخْـلَـبٍ وَبِـحَـدِّ نَـابٍ *** وَبِاللَّحَظاتِ تَحْسَبُهُنَّ جَـمْـرَا
وَفي يُمْنَايَ مَاضِي الحَدِّ أَبْقَـى *** بِمَضْرِبهِ قِراعُ المْـوتِ أُثْـرَا
أَلَمْ يَبْلُغْكَ مَا فَعَـلَـتْ ظُـبـاهُ *** بِكَاظِمَةٍ غَدَاةَ لَقِـيتَ عَـمْـرَا
وَقَلْبِي مِثْلُ قَلْبِكَ لَيْسَ يَخْـشَـى *** مُصَاوَلةً فَكَيفَ يَخَافُ ذَعْرَا ؟!
وَأَنْتَ تَرُومُ للأَشْـبَـالِ قُـوتـاً *** وَأَطْلُبُ لابْنَةِ الأَعْمامِ مَـهْـرَا
فَفِيمَ تَسُومُ مِـثْـلـي أَنْ يُوَلِّـي *** وَيَجْعَلَ في يَدَيْكَ النَّفْسَ قَسْرَا؟
نَصَحْتُكَ فَالْتَمِسْ يا لَيْثُ غَـيْرِي *** طَعَاماً؛ إِنَّ لَحْمِي كَـانَ مُـرَّا
فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّ الغِشَّ نُـصْـحِـى *** وَخالَفَنِي كَأَنِي قُلْتُ هُـجْـرَا
مَشَى وَمَشَيْتُ مِنْ أَسَدَيْنَ رَامـا *** مَرَاماً كانَ إِذْ طَلَبـاهُ وَعْـرَا
هَزَزْتُ لَهُ الحُسَامَ فَخِلْتُ أَنِّـي *** سَلَلْتُ بِهِ لَدَى الظَّلْماءِ فَجْـرَا
وَجُدْتُ لَـهُ بِـجَـائِشَةٍ أَرَتْـهُ *** بِأَنْ كَذَبَتْهُ مَا مَـنَّـتْـهُ غَـدْرَا
وَأَطْلَقْتُ المَهَّنَد مِـنْ يَمِـيِنـي *** فَقَدَّ لَهُ مِنَ الأَضْلاَعِ عَـشْـرَا
فَخَرَّ مُـجَـدَّلاً بِـدَمٍ كَـأنـيَّ *** هَدَمْتُ بِهِ بِناءً مُـشْـمَـخِـرا
وَقُلْتُ لَهُ: يَعِـزُّ عَـلَّـي أَنِّـي *** قَتَلْتُ مُنَاسِبي جَلَداً وَفَـخْـرَا؟
وَلَكِنْ رُمْتَ شَـيْئاً لـمْ يَرُمْـهُ *** سِوَاكَ، فَلمْ أُطِقْ يالَيْثُ صَبْـرَا
تُحاوِلُ أَنْ تُعَلِّمـنِـي فِـرَاراً! *** لَعَمْرُ أَبِيكَ قَدْ حَاوَلْتَ نُـكْـرَا!
فَلاَ تَجْزَعْ؛ فَقَدْ لاقَـيْتَ حُـرًّا *** يُحَاذِرُ أَنْ يُعَابَ؛ فَمُـتَّ حُـرَّا
فَإِنْ تَكُ قَدْ قُتِلْتَ فَلـيْسَ عَـاراً *** فَقَدْ لاَقَيْتَ ذا طَرَفَـيْنِ حُـرَّا


فَلمَّا بَلَغَتِ الأَبْيَاتُ عَمَّهُ نَدِمَ عَلَى ما مَنَعَهُ تَزْوِيجَهَا، وَخَشِيَ أَنْ تَغْتَالَهُ الحَيَّةُ، فَقَامَ في أَثرِهِ، وَبَلَغَهُ وَقَدْ مَلكَتَهُ سَوْرَةُ الحَيَّةِ، فَلمَّا رَأَى عَمَّهُ أَخَذَتْهُ حَمِيَّةُ الجَاهِلِيَّةِ، فَجَعلَ يَدَهُ فِي فَمِ الحَيَّةِ وَحَكَّمَ سَيْفَهُ فِيهَا، فَقَالَ:
بِشْرٌ إِلَى المَجْدِ بَعِيدٌ هَمُّهُ *** لَمَّا رآهُ بِالعَرَاءِ عَمُّـهُ
قدْ ثَكِلَتْهُ نَفْسُـهُ وَأُمُّـهُ *** جَاشَتْ بِهِ جَائِشَةٌ تَهُمُّهُ
قَامَ إِلَى ابْنٍ للفَلاَ يَؤُمُّـهُ *** فَغَابَ فِيهِ يَدُهُ وَكُـمُّـهُ

وَنَفْسُهُ نَفْسِي وَسَمِّي سَمُّهُ

فَلَمَّا قَتَلَ الحَيَّةَ قَالَ عَمُّهُ: إِنيِّ عَرَّضْتُكَ طَمَعاً في أَمْرٍ قَدْ ثَنَى اللهُ عِنَانِي عَنْهُ، فارْجِعْ لأَزَوِّجَكَ ابْنَتِي، فَلَمَّا رَجَعَ جَعَلَ بِشرٌ يَمْلأُ فَمَهُ فَخْراً، حَتَّى طَلَعَ أَمْرَدُ كَشِقِّ القَمَرِ على فَرَسِهِ مُدَجَّجَاً في سِلاَحِهِ، فَقَالَ بِشْرٌ: يَا عَمُّ إِني أَسْمَعُ حِسَّ صَيْدٍ، وَخَرَجَ فَإِذَا بِغُلامٍ عَلى قَيْدٍ، فَقالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا بِشْرُ! أَنْ قَتَلْتَ دُودَةً وَبَهِيمَةً تمَلأُ ماضِغَيْكَ فَخْراً؟ أَنْتَ في أَمَانٍ إِنْ سلَّمْتَ عمَّكَ فَقَالَ بِشْرٌ مَنْ أَنْتَ لا ُأَّم لكَ قَالَ اليَوْمُ الأَسْوَدُ والمَوْتُ الأَحْمَرُ، فَقالَ بِشْرٌ: ثَكِلَتْكَ مَنْ سَلَحَتْكَ، فَقالَ: يَا بِشْرُ وَمَنْ سَلَحَتْكَ، وَكَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا علَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَتَمكَّنْ بِشْرٌ مِنْهُ، وَأَمكَنَ الغُلاَمَ عِشْرُونَ طَعْنَةً في كُلْيَةِ بِشْرٍ، كُلَّمَا مَسَّهُ شَبَا السِّنانِ حَمَاهُ عَنْ بَدَنِهِ إبِقْاَءً عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بِشْرُ كَيْفَ تَرَى؟ أَلَيْسَ لَوْ أَرَدْتُ لأَطْعَمْتُكَ أَنْيَابَ الرُّمْحِ؟ ثُمَّ أَلْقَى رُمْحَهُ واسْتَلَّ سَيْفَهُ فَضَربَ بِشْراً عِشْرينَ ضرْبةً بِعَرْضِ السَّيْفِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ بِشْرٌ مِنْ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا بِشْرُ سَلِّمْ عَمَّكَ وَاذْهَبْ فِي أَمانٍ، قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ بِشَريطَةِ أَنْ تَقُولَ منْ أَنْتَ، فَقَالَ: أَنَا ابْنُكَ، فقالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ مَا قَارَنْتُ عَقِيَلةً قَطُّ فَأَنَّى لِي هَذِهِ المِنْحَةُ؟؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ المَرْأَةِ التِّي دَلَّتْكَ عَلى ابْنَةِ عَمِّكَ، فَقالَ بِشْرٌ:
تِلْكَ العَصَا مِنْ هَذِهِ العُصَيَّةْ *** هَلْ تَلِدُ الحَيَّةَ إِلاَّ الحَـيَّةْ!

وَحَلَفَ لاَ رَكِبَ حِصاناً، وَلا تَزَوَّجَ حَصَاناً. ثُمَّ زَوَّجَ ابْنَةَ عَمِهِ لابْنِهِ.

حسن خليل
20-11-10, 01:44 PM
وبهذا نكون قد انتهينا من نصوص مقامات بديع الزمان الهمذاني.

وسوف نكمل نصوص مقامات الحريري إن شاء الله لاحقاً.

حسن خليل
21-11-10, 03:14 PM
المقامة الإسكندرية للحريري

قالَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ: طَحا بي مَرَحُ الشّبابِ. وهوَى الاكتِسابِ. إلى أن جُبْتُ ما بينَ فرْغانَةَ. وغانَةَ. أخوضُ الغِمارَ. لأجْني الثّمارَ. وأقْتَحِمُ الأخْطارَ. لكَيْ أُدرِكَ الأوْطارَ. وكُنتُ لَقِفْتُ منْ أفْواهِ العُلَماء. وثَقِفْتُ منْ وَصايا الحُكَماء. أنهُ يلْزَمُ الأديبَ الأريبَ. إذا دخَلَ البلَدَ الغريبَ. أنْ يَستَميلَ قاضِيَهُ. ويستَخْلِصَ مَراضِيَهُ. ليشْتَدّ ظهرُهُ عندَ الخصامِ. ويأمَنَ في الغُربَةِ جَوْرَ الحُكّامِ. فاتّخذْتُ هذا الأدَبَ إماماً. وجعلْتُهُ لمَصالحي زِماماً. فما دخلْتُ مَدينةً. ولا ولَجْتُ عَرينَةً. إلا وامتزجْتُ بحاكمِها امتِزاجَ الماءِ بالرّاحِ. وتقوّيْتُ بعِنايَتِهِ تقَوّي الأجْسادِ بالأرْواحِ. فبَينَما أنا عِندَ حاكِمِ الإسكنْدَريّةِ. في عشيّةٍ عرِيّةٍ. وقد أحضَرَ مالَ الصّدَقاتِ. ليَفُضّهُ على ذوي الفاقاتِ. إذْ دخَل شيخٌ عِفْرِيَةٌ. تعْتُلُهُ امرأةٌ مُصْبِيَةٌ. فقالت: أيّدَ اللهُ القاضيَ. وأدامَ بهِ التّراضي. إني امرأةٌ من أكرَمِ جُرثومَةٍ. وأطْهَرِ أرومةٍ. وأشرَفِ خُؤولَةٍ وعُمومَةٍ. مِيسَمي الصَّونُ. وشيمَتي الهَوْنُ. وخُلُقي نِعْمَ العَوْنُ. وبيْني وبينَ جاراتي بوْنٌ. وكان أبي إذا خطَبَني بُناةُ المجْدِ. وأرْبابُ الجَدّ. سكّتَهُم وبكّتَهُم. وعافَ وُصلَتَهُمْ وصِلَتَهمْ. واحتجّ بأنّهُ عاهَدَ اللهَ تَعالى بحَلْفَةٍ. أن لا يُصاهِرَ غيرَ ذي حِرفَةٍ. فقيّضَ القدَرُ لنَصَبي. ووَصَبي. أنْ حضَرَ هذا الخُدَعَةُ ناديَ أبي. فأقسَمَ بينَ رهْطِهِ. أنّهُ وَفْقُ شرْطِهِ. وادّعى أنهُ طالَما نظَمَ دُرّةً إلى دُرّةٍ. فباعَهُما ببَدْرَةٍ. فاغْتَرّ أبي بزَخرَفَةِ مُحالِهِ. وزوّجَنيهِ قبْلَ اختِبارِ حالِه. فلمّا استَخْرَجَني منْ كِناسي. ورحّلَني عنْ أُناسي. ونقَلَني إلى كسْرِهِ. وحصّلَني تحْتَ أسرِهِ. وجدْتُهُ قُعَدَةً جُثَمَةً. وألفَيْتُهُ ضُجَعَةً نُوَمَةً. وكنتُ صحبْتُهُ برِياشٍ وزِيٍّ. وأثاثٍ ورِيٍّ. فما برِحَ يَبيعُهُ في سوقِ الهضْمِ. ويُتْلِفُ ثمَنَهُ في الخَضْمِ. والقَضْمِ. إلى أنْ مزّقَ ما لي بأسْرِهِ. وأنْفَقَ مالي في عُسْرِهِ. فلمّا أنْساني طعْمَ الرّاحةِ. وغادرَ بيْتي أنْقَى منَ الرّاحةِ. قلتُ له: يا هَذا إنّهُ لا مخْبأ بعْدَ بوسٍ. ولا عِطْرَ بعْدَ عَروسٍ. فانهَضْ للاكتِسابِ بصِناعَتِكَ. واجْنِني ثمَرَةَ براعتِكَ. فزعَمَ أن صِناعَتَهُ قد رُمِيتْ بالكَسادِ. لِما ظهرَ في الأرضِ من الفَسادِ. ولي منْهُ سُلالةٌ. كأنّهُ خِلالَةٌ. وكِلانا ما يَنالُ معَهُ شُبْعَةً. ولا ترْقأُ لهُ منَ الطّوى دمعَةٌ. وقد قُدتُهُ إليْكَ. وأحضَرْتُهُ لديْكَ. لتَعْجُمَ عودَ دعْواهُ. وتحْكُمَ بيْنَنا بِما أراكَ اللهُ. فأقْبَلَ القاضي عليْهِ وقال لهُ: قد وعَيْتُ قَصَصَ عِرْسِكَ. فبرْهِنِ الآنَ عن نفسِكَ. و إلا كشَفْتُ عن لَبْسِكَ. وأمرْتُ بحبْسِكَ. فأطْرَقَ إطْراقَ الأُفعُوانِ. ثمّ شمّرَ للحرْبِ العَوانِ. وقال:
اسْمَعْ حَديثي فإنّـهُ عـجَـبُ *** يُضحَكُ من شرحِهِ ويُنتحَـبُ
أنا امرؤٌ ليسَ في خَصائِصِـهِ *** عيْبٌ ولا في فَـخـارِهِ رِيَبُ
سَروجُ داري التي ولِدْتُ بهـا *** والأصلُ غسّانُ حينَ أنتسِـبُ
وشُغليَ الدّرسُ والتبحُّرُ في الـ *** عِلمِ طِلابي وحبّذا الطّـلَـبُ
ورأسُ مالي سِحْرُ الكَلامِ الذي *** منهُ يُصاغُ القَريضُ والخُطَبُ
أغوصُ في لُجّةِ البَـيان فـأخ *** تارُ اللآلي منْها وأنْـتَـخِـبُ
وأجْتَني اليانِعَ الجَنيَّ مـنَ الـ *** قوْلِ وغيري للعودِ يحْتَطِـبُ
وآخُذُ اللـفْـظَ فِـضّةً فـإذا *** ما صُغْتُهُ قـيلَ إنّـهُ ذهـبُ
وكُنتُ منْ قبلُ أمْتَري نشَـبـاً *** بالأدَبِ المُقْتَنى وأحـتَـلِـبُ
ويمْتَطي أخْمَصي لُـرْمَـتِـهِ *** مَراتِباً ليسَ فوقَـهـا رُتَـبُ
وطالَما زُفّتِ الصِّـلاتُ إلى *** ربْعي فلمْ أرْض كلَّ منْ يهَبُ
فاليوْمَ مَنْ يعْلَقُ الرّجـاءُ بـهِ *** أكسَدُ شيءٍ في سوقِـه الأدَبُ
لا عِرْضُ أبْـنـائِهِ يُصـانُ ولا *** يُرْقَبُ فيهِـمْ إلٌّ ولا نـسَـبُ
كأنّهُمْ في عِراصِـهِـمْ جِـيَفٌ *** يُبْعَدُ منْ نتْنِـهـا ويُجْـتَـنَـبُ
فحارَ لُبّي لِـمـا مُـنـيتُ بـهِ *** منَ اللّيالي وصرْفُها عـجَـبُ
وضاقَ ذرْعي لضيقِ ذاتِ يَدي *** وساوَرَتْني الهُمومُ والـكُـرَبُ
وقادَني دهْري الـمُـلـيمُ إلى *** سُلوكِ ما يستَشينُهُ الـحـسَـبُ
فبِعْتُ حتى لم يبْقَ لـي سـبَـدٌ *** ولا بَـتـاتٌ إلـيْهِ أنْـقَـلِـبُ
وادّنْتُ حتى أثقَلتُ سالِـفَـتـي *** بحَملِ دَينٍ من دونِه العـطَـبُ
ثمّ طوَيتُ الحَشا على سـغَـبٍ *** خمْساً فلما أمَضّني السّـغَـبُ
لمْ أرَ إلا جِهازَهـا عـرَضـاً *** أجولُ في بيعِه وأضْـطَـرِبُ
فجُلتُ فيهِ والنّـفْـسُ كـارهَةٌ *** والعينُ عَبرَى والقلبُ مُكتَـئِبُ
وما تجاوزْتُ إذ عبـثْـتُ بـهِ *** حَدَّ التَراضي فيحدُثَ الغضَـبُ
فإنْ يكُنْ غاظَها تـوهُّـمُـهـا *** أنّ بَناني بالنّظْمِ تـكـتـسِـبُ
أو أنّني إذ عزَمتُ خِطبَـتَـهـا *** زخْرَفتُ قوْلي لينجَـحَ الأرَبُ
فوالّذي سارَتِ الـرّفـاقُ إلى *** كعْبَتِهِ تستَحثُّـهـا الـنُّـجُـبُ
ما المكْرُ بالمُحصَناتِ من خُلُقي *** ولا شِعاري التّمويهُ والـكـذِبُ
ولا يَدي مُذْ نشأتُ نـيطَ بـهـا *** إلا مَواضي اليَراعِ والكُـتُـبِ
بل فِكْرَتي تنظِمُ القَلائِدَ لا كـفْ *** في وشعري المنظوم لا السُّخُبُ
فهَذِهِ الحِرفَةُ الـمُـشـارُ إلى *** ما كُنتُ أحوي بها وأجتَـلِـبُ
فأذَنْ لشَرْحي كما أذِنتَ لـهـا *** ولا تُراقِبْ واحكُمْ بمـا يجِـبُ
قال: فلمّا أحكَم ما شادَهُ. وأكملَ إنشادَهُ. عطَفَ القاضي إلى الفَتاةِ. بعْدَ أن شُعِفَ بالأبياتِ. وقال: أمَا إنّهُ قدْ ثبَتَ عندَ جميع الحُكّامِ. ووُلاةِ الأحْكامِ. انقِراضُ جيلِ الكِرامِ. وميْلُ الأيامِ إلى اللّئامِ. وإني لإخالُ بعْلَكِ صَدوقاً في الكلامِ. برِيّاً من المَلامِ. وها هو قدِ اعتَرَفَ لكِ بالقَرْضِ. وصرّحَ عنِ المَحْضِ. وبيّنَ مِصْداقَ النّظْمِ. وتبيّنَ أنّه مَعروقُ العظْمِ. وإعْناتُ المُعْذِرِ مَلأمَةٌ. وحبْسُ المُعسِرِ مألَمةٌ. وكِتْمانُ الفَقْرِ زَهادَةٌ. وانتِظارُ الفَرَجِ بالصّبرِ عِبادَةٌ. فارْجِعي إلى خِدرِك. واعذُري أبا عُذْرِكِ. ونَهْنِهي عن غَرْبِكِ. وسلّمي لقَضاءِ ربّكِ. ثمّ إنّهُ فرضَ لهُما في الصّدقاتِ حِصّةً. وناوَلَهُما منْ دَراهِمِهما قَبصَةً. وقال لهُما: تعلّلا بهذه العُلالَةِ. وتندّيا بهذِهِ البُلالَةِ. واصْبِرا على كيْدِ الزّمانِ وكدّهِ. فعَسى اللهُ أنْ يأتيَ بالفَتْحِ أو أمْرٍ من عِندِه. فنَهَضا وللشّيخِ فرْحَةُ المُطْلَقِ من الإسارِ. وهِزّةُ الموسِرِ بعْدَ الإعْسارِ. قال الرّاوي: وكنتُ عرفْتُ أنهُ أبو زيدٍ ساعةَ بزغَتْ شمسُهُ. ونزغَتْ عِرسُهُ. وكدْتُ أُفصِحُ عن افتِنانِه. وأثْمارِ أفْنانِهِ. ثمّ أشفَقْتُ من عُثورِ القاضي على بُهتانِه. وتزْويقِ لِسانِه. فلا يرَى عندَ عِرْفانِه. أن يُرشِّحَهُ لإحسانِه. فأحْجَمْتُ عنِ القوْلِ إحْجامَ المرْتابِ. وطوَيتُ ذكْرَهُ كطَيّ السّجِلّ للكِتابِ. إلا أني قُلتُ بعدَما فصَلَ. ووصلَ إلى ما وصَلَ: لوْ أنّ لَنا مَنْ ينطَلِقُ في أثَرِه. لأتانا بفَصّ خبَرِهِ. وبِما يُنْشَرُ من حِبَرِهِ. فأتبَعَه القاضي أحدَ أُمنائِهِ. وأمرَهُ بالتّجسّسِ عنْ أنبائِهِ. فما لبِثَ أنْ رجَعَ مُتَدَهْدِهاً. وقهْقَرَ مُقهْقِهاً. فقال له القاضي: مَهْيَمْ. يا أبا مرْيَمَ؟ فقال: لقدْ عايَنْتُ عجَباً. وسمعْتُ ما أنْشأ لي طرَباً. فقال لهُ: ماذا رأيتَ. وما الذي وعَيْتَ؟ قال: لمْ يزَلِ الشيخُ مذْ خرَجَ يُصفّقُ بيَدَيْهِ. ويخالِفُ بينَ رِجلَيْهِ. ويغرّدُ بمِلء شِدْقَيْهِ. ويقول:
كِدْتُ أصْلَى ببَلِيّهْ *** منْ وَقاحٍ شَمّرِيّهْ
وأزورُ السّجْنَ لوْلا *** حاكِمُ الإسكندريّهْ
فضحِكَ القاضي حتى هوَتْ دنِّيّتُهُ. وذوَتْ سكينَتُهُ. فلمّا فاء إلى الوَقارِ. وعقّبَ الاستِغْراب بالاستِغْفارِ. قال: اللهُمّ بحُرمَةِ عِبادِكَ المقرّبينَ. حرّمْ حبْسي على المتأدّبينَ. ثمّ قال لذلِكَ الأمين: عليّ بهِ. فانطلقَ مُجِدّاً بطلَبِه. ثمّ عادَ بعدَ لأيِهِ. مخبّراً بنأيِهِ. فقال لهُ القاضي: أمَا إنّهُ لوْ حضَرَ. لكُفيَ الحذرَ. ثمّ لأوْلَيْتُهُ ما هو به أوْلى. ولأرَيتُهُ أنّ الآخِرَةَ خيرٌ لهُ من الأولى. قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا رأيتُ صَغْوَ القاضي إليهِ. وفَوْتَ ثمرَةِ التّنبيهِ علَيْهِ. غَشِيَتني نَدامَةُ الفرَزْدَقِ حينَ أبانَ النّوارَ. والكُسَعيِّ لمّا استَبانَ النّهارَ.

حسن خليل
21-11-10, 03:15 PM
المقامة البرقعيدية للحريري

حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: أزْمَعْتُ الشّخوصَ منْ بَرْقَعيدَ. وقد شِمْتُ برْقَ عِيدٍ. فكرِهتُ الرّحلةَ عنْ تلكَ المَدينَةِ. أو أشهَدَ بها يوْمَ الزّينَةِ. فلمّا أظَلّ بفَرْضِهِ ونفْلِهِ. وأجْلَبَ بخَيْلِهِ ورَجْلِهِ. اتّبَعْتُ السُنّةَ في لُبسِ الجَديدِ. وبرَزْتُ معَ مَنْ برَزَ للتّعييدِ. وحينَ التَأمَ جمْعُ المُصَلّى وانْتَظَمَ. وأخذَ الزِّحامُ بالكَظَمِ. طلَعَ شيخٌ في شمْلَتَينِ. محْجوبُ المُقلتَيْنِ. وقدِ اعْتَضَدَ شِبْهُ المِخْلاةِ. واسْتَقادَ لعَجوزٍ كالسِّعْلاةِ. فوقَفَ وِقْفَة مُتهافِتٍ. وحيّا تحيّةَ خافِتٍ. ولمّا فرَغَ منْ دُعائِهِ. أجالَ خَمْسَهُ في وِعائِهِ. فأبْرَزَ منْهُ رِقاعاً قدْ كُتِبنَ بألوانِ الأصْباغِ. في أوانِ الفَراغِ. فناوَلَهُنّ عَجوزَهُ الحَيْزَبونَ. وأمرَها بأنْ تتوسّمَ الزَّبونَ. فمَنْ آنسَتْ نَدى يدَيْهِ. ألْقَتْ ورَقَةً منهُنّ لدَيْهِ. فأتاحَ ليَ القدَرُ المعْتوبُ. رُقْعَةً فيها مكْتوبٌ:

لقَدْ أصبَحْتُ موقـوذاً *** بأوجـاعٍ وأوْجــالِ


ومَمْنُواً بمُـخْـتـالٍ *** ومُحْتالٍ ومُغْـتـالِ


وخَوّانٍ مـنَ الإخْـوا *** نِ قالٍ لي لإقْلالـي


وإعْمالٍ منَ العُـمّـا *** لِ في تضْليعِ أعْمالي


فكمْ أُصْلي بـإذحـالٍ *** وإمْحالٍ وتـرْحـالِ


وكَمْ أخْطِرُ في بـالٍ *** ولا أخْطُرُ في بـالِ


فلَيْتَ الدّهْرَ لمّا جـا *** رَ أطْفا ليَ أطْفالـي


فلَـوْلا أنّ أشْـبــا *** ليَ أغْلالي وأعْلالي


لَما جهّزْتُ آمـالـي *** إلى آلٍ ولا والـي


ولا جـرّرْتُ أذْيالـي *** على مَسْحَبِ إذْلالي


فمِحْرابيَ أحْرَى بـي *** وأسْماليَ أسْمَى لـي


فهلْ حُرٌ يَرى تخْفـي *** فَ أثْقالي بمِثْـقـالِ


ويُطْفي حَرَّ بَلْبـالـي *** بسِرْبـالٍ وسِـرْوالِ

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلما استَعْرَضْتُ حُلةَ الأبْياتِ تُقْتُ إلى معرِفَةِ مُلْحِمِها. وراقِمِ علَمِها. فناجاني الفِكْرُ بأنّ الوُصْلَةَ إلَيْهِ العَجوزُ. وأفْتاني بأنّ حُلوانَ المُعرِّفِ يَجوزُ. فرَصَدْتُها وهيَ تستَقْري الصّفوفَ صَفّاً صَفاً. وتستَوكِفُ الأكُفَّ كفّاً كفاً. وما إنْ ينْجَحُ له عَناءٌ. ولا يرْشَحُ على يدِها إناءٌ. فلما أكْدى استِعْطافُها. وكدّها مَطافُها. عاذَتْ بالاسْتِرْجاعِ. ومالَتْ إلى إرجاعِ الرِّقاعِ. وأنْساها الشيْطانُ ذِكْرَ رُقْعَتي. فلمْ تعُجْ إلى بُقْعَتي. وآلَتْ إلى الشيْخِ باكيةً للحِرْمانِ. شاكِيةً تحامُلَ الزّمانِ. فقالَ: إنّا للهِ. وأفوّضُ أمْري إلى اللهِ. ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلا باللهِ. ثمّ أنْشَدَ:


لمْ يبْقَ صافٍ ولا مُصافٍ *** ولا مَعينٌ ولا مُـعـينُ


وفي المَساوي بَدا التّساوي *** فلا أمـينٌ ولا ثَـمـينُ


ثم قال لها: مَنّي النّفْسَ وعِديها. واجْمَعي الرِّقاعَ وعُدّيها. فقالَتْ: لقدْ عدَدْتُها. لمّا استَعَدْتُها. فوجَدْتُ يدَ الضّياعِ. قد غالَتْ إحْدى الرِّقاعِ. فقال: تعْساً لكِ يا لَكاعِ! أنُحْرَمُ ويْحَكِ القنَصَ والحِبالَةَ. والقَبَسَ والذُبالةَ؟ إنّها لضِغْثٌ على إبّالَةٍ! فانْصاعَتْ تقْتَصّ مَدْرَجَها. وتَنْشُدُ مُدْرَجَها. فلمّا دانَتْني قرَنْتُ بالرُقعَةِ. دِرْهَماً وقِطْعَةً. وقلتُ لها: إنْ رَغِبتِ في المَشوفِ المُعْلَمِ. وأشَرْتُ إلى الدّرهَمِ. فَبوحي بالسّرّ المُبهَمِ. وإنْ أبَيْتِ أنْ تشْرَحي. فخُذي القِطعَةَ واسرَحي. فمالَتْ إلى استِخْلاصِ البدْرِ التِّمّ . والأبلَجِ الهِمّ. وقالتْ: دعْ جِدالَكَ. وسَلْ عمّا بَدا لَكَ. فاستَطْلَعْتُها طِلْعَ الشّيخٍ وبَلْدَتِهِ. والشِّعْرِ وناسِجِ بُرْدَتِه. فقالَتْ: إنّ الشيخَ من أهلِ سَروجَ. وهوَ الذي وشّى الشّعرَ المَنسوجَ. ثمّ خَطِفَتِ الدّرْهمَ خَطفَةَ الباشِقِ. ومرَقَتْ مُروقَ السّهْمِ الرّاشِقِ. فخالَجَ قلْبي أنّ أبا زيْدٍ هوَ المُشارُ إليْهِ. وتأجّجَ كرْبي لمُصابِهِ بناظِرَيْهِ. وآثرْتُ أنْ أُفاجِيهِ وأناجيهِ. لأعْجُمَ عودَ فِراسَتي فيه. وما كُنتُ لأصِلَ إليْهِ إلا بتَخطّي رِقابِ الجمْعِ. المَنْهيّ عنْهُ في الشّرْعِ. وعِفْتُ أنْ يتأذّى بي قوْمٌ. أو يسْري إليّ لوْمٌ. فسَدِكْتُ بمَكاني. وجعلْتُ شخْصَهُ قيْدَ عِياني. إلى أنِ انْقضَتِ الخُطبَةُ. وحقّتِ الوثْبَةُ. فخفَفْتُ إليْهِ. وتوسّمْتُهُ على التِحامِ جَفنَيْهِ. فإذا ألمَعيّتي ألمَعيّةُ ابنِ عبّاسٍ. وفِراسَتي فِراسَةُ إياسٍ. فعرّفتُهُ حينَئِذٍ شخْصي. وآثَرْتُه بأحَدِ قُمْصي. وأهَبْتُ بهِ إلى قُرْصي. فهشّ لعارِفَتي وعِرْفاني. ولبّى دعْوَةَ رُغْفاني. وانْطَلَقَ ويَدي زِمامُهُ. وظلّي إمامُهُ. والعجوزُ ثالثَةُ الأثافي. والرّقيبُ الذي لا يَخْفَى عليْهِ خافي. فلمّا استَحْلَسَ وُكْنَتي. وأحضَرْتُهُ عُجالَةَ مُكْنَتي. قال لي: يا حارِثُ. أمَعَنا ثالِثٌ؟ فقلتُ: ليسَ إلا العَجوزُ. قال: ما دونَها سِرٌ محْجوزٌ. ثمّ فتَحَ كريمَتَيْهِ. ورأرَأ بتوْأمَتَيهِ. فإذا سِراجا وجْهِهِ يقِدانِ. كأنّهُما الفَرْقَدانِ. فابْتَهَجْتُ بسَلامَةِ بصَرِهِ. وعجِبْتُ منْ غَرائِبِ سِيَرِهِ. ولمْ يُلْقِني قَرارٌ. ولا طاوَعَني اصْطِبارٌ. حتى سألْتُهُ: ما دَعاكَ إلى التّعامي. معَ سيرِكَ في المَعامي. وجوْبِكَ المَوامي. وإيغالِكَ في المَرامي؟ فتَظاهَرَ باللُّكْنَةِ. وتشاغَلَ باللُّهْنَةِ. حتى إذا قَضى وطَرَهُ. أتْأرَ إليّ نظَرَهُ. وأنشَدَ:

ولمّا تَعامى الدّهرُ وهْوَ أبو الوَرى *** عنِ الرُشْدِ في أنحائِهِ ومقاصِـدِهْ


تعامَيتُ حى قيلَ إني أخو عَـمًـى *** ولا غَرْوَ أن يحذو الفتى حَذوَ والِدهْ

ثمّ قال لي: انْهَضْ إلى المُخدَعِ فأتِني بغَسولٍ يَروقُ الطّرْفَ. ويُنْقي الكَفَّ. وينعِّمُ البَشَرةَ. ويُعطِّرُ النّكهَةَ. ويشُدّ اللّثَةَ. ويقوّي المَعِدَةَ. ولْيَكُنْ نَظيفَ الظَّرْفِ. أريجَ العَرْفِ. فتيَّ الدّقِّ. ناعِمَ السّحْقِ. يحسَبُهُ اللاّمِسُ ذَروراً. ويَخالُهُ الناشِقُ كافوراً. واقْرُنْ بهِ خِلالَةً نقيّةَ الأصْلِ. محبوبَةَ الوصْلِ. أنيقَةَ الشّكلِ. مَدْعاةً إلى الأكْلِ. لها نَحافَةُ الصّبّ. وصَقالَةُ العَضْبِ. وآلَةُ الحرْبِ. ولُدونَةُ الغُصْنِ الرّطْبِ. قال: فنَهضْتُ فيما أمَرَ. لأدْرَأَ عنْهُ الغَمَرَ. ولمْ أهِمْ إلى أنّهُ قصَدَ أنْ يَخْدَعَ. بإدْخاليَ المُخدَعَ. ولا تظنّيْتُ أنّهُ سخِرَ منَ الرّسولِ. في استِدْعاء الخِلالَةِ والغَسولِ. فلمّا عُدْتُ بالمُلتَمَسِ. في أقرَبَ منْ رجْعِ النّفَسِ. وجدْتُ الجوّ قدْ خَلا. والشيْخَ والشيْخَةَ قد أجْفَلا. فاستَشَطْتُ منْ مَكْرِهِ غضَباً. وأوْغَلتُ في إثْرِهِ طلَباً. فكانَ كمَنْ قُمِسَ في الماء. أو عُرِجَ بهِ إلى عَنانِ السّماء.

حسن خليل
21-11-10, 03:27 PM
المقامة البصرية للحريري


حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أُشعِرْتُ في بعضِ الأيامِ همّاً برَحَ بي استِعارُهُ. ولاحَ عليّ شِعارُهُ. وكنتُ سمِعتُ أنّ غِشْيانَ مجالِسِ الذّكْرِ. يسْرو غَواشيَ الفِكْرِ. فلمْ أرَ لإطْفاء ما بي منَ الجمْرَةِ. إلا قصْدَ الجامِعِ بالبَصرَةِ. وكانَ إذْ ذاكَ مأهولَ المسانِدِ. مَشْفوهَ المَوارِدِ. يُجْتَنى منْ رِياضِهِ أزاهيرُ الكَلامِ. ويُسمَعُ في أرْجائِهِ صَريرُ الأقْلامِ. فانطلَقْتُ إليْهِ غيرَ وانٍ. ولا لاوٍ على شانٍ. فلمّا وطِئْتُ حَصاهُ. واستَشْرَفْتُ أقْصاهُ. تَراءى لي ذو أطْمارٍ بالِيَةٍ. فوْقَ صخْرَةٍ عالِيَةٍ. وقدْ عصيَتْ بهِ عُصَبٌ لا يُحْصى عديدُهُمْ. ولا يُنادَى وَليدُهُمْ. فابتَدْتُ قصْدَهُ. وتورّدْتُ وِرْدَهُ. ورجَوْتُ أنْ أجِدَ شِفائي عندَهُ. ولمْ أزَلْ أتنقّلُ في المَراكِزِ. وأُغْضي للاّكِزِ والواكِزِ. إلى أن جلسْتُ تُجاهَهُ. بحيْثُ أمِنْتُ اشْتِباهَهُ. فإذا هوَ شيخُنا السّروجيّ لا ريْبَ فيهِ. ولا لَبْسَ يُخْفيهِ. فانْسَرى بمَرْآهُ همّي. وارْفَضّتْ كتيبَةُ غمّي. وحينَ رآني. وبصُرَ بمكاني. قال: يا أهْلَ البصرَةِ رعاكُمُ اللهُ ووقاكُمْ. وقوّى تُقاكُمْ. فما أضْوَعَ ريّاكُمْ. وأفضلَ مَزاياكُمْ! بلَدُكُمْ أوْفَى البِلادِ طُهرَةً. وأزْكاها فِطرَةً. وأفسَحُه رُقعَةً. وأمرَعُها نُجعَةً. وأقوَمُها قِبلَةً. وأوسَعُها دِجلَةً. وأكثرُها نهْراً ونَخلَةً. وأحسَنُها تَفْصيلاً وجُملَةً. دِهْليزُ البلَدِ الحَرامِ. وقُبالَةُ البابِ والمَقامِ. وأحدُ جَناحَيِ الدّنْيا. والمِصْرُ المؤسّسُ على التّقْوى. لمْ يتدنّسْ ببُيوتِ النّيرانِ. ولا طِيفَ فيهِ بالأوْثانِ. ولا سُجِدَ على أديمِهِ لغَيرِ الرّحْمَنِ. ذو المَشاهِدِ المشْهودَةِ. والمساجِدِ المقصودَةِ. والمَعالِمِ المشْهورَةِ. والمقابِرِ المَزورَةِ. والآثارِ المحْمودَةِ. والخِطَطِ المحْدودَةِ. بهِ تلْتَقي الفُلْكُ والرّكابُ. والحيتانُ والضِّبابُ. والحادِي والمَلاّحُ. والقانصُ والفلاحُ. والناشِبُ والرّامِحُ. والسّارِحُ والسّابِحُ. ولهُ آيةُ المدّ الفائِضِ. والجزْرِ الغائِضِ. وأما أنتمْ فممّنْ لا يختلِفُ في خَصائِصِهِمِ اثْنانِ. ولا يُنكِرُها ذو شَنآنٍ. دَهْماؤكُمْ أطْوَعُ رَعِيّةٍ لسُلْطانٍ. وأشكَرُهُمْ لإحْسانٍ. وزاهِدكُمْ أوْرَعُ الخليقَةِ. وأحسنُهُمْ طَريقَةً على الحَقيقَةِ. وعالِمُكُمْ علاّمَةُ كلّ زمانٍ. والحُجّةُ البالِغَةُ في كلّ أوانٍ. ومنكُمْ منِ استنبَطَ عِلمَ النّحْوِ ووضَعَهُ. والذي ابتدَعَ ميزانَ الشِّعْرِ واخترَعَهُ. وما منْ فخْرٍ إلا ولَكُمْ فيهِ اليَدُ الطّولى. والقِدْحُ المُعَلّى. ولا صيتٍ إلا وأنتُمْ أحَقُّ بهِ وأوْلى. ثمّ إنّكُمْ أكثرُ أهلِ مِصرٍ مؤذّنينَ. وأحسَنُهُمْ في النّسكِ قَوانينَ. وبكُمُ اقتُدِيَ في التّعريفِ. وعُرِفَ التّسحيرُ في الشّهرِ الشّريفِ. ولكُمْ إذا قرّتِ المضاجِعُ. وهجَعَ الهاجِعُ. تَذْكارٌ يوقِظُ النّائِمَ. ويؤنِسُ القائِمَ. وما ابتسَمَ ثغْرُ فجرٍ. ولا بزَغَ نورُهُ في برْدٍ ولا حرٍّ. إلا ولتأذينِكُمْ بالأسْحارِ. دويٌّ كدويّ الرّيحِ في البِحارِ. وبِهذا صدَعَ عنكُمُ النّقْلُ. وأخبرَ النّبيُّ، عليهِ السّلامُ، منْ قبلُ. وبيّنَ أنّ دويّكُمْ بالأسْحارِ. كدويّ النّحلِ في القِفارِ. فشرَفاً لكُمْ ببِشارَةِ المُصطَفى. وواهاً لمِصرِكُمْ وإنْ كانَ قدْ عَفا. ولمْ يبْقَ منهُ إلا شَفاً. ثمّ إنهُ خزَنَ لسانَهُ. وخطَمَ بيانَهُ. حتى حُدِجَ بالأبْصارِ. وقُرِفَ بالإقْصارِ. ووُسِمَ بالاستِقْصارِ. فتنفّسَ تنفُّسَ مَنْ قِيدَ لقَوَدٍ. أو ضبَثَتْ بهِ براثِنُ أسَدٍ. ثمّ قال: أما أنتُمْ يا أهلَ البَصرَةِ فما منْكُمْ إلا العَلَمُ المعروفُ. ومنْ لهُ المعرفَةُ والمعروفُ. وأما أنا فمَنْ عرَفَني فأنا ذاكَ. وشرُّ المَعارِفِ منْ آذاكَ. ومنْ لم يُثْبِتْ عِرْفَتي فسأصْدُقُهُ صِفَتي. أنا الذي أنجدَ وأتهَمَ. وأيمَنَ وأشأمَ. وأصْحرَ وأبحَرَ. وأدْلَجَ وأسْحَرَ. نشأتُ بسَروجَ. ورَبيتُ على السُّروجِ. ثمّ ولَجْتُ المَضايقَ. وفتحْتُ المغالِقَ. وشهِدْتُ المَعارِكَ. وألَنْتُ العَرائِكَ. واقْتَدْتُ الشّوامِسَ. وأرْغَمْتُ المَعاطِسَ. وأذَبْتُ الجَوامِدَ. وأمَعْتُ الجَلامِدَ. سَلوا عني المشارِقَ والمَغارِبَ. والمَناسِمَ والغَوارِبَ. والمَحافِلَ والجَحافِلَ. والقَبائِلَ والقَنابِلَ. واستَوْضِحوني منْ نقَلَةِ الأخْبارِ. ورُواةِ الأسْمارِ. وحُداةِ الرُكْبانِ. وحُذّاقِ الكُهّانِ. لتَعْلَموا كمْ فجٍّ سلَكْتُ. وحِجابٍ هتكْتُ. ومَهلَكةٍ اقتَحمْتُ. ومَلحَمَةٍ ألْحَمْتُ. وكمْ ألْبابٍ خدَعْتُ. وبِدَعٍ ابتَدَعْتُ. وفُرَصٍ اختلَسْتُ. وأُسُدٍ افترَسْتُ. وكمْ محلِّقٍ غادَرْتُهُ لَقًى. وكامِنٍ استَخرَجْتُهُ بالرُّقى. وحجَرٍ شحذْتُهُ حتى انصدَعَ. واستَنْبَطْتُ زُلالَهُ بالخُدَعِ. ولكِنْ فرَطَ ما فرَطَ والغُصْنُ رَطيبٌ. والفَوْدُ غِرْبيبٌ. وبُرْدُ الشّبابِ قَشيبٌ. فأمّا الآنَ وقدِ استشَنّ الأديمُ. وتأوّدَ القَويمُ. واستَنارَ اللّيلُ البَهيمُ. فليْسَ إلا النّدَمُ إنْ نفَعَ. وترْقيعُ الخَرْقِ الذي قدِ اتّسَعَ. وكُنتُ رُوّيتُ منَ الأخْبارِ المُسنَدَةِ. والآثارِ المُعتَمَدةِ. أن لكُمْ منَ اللهِ تعالى في كلّ يومٍ نَظرَةً. وأنّ سِلاحَ الناسِ كلّهِمِ الحَديدُ. وسِلاحَكُمُ الأدْعِيَةُ والتّوْحيدُ. فقصَدْتُكُمْ أُنْضي الرّواحِلَ. وأطْوي المَراحِلَ. حتى قُمْتُ هذا المَقامَ لَديْكُمْ. ولا مَنّ لي عليكُمْ. إذْ ما سعَيْتُ إلا في حاجَتي. ولا تعِبْتُ إلا لراحَتي. ولسْتُ أبْغي أعطِيَتَكُمْ. بل أستَدْعي أدعِيتَكُمْ. ولا أسْألُكُمْ أموالَكُمْ. بل أستنزِلُ سُؤالَكُمْ. فادْعوا إلى اللهِ بتوْفيقي للمَتابِ. والإعْدادِ للمآبِ. فإنهُ رفيعُ الدّرَجاتِ. مُجيبُ الدّعَواتِ. وهوَ الذي يقبلُ التّوبَةَ عنْ عِبادِهِ ويعْفو عنِ السّيّئاتِ. ثمّ أنشدَ:

أستغْفِرُ الـلـهَ مـنْ ذُنـوبٍ *** أفرَطْتُ فيهِـنّ واعْـتَـدَيْتُ


كمْ خُضْتُ بحْرَ الضّلالِ جهْلاً *** ورُحتُ في الغَيّ واغْتَـدَيْتُ


وكمْ أطَعْتُ الهَوى اغْتِـراراً *** واختَلْتُ واغْتَلْتُ وافْتـرَيْتُ


وكمْ خلَعْتُ العِذارَ ركْـضـاً *** إلى المَعاصي ومـا ونَـيْتُ


وكمْ تَناهَيْتُ في التّخـطّـي *** إلى الخَطايا وما انتـهـيْتُ


فلَيتَني كُـنـتُ قـبـل هـذا *** نَسْياً ولمْ أجْنِ مـا جـنَـيْتُ


فالمَوتُ للُـجْـرِمـين خـيرٌ *** من المَساعي التي سـعَـيْتُ


يا رَبِّ عفْواً فـأنْـتَ أهـلٌ *** للعَفْوِ عنّي وإنْ عـصَـيْتُ

قال الرّاوي: فطفِقَتِ الجَماعَةُ تُمِدّهُ بالدّعاء. وهوَ يقلّبُ وجْهَهُ في السّماء. إلى أن دمَعَتْ أجفانُهُ. وبَدا رَجفانُهُ. فصاحَ: اللهُ أكبرُ بانَتْ أمارَةُ الاستِجابَةِ. وانْجابَتْ غِشاوَةُ الاستِرابَةِ. فجُزيتُمْ يا أهلَ البُصَيْرَةِ. جَزاءَ منْ هدَى منَ الحَيرَةِ. فلمْ يبْقَ منَ القوْمِ إلا منْ سُرّ لسُرورِهِ. ورضخَ لهُ بمَيْسورِهِ. فقَبِلَ عفْوَ بِرّهِمْ. وأقبلَ يُغْرِقُ في شُكرِهِمْ. ثمّ انحدَرَ منَ الصّخرَةِ. يؤمّ شاطئَ البَصرَةِ. واعْتَقَبْتُهُ إلى حيثُ تخالَيْنا. وأمِنّا التّجسّسَ والتّحسّسَ علَيْنا. فقلْتُ لهُ: لقدْ أغْرَبْتَ في هذِهِ النّوبَةِ. فما رأيُكَ في التّوبَةِ؟ فقال: أُقسِمُ بعَلاّمِ الخَفيّاتِ. وغَفّارِ الخطيّاتِ. إنّ شأني لَعُجابٌ. وإنّ دُعاء قومِكَ لَمُجابٌ. فقلتُ: زِدْني إفْصاحاً. زادَكَ اللهُ صَلاحاً! فقال: وأبيكَ لقدْ قُمتُ فيهِمْ مَقامَ المُريبِ الخادِعِ. ثمّ انقلَبْتُ منهُمْ بقَلْبِ المُنيبِ الخاشِعِ! فطوبى لمَنْ صغَتْ قُلوبُهُمْ إليْهِ. وويْلٌ لمَنْ باتوا يدْعونَ عليْهِ! ثمّ ودّعَني وانطلَقَ. وأوْدَعَني القلَقَ. فلمْ أزَلْ أُعاني لأجْلِهِ الفِكَرَ. وأتشوّفُ إلى خِبرَةِ ما ذكرَ. وكلّما استَنشَيْتُ خبرَهُ منَ الرُّكْبانِ. وجَوّابَةِ البُلْدانِ. كُنتُ كمَنْ حاوَرَ عجْماء. أو نادَى صخْرَةً صمّاء. إلى أن لَقيتُ بعْدَ تَراخي الأمَدِ. وتَراقي الكَمَدِ. ركْباً قافِلينَ منْ سفَرٍ. فقلتُ: هلْ منْ مُغرِّبَةِ خبَرٍ؟ فقالوا: إنّ عندَنا لخَبراً أغرَبَ منَ العَنْقاء. وأعْجَبَ منْ نظَرِ الزّرْقاء. فسألتُهُمْ إيضاحَ ما قالوا. وأنْ يَكيلوا بما اكْتالوا. فحَكَوْا أنهمْ ألمّوا بسَروجَ. بعْدَ أنْ فارقَها العُلوجُ. فرأوْا أبا زيْدِها المعْروفَ. قد لبِسَ الصّوفَ. وأَمَّ الصّفوفَ. وصارَ بها الزّاهِدُ الموصوفَ. فقلتُ: أتعْنونَ ذا المَقاماتِ؟ فقالوا: إنهُ الآنَ ذو الكَراماتِ! فحفَزَني إليْهِ النّزاعُ. ورأيتُها فُرصَةً لا تُضاعُ. فارْتَحلْتُ رِحلَةَ المُعِدّ. وسِرْتُ نحوَهُ سيرَ المُجِدّ. حتى حللْتُ بمسْجِدِهِ. وقرارَةِ متعبّدِهِ. فإذا هوَ قد نبَذَ صُحبَةَ أصْحابِهِ. وانتصَبَ في مِحْرابِهِ. وهو ذو عَباءةٍ مخلولَةٍ. وشمْلَةٍ موصولَةٍ. فهِبْتُهُ مَهابَةَ منْ ولَجَ على الأسودِ. وألْفَيْتُهُ ممّنْ سِيماهُمْ في وُجوهِهِمْ منْ أثَرِ السّجودِ. ولمّا فرَغَ منْ سُبْحتِهِ. حيّاني بمُسبِّحَتِهِ. منْ غيرِ أن نغَمَ بحديثٍ. ولا استَخْبرَ عنْ قديمٍ ولا حَديثٍ. ثمّ أقْبلَ على أوْرادِهِ. وتركَني أعجَبُ منِ اجتِهادِهِ. وأغبِطُ مَنْ يَهدي اللهُ منْ عِبادِهِ. ولمْ يزَلْ في قُنوتٍ وخُشوعٍ. وسُجودٍ ورُكوعٍ. وإخْباتٍ وخُضوعٍ. إلى أن أكْملَ إقامَة الخمْسِ. وصارَ اليومُ أمْسِ. فحينئذٍ انْكفأ بي إلى بيتِهِ. وأسْهَمَني في قُرْصِهِ وزَيْتِهِ. ثمّ نهضَ إلى مُصلاّهُ. وتخلّى بمُناجاةِ موْلاهُ. حتى إذا التمَعَ الفجرُ. وحقّ للمُتهَجِّدِ الأجْرُ. عقّبَ تهجّدَهُ بالتّسْبيحِ. ثمّ اضطَجَعَ ضِجْعَةَ المُستريحِ. وجعلَ يرجّعُ بصوْتٍ فَصيحٍ:

خلِّ ادّكـارَ الأرْبُــعِ *** والمعْهَدِ المُـرتَـبَـعِ


والظّاعِـنِ الـمـودِّعِ *** وعـدِّ عـنْــهُ ودَعِ


وانْدُبْ زَماناً سـلَـفـا *** سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفـا


ولمْ تزَلْ مُعـتـكِـفـا *** على القبيحِ الشّـنِـعِ


كمْ لـيلَةٍ أودَعْـتَـهـا *** مآثِمـاً أبْـدَعْـتَـهـا


لشَهوَةٍ أطَـعْـتَـهـا *** في مرْقَدٍ ومَضْجَـعِ


وكمْ خُطًى حثَثْـتَـهـا *** في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَـهـا


وتوْبَةٍ نـكَـثْـتَـهـا *** لمَلْـعَـبٍ ومـرْتَـعِ


وكمْ تجـرّأتَ عـلـى *** ربّ السّمَواتِ العُلـى


ولـمْ تُـراقِـبْـهُ ولا *** صدَقْتَ في ما تدّعـي


وكمْ غمَـصْـتَ بِـرّهُ *** وكمْ أمِنْـتَ مـكْـرَهُ


وكـمْ نـبَـذْتَ أمـرَهُ *** نبْذَ الحِذا الـمـرقَّـعِ


وكمْ ركَضْتَ في اللّعِبْ *** وفُهْتَ عمْداً بالكَـذِبْ


ولـمْ تُـراعِ مـا يجِـبْ *** منْ عهْدِهِ الـمـتّـبَـعِ


فالْبَسْ شِـعـارَ الـنّـدمِ *** واسكُبْ شـآبـيبَ الـدّمِ


قبـلَ زَوالِ الـقـــدَمِ *** وقبلَ سوء المـصْـرَعِ


واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ *** ولُذْ مَلاذَ المُـقـتـرِفْ


واعْصِ هَواكَ وانحَـرِفْ *** عنْهُ انحِرافَ المُقـلِـعِ


إلامَ تـسْـهـو وتَـنـي *** ومُعظَمُ العُمـرِ فَـنـي


في ما يضُرّ المُقْـتَـنـي *** ولسْـتَ بـالـمُـرْتَـدِعِ


أمَا ترَى الشّـيبَ وخَـطْ *** وخَطّ في الرّأسِ خِطَـطْ


ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّـمَـطْ *** بفَـودِهِ فـقـدْ نُـعـي


ويْحَكِ يا نفسِ احْرِصـي *** على ارْتِيادِ المَخـلَـصِ


وطاوِعي وأخْـلِـصـي *** واسْتَمِعي النُّصْحَ وعـي


واعتَبِرِي بمَـنْ مـضـى *** من القُرونِ وانْقَـضـى


واخْشَيْ مُفاجاةَ القَـضـا *** وحاذِري أنْ تُخْـدَعـي


وانتَهِجي سُبْـلَ الـهُـدى *** وادّكِري وشْـكَ الـرّدى


وأنّ مـثْـواكِ غـــدا *** في قعْرِ لحْـدٍ بـلْـقَـعِ


آهاً لـهُ بـيْتِ الـبِـلَـى *** والمنزِلِ القفْرِ الـخَـلا


وموْرِدِ السّـفْـرِ الأُلـى *** واللاّحِـقِ الـمُـتّـبِـعِ


بيْتٌ يُرَى مَـنْ أُودِعَــهْ *** قد ضمّهُ واسْـتُـودِعَـهْ


بعْدَ الفَضاء والـسّـعَـهْ *** قِيدَ ثَـــــلاثِ أذْرُعِ


لا فـرْقَ أنْ يحُـلّـــهُ *** داهِـيَةٌ أو أبْــلَـــهُ


أو مُعْسِـرٌ أو مـنْ لـهُ *** مُلكٌ كـمُـلْـكِ تُـبّـعِ


وبعْدَهُ الـعَـرْضُ الـذي *** يحْوي الحَييَّ والـبَـذي


والمُبتَدي والمُـحـتَـذي *** ومَنْ رعى ومنْ رُعـي


فَيا مَفـازَ الـمـتّـقـي *** ورِبْحَ عبْـدٍ قـد وُقِـي


سوءَ الحِسابِ المـوبِـقِ *** وهـوْلَ يومِ الـفــزَعِ


ويا خَسـارَ مَـنْ بـغَـى *** ومنْ تعـدّى وطَـغـى


وشَبّ نـيرانَ الـوَغـى *** لمَطْعَـمٍ أو مـطْـمَـعِ


يا مَنْ عليْهِ الـمـتّـكَـلْ *** قدْ زادَ ما بي منْ وجَـلْ


لِما اجتَرَحْتُ مـن زلَـلْ *** في عُمْري الـمُـضَـيَّعِ


فاغْفِرْ لعَبْـدٍ مُـجـتَـرِمْ *** وارْحَمْ بُكاهُ المُنسـجِـمْ


فأنتَ أوْلـى مـنْ رَحِـمْ *** وخـيْرُ مَـدْعُـوٍّ دُعِـي

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ يزَلْ يرَدّدُها بصوتٍ رقيقٍ. ويصِلُها بزَفيرٍ وشَهيقٍ. حتى بكيتُ لبُكاء عينيهِ. كَما كُنتُ منْ قبلُ أبكي عليْهِ. ثمّ برزَ إلى مسجِدِهِ. بوُضوء تهجّدِهِ. فانطلَقْتُ رِدْفَهُ. وصلّيتُ مع مَنْ صلّى خلفهُ. ولمّا انفَضّ مَنْ حضَرَ. وتفرّقوا شغَرَ بغَرَ. أخذَ يُهَينِمُ بدَرْسِهِ. ويسْبِكُ يومَهُ في قالِبِ أمْسِهِ. وفي ضِمْنِ ذلِكَ يُرِنّ إرْنانَ الرَّقوبِ. ويبْكي ولا بُكاءَ يعْقوبَ. حتى استَبَنْتُ أنهُ التحقَ بالأفْرادِ. وأُشرِبَ قلبُهُ هوى الانْفِرادِ. فأخطَرْتُ بقَلْبي عَزْمَةَ الارتِحالِ. وتخْلِيَتَهُ والتّخلّي بتِلكَ الحالِ. فكأنهُ تفرّسَ ما نويْتُ. أو كوشِفَ بما أخْفَيْتُ. فزفَرَ زَفيرَ الأوّاهِ. ثمّ قرأ: فإذا عزَمْتَ فتوكّلْ على اللهِ. فأسْجَلْتُ عندَ ذلِكَ بصِدْقِ المُحدّثينَ. وأيقَنْتُ أنّ في الأمّةِ محَدّثينَ. ثمّ دنَوْتُ إليْهِ كما يدْنو المُصافِحُ. وقلتُ: أوْصِني أيها العبْدُ النّاصِحُ. فقال: اجعَلِ الموتَ نُصْبَ عينِكَ. وهذا فِراقُ بيني وبينِكَ. فودّعْتُهُ وعبَراتي يتحدّرْنَ منَ المآقي. وزَفَراتي يتصَعّدْنَ منَ التّراقي. وكانتْ هذِهِ خاتِمَةَ التّلاقي.

حسن خليل
21-11-10, 03:35 PM
المقامة البغدادية للحريري


رَوى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: ندَوْتُ بضَواحي الزّوْراء. معَ مشيخَةٍ منَ الشّعراء. لا يعْلَقُ لهُمْ مُبارٍ بغُبارٍ. ولا يجْري معهُمْ مُمارٍ في مِضْمارٍ. فأفَضْنا في حديثٍ يفضَحُ الأزهارَ. إلى أنْ نصَفْنا النّهارَ. فلمّا غاضَ دَرُّ الأفْكارِ. وصبَتِ النّفوسُ إلى الأوْكارِ. لمحْنا عجوزاً تُقبِلُ منَ البُعْدِ. وتُحضِرُ إحْضارَ الجُرْدِ. وقدِ استَتْلَتْ صِبيَةً أنحَفَ منَ المَغازِلِ. وأضعَفَ منَ الجَوازِلِ. فما كذّبَتْ إذ رأتْنا. أن عرَتْنا. حتى إذا ما حضرَتْنا. قالت: حيّا اللهُ المَعارِفَ. وإنْ لم يكُنّ معارِفَ. إعلَموا يا مآلَ الآمِلِ. وثِمالَ الأرامِل. أنّي منْ سرَواتِ القَبائِلِ. وسَريّاتِ العقائِلِ. لمْ يزَلْ أهلي وبعْلي يحُلّونَ الصّدْرَ. ويَسيرونَ القلْبَ. ويُمْطونَ الظّهْرَ. ويولونَ اليَدَ. فلمّا أرْدَى الدّهرُ الأعْضادَ. وفجعَ بالجَوارِحِ الأكْبادَ. وانقلَبَ ظهْراً لبَطْنٍ. نَبا النّاظِرُ. وجَفا الحاجِبُ. وذهبَتِ العينُ. وفُقِدَتِ الرّاحةُ. وصلَدَ الزَّنْدُ. ووَهَنتِ اليَمينُ. وضاعَ اليَسارُ. وبانَتِ المَرافِقُ. ولم يبْقَ لنا ثَنيّةٌ ولا نابٌ. فمُذُ اغْبرّ العيشُ الأخضَرُ. وازْوَرّ المحْبوبُ الأصفَرُ. اسوَدّ يوْمي الأبيضُ. وابيَضّ فَوْدي الأسوَدُ. حتى رثَى ليَ العدوّ الأزرَقُ. فحبّذا الموتُ الأحمَرُ! وتِلْوِي مَنْ ترَوْنَ عينُهُ فُرارُهُ. وترْجُمانُهُ اصْفِرارُهُ. قُصْوى بِغيَةِ أحدِهِمْ ثُرْدَةٌ. وقُصارَى أمْنِيّتِه بُردَةٌ. وكنتُ آلَيتُ أنْ لا أبذُلَ الحُرّ. إلا للحُرّ. ولوْ أني مُتُّ منَ الضُرّ. وقد ناجَتْني القَرونَةُ. بأنْ توجَدَ عندَكُمُ المَعونَةُ. وآذنَتْني فِراسَةُ الحوْباء. بأنّكُمْ ينابيعُ الحِباء. فنضّرَ اللهُ امرأً أبَرّ قسَمي. وصدّقَ توسُّمي. ونظَرَ إليّ بعَينٍ يُقذيها الجُمودُ. ويُقذّيها الجودُ. قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فهِمْنا لبَراعَةِ عِبارَتِها. ومُلَحِ استِعارَتِها. وقُلْنا لها: قد فتَنَ كلامُكِ. فكيفَ إلحامُكِ؟ فقالتْ: أفجّرُ الصّخْرَ. ولا فخْرَ! فقُلْنا: إن جعلْتِنا منْ رُواتِكِ. لم نبْخَلْ بمؤاساتِكِ. فقالت: لأُريَنّكُمْ أوّلاً شِعاري. ثمّ لأرَوّيَنّكُمْ أشْعاري. فأبرَزَتْ رُدْنَ دِرْعٍ دَريسٍ. وبرَزَتْ بِرْزةَ عجوزٍ درْدَبيسٍ. وأنْشأتْ تقول:

أشكو إلى اللهِ اشتِكاءَ الـمـريضْ *** ريْبَ الزّمانِ المتعدّي البَـغـيضْ


يا قومُ إني مـنْ أُنـاسٍ غَـنُـوا *** دهراً وجفنُ الدهرِ عنهُمْ غَضيضْ


فخـارُهُـمْ لـيسَ لـهُ دافِــعٌ *** وصيتُهُمْ بينَ الوَرى مُستَـفـيضْ


كانوا إذا مـا نُـجـعَةٌ أعـوزَتْ *** في السّنةِ الشّهباء روْضاً أرِيضْ


تُشَبّ لـلـسّـارينَ نـيرانُـهُـمْ *** ويُطعِمون الضّيفَ لحْماً غَريضْ


ما باتَ جـارٌ لـهُـمُ سـاغِـبـاً *** ولا لرَوْعٍ قال حالَ الـجَـريضْ


فغيّضَتْ منهُمْ صُـروفُ الـرّدى *** بِحارَ جودٍ لمْ نخَلْـهـا تَـغـيضْ


وأُودِعَتْ منهُمْ بُطـونُ الـثّـرى *** أُسْدَ التّحامي وأُساةَ الـمَـريضْ


فمحْمَلي بعْدَ المطـايا الـمـطـا *** وموطِني بعْدَ اليفاعِ الحضـيضْ


وأفرُخي ما تأتَلـي تـشـتَـكـي *** بؤساً لهُ فـي كـلّ يومٍ ومـيضْ


إذا دَعا الـقـانِـتُ فـي لـيلِـهِ *** موْلاهُ نـادَوْهُ بـدمْـعٍ يَفــيضْ


يا رازِقَ النّعّـابِ فـي عُـشّـهِ *** وجابِرَ العظْمِ الكَسيرِ المَـهـيضْ


أتِحْ لنا اللـهُـمّ مَـنْ عِـرضُـهُ *** منْ دنَسِ الذّمّ نـقـيٌ رحـيضْ


يُطفِئ نارَ الجـوعِ عـنّـا ولـوْ *** بمَذْقَةٍ منْ حـاِرزٍ أو مَـخـيضْ


فهلْ فتًى يكشِـفُ مـا نـابَـهُـمْ *** ويغنَمُ الشّكْرَ الطّويلَ الـعـريضْ


فوالّذي تعْنـو الـنّـواصـي لـهُ *** يومَ وجوهُ الجمعِ سـودٌ وبـيضْ


لولاهُمُ لمْ تـبْـدُ لـي صـفـحَةٌ *** ولا تصدّيْتُ لنَظْـمِ الـقَـريضْ

قال الرّاوي: فوَاللهِ لقدْ صدّعتْ بأبياتِها أعْشارَ القُلوبِ. واستخْرَجَتْ خَبايا الجُيوبِ. حتى ماحَها مَنْ دينُهُ الامْتِناحُ. وارْتاحَ لرِفدِها مَنْ لمْ نخَلْهُ يرْتاحُ. فلمّا افْعَوْعَمَ جَيبُها تِبْراً. وأوْلاها كلٌ مِنّا بِرّاً. تولّتْ يتْلوها الأصاغِرُ. وفُوها بالشّكْرِ فاغرٌ. فاشْرَأبّتِ الجَماعةُ بعْدَ مَمَرّها. إلى سبْرِها لتَبْلوَ مواقِعَ بِرّها. فكفَلْتُ لهُمْ باستِنْباطِ السرّ المرْموزِ. ونهضْتُ أقْفو أثرَ العَجوزِ. حتى انتهَتْ إلى سوقٍ مُغتَصّةٍ بالأنام. مُختصّةٍ بالزّحامِ. فانغَمَسَتْ في الغُمارِ. وامّلَسَتْ منَ الصّبْيَةِ الأغْمارِ. ثمّ عاجَتْ بخُلُوّ بالٍ. إلى مسجِدٍ خالٍ. فأماطَتِ الجِلْبابَ. ونضَتِ النّقابَ. وأنا ألمَحُها منْ خَصاصِ البابِ. وأرقُبُ ما ستُبْدي منَ العُجابِ. فلمّا انسرَتْ أُهبَةُ الخفَرِ. رأيتُ مُحَيّا أبي زيدٍ قد سفَرَ. فهمَمْتُ أن أهْجُمَ عليْهِ. لأعنّفَهُ على ما أجْرى إليْهِ. فاسْلَنْقَى اسلِنْقاءَ المتمرّدينَ. ثمّ رفَعَ عَقيرةَ المغرّدينَ. واندفَعَ يُنشِدُ:

يا لَيتَ شِعري أدَهْـري *** أحاطَ عِلْمـاً بـقَـدْري


وهلْ دَرَي كُنْهَ غـوْري *** في الخَدْع أم ليس يدْري


كمْ قدْ قمَـرْتُ بَـنـيهِ *** بحيلَتـي وبـمَـكْـري


وكمْ بـرزَتْ بـعُـرْفٍ *** علـيهِـمِ وبِـنُـكْـرِ


أصْطادُ قوْماً بـوَعْـظٍ *** وآخـرينَ بـشِـعْـرِ


وأسـتـفِـزُّ بـخَــلٍّ *** عقْلاً وعَقْلاً بخَـمْـرِ


وتـارَةً أنـا صـخْـرٌ *** وتارَةً أُختُ صـخْـرِ


ولوْ سلَـكْـتُ سَـبـيلاً *** مألوفَةً طولَ عُمـري


لَخابَ قِدْحي وقَـدْحـي *** ودامَ عُسْري وخُسْـري


فقُـلْ لـمَـنْ لامَ هـذا *** عُذري فدونَكَ عُـذري

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا ظهرْتُ على جليّةِ أمرِهِ. وبَديعَةِ أمْرِهِ. وما زخْرَفَ في شِعرِه منْ عُذرِهِ. علِمْتُ أنّ شيطانَهُ المَريدَ. لا يسمَعُ التّفْنيدَ. ولا يفعَلُ إلا ما يُريدُ. فثنَيْتُ إلى أصحابي عِناني. وأبثَثْتُهُمْ ما أثبتَهُ عِياني. فوجَموا لضَيْعَةِ الجوائِزِ. وتعاهَدوا على محرَمَةِ العَجائِزِ.

حسن خليل
21-11-10, 03:37 PM
المقامة البكرية للحريري


حكى الحارث بن همام قال: هفا بي البين المطوح. والسير المبرح. إلى أرض يضل بها الخريت. وتفرق فيها المصاليت. فوجدت ما يجد الحائر الوحيد. ورأيت ما كنت منه أحيد. إلا أني شجعت قلبي المزؤود. ونسأت نضوي المجهود. وسرت سير الضارب بقدحين. المستسلم للحين. ولم أزل بين وخد وذميل. وإجازة ميل بعد ميل. إلى أن كادت الشمس تجب. والضياء يحتجب. فارتعت لإظلال الظلام. واقتحام جيش حام. ولم أدر أأكفت الذيل وأرتبط. أم أعتمد الليل وأختبط؟ وبينا أنا أقلب العزم. وأمتخض الحزم. تراءى لي شبح جمل. مستذر بجبل. فترجيته قعدة مريح. وقصدته قصد مشيح. فإذا الظن كهانة. والقعدة عيرانة. والمريح قد ازدمل ببجاده. واكتحل برقاده. فجلست عند راسه. حتى هب من نعاسه. فلما ازدهر سراجاه. وأحس بمن فاجاه. نفر كما ينفر المريب. وقال: أخوك أم الذيب؟ فقلت: بل خابط ليل ضل المسلك. فأضئ أقدح لك. فقال: ليسر عنك همك. فرب أخ لك لم تلده أمك. فانسرى عند ذلك إشفاقي. وسرى الوسن إلى آماقي. فقال: عند الصباح يحمد القوم السرى. فهل ترى كما أرى؟ فقلت: إني لك لأطوع من حذائك. وأوفق من غذائك. فصدع بمحبتي. وبخبخ بصحبتي. ثم احتملنا مجدين. وارتحلنا مدلجين. ولم نزل نعاني السرى. ونعاصي الكرى. إلى أن بلغ الليل غايته. ورفع الفجر رايته. فلما أسفر الفاضح. ولم يبق إلا واضح. توسمت رفيق رحلتي. وسمير ليلتي. فإذا هو أبو زيد مطلب الناشد. ومعلم الراشد. فتهادينا تحية المحبين. إذا التقينا بعد البين. ثم تباثثنا الأسرار. وتناثثنا الأخبار. وبعيري ينحط من الكلال. وراحلته تزف زفيف الرال. فأعجبني اشتداد أمرها. وامتداد صبرها. فأخذت أستشف جوهرها. وأسأله من أين تخيرها. فقال: إن لهذه الناقة. خبرا حلو المذاقة. مليح السياقة. فإن أحببت استماعه فأنخ. وإن لم تشأ فلا تصخ. فأنخت لقوله نضوي. وأهدفت السمع لما يروي. فقال: اعلم أني استعرضتها بحضرموت. وكابدت في تحصيلها الموت. وم زلت أجوب عليها البلدان. وأطس بأخفافها الظران. إلى أن وجدتها عبر أسفار. وعدة قرار. لا يلحقها العناء. ولا تواهقها وجناء. ولا تدري ما الهناء. فأرصدتها للخير والشر. وأحللتها محل البر السر. فاتفق أن ندت مذ مدة. وما لي سواها قعدة. فاستشعرت الأسف. واستشرفت التلف. ونسيت كل رزء سلف. ثم أخذت في استقراء المسالك. وتفقد المسارح والمبارك. وأنا لا أستنشي منها ريحا. ولا أستغشي يأسا مريحا. وكلما ادكرت مضاءها في السير. وانبراءها لمباراة الطير. لاعني الادكار. واستهوتني الأفكار. فبينما أنا في حواء بعض الأحياء إذ سمعت من شخص متبعد. وصوت متجرد: من ضلت له مطية. حضرمية وطية. جلدها قد وسم. وعرها قد حسم. وزمامها قد ضفر. وظهرها كأن قد كسر ثم جبر. تزين الماشية. وتعين الناشية. وتقطع المسافة النائية. وتظل أبدا لك مدانية. لا يعتورها الونى. ولا يعترضها الوجى. ولا تحوج إلى العصا. ولا تعصي في من عصى. قال أبو زيد: فجذبني الصوت إلى الصائت. وبشرني بدرك الفائت. فلما أفضيت إليه. وسلمت عليه. قلت له: سلم المطية. وتسلم العطية. فقال: وما مطيتك. غفرت خطيتك؟ قلت له: ناقة جثتها كالهضبة. وذروته كالقبة. وجلبها ملء العلبة. وكنت أعطيت بها عشرين. إذ حللت يبرين. فاستزدت الذي أعطى. ودريت أنه أخطا. قال: فأعرض عني حين سمع صفتي.
وقال: لست بصاحب لقطتي! فأخذت بتلابيبه. وأصررت على تكذيبه. وهممت بتمزيق جلابيبه. وهو يقول: يا هذا ما مطيتي بطلبك. فاكفف عني من غربك. وعد عن سبك. وإلا فقاضني إلى حكم هذا الحي. البريء من الغي. فإن أوجبها لك فتسلم. وإن زواها عنك فلا تتكلم. فلم أر دواء قصتي. ولا مساغ غصتي. إلا أن آتي الحكم. ولو لكم. فانخرطنا إلى شيخ ركين النصبة. أنيق العصبة. يؤنس منه سكون الطائر. وأن ليس بالجائر. فاندرأت أتظلم وأتألم. وصاحبي مرم لا يترمرم. حتى إذا نثلت كنانتي. وقضيت من القصص لبانتي. أبرز نعلا رزينة الوزن. محذوة لمسلك الحزن. وقال: هذه التي عرفت. وإياها وصفت. فإن كانت هي التي أعطي بها عشرين. وها هو من المبصرين. فقد كذب في دعواه. وكبر ما افتراه. اللهم إلا أن يمد قذاله. ويبين مصداق ما قاله. فقال الحكم: اللهم غفرا. وجعل يقلب النعل بطنا وظهرا. ثم قال: أما هذه النعل فنعلي. وأما مطيتك ففي رحلي. فانهض لتسلم ناقتك. وافعل الخير بحسب طاقتك. فقمت وقلت: لست بصاحب لقطتي! فأخذت بتلابيبه. وأصررت على تكذيبه. وهممت بتمزيق جلابيبه. وهو يقول: يا هذا ما مطيتي بطلبك. فاكفف عني من غربك. وعد عن سبك. وإلا فقاضني إلى حكم هذا الحي. البريء من الغي. فإن أوجبها لك فتسلم. وإن زواها عنك فلا تتكلم. فلم أر دواء قصتي. ولا مساغ غصتي. إلا أن آتي الحكم. ولو لكم. فانخرطنا إلى شيخ ركين النصبة. أنيق العصبة. يؤنس منه سكون الطائر. وأن ليس بالجائر. فاندرأت أتظلم وأتألم. وصاحبي مرم لا يترمرم. حتى إذا نثلت كنانتي. وقضيت من القصص لبانتي. أبرز نعلا رزينة الوزن. محذوة لمسلك الحزن. وقال: هذه التي عرفت. وإياها وصفت. فإن كانت هي التي أعطي بها عشرين. وها هو من المبصرين. فقد كذب في دعواه. وكبر ما افتراه. اللهم إلا أن يمد قذاله. ويبين مصداق ما قاله. فقال الحكم: اللهم غفرا. وجعل يقلب النعل بطنا وظهرا. ثم قال: أما هذه النعل فنعلي. وأما مطيتك ففي رحلي. فانهض لتسلم ناقتك. وافعل الخير بحسب طاقتك. فقمت وقلت:
أقسم بالبيت العتيق ذي الحرم ... والطائفين العاكفين في الحرم
إنك نعم من إليه يحتكم ... وخير قاض في الأعاريب حكم
فاسلم ودم دوم النعام والنعم
فأجاب من غير روية. ولا عقد نية. وقال:
جزيت عن شكرك خيرا يا ابن عم ... إذ لست أستوجب شكرا يلتزم
شر الأنام من إذا استقضي ظلم ... ثم من استرعي فلم يرع الحرم
فذان والكلب سواء في الفيم
ثم إنه نفذ بين يدي. من سلم الناقة إلي. ولم يمتن علي. فرحت نجيح الأرب. أجر ذيل الطرب. وأقول: يا للعجب! قال الحارث بن همام: فقلت له تالله لقد أطرفت. وهرفت بما عرفت. فناشدتك الله هل ألفيت أسحر منك بلاغة. وأحسن للفظ صياغة؟ فقال: اللهم نعم. فاستمع وانعم. كنت عزمت. حين أتهمت. على أن أتخذ ظعينة. لتكون لي معينة. فحين تعين الخطب الملب. وكاد الأمر يستتب. أفكرت فكر المتحرز من الوهم. المتأمل كيف مسقط السهم. وبت ليلتي أناجي القلب المعذب. وأقلب العزم المذبذب. إلى أن أجمعت على أن أسحر. وأشاور أول من أبصر. فلما قوضت الظلمة أطنابها. وولت الشهب أذنابها. غدوت غدو المتعرف. وابتكرت ابتكار المتعيف. فانبرى لي يافع. في وجهه شافع. فتيمنت بمنظره البهيج. واستقدحت رأيه في الترويج. فقال: أوتبغيها غوانا. أم بكرا تعانى؟ فقلت: اختر لي ما ترى. فقد ألقيت إليك العرى. فقال: إلي التبيين. وعليك التعيين. فاسمع أنا أفديك. بعد دفن أعاديك. أما البكر فالدرة المخزونة. والبيضة المكنونة. والباكورة الجنية. والسلافة الهنية. والروضة الأنف. والطوق الذي ثمن وشرف. لم يدنسها لامس. ولا تسغشاها لابس. ولا مارسها عابث. ولا وكسها طامث. ولها الوجه الحيي. والطرف الخفي. واللسان العيي. والقلب النقي. ثم هي الدمية الملاعبة. واللعبة المداعبة. والغزالة المغازلة. والملحة الكاملة. والوشاح الطاهر القشيب. والضجيع الذي يشب ولا يشيب. وأما الثيب فالمطية المذللة. واللهنة المعجلة. والبغية المسهلة. والطبة المعللة. والقرينة المتحببة. والخليلة المتقربة. والصناع المدبرة. والفطنة المختبرة. ثم إنها عجالة الراكب. وأنشوطة الخاطب. وقعدة العاجز. ونهزة المبارز. عريكتها لينة. وعقلتها هينة. ودخلتها متبينة. وخدمتها مزينة. وأقسم لقد صدقت في النعتين. وجلوت المهاتين. فبأيتهما هام قلبك؟ قال أبو زيد: فرأيته جندلة يتقيها المراجم. وتدمى منها المحاجم. إلا أني قلت له: كنت سمعت أن البكر أشد حبا. وأقل خبا. فقال: لعمري قد قيل هذا. ولكن كم قول آذى! ويحك أما هي المهرة الأبية العنان. والمطية البطية الإذعان! والزندة المتعسرة الاقتداح. والقلعة المستصعبة الافتتاح! ثم إن مؤونتها كثيرة. ومعونتها يسيرة. وعشرتها صلفة. ودالتها مكلفة. ويدها خرقاء. وفتنتها صماء. وعريكتها خشناء. وليلتها ليلاء. وفي رياضتها عناء. وعلى خبرتها غشاء! وطالما أخزت المنازل. وفركت المغازل. وأحنقت الهازل. وأضرعت الفنيق البازل. ثم إنها التي تقول: أنا ألبس وأجلس. فأطلب من يطلق ويحبس! فقلت له: فما ترى في الثيب. يا أبا الطيب؟ فقال: ويحك أترغب في فضالة المآكل. وثمالة المناهل؟ واللباس المستبذل. والوعاء المستعمل؟ والذواقة المتطرفة. والخراجة المتصرفة؟ والوقاح المتسلطة. والمحتكرة المتسخطة؟ ثم كلمتها كنت وصرت. وطالما بغي علي فنصرت. وشتان بين اليوم وأمس. وأين القمر من الشمس؟ وإن كانت الحنانة البروك. والطماحة الهلوك. فهي الغل القمل. والجرح الذي لا يندمل! فقلت له: فهل ترى أن أترهب. وأسلك هذا المذهب؟ فانتهرني انتهار المؤدب. عند زلة المتأدب. ثم قال: ويلك أتقتدي بالرهبان. والحق قد استبان؟ أف لك. ولوهن رائك. وتبآ لك ولأولئك! أتراك ما سمعت
بأن لا رهبانية في الإسلام. أو ما حدثت بمناكح نبيك عليه أزكى السلام؟ ثم أما تعلم أن القرينة الصالحة ترب بيتك. وتلبي صوتك. وتغض طرفك. وتطيب عرفك؟ وبها ترى قرة عينك. وريحانة أنفك. وفرحة قلبك. وخلد ذكرك. وتعلة يومك وغدك. فكيف رغبت عن سنة المرسلين. ومتعة المتأهلين. وشرعة المحصنين. ومجلبة المال والبنين؟ والله لقد ساءني فيك. ما سمعت من فيك. ثم أعرض إعراض المغضب. ونزا نزوان العنظب. فقلت له: قاتلك الله أتنطلق متبخترا. وتدعني متحيرا؟ فقال: أظنك تدعي الحيرة. لتستغني عن المهيرة! فقلت له: قبح الله ظنك. ولا أشب قرنك! ثم رحت عنه مراح الخزيان. وتبت من مشاورة الصبيان. قال الحارث بن همام: فقلت له أقسم بمن أنبت الأيك. أن الجدل منك وإليك. فأغرب في الضحك وطرب طربة المنهمك. ثم قال: العق العسل. ولا تسل! فأخذت أسهب في مدح الأدب. وأفضل ربه على ذي النشب. وهو ينظر إلي نظر المستجهل. ويغضي عني إغضاء المتمهل. فلما أفرطت في العصبية. للعصبة الأدبية. قال لي: صه. واسمع مني وافقه: لا رهبانية في الإسلام. أو ما حدثت بمناكح نبيك عليه أزكى السلام؟ ثم أما تعلم أن القرينة الصالحة ترب بيتك. وتلبي صوتك. وتغض طرفك. وتطيب عرفك؟ وبها ترى قرة عينك. وريحانة أنفك. وفرحة قلبك. وخلد ذكرك. وتعلة يومك وغدك. فكيف رغبت عن سنة المرسلين. ومتعة المتأهلين. وشرعة المحصنين. ومجلبة المال والبنين؟ والله لقد ساءني فيك. ما سمعت من فيك. ثم أعرض إعراض المغضب. ونزا نزوان العنظب. فقلت له: قاتلك الله أتنطلق متبخترا. وتدعني متحيرا؟ فقال: أظنك تدعي الحيرة. لتستغني عن المهيرة! فقلت له: قبح الله ظنك. ولا أشب قرنك! ثم رحت عنه مراح الخزيان. وتبت من مشاورة الصبيان. قال الحارث بن همام: فقلت له أقسم بمن أنبت الأيك. أن الجدل منك وإليك. فأغرب في الضحك وطرب طربة المنهمك. ثم قال: العق العسل. ولا تسل! فأخذت أسهب في مدح الأدب. وأفضل ربه على ذي النشب. وهو ينظر إلي نظر المستجهل. ويغضي عني إغضاء المتمهل. فلما أفرطت في العصبية. للعصبة الأدبية. قال لي: صه. واسمع مني وافقه:
يقولون إن جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ
وما إن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ
فأما الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ
وأي جمال له أن يقال ... أديب يعلم أو ناسخ
ثم قال: سيتضح لك صدق لهجتي. واستنارة حجتي. وسرنا لا نألو جهدا. ولا نستفيق جهدا. حتى أدانا السير. إلى قرية عزب عنها الخير. فدخلناها للارتياد. وكلانا منفض من الزاد. فما إن بلغنا المحط. والمناخ المختط. أو لقينا غلام لم يبلغ الحنث. وعلى عاتقه ضغث. فحياه أبو زيد تحية المسلم. وسأله وقفة المفهم. فقال: وعم تسأل وفقك الله؟ قال: أيباع هاهنا الرطب. بالخطب؟ قال: لا والله! قال: ولا البلح. بالملح؟ قال: كلا والله. قال: ولا الثمر. بالسمر؟ قال: هيهات والله! قال: ولا العصائد. بالقصائد؟ قال: اسكت عافاك الله! قال: ولا الثرائد. بالفرائد؟ قال: أين يذهب بك أرشدك الله؟ قال: ولا الدقيق. بالمعنى الدقيق؟ قال: عد عن هذا أصلحك الله! واستحلى أبو زيد تراجع السؤال والجواب. والتكايل من هذا الجراب. ولمح الغلام أن الشوط بطين. والشيخ سويطين. فقال له: حسبك يا شيخ قد عرفت فنك. واستبنت أنك. فخذ الجواب صبرة. واكتف به خبرة: أما بهذا المكان فلا يشترى الشعر بشعيرة. ولا النثر بنثارة. ولا القصص بقصاصة. ولا الرسالة بغسالة. ولا حكم لقمان بلقمة. ولا أخبار الملاحم بلحمة. وأما جيل هذا الزمان فما منهم من يميح. إذا صيغ له المديح. ولا من يجيز. إذا أنشد له الأراجيز. ولا من يغيث. إذا أطربه الحديث. ولا من يمير. ولو أنه أمير. وعندهم أن مثل الأديب. كالربع الجديب. إن لم تجد الربع ديمة. لم تكن له قيمة. ولا دانته بهيمة. وكذا الأدب. إن لم يعضده نشب. فدرسه نصب. وخزنه حصب. ثم انسدر يعدو. وولى يحدو. فقال لي أبو زيد: أعلمت أن الأدب قد بار. وولت أنصاره الأدبار؟ فبؤت له بحسن البصيرة. وسلمت بحكم الضرورة. فقال: دعنا الآن من المصاع. وخض في حديث القصاع. واعلم أن الأسجاع. لا تشبع من جاع. فما التدبير في ما يمسك الرمق. ويطفئ الحرق؟ فقلت: الأمر إليك. والزمام بيديك. فقال: أرى أن ترهن سيفك. لتشبع جوفك وضيفك. فناولنيه وأقم. لأنقلب إليك بما تلتقم. فأحسنت به الظن. وقلدته السيف والرهن. فما لبث أن ركب الناقة. ورفض الصدق والصداقة. فمكثت مليا أترقبه. ثم نهضت أتعقبه. فكنت كمن ضيع اللبن في الصيف. ولم ألقه ولا السيف.

حسن خليل
21-11-10, 03:38 PM
المقامة التبريزية للحريري


أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أزْمَعْتُ التّبريزَ منْ تبريزَ. حينَ نبَتْ بالذّليلِ والعَزيزِ. وخلَتْ من المُجيرِ والمُجيزِ. فبَيْنا أنا في إعدادِ الأُهبَةِ. وارْتِيادِ الصُحْبَةِ. ألْفَيتُ بها أبا زيدٍ السَّروجيَّ مُلتَفّاً بكِساءٍ. ومُحْتَفّاً بنِساءٍ. فسألْتُهُ عنْ خطْبِهِ. وإلى أينَ يسْرُبُ مع سِرْبِهِ؟ فأوْمأ إلى امرأةٍ منهُنّ باهِرَةِ السّفورِ. ظاهِرَةِ النّفورِ. وقال: تزوّجْتُ هذهِ لتؤنِسَني في الغُربَةِ. وترْحَضَ عني قشَفَ العُزْبَةِ. فلَقيتُ منها عرَقَ القِرْبَةِ. تمْطُلُني بحقّي. وتكلّفُني فوْقَ طوْقي. فأنا منها نِضْوُ وَجَى. وحِلْفُ شجْوٍ وشجَى. وها نحْنُ قد تساعَيْنا إلى الحاكِمِ. ليَضْرِبَ على يدِ الظّالِمِ. فإنِ انتظَمَ بيْنَنا الوِفاقُ. وإلا فالطّلاقُ والانطِلاقُ. قال: فمِلْتُ إلى أن أخْبُرَ لمَنِ الغلَبُ. وكيفَ يكونُ المُنقلَبُ. فجعلْتُ شُغْلي دَبْرَ أُذْني. وصحِبتُهُما وإنْ كنتُ لا أُغْني. فلمّا حضَرَ القاضي وكان ممّن يرَى فضْلَ الإمْساكِ. ويضَنُّ بنُفاثَةِ السّواكِ. جَثا أبو زيدٍ بينَ يدَيْهِ. وقال: أيّدَ اللهُ القاضيَ وأحسَنَ إليْهِ. إنّ مطيّتي هذهِ أبيّةُ القِيادِ. كثيرَةُ الشِّرادِ. معَ أني أطْوَعُ لها منْ بَنانِها. وأحْنى عليْها منْ جَنانِها. فقالَ لها القاضي: ويْحَكِ! أما علِمْتِ أنّ النُّشوزَ يُغضِبُ الرّبّ. ويوجِبُ الضّرْبَ؟ فقالتْ: إنّهُ ممّن يدورُ خلْفَ الدارِ. ويأخُذُ الجارَ بالجارِ. فقال لهُ القاضي: تباً لكَ! أتَبْذُرُ في السِّباخِ. وتستَفرِخُ حيثُ لا إفْراخَ؟ اعْزُبْ عني لا نَعِمَ عوفُكَ. ولا أمِنَ خوفُكَ! فقالَ أبو زيدٍ: إنها ومُرسِلِ الرّياحِ. لأكْذَبُ منْ سَجاحِ! فقالتْ: بل هوَ ومَنْ طوّقَ الحَمامَةَ. وجنّحَ النّعامَةَ. لأكْذَبُ من أبي ثُمامَةَ. حينَ مَخْرَقَ باليَمامَةِ. فزفَرَ أبو زيدٍ زَفيرَ الشُّواظِ. واسْتَشاطَ استِشاطَةَ المُغْتاظِ. وقال لها: ويْلَكِ يا دَفارِ يا فَجارِ. يا غُصّةَ البعْلِ والجارِ! أتَعْمِدينَ في الخَلوَةِ لتَعْذيبي. وتُبدينَ في الحَفلَةِ تكْذيبي؟ وقد علِمْتِ أني حينَ بنَيتُ عليْكِ. ورنَوْتُ إليْكِ. ألفَيتُكِ أقْبَحَ من قِرْدَةٍ. وأيْبَسَ منْ قِدّةٍ. وأخشَنَ من لِيفَةٍ. وأنْتَنَ منْ جيفَةٍ. وأثقَلَ منْ هَيضَةٍ. وأقذَرَ منْ حيضَةٍ. وأبرَزَ من قِشرَةٍ. وأبْرَدَ من قِرّةٍ. وأحمَقَ من رِجلَةٍ. وأوسَعَ منْ دِجلَةَ! فستَرْتُ عَوارَكِ. ولمْ أُبْدِ عارَكِ. على أنهُ لوْ حبَتْكِ شيرينُ بجَمالِها. وزُبَيدَةُ بمالِها. وبِلْقيسُ بعَرْشِها. وبُورانُ بفَرْشِها. والزّبّاء بمُلْكِها. ورابِعَةُ بنُسكِها. وخِندِفُ بفَخْرِها. والخنْساءُ بشِعْرِها في صخرِها. لأنِفْتُ أن تكوني قَعيدَةَ رَحْلي. وطَروقَةَ فحْلي! قال: فتذمّرَتِ المرأةُ وتنمّرَتْ. وحسَرَتْ عنْ ساعِدِها وشمّرَتْ. وقالتْ لهُ: يا ألأمَ منْ مادِرٍ. وأشْأمَ منْ قاشِرٍ. وأجْبَنَ منْ صافِرٍ. وأطْيَشَ منْ طامِرٍ! أتَرْميني بشَنارِكَ. وتَفْري عِرْضي بشِفارِكَ؟ وأنتَ تعْلَمُ أنكَ أحقَرُ منْ قُلامَةٍ. وأعْيَبُ منْ بَغْلةِ أبي دُلامَةَ. وأفضَحُ منْ حَبْقَةٍ. في حلْقَةٍ. وأحْيَرُ منْ بَقّةٍ. في حُقّةٍ! وهَبْكَ الحَسَنَ في وعْظِهِ ولفْظِهِ. والشّعْبيَّ في عِلْمِهِ وحِفْظِهِ. والخَليلَ في عَروضِهِ ونحوِهِ. وجَريراً في غزَلِهِ وهجْوِهِ. وقُسّاً في فَصاحَتِهِ وخِطابَتِهِ. وعبْدَ الحَميدِ في بَلاغَتِهِ وكِتابَتِهِ. وأبا عَمْرٍو في قِراءتِهِ وإعْرابِهِ. وابنَ قُرَيبٍ في رِوايَتِهِ عنْ أعْرابِهِ. أتظُنّني أرْضاكَ إماماً لمِحْرابي. وحُساماً لقِرابي؟ لا واللهِ ولا بَوّاباً لِبابي. ولا عَصاً لجِرابي! فقالَ لهُما القاضي: أراكُما شَنّاً وطَبقةَ. وحِدَأةً وبُندُقَةً. فاتْرُكْ أيّها الرّجُلُ اللَّدَدَ. واسْلُكْ في سيْرِكَ الجَدَدَ. وأمّا أنْتِ فكُفّي عنْ سِبابِهِ. وقِرّي إذا أتى البَيتَ منْ بابِهِ. فقالَتِ المرأةُ: واللهِ ما أسْجُنُ عنهُ لِساني. إلا إذا كَساني. ولا أرْفَعُ لهُ شِراعي. دونَ إشْباعي. فحلَفَ أبو زيْدٍ بالمُحَرِّجاتِ الثّلاثِ. أنهُ لا يملِكُ سوى أطْمارِهِ الرِّثاثِ. فنظَرَ القاضي في قَصَصِهِما نظَرَ الألمَعيّ. وأفْكَرَ فِكرَةَ اللّوذَعيّ. ثمّ أقبلَ عليْهِما بوجْهٍ قد قطّبَهُ. ومِجَنٍّ قد قلَبَهُ. وقال: ألَمْ يكْفِكُما التّسافُهُ في مجلِسِ الحُكْمِ. والإقْدامُ على هذا الجُرْمِ. حتى تَراقَيتُما منْ فُحْشِ المُقاذَعَةِ. إلى خُبْثِ المُخادَعَةِ؟ وايْمُ اللهِ لقدْ أخطأتِ استُكُما الحُفْرَةَ. ولمْ يُصِبْ سَهْمُكُما الثُّغْرَةَ. فإنّ أميرَ المؤمِنينَ. أعَزّ اللهُ ببقائِهِ الدّينَ. نصَبَني لأقْضيَ بينَ الخُصَماء. لا لأقضيَ دَينَ الغُرَماء. وحَقِّ نِعمَتِهِ التي أحلّتْني هذا المَحَلّ. وملّكَتْني العَقْدَ والحَلّ. لَئِنْ لمْ تُوضِحا لي جليّةَ خَطْبِكُما. وخَبيئَةَ خِبّكُما. لأُنَدّدَنّ بكُما في الأمصارِ. ولأجْعلَنّكُما عِبرَةً لأولي الأبصارِ! فأطْرَقَ أبو زيدٍ إطْراقَ الشُجاعِ. ثمّ قالَ لهُ: سَماعِ سَماعِ:

أنا السَّروجيّ وهَـذي عِـرْسـي *** وليسَ كُفْؤُ البدْرِ غيرَ الشّـمـسِ


وما تَنافى أُنـسُـهـا وأُنـسـي *** ولا تَناءى ديرُها عـنْ قَـسّـي


ولا عدَتْ سُقْيايَ أرْضَ غَرْسـي *** لكِنّـنـا مـنـذُ لَـيالٍ خـمْـسِ


نُصبحُ في ثوبِ الطّوى ونُمْسـي *** لا نعرِفُ المَضْغَ ولا التّحَـسّـي


حتى كأنّا لخُـفـوتِ الـنّـفْـسِ *** أشْباحُ مَوْتى نُشِروا منْ رَمْـسِ


فحينَ عزّ الصّبـرُ والـتـأسّـي *** وشَفّنا الضُـرُّ الألـيمُ الـمَـسّ


قُمْنا لسَعْدِ الجَدّ أو لـلـنّـحْـسِ *** هذا المَقامَ لاجـتِـلابِ فَـلْـسِ


والفَقْرُ يُلْحي الحُرَّ حـينَ يُرْسـي *** إلى التّحَلّي في لِباسِ الـلَّـبْـسِ


فهـذِهِ حـالـي وهَـذا دَرْسـي *** فانظُرْ إلى يوْمي وسَلْ عن أمسي


وأمُرْ بجَبري إنْ تَشا أو حبْـسـي *** ففي يدَيْكَ صحّتـي ونُـكْـسـي

فقالَ لهُ القاضي: ليَثُبْ أُنسُكَ. ولْتَطِبْ نفسُكَ. فقد حقّ لكَ أن تُغفَرَ خَطيّتُكَ. وتُوَفَّرَ عطيّتُكَ. فثارَتِ الزّوجَةُ عندَ ذلِك واستَطالَتْ. وأشارَتْ إلى الحاضِرينَ وقالتْ:


يا أهلَ تبريزَ لكُمْ حاكِـمٌ *** أوْفى على الحُكّامِ تبْريزا


ما فيهِ من عيْبٍ سوى أنهُ *** يومَ النّدى قِسمَتُهُ ضِيزَى


قصَدْتُهُ والشيخُ نبْغي جَنى *** عودٍ لهُ ما زال مهْزوزا


فسَرّحَ الشيخَ وقد نالَ منْ *** جَدْواهُ تخْصيصاً وتمْييزا


وردّني أخْيَبَ مـنْ شـائِمٍ *** بَرْقاً خَفا في شهْرِ تمّوزا


كأنّهُ لمْ يدْرِ أني الـتـي *** لقّنْتُ ذا الشّيخَ الأراجيزا


وأنّني إنْ شِئْتُ غادَرْتُـهُ *** أُضْحوكَةً في أهلِ تَبْريزا

قال: فلمّا رأى القاضي اجْتِراء جَنانِهِما. وانصِلاتَ لِسانِهِما. علِمَ أنهُ قد مُنيَ منهُما بالدّاء العَياء. والداهِيَةِ الدّهْياء. وأنهُ مَتى منَحَ أحدَ الزّوجينِ. وصرَفَ الآخرَ صَفْرَ اليَديْنِ. كان كمَنْ قضى الدّيْنَ بالدَّيْنِ. أو صلّى المغرِبَ ركْعتَينِ. فطَلْسَمَ وطرْسَمَ. واخْرَنْطَمَ وبرْطَمَ. وهمْهَمَ وغمْغَمَ. ثمّ التفَتَ يَمنَةً وشامةً. وتملْمَلَ كآبَةً ونَدامَةً. وأخذ يذُمّ القضاء ومَتاعِبَهُ. ويَعُدّ شوائِبَهُ ونَوائِبَهُ. ويفَنّدُ طالِبَهُ وخاطِبَهُ. ثمّ تنفّسَ كما يتنفّسُ الحَريبُ. وانتَحَبَ حتى كادَ يفضَحُهُ النّحيبُ. وقال: إنّ هذا لَشَيْءٌ عجيبٌ. أأُرْشَقُ في موقِفٍ بسَهْمَيْنِ. أأُلزَمُ في قَضيّةٍ بمَغْرَمَينِ. أأُطيقُ أنْ أُرضيَ الخصْمَينِ. ومنْ أينَ ومِنْ أينَ؟ ثمّ عطَفَ إلى حاجِبِه. المُنفِذِ لمآرِبِهِ. وقال: ما هذا يومُ حُكْمٍ وقَضاءٍ. وفصْلٍ وإمْضاءٍ! هذا يومُ الاعتِمامِ. هذا يومُ الاغْتِرامِ. هذا يومُ البُحْرانِ. هذا يومُ الخُسْرانِ! هذا يومٌ عصيبٌ. هذا يومٌ نُصابُ فيهِ ولا نُصيبُ! فأرِحْني منْ هذَينِ المِهذارَيْنِ. واقطَعْ لسانَهُما بدينارَينِ. ثمّ فرّقِ الأصْحابَ. وأغلِقِ البابَ. وأشِعْ أنهُ يومٌ مذْمومٌ. وأنّ القاضيَ فيهِ مهْمومٌ. لئلاّ يحْضُرَني خُصومٌ! قال: فأمّنَ الحاجِبُ على دُعائِهِ. وتَباكى لبُكائِهِ. ثمّ نقَدَ أبا زيدٍ وعِرْسَهُ المِثقالَينِ. وقال: أشهَدُ أنّكُما لأحْيَلُ الثّقَلينِ. لكِنِ احْتَرِما مجالِسَ الحُكّامِ. واجتَنِبا فيها فُحشَ الكلامِ. فما كُلُّ قاضٍ قاضي تبريزَ. ولا كُلَّ وقتٍ تُسمَعُ الأراجيزُ. فقالا لهُ: مثلُك منْ حجَبَ. وشُكرُكَ قدْ وجَبَ. ونهَضا وقدْ حظِيا بدينارَينِ. وأصْلَيا قلْبَ القاضي نارَينِ.

حسن خليل
21-11-10, 03:40 PM
المقامة التفليسية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عاهدْتُ اللهَ تعالَى مُذْ يفَعتُ. أنْ لا أؤخِّرَ الصّلاةَ ما استَطَعْتُ. فكنتُ مع جوْبِ الفلَواتِ. ولهْوِ الخلَواتِ. أُراعي أوْقاتَ الصّلاةِ. وأحاذِرُ منْ مأثَمِ الفَواتِ. وإذا رافَقْتُ في رِحلَةٍ. أو حللْتُ بحِلّةٍ. مرْحَبْتُ بصَوْتِ الدّاعي إليْها. واقتَدَيْتُ بمنْ يُحافِظُ عليْها. فاتّفَقَ حينَ دخلْتُ تفْليسَ. أن صلّيتُ معَ زُمْرَةٍ مَفاليسَ. فلمّا قضيْنا الصّلاةَ. وأزْمَعْنا الانفِلاتَ. برزَ شيخٌ بادِي اللَّقوَةِ. بالي الكُسوَةِ والقُوّةِ. فقالَ: عزمْتُ على منْ خُلِقَ منْ طينَةِ الحُريّةِ. وتفوّقَ دَرَّ العصبيّةِ. إلا ما تكلّفَ لي لُبْثَةً. واستمَعَ مني نَفثَةً. ثمّ لهُ الخِيارُ منْ بعْدُ. وبيدِهِ البذْلُ والرّدُّ. فعقَدَ لهُ القومُ الحُبَى. ورسَوْا أمْثالَ الرُبى. فلمّا آنَس حُسْنَ إنْصاتِهمْ. ورَزانَةَ حَصاتِهِمْ. قال: يا أولي الأبْصارِ الرّامِقَةِ. والبَصائِرِ الرّائِقَةِ. أمَا يُغْني عنِ الخبَرِ العِيانُ. ويُنْبئُ عنِ النّارِ الدخانُ؟ شَيبٌ لائِحٌ. ووهْنٌ فادِحٌ. وداءٌ واضِحٌ. والباطِنُ فاضِحٌ. ولقدْ كُنتُ واللهِ ممّنْ ملَكَ ومالَ. ووَليَ وآلَ. ورفَدَ وأنالَ. ووصَلَ وصالَ. فلمْ تزَلِ الجَوائِحُ تسْحَتُ. والنّوائِبُ تنْحَتُ. حتى الوَكْرُ قَفْرٌ. والكفُّ صَفْرٌ. والشّعارُ ضُرٌّ. والعيشُ مُرٌّ. والصّبْيَةُ يتَضاغَوْنَ من الطّوى. ويتمنّونَ مُصاصَةَ النّوى. ولمْ أقُمْ هذا المَقامَ الشّائنَ. وأكشِفْ لكُمُ الدّفائِنَ. إلا بعْدَما شَقيتُ ولُقيتُ. وشِبْتُ ممّا لَقيتُ. فلَيتَني لمْ أكُنْ بَقيتُ. ثمّ تأوّهَ تأوّهَ الأسيفِ. وأنشدَ بصوتٍ ضَعيفٍ:


أشْكو إلى الرّحْمنِ سُبْحـانَـهُ *** تقلُّبَ الـدّهْـرِ وعُـدْوانَـهُ


وحادِثاتٍ قرعَـتْ مَـرْوَتـي *** وقوّضَتْ مَجدي وبُـنْـيانَـهُ


واهْتصَرَتْ عودي ويا ويلَ منْ *** تهتَصِرُ الأحداثُ أغصـانَـهُ


وأمحَلَتْ ربْعيَ حتى جـلَـتْ *** منْ ربْعيَ المُمْحِلِ جِرْذانَـهُ


وغادرَتْـنـي حـائِراً بـائِراً *** أُكابِدُ الفَـقْـرَ وأشْـجـانَـهُ


منْ بعْدِ ما كنتُ أخـا ثـروَةٍ *** يسحَبُ في النّعْـمَةِ أرْدانَـهُ


يختَبِطُ الـعـافـونَ أوْراقَـهُ *** ويحْمَدُ السّـارونَ نـيرانَـهُ


فأصبحَ اليومَ كـأنْ لـمْ يكُـنْ *** أعانَهُ الدّهرُ الـذي عـانَـهُ


وازْوَرّ مَنْ كـانَ لـهُ زائِراً *** وعافَ عافي العُرْفِ عِرْفانَهُ


فهلْ فتًى يحْـزُنُـهُ مـا يَرى *** منْ ضُرّ شيخٍ دهْرُهُ خـانَـهُ


فيَفْرِجَ الهَـمَّ الـذي هـمَّـهُ *** ويُصلِحَ الشّانَ الذي شـانَـهُ

قال الرّاوي: فصَبَتِ الجماعَةُ إلى أن تستَثبِتَهُ. لتَستَنجِشَ خُبْأتَهُ. وتستَنفِضَ حَقيبتَهُ. فقالتْ لهُ: قد عرَفْنا قدْرَ رُتبتِكَ. ورأيْنا دَرَّ مُزنَتِكَ. فعرّفْنا دوْحةَ شُعبَتِكَ. واحْسِرِ اللّثامَ عنْ نِسبَتِكَ. فأعْرَضَ إعْراضَ منْ مُنيَ بالإعْناتِ. أو بُشّرَ بالبَناتِ. وجعلَ يلعَنُ الضّروراتِ. ويتأفّفُ منْ تغَيُّضِ المُروءاتِ. ثمّ أنشدَ بلَفظٍ صادِعٍ. وجَرْسٍ خادِعٍ:

لعَمْرُكَ مـا كُـلُّ فـرْعٍ يدُلّ *** جَناهُ اللّذيذُ علـى أصـلِـهِ


فكُلْ ما حَلا حينَ تُؤتـى بـهِ *** ولا تسألِ الشّهْدَ عنْ نحْـلِـهِ


وميّزْ إذا ما اعتَصرْتَ الكُرومَ *** سُلافَةَ عصْرِكَ منْ خَـلّـهِ


لتُغْلي وتُرْخِصَ عنْ خِـبـرَةٍ *** وتشْريَ كُلاًّ شِرَى مثـلِـهِ


فعارٌ على الفَطِنِ اللّوذَعـيّ *** دُخولُ الغَميزَةِ في عقـلِـهِ

قال: فازْدَهى القومُ بذَكائِهِ ودهائِه. واختلَبَهُمْ بحُسْنِ أدائِهِ مع دائِهِ. حتى جمَعوا لهُ خَبايا الخُبَنِ. وخَفايا الثُّبَنِ. وقالوا لهُ: يا هَذا إنكَ حُمْتَ على رَكِيّةٍ بَكيّةٍ. وتعرّضْتَ لخَليّةٍ خليّةٍ. فخُذْ هذِه الصُّبابَةَ. وهَبْها لا خطأً ولا إصابَةً. فنزّلَ قُلَّهُمْ منزِلَةَ الكُثْرِ. ووصَلَ قَبولَهُ بالشُكْرِ. ثمّ تولّى يجُرّ شِقَّهُ. وينْهَبُ بالخَبْطِ طُرْقَهُ. قالَ المُخبِرُ بهذِهِ الحِكايَةِ. فصُوّرَ لي أنّهُ مُحيلٌ لحِلْيَتِهِ. متصَنّعٌ في مِشيَتِهِ. فنهَضْتُ أنْهَجُ مِنْهاجَهُ. وأقْفو أدراجَهُ. وهوَ يلْحَظُني شَزْراً. ويوسِعُني هجْراً. حتى إذا خَلا الطّريقُ. وأمْكَنَ التّحْقيقُ. نظرَ إليّ نظرَ منْ هشّ وبشّ. وماحَضَ بعْدَما غشّ. وقال: إني لإخالُكَ أخا غُربَةٍ. ورائِدَ صُحبَةٍ. فهلْ لكَ في رَفيقٍ يَرفُقُ بكَ ويُرفِقُ. ويَنفُقُ عليْك ويُنفِقُ؟ فقلتُ لهُ: لو أتاني هذا الرّفيقُ. لواتاني التّوْفيقُ. فقال لي: قدْ وجَدْتَ فاغْتَبِطْ. واستَكْرَمْتَ فارتَبِطْ. ثمّ ضحِكَ مليّاً. وتمثّلَ لي بَشَراً سَوِيّاً. فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ لا قَلَبَةَ بجسمِهِ. ولا شُبهَةَ في وسْمِهِ. ففرِحْتُ بلُقيَتِهِ. وكذِبِ لَقْوَتِهِ. وهمَمْتُ بمَلامَتِهِ. على سوء مَقامَتِهِ. فشَحا فاهُ. وأنشدَ قبلَ أنْ ألْحاهُ:

ظهَرْتُ برَتٍّ لكَيْمـا يُقـالَ *** فقيرٌ يُزَجّي الزّمانَ المُزَجّى


وأظهرْتُ للنّاسِ أنْ قد فُلجتُ *** فكمْ نالَ قلْبي بهِ ما ترَجّـى


ولوْلا الرّثاثَةُ لـمْ يُرْثَ لـي *** ولوْلا التّفالُجُ لمْ ألْقَ فُلْـجـا

ثمّ قال: إنّهُ لم يبْقَ لي بهذِه الأرضِ مرتَعٌ. ولا في أهلِها مطْمَعٌ. فإنْ كنتَ الرّفيقَ. فالطّريقَ الطّريقَ. فسِرْنا منها متجرِّدَينِ. ورافَقْتُهُ عامَينِ أجرَدَينِ. وكنتُ على أنْ أصحبَهُ ما عِشْتُ. فأبى الدّهْرُ المُشِتُّ.

حسن خليل
21-11-10, 03:41 PM
المقامة التنيسية للحريري


حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أطَعْتُ دَواعيَ التّصابي. في غُلَواء شَبابي. فلمْ أزَلْ زِيراً للغِيدِ. وأُذُناً للأغارِيدِ. إلى أن وافَى النّذيرُ. وولّى العيشُ النّضيرُ. فقَرِمْتُ إلى رُشْدِ الانتِباهِ. وندِمْتُ على ما فرّطْتُ في جنْبِ اللهِ. ثمّ أخذْتُ في كسْعِ الهَناتِ بالحَسَناتِ. وتلافي الهفَواتِ قبلَ الفَواتِ. فمِلْتُ عنْ مُغاداةِ الغاداتِ. إلى مُلاقاةِ التُّقاةِ. وعنْ مُقاناةِ القَيْناتِ. إلى مُداناةِ أهلِ الدّياناتِ. وآلَيتُ أن لا أصْحَبَ إلا مَنْ نزَعَ عنِ الغَيّ. وفاءَ منشَرُهُ إلى الطّيّ. وإنْ ألْفَيْتُ منْ هوَ خَليعُ الرّسَنِ. مَديدُ الوسَنِ. أنْأيْتُ داري عن دارِهِ. وفرَرْتُ عنْ عَرّهِ وعارِهِ. فلمّا ألقَتني الغُربَةُ بتِنّيسَ. وأحَلّتني مسجِدَها الأنيسَ. رأيتُ بهِ ذا حَلقَةٍ مُلتَحمَةٍ. ونظّارَةٍ مُزدَحِمةٍ. وهوَ يقولُ بجأشٍ مَكينٍ و ولِسنٍ مُبينٍ: مِسكينٌ ابنُ آدمَ وأيُّ مِسكينٍ. ركَنَ من الدّنيا إلى غيرِ رَكينٍ. واستَعصَمَ منها بغيرِ مَكسنٍ. وذُبِحَ من حُبّها بغيرِ سِكّينٍ. يَكْلَفُ بها لغَباوَتِهِ. ويَكْلَبُ عليْها لشَقاوَتِهِ. ويعْتَدّ فيها لمُفاخرَتِهِ. ولا يتزوّدُ منها لآخرتِهِ. أُقسمُ بمَنْ مرَجَ البَحرَينِ. ونوّرَ القمَرَينِ. ورفَعَ قدْرَ الحجريْنِ. لوْ عقَلَ ابنُ آدَمَ. لما نادَمَ. ولوْ فكّرَ في ما قدّمَ. لبَكى الدّمَ. ولوْ ذكَرَ المُكافاةَ. لاستَدرَكَ ما فاتَ. ولوْ نظَرَ في المآلِ. لحسّنَ قُبْل الأعْمالِ. يا عجَباً كلَّ العجَبِ. لمَنْ يقتَحِمُ ذاتَ اللّهَبِ. في اكْتِنازِ الذّهبِ. وخزْنِ النّشَبِ. لذوي النّسَبِ. ثمّ منَ البِدْعِ العَجيبِ. أن يعِظَكَ وخْطُ المشيبِ. وتؤذِنُ شمسُكَ بالمَغيبِ. ولستَ ترى أن تُنيبَ. وتهذّبَ المَعيبَ. ثمّ اندفَعَ يُنشِدُ. إنشادَ منْ يُرشِدُ:


يا ويْحَ مَـنْ أنـذرَهُ شَـيبُــهُ *** وهوَ على غَيّ الصِّبا منكَمِـشْ


يعْشو إلى نارِ الهَوى بـعْـدَمـا *** أصبَحَ من ضُعْفِ القُوى يرتَعِش


ويمتَطـي الـلـهْـوَ ويعْـتَـدُّهُ *** أوْطأ ما يفتَرِشُ المُـفـتَـرِشْ


لم يهَبِ الشّيبَ الـذي مـا رأى *** نجومَهُ ذو الـلُّـبّ إلا دُهِـشْ


ولا انتهَى عمّا نَهـاهُ الـنُـهـى *** عنهُ ولا بالى بعِـرْضٍ خُـدِشْ


فذاكَ إنْ ماتَ فسُـحْـقـاً لـهُ *** وإن يعِشْ عُدّ كأنْ لـمْ يعِـشْ


لا خيْرَ في مَحْيا امرئٍ نشْـرُهُ *** كنَشْرِ ميْتٍ بعدَ عشْرٍ نُـبِـشْ


وحبّذا مَـن عِـرضُـهُ طـيّبٌ *** يَروقُ حُسْناً مثلَ بُـرْدٍ رُقِـشْ


فقُلْ لمَن قـد شـاكَـهُ ذنـبُـهُ *** هلَكْتَ يا مِسكينُ أو تنتَـقِـشْ


فأخْلِصِ التّوبَةَ تطمِـسْ بـهـا *** منَ الخَطايا السودِ ما قد نُقِـشْ


وعاشِرِ الناسَ بخُلـقٍ رِضًـى *** ودارِ منْ طاشَ ومنْ لم يطِشْ


ورِشْ جَناحَ الحُرّ إنْ حَـصّـهُ *** زمانُهُ لا كانَ مـنْ لـم يرِشْ


وأنجِدِ الموْتورَ ظُـلـمـاً فـإنْ *** عجِزْتَ عن إنْجادِهِ فاستجِـشْ


وانعَشْ إذا نـاداكَ ذو كَـبـوَةٍ *** عساكَ في الحشْرِ بهِ تنتَعِـشْ


وهاكَ كأسَ النُصْحِ فاشرَبْ وجُدْ *** بفَضْلَةِ الكأسِ على مَنْ عطِشْ

قال: فلمّا فرَغَ من مُبكِياتِهِ. وقضَى إنشادَ أبياتِهِ. نهضَ صبيٌّ قد شدَنَ. وأعْرى البَدَنَ. وقال: يا ذَوي الحَصاةِ. والإنْصاتِ إلى الوَصاةِ. قد وعَيْتُمُ الإنشادَ. وفقِهتُمُ الإرْشادَ. فمَن نَوى منكُمْ أن يقْبَلَ. ويُصلِحَ المُستَقبَلَ. فلْيُبِنْ ببِرّي عنْ نِيّتِهِ. ولا يعدِلْ عني بعَطيّتِهِ. فوالذي يعلَمُ الأسرارَ. ويغفِرُ الإصْرارَ. إنّ سرّي لكَما تَرَوْنَ. وإنّ وجهي ليَستَوْجِبُ الصّوْنَ. فأعينوني رُزِقْتُمُ العوْنَ. قال: فأخذَ الشيخُ في ما يعطِفُ عليْهِ القُلوبَ. ويُسَنّي لهُ المطْلوبَ. حتى أنْبَطَ حَفرُهُ. واعْشَوشَبَ قَفْرُهُ. فلمّا أنْ ترِعَ الكيسُ. انصَلَتَ يميسُ. ويحمَدُ تِنّيسَ. ولمْ يحْلُ للشيخِ المُقامُ. بعْدَما انْصاعَ الغُلامُ. فاستَرْفَعَ الأيْدي بالدّعاء. ثمّ نَحا نحْوَ الانكِفاء. قال الراوي: فارتَحْتُ إلى أن أعجُمَهُ. وأحُلَّ مُترجَمَهُ. فتَبعتُهُ وهو يشتَدّ في سمْتِهِ. ولا يفْتُقُ رتْقَ صمتِهِ. فلمّا أمِنَ المُفاجيَ. وأمكَنَ التّناجي. لفَتَ جيدَهُ إليّ. وسلّمَ تسْليمَ البَشاشَةِ عليّ. ثمّ قال: أراقَكَ ذكاءُ ذاكَ الشُّوَيْدِنِ؟ فقلتُ: إي والمؤمِنِ المُهَيمِنِ! قال: إنهُ فتى السّروجيّ. ومُخرِجِ الدُّرّ منَ اللُّجّيّ! فقلْتُ: أشهَدُ إنّكَ لَشَجرَةُ ثمرَتِهِ. وشُواظُ شرَرَتِهِ. فصدّقَ كَهانَتي. واستَحْسَنَ إبانَتي. ثمّ قال: هل لكَ في ابتِدارِ البيتِ. لنَتنازَعَ كأسَ الكُمَيتِ؟ فقلتُ لهُ: ويْحَكَ أتأمُرونَ الناسَ بالبِرّ وتَنسَوْنَ أنفُسَكُمْ؟ فافتَرّ افتِرارَ مُتَضاحِكٍ. ومرّ غيرَ مُماحِكٍ. ثمّ بَدا لهُ أنْ تَراجَعَ إليّ. وقال: احفَظْها عني وعليّ:


إصْرِفْ بصِرْفِ الرّاحِ عنكَ الأسى *** وروّحِ القـلْـبَ ولا تـكـتَـئِبْ


وقلْ لمَـنْ لامـكَ فـي مـا بِـهِ *** تدفعُ عنكَ الـهـمّ قـدْكَ اتّـئِبْ

ثمّ قال: أمَا أنا فسأنطَلِقُ. إلى حيثُ أصطَبِحُ وأغْتَبِقُ. وإذا كُنتَ لا تَصحَبُ. ولا تُلائِمُ مَن يطرَبُ. فلسْتَ لي برَفيقٍ. ولا طريقُكَ لي بطَريقٍ. فخَلّ سَبيلي ونكّبْ. ولا تُنقّرْ عني ولا تُنقّبْ. ثمّ ولّى مُدْبِراً ولمْ يُعَقّبْ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فالْتَهَبْتُ وجْداً عندَ انطِلاقِهِ. ووَدِدْتُ لوْ لمْ أُلاقِهِ.

حسن خليل
21-11-10, 03:43 PM
المقامة الحجرية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: احتَجْتُ إلى الحِجامَةِ. وأنا بحَجْرِ اليَمامةِ. فأُرشِدْتُ إلى شيخٍ يحْجُمُ بلَطافَةٍ. ويسفِرُ عنْ نَظافَةٍ. فبعَثْتُ غُلامي لإحْضارِهِ. وأرْصَدْتُ نفْسي لانتِظارِهِ. فأبْطأ بعْدَما انطلَقَ. حتى خِلتُهُ قد أبَقَ. أو ركِبَ طبَقاً عنْ طبَقٍ. ثمّ عادَ عوْدَ المُخفِقِ مسْعاهُ. الكَلِّ على موْلاهُ. فقُلْتُ لهُ: ويلَكَ أبُطْءَ فِنْدٍ. وصُلودَ زَندٍ؟ فزَعَم أنّ الشيخَ أشْغَلُ من ذاتِ النِّحْيَيْنِ. وفي حربٍ كحَرْبِ حُنَينٍ. فعِفتُ المَمْشى إلى حجّامٍ. وحِرْتُ بين إقدامٍ وإحْجامٍ. ثمّ رأيتُ أنْ لا تعْنيفَ. على منْ يأتي الكَنيفَ. فلمّا شهِدْتُ موسِمَهُ. وشاهدْتُ مِيسَمَهُ. رأيتُ شيْخاً هيئَتُهُ نَظيفَةٌ. وحركَتُهُ خَفيفَةٌ. وعليْهِ منَ النّظارَةِ أطْواقٌ. ومنَ الزِّحامِ طِباقٌ. وبينَ يَدَيْهِ فتًى كالصَّمْصامَةِ. مُستَهدِفٌ للحِجامَةِ. والشيخُ يقولُ له: أراكَ قد أبرَزْتَ راسَكَ. قبلَ أن تُبرِزَ قِرْطاسَكَ. ووَلّيتَني قَذالَكَ. ولمْ تقُلْ لي ذا لَكَ. ولستُ ممّنْ يبيعُ نقْداً بدَينٍ. ولا يطلُبُ أثَراً بعدَ عينٍ. فإنْ أنتَ رضَخْتَ بالعَينِ. حُجِمْتَ في الأخدَعَينِ. وإنْ كُنتَ ترى الشُحّ أوْلى. وخزْنَ الفَلْسِ في النّفْسِ أحْلى. فاقْرأ عبَسَ وتولّى. واغْرُبْ عني وإلا. فقالَ الفتَى: والذي حرّمَ صوْغَ المَينِ. كما حرّمَ صيْدَ الحرَمَينِ. إني لأفْلَسُ منِ ابنِ يوْمَينِ. فثِقْ بسَيلِ تلْعَتي. وأنْظِرْني إلى سَعَتي. فقالَ لهُ الشيخُ: ويْحَكَ إنّ مثَلَ الوُعودِ. كغرْسِ العودِ! هوَ بينَ أن يُدرِكَهُ العطَبُ. أو يُدرَكُ منهُ الرُّطَبُ. فما يُدْرِيني أيَحْصُلُ منْ عودِكَ جَنًى. أم أحصُلُ منهُ على ضنًى؟ ثمّ ما الثّقَةُ بأنّكَ حينَ تبتَعِدُ. ستَفي بما تعِدُ؟ وقد صارَ الغدْرُ كالتّحْجيلِ. في حِليَةِ هذا الجيلِ. فأرِحْني باللهِ منَ التّعذيبِ. وارْحَلْ إلى حيثُ يَعْوي الذّيبُ. فاسْتَوى الغُلامُ إليْهِ. وقدِ استوْلى الخجَلُ علَيْهِ. وقال: واللهِ ما يَخيسُ بالعهْدِ. غيرُ الخَسيسِ الوغْدِ. ولا يرِدُ غَديرَ الغَدْرِ. إلا الوَضيعُ القدْرِ. ولوْ عرَفْتَ منْ أنا. لما أسمَعْتَني الخَنا. لكنّكَ جهِلْتَ فقُلْتَ. وحيثُ وجَبَ أنْ تسْجُدَ بُلْتَ. وما أقبَحَ الغُربَةَ والإقلالَ. وأحسَنَ قوْلَ منْ قال:

إنّ الغَريبَ الطّويلَ الذّيلِ ممتَهَـنٌ *** فكيفَ حالُ غَريبٍ ما لـهُ قـوتُ


لكنّهُ ما تَشينُ الـحُـرُّ مـوجِـعَةٌ *** فالمِسكُ يُسحَقُ والكافورُ مَفتـوتُ


وطالَما أُصْليَ الياقوتُ جمرَ غضًى *** ثمّ انطَفى الجمرُ والياقوتُ ياقوتُ

فقالَ لهُ الشيخُ: يا ويلَةَ أبيكَ. وعوْلَةَ أهليكَ! أأنْتَ في موقِفِ فخْرٍ يُظهَرُ. وحسَبٍ يُشهَرُ. أم موقِفِ جِلْدٍ يُكشَطُ. وَقَفاً يُشْرَطُ؟ وهبْ أنّ لكَ البيتَ. كما ادّعَيتَ. أيَحْصُلُ بذلِكَ. حَجْمُ قَذالِكَ؟ لا واللهِ ولوْ أنّ أباكَ أنافَ. على عبْدِ مُنافٍ. أو لخالِكَ دانَ. عبدُ المَدانِ. فلا تضْرِبْ في حَديدٍ بارِدٍ. ولا تطْلُبْ ما لسْتَ لهُ بواجِدٍ. وباهِ إذا باهَيْتَ بموجودِكَ. لا بحُدودِكَ. وبمَحْصولِكَ. لا بأصولِكَ. وبصِفاتِكَ. لا برُفاتِكَ. وبأعْلاقِكَ. لا بأعْراقِكَ. ولا تُطِعِ الطّمَعَ فيُذِلَّكَ. ولا تتّبِعِ الهَوى فيُضِلّكَ. وللهِ القائلُ لابنِهِ:

بُنيّ استَقِمْ فالعُـودُ تَـنـمـي عُـروقُـهُ *** قَويماً ويغْشاهُ إذا ما الـتَـوى الـتّـوَى


ولا تُطِعِ الحِرْصَ المُـذِلّ وكـنْ فـتًـى *** إذا التَهَبتْ أحشاؤهُ بـالـطّـوى طـوَى


وعاصِ الهَوى المُرْدي فكم من محَـلِّـقٍ *** إلى النّجْمِ لمّا أنْ أطاعَ الـهَـوى هـوَى


وأسعِفْ ذوي القُربى فـيقـبُـحُ أن يُرى *** على من إلى الحرّ اللُّبابِ انضوى ضوَى


وحافِظْ علـى مَـنْ لا يخـونُ إذا نَـبـا *** زمانٌ ومن يرْعى إذا ما الـنـوى نـوَى


وإنْ تقتدرْ فاصْفحْ فلا خيرَ فـي امـرِئٍ *** إذا اعتلَقتْ أظفارُهُ بـالـشّـوى شَـوى


وإيّاكَ والشّكـوى فـلـمْ تـرَ ذا نُـهًـى *** شكا بل أخو الجهل الذي ما ارعوى عوى

فقالَ الغُلامُ للنّظّارَةِ: يا للعَجيبةِ. والطُرفَةِ الغَريبةِ! أنْفٌ في السّماء. واسْتٌ في الماء! ولفْظٌ كالصّهْباء. وفِعْلٌ كالحَصْباء! ثمّ أقبلَ على الشيخِ بلِسانٍ سَليطٍ. وغيظٍ مُستَشيطٍ. وقال: أفٍّ لكَ منْ صوّاغٍ باللّسانِ. روّاغٍ عنِ الإحْسانِ! تأمُرُ بالبِرّ. وتعُقّ عُقوقَ الهِرّ. فإنْ يكُنْ سبَبُ تعنُّتِكَ. نَفاقَ صنعَتِكَ. فرَماها اللهُ بالكَسادِ. وإفْسادِ الحُسّادِ. حتى تُرى أفرَغَ منْ حَجّامِ ساباطَ. وأضيَقَ رِزْقاً منْ سمّ الخِياطِ. فقال لهُ الشيخُ: بلْ سلّطَ اللهُ عليْكَ بَثْرَ الفَمِ. وتبيُّغَ الدّمِ. حتى تُلْجأ إلى حجّامٍ عظيمِ الاشْتِطاطِ. ثَقيلِ الاشْتِراطِ. كَليلِ المِشْراطِ. كثيرِ المُخاطِ والضُّراطِ. قال: فلمّا تبيّنَ الفتى أنهُ يشْكو إلى غيْرِ مُصَمَّتٍ. ويُراوِدُ استِفْتاحَ بابٍ مُصْمَتٍ. أضْرَبَ عنْ رجْعِ الكَلامِ. واحتفَزَ للقيامِ. وعلِمَ الشيخُ أنهُ قدْ ألامَ. بما أسمَعَ الغُلامَ. فجنَحَ إلى سِلمِهِ. وبذَلَ أنْ يُذعِنَ لحُكمِهِ. ولا يَبْغي أجْراً على حَجْمِهِ. وأبى الغُلامُ إلاّ المَشْيَ بدائِهِ. والهرَبَ منْ لِقائِهِ. وما زالا في حِجاجٍ وسِبابٍ. ولِزازٍ وجِذابٍ. إلى أن ضجّ الفَتى منَ الشِّقاقِ. وتَلا رُدنُهُ سورَةَ الانشِقاقِ. فأعْوَلَ حينئِذٍ لوَفارَةِ خُسرِهِ. وانعِطاطِ عِرْضِهِ وطِمْرِهِ. وأخذَ الشيخُ يعتَذِرُ منْ فرَطاتِهِ. ويُغيِّضُ منْ عبَراتِهِ. وهوَ لا يُصْغي إلى اعتِذارِهِ. ولا يقصِّرُ عنِ استِعْبارِهِ. إلى أنْ قالَ لهُ: فَداكَ عمُّكَ. وعدَاكَ ما يغُمُّكَ! أما تسْأمُ الإعْوالَ. أما تعرِفُ الاحتِمالَ. أمَا سمِعْتَ بمَنْ أقالَ. وأخذَ بقولِ منْ قال:

أخمِدْ بحِلمكَ مـا يُذكـيهِ ذو سـفَـهٍ *** من نارِ غيظكَ واصْفَحْ إن جنى جانِ


فالحِلمُ أفضَلُ ما ازْدانَ اللّبـيبُ بـهِ *** والأخذُ بالعَفوِ أحْلى ما جَنـى جـانِ

فقال لهُ الغُلام: أمَا إنّكَ لو ظهرْتَ على عيْشيَ المُنكَدِرِ. لعَذَرْتَ في دمْعيَ المُنهَمِرِ. ولكِنْ هانَ على الأملَسِ ما لاقَى الدّبِرُ. ثمّ كأنّهُ نزَعَ إلى الاستِحْياء. فأقْلَعَ عنِ البُكاء. وفاء إلى الارْعِواء. وقال للشيخِ: قدْ صِرْتُ إلى ما اشتَهَيْتَ. فارْقَعْ ما أوْهَيتَ. فقال: هيْهاتَ شغلَتْ شِعابي جَدوايَ. فشِمْ بارِقَ سِوايَ. ثمّ إنهُ نهضَ يستَقْري الصّفوفَ. ويستَجْدي الوُقوفَ. ويُنشِدُ في ضِمْنِ ما هوَ يطوفُ:

أُقسِمُ بالبـيتِ الـحـرامِ الـذي *** تهْوي إليْهِ الزُمَرُ المُحـرِمَـهْ


لوْ أنّ عِندي قُـوتَ يومٍ لَـمـا *** مسّتْ يَدي المِشْراطَ والمِحجَمهْ


ولا ارتضَتْ نفْسي التي لمْ تـزَلْ *** تسْمو إلى المجْدِ بهذي السِّـمَـهْ


ولا اشْتَكى هذا الفتـى غِـلـظَةً *** منّي ولا شاكَتْهُ مـنّـي حُـمَـهْ


لكِنْ صُروفُ الدّهرِ غادَرْنـنـي *** كخابِطٍ في اللّيلَةِ المُـظـلِـمَـهْ


واضْطَرّني الفقْرُ إلى مـوقِـفٍ *** منْ دونِهِ خوْضُ اللّظى المُضرَمه


فهـلْ فـتًـى تُـدرِكُـــهُ رِقّةٌ *** عليّ أو تعطِـفُـهُ مَـرْحَـمَـهْ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فكُنتُ أوّلَ منْ أوى لبَلْواهُ. ورقّ لشَكْواهُ. فنفَحْتُهُ بدِرْهَمَينِ. وقلتُ: لا كانا ولوْ كانَ ذا مَيْنٍ! فابتهَجَ بباكُورَةِ جَناهُ. وتفاءلَ بهِما لغِناهُ. ولمْ تزَلِ الدّراهِمُ تنْهالُ عليْهِ. وتنْثالُ لديْهِ. حتى آلَ ذا عيشَةٍ خضْراء. وحَقيبةٍ بجْراء. فازْدهاهُ الفرَحُ عندَ ذلِكَ. وهنّأ نفْسَهُ بما هُنالِكَ. وقال للغُلام: هَذا ريْعٌ أنتَ بَذرُهُ. وحلَبٌ لكَ شطرُهُ. فهلُمّ لنَقتَسِمَ. ولا نحْتَشِمْ. فتقاسَماهُ بينَهُما شقَّ الأبلَمَةِ. ونهَضا مُتّفِقَي الكَلِمَةِ. ولمّا انتظَمَ بينهُما عقْدُ الاصْطلاحِ. وهمّ الشيخُ بالرّواحِ. قُلتُ له: قدْ تبوّغَ دَمي. ونقلْتُ إليْكَ قدَمي. فهلْ لكَ أن تحْجُمَني. وتُكفْكِفَ ما دهَمَني؟ فصوّبَ طرْفَهُ وصعّد. ثمّ ازْدَلَفَ إليّ وأنشدَ:

كيفَ رأيتَ خُدْعَتـي وخـتْـلـي *** وما جرى بيْني وبينَ سـخْـلـي


حتى انثَنَيْتُ فائِزاً بـالـخـصْـلِ *** أرْعى رياضَ الخِصْبِ بعدَ المحلِ


باللهِ يا مُهجةَ قلْـبـي قـلْ لـي *** هلْ أبصرَتْ عيناكَ قطُّ مثـلـي


يفتَـحُ بـالـرُقـيَةِ كـلَّ قُـفْـلِ *** ويستَبي بالسّحْـرِ كـلَّ عـقْـلِ


ويعجِنُ الجِـدّ بـمـاء الـهـزْلِ *** إنْ يكُنِ الإسكَنـدَريُّ قـبْـلـي


فالطّلُّ قـد يبْـدو أمـامَ الـوَبْـلِ *** والفضْلُ للـوابِـلِ لا لـلـطّـلِّ

قال: فنبّهَتْني أُرجوزَتُهُ عليْهِ. وأرَتْني أنهُ شيخُنا المُشارُ إليهِ. فقرّعْتُهُ على الابتِذالِ. والاتِحاقِ بالأرْذالِ. فأعْرضَ عمّا سمِعَ. ولمْ يُبَلْ بِما قُرّعَ. وقال: كُلَّ الحِذاء يحْتَذي الحافي الوَقِعُ. ثمّ قاصاني مُقاصاةَ المُهانِ. وانطلَقَ هوَ وابنُهُ كفَرَسيْ رِهانٍ.

حسن خليل
21-11-10, 03:44 PM
المقامة الحرامية للحريري
روى الحارثُ بنُ همّامٍ عنْ أبي زيدٍ السَّروجيّ قال: ما زِلْتُ مُذ رحَلْتُ عنْسي. وارتَحَلْتُ عنْ عِرْسي وغَرْسي. أحِنّ إلى عِيانِ البَصرَةِ. حَنينَ المظْلومِ إلى النُصرَةِ. لِما أجمَعَ عليْهِ أرْبابُ الدّرايَةِ. وأصْحابُ الرّوايَةِ. منْ خصائِصِ معالمِها وعُلَمائِها. ومآثِرِ مشاهِدِها وشُهَدائِها. وأسْألُ اللهَ أن يوطِئَني ثَراها. لأفوزَ بمرْآها. وأنْ يُمطيَني قَراها. لأقْتَري قُراها. فلمّا أحَلّنيها الحظُّ. وسرَحَ لي فيها اللّحْظُ. رأيتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً. ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ. فغلَسْتُ في بعض الأيامِ. حينَ نصَلَ خِضابُ الظّلامِ. وهتَفَ أبو المُنذِرِ بالنُّوّامِ. لأخْطوَ في خِطَطِها. وأقْضيَ الوطَرَ منْ توسُّطِها. فأدّاني الاخْتِراقُ في مَسالِكِها. والانصِلاتُ في سِككِها. إلى محلّةٍ موسومَةٍ بالاحْتِرامِ. منسوبَةٍ إلى بني حَرامٍ. ذاتِ مَساجِدَ مشهودَةٍ. وحِياضٍ موْرودَةٍ. ومَبانٍ وثيقَةٍ. ومغانٍ أنيقَةٍ. وخصائِصَ أثيرَةٍ. ومَزايا كثيرةٍ:

بها ما شِئْتَ مـنْ دِينٍ ودُنْـيا *** وجيرانٍ تنافَوْا في المعانـي


فمَشغوفٌ بآياتِ المـثـانـي *** ومفْتونٌ برَنّاتِ المـثـانـي


ومُضْطَلِعٌ بتلْخيصِ المعانـي *** ومُطّلِعٌ إلى تخْلـيصِ عـانِ


وكمْ منْ قارِئٍ فيهـا وقـارٍ *** أضَرّا بالجُفونِ وبالجِـفـانِ


وكمْ منْ مَعْلَمٍ للعِلْـمِ فـيهـا *** ونادٍ للنّدى حُلْوِ المَـجـانـي


ومَغْنًى لا تزالُ تـغَـنُّ فـيهِ *** أغاريدُ الغَواني والأغـانـي


فصِلْ إن شِئتَ فيها مَنْ يُصَلّي *** وإمّا شِئْتَ فادنُ منَ الدِّنـانِ


ودونَكَ صُحبَةَ الأكياسِ فيهـا *** أوِ الكاساتِ منطَلِقَ العِنـانِ

قال: فبَينَما أنا أنفُضُ طُرُقَها. وأستَشِفُّ رونَقَها. إذْ لمحْتُ عندَ دُلوكِ بَراحِ. وإظْلالِ الرّواحِ. مسجِداً مُشتَهِراً بطَرائِفِهِ. مزدَهِراً بطوائِفِه. وقد أجْرى أهلُهُ ذِكْرَ حُروفِ البدَلِ. وجرَوْا في حلْبَةِ الجدَلِ. فعُجْتُ نحوَهُمْ. لأستَمطِرَ نوّهُمْ. لا لأقتَبِسَ نحوَهُمْ. فلمْ يكُ إلا كقَبْسَةِ العَجْلانِ. حتى ارتفَعَتِ الأصْواتُ بالأذانِ. ثمّ رَدِفَ التّأذينَ بُروزُ الإمامِ. فأُغْمِدَتْ ظُبى الكلامِ. وحُلّتِ الحِبى للقِيامِ. وشُغِلْنا بالقُنوتِ. عنِ استِمْدادِ القوتِ. وبالسّجودِ. عنِ استِنْزال الجودِ. ولمّا قُضيَ الفَرْضُ. وكادَ الجمْعُ ينفَضّ. انْبَرى منَ الجماعَةِ. كهْلٌ حُلْوُ البَراعةِ. لهُ منَ السّمتِ الحسَنِ. ذَلاقَةُ اللّسَنِ. وفَصاحَةُ الحسَنِ. وقال: يا جيرَتي. الذينَ اصْطفَيتُهُمْ على أغصانِ شجرَتي. وجعلْتُ خِطتَهُمْ دارَ هِجرَتي. واتّخَذْتُهُمْ كَرِشي وعَيبَتي. وأعددْتُهُمْ لمَحْضَري وغيْبَتي. أما تعْلَمونَ أنّ لَبوسَ الصّدقِ أبْهى الملابِسِ الفاخِرةٍ. وأنّ فُضوحَ الدُنيا أهوَنُ منْ فُضوحِ الآخِرَةِ؟ وأنّ الدّينَ إمْحاضُ النّصيحَةِ. والإرْشادَ عُنوانُ العَقيدَةِ الصّحيحةِ؟ وأنّ المُستَشارَ مُؤتَمَنٌ. والمستَرشِدَ بالنُصحِ قَمِنٌ؟ وأنّ أخاكَ هوَ الذي عذلَكَ. لا الذي عذَرَكَ؟ وصديقَكَ منْ صدقَكَ. لا مَنْ صدّقَكَ؟ فقال لهُ الحاضِرون: أيها الخِلّ الوَدودُ. والخِدْنُ الموْدودُ. ما سِرّ كلامِكَ المُلغَزِ. وما شرْحُ خِطابِكَ الموجِزِ. وما الذي تبْغيهِ منّا ليُنْجَزَ؟ فوَالذي حَبانا بمحبّتِكَ. وجعلَنا منْ صفْوَةِ أحِبّتِكَ. ما نألوكَ نُصْحاً. ولا ندّخِرُ عنْكَ نَضْحاً. فقال: جُزيتُمْ خيراً. ووُقيتُمْ ضَيراً. فإنّكُمْ ممّنْ لا يَشْقى بهِمْ جَليسٌ. ولا يصدُرُ عنهُمْ تلْبيسٌ. ولا يُخيَّبُ فيهِمْ مَظنونٌ. ولا يُطْوى دونَهُمْ مكْنونٌ. وسأبُثّكمْ ما حاكَ في صدْري. وأستَفْتيكُمْ في ما عيلَ فيهِ صبْري. اعْلَموا أني كُنتُ عندَ صُلودِ الزّنْدِ. وصُدودِ الجَدّ. أخْلَصْتُ معَ اللهِ نِيّةَ العقْدِ. وأعطَيتُهُ صَفقَةَ العهْدِ. على أنْ لا أسْبأ مُداماً. ولا أُعاقِرَ نَدامَي. ولا أحْتَسيَ قهوَةً. ولا أكْتَسيَ نشْوَةً. فسوّلَتْ ليَ النّفسُ المُضِلّةُ. والشّهوَةُ المُذلّةُ المُزِلةُ. أنْ نادَمْتُ الأبْطالَ. وعاطَيتُ الأرْطالَ. وأضَعْتُ الوَقارَ. وارتضَعْتُ العُقارَ. وامتطَيْتُ مَطا الكُمَيتِ. وتناسيْتُ التّوبَةَ تَناسيَ الميْتِ. ثمّ لمْ أقْنَعْ بهاتِيكُمُ المَرّةِ. في طاعَةِ أبي مُرّةَ. حتى عكفْتُ على الخَندَريسِ. في يومِ الخَميسِ. وبتُّ صَريعَ الصّهْباء. في اللّيلَةِ الغرّاء. وها أنا بادي الكآبَةِ. لرَفْضِ الإنابَةِ. نامي النّدامَةِ. لوصْلِ المُدامَةِ. شديدُ الإشْفاقِ. منْ نقْضِ الميثاقِ. مُعتَرِفٌ بالإسْرافِ. في عَبّ السُّلافِ:

فيَا قوْمِ هلْ كَفّارَةٌ تعْرِفونَـهـا *** تُباعِدُ منْ ذَنْبي وتُدني إلى ربّي

قال أبو زيد: فلمّا حلّ أُنشوطَةَ نفْثِهِ. وقَضى الوَطَرَ منِ اشتِكاء بثّهِ. ناجَتْني نفْسي يا أبا زيْدٍ. هذهِ نُهزَةُ صيْدٍ. فشمّرْ عن يدٍ وأيْدٍ. فانتهَضْتُ منْ مَجْثِمي انتِهاضَ الشّهْمِ. وانخرَطْتُ منَ الصّفّ انخِراطَ السّهْمِ. وقُلتُ:


أيهـا الأرْوَعُ الــذي *** فاقَ مجْـداً وسـؤدُدا


والذي يبْتَغي الـرّشـا *** دَ ليَنجـو بـهِ غَـدا


إنّ عندي عِـلاجَ مـا *** بِتَّ منهُ مـسَـهَّـدا


فاستَمِعْهـا عـجـيبةً *** غادرَتْنـي مُـلَـدَّدا


أنا منْ ساكِني سَـرو *** جَ ذَوي الدّينِ والهُدى


كنتُ ذا ثـرْوَةٍ بـهـا *** ومُطاعـاً مُـسَـوَّدا


مرْبَعي مألَفُ الضّـيو *** فِ ومالي لهُمْ سُـدَى


أشتَري الحمْدَ باللُّهـى *** وأقي العِرْضَ بالجَدا


لا أُبالي بـمُـنـفِـسٍ *** طاحَ في البَذْلِ والنّدى


أوقِدُ النـارَ بـالـيَفـا *** عِ إذا النِّكسُ أخْمَـدا


وبَراني المـؤمِّـلـو *** نَ مَلاذاً ومَقْـصِـدا


لمْ يشِمْ بارِقـي صَـدٍ *** فانْثَنى يشْتَكي الصّدَى


لا ولا رامَ قـابِــسٌ *** قدْحَ زَندي فأصْـلَـدا


طالَما ساعَدَ الـزّمـا *** نُ فأصْبَحْتُ مُسْعَـدا


فقَضى اللـهُ أنْ يُغـيّـ *** رَ مـا كـانَ عَـوّدا


بوّأ الـرّومَ أرْضَـنـا *** بعْدَ ضِغْـنٍ تـولَّـدا


فاسْتباحوا حـريمَ مَـنْ *** صادَفـوهُ مـوَحِّـدا


وحوَوْا كلَّ ما استـسـ *** رّ بها لي ومـا بـدا


فتطوّحْتُ في الـبِـلا *** دِ طَـريداً مُـشـرَّدا


أجْتَدي الناسَ بعْـدَمـا *** كُنتُ من قَبْلُ مُجْتَدى


وتُرى بي خَصـاصَةٌ *** أتَمنّى لـهـا الـرّدى


والـبَـلاءُ الـذي بـهِ *** شمْلٌ أُنسـي تـبَـدّدا


إسْتِباءُ ابْنَتـي الـتـي *** أسَروها لتُـفْـتَـدى


فاسْتَبِنْ مِحـنَـتـي ومـ *** دّ إلى نُصْـرَتـي يَدا


وأجِرْني منَ الـزّمـا *** نِ فقدْ جارَ واعْتَـدى


وأعِنّي علـى فَـكـا *** كِ ابْنَتي منْ يدِ العِدَى


فبِذا تَنْمَـحـي الـمـآ *** ثِمُ عـمّـنْ تـمـرّدا


وبِـهِ تُـقـبَـلُ الإنـا *** بَةُ مـمّـنْ تـزَهّـدا


وهْوَ كفّـارَةٌ لـمَـنْ *** زاغَ منْ بعْدِ ما اهْتَدى


ولَئِنْ قُمتُ مُـنـشِـداً *** فلقَدْ فُهْتُ مُـرشِـدا


فاقْبَلِ النُصْحَ والـهِـدا *** يَةَ واشْكُرْ لمَنْ هَـدى


واسمَحِ الآنَ بـالّـذي *** يتسنّى لـتُـحْـمَـدا

قال أبو زيدٍ: فلمّا أتْمَمْتُ هذْرَمَتي. وأُوهِمَ المسؤولُ صِدْقَ كلِمَتي. أغْراهُ القرَمُ إلى الكرَمِ بمؤاساتي. ورغّبَهُ الكلَفُ بحمْلِ الكُلَفِ في مُقاساتي. فرضَخَ لي على الحافِرَةِ. ونضَخَ لي بالعِدَةِ الوافِرَةِ. فانقلَبْتُ إلى وَكْري. فرِحاً بنُجْحِ مَكْري. وقد حصلْتُ منْ صوْغِ المَكيدةِ. على سوْغِ الثّريدَةِ. ووصلْتُ منْ حوْكِ القَصيدَةِ. إلى لوْكِ العَصيدَةِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ سُبحانَ منْ أبدعَكَ. فما أعْظمَ خُدَعَكَ. وأخْبَثَ بدَعَكَ! فاستَغْرَبَ في الضّحِك. ثمّ أنشدَ غيرَ مُرتَبِكٍ:

عِشْ بالخِداعِ فأنـتَ فـي *** دهْرٍ بَنوهُ كأُسْدِ بِـيشَـهْ


وأدِرْ قَناةَ المَـكْـرِ حـتـ *** ى تسْتَديرَ رَحى المَعيشَهْ


وصِدِ النّسورَ فإنْ تـعـذ *** رَ صيدُها فاقْنَعْ بريشَـهْ


واجْنِ الثّمارَ فإنْ تـفُـتْـ *** كَ فرَضّ نفسَكَ بالحشيشَهْ


وأرِحْ فـؤادَكَ إنْ نَـبـا *** دهْرٌ منَ الفِكَرِ المُطيشَهْ


فتـغـايُرُ الأحْــداثِ يؤ *** ذِنُ باستِحالَةِ كُلّ عيشَـهْ

حسن خليل
21-11-10, 03:46 PM
المقامة الحلبية للحريري


روى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نزعَ بي إلى حلَبَ. شوْقٌ غلَبَ. وطلَبٌ يا لهُ من طلَبٍ! وكنتُ يومَئِذٍ خَفيفَ الحاذِ. حَثيثَ النّفاذِ. فأخذْتُ أُهبَةَ السيرِ. وخفَفْتُ نحوَها خُفوفَ الطّيرِ. ولمْ أزَلْ مُذْ حلَلْتُ رُبوعَها. وارْتبَعْتُ ربيعَها. أُفاني الأيّامَ. في ما يَشْفي الغَرامَ. ويُرْوي الأُوامَ. إلى أنْ أقْصرَ القلْبُ عنْ وَلوعِهِ. واسْتَطارَ غُرابُ البينِ بعْدَ وقوعِهِ. فأغْراني البالُ الخِلْوُ. والمرَحُ الحُلوُ. بأنْ أقصِدَ حِمْصَ. لأصْطافَ ببُقعَتِها. وأسبُرَ رَقاعَةَ أهلِ رُقعتِها. أفْرَعْتُ إليْها إسْراعَ النّجْمِ. إذا انْقَضّ للرّجْمِ. فحينَ خيّمتُ برُسومِها. ووجَدْتُ رَوْحَ نَسيمِها. لمحَ طَرْفي شيْخاً قد أقبلَ هَريرُهُ. وأدبَرَ غَريرُهُ. وعندَهُ عشَرَةُ صِبْيانٍ. صِنْوانٌ وغيرُ صِنْوانٍ. فطاوَعْتُ في قصْدِهِ الحِرصَ. لأخبُرَ بهِ أُدَباءَ حِمصَ. فبَشّ بي حينَ وافَيتُهُ. وحيّا بأحسَنَ ممّا حيّيتُهُ. فجلسْتُ إليْهِ لأبلوَ جنى نُطقِهِ. وأكْتَنِهَ كُنْهَ حُمقِهِ. فما لبِثَ أنْ أشارَ بعُصَيّتِهِ. إلى كُبْرِ أُصَيْبِيَتِهِ. وقال لهُ: أنشِدِ الأبياتَ العَواطِلَ. واحْذَرْ أن تُماطِلَ. فجَثا جِثوَةَ ليْثٍ. وأنشدَ منْ غيرِ ريْثٍ:

أعْدِدْ لحُسّادِكَ حـدّ الـسّـلاحْ *** وأوْرِدْ وِرْدَ الـسّـمـــاحْ


وصارِمِ اللّهْوَ ووصْلَ المَـهـا *** وأعمِلِ الكومَ وسُمرَ الرّمـاحْ


واسْعَ لإدْراكِ محَـلٍّ سَـمـا *** عِمـادُهُ لا لادّراعِ الـمِـراحْ


واللهِ ما السّؤدُدُ حسْوُ الـطِّـلا *** ولا مَرادُ الحَمـدِ رُودٌ رَداحْ


واهاً لـحُـرٍّ واسِـعٍ صـدرُهُ *** وهمُّهُ ما سَرّ أهْلَ الصّـلاحْ


مورِدُهُ حُـلـوٌ لـسـؤّالِــهِ *** ومالُهُ ما سـألـوهُ مُـطـاحْ


ما أسـمَـعَ الآمِــلَ رَدّاً ولا *** ماطَلَهُ والمطْلُ لؤمٌ صُـراحْ


ولا أطاعَ اللّهْـوَ لـمّـا دَعـا *** ولا كَسا راحاً لهُ كـأسَ راحْ


سوّدَهُ إصْـلاحُـهُ ســـرَّهُ *** ورَدْعُهُ أهْواءهُ والطِّـمـاحْ


وحصّلَ المدْحَ لـهُ عـلـمُـهُ *** ما مُهِرَ العورُ مُهورَ الصِّحاحْ

فقال لهُ: أحسَنتَ يا بُدَيرُ. يا رأسَ الدّيرِ! ثمّ قالَ لتِلوِهِ. المُشتَبِهِ بصِنْوِهِ: ادنُ يا نُوَيرَةُ. يا قمَرَ الدُوَيرَةِ! فدَنا ولمْ يتَباطا. حتى حلّ منهُ مقْعَدَ المُعاطى. فقال لهُ: اجْلُ الأبْياتَ العَرائِسَ. وإنْ لمْ يكُنّ نَفائِسَ. فبَرى القلَم وقَطّ. ثمّ احْتَجَرَ اللّوْحَ وخطّ:

فتَنَتْني فجنّنَتْنـي تـجَـنّـي *** بتَجنٍّ يفْتَنّ غِبَّ تـجَـنّـي


شغَفَتني بجَفنِ ظَبْيٍ غَضيضٍ *** غنِجٍ يقْتَضي تغَيُّضَ جَفْنـي


غَشيَتْني بزِينتَينِ فـشـفّـتْـ *** ني بزِيٍّ يشِفّ بينَ تثَـنّـي


فتظَنّيتُ تجْتَبيني فتـجْـزيـ *** ني بنَفْثٍ يشْفي فخُيّبَ ظنّي


ثبّتَتْ فيّ غِشّ جيْبٍ بتَـزْييـ *** نِ خَبيثٍ يبْغي تشَفّيَ ضِغْن


فنَزَتْ في تجنّي فـثـنَـتْـ *** ني بنَشيجٍ يُشْجي بفَنٍّ ففَـنّ

فلمّا نظرَ الشيخُ إلى ما حبّرَهُ. وتصفّحَ ما زبَرَهُ. قال له: بورِكَ فيكَ منْ طَلاً. كما بورِكَ في لا ولا. ثمّ هتَفَ: اقْرُبْ. يا قُطْرُبُ. فاقْتَرَبَ منهُ فتًى يحْكي نجْمَ دُجْيةٍ. أو تِمْثالَ دُميةٍ. فقال لهُ: ارْقُمِ الأبْياتَ الأخْيافَ. وتجنّبِ الخِلافَ. فأخذَ القلَمَ ورقَمَ:

إسْمَحْ فبَثُّ السّماحِ زَينٌ *** ولا تُخِبْ آمِلاً تضَيّفْ


ولا تُـجِـزْ رَدَّ ذي سـؤالٍ *** فنّنَ أم في السّوالِ خفَّـفْ


ولا تظُنّ الدّهورَ تُـبـقـي *** مالَ ضَنينٍ ولوْ تقَـشّـفْ


واحلُمْ فجفنُ الكرامِ يُغضي *** وصَدرُهمْ في العَطاء نفنَفْ


ولا تخُـنْ عـهْـدَ ذي وِدادٍ *** ثبْتٍ ولا تبْغِ مـا تـزيَّفْ

فقال له: لا شَلّتْ يَداكَ. ولا كلّتْ مُداكَ. ثمّ نادى: يا عشَمْشَمُ. يا عِطْرَ منْشَمَ! فلبّاهُ غُلامٌ كدُرّةِ غوّاصٍ. أو جُؤذُرِ قنّاصٍ. فقالَ لهُ: اكتُبِ الأبياتَ المَتائِيمَ. ولا تكُنْ منَ المَشائيمِ. فتناولَ القلَمَ المثقّفَ. وكتبَ ولمْ يتوقّفْ:

زُيّنـتْ زينَـبٌ بـقَـدٍّ يقُـدُّ *** وتَـلاهُ ويْلاهُ نـهْـدٌ يهُـدُّ


جُندُها جيدُها وظَرفٌ وطَرْفٌ *** ناعِسٌ تاعِسٌ بـحـدٍّ يَحُـدُّ


قدرُها قدْ زَها وتاهَتْ وباهَتْ *** واعْتَدَتْ واغتَدَتْ بخَدٍّ يخُـدّ


فارَقَتْني فأرّقَتْني وشـطّـتْ *** وسطَتْ ثمّ نـمّ وجْـدٌ وجَـدّ


فدَنَتْ فدّيَتْ وحنّـتْ وحـيّتْ *** مُغضَباً مُـغـضِـياً يوَدّ يُوَدّ

فطفِقَ الشيخُ يتأمّلُ ما سطَرَهُ. ويقلّبُ فيهِ نظرَهُ. فلمّا استحسَنَ خطَّهُ. واستَصَحّ ضبْطَهُ. قال لهُ: لا شَلّ عشرُكَ. ولا استُخبِثَ نشْرُكَ. ثمّ أهابَ بفتًى فتّان. يسفِرُ عنْ أزهارِ بُستانٍ. فقالَ لهُ: أنشِدِ البَيتينِ المُطرَفَينِ. المُشتَبِهَيِ الطّرفَينِ. اللذَينِ أسْكَتا كلّ نافِثٍ. وأمِنا أنْ يعَزَّزا بثالِثٍ. فقالَ له: اسمَعْ لا وُقِرَ سمْعُكَ. ولا هُزِمَ جمعُكَ. وأنشدَ منْ غيرِ تلبّثٍ. ولا تريّثٍ:

سِمْ سِمَةً تـحْـسُـنُ آثـارُهـا *** واشكُرْ لمنْ أعطى ولوْ سِمسِمَهْ


والمكْرُ مهْما استطَعْتَ لا تأتِـهِ *** لتَقْتَني السّؤدَدَ والمَـكـرُمَـهْ

فقال لهُ: أجدْتَ يا زُغْلولُ. يا أبا الغُلولِ. ثمّ نادَى: أوضِح يا ياسينُ. ما يُشكِلُ من ذَواتِ السّينِ. فنهضَ ولمْ يتأنّ. وأنشدَ بصوْتٍ أغنّ:

نِقْسُ الدّواةِ ورُسغُ الكفّ مُـثـبَـتةٌ *** سيناهُما إنْ هُما خُطّـا وإنْ دُرِسـا


وهكذا السّينُ في قسْـبٍ وبـاسِـقَةٍ *** والسفحِ والبخس واقسِرْ واقتبس قبَسا


وفي تقسّسْتُ باللّيلِ الـكـلامَ وفـي *** مُسيطرٍ وشَموسٍ واتخِـذْ جـرَسـا


وفي قَريسٍ وبرْدٍ قارِسٍ فـخـذِ الـ *** صّوابَ منّي وكُنْ للعِلمِ مُقتَـبِـسـا

فقال لهُ: أحسنْتَ يا نُغَيشُ. يا صنّاجةَ الجيْشِ. ثمّ قال: ثِبْ يا عَنبَسَةُ. وبيّنِ الصّاداتِ المُلتَبِسَةَ. فوثبَ وِثبَةَ شِبلٍ مُثارٍ. ثم أنشَدَ من غيرِ عِثارٍ:

بالصّادِ يُكتَبُ قد قبَصْتُ دراهِـمـاً *** بأنامِلي وأصِخْ لتَستَمِعَ الـخَـبَـرْ


وبصَقْتُ أبصُقُ والصِّماخُ وصَنجةٌ *** والقَصُّ وهْوَ الصّدرُ واقتصّ الأثَرْ


وبخَصْتُ مُقلتَـهُ وهَـذي فُـرصَةٌ *** قد أُرعِدَتْ منهُ الفَريصَةُ للخَـوْرِ


وقصَرْتُ هِنداً أي حبَستُ وقد دنـا *** فِصْحُ النّصارَى وهْوَ عيدٌ مُنتظَـر


وقرَصْتُهُ والخـمْـرُ قـارِصَةٌ إذا *** حذَتِ اللّسانَ وكلّ هذا مُستَـطَـرْ

فقال له: رَعْياً لكَ يا بُنيّ. فلقدْ أقرَرْتَ عينيّ. ثمّ استَنْهَضَ ذا جُثّةٍ كالبَيذَقِ. ونَعشَةٍ كالسّوذَقِ. وأمرَهُ بأنْ يقِفَ بالمِرصادِ. ويسرُدَ ما يجْري على السّينِ والصّادِ. فنهضَ يسحَبُ بُردَيْهِ. ثمّ أنشَدَ مُشيراً بيدَيْهِ:

إنْ شِئْتَ بالسّينِ فاكتُبْ ما أبيّنـهُ *** وإنْ تَشأ فهْوَ بالصّاداتِ يُكتَتَـبُ


مَغسٌ وفَقسٌ ومُسطارٌ ومُمّلـسٌ *** وسالغٌ وسِراطُ الحقّ والسّقَـبُ


والسّامِغانِ وسقْرٌ والسَّويقُ ومِسْ *** لاقٌ وعن كل هذا تُفصحُ الكُتُبُ

فقال له: أحسَنتَ يا حبَقَةُ. يا عينَ بقّةَ. ثمّ نادى: يا دَغْفَلُ. يا أبا زَنفَلَ. فلبّاهُ فتًى أحسَنُ منْ بيضَةٍ. في روضَةٍ. فقال له: ما عَقْدُ هِجاء الأفعالِ. التي أخِرُها حرْفُ اعتِلالٍ؟ فقال: اسْمَعْ لا صُمّ صَداكَ. ولا سمِعَتْ عِداكَ! ثمّ أنشدَ. وما استَرشَدَ:

إذا الفِعْلُ يوماً غُمّ عنْكَ هجـاؤه *** فألحِقْ بهِ تاء الخِطابِ ولا تقِفْ


فإنْ ترَ قبْلَ التّاء ياءً فكَـتْـبُـهُ *** بياءٍ وإلا فهْوَ يُكتَبُ بـالألِـفْ


ولا تحسُبِ الفِعلَ الثّلاثيّ والذي *** تعدّاهُ والمهموزُ في ذاك يختلِفْ

فطَرِبَ الشيخُ لما أدّاهُ. ثمّ عوّذَهُ وفدّاهُ. ثمّ قال: هلمّ يا قَعْقاعُ. يا باقِعَةَ البِقاعِ. فأقْبَلَ فتًى أحسَنُ منْ نارِ القِرى. في عينِ ابنِ السُرَى. فقال له: اصدَعْ بتمْييزِ الظّاء منَ الضادِ. لتَصْدَعَ بهِ أكْبادَ الأضْدادِ. فاهتَزّ لقوْلِهِ واهتَشّ. ثمّ أنشَدَ بصوتٍ أجَشّ:

أيها السائلي عنِ الضّـادِ والـظّـا *** ء لكَـيْلا تُـضِـلّـهُ الألْـفـاظُ


إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيكَ فاسـمـعـ *** ها استِماعَ امرِئٍ لهُ اسـتـيقـاظُ


هيَ ظَمْياءُ والـمـظـالِـمُ والإظْ *** لامُ والظَّلْمُ والظُّبَى والـلَّـحـاظُ


والعَظا والظّليمُ والظبيُ والـشّـيْ *** ظَمُ والظّلُّ واللّظـى والـشّـواظُ


والتّظَنّي واللّفْظُ والنّظـمُ والـتـقـ *** ريظُ والقَيظُ والظّما والـلَّـمـاظُ


والحِظا والنّظيرُ والظّئرُ والـجـا *** حِظُ والـنّـاظِـرونَ والأيْقــاظُ


والتّشظّي والظِّلفُ والعظمُ والظّـنـ *** بوبُ والظَّهْرُ والشّظا والشِّظـاظُ


والأظافيرُ والمظَـفَّـرُ والـمـحْـ *** ظورُ والحافِظـونَ والإحْـفـاظُ


والحَظيراتُ والمَظِـنّةُ والـظِّـنّـ *** ةُ والكاظِمـونَ والـمُـغْـتـاظُ


والوَظيفاتُ والمُواظِـبُ والـكِـظّـ *** ةُ والإنـتِـظـارُ والإلْـظــاظُ


ووَظـيفٌ وظـالِـعٌ وعـظــيمٌ *** وظَـهـيرٌ والـفَـظُّ والإغْـلاظُ


ونَظيفٌ والظَّرْفُ والظّلَفُ الـظّـا *** هِرُ ثمّ الـفَـظـيعُ والـوُعّـاظُ


وعُكاظٌ والظَّعْنُ والمَظُّ والـحـنْـ *** ظَلُ والـقـارِظـانِ والأوْشـاظُ


وظِرابُ الظِّرّانِ والشّظَفُ الـبـا *** هِظُ والجعْـظَـريُّ والـجَـوّاظُ


والظَّرابينُ والحَناظِـبُ والـعُـنْـ *** ظُبُ ثـمّ الـظّـيّانُ والأرْعـاظُ


والشَّناظِي والدَّلْظُ والظّأبُ والظَّبْ *** ظابُ والعُنظُوانُ والـجِـنْـعـاظُ


والشّناظيرُ والتّعـاظُـلُ والـعِـظْـ *** لِمُ والبَظْـرُ بـعْـدُ والإنْـعـاظُ


هيَ هذي سِوى النّوادِرِ فاحـفَـظْـ *** ها لتَقْـفـو آثـارَكَ الـحُـفّـاظُ


واقضِ في ما صرّفتَ منها كما تقـ *** ضيهِ في أصْلِهِ كقَيْظٍ وقـاظـوا

فقال لهُ الشيخُ: أحسنْتَ لا فُضّ فوكَ. ولا بُرّ منْ يجفوكَ. فوَاللهِ إنّكَ معَ الصِّبا الغَضّ. لأحْفَظُ منَ الأرضِ. وأجمَعُ من يومِ العرْضِ. ولقدْ أورَدْتُك ورُفْقتَكَ زُلالي. وثقّفْتُكُم تثْقيفَ العَوالي. فاذْكُروني أذكُرْكُمْ واشْكُروا لي وَلا تكفُرون. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فعجِبْتُ لما أبْدى من بَراعَةٍ. معجونَةٍ برِقاعَةٍ. وأظهَرَ منْ حَذاقَةٍ. ممزوجَةٍ بحَماقَةٍ. ولمْ يزَلْ بصَري يُصَعِّدُ فيهِ ويصوِّبُ. وينقِّرُ عنهُ وينقِّبُ. وكنتُ كمنْ ينظُرُ في ظَلْماء. أو يَسري في بهْماء. فلما استَراثَ تنبُّهي. واسْتَبان تدلُّهي. حمْلقَ إليّ وتبسّمَ. وقال: لمْ يبقَ مَنْ يتوسّمُ. فبُهْتُ لفَحْوى كلامِهِ. ووجَدْتُهُ أبا زيدٍ عندَ ابتِسامِهِ. فأخذْتُ ألومُهُ على تديُّرِ بُقعَةِ النَّوْكى. وتخيُّرِ حِرفَةِ الحمْقَى. فكأنّ وجهَهُ أُسِفّ رَماداً. أو أُشرِبَ سَواداً. إلا أنهُ أنشدَ وما تَمادى:

تخيّرْتُ حِمْصَ وهَذي الصّناعهْ *** لأُرزَقَ حُظوَةَ أهلِ الرَّقاعَـهْ


فما يَصطَفي الدّهرُ غيرَ الرّقيعِ *** ولا يوطِنُ المالَ إلا بِقـاعَـهْ


ولا لأخي اللُّـبّ مـنْ دهْـرِهِ *** سوى ما لعَيْرٍ رَبيطٍ بِقـاعَـهْ

ثم قال: أمَا إنّ التعليمَ أشرَفُ صِناعةٍ. وأربَحُ بِضاعةٍ. وأنجَعُ شَفاعةٍ. وأفضَلُ براعَةٍ. وربُّهُ ذو إمْرَةٍ مُطاعَةٍ. وهيبَةٍ مُشاعَةٍ. ورعيّةٍ مِطواعةٍ. يتسيْطَرُ تسيْطُرَ أميرٍ. ويرتِّبُ ترْتيبَ وزيرٍ. ويتحكّمُ تحكُّمَ قَديرٍ. ويتشبّهُ بِذي مُلْكٍ كبيرٍ. إلا أنهُ يخْرَفُ في أمَدٍ يَسيرٍ. ويتّسِمُ بحُمقٍ شَهيرٍ. ويتقلّبُ بعقْلٍ صَغيرٍ. ولا يُنَبّئكَ مثلُ خَبيرٍ. فقلتُ لهُ: تاللهِ إنّكَ لابنُ الأيّامِ. وعلَمُ الأعلامِ. والسّاحِرُ اللاعِبُ بالأفْهامِ. المُذَلَّلُ لهُ سُبُلُ الكَلامِ. ثمّ لمْ أزَلْ معتَكِفاً بنادِيهِ. ومُغتَرِفاً منْ سيْلِ وادِيهِ. إلى أن غابَتِ الأيامُ الغُرُّ. ونابَتِ الأحْداثُ الغُبْرُ. ففارقْتُهُ ولعَيْني العُبْرُ.

حسن خليل
21-11-10, 03:48 PM
المقامة الحلوانية للحريري


حَكى الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: كلِفْتُ مُذْ ميطَتْ عني التّمائِمُ. ونِيطَتْ بيَ العَمائِمُ. بأنْ أغْشى مَعانَ الأدَبِ. وأُنضيَ إليْهِ رِكابَ الطّلَبِ. لأعْلَقَ منْهُ بِما يكونُ لي زينَةً بينَ الأنامِ. ومُزنَةً عندَ الأُوامِ. وكُنْتُ لفَرْطِ اللّهَجِ باقْتِباسِه. والطّمَعِ في تقمّصِ لِباسِهِ. أُباحِثُ كلّ مَنْ جَلّ وقَلّ. وأسْتَسْقي الوَبْلَ والطّلّ. وأتعلّلُ بعَسى ولَعلّ. فلمّا حلَلْتُ حُلْوانَ. وقدْ بلَوْتُ الإخْوانَ. وسَبَرْتُ الأوْزانَ. وخبَرْتُ ما شانَ وَزانَ. ألفَيْتُ بها أبا زيْدٍ السَّروجيَّ يتقلّبُ في قوالبِ الانتِسابِ. ويخْبِطُ في أساليبِ الاكتِسابِ. فيدّعي تارَةً أنّهُ من آلِ ساسانَ. ويعْتَزي مرّةً إلى أقْيالِ غسّانَ. ويبْرُزُ طَوراً في شِعارِ الشّعَراء. ويَلبَسُ حيناً كِبَرَ الكُبَراءِ. بيْدَ أنّهُ معَ تلوّنِ حالِهِ. وتبَيّنِ مُحالِهِ. يتحلّى برُواءٍ ورِوايَةٍ. ومُدراةٍ ودِرايَةٍ. وبَلاغَةٍ رائِعَةٍ. وبَديهةٍ مُطاوعةٍ. وآدابٍ بارِعةٍ. وقدَمٍ لأعْلامِ العُلومِ فارِعةٍ. فكانَ لمحاسِنِ آلاتِهِ. يُلْبَسُ على عِلاّتِه. ولِسَعَةِ رِوايَتِه. يُصْبى إلى رؤيَتِهِ. ولخلابَةِ عارِضَتِهِ. يُرْغَبُ عنْ مُعارضَتِهِ. ولعُذوبَةِ إيرادِهِ. يُسْعَفُ بمُرادِهِ. فتعَلّقتُ بأهْدابِهِ. لخَصائِصِ آدابِهِ. ونافَسْتُ في مُصافاتِهِ. لنَفائِسِ صِفاتِه.

فكُنتُ بهِ أجْلو هُمومي وأجْتَلـي *** زمانيَ طلقَ الوجْهِ مُلتَمِعَ الضّيا


أرَى قُرْبَهُ قُرْبى ومَغْناهُ غُنْـيَةً *** ورؤيَتَهُ رِيّاً ومَحْياهُ لـي حَـيا


ولَبِثْنا على ذلِكَ بُرْهَةً. يُنْشئ لي كلَّ يومٍ نُزهَةً. ويدْرَأُ عن قلبي شُبهَةً. إلى أنْ جدَحَتْ لهُ يَدُ الإمْلاقِ. كأس الفِراقِ. وأغْراهُ عدَمُ العُراقِ. بتَطْليقِ العِراقِ. ولفَظَتْهُ مَعاوِزُ الإرْفاقِ. إلى مَفاوِزِ الآفاقِ. ونظَمَهُ في سِلْكِ الرّفاقِ. خُفوقُ رايةِ الإخْفاقِ. فشحَذَ للرّحْلَةِ غِرارَ عزْمَتِهِ. وظَعَنَ يقْتادُ القلْبَ بأزِمّتِهِ.


فما راقَني مَنْ لاقَني بعْدَ بُعْدِهِ *** ولا شاقَني مَنْ ساقني لوِصالِهِ


ولا لاحَ لي مُذْ ندّ نِدٌ لفَضْلِـهِ *** ولا ذو خِلالٍ حازَ مثلَ خِلالِهِ

واسْتَسَرّ عني حيناً. لا أعرِفُ لهُ عَريناً. ولا أجِدُ عنْهُ مُبيناً. فلمّا أُبْتُ منْ غُربَتي. إلى منْبِتِ شُعْبَتي. حضَرْتُ دارَ كُتُبِها التي هيَ مُنتَدى المتأدّبينَ. ومُلتَقَى القاطِنينَ منهُمْ والمُتغرّبينَ. فدخَلَ ذو لِحْيَةٍ كثّةٍ. وهيئَةٍ رثّةٍ. فسلّمَ على الجُلاّسِ. وجلَسَ في أُخرَياتِ الناسِ. ثمّ أخذَ يُبْدي ما في وِطابِهِ. ويُعْجِبُ الحاضِرينَ بفصْلِ خِطابِهِ. فقال لمَنْ يَليه: ما الكِتابُ الذي تنظُرُ فيهِ؟ فقالَ: ديوانُ أبي عُبادةَ. المشْهودِ لهُ بالإجادَةِ. فقال: هلْ عثَرْتَ لهُ فيما لمحْتَهُ. على بَديعٍ استَملَحْتَهُ؟ قال: نعمْ قولُه:


كأنّما تبْسِمُ عن لُؤلُـؤٍ *** منضّدٍ أو برَدٍ أو أقاحْ

فإنّهُ أبدَعَ في التّشبيهِ. المُودَعِ فيهِ. فقالَ لهُ: يا لَلعجَبِ. ولَضَيْعَةِ الأدبِ! لقدِ استَسْمَنْتَ يا هَذا ذا ورَمٍ. ونَفَخْتَ في غيرِ ضرَمٍ! أينَ أنتَ منَ البيْتِ النّدْرِ. الجامِعِ مُشَبّهاتِ الثّغْرِ؟ وأنْشَد:

نفْسي الفِداءُ لثَغْرٍ راقَ مبسِمُـهُ *** وزانَهُ شنَبٌ ناهيكَ من شـنَـبِ


يفترُّ عن لُؤلُؤٍ رطْبٍ وعن بـرَدٍ *** وعن أقاحٍ وعن طلْعٍ وعن حبَبِ


فاستَجادَهُ مَنْ حضَر واسْتَحْلاهُ. واستَعادَهُ منْهُ واسْتمْلاهُ. وسُئِلَ: لمنْ هذا البيتُ. وهلْ حيٌ قائِلُهُ أو ميْتٌ؟ فقال: أيْمُ اللهِ لَلحَقُّ أحَقُّ أنْ يُتّبَعَ. ولَلصّدْقُ حَقيقٌ بأنْ يُستَمَعَ! إنّهُ يا قَوْمُ. لنَجيّكُمْ مُذُ اليوْمَ. قال: فكأنّ الجَماعَةَ ارْتابَتْ بعزْوَتِه. وأبَتْ تصْديقَ دعْوَته. فتوجّسَ ما هجَسَ في أفْكارِهِمْ. وفطِنَ لِما بَطَنَ مِنِ استِنْكارِهِمْ. وحاذَرَ أنْ يفْرُطَ إليْهِ ذمّ. أو يَلْحَقَهُ وصْمٌ. فقرأ: إنّ بعْضَ الظنّ إثْمٌ. ثم قال: يا رُواةَ القَريضِ. وأُساةَ القوْلِ المَريضِ. إنّ خُلاصَةَ الجوهَرِ تظهَرُ بالسّبْكِ. ويدَ الحقّ تصْدَعُ رِداءَ الشّكّ. وقدْ قيلَ فيما غبَرَ منَ الزّمانِ: عندَ الامتِحانِ. يُكرَمُ الرّجُلُ أو يُهانُ. وها أنا قدْ عرّضْتُ خبيئَتي للاخْتِبارِ. وعرَضْتُ حَقيبَتي على الاعْتِبارِ. فابْتَدَر. أحدُ مَنْ حضَرَ. وقال: أعرِفُ بيْتاً لمْ يُنسَجْ على مِنْوالِهِ. ولا سمَحَتْ قَريحةٌ بمِثالِهِ. فإنْ آثَرْتَ اختِلابَ القُلوبِ. فانْظِمْ على هذا الأسْلوبِ. وأنْشَدَ:

فأمطَرَتْ لؤلؤاً من نرْجِسٍ وسقَتْ *** ورْداً وعضّتْ على العُنّابِ بالبَرَدِ

فلم يكُنْ إلا كلَمْحِ البَصَرِ أو هُوَ أقرَبُ. حتى أنْشَدَ فأغْرَب:

سألتُها حينَ زارَتْ نَضْوَ بُرْقُعِها الـ *** قاني وأيداعَ سمْعي أطيَبَ الخبَـرِ


فزَحزَحَتْ شفَقاً غشّى سَنا قـمَـرٍ *** وساقَطَتْ لُؤلؤاً من خاتَمٍ عطِـرِ

فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه. واعتَرَفوا بنَزاهَتِه. فلمّا آنَسَ استِئْناسَهُمْ بكَلامِهِ. وانصِبابَهُمْ إلى شِعْبِ إكْرامِهِ. أطْرَقَ كطَرْفَةِ العَينِ. ثمّ قال: ودونَكُمْ بيتَينِ آخرَينِ. وأنشدَ:

وأقبَلَتْ يومَجدّ البينُ في حُلَـلٍ *** سودٍ تعَضُّ بَنانَ النّادِم الحَصِرِ


فلاحَ ليْلٌ على صُبْحٍ أقلّهُـمـا *** غُصْنٌ وضرّسَتِ البِلّورَ بالدَّرَرِ

فحينَئذٍ استَسْنى القوْمُ قيمَتَهُ. واستَغْزَروا ديمَتَهُ. وأجْمَلوا عِشْرَتَهُ. وجمّلوا قِشرَتَهُ. قال المُخْبِرُ بهَذِهِ الحِكايَةِ: فلمّا رأيتُ تلهُّبَ جذْوَتِهِ. وتألُّقَ جلْوَتِهِ. أمعَنْتُ النّظَرَ في توسُّمِهِ. وسرّحْتُ الطّرْفَ في ميسِمِهِ. فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ. وقدْ أقْمَرَ ليلُه الدّجُوجيُّ. فهنّأتُ نفسي بمَورِدِهِ. وابتدَرْتُ اسْتِلام يدِهِ. وقلتُ لهُ: ما الذي أحالَ صفَتَكَ. حتى جهِلْتُ معرِفَتَكَ؟ وأيّ شيء شيّبَ لحيَتَكَ. حتى أنْكَرْتُ حِليَتَكَ؟ فأنشأ يقول:


وقْعُ الشّوائِبِ شـيّبْ *** والدّهرُ بالناسِ قُلَّـبْ


إنْ دانَ يوماً لشَخْـصٍ *** ففي غدٍ يتـغـلّـبْ


فلا تثِـقْ بـوَمـيضٍ *** منْ برْقِهِ فهْوَ خُلّـبْ


واصْبِرْ إذا هوَ أضْرى *** بكَ الخُطوبَ وألّـبْ


فما على التِّبْرِ عـارٌ *** في النّارِ حينَ يُقلَّـبْ


ثمّ نهضَ مُفارِقاً موضِعَهُ. ومُستَصْحِباً القُلوبَ معَهُ.

حسن خليل
21-11-10, 03:50 PM
المقامة الدمشقية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: شخصْتُ منَ العِراقِ إلى الغوطَةِ. وأنا ذو جُرْدٍ مربوطةٍ. وجِدَةٍ مغْبوطَةٍ. يُلْهِيني خُلوُّ الذَّرْعِ. ويزْدَهيني حُفولُ الضّرْعِ. فلمّا بلغْتُها بعدَ شقّ النفْسِ. وإنْضاء العنْسِ. ألفَيتُها كما تصِفُها الألسُنُ. وفيها ما تشتَهي الأنفُسُ وتلَذّ الأعيُنُ. فشكرْتُ يدَ النّوى. وجرَيْتُ طلَقاً مع الهَوى. وطفِقْتُ أفُضّ خُتومَ الشّهَواتِ. وأجْتَني قُطوفَ اللّذّاتِ. إلى أن شرعَ سفرٌ في الإعْراقِ. وقدِ استفَقْتُ منَ الإغْراقِ. فعادَني عيدٌ منْ تَذْكارِ الوطَنِ. والحَنينِ إلى العطَنِ. فقوّضْتُ خِيامَ الغَيبَةِ. وأسرَجْتُ جَوادَ الأوبَةِ. ولمّا تأهّبَتِ الرّفاقُ. واستتبّ الاتّفاقُ. ألَحْنا منَ المسيرِ. دونَ استِصْحابِ الخَفيرِ. فرُدْناهُ منْ كلّ قَبيلة. وأعْمَلنا في تحصيلِه ألفَ حيلةٍ. فأعْوَزَ وِجْدانُه في الأحياء، حتى خلنا أنه ليس من الأحياء مخارت لعوزه عُزومُ السيّارَةِ. وانْتَدَوْا ببابِ جَيْرونَ للاستِشارَةِ. فما زالوا بينَ عَقدٍ وحلٍّ. وشزَرٍ وسحْلٍ. إلى أن نفِدَ التّناجي. وقنَطَ الرّاجي. وكان حِذَتَهُمْ شخْصٌ مِيسَمُهُ ميسَمُ الشبّانِ. ولَبوسُهُ لَبوسُ الرّهبانِ. وبيَدِه سُبْحَةُ النّسْوانِ. وفي عينِهِ ترجمَةُ النّشوانِ. وقد قيّدَ لحظَهُ بالجَمْعِ. وأرهَفَ أذُنَهُ لاستِراقِ السّمْعِ. فلمّا أنى انْكِفاؤهُمْ. وقد برحَ لهُ خَفاؤهُمْ. قال لهُمْ: يا قومُ ليُفرِخْ كرْبُكُمْ. وليَأمَنْ سِرْبُكُمْ. فسأخْفُرُكُمْ بما يسْرو روْعَكُمْ. ويبدو طوعَكُمْ. قال الرّاوي: فاستَطْلَعنا منهُ طِلْعَ الخِفارَةِ. وأسْنَينا لهُ الجَعالَةَ عنِ السِّفارةِ. فزعَم أنّها كلِماتٌ لُقّنَها في المَنامِ. ليحتَرِسَ بها منْ كيْدِ الأنامِ. فجعَلَ بعْضُنا يومِضُ إلى بعْضٍ. ويقلّبُ طرْفَيْهِ بينَ لحْظٍ وغضٍّ. وتبيّنَ لهُ أنّا استَضْعَفنا الخبَرَ. واستَشْعَرْنا الخَوَرَ. فقال: ما بالُكُمُ اتّخذْتُمْ جِدّي عبثاً. وجعلتُمْ تِبري خَبَثاً؟ ولَطالَما واللهِ جُبْتُ مَخاوِفَ الأقْطارِ. وولجْتُ مَقاحِمَ الأخْطارِ. فغَنيتُ بها عنْ مُصاحبَةِ خَفيرٍ. واستِصْحابِ جَفيرٍ. ثمّ إني سأنْفي ما رابَكُمْ. وأستَسِلُّ الحذَرَ الذي نابَكُمْ. بأنْ أُوافِقَكُمْ في البَداوةِ. وأرافِقَكُمْ في السّماوَةِ. فإنْ صدقَكُمْ وعْدي. فأجِدّوا سعْدي. وأسْعِدوا جِدّي. وإنْ كذبَكمْ فَمي. فمزّقوا أدَمي. وأرِيقوا دَمي. قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فأُلْهِمْنا تصْديقَ رؤياهُ. وتحْقيقَ ما رَواهُ. فنزَعْنا عن مُجادَلَتِه. واستَهَمْنا على مُعادلَتِه. وفصَمْنا بقوْلِهِ عُرى الرّبائِثِ. وألغَيْنا اتّقاءَ العابِثِ والعائِثِ. ولمّا عُكِمَتِ الرّحالُ. وأزِفَ التّرْحالُ. استَنزَلْنا كلِماتِهِ الرّاقيةَ. لنجْعَلَها الواقيَةَ الباقيَةَ. فقال: ليقْرأ كُلٌ منكُمْ أمَّ القُرآنِ. كلّما أظَلَّ الملَوانِ. ثمّ ليَقُلْ بلِسانٍ خاضعٍ. وصوْتٍ خاشِعٍ: اللهُمّ يا مُحْيي الرُفاتِ. ويا دافِعَ الآفاتِ. ويا واقيَ المخافاتِ. ويا كريمَ المُكافاةِ. ويا موئِلَ العُفاةِ. ويا وليّ العفْوِ والمُعافاةِ. صلّ على محمّدٍ خاتِمِ أنبِيائِكَ. ومبلِّغ أنبائِكَ. وعلى مصابيحِ أسرتِه. ومفاتيحِ نُصرتِه. وأعِذْني منْ نزَغاتِ الشياطينِ. ونَزواتِ السّلاطينِ. وإعْناتِ الباغينَ. ومُعاناةِ الطّاغينَ. ومُعاداةِ العادينَ. وعُدْوانِ المُعادينَ. وغلَبِ الغالِبينَ. وسلَبِ السّالِبينَ. وحِيَلِ المُحْتالينَ. وغِيَلِ المُغْتالينَ. وأجِرْني اللهُمّ منْ جَوْرِ المُجاوِرينَ. ومُجاوَرَةِ الجائِرينَ. وكُفّ عني أكُفّ الضّائِمِينَ. وأخرِجْني منْ ظُلُماتِ الظّالمينَ. وأدْخِلْني برحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحينَ. اللهُمّ حُطْني في تُرْبَتي. وغُرْبَتي. وغيْبَتي. وأوبَتي. ونُجْعَتي. ورجْعَتي. وتصرُّفي. ومُنصَرَفي. وتقلّبي. ومُنقلَبي. واحْفَظْني في نفْسي. ونفائِسي. وعِرْضي. وعرَضي. وعدَدي. وعُدَدي. وسكَني. ومسْكَني. وحَوْلي. وحالي. وملي. ومآلي. ولا تُلحِقْ بي تغييراً. ولا تُسلّطْ عليّ مُغيراً. واجْعَلْ لي منْ لدُنْكَ سُلطاناً نَصيراً. اللهُمّ احرُسْني بعينِك. وعونِكَ. واخْصُصْني بأمنِكَ. ومنّكَ. وتولّني باختِيارِكَ وخيرِكَ. ولا تكِلْني إلى كِلاءَةِ غيرِك.
وهَبْ لي عافيَةً غيرَ عافِيَةٍ. وارْزُقْني رَفاهيَةً غيرَ واهيَةٍ. واكْفِني مَخاشيَ اللأوَاء. واكْنُفْني بغواشي الآلاء. ولا تُظْفِرْ بي أظفارَ الأعْداء. إنّك سميعُ الدُعاء. ثمّ أطرَقَ لا يُديرُ لحْظاً. ولا يُحيرُ لفْظاً. حتى قُلْنا: قد أبلَسَتْهُ خشيةٌ. أو أخرَسَتْهُ غشيَةٌ. ثمّ أقنعَ رأسَهُ. وصعّدَ أنفاسَهُ. وقال: أُقسِمُ بالسّماء ذاتِ الأبراجِ. والأرضِ ذاتِ الفِجاجِ. والماءِ الثَّجّاجِ. والسّراجِ الوهّاجِ. والبحْرِ العجّاجِ. والهواءِ والعَجاجِ. إنّها لَمِنْ أيمَنِ العُوَذِ. وأغْنى عنكُمْ منْ لابِسي الخُوَذِ. مَنْ درَسها عندَ ابتِسامِ الفلَقِ. لم يُشفِقْ منْ خطْبٍ إلى الشّفَقِ. ومنْ ناجَى بها طَليعَةَ الغسَقِ. أمِنَ ليلَتَهُ منَ السّرَقِ. قال: فتلقّنّاها حتى أتْقَنّاها. وتدارَسْناها لكيْ لا ننْساها. ثمّ سِرْنا نُزْجي الحَمولاتِ. بالدّعَواتِ لا بالحُداةِ. ونحْمي الحُمولاتِ. بالكَلِماتِ لا بالكُماةِ. وصاحِبُنا يتعَهّدُنا بالعَشيّ والغداةِ. ولا يستَنْجِزُ منّا العِداتِ. حتى إذا عايَنّا أطْلالَ عانَةَ. قال لنا: الإعانَةَ الإعانةَ! فأحْضَرْناهُ المَعْلومَ والمكتومَ. وأرَيْناهُ المعْكومَ والمخْتومَ. وقُلْنا لهُ: اقْضِ ما أنتَ قاضٍ. فما تجِدُ فينا غيرَ راضٍ. فما استَخفّهُ سِوى الخِفّ والزَّينِ. ولا حَلِيَ بعينِهِ غيرُ الحَلْيِ والعَينِ. فاحتَمَل منهُما وِقْرَهُ. وناءَ بما يسُدّ فَقْرَهُ. ثمّ خالَسَنا مُخالَسَةَ الطّرّارِ. وانْصلَتَ منّا انصِلاتَ الفَرّارِ. فأوحَشَنا فِراقُهُ. وأدْهَشَنا امتِراقُهُ. ولمْ نزَلْ ننْشُدُهُ بكلّ نادٍ. ونستَخْبِرُ عنهُ كلَّ مُغوٍ وهادٍ. إلى أن قيل: إنّه مُذْ دخَل عانَةَ. ما زايلَ الحانةَ. فأغْراني خُبْثُ هذا القولِ بسَبكِهِ. والانسِلاكِ فيما لستُ منْ سِلْكِه. فادّلَجْتُ إلى الدّسكَرَةِ. في هيئةٍ منكّرَةٍ. فإذا الشيخُ في حُلّةٍ ممصّرَةٍ. بينَ دِنانٍ ومِعصَرَةٍ. وحولَهُ سُقاةٌ تبهَرُ. وشُموعٌ تزْهَرُ وآسٌ وعبْهَرٌ. ومِزْمارٌ ومِزْهَرٌ. وهوَ تارةً يستَبْزِلُ الدِّنانَ. وطَوْراً يستَنطِقُ العِيدانَ. ودَفعةً يستنشِقُ الرَّيْحانَ. وأخرَى يغازِلُ الغِزْلانَ. فلمّا عثرْتُ على لَبْسِهِ. وتفاوُتِ يومِهِ منْ أمْسِه. قلتُ: أوْلى لكَ يا ملْعونُ. أأُنسيتَ يومَ جَيْرونَ؟ فضحِكَ مُستَغرِباً. ثم أنشدَ مُطَرِّباً:هبْ لي عافيَةً غيرَ عافِيَةٍ. وارْزُقْني رَفاهيَةً غيرَ واهيَةٍ. واكْفِني مَخاشيَ اللأوَاء. واكْنُفْني بغواشي الآلاء. ولا تُظْفِرْ بي أظفارَ الأعْداء. إنّك سميعُ الدُعاء. ثمّ أطرَقَ لا يُديرُ لحْظاً. ولا يُحيرُ لفْظاً. حتى قُلْنا: قد أبلَسَتْهُ خشيةٌ. أو أخرَسَتْهُ غشيَةٌ. ثمّ أقنعَ رأسَهُ. وصعّدَ أنفاسَهُ. وقال: أُقسِمُ بالسّماء ذاتِ الأبراجِ. والأرضِ ذاتِ الفِجاجِ. والماءِ الثَّجّاجِ. والسّراجِ الوهّاجِ. والبحْرِ العجّاجِ. والهواءِ والعَجاجِ. إنّها لَمِنْ أيمَنِ العُوَذِ. وأغْنى عنكُمْ منْ لابِسي الخُوَذِ. مَنْ درَسها عندَ ابتِسامِ الفلَقِ. لم يُشفِقْ منْ خطْبٍ إلى الشّفَقِ. ومنْ ناجَى بها طَليعَةَ الغسَقِ. أمِنَ ليلَتَهُ منَ السّرَقِ. قال: فتلقّنّاها حتى أتْقَنّاها. وتدارَسْناها لكيْ لا ننْساها. ثمّ سِرْنا نُزْجي الحَمولاتِ. بالدّعَواتِ لا بالحُداةِ. ونحْمي الحُمولاتِ. بالكَلِماتِ لا بالكُماةِ. وصاحِبُنا يتعَهّدُنا بالعَشيّ والغداةِ. ولا يستَنْجِزُ منّا العِداتِ. حتى إذا عايَنّا أطْلالَ عانَةَ. قال لنا: الإعانَةَ الإعانةَ! فأحْضَرْناهُ المَعْلومَ والمكتومَ. وأرَيْناهُ المعْكومَ والمخْتومَ. وقُلْنا لهُ: اقْضِ ما أنتَ قاضٍ. فما تجِدُ فينا غيرَ راضٍ. فما استَخفّهُ سِوى الخِفّ والزَّينِ. ولا حَلِيَ بعينِهِ غيرُ الحَلْيِ والعَينِ. فاحتَمَل منهُما وِقْرَهُ. وناءَ بما يسُدّ فَقْرَهُ. ثمّ خالَسَنا مُخالَسَةَ الطّرّارِ. وانْصلَتَ منّا انصِلاتَ الفَرّارِ. فأوحَشَنا فِراقُهُ. وأدْهَشَنا امتِراقُهُ. ولمْ نزَلْ ننْشُدُهُ بكلّ نادٍ. ونستَخْبِرُ عنهُ كلَّ مُغوٍ وهادٍ. إلى أن قيل: إنّه مُذْ دخَل عانَةَ. ما زايلَ الحانةَ. فأغْراني خُبْثُ هذا القولِ بسَبكِهِ. والانسِلاكِ فيما لستُ منْ سِلْكِه. فادّلَجْتُ إلى الدّسكَرَةِ. في هيئةٍ منكّرَةٍ. فإذا الشيخُ في حُلّةٍ ممصّرَةٍ. بينَ دِنانٍ ومِعصَرَةٍ. وحولَهُ سُقاةٌ تبهَرُ. وشُموعٌ تزْهَرُ وآسٌ وعبْهَرٌ. ومِزْمارٌ ومِزْهَرٌ. وهوَ تارةً يستَبْزِلُ الدِّنانَ. وطَوْراً يستَنطِقُ العِيدانَ. ودَفعةً يستنشِقُ الرَّيْحانَ. وأخرَى يغازِلُ الغِزْلانَ. فلمّا عثرْتُ على لَبْسِهِ. وتفاوُتِ يومِهِ منْ أمْسِه. قلتُ: أوْلى لكَ يا ملْعونُ. أأُنسيتَ يومَ جَيْرونَ؟ فضحِكَ مُستَغرِباً. ثم أنشدَ مُطَرِّباً:

لزِمتُ السِّفارَ وجُبتُ القِـفـارَ *** وعِفْتُ النِّفارَ لأجْني الـفـرَحْ


وخُضتُ السّيولَ ورُضتُ الخيولَ *** لجَرّ ذُيولِ الصّبى والـمَـرَحْ


ومِطتُ الوَقارَ وبعْتُ العَـقـارَ *** لحَسْوِ العُقارِ ورشْفِ الـقـدَحْ


ولولا الطِّماحُ إلى شُـربِ راحٍ *** لما كانَ باحَ فَمي بالـمُـلَـحْ


ولا كان ساقَ دَهائي الـرّفـاقَ *** لأرضِ العِراقِ بحمْلِ السُّبَـحْ


فلا تغضَبَنّ ولا تـصـخَـبَـنّ *** ولا تعتُبَنّ فـعُـذْري وضَـحْ


ولا تعـجَـبَـنّ لـشـيْخٍ أبَـنّ *** بمغْنًـى أغَـنّ ودَنٍّ طـفَـحْ


فإنّ المُدامَ تُقـوّي الـعِـظـامَ *** وتَشْفي السَّقامَ وتنْفي الـتّـرَحْ


وأصْفى السّرورِ إذا ما الوَقـورُ *** أماطَ سُتورَ الـحَـيا واطّـرَحْ


وأحْلى الغَرام إذا المُسـتـهـامَ *** أزالَ اكتِتامَ الهَوى وافتـضَـحْ


فبُحْ بهَـواكَ وبـرّدْ حَـشـاكَ *** فزَنْـدُ أسـاكَ بـهِ قـدْ قـدَحْ


وداوِ الكُلومَ وسـلِّ الـهُـمـومَ *** ببِنْتِ الكُروم التي تُـقـتـرَحْ


وخُصّ الغَبوقَ بسـاقٍ يسـوقُ *** بَلاءَ المَشوقِ إذا مـا طـمَـحْ


وشادٍ يُشـيدُ بـصـوتٍ تَـمـيدُ *** جِبالُ الحـديدِ لـهُ إنْ صـدَحْ


وعاصِ النّصيحَ الـذي لا يُبـيحُ *** وِصالَ المليحِ إذا مـا سـمَـحْ


وجُلْ في المِحالِ ولوْ بالمُحـالِ *** ودعْ ما يُقالُ وخُذْ ما صـلَـحْ


وفـارِقْ أبـاكَ إذا مـا أبـاكَ *** ومُدَّ الشّباكَ وصِدْ مَنْ سـنَـحْ


وصافِ الخَليلَ ونافِ البَـخـيلَ *** وأوْلِ الجَميلَ ووالِ الـمِـنَـحْ


ولُذْ بالمَتـابِ أمـام الـذّهـابِ *** فمَنْ دقّ بـابَ كـريمٍ فـتَـحْ

فقلتُ لهُ: بَخٍ بخٍ لرِوايتِكَ. وأُفٍّ وتُفٍّ لغَوايَتِكَ! فباللهِ منْ أيّ الأعياصِ عِيصُكَ. فقدْ أعضَلَني عَويصُكَ؟ فقال: ما أحبُّ أنْ أُفصحَ عنّي. ولكِنْ سأُكَنّي:

أنا أُطـروفَةُ الـزّمـا *** نِ وأعجـوبَةُ الأُمَـمْ


وأنا الحُـوَّلُ الـذي احْـ *** تالَ في العُرْبِ والعجَمْ


غيرَ أنّي ابـنُ حـاجَةٍ *** هاضَهُ الدّهرُ فاهتضَمْ


وأبـو صِـبـيَةٍ بـدَوْا *** مثلَ لحْمٍ على وضَـمْ


وأخو العَيلَةِ المُـعـي *** لُ إذا احْتالَ لـمْ يُلَـمْ

قال الرّاوي: فعرفتُ حينَئِذٍ أنّه أبو زيدٍ ذو الرّيبِ والعيْبِ. ومُسوِّدُ وجْهِ الشّيْبِ. وساءني عِظَمُ تمرّدِهِ. وقُبْحُ تورّدِهِ. فقلتُ لهُ بلِسانِ الأنَفَةِ. وإدْلالِ المعرِفَةِ: ألمْ يأنِ لكَ يا شيخَنا. أنْ تُقلِعَ عنِ الخَنا؟ فتضَجّرَ وزمْجَرَ. وتنكّرَ وفكّرَ. ثمّ قال: إنّها ليلَةُ مِراحٍ لا تَلاحٍ. ونُهْزَةُ شُرْبِ راحٍ لا كِفاحٍ. فعَدِّ عمّا بَدا. إلى أنْ نتَلاقَى غَدا. ففارَقْتُه فرَقاً منْ عربَدَتِه. لا تعلُّقاً بعِدّتِه. وبِتُّ ليلَتي لابِساً حِدادَ النّدَمِ. على نقْلي خُطَى القدَمِ. إلى ابنَةِ الكرْمِ لا الكرَمِ. وعاهدْتُ اللهَ سُبحانَهُ وتعالى أن لا أحضُر بعدَها حانَةَ نَبّاذٍ. ولو أُعطيتُ مُلكَ بغداذٍ. وأنْ لا أشهدَ معصَرَةَ الشّرابِ. ولو رُدّ عليّ عصْرُ الشّبابِ. ثمّ إنّنا رحّلْنا العِيسَ. وقتَ التّغليسِ. وخلّيْنا بينَ الشيّخَينِ أبي زيدٍ وإبليسَ.

حسن خليل
21-11-10, 03:52 PM
المقامة الدمياطية للحريري


أخبَرَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: ظعَنْتُ إلى دُمْياطَ. عامَ هِياطٍ ومِياطٍ. وأنا يومئِذٍ مرْموقُ الرَّخاء. موموقُ الإخاء. أسْحَبُ مَطارِفَ الثّراء. وأجْتَلي معارِفَ السّرّاء. فرافَقْتُ صَحْباً قد شَقّوا عَصا الشِّقاقِ. وارْتَضَعوا أفاوِيقَ الوِفاقِ. حتى لاحُوا كأسْنانِ المُشْطِ في الاستِواء. وكالنّفْسِ الواحِدَةِ في التِئامِ الأهْواء. وكُنّا مع ذلِك نسيرُ النّجاء. ولا نرْحَلُ إلا كُلّ هَوْجاء. وإذا نزَلْنا منزِلاً. أو وَردْنا مَنْهَلاً. اخْتلَسْنا اللُّبْثَ. ولمْ نُطِلِ المُكْثَ. فعنّ لَنا إعْمالُ الرِّكابِ. في ليلةٍ فَتيّةِ الشّبابِ. غُدافيّةِ الإهابِ. فأسرَيْنا إلى أن نَضا اللّيلُ شَبابَهُ. وسلَتَ الصّبحُ خِضابَهُ. فحينَ ملِلْنا السُرَى. ومِلْنا إلى الكَرى. صادَفْنا أرْضاً مُخضَلّةَ الرُّبا. مُعتلّةَ الصَّبا. فتخيّرْناها مُناخاً للعِيسِ. ومَحطّاً للتّعريسِ. فلمّا حلّها الخَليطُ. وهَدا بها الأطيطُ والغَطيطُ. سمِعْتُ صَيّتاً منَ الرّجالِ. يقولُ لسَميرِه في الرّحالِ: كيفَ حُكْمُ سيرَتِكَ. معَ جيلِكَ وجيرتِكَ؟ فقال: أرْعَى الجارَ. ولوْ جارَ. وأبذُلُ الوِصالَ. لمَنْ صالَ. وأحْتَمِلُ الخَليطَ. ولوْ أبْدى التّخليطَ. وأودّ الحَميمَ. ولو جرّعَني الحَميمَ. وأفضّلُ الشّفيقَ. على الشّقيقِ. وأفي للعَشيرِ. وإنْ لمْ يُكافئْ بالعَشيرِ. وأستَقِلّ الجَزيلَ. للنّزيلِ. وأغمُرُ الزّميلَ. بالجميلِ. وأنزّلُ سَميري. منزِلَةَ أميري. وأُحِلّ أنيسي. محَلّ رَئيسي. وأُودِعُ مَعارِفي. عَوارِفي. وأُولي مُرافِقي. مَرافقي. وأُلينُ مَقالي. للقالي. وأُديم تَسْآلي. عنِ السّالي. وأرْضى منَ الوَفاء. باللَّفاء. وأقْنَعُ منَ الَجزاء. بأقَلّ الأجزاء. ولا أتظلّمُ. حينَ أُظلَمُ. ولا أنْقَمُ. ولو لدَغَني الأرقَمُ. فقال لهُ صاحبُه: ويْكَ يا بُنيّ إنّما يُضَنّ بالضّنينِ. ويُنافَسُ في الثّمينِ. لكِنْ أنا لا آتي. غيرَ المُؤاتي. ولا أسِمْ العاتي. بمُراعاتي. ولا أُصافي. مَنْ يأبى إنْصافي. ولا أُواخي. مَنْ يُلْغي الأواخي. ولا أُمالي. مَنْ يُخيّبُ آمالي. ولا أُبالي بمَنْ صرَمَ حِبالي. ولا أُداري. مَنْ جهِلَ مِقداري. ولا أُعطي زِمامي. مَنْ يُخْفِرُ ذِمامي. ولا أبْذُلُ وِدادي. لأضْدادي. ولا أدَعُ إيعادي. للمُعادي. ولا أغرِسُ الأيادي. في أرضِ الأعادي. ولا أسمَحُ بمُواساتي. لمَنْ يفْرَحُ بمَساءاتي. ولا أرى التِفاتي. إلى مَن يشْمَتُ بوَفاتي. ولا أخُصّ بحِبائي. إلا أحبّائي. ولا أستَطِبّ لدائي. غيرَ أوِدّائي. ولا أمَلِّكُ خُلّتي. مَنْ لا يسُدّ خَلّتي. ولا أصَفّي نيّتي. لمَنْ يتمنّي منيّتي. ولا أُخْلِصُ دُعائي. لمَنْ لا يُفعِمُ وِعائي. ولا أُفرِغُ ثَنائي. على مَنْ يفْرغُ إنائي. ومنْ حكمَ بأنْ أبذُلَ وتخْزُنَ. وألينَ وتخْشُنَ. وأذوبَ وتجْمُدَ. وأذْكو وتخْمُدَ؟ لا واللهِ بلْ نتَوازَنُ في المَقالِ. وزْنَ المِثْقالِ. ونَتحاذَى في الفِعالِ. حذْوَ النّعالِ. حتى نأَنَ التّغابُنَ. ونُكْفى التّضاغُنَ. و إلا فلِمَ أعُلّكَ وتُعلّني. وأُقلّكَ وتستَقلّني. وأجتَرِحُ لكَ وتجرَحُني. وأسْرَحُ إليْكَ وتُسرّحُني؟ وكيف يُجْتَلَبُ إنْصافٌ بضَيْمٍ. وأنّى تُشرِقُ شمْسٌ معَ غيْمٍ؟ ومتى أُصْحِبَ وُدٌ بعَسْفٍ. وأيّ حُرّ رضيَ بخُطّةِ خسْفٍ? وللهِ أبوكَ حيثُ يقول:

جزَيْتُ مَنْ أعـلَـقَ بـي وُدَّهُ *** جَزاءَ مَنْ يبْني عـلـى أُسّـهِ


وكِلْتُ للخِلّ كمـا كـالَ لـي *** على وَفاء الكَيْلِ أو بخْـسِـهِ


ولمْ أُخَـسِّـرْهُ وشَـرُّ الـوَرى *** مَنْ يوْمُهُ أخْسَرُ منْ أمْـسِـهِ


وكلُّ منْ يطلُبُ عِندي جَـنـى *** فما لهُ إلا جَـنـى غـرْسِـهِ


لا أبتَغي الغَبْـنَ ولا أنْـثَـنـي *** بصَفقَةِ المغْبونِ في حِـسّـهِ


ولسْتُ بالموجِبِ حقـاً لـمَـنْ *** لا يوجِبُ الحقَّ على نفـسِـهِ


ورُبّ مَذاقِ الهَوى خـالَـنـي *** أصْدُقُهُ الوُدّ علـى لَـبْـسِـهِ


وما دَرى منْ جهلِـهِ أنّـنـي *** أقْضي غَريمي الدّينَ منْ جِنسِه


فاهجُرْ منِ استَغباكَ هجرَ القِلى *** وهَبْهُ كالمَلْحودِ في رمْـسِـهِ


والبَسْ لمَنْ في وصْلِهِ لُـبـسَةٌ *** لباسَ مَنْ يُرْغَبُ عنْ أُنـسِـهِ


ولا تُرَجِّ الـوُدَّ مـمّـنْ يرَى *** أنّك مُحْتاجٌ إلى فَـلْـسِـهِ

قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا وعَيتُ ما دارَ بينهُما. تُقْتُ إلى أن أعرِفَ عينَهُما. فلمّا لاحَ ابنُ ذُكاء. وألحَفَ الجوَّ الضّياءُ. غدَوْتُ قبلَ استِقلالِ الرّكابِ. ولا اغتِداءَ الغُرابِ. وجعلْتُ أستَقْري صوْبَ الصّوتِ اللّيْليّ. وأتوسّمُ الوُجوهَ بالنّظَر ِالجَليّ. إلى أنْ لمحْتُ أبا زيْدٍ وابنَهُ يتحادَثان. وعلَيهِما بُرْدانِ رثّانِ. فعَلِمتُ أنّهُما نجِيّا ليلَتي. ومُعْتَزَى رِوايَتي. فقَصَدْتُهُما قصْدَ كلِفٍ بدَماثَتِهِما. راثٍ لرَثاثَتِهِما. وأبَحْتُهُما التحَوّلَ إلى رحْلي. والتّحكّمَ في كُثْري وقُلّي. وطَفِقْتُ أُسيّرُ بينَ السّيّارةِ فضْلَهُما. وأهُزّ الأعْوادَ المُثمِرَةَ لهُما. إلى أنْ غُمِرا بالنُّحْلانِ. واتُّخِذا منَ الخُلاّنِ. وكُنّا بمعرَّسٍ نتبيّنُ منْهُ بُنْيانَ القُرَى. ونتنوّرُ نيرانَ القِرَى. فلمّا رأى أبو زيدٍ امتِلاءَ كِيسِهِ. وانجِلاءَ بُوسِهِ. قال لي: إنّ بدَني قدِ اتّسَخَ. ودرَني قد رسَخَ. أفتأذَنُ لي في قصْدِ قريَةٍ لأستَحمّ. وأقضيَ هذا المُهِمَّ? فقلتُ: إذا شِئْتَ فالسّرعَةَ السّرْعَهْ. والرّجعَةَ الرّجْعَهْ! فقال: ستجِدُ مطْلَعي عليْكَ. أسرَعَ منِ ارْتِدادِ طرْفِكَ إليْكَ. ثمّ استَنّ استِنانَ الجَوادِ في المِضْمارِ. وقال لابْنِهِ: بَدارِ بَدارِ! ولمْ نخَلْ أنّهُ غَرَّ. وطلَبَ المفَرّ. فلبِثْنا نرقُبُهُ رِقبَةَ الأعْيادِ. ونستَطلِعُهُ بالطّلائِعِ والرّوّادِ. إلى أنْ هَرِمَ النّهارُ. وكادَ جُرُفُ اليومِ ينْهارُ. فلمّا طالَ أمَدُ الانتِظارِ. ولاحَتِ الشمسُ في الأطْمارِ. قُلتُ لأصْحابي: قد تَناهَيْنا في المُهْلَةِ. وتمادَيْنا في الرّحلَةِ. إلى أنْ أضَعْنا الزّمانَ. وبانَ أنّ الرجُلَ قد مان. فتأهّبوا للظّعَنِ. ولا تَلْووا على خضْراء الدِّمنِ. ونَهَضْتُ لأحدِجَ راحِلَتي. وأتحمّلَ لرِحلَتي. فوجدْتُ أبا زيْدٍ قد كتبَ. على القَتَبِ:


يا مَنْ غَدا لي ساعِـداً *** ومُساعِداً دونَ البَشَرْ


لا تحْسَبَنْ أنّـي نـأي *** تُكَ عنْ مَلالٍ أو أشَرْ


لكنّني مُـذْ لـمْ أزَلْ *** ممّنْ إذا طَعِمَ انتشَرْ

قال: فأقْرَأتُ الجَماعةَ القتَبَ. ليعْذِرَهُ منْ كان عتَبَ. فأُعجِبوا بخُرافَتِه. وتعوّذوا منْ آفَتِه. ثمّ إنّا ظعَنّا. ولمْ ندْرِ منِ اعتاضَ عنّا.

al-rasheed
21-11-10, 03:52 PM
الأستاذ حسن خليل

شكرا من الأعماق لإثرائنا بكل هذه المعلومات

حسن خليل
21-11-10, 03:53 PM
المقامة الدينارية للحريري

روى الحارث بن همام قال: نظمني وأخدانا لي ناد. لم يخب فيه مناد. ولا كبا قدح زناد. ولا ذكت نار عناد. فبينما نحن نتجاذب أطراف الأناشيد. ونتوارد طرف الأسانيد. إذ وقف بنا شخص عليه سمل. وفي مشيته قزل. فقال: يا أخاير الذخائر. وبشائر العشائر. عموا صباحا. وأنعموا اصطباحا. وانظروا إلى من كان ذا ندي وندى. وجدة وجدا. وعقار وقرى. ومقار وقرى. فما زال به قطوب الخطوب. وحروب الكروب. وشرر شر الحسود. وانتياب النوب السود. حتى صفرت الراحة. وقرعت الساحة. وغار المنبع. ونبا المربع. وأقوى المجمع. وأقض المضجع. واستحالت الحال. وأعول العيال. وخلت المرابط. ورحم الغابط. وأودى الناطق والصامت. ورثى لنا الحاسد والشامت. وآل بنا الدهر الموقع. والفقر المدقع. إلى أن احتذينا الوجى. واغتذدينا الشجا. واستبطنا الجوى. وطوينا الأحشاء على الطوى. واكتحلنا السهاد. واستوطنا الوهاد. واستوطأن القتاد. وتناسينا الأقتاد، واستطبنا الحين المحتاج واستبطأنا اليوم المتاح. فهل من حر آس. أو سمح مؤاس؟ فوالذي استخرجني من قيله. لقد أمسيت أخا عيله. لا أملك بيت ليله. قال الحارث بن همام: فأويت لمفاقره. ولوطت إلى استنباط فقره. فأبرزت دينارا. وقلت له اختبارا: إن مدحته نظما. فهو لك حتما. فانبرى ينشد في الحال. من غير انتحال:
أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سفرته
مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سر الغنى أسرته
وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته
كأنما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرته
وإن تفانت أو توانت عترته ... يا حبذا نضاره ونضرته
وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت إمرته
ومترف لولاه دمت حسرته ... وجيش هم هزمته كرته
وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظى جمرته
أسر نجواه فلانت شرته ... وكم أسير أسلمته أسرته
أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته
لولا التقى لقلت جلت قدرته
ثم بسط يده. بعدما أنشده. وقال: أنجز حر ما وعد. وسح خال إذ رعد. فنبذت الدينار إليه. وقلت: خذه غير مأسوف عليه. فوضعه في فيه. وقال: بارك اللهم فيه! ثم شمر للانثناء. بعد توفية الثناء. فنشأت لي من فكاهته نشوة غرام. سهلت علي ائتناف اغترام. فجردت دينارا آخر وقلت له: هل لك في أن تذمه. ثم تضمه؟ فأنشد مرتجلا. وشدا عجلا:
تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق
يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق
وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق
لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق
ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق
ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق
أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق
واها لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق
قال له قول المحق الصادق ... لا رأي في وصلك لي ففارق
فقلت له: ما أغزر وبلك! فقال: والشرط أملك. فنفحته بالدينار الثاني. وقلت له: عوذهما بالمثاني. فألقاه في فمه. وقرنه بتوأمه. وانكفأ يحمد مغداه. ويمدح النادي ونداه. قال الحارث بن همام: فناجاني قلبي بأنه أبو زيد. وأن تعارجه لكيد. فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك. فاستقم في مشيك. فقال: إن كنت ابن همام. فحييت بإكرام. وحييت بين كرام! فقلت: أنا الحارث. فكيف حالك والحوادث؟ فقال: أتقلب في الحالين بؤس ورخاء. وأنقلب مع الريحين زعزع ورخاء. فقلت: كيف ادعيت القزل؟ وما مثلك من هزل. فاستسر بشره الذي كان تجلى. ثم أنشد حين ولى:
تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج
وألقي حبلي على غاربي ... وأسلك مسلك من قد مرج
فإن لامني القوم قلت اعذروا ... فليس على أعرج من حرج

حسن خليل
21-11-10, 03:55 PM
الأستاذ حسن خليل



شكرا من الأعماق لإثرائنا بكل هذه المعلومات


الشكر الجزيل لك أخي الكريم الرشيد على مرورك لهذا الموضوع والإشادة به.

حسن خليل
21-11-10, 03:57 PM
المقامة الرازية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عُنيتُ مذْ أحْكَمتُ تَدبيري. وعرَفْتُ قَبيلي منْ دَبيري. بأنْ أُصْغيَ إلى العِظاتِ. وأُلْغيَ الكَلِمَ المُحْفِظاتِ. لأتحلّى بمَحاسِنِ الأخْلاقِ. وأتخلّى ممّا يَسِمُ بالإخْلاقِ. وما زِلتُ آخُذُ نفْسي بهذا الأدَبِ. وأُخْمِدُ بهِ جمْرَةَ الغضَبِ. حتى صارَ التطبُّعُ فيهِ طِباعاً. والتكلّفُ لهُ هوًى مُطاعاً. فلمّا حللْتُ بالرَّيّ. وقد حللْتُ حِبى الغَيّ. وعرَفْتُ الحَيَّ منَ اللّيّ. رأيتُ به ذاتَ بُكرةٍ. زُمرةً في إثْرِ زُمرَةٍ. وهمْ مُنتَشِرونَ انتِشارَ الجرادِ. ومُستَنّونَ استِنانَ الجِيادِ. ومتواصِفونَ واعِظاً يقصِدونَهُ. ويُحِلّون ابنَ سَمْعونَ دونَهُ. فلمْ يتكاءدْني لاستِماعِ المَواعِظِ. واختِبارِ الواعِظِ. أنْ أُقاسيَ اللاّغِطَ. وأحتمِلَ الضّاغِطَ. فأصْحبْتُ إصْحابَ المِطْواعَةِ. وانخرطْتُ في سِلْكِ الجَماعَةِ. حتى أفضيْنا إلى نادٍ حشَد النّبيهَ والمغْمورَ. وفي وسَطِ هالَتِهِ. ووسْطِ أهِلّتِهِ. شيخٌ قد تقوّس واقْعَنْسَسَ. وتقلْنَسَ وتطلّسَ. وهوَ يصدَعُ بوعْظٍ يشْفي الصّدورَ. ويُلينُ الصّخورَ. فسمِعْتُهُ يقولُ. وقدِ افتَتَنَتْ بهِ العُقولُ: ابنَ آدمَ ما أغْراكَ بما يغُرُّك. وأضْراكَ بما يضُرُّك! وألْهجكَ بما يُطْغيكَ. وأبهجَكَ بمنْ يُطريكَ! تُعْنى بما يُعَنّيكَ. وتهمِلُ ما يعْنيكَ. وتنزِعُ في قوْسِ تعدّيكَ. وترْتَدي الحِرْصَ الذي يُرْديكَ! لا بالكَفافِ تقْتَنِعُ. ولا منَ الحَرامِ تمْتَنِعُ. ولا للعِظاتِ تستَمِعُ. ولا بالوَعيدِ ترْتَدِعُ! دأبُكَ أنْ تتقلّبَ معَ الأهْواء. وتخبِطَ خبْطَ العَشْواء! وهمُّكَ أن تدأبَ في الاحتِراثِ. وتجْمَعَ التُراثَ للوُرّاثِ! يُعجِبُك التّكاثُرُ بما لدَيكَ. ولا تذكُرُ ما بينَ يدَيْكَ. وتسعى أبداً لغارَيْكَ. ولا تُبالي ألَكَ أمْ علَيكَ! أتظُنّ أنْ ستُترَكُ سُدًى. وأن لا تُحاسَبَ غداً؟ أم تحْسَبُ أنّ الموتَ يقبَلُ الرُّشَى. أو يُميّزُ بين الأسدِ والرّشا؟ كلاّ واللهِ لنْ يدفَعَ المَنونَ. مالٌ ولا بَنونَ! ولا ينفَعُ أهلَ القُبورِ. سِوى العمَلِ المبْرورِ! فطوبى لمَنْ سِمعَ ووَعى. وحقّقَ ما ادّعى! ونهى النّفْسَ عنِ الهوَى. وعلِمَ أنّ الفائِزَ منِ ارْعَوى! وأنْ ليسَ للإنسانِ إلا ما سَعى. وأنّ سعيَهُ سوفَ يُرى. ثمّ أنشدَ إنْشادَ وجِلٍ. بصوتٍ زجِلٍ: لعَمرُكَ ما تُغني المَغاني ولا الغِنى إذا سكنَ المُثري الثّرَى وثوَى بـهِ
فجُدْ في مَراضي اللهِ بالمالِ راضِياً بما تقْتَني مـنْ أجـرِهِ وثـوابِـهِ
وبادِرْ بهِ صرْفَ الزّمـانِ فـإنّـهُ بمِخلَبِهِ الأشْغـى يغـولُ ونـابِـهِ
ولا تأمَنِ الدهْرَ الخؤونَ ومَـكـرَهُ فكمْ خامِلٍ أخْنى عـلـيهِ ونـابِـهِ
وعاصِ هوى النّفسِ الذي ما أطاعَهُ أخو ضِلّةٍ إلا هوى من عِقـابِـهِ
وحافِظْ على تقْوى الإلهِ وخـوفِـهِ لتنْجوَ مما يُتّقى مـنْ عِـقـابِـهِ
ولا تلهُ عن تَذكارِ ذنبِـكَ وابـكِـهِ بدمعٍ يُضاهي المُزْنَ حالَ مَصابِهِ
ومثّلْ لعينَيْكَ الحِـمـامَ ووقْـعَـهُ وروْعَةَ مَلْقاهُ ومطْعَـمَ صـابِـهِ
وإنّ قُصارى منزِلِ الحيّ حُـفـرَةٌ سينْزِلُها مُستَنْزَلاً عـن قِـبـابِـهِ
فَواهاً لعبْدٍ ساءهُ سـوءُ فـعـلِـهِ وأبدى التّلافي قبلَ إغلاقِ بـابِـهِ
قال: فظلّ القوْمُ بينَ عَبْرَةٍ يُذْرونَها. وتوْبَةٍ يُظهِرونَها. حتى كادَتِ الشمْسُ تَزولُ. والفَريضَةُ تَعولُ. فلمّا خشعَتِ الأصْواتُ. والتأمَ الإنْصاتُ. واستكَنّتِ العبَراتُ. والعِباراتُ. وبرزَ الواعِظُ يتهادَى بينَ رفقَتِهِ. ويتباهَى بفوْزِ صفْقَتِهِ. واعْتَقَبْتُهُ أخطو مُتَقاصِراً. وأُريهِ لمْحاً باصِراً. فلمّا اسْتَشَفّ ما أُخْفيهِ. وفطِنَ لتقلُّبِ طرْفي فيهِ. قال: خيرُ دَليلَيكَ منْ أرشَدَ. ثمّ اقتربَ مني وأنشدَ: أنا الذي تعرِفُـهُ يا حـارِثُ حِدْثُ مُلوكٍ فكِهٌ مُنـافِـثُ
أُطرِبُ ما لا تُطرِبُ المَثالِثُ طوْراً أخو جِدّ وطوْراً عابِثُ
ما غيّرَتْني بعْـدَكَ الـحَـوادِثُ ولا التَحى عودي خطْبٌ كارِثُ
ولا فَرى حـدّيَ نـابٌ فـارِثٌ بلْ مِخلَبي بكُلّ صيْدٍ ضابِـثُ
وكلّ سرْحٍ فيهِ ذِئْبـي عـائِثُ حتى كأنـي لـلأنـامِ وارِثُ
سامُهُمُ وحـامُـهُـمُ ويافِـثُ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ: تاللهِ إنّكَ لأبو زيدٍ. ولقدْ قُمتَ للهِ ولا عَمرَو بنَ عُبَيدٍ. فهشّ هَشاشَةَ الكريمِ إذا أُمّ. وقال: اسمَعْ يا ابنَ أُمّ. ثمّ أنشأ يقولُ: علـيْكَ بـالـصّـدْقِ ولـوْ أنّـهُ أحرَقَكَ الصّدقُ بنـارِ الـوَعـيدْ
وابْغِ رِضَى اللهِ فأغْبـى الـوَرى منْ أسخَطَ الموْلَى وأرضى العَبيدْ
ثمّ إنّه ودّعَ أخدانَهُ. وانطلَقَ يسحَبُ أرْدانَهُ. فطلبْناهُ منْ بعْدُ بالرَّيّ. واستَنْشَرْنا خبرَهُ منْ مَدارِجِ الطّيّ. فما فينا مَنْ عرَفَ قرارَهُ. ولا دَرى أيُّ الجَرادِ عارَهُ.
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عُنيتُ مذْ أحْكَمتُ تَدبيري. وعرَفْتُ قَبيلي منْ دَبيري. بأنْ أُصْغيَ إلى العِظاتِ. وأُلْغيَ الكَلِمَ المُحْفِظاتِ. لأتحلّى بمَحاسِنِ الأخْلاقِ. وأتخلّى ممّا يَسِمُ بالإخْلاقِ. وما زِلتُ آخُذُ نفْسي بهذا الأدَبِ. وأُخْمِدُ بهِ جمْرَةَ الغضَبِ. حتى صارَ التطبُّعُ فيهِ طِباعاً. والتكلّفُ لهُ هوًى مُطاعاً. فلمّا حللْتُ بالرَّيّ. وقد حللْتُ حِبى الغَيّ. وعرَفْتُ الحَيَّ منَ اللّيّ. رأيتُ به ذاتَ بُكرةٍ. زُمرةً في إثْرِ زُمرَةٍ. وهمْ مُنتَشِرونَ انتِشارَ الجرادِ. ومُستَنّونَ استِنانَ الجِيادِ. ومتواصِفونَ واعِظاً يقصِدونَهُ. ويُحِلّون ابنَ سَمْعونَ دونَهُ. فلمْ يتكاءدْني لاستِماعِ المَواعِظِ. واختِبارِ الواعِظِ. أنْ أُقاسيَ اللاّغِطَ. وأحتمِلَ الضّاغِطَ. فأصْحبْتُ إصْحابَ المِطْواعَةِ. وانخرطْتُ في سِلْكِ الجَماعَةِ. حتى أفضيْنا إلى نادٍ حشَد النّبيهَ والمغْمورَ. وفي وسَطِ هالَتِهِ. ووسْطِ أهِلّتِهِ. شيخٌ قد تقوّس واقْعَنْسَسَ. وتقلْنَسَ وتطلّسَ. وهوَ يصدَعُ بوعْظٍ يشْفي الصّدورَ. ويُلينُ الصّخورَ. فسمِعْتُهُ يقولُ. وقدِ افتَتَنَتْ بهِ العُقولُ: ابنَ آدمَ ما أغْراكَ بما يغُرُّك. وأضْراكَ بما يضُرُّك! وألْهجكَ بما يُطْغيكَ. وأبهجَكَ بمنْ يُطريكَ! تُعْنى بما يُعَنّيكَ. وتهمِلُ ما يعْنيكَ. وتنزِعُ في قوْسِ تعدّيكَ. وترْتَدي الحِرْصَ الذي يُرْديكَ! لا بالكَفافِ تقْتَنِعُ. ولا منَ الحَرامِ تمْتَنِعُ. ولا للعِظاتِ تستَمِعُ. ولا بالوَعيدِ ترْتَدِعُ! دأبُكَ أنْ تتقلّبَ معَ الأهْواء. وتخبِطَ خبْطَ العَشْواء! وهمُّكَ أن تدأبَ في الاحتِراثِ. وتجْمَعَ التُراثَ للوُرّاثِ! يُعجِبُك التّكاثُرُ بما لدَيكَ. ولا تذكُرُ ما بينَ يدَيْكَ. وتسعى أبداً لغارَيْكَ. ولا تُبالي ألَكَ أمْ علَيكَ! أتظُنّ أنْ ستُترَكُ سُدًى. وأن لا تُحاسَبَ غداً؟ أم تحْسَبُ أنّ الموتَ يقبَلُ الرُّشَى. أو يُميّزُ بين الأسدِ والرّشا؟ كلاّ واللهِ لنْ يدفَعَ المَنونَ. مالٌ ولا بَنونَ! ولا ينفَعُ أهلَ القُبورِ. سِوى العمَلِ المبْرورِ! فطوبى لمَنْ سِمعَ ووَعى. وحقّقَ ما ادّعى! ونهى النّفْسَ عنِ الهوَى. وعلِمَ أنّ الفائِزَ منِ ارْعَوى! وأنْ ليسَ للإنسانِ إلا ما سَعى. وأنّ سعيَهُ سوفَ يُرى. ثمّ أنشدَ إنْشادَ وجِلٍ. بصوتٍ زجِلٍ: لعَمرُكَ ما تُغني المَغاني ولا الغِنى إذا سكنَ المُثري الثّرَى وثوَى بـهِ
فجُدْ في مَراضي اللهِ بالمالِ راضِياً بما تقْتَني مـنْ أجـرِهِ وثـوابِـهِ
وبادِرْ بهِ صرْفَ الزّمـانِ فـإنّـهُ بمِخلَبِهِ الأشْغـى يغـولُ ونـابِـهِ
ولا تأمَنِ الدهْرَ الخؤونَ ومَـكـرَهُ فكمْ خامِلٍ أخْنى عـلـيهِ ونـابِـهِ
وعاصِ هوى النّفسِ الذي ما أطاعَهُ أخو ضِلّةٍ إلا هوى من عِقـابِـهِ
وحافِظْ على تقْوى الإلهِ وخـوفِـهِ لتنْجوَ مما يُتّقى مـنْ عِـقـابِـهِ
ولا تلهُ عن تَذكارِ ذنبِـكَ وابـكِـهِ بدمعٍ يُضاهي المُزْنَ حالَ مَصابِهِ
ومثّلْ لعينَيْكَ الحِـمـامَ ووقْـعَـهُ وروْعَةَ مَلْقاهُ ومطْعَـمَ صـابِـهِ
وإنّ قُصارى منزِلِ الحيّ حُـفـرَةٌ سينْزِلُها مُستَنْزَلاً عـن قِـبـابِـهِ
فَواهاً لعبْدٍ ساءهُ سـوءُ فـعـلِـهِ وأبدى التّلافي قبلَ إغلاقِ بـابِـهِ
قال: فظلّ القوْمُ بينَ عَبْرَةٍ يُذْرونَها. وتوْبَةٍ يُظهِرونَها. حتى كادَتِ الشمْسُ تَزولُ. والفَريضَةُ تَعولُ. فلمّا خشعَتِ الأصْواتُ. والتأمَ الإنْصاتُ. واستكَنّتِ العبَراتُ. والعِباراتُ. وبرزَ الواعِظُ يتهادَى بينَ رفقَتِهِ. ويتباهَى بفوْزِ صفْقَتِهِ. واعْتَقَبْتُهُ أخطو مُتَقاصِراً. وأُريهِ لمْحاً باصِراً. فلمّا اسْتَشَفّ ما أُخْفيهِ. وفطِنَ لتقلُّبِ طرْفي فيهِ. قال: خيرُ دَليلَيكَ منْ أرشَدَ. ثمّ اقتربَ مني وأنشدَ: أنا الذي تعرِفُـهُ يا حـارِثُ حِدْثُ مُلوكٍ فكِهٌ مُنـافِـثُ
أُطرِبُ ما لا تُطرِبُ المَثالِثُ طوْراً أخو جِدّ وطوْراً عابِثُ
ما غيّرَتْني بعْـدَكَ الـحَـوادِثُ ولا التَحى عودي خطْبٌ كارِثُ
ولا فَرى حـدّيَ نـابٌ فـارِثٌ بلْ مِخلَبي بكُلّ صيْدٍ ضابِـثُ
وكلّ سرْحٍ فيهِ ذِئْبـي عـائِثُ حتى كأنـي لـلأنـامِ وارِثُ
سامُهُمُ وحـامُـهُـمُ ويافِـثُ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ: تاللهِ إنّكَ لأبو زيدٍ. ولقدْ قُمتَ للهِ ولا عَمرَو بنَ عُبَيدٍ. فهشّ هَشاشَةَ الكريمِ إذا أُمّ. وقال: اسمَعْ يا ابنَ أُمّ. ثمّ أنشأ يقولُ: علـيْكَ بـالـصّـدْقِ ولـوْ أنّـهُ أحرَقَكَ الصّدقُ بنـارِ الـوَعـيدْ
وابْغِ رِضَى اللهِ فأغْبـى الـوَرى منْ أسخَطَ الموْلَى وأرضى العَبيدْ
ثمّ إنّه ودّعَ أخدانَهُ. وانطلَقَ يسحَبُ أرْدانَهُ. فطلبْناهُ منْ بعْدُ بالرَّيّ. واستَنْشَرْنا خبرَهُ منْ مَدارِجِ الطّيّ. فما فينا مَنْ عرَفَ قرارَهُ. ولا دَرى أيُّ الجَرادِ عارَهُ.

حسن خليل
21-11-10, 03:58 PM
المقامة الرحبية للحريري



حكى الحارثُ بنُ همام قال: هتفَ بي داعي الشوْق، إلى رَحبةِ مالك بن طوق، فلبيته مُمتطيا شِمِلّة، ومُنتَضيا عَزْمَة مُشمَعِلّة. فلمّا ألقيتُ به المَراشي. وشدَدْتُ أمراسي. وبرَزْتُ منَ الحَمّام بعدَ سبتِ راسي. رأيتُ غُلاماً أُفرِغَ في قالَبِ الجَمالِ. وأُلبِسَ من الحُسنِ حُلّةَ الكَمال. وقدِ اعْتَلَقَ شيخٌ برُدْنِهِ. يدّعي أنّهُ فتَك بابنِه. والغُلامُ يُنكِرُ عِرفَتَهُ. ويُكْبِرُ قِرفَتهُ. والخِصامُ بينَهُما مُتطايِرُ الشَّرارِ. والزِّحامُ عليهِما يجمَعُ بين الأخيارِ والأشرارِ. إلى أن تَراضَيا بعْد اشتِطاطِ اللّدَد. بالتّنافُرِ إلى والي البلَدِ. وكان ممّن يُزَنّ بالهَناتِ. ويغلِّبُ حُبَّ البَنين على البَناتِ. فأسْرَعا إلى ندْوَتِه. كالسُّلَيْكِ في عَدْوَتِه. فلمّا حضَراه. جدّدَ الشيخُ دعْواهُ. واستَدْعى عدْواهُ. فاستَنطَقَ الغُلامَ وقدْ فتَنَهُ بمحاسِنِ غُرّتِه. وطَرَّ عقلَهُ بتصْفيفِ طُرّتِهِ. فقالَ: إنّه أفيكَةُ أفّاكٍ. علِ غيرِ سفّاكٍ! وعَضيهَةُ مُحْتالٍ. على منْ ليس بمُغْتالٍ. فقال الوالي للشّيخ: إنْ شهِدَ لكَ عدْلانِ منَ المُسلِمين. وإلا فاسْتَوْفِ منهُ اليَمينَ. فقال الشيخُ: إنّهُ جدّلَهُ خسياً. وأفاحَ دمَهُ خالِياً. فأنّى لي شاهِدٌ. ولم يكُنْ ثَمّ مُشاهِدٌ؟ ولكِنْ ولّني تلْقينَهُ اليَمينَ. ليَبينَ لكَ أيصْدُقُ أم يَمينُ؟ فقال لهُ: أنتَ المالِك لذلك. معَ وجْدِكَ المُتَهالِك. على ابنِكِ الهالِك. فقال الشيخُ للغُلام: قُلْ والذي زيّن الجِباهَ بالطُّرَرِ. والعُيونَ بالحَوَرِ. والحَواجِبَ بالبَلَجِ. والمباسمَ بالفلَجِ. والجُفونَ بالسّقَمِ. والأنوفَ بالشّمَمِ. والخُدودَ باللّهَبِ. والثّغورَ بالشّنَبِ. والبَنانَ بالتّرَفِ. والخُصورَ بالهيَفِ. إنّني ما قتَلْتُ ابْنَكَ سهْواً ولا عمْداً. ولا جعلْتُ هامَتَهُ لسَيْفي غِمْداً. و إلا فرَمى اللهُ جَفْني بالعمَشِ. وخدّي بالنّمَشِ. وطُرّتي بالجلَحِ. وطَلْعي بالبَلَحِ. ووَرْدَتي بالبَهارِ. ومِسْكَتي بالبُخارِ. وبَدْري بالمُحاقِ. وفِضّتي بالاحْتِراقِ. وشُعاعي بالإظْلامِ. ودَواتي بالأقْلامِ. فقالَ الغُلامُ: الاصْطِلاءَ بالبَليّةِ. ولا الإيلاءَ بهذِه الألِيّةِ. والانقِيادَ للقَوَدِ. ولا الحَلِفَ بما لمْ يحلِفْ بهِ أحدٌ. وأبى الشيخُ إلا تجْريعَهُ اليَمينَ التي اخترَعَها. وأمْقَرَ لهُ جُرَعَها. ولم يزَلِ التّلاحي بينَهُما يستَعِرُ. ومَحجّةُ التّراضي تعِرُ. والغُلامُ في ضِمْنِ تأبّيهِ. يخْلُبُ قلْبَ الوالي بتلوّيهِ. ويُطْمِعُهُ في أنْ يلبّيهِ. إلى أن رانَ هَواهُ على قلْبِهِ. وألَبّ بلُبّهِ. فسوّلَ لهُ الوجدُ الذي تيّمَهُ. والطّمَعُ الذي توَهّمَهُ. أنْ يُخلّصَ الغُلامَ ويستخلِصَهُ. وأن يُنقِذَهُ من حِبالَةِ الشيخِ ثمّ يقتَنِصَهُ. فقال للشيخِ: هلْ لكَ فيما هوَ ألْيَقُ بالأقْوى. وأقرَبُ للتّقْوى؟ فقالَ: إلمَ تُشيرُ لأقْتَفيهِ. ولا أقِفُ لكَ فيهِ. فقال: أرى أنْ تُقصِرَ عنِ القِيلِ والقالِ. وتقتَصِرَ منهُ على مئَةِ مِثْقالٍ. لأتحمّلَ منْها بعْضاً. وأجْتَبي الباقيَ لكَ عُرْضاً. فقالَ الشيخُ: ما مِني خِلافٌ. فلا يكُنْ لوعدِكَ إخْلافٌ. فنقَدَهُ الوالي عِشرينَ. ووزّعَ على وزَعَتِه تكْمِلَةَ خمْسينَ. ورقّ ثوْبُ الأصيلِ. وانقطَعَ لأجْلِهِ صوْبُ التّحصيلِ. فقالَ: خُذْ ما راجَ. ودَعْ عنْكَ اللّجاجَ. وعليّ في غدٍ أنْ أتوصّلَ. إلى أن ينِضّ لكَ الباقي ويتحصّلَ. فقال الشيخُ: أقْبَلُ منْكَ على أنْ ألازمَهُ ليْلَتي. ويرْعاهُ إنْسانُ مُقلَتي. حتى إذا أعْفى بعْدَ إسْفارِ الصّبحِ. بِما بَقيَ منْ مالِ الصّلْحِ. تخلّصَتْ قائِبَةٌ من قُوبٍ. وبَرِئَ بَراءةَ الذّئْبِ منْ دمِ ابنِ يعْقوبَ. فقالَ لهُ الوالي: ما أُراكَ سفمْتَ شَططاً. ولا رُمْتَ فرَطاً. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُ حُجَجَ الشيخِ كالحُجَجِ السُرَيجيّةِ. علِمتُ أنه علَمُ السَّروجيّةِ. فلبِثْتُ إلى أن زهَرَتْ نُجوم الظّلام. وانتَثَرتْ عُقودُ الزّحامِ. ثمّ قصَدْتُ فِناء الوالي. فإذا الشيخُ للفتى كالي. فنَشَدْتُه اللهَ أهُوَ أبو زيدٍ؟ فقال: أيْ ومُحِلّ الصّيدِ. فقُلتُ: مَنْ هذا الغُلامُ. الذي هفَتْ لهُ الأحْلامُ؟ قال: هوَ في النسبِ فرْخي. وفي المكتَسَبِ فخّي! قلت: فهَلاّ اكتفَيْتَ بمَحاسِنِ فِطرَتِه. وكفَيتَ الواليَ الافتِتان بطُرّتِه؟ فقال: لوْ لمْ تُبرِزْ جبْهَتُهُ السّينَ. لَما قنْفَشْتُ الخمسينَ. ثمّ قال: بِتِ الليلَةَ عِندي لنُطْفئ نارَ الجَوى. ونُديلَ الهَوى. من النّوى. فقدْ أجْمَعْتُ على أنْ أنْسَلّ بسُحرَةٍ. وأُصْليَ قلبَ الوالي نارَ حسْرَةٍ! قال: فقَضَيتُ الليلةَ معَهُ في سمَرٍ. آنَقَ منْ حَديقَةِ زهَرٍ. وخَميلةِ شجَرٍ. حتى إذا لألأ الأفُقَ ذنَبُ السِّرْحانِ. وآنَ انبِلاجُ الفجْرِ وحانَ. ركِبَ متْنَ الطّريقِ. وأذاقَ الوالي عذابَ الحريقِ. وسلّمَ إليّ ساعَة الفِراقِ. رُقعَةً مُحكمَةَ الإلْصاقِ. وقال: ادْفَعْها إلى الوالي إذا سُلِبَ القَرار. وتحقّقَ منّا الفِرارَ. ففضَضْتُها فِعْلَ المتملّسِ. منْ مِثلِ صحيفَةِ المتلمّسِ. فإذا فيها مكتوبٌ:


قُلْ لوالٍ غادَرْتُـه بـعْـدَ بـيْنـي *** سادِمـاً نـادِمـاً يعَـضّ الـيَدَيْنِ


سلَـبَ الـشـيخُ مـالـهُ وفـتـاهُ *** لُبَّهُ فاصْطَلى لَظـى حـسْـرَتَـيْنِ


جادَ بالعينِ حـينَ أعـمـى هـواهُ *** عينَهُ فـانْـثَـنـى بِـلا عـينَـينِ


خفِّضِ الحُزنَ يا مُعَنّـى فـمـا يُجْـ *** دي طِلابُ الآثارِ من بعـدِ عَـينِ


ولَئِنْ جَـلّ مـا عَـراكَ كـمـا جـ *** لّ لدى المُسلِمينَ رُزْءُ الحُـسـينِ


فقَدِ اعتَضْتَ منهُ فَهمـاً وحـزْمـاً *** والـلّـبـيبُ الأريبُ يبْـغـيَ ذَينِ


فاعصِ من بعدها المَطامعَ واعلَـمْ *** أنّ صيْدَ الظّـبـاء لـيس بـهَـينِ


لا ولا كُـلّ طـائِرٍ يلِـجُ الـفَـخّ *** ولوْ كانَ مُحـدَقـاً بـالـلُـجَـينِ


ولَكَمْ مَنْ سعى ليَصْطادَ فاصْـطـيـ *** دَ ولك يلْقَ غيرَ خُـفّـي حُـنـينِ


فتبـصّـرْ ولا تـشِـمْ كـلّ بـرْقٍ *** رُبّ برْقٍ فيهِ صـواعِـقُ حَـينِ


واغضُضِ الطّرْفَ تسترحْ من غرامٍ *** تكتَسـي فـيهِ ثـوْبَ ذُلٍ وشَـينِ


فبَلاءُ الفتى اتّبـاعُ هـوَى الـنّـف *** سِ وبذْرُ الهَوى طُمـوحُ الـعـينِ


قال الرّاوي: فمزّقتُ رُقعتَهُ شذَرَ مذَرَ. ولمْ أُبَلْ أعَذَلَ أم عذَرَ.

حسن خليل
21-11-10, 04:15 PM
المقامة الرفطاء للحريري


حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: حلَلْتُ سوقَيِ الأهوازِ. لابِساً حُلّةَ الإعْوازِ. فلبِثْتُ فيها مُدّةً. أُكابِدُ شِدّةً. وأزَجّي أياماً مسوَدّةً. إلى أنْ رأيتُ تَماديَ المُقامِ. من عَوادِي الانتِقامِ. فرمَقْتُها بعَينِ القالي. وفارَقتُها مُفارقَةَ الطّلَلِ البالي. فظعَنْتُ عن وشَلِها. كَميشَ الإزارِ. راكِضاً إلى المياهِ الغِزارِ. حتى إذا سِرْتُ منها مرحلَتَينِ. وبَعُدْتُ سُرَى ليلَتَينِ. تراءتْ لي خيمَةٌ مَضروبَةٌ. ونارٌ مشبوبَةٌ. فقلتُ: آتِيهِما لعَلّي أنقَعُ صَدًى. أو أجِدُ على النّارِ هُدًى. فلمّا انتهَيتُ إلى ظِلّ الخَيمَةِ رأيتُ غِلمَةً رُوقَةً. وشارَةً مرْموقَةً. وشيْخاً علَيْهِ بزّةٌ سَنيّةٌ. ولدَيهِ فاكهةٌ جَنيّةٌ. فحيّيْتُهُ. ثمّ تحامَيتُهُ. فضحِكَ إليّ. وأحسنَ الرّدَّ عليّ. وقال: ألا تجلِسُ إلى مَنْ تَروقُ فاكِهَتُهُ. وتَشوقُ مُفاكَهتُهُ؟ فجلَسْتُ لاغتِنامِ مُحاضرَتِهِ. لا لالْتِهامِ ما بحضْرَتِهِ. فحينَ سفَرَ عن آدابِهِ. وكشَرَ عن أنيابِهِ. عرَفْتُ أنهُ أبو زيدٍ بحُسنِ مُلَحِهِ. وقُبْحِ قلَحِهِ. فتَعارَفْنا حينَئذٍ. وحفّتْ بي فرْحَتانِ ساعتَئذٍ. ولمْ أدْرِ بأيّهِما أنا أضْفى فرَحاً. وأوْفى مرَحاً: أبإسْفارِهِ. منْ دُجُنّةِ أسْفارِهِ؟ أم بخِصْبِ رِحالِهِ. بعدَ إمحالِهِ؟ وتاقَتْ نفسي إلى أن أفُضّ ختْمَ سِرّهِ. وأبطُنَ داعِيَةَ يُسْرِهِ. فقلتُ له: منْ أينَ إيابُكَ. إلى أينَ انسِيابُكَ. وبِمَ امتلأتْ عِيابُك؟ فقال: أمّا المَقْدَمُ فمِنْ طوسَ. وأما المَقصِدُ فإلى السّوسِ. وأما الجَدَةُ التي أصَبْتُها فمِنْ رِسالَةٍ اقتَضَبْتُها. فسألتُهُ أن يَفرُشَني دِخلتَهُ. ويسْرُدَ عليّ رِسالتَهُ. فقال: دونَ مَرامِكَ حرْبُ البَسوسِ. أو تَصحبَني إلى السّوسِ. فصاحَبتُهُ إليْها قَهْراً. وعكفْتُ علَيْهِ بها شهْراً. وهوَ يَعُلّني كاساتِ التّعليلِ. ويُجِرّني أعِنّةَ التأميلِ. حتى إذا حرِجَ صدْري. وعِيلَ صبْري. قلتُ له: إنهُ لمْ يبْقَ لكَ عِلّةٌ. ولا لي في المُقامِ تَعِلّةٌ. وفي غدٍ أزْجُرُ غُرابَ البينِ. وأرْحَلُ عنكَ بخُفّيْ حُنَينٍ. فقال: حاشا للهِ أنْ أُخْلِفَكَ. أو أُخالِفَكَ. وما أرْجأتُ أنْ أحدّثَكَ. إلا لأُلَبّثَكَ. وإذا كُنتَ قدِ استربْتَ بعِدَتي. وأغْراكَ ظَنُّ السوء بمُباعَدَتي. فأصِخْ لقَصَصِ سيرَتي المُمتدّةِ. وأضِفْها إلى أخْبارِ الفرَجِ بعْدَ الشّدةِ. فقلتُ لهُ: هاتِ فما أطوَلَ طيَلَكَ. وأهْوَلَ حيَلَكَ! فقال: اعْلَمْ أنّ الدهْرَ العَبوسَ. ألْقاني إلى طوسَ. وأنا يومَئِذٍ فَقيرٌ وَقيرٌ. لا فَتيلَ لي ولا نَقيرٌ. فألجأني صفَرُ اليَدَينِ. إلى التطوُّقِ بالدَّينِ. فادّنْتُ لسوء الاتّفاقِ. ممّنْ هوَ عَسِرُ الأخْلاقِ. وتوهّمْتُ تسَنّيَ النَّفاقِ. فتوسّعْتُ في الإنْفاقِ. فما أفَقْتُ حتى بهَظَني دَينٌ لزِمَني حقُّهُ. ولازَمَني مُستَحِقُّهُ. فحِرْتُ في أمري. وأطلَعْتُ غَريمي على عُسْري. فلمْ يُصَدّقْ إمْلاقي. ولا نزَعَ عنْ إرْهاقي. بلْ جَدّ في التّقاضي. ولَجّ في اقْتِيادي إلى القاضي. وكلّما خضَعْتُ له في الكلام. واستنْزَلتُ منهُ رِفقَ الكِرامِ. ورغّبْتُهُ في أنْ ينظُرَ لي بمُياسرَةٍ. أو يُنظِرَني إلى ميسرَةٍ. قال: لا تطْمَعْ في الإنْظارِ. واحتِجانِ النُّضارِ. فوَحقّكَ ما تَرى مسالِكَ الخَلاصِ. أو تُريَني سبائِكَ الخِلاصِ! فلمّا رأيتُ احتِدادَ لَدَدِهِ. وأنْ لا مَناصَ لي منْ يدِهِ. شاغَبْتُهُ. ثمّ واثبْتُهُ. ليُرافِعَني إلى والي الجَرائِمِ. لا إلى الحاكِمِ في المظالمِ. لِما كان بلَغَني منْ إفْضالِ الوالي وفضْلِهِ. وتشدُّدِ القاضي وبُخْلِهِ. فلمّا حضَرْنا بابَ أميرِ طوسَ. آنَسْتُ أن لا بأسَ ولا بوسَ. فاستَدْعَيْتُ دَواةً وبَيْضاءَ. وأنشأتُ رِسالةً رقْطاءَ. وهيَ: أخلاقُ سيّدِنا تُحَبُّ. وبعَقْوَتِهِ يُلَبُّ. وقُربُهُ تُحَفٌ. ونأيُهُ تلَفٌ. وخُلّتُهُ نسَبٌ. وقَطيعَتُهُ نصَبٌ. وغَرْبُهُ ذَلِقٌ. وشُهْبُهُ تأتَلِقُ. وظَلْفُهُ زانَ. وقَويمُ نهجِهِ بانَ. وذهنُهُ قلّبَ وجرّبَ. ونعْتُهُ شرّقَ وغرّبَ:

سيّدٌ قُلَّـبٌ سَـبـوقٌ مُـبِـرٌّ *** فطِنٌ مُغرِبٌ عَزوفٌ عَيوفُ


مُخلِفٌ مُتلِـفٌ أغَـرُّ فَـريدٌ *** نابِهٌ فاضِـلٌ ذكـيٌّ أَنـوفُ


مُفْلِقٌ إنْ أبـانَ طَـبٌّ إذا نـا *** بَ هِياجٌ وجلَّ خطْبٌ مَخوفُ

مَناظِمُ شرَفِهِ تأتَلِفُ. وشُؤبوبُ حِبائِهِ يكِفُ. ونائِلُ يدَيْهِ فاضَ. وشُحُّ قلبِهِ غاضَ. وخِلْفُ سَخائِهِ يُحتلَبُ. وذهَبُ عِيابِهِ يُحتَرَبُ. مَنْ لفّ لِفّهُ فلَجَ وغلَبَ. وتاجِرُ بابِهِ جلبَ وخلَبَ. كفَّ عنْ هضْمِ بَريٍّ. وبَرئَ من دنَسِ غَويٍّ. وقرَنَ لِيانَهُ بعِزّ. ونكّبَ عنْ مذْهَبِ كَزّ. ليسَ بوَثّابٍ عندَ نُهْزَةِ شَرّ. بل يعِفّ عِفّةَ بَرّ:

فلِذا يُحَبُّ ويُستَحَـقُّ عَـفـافُـهُ *** شَغَفاً بـهِ فـلُـبـابُـهُ خَـلاّبُ


أخلاقُـهُ غُـرٌ تـرِفُّ وَفُـوقُـهُ *** فُوقٌ إذا نـاضـلْـتَـهُ غَـلاّبُ


سُجُحٌ يهِشّ وذو تَلافٍ إنْ هَـفـا *** خِلٌّ فلـيْسَ بـحـقّـهِ يُرْتـابُ


لا باخِـلٌ بـلْ بـاذِلٌ خِـرْقٌ إذا *** يُعْـتَـرُّ بَـرْزٌ لا يَلـيهِ بــابُ


إنْ عضّ أزْلٌ فَلّ غرْبَ عِضاضِهِ *** بمَنابِهِ فانْـحَـتّ مـنْـهُ نـابُ

وجَديرٌ بمَنْ لَبّ وفطَنَ. وقَرُبَ وشطَنَ. أنْ أذْعَنَ لقَريعِ زمَنٍ. وجابِرِ زمَنٍ. مُذْ رضِعَ ثدْيَ لِبانِهِ. خُصّ بإفاضَةِ تهْتانِهِ. نعشَ وفرّجَ. وضافرَ فأبْهَجَ. ونافرَ فأزْعَجَ. وفاءَ بحَقٍّ أبْلَجَ. أتْعَبَ مَنْ سيَلي. وقُرّظَ إذْ هُزّ وبُليَ. وتوّجَ صِفاتِهِ. بحُبّ عُفاتِهِ:

فلا خَلا ذا بهْجَةٍ *** يمتَدُّ ظِلُّ خِصْبِهِ


فإنهُ بَرٌّ بـمَـنْ *** آنسَ ضوْءَ شُهْبِهِ


زانَ مَزايا ظَرْفِهِ *** بلُبْسِ خوفِ ربّهِ

فلْيَهْنِ سيّدَنَا فوزُهُ بمَفاخِرَ تأثّلَتْ وجَلّتْ. وفوْتُهُ بصنائِعَ تمّتْ ونمّتْ. ويُلائِمُ قُرْبَ حضرَتِهِ. غوْثُ رِقّهِ بحظٍّ منْ حُظوَتِهِ. فإنهُ تَليدُ ندْبٍ. وشَريدُ جدْبٍ. وجَريحُ نوَبٍ أثّرتْ. وناظِمُ قلائدَ تسيّرَتْ. إذا جاشَ لخُطبَةٍ فلا يوجَدُ قائلٌ. ثمّ قُسٌّ ثم باقلٌ. فإنْ حبّرَ قلتَ حِبَرٌ نُنِمَتْ. وخِلْتَ رِياضاً قد نمتْ. هذا ثمّ شِرْبُهُ برْضٌ. وقوتُهُ قرْضٌ. وفلَقُهُ غسَقٌ. وجِلْبابُهُ خلَقٌ. وقدْ قلِقَ لتوَغُّرِ غَريمٍ غاشِمٍ. يستَحثّهُ بحقٍّ لازِمٍ. فإنْ منّ سيدُنا بكفّهِ. بهِباتِ كفّهِ. توشّحَ بمجْدٍ فاقَ. وباءَ بأجْرِ فكّي منْ وَثاقٍ. لا خلَتْ سَجايا خُلْقِهِ. ترفِدُ شائِمَ برْقِهِ. بمَنّ ربٍّ أزَليٍّ. حيٍّ أبَديٍّ. قال: فلمّا استشَفّ الأميرُ لآليها. ولمحَ السّرَّ المودَعَ فيها. أوعَزَ في الحالِ بقضاء دَيْني. وفصَلَ بينَ خصْمي وبيْني. ثمّ استَخْلَصَني لمُكاثرَتِهِ. واخْتَصّني بأثَرَتِهِ. فلبِثْتُ بضْعَ سِنينَ أنعَمُ في ضيافَتِهِ. وأرتَعُ في ريفِ رافَتِهِ. حتى إذا غمَرَتْني مواهِبُهُ. وأطالَ ذيْلي ذهَبُهُ. تلطّفْتُ في الارتِحالِ. على ما تَرى منْ حُسْنِ الحالِ. قال: فقلْتُ لهُ شُكراً لمَنْ أتاحَ لكَ لُقْيانَ السّمْحِ الكَريمِ. وأنقذَكَ بهِ منْ ضغْطَةِ الغَريمِ! فقال: الحمدُ للهِ على سعادَةِ الجَدّ. والخُلوصِ منَ الخصْمِ الألَدّ. ثمّ قال: أيُّما أحَبُّ إليْكَ أنْ أُحذيَكَ منَ العَطاء. أمْ أُتحِفَكَ بالرّسالَةِ الرّقْطاء؟ فقلتُ: إمْلاءُ الرّسالَةِ أحَبُّ إليّ! فقال: وهوَ وحقّكَ أفُّ عليّ. فإنّ نِحْلَةَ ما يلِجُ في الآذانِ. أهْوَنُ منْ نِحلَةِ ما يخرُجُ منَ الأرْدانِ. ثمّ كأنّهُ أنِفَ واستَحْيا. فجمَعَ لي بينَ الرّسالَةِ والحُذْيا. ففُزْتُ منهُ بسَهْمَينِ. وفصلْتُ عنهُ بغُنْمَينِ. وأُبْتُ إلى وطَني قَريرَ العينِ. بِما حُزْتُ منَ الرّسالةِ والعَينِ.

حسن خليل
21-11-10, 04:16 PM
المقامة الرملية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: كنتُ في عُنفُوانِ الشّبابِ. ورَيْعانِ العيْشِ اللُّبابِ. أقْلي الاكتِنانَ بالغابِ. وأهْوى الانْدِلاقَ منَ القِرابِ. لعِلْمي أنّ السّفَرَ ينفِجُ السُّفَرَ. ويُنتِجُ الظّفَرَ. ومُعاقَرَةَ الوطَنِ. تَعْقِرُ الفِطَنَ. وتحْقِرُ مَنْ قطَنَ. فأجَلْتُ قِداحَ الاستِشارَةِ. واقْتدَحْتُ زِنادَ الاستِخارَةِ. ثمّ استجَشْتُ جأشاً أثْبَتَ منَ الحِجارَةِ. وأصْعَدْتُ إلى ساحِلِ الشّامِ للتّجارَةِ. فلمّا خيّمتُ بالرّملَةِ. وألقَيتُ بها عَصا الرّحلَةِ. صادَفْتُ بها رِكاباً تُعَدّ للسُّرى. ورِحالاً تُشَدّ إلى أمّ القُرى. فعصَفَتْ بي ريحُ الغَرامِ. واهْتاجَ لي شَوْقٌ إلى البيتِ الحَرامِ. فزمَمْتُ ناقَتي. ونبذْتُ عُلَقي وعَلاقَتي.
وقلتُ للائِمي أقصِرْ فـإنّـي * * * سأخْتارُ المَقامَ على المُقـامِ
وأُنفِقُ ما جمَعتُ بأرضِ جمْعٍ * * * وأسْلو بالحَطيمِ عنِ الحُطـامِ
ثم انتَظَمْتُ معَ رُفقَةٍ كنجومِ اللّيلِ. لهُمْ في السيرِ جِرْيَةُ السّيلِ. والى الخيرِ جرْيُ الخَيلِ. فلمْ نزَلْ بينَ إدْلاجٍ وتأوِيبٍ. وإيجافٍ وتقْريبٍ. إلى أنْ حبَتْنا أيْدي المَطايا بالتُّحْفَةِ. في إيصالِنا إلى الجُحْفَةِ. فحلَلْناها متأهّبينَ للإحْرامِ. مُتباشِرِينَ بإدْراكِ المَرامِ. فلمْ يكُ إلا أنْ أنَخْنا بها الرّكائِبَ. وحطَطْنا الحقائِبَ. حتى طلعَ عليْنا منْ بينِ الهِضابِ. شخْصٌ ضاحي الإهابِ. وهوَ يُنادي: يا أهْلَ ذا النّادي. هلُمّ إلى ما يُنْجي يوْمَ التّنادي! فانْخرَطَ إليْهِ الحَجيجُ وانْصلَتوا. واحْتَفّوا بهِ وأنْصَتوا. فلمّا رأى تأثُّفَهُمْ حولَهُ. واستِعْظامَهُمْ قولَهُ. تسَنّمَ إحْدى الإكامِ. ثمّ تنحْنَحَ مُستَفْتِحاً للكلامِ. وقال: يا معْشرَ الحُجّاجِ. النّاسِلينَ منَ الفِجاجِ. أتَعْقِلونَ ما تُواجِهونَ. والى منْ تتوجّهونَ؟ أم تدرونَ على مَنْ تَقْدَمونَ. وعلامَ تُقدِمونَ؟ أتَخالونَ أنّ الحجّ هوَ اختِيارُ الرّواحلِ. وقطْعُ المراحِلِ. واتّخاذُ المَحامِلِ. وإيقارُ الزّوامِلِ؟ أم تظنّونَ أنّ النُسْكَ هوَ نَضْوُ الأرْدانِ. وإنْضاءُ الأبْدانِ. ومُفارقَةُ الوِلْدانِ. والتّنائي عنِ البُلْدانِ؟ كلاّ واللهِ بل هوَ اجتِنابُ الخَطيّةِ. قبلَ اجْتِلابِ المطيّةِ. وإخلاصُ النّيّةِ. في قصْدِ تلكَ البَنِيّةِ. وإمْحاضُ الطّاعةِ. عندَ وُجْدانِ الاستِطاعَةِ. وإصْلاحُ المُعامَلاتِ. أمام إعْمالِ اليَعْمَلاتِ. فوالذي شرَعَ المَناسِكَ للنّاسِكِ. وأرشَدَ السّالِكَ في اللّيلِ الحالِكِ. ما يُنْقي الاغتِسالُ بالذَّنوبِ. منَ الانغِماسِ في الذُّنوبِ! ولا تعدِلُ تعرِيَةُ الأجْسامِ. بتَعْبِيَةِ الأجْرام. ولا تُغْني لِبْسَةُ الإحْرامِ. عنِ المتلبِّسِ بالحَرامِ. ولا ينفَعُ الاضْطِباعُ بالإزارِ. معَ الاضْطِلاعِ بالأوْزارِ. ولا يُجْدي التّقرّبُ بالحَلْقِ. مع التّقلّبِ في ظُلْمِ الخلْقِ. ولا يَرْحَضُ التّنسّكُ في التّقصيرِ. درَنَ التّمسّكِ بالتّقصيرِ. ولا يَسعَدُ بعَرَفَةَ. غيرُ أهلِ المعرِفَةِ. ولا يزْكو بالخَيْفِ. منْ يرغَبُ في الحَيْفِ. ولا يشْهَدُ المَقامَ. إلا منِ استَقامَ. ولا يَحْظى بقَبولِ الحِجّةِ. منْ زاغَ عنِ المحَجّةِ. فرحِمَ اللهُ امْرأً صَفا. قبلَ مسْعاهُ إلى الصّفا. وورَدَ شَريعةَ الرّضى. قبلَ شُروعِهِ على الأضا. ونزعَ عنْ تَلْبيسِهِ. قبلَ نزْعِ مَلبوسِهِ. وفاضَ بمعْروفِهِ. قبلَ الإفاضَةِ منْ تعريفِهِ. ثمّ رفعَ عَقيرَتَهُ بصوتٍ أسْمَعَ الصُمَّ. وكادَ يُزعزِعُ الجِبالَ الشُمَّ. وأنشدَ: ما الحَـجُّ سـيرُكَ تـأويبـاً وإدْلاجـا * * * ولا اعْتِيامُـكَ أجْـمـالاً وأحـداجـا
ألحَجُّ أن تقصِدَ البيتَ الحـرامَ عـلـى * * * تجْريدِكَ الحَجّ لا تقْضي بـه حـاجـا
وتمْتَطي كاهِلَ الإنْصـافِ مـتّـخـذاً * * * ردعَ الهَوى هادِياً والحَقَّ مِنْـهـاجـا
وأنْ تُؤاسـيَ مـا أوتـيتَ مَـقـدُرَةً * * * مَنْ مدّ كفّاً إلى جدْواكَ مُـحْـتـاجـا
فهَذهِ إنْ حوَتْـهـا حِـجّةٌ كـمُـلَـتْ * * * وإنْ خَلا الحجُّ منها كـان إخـداجـا
حسْبُ المُرائينَ غَبْناً أنهُـمْ غـرَسـوا * * * وما جنَوا ولَـقـوا كـدّاً وإزْعـاجـا
وأنّهُمْ حُـرِمـوا أجْـراً ومَـحْـمَـدَةً * * * وألحَموا عِرضَهم من عابَ أوْ هاجى
أُخَيَّ فابْغِ بمـا تُـبـدِيهِ مـنْ قُـرَبٍ * * * وجْهَ المُهَـيمِـنِ ولاّجـاً وخـرّاجـا
فلَيسَ تخْفَى على الرّحمَـنِ خـافِـيَةٌ * * * إنْ أخلَصَ العبدُ في الطاعاتِ أو داجى * * *
وبادِرِ الموْتَ بالحُسْنـى تُـقـدّمُـهـا * * * فما يُنَهْنَهُ داعي المـوتِ إن فـاجـا
واقْنَ التّواضُعَ خُـلْـقـاً لا تُـزايِلُـهُ * * * عنكَ اللّيالي ولوْ ألْبَسنَـكَ الـتّـاجـا
ولا تَـشِـمْ كـلَّ خـالٍ لاحَ بـارِقُـهُ * * * ولوْ تَراءى هَتونَ السّكْبِ ثـجّـاجـا
ما كُـلّ داعٍ بـأهـلٍ أن يُصـاخَ لـهُ * * * كم قد أصَمّ بنَعيٍ بعضُ منْ نـاجـى
وما اللّبيبُ سوى مَنْ باتَ مُقتنعاً * * * ببُلْـغَةٍ تُـدرِجُ الأيّامَ إدْراجـا
فكلُّ كُثْرٍ إلى قُلٍّ مَـغـبّـتُـهُ * * * وكلّ نازٍ إلى لينٍ وإنْ هاجـا
قال الرّاوي: فلمّا ألْقَحَ عُقْمَ ا لأفْهامِ. بسِحْرِ الكَلامِ. استَروَحْتُ ريحَ أبي زيدٍ. ومادَ بيَ الارْتِياحُ إليْهِ أيَّ ميْدٍ. فمكثْتُ حتى استوْعَبَ نثَّ حِكمَتِهِ. وانحدَرَ منْ أكمَتِهِ. ثمّ دلَفْتُ إليْهِ لأتصفّحَ صفَحاتِ مُحيّاهُ. واستشِفّ جوهَرَ حِلاهُ. فإذا هوَ الضّالّةُ التي أنشُدُها. وناظِمُ القَلائِدِ اللاتي أنشدَها. فعانَقْتُهُ عِناقَ اللامِ للألِفِ. ونزّلتُهُ منزِلَةَ البُرْء عندَ الدّنِفِ. وسألتُهُ أن يُلازِمَني فأبى. أو يُزامِلَني فنَبا. وقال: آلَيتُ في حِجّتي هذِهِ أن لا أحْتَقِبَ ولا أعتَقِبَ. ولا أكتَسِبَ ولا أنتَسِبَ. ولا أرتَفِقَ. ولا أُرافِقَ. ولا أُوافِقَ منْ يُنافِقُ. ثمّ ذهبَ يهرْوِلُ. وغادرَني أوَلوِلُ. فلمْ أزَلْ أقْريهِ نظَري. وأوَدُّ لوْ يمشي على ناظِري. حتى توقّلَ أحدَ الأطْوادِ. ووقفَ للَجيجِ بالمِرْصادِ. فلمّا شاهدَ إيضاعَ الرُكْبانِ. في الكُثْبانِ. وقّعَ بالبَنانِ على البَنانِ. واندفَعَ يُنشِدُ: ليسَ منْ زارَ راكِبـاً * * * مثلَ ساعٍ على القـدَمْ
لا ولا خـادِمٌ أطــا * * * عَ كعاصٍ منَ الخدَمْ
كيفَ يا قوْمِ يسْتَـوي * * * سعْيُ بانٍ ومَنْ هـدمْ
سيُقيمُ المُـفَـرِّطـو * * * نَ غداً مأتَمَ الـنّـدَمْ
ويقولُ الـذي تـقـرّ * * * بَ طوبَى لمنْ خـدَمْ
ويْكِ يا نفْسُ قـدّمـي * * * صالحاً عندَ ذي القِدَمْ
وازْدَري زُخْرُفَ الحيا * * * ةِ فوُجْـدانُـهُ عـدَمْ
واذْكُري مصْرعَ الحِما * * * مِ إذا خطْبُـهُ صـدَمْ
وانْدُبي فعْلَكِ القَـبـي * * * حَ وسُحّي لـهُ بـدَمْ
وادْبُـغـيهِ بـتـوْبَةٍ * * * قبلَ أن يحْـلَـمَ الأدَمْ
فعسى اللـهُ أنْ يقـي * * * كِ السّعيرَ الذي احتدَمْ
يومَ لا عثْـرَةٌ تُـقـا * * * لُ ولا ينفعُ الـسّـدَمْ
ثمّ إنّهُ أغمضَ عضْبَ لِسانِهِ. وانطلَقَ لِشانِهِ. فما زِلْتُ في كلّ موْرِدٍ نرِدُهُ. ومعَرَّسٍ نتوسّدُهُ. أتفقّدُهُ فأفْقِدُهُ. وأستَنْجِدُ بمَنْ يَنشُدُهُ فلا يجِدُهُ. حتى خِلتُ أنّ الجِنّ اختَطفَتْهُ. أوِ الأرضَ اقتطَفَتْهُ. فما كابَدْتُ في الغُربَة. كهذهِ الكُربَةِ. ولا مُنِيتُ في سَفْرَةٍ. بمِثلِها منْ زفْرَةٍ.

حسن خليل
21-11-10, 04:18 PM
المقامة الزبيدية للحريري


أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: لمّا جُبْتُ البِيدَ. إلى زَبيدَ. صحِبَني غُلامٌ قدْ كنتُ ربّيتُهُ إلى أن بلغَ أشُدَّهُ. وثقّفْتُهُ حتى أكمَلَ رُشْدَهُ. وكان قد أنِسَ بأخْلاقي. وخبَرَ مجالِبَ وِفاقي. فلمْ يكُنْ يتخَطّى مَرامي. ولا يُخطئ في المَرامي. لا جَرَمَ أنّ قُرَبَهُ التاطَتْ بصَفَري. وأخلَصْتُهُ لحَضَري وسَفَري. فألْوى بهِ الدهرُ المُبيدُ. حينَ ضمّتْنا زَبيدُ. فلمّا شالتْ نَعامتُهُ. وسكَنتْ نأمَتُهُ. بقيتُ عاماً. لا أُسيغُ طَعاماً. ولا أُريغُ غُلاماً. حتى ألجأتْني شَوائِبُ الوَحْدَةِ. ومتاعِبُ القَومَةِ والقَعْدَةِ. إلى أنْ أعْتاضَ عنِ الدُرِّ الخرَزَ. وأرْتادَ مَنْ هُوَ سِدادٌ منْ عوَزٍ. فقصَدْتُ منْ يَبيعُ العَبيدَ. بسوقِ زَبيدَ. فقلتُ: أريدُ غُلاماً يُعجِبُ إذا قُلّبَ. ويُحمَدُ إذا جُرّبَ. وليَكُنْ ممّنْ خرّجَهُ الأكْياسُ. وأخرَجَهُ إلى السّوقِ الإفْلاسُ. فاهتزّ كلٌ منهُمْ لمَطْلَبي ووثَبَ. وبذَلَ تحصيلَهُ عنْ كثَبٍ. ثمّ دارَتِ الأهلّةُ دَوْرَها. وتقلّبَتْ كَوْرَها وحَوْرَها. وما نجَزَ منْ وُعودِهِمْ وعْدٌ. ولا سحّ لها رعْدٌ. فلمّا رأيتُ النّخاسينَ. ناسينَ أو مُتَناسينَ. علِمْتُ أنْ ليسَ كلُّ منْ خلَقَ يَفْري. وأن لنْ يحُكّ جِلدي مثلُ ظُفري. فرفَضْتُ مذْهبَ التّفويضِ. وبرَزْتُ إلى السّوقِ بالصُّفْرِ والبِيضِ. فإني لأسْتَعرِضُ الغِلْمانَ. وأستَعْرِفُ الأثْمانَ. إذ عارَضَني رجلٌ قدِ اختَطَم بلِثامٍ. وقبَضَ على زَنْدِ غُلامٍ. وقال:

من يشتَري مني غُلاماً صنَـعـا * * * في خَلْقِهِ وخُلْقِـهِ قـد بـرَعـا


بكلّ ما نُطْتَ بهِ مُضْـطَـلِـعـاً * * * يَشْفيكَ إنْ قال وإنْ قُلتَ وَعـى


وإنْ تُصِبْكَ عَثـرَةٌ يَقُـلْ لَـعـا * * * وإنْ تسُمْهُ السّعْيَ في النارِ سَعى * * *


وإن تُصاحِبهُ ولوْ يومـاً رَعـى * * * وإنْ تُقَنّعْهُ بظِـلْـفٍ قَـنِـعـا


وهْوَ على الكَيْسِ الذي قد جمَعـا * * * ما فاهَ قـطُّ كـاذِبـاً لا ادّعـى


ولا أجابَ مَطْمَعـاً حـينَ دعـا * * * ولا استَجازَ نَـثَّ سِـرٍّ أُودِعـا


وطالَما أبدَعَ في ما صـنَـعـا * * * وفاقَ في النّثْرِ وفي النّظْمِ مَعا * * *


واللهِ لوْلا ضنْكُ عيشٍ صدَعـا * * * وصِبيَةٌ أضْحَوْا عُراةً جُوَّعـا

ما بِعْتُهُ بمُلْكِ كِسرَى أجْمَعـا
قال: فلمّا تأمّلْتُ خَلقَهُ القَويمَ. وحُسنَهُ الصّميمَ. خِلتُهُ منْ وِلْدانِ جَنّةِ النّعيمِ. وقلتُ: ما هذا بشَراً إنْ هذا إلا ملَكٌ كَريمٌ! ثمّ استَنْطَقْتُهُ عنِ اسْمِهِ. لا لرَغْبَةٍ في عِلمِه. بل لأنظُرَ أينَ فصاحَتُهُ من صَباحَتِهِ. وكيفَ لهْجَتُهُ منْ بهجَتِهِ. فلمْ ينطِقْ بحُلوَةٍ ولا مُرّةٍ. ولا فاهَ فَوْهَةَ ابنِ أمَةٍ ولا حُرّةٍ. فضرَبْتُ عنهُ صَفْحاً. وقلْتُ له: قُبْحاً لعِيّكَ وشُقْحاً! فَغارَ في الضّحِكِ وأنْجَدَ. ثمّ أنْغَضَ رأسهُ إليّ وأنشدَ:

يا مَنْ تلَهّبَ غيظُهُ إذْ لـمْ أبُـحْ * * * باسْمي لهُ ما هَكذا مَنْ يُنصِفُ


إنْ كان لا يُرضيكَ إلا كشْفُـهُ * * * فأصِخْ لهُ أنا يُوسُفٌ أنا يوسُفُ


ولقد كشَفْتُ لكَ الغِطاء فإن تكنْ * * * فطِناً عرَفتَ وما إخالُك تَعرِفُ

قال: فسَرّى عَتْبي بشِعْرِهِ. واسْتَبى لُبّي بسِحْرِهِ. حتى شُدِهْتُ عنِ التّحقيقِ. وأُنسيتُ قِصّةَ يوسُفَ الصّدّيقِ. ولمْ يكُنْ لي همٌّ إلا مُساوَمةُ موْلاهُ فيهِ. واستِطْلاعُ طِلعِ الثّمَنِ لأوفيهِ. وكنتُ أحسَبُ أنهُ سينظُرُ شَزْراً إليّ. ويُغْلي السّيمَةَ عليّ. بلْ قال: إنّ الغُلامَ إذا نَزُرَ ثمَنُهُ. وخفّتْ مؤنُهُ. تبرّكَ بهِ موْلاهُ. والتَحَفَ عليْهِ هواهُ. وإني لأوثِرُ تحْبيبَ هذا الغُلامِ إليْكَ. بأنْ أخَفِّفَ ثمنَهُ عليْكَ. فزِنْ مائَتَيْ دِرْهَمٍ إن شِيتَ. واشْكرْ لي ما حَييتَ! فنقَدْتُهُ المبلغَ في الحالِ. كما يُنقَدُ في الرّخيصِ الحَلالُ. ولمْ يخطُرْ لي ببالٍ. أنّ كُلّ مُرخَصٍ غالٍ. فلمّا تحقّقَتِ الصّفْقَةُ. وحَقّتِ الفُرقَةُ. همَلَتْ عيْنا الغُلامِ. ولا هُمولَ دمْعِ الغَمامِ. ثمّ أقبلَ على صاحِبِه وقال:

لَحاكَ اللهُ هلْ مِـثـلـي يُبـاعُ * * * لكَيْما تشبَعَ الكَـرِشُ الـجِـياعُ


وهلْ في شِرْعَةِ الإنْصافِ أنـي * * * أكلَّفُ خُطّةً لا تُـسـتَـطـاعُ


وأنْ أُبْلـى بـرَوْعٍ بـعـدَ روعٍ * * * ومثلي حـينَ يُبْـلـى لا يُراعُ


أمَا جرّبْتَني فخَـبَـرْتَ مـنـي * * * نصائِحَ لمْ يُمـازِجْـهـا خِـداعُ


وكمْ أرْصَدْتَني شرَكـاً لـصَـيْدٍ * * * فعُدْتُ وفي حَبائِليَ الـسّـبـاعُ


ونُطْتَ بيَ المصاعِبَ فاسْتَقـادَتْ * * * مُطاوِعَةً وكانَ بها امـتِـنـاعُ


وأيُّ كـريهَةٍ لـم أُبْـلِ فـيهـا * * * وغُنْمٍ لمْ يكُـنْ لـي فـيهِ بـاعُ


وما أبـدَتْ لـي الأيامُ جُـرْمـاً * * * فيُكشَفَ في مُصارَمَتي القِنـاعُ


ولم تعثُرُ بحمـدِ الـلـهِ مـنـي * * * علـى عـيْبٍ يكـتَّـمُ أو يُذاعُ


فأنّى ساغَ عندَك نبْـذُ عـهـدي * * * كما نَبَذَتْ بُرايَتَها الـصَّـنـاعُ


ولِمْ سمَحَتْ قَرونُكَ بامْتِهـانـي * * * وأنْ أُشْرى كما يُشْرى المتـاعُ


وهلاّ صُنتَ عِرضي عنهُ صوْني * * * حَديثَـكَ جَـدّ بِـنـا الــوداعُ


وقلتَ لمـنْ يُسـاوِمُ فـيّ هـذا * * * سَكابِ فـمـا يُعـارُ ولا يُبـاعُ


فما أنا دونَ ذاكَ الطِّرْفِ لـكِـنْ * * * طِباعُكَ فوقَها تلْكَ الـطّـبـاعُ


على أني سأُنشِدُ عنـدَ بـيْعـي * * * أضاعوني وأيَّ فتًى أضـاعـوا

قال: فلما وعى الشيخُ أبياتَهُ. وعقَلَ مُناغاتَهُ. تنفّسَ الصُعَداءَ. وبكى حتى أبْكى البُعَداءَ. ثمّ قال لي: إني أُحِلّ هذا الغُلامَ محَلّ ولَدي. ولا أميّزُهُ عنْ أفْلاذِ كبِدي. ولوْلا خُلوُّ مُراحي. وخُبُوُّ مِصْباحي. لما درَج عنْ عُشّي. إلى أن يُشَيَّعَ نعْشي. وقد رأيْتَ ما نزَلَ به من لوْعَةِ البَينِ. والمؤمِنُ هَينٌ لَينٌ. فهلْ لكَ في تسلِيَةِ قلبِهِ. وتسْرِيَةِ كَربِهِ. بأن تُعاهِدَني على الإقالَةِ فيهِ متى استَقلْتُ. وأنْ لا تستَثْقِلَني إذا ثقّلْتُ؟ ففي الآثارِ المُنتَقاةِ. المَرويّةِ عنِ الثِّقاتِ: مَنْ أقالَ نادِماً بيعَتَهُ. أقالَهُ اللهُ عَثرتَهُ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فوعَدْتُهُ وعْداً أبرَزَهُ الحَياءُ. وفي القلْبِ أشياءُ. فاسْتَدْنى حينَئذٍ الغُلامَ إليْهِ. وقبّلَ ما بيْنَ عينَيهِ. وأنشدَ والدّمْعُ يرْفَضُّ من جَفْنَيهِ:

خفِّضْ فدَتْكَ النّفسُ ما تُلاقي * * * منْ بُرَحاء الوجْدِ والإشْفاقِ


فما تطولُ مُـدّةُ الـفِـراقِ * * * ولا تَني ركائِبُ التّـلاقـي

بحُسنِ عوْنِ القادِرِ الخَلاّقِ
ثم قال لهُ: أستودِعُكَ منْ هوَ نعْمَ الموْلى. وشمّرَ ذيلَهُ وولّى. فلبِثَ الغُلامُ في زَفيرٍ وعَويلٍ. ريثَما يقطَعُ مدى مِيلٍ. فلما استَفاقَ. وكفْكَفَ دمعَهُ المُهْراق. قال: أتدري لمَ أعوَلْتُ. وعَلامَ عوّلْتُ؟ فقلتُ: أظنّ فِراقَ موْلاكَ. هو الذي أبْكاكَ! فقال: إنّك لَفي وادٍ وأنا في وادٍ. ولكَمْ بينَ مُريدٍ ومُرادٍ. ثمّ أنشدَ:

لمْ أبْكِ واللهِ عـلـى إلْـفٍ نـزَحْ * * * ولا على فـوْتِ نَـعـيمٍ وفـرَحْ


وإنّما مَدمَعُ أجْـفـانـي سـفَـحْ * * * على غَبيّ لحْظُهُ حـينَ طـمَـحْ


ورّطَهُ حتى نعَنّـى وافـتَـضَـحْ * * * وضيّعَ المنْقوشَةَ البيضَ الوَضَـحْ


ويْكَ أمَا ناجَتْكَ هاتِـيكَ الـمُـلَـحْ * * * بأنّنـي حُـرٌّ وبَـيْعـي لـمْ يُبَـحْ

إذ كان في يوسُفَ معنًى قد وضَحْ
قال: فتمثّلْتُ مَقالَهُ في مِرْآةِ المُداعِبِ. ومَعرِضِ المُلاعِبِ. فتصلَّبَ تصلُّبَ المُحِقّ. وتبرّأ منْ طينَةِ الرّقّ. فجُلْنا في مُخاصَمَةٍ. اتّصَلَتْ بمُلاكَمةٍ. وأفْضَتْ إلى مُحاكمَةٍ. فلمّا أوضَحْنا للقاضي الصورَةَ. وتلَوْنا علَيْهِ السّورَةَ. قال: ألا إنّ منْ أنذرَ فقدْ أعْذرَ. ومنْ حذّرَ كمَنْ بشّرَ. ومَنْ بصّرَ فما قصّرَ. وإنّ فيما شرَحتُماهُ لَدَليلاً على أنّ هذا الغُلامَ قد نبّهَكَ فما ارْعَوَيْتَ. ونصَحَ لكَ فما وعَيْتَ. فاستُرْ داءَ بلَهِكَ واكْتُمْهُ. ولُمْ نفْسَكَ ولا تلُمْهُ. وحَذارِ منِ اعتِلاقِهِ. والطّمَعِ في استِرْقاقِهِ. فإنهُ حُرُّ الأديمِ. غيرُ معَرَّضٍ للتّقْويمِ. وقدْ كانَ أبوهُ أحْضَرَهُ أمْسِ. قُبَيْلَ أُفولِ الشّمسِ. واعْترَفَ بأنّهُ فرْعُهُ الذي أنْشاهُ. وأنْ لا وارِثَ لهُ سِواهُ. فقلْتُ للقاضي: أوَتَعْرِفُ أباهُ. أخْزاهُ اللهُ؟ فقال: وهلْ يُجهَلُ أبو زيْدٍ الذي جُرْحُهُ جُبارٌ. وعِندَ كلّ قاضٍ لهُ أخبارٌ وإخْبارٌ؟ فتحرّقْتُ حينَئذٍ وحوْلَقْتُ. وأفَقْتُ ولكِنْ حينَ فاتَ الوقتُ! وأيقَنْتُ أنّ لِثامَهُ كان شرَكَ مَكيدَتِهِ. وبيْتَ قَصيدَتِهِ. فنَكّسَ طَرْفي ما لَقيتُ. وآلَيْتُ أنْ لا أُعامِلَ مُلَثَّماً ما بَقيتُ. ولمْ أزَلْ أتأوّهُ لخُسْرِ صَفْقَتي. وافتِضاحي بينَ رُفقَتي. فقال ليَ القاضي. حينَ رأى امتِعاضي. وتبيّنَ حَرَّ ارتِماضي: يا هذا ما ذهَبَ منْ مالِكَ ما وعظَكَ. ولا أجْرَمَ إليْكَ مَنْ أيقَظَكَ. فاتّعِظْ بِما نابَكَ. وكاتِمْ أصْحابَكَ ما أصابَكَ. وتذكّرْ أبداً ما دهِمَكَ. لتَقيَ الذّكْرى دراهِمَكَ. وتخلّقْ بخُلْقِ منِ ابتُليَ فصبَرَ. وتجَلّتْ لهُ العِبَرُ فاعْتبَرَ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فودّعْتُهُ لابِساً ثوْبَ الخجَلِ والحَزَنِ. ساحِباً ذيْلَي الغَبْنِ والغَبَنِ. ونوَيْتُ مُكاشَفَةَ أبي زيدٍ بالهَجْرِ. ومُصارَمَتَهُ يدَ الدّهْرِ. فجعَلْتُ أتنَكّبُ عن ذَراهُ. وأتجنّبُ أنْ أراهُ. إلى أن غشيَني في طَريقٍ ضيّقٍ. فحيّاني تحيّةَ شَيّقٍ. فما زِدْتُ على أن عبسْتُ. وما نبَسْتُ. فقال: ما بالُكَ سمَخْتَ بأنفِكَ. على إلْفِكَ؟ فقُلْتُ: أنَسيتَ أنّكَ احتلْتَ وختَلْتَ. وفعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فعَلْتَ؟ فأضْرَطَ بي مُتَهازِياً. ثمّ أنشَدَ مُتَلافِياً:

يا مَنْ بَدا منـهُ صُـدو * * * دٌ موحِشٌ وتـجـهُّـمُ


وغَدا يَريشُ مَـلاوِمـاً * * * منْ دونِهِـنّ الأسْـهُـمُ


ويقولُ هـلْ حُـرٌّ يُبـا * * * عُ كما يُبـاعُ الأدْهَـمُ


أقْصِرْ فما أنا فـيهِ بِـدْ * * * عاً مثلَمـا تـتـوَهّـمُ


قد باعَتِ الأسْباطُ قـبْ * * * لي يوسُفاً وهُـمُ هُـمُ


هذا وأُقسِـمُ بـالـتـي * * * يَسْري إلَيْها المُتْـهِـمُ


والطّائِفِينَ بـهـا وهُـمْ * * * شُعْثُ النّواصي سُهَّـمُ


ما قُمْتُ ذاكَ الموْقِفَ ال * * * مُخْزي وعِنْدي دِرْهَـمُ


فاعْذِرْ أخاكَ وكُفّ عنْ * * * هُ مَلامَ مَنْ لا يَفْـهَـمُ

ثمّ قال: أمّا معْذِرَتي فقدْ لاحَتْ. وأمّا دراهِمُكَ فقَدْ طاحَتْ. فإنْ كانَ اقْشِعْرارُكَ مني. وازْوِرارُكَ عني. لفَرْطِ شفَقَتِكَ. على غُبّرِ نفقَتِكَ. فلسْتُ ممّنْ يلْسَعُ مرّتَينِ. ويوطئُ على جمرَتَينِ. وإنْ كُنتَ طوَيْتَ كشْحَكَ. وأطَعْتَ شُحّكَ. لتَستَنْقِذَ ما علِقَ بأشْراكي. فلْتَبْكِ على عقلِكَ البَواكي. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فاضْطرّني بلَفْظِهِ الخالِبِ. وسِحْرِهِ الغالِبِ. إلى أنْ عُدْتُ لهُ صَفيّاً. وبهِ حَفِيّاً. ونبَذْتُ فَعْلَتَهُ ظِهْريّاً. وإنْ كانت شيئاً فَريّاً.

حسن خليل
21-11-10, 04:22 PM
المقامة الساسانية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: بلَغني أنّ أبا زيدٍ حينَ ناهزَ القَبْضَةَ. وابتَزّهُ قيدُ الهرَمِ النّهْضَةَ. أحضرَ ابنَهُ. بعْدَما اسْتَجاشَ ذِهنَهُ. وقال لهُ: يا بُنيّ إنهُ قد دنَا ارتِحالي منَ الفِناء. واكتِحالي بمِروَدِ الفَناء. وأنتَ بحمْدِ اللهِ وليُّ عهْدي. وكبْشُ الكَتيبَةِ السّاسانيّة منْ بعْدي. ومثلُكَ لا تُقرَعُ لهُ العَصا. ولا يُنَبَّهُ بطَرْقِ الحصَى. ولكِنْ قد نُدِبَ إلى الإذْكارِ. وجُعِلَ صيْقَلاً للأفكارِ. وإني أُوصيكَ بما لمْ يوصِ بهِ شيثٌ الأنْباطَ. ولا يعْقوبُ الأسْباطَ. فاحفَظْ وصيّتي. وجانِبْ معْصِيتي. واحْذُ مِثالي. وافْقَهْ أمْثالي. فإنّكَ إنِ استَرشدْتَ بنُصْحي. واستَصْبَحْتَ بصُبْحي. أمْرَعَ خانُكَ. وارتفَعَ دُخانُكَ. وإنْ تناسَيْتَ سُورَتي. ونبذْتَ مَشورَتي. قَلّ رمادُ أثافيكَ. وزَهِدَ أهلُكَ ورهْطُكَ فيكَ. يا بُنيّ إني جرّبْتُ حقائِقَ الأمورِ. وبلَوْتُ تصاريفَ الدّهورِ. فرأيْتُ المرْءَ بنَشَبِهِ. لا بنَسَبِهِ. والفحْصَ عن مكسَبِهِ. لا عنْ حسَبِهِ. وكُنتُ سمِعْتُ أنّ المَعايِشَ إمارَةٌ. وتجارَةٌ. وزِراعَةٌ. وصناعَةٌ. فمارَسْتُ هذِهِ الأرْبَعَ. لأنظُرَ أيّها أوفقُ وأنفَعُ. فما أحْمَدْتُ منها معيشَةً. ولا استرْغَدْتُ فيها عِيشَةً. أما فرَصُ الوِلاياتِ. وخُلَسُ الإماراتِ. فكأضْغاثِ الأحْلامِ. والفَيْءِ المُنتَسِخِ بالظّلامِ. وناهيكَ غُصّةً بمَرارَةِ الفِطامِ. وأما بضائِعُ التّجاراتِ. فعُرْضَةٌ للمُخاطَراتِ. وطُعمَةٌ للغاراتِ. وما أشبَهَها بالطّيورِ الطّيّاراتِ. وأما اتّخاذُ الضِّياعِ. والتّصدّي للازدِراعِ. فمنْهَكَةٌ للأعْراضِ. وقُيودٌ عائِقَةٌ عنِ الارْتِكاضِ. وقلّما خَلا ربُّها عنْ إذْلالٍ. أو رُزِقَ رَوْحُ بالٍ. وأما حِرَفُ أولي الصناعاتِ. فغيْرُ فاضِلَةٍ عنِ الأقْواتِ. ولا نافِقَةٍ في جَميعِ الأوْقاتِ. ومُعظَمُها معْصوبٌ بشَبيبَةِ الحَياةِ. ولمْ أرَ ما هوَ بارِدُ المَغنَمِ. لَذيذُ المطعَمِ. وافي المَكْسَبِ. صافي المَشرَبِ. إلا الحِرفَةَ التي وضعَ ساسنُ أساسَها. ونوّعَ أجْناسَها. وأضْرَمَ في الخافِقَيْنِ نارَها. وأوضَحَ لبَني غَبْراءَ مَنارَها. فشَهِدْتُ وقائِعَها مُعْلِماً. واخترْتُ سِيماها لي مِيسَماً. إذْ كانَتِ المَتْجَرَ الذي لا يَبورُ. والمنهَلَ الذي لا يغورُ. والمِصْباحَ الذي يعْشو إلَيْهِ الجُمهورُ. ويستصْبِحُ بهِ العُمْيُ والعورُ. وكانَ أهلُها أعَزّ قَبيلٍ. وأسعَدَ جيلٍ. لا يَرْهَقُهُمْ مسُّ حيْفٍ. ولا يُقلِقُهُمْ سَلُّ سيْفٍ. ولا يخْشَوْنَ حُمَةَ لاسِعٍ. ولا يَدينونُ لدانٍ ولا شاسِعٍ. ولا يرْهَبونَ ممّنْ برَقَ ورعَدَ. ولا يحفِلونَ بمَنْ قامَ وقعَدَ. أنديَتُهُمْ منزّهَةٌ. وقُلوبُهُمْ مرفّهَةٌ. وطُعَمُهُمْ مُعجَّلَةٌ. وأوقاتُهُمْ محَجّلَةٌ. أيْنما سقَطوا. لقَطوا. وحيثُما انخرَطوا. خرَطوا. لا يتّخذونَ أوْطاناً. ولا يتّقونَ سُلطاناً. ولا يمْتازونَ عمّا تغْدو خِماصاً. وتَروحُ بِطاناً. فقالَ لهُ ابنُهُ: يا أبَتِ لقدْ صدَقْتَ. في ما نطَقْتَ. ولكنّك رتَقْتَ. وما فتَقْتَ. فبيّنْ لي كيفَ أقتَطِفُ. ومنْ أينَ تؤكَلُ الكتِفُ؟ فقال: يا بُنيّ إنّ الارتِكاضَ بابُها. والنّشاطَ جِلبابُها. والفِطنَةَ مِصباحُها. والقِحَةَ سلاحُها. فكُنْ أجْوَلَ منْ قُطرُبٍ. وأسرى من جُندُبٍ. وأنشَطَ من ظَبْيٍ مُقمِرٍ. وأسلَطَ من ذِئْبٍ متنمِّرٍ. واقْدَحْ زَنْدَ جدّكَ بجِدّكَ. واقْرَعْ بابَ رعْيِكَ بسعْيِكَ. وجُبْ كُلّ فجّ. ولِجْ كلّ لُجّ. وانتَجِعْ كلّ روْض. وألْقِ دلْوَكَ إلى كُلّ حوْضٍ. ولا تسْأمِ الطّلَبَ. ولا تمَلّ الدأَبَ. فقدْ كانَ مكتوباً على عَصا شيْخِنا ساسانَ: منْ طلبَ. جلبَ. ومنْ جالَ. نالَ. وإيّاكَ والكسلَ فإنهُ عُنوانُ النّحوسِ. ولَبوسُ ذَوي البوسِ. ومِفتاحُ المَترَبَةِ. ولِقاحُ المَتعَبَةِ. وشيمَةُ العجَزَةِ الجهَلَةِ. وشِنشِنَةُ الوُكَلَةِ التُّكَلَةِ. وما اشْتارَ العسَلَ. منِ اخْتارَ الكسلَ. ولا ملأ الرّاحةَ. منِ استوْطأ الرّاحةَ. وعليْكَ بالإقْدامِ. ولوْ على الضِّرْغامِ. فإنّ جَراءةَ الجَنانِ. تُنطِقُ اللّسانَ. وتُطلِقُ العِنانَ. وبها تُدرَكُ الحُظوَةُ. وتُملَكُ الثّروةُ. كما أنّ الخوَرَ صِنْوُ الكسَلِ. وسبَبُ الفشَلِ. ومَبْطأةٌ للعمَلِ. ومَخْيَبَةٌ للأمَلِ. ولهذا قيلَ في المثلِ: منْ جسَرَ. أيسَرَ. ومنْ هابَ. خابَ. ثمّ ابْرُزْ يا بُنيّ في بكورِ أبي زاجِرٍ. وجَراءةِ أبي الحارثِ. وحَزامَةِ أبي قُرّةَ. وختْلِ أبي جَعْدَةَ. وحِرْصِ أبي عُقبَةَ. ونشاطِ أبي وثّابٍ. ومكْرِ أبي الحُصَينِ. وصبْرِ أبي أيّوبَ. وتلَطّفِ أبي غزْوانَ. وتلوّنِ أبي بَراقِشَ. وحيلَةِ قَصيرٍ. ودَهاء عمْرٍو. ولُطفِ الشّعْبيّ. واحتِمالِ الأحنَفِ. وفِطنَةِ إياسٍ. ومَجانةِ أبي نُواسٍ. وطمَعِ أشعَبَ. وعارِضَةِ أبي العَياء. واخلُبْ بصوْغِ اللّسانِ. واخدعْ بسِحرِ البَيانِ. وارْتَدِ السوقَ قبلَ الجَلَبِ. وامتَرِ الضّرْعَ قبلَ الحلَبِ. وسائِلِ الرُكبانَ قبلَ المُنتجَعِ. ودمّثْ لجَنبِكَ قبلَ المُضطَجَعِ. واشحَذْ بصيرَتَكَ للعِيافَةِ. وأنعِمْ نظرَكَ للقِيافَةِ. فإنّ منْ صدَقَ توسّمُهُ. طالَ تبسّمُهُ. ومنْ أخطأتْ فِراسَتُهُ. أبطأتْ فَريسَتُهُ. وكُنْ يا بُنيّ خَفيفَ الكَلّ. قَليلَ الدّلّ. راغِباً عنِ العَلّ. قانِعاً منَ الوَبلِ بالطّلّ. وعظّمْ وقعَ الحَقيرِ. واشكُرْ على النّقيرِ. ولا تقنَطْ عندَ الرّدّ. ولا تستَبعِدْ رشْحَ الصّلْدِ. ولا تيْأسْ منْ رَوحِ اللهِ إنهُ لا ييْأسُ منْ رَوحِ اللهِ إلا القوْمُ الكافِرونَ. وإذا خُيّرتَ بينَ ذَرّةٍ منْقودَةٍ. ودُرّةٍ موْعودَةٍ. فمِلْ إلى لنّقْدِ. وفضّلِ اليومَ على الغدِ. فإنّ للتأخيرِ آفاتٍ. وللعَزائِمِ بدَواتٍ. وللعِداتِ مُعَقِّباتٍ. وبيْنَها وبينَ النّجازِ عقَباتٌ وأيّ عقَباتٍ. وعليْكَ بصَبْرِ أولي العزْمِ. ورِفْقِ ذَوي الحزْمِ. وجانِبْ خُرْقَ المُشتَطّ. وتخلّقْ بالخُلْقِ السّبْطِ. وقيّدِ الدّرْهَمَ بالرّبْطِ. وشُبِ البَذْلِ بالضّبْطِ. ولا تجْعَلْ يدَكَ مغْلولَةً إلى عُنقِكَ ولا تَبسُطْها كلّ البسْطِ. ومتى نَبا بكَ بلَدٌ. أو نابَكَ فيهِ كمَدٌ. فبُتّ منهُ أملَكَ. واسْرَحْ منهُ جمَلَكَ. فخيْرُ البِلادِ ما جمّلَكَ. ولا تستَثْقِلَنّ الرّحلَةَ. ولا تكْرهَنّ النُقلَةَ. فإنّ أعْلامَ شَريعَتِنا. وأشياخَ عَشيرَتِنا. أجْمَعوا على أنّ الحركَةَ برَكةٌ. والطّراوَةَ سُفتَجَةٌ. وزَرَوْا على منْ زعَمَ أنّ الغُربَةَ. كُربَةٌ. والنُقلَةَ. مُثلَةٌ. وقالوا: هي تَعِلّةُ منِ اقتنَعَ بالرّذيلةِ. ورضِيَ بالحشَفِ وسوء الكِيلَةِ. وإذا أزْمَعْتَ على الاغْتِرابِ. وأعْدَدْتَ لهُ العَصا والجِرابَ. فتخيّرِ الرّفيقَ المُسعِدَ. منْ قبْلِ أن تُصعِدَ. فإنّ الجارَ. قبلَ الدّارِ. والرّفيقَ. قبلَ الطّريقِ:

خُذْهـا إلـيْكَ وصـيّةً *** لمْ يوصِها قبْلـي أحَـدْ


غَرّاءَ حـاويَةً خُـــلا *** صاتِ المَعاني والزُّبَـدْ


نقّحْتُها تـنْـقـيحَ مـنْ *** مَحَضَ النّصيحةَ واجتَهدْ


فاعْمَلْ بما مـثّـلْـتُـهُ *** عمَلَ اللّبيبِ أخي الرَّشَدْ


حتى يقـولَ الـنـاسُ هـ *** ذا الشّبلُ منْ ذاكَ الأسَدْ

ثمّ قال: يا بُنيّ قد أوْصيتُ. واستقْصَيْتُ. فإنِ اقتَدَيْتَ فوَاهاً لكَ. وإنِ اعتَديْتَ فآهاً منكَ! واللهُ خَليفَتي عليْ:َ. وأرْجو أنْ لا تُخْلِفَ ظنّي فيكَ. فقالَ لهُ ابنُهُ: يا أبَتِ لا وُضِعَ عرْشُكَ. ولا رُفِعَ نعْشُكَ. فلقَدْ قلتَ سَدَداً. وعلّمْتَ رشَداً. ونحَلْتَ ما لمْ ينْحَلْ والِدٌ ولَداً. ولَئِنْ أُمْهِلْتُ بعْدَكَ. لا ذُقْتُ فقْدَكَ. فلأتأدّبَنّ بآدابِكَ الصالِحةِ. ولأقْتَدِيَنّ بآثارِكَ الواضِحَةِ. حتى يُقال: ما أشْبَهَ الليلةَ بالبارِحَةِ. والغادِيةَ بالرّائِحَةِ. فاهْتزّ أبو زيْدٍ لجَوابِهِ وابتسَمَ. وقال: منْ أشبَهَ أباهُ فَما ظلَمَ. قالَ الحارثُ بنُ همّامٍ: فأُخبِرْتُ أنّ بَني ساسانَ. حينَ سَمِعوا هَذي الوَصايا الحِسانَ. فضّلوها على وَصايا لُقْمانَ. وحفِظوها كما تُحفَظُ أمّ القُرْآنِ. حتى إنّهُمْ لَيَروْنَها إلى الآنَ. أوْلى ما لقّنوهُ الصّبيانَ. وأنفَعَ لهُمْ منْ نِحلَةِ العِقيانِ.

حسن خليل
21-11-10, 04:25 PM
المقامة الساوية للحريري


حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: آنَسْتُ منْ قلْبي القَساوَةَ. حينَ حللْتُ ساوَةَ. فأخذْتُ بالخبَرِ المأثورِ. في مُداواتِها بزِيارَةِ القُبورِ. فلمّا صِرْتُ إلى محلّةِ الأمْواتِ. وكِفاتِ الرُفاتِ. رأيتُ جمْعاً على قبْرٍ يُحْفَرُ. ومجْنوزٍ يُقبَرُ. فانْحَزْتُ إليْهِمْ متفكّراً في المآلِ. متذكّراً مَنْ درجَ منَ الآلِ. فلما ألحَدوا المَيْتَ. وفاتَ قوْلُ لَيْتَ. أشرفَ شيخٌ من رُباوَةٍ. متخصّراً بهِراوَةٍ. وقدْ لفّعَ وجهَه برِدائِهِ. ونكّر شخْصَهُ لدَهائِهِ. فقال: لمِثْلِ هذا فلْيَعْمَلِ العامِلونَ. فادّكِروا أيّها الغافِلونَ. وشمِّروا أيّها المقَصّرونَ. وأحْسِنوا النّظَرَ أيه المتبصّرونَ! ما لكُمْ لا يَحْزُنُكمْ دفْنُ الأتْرابِ. ولا يهولُكُمْ هيْلُ التّرابِ؟ ولا تعْبأونَ بنَوازِلِ الأحْداثِ. ولا تستَعِدّونَ لنُزولِ الأجْداثِ؟ ولا تستعْبِرونَ لعَينٍ تدْمَعُ. ولا تعتَبرونَ بنَعْيٍ يُسمَعُ؟ ولا ترْتاعونَ لإلْفٍ يُفقَدُ. ولا تلْتاعونَ لمناحَةٍ تُعْقَدُ؟ يشيِّعُ أحدُكُمْ نعْشَ الميْتِ. وقلْبُهُ تِلْقاءَ البيتِ. ويشهَدُ مُواراةَ نسيبِه. وفِكْرُهُ في استِخْلاصِ نصيبِه. ويُخَلّي بينَ وَدودِه ودُودِه. ثمّ يخْلو بمِزْمارِهِ وعودِهِ. طالَما أسِيتُمْ على انْثِلامِ الحَبّةِ. وتناسَيتُمُ اخْتِرامَ الأحبّةِ. واستَكَنْتُمْ لاعتِراضِ العُسرةِ. واستَهَنْتُمْ بانقِراضِ الأُسرَةِ. وضحِكْتُمْ عندَ الدّفْنِ. ولا ضحِكَكُمْ ساعةَ الزَّفْنِ. وتبخْتَرْتُمْ خلفَ الجنائِزِ. ولا تبخْتُرَكُمْ يومَ قبْضِ الجوائِزِ. وأعْرَضْتُمْ عنْ تعْديدِ النّوادِبِ. إلى إعْدادِ المآدِبِ. وعنْ تحرُّقِ الثّواكِلِ. إلى التّأنُّقِ في المآكِلِ. لا تُبالونَ بمَنْ هوَ بالٍ. ولا تُخْطِرونَ ذِكرَ الموتِ ببالٍ. حتى كأنّكُمْ قد علِقتُمْ منَ الحِمامِ. بذِمامٍ. أو حصَلْتُمْ منَ الزّمانِ. على أمانٍ. أو وثِقْتُمْ بسلامةِ الذّاتِ. أو تحقّقْتُمْ مُسالَمَة هادِمِ اللّذّاتِ. كَلاّ ساء ما تتوهّمونَ. ثمّ كلاّ سوفَ تعلَمونَ! ثمّ أنشدَ:

أيا مَن يدّعي الفَـهْـمْ *** إلى كمْ يا أخا الوَهْـمْ


تُعبّي الـذّنْـبَ والـذمّ *** وتُخْطي الخَطأ الجَـمّ


أمَا بانَ لـكَ الـعـيْبْ *** أمَا أنْـذرَكَ الـشّـيبْ


وما في نُصحِـهِ ريْبْ *** ولا سمْعُكَ قـدْ صـمّ


أمَا نادَى بكَ الـمـوتْ *** أمَا أسْمَعَك الصّـوْتْ


أما تخشَى من الفَـوْتْ *** فتَحْـتـاطَ وتـهـتـمْ


فكمْ تسدَرُ في السهْـوْ *** وتختالُ من الـزهْـوْ


وتنْصَبُّ إلى الـلّـهـوْ *** كأنّ الموتَ مـا عَـمّ


وحَـتّـام تَـجـافـيكْ *** وإبْـطـاءُ تـلافـيكْ


طِباعاً جمْعـتْ فـيكْ *** عُيوباً شمْلُها انْـضَـمّ


إذا أسخَطْـتَ مـوْلاكْ *** فَما تقْلَـقُ مـنْ ذاكْ


وإنْ أخفَقَ مسـعـاكْ *** تلظّيتَ مـنَ الـهـمّ


وإنْ لاحَ لكَ النّـقـشْ *** منَ الأصفَرِ تهـتَـشّ


وإن مرّ بك النّـعـشْ *** تغامَـمْـتَ ولا غـمّ


تُعاصي النّاصِحَ البَـرّ *** وتعْـتـاصُ وتَـزْوَرّ


وتنْقـادُ لـمَـنْ غَـرّ *** ومنْ مانَ ومـنْ نَـمّ


وتسعى في هَوى النّفسْ *** وتحْتالُ على الفَـلْـسْ


وتنسَى ظُلمةَ الرّمـسْ *** ولا تَـذكُـرُ مـا ثَـمّ


ولوْ لاحظَـكَ الـحـظّ *** لما طاحَ بكَ اللّـحْـظْ


ولا كُنتَ إذا الـوَعـظْ *** جَلا الأحزانَ تغْـتَـمّ


ستُذْري الدّمَ لا الدّمْـعْ *** إذا عايَنْتَ لا جـمْـعْ


يَقي في عَرصَةِ الجمعْ *** ولا خـالَ ولا عــمّ


كأني بـكَ تـنـحـطّ *** إلى اللحْدِ وتـنْـغـطّ


وقد أسلمَك الـرّهـطْ *** إلى أضيَقَ مـنْ سـمّ


هُناك الجسمُ مـمـدودْ *** ليستـأكِـلَـهُ الـدّودْ


إلى أن ينخَرَ الـعـودْ *** ويُمسي العظمُ قـد رمّ


ومنْ بـعْـدُ فـلا بُـدّ *** منَ العرْضِ إذا اعتُـدّ


صِراطٌ جَـسْـرُهُ مُـدّ *** على النارِ لـمَـنْ أمّ


فكمْ من مُرشـدٍ ضـلّ *** ومـنْ ذي عِـزةٍ ذَلّ


وكم مـن عـالِـمٍ زلّ *** وقال الخطْبُ قد طـمّ


فبادِرْ أيّها الـغُـمْـرْ *** لِما يحْلو بـهِ الـمُـرّ


فقد كادَ يهي العُـمـرْ *** وما أقلعْـتَ عـن ذمّ


ولا ترْكَنْ إلى الدهـرْ *** وإنْ لانَ وإن ســرّ


فتُلْفى كمـنْ اغـتَـرّ *** بأفعى تنفُـثُ الـسـمّ


وخفّضْ منْ تـراقـيكْ *** فإنّ المـوتَ لاقِـيكْ


وسارٍ فـي تـراقـيكْ *** وما ينـكُـلُ إنْ هـمّ


وجانِبْ صعَرَ الـخـدّ *** إذا ساعـدَكَ الـجـدّ


وزُمّ اللـفْـظَ إنْ نـدّ *** فَما أسـعَـدَ مَـنْ زمّ


ونفِّسْ عن أخي البـثّ *** وصـدّقْـهُ إذا نــثّ


ورُمّ العـمَـلَ الـرثّ *** فقد أفـلـحَ مَـنْ رمّ


ورِشْ مَن ريشُهُ انحصّ *** بما عمّ ومـا خـصّ


ولا تأسَ على النّقـصْ *** ولا تحرِصْ على اللَّمّ


وعادِ الخُلُـقَ الـرّذْلْ *** وعوّدْ كفّـكَ الـبـذْلْ


ولا تستمِـعِ الـعـذلْ *** ونزّهْها عنِ الـضـمّ


وزوّدْ نفسَكَ الـخـيرْ *** ودعْ ما يُعقِبُ الضّـيرْ


وهيّئ مركبَ الـسّـيرْ *** وخَفْ منْ لُـجّةِ الـيمّ


بِذا أُوصـيتُ يا صـاحْ *** وقد بُحتُ كمَـن بـاحْ


فطوبى لـفـتًـى راحْ *** بآدابـــيَ يأتَـــمّ

ثمّ حسرَ رُدنَهُ عن ساعِدٍ شديدِ الأسْرِ. قد شدّ علَيهِ جبائِرَ المكْرِ لا الكسْرِ. متعرّضاً للاستِماحةِ. في مِعرَضِ الوقاحَةِ. فاختلَبَ بهِ أولئِكَ المَلا. حتى أتْرَعَ كُمّهُ ومَلا. ثمّ انحدَرَ من الرّبوةِ. جذِلاً بالحَبوةِ. قال الراوي: فجاذَبْتُه منْ وَرائِهِ. حاشيَةَ رِدائِهِ. فالتَفَتَ إليّ مُستسلِماً. وواجهَني مُسلِّماً. فإذا هوَ شيخُنا أبو زيدٍ بعينِه. ومَينِهِ. فقلتُ له:

إلى كمْ يا أبا زيدْ *** أفانينُكَ في الكيدْ


ليَنحاشَ لكَ الصيدْ *** ولا تعْبا بمَنْ ذمّ

فأجابَ من غيرِ استِحْياء. ولا ارْتِياء. وقال:

تبصّـرْ ودعِ الـلـوْمْ *** وقُلْ لي هل تَرى اليومْ


فتًى لا يقمُـرُ الـقـومْ *** متى ما دَسـتُـهُ تـمّ

فقلتُ لهُ: بُعداً لك يا شيخَ النّارِ. وزامِلَةَ العارِ! فَما مَثلُكَ في طُلاوَةِ علانِيَتِك. وخُبثِ نيّتِك. إلا مثَلُ رَوْثٍ مفضَّضٍ. أو كَنيفٍ مبيَّضٍ. ثمّ تفرّقْنا فانطلَقْتُ ذاتَ اليَمين وانطلقَ ذات الشِّمالِ. وناوَحْتُ مهَبّ الجَنوبِ وناوحَ مهبّ الشَّمالِ.

حسن خليل
21-11-10, 04:27 PM
المقامة السمرقندية للحريري


أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: استَبْضَعْتُ في بعضِ أسْفاريَ القَنْدَ. وقصدْتُ سمَرْقَنْدَ. وكنتُ يومَئِذٍ قَويمَ الشّطاطِ. جَمومَ النّشاطِ. أرْمي عنْ قوْسِ المِراحِ. إلى غرَضِ الأفْراحِ. وأسْتَعينُ بماء الشّبابِ. على ملامِحِ السّرابِ. فوافَيْتُها بُكْرَةَ عَروبَةَ. بعْدَ أن كابَدتُ الصّعوبَةَ. فسَعَيْتُ وما ونَيْتُ. إلى أنْ حصَلَ البيْتُ. فلمّا نقَلْتُ إليْهِ قَنْدي. وملكْتُ قوْلَ عِندي. عُجْتُ إلى الحَمّامِ على الأثرِ. فأمَطْتُ عني وعْثاءَ السّفرِ. وأخذْتُ في غُسْلِ الجُمْعَةِ بالأثَرِ. ثمّ بادَرْتُ في هَيْئَةِ الخاشعِ. إلى مسجِدِها الجامِعِ. لألْحَقَ بمَنْ يَقْرُبُ منَ الإمامِ. ويقرِّبُ أفضَلَ الأنْعامِ. فحَظيتُ بأنْ جلّيْتُ في الحَلْبَةِ. وتخيّرْتُ المركَزَ لاستِماعِ الخُطبةِ. ولم يزَلِ النّاسُ يدخُلونَ في دينِ اللهِ أفْواجاً. ويرِدونَ فُرادَى وأزْواجاً. حتى إذا اكْتَظّ الجامِعُ بحفْلِهِ. وأظَلّ تَساوي الشّخْصِ وظِلّهِ. برزَ الخَطيبُ في أُهْبَتِهِ. مُتهادِياً خلْفَ عُصبَتِهِ. فارْتَقى في مِنبَرِ الدّعوةِ. إلى أن مثَلَ بالذّروَةِ. فسلّمَ مُشيراً باليَمينِ. ثم جلَسَ حتى خُتِمَ نظْمُ التأذينِ. ثمّ قامَ وقال: الحمدُ للهِ الممْدوحِ الأسْماء. المحْمودِ الآلاء. الواسعِ العَطاء. المدْعُوّ لحَسْمِ اللأواء. مالِكِ الأمَمِ. ومصوِّرِ الرّمَمِ. وأهْلِ السّماحِ والكرَمِ. ومُهلِكِ عادٍ وإرَمَ. أدْرَكَ كلَّ سِرٍ عِلمهُ. ووَسِعَ كلَّ مُصِرٍ حِلمُهُ. وعَمّ كلَّ عالَمٍ طَوْلُهُ. وهدّ كلَّ ماردٍ حولُهُ. أحمَدُهُ حمْدَ موَحِّدٍ مُسلِمٍ. وأدعوهُ دُعاءَ مؤمِّلٍ مسَلِّمٍ. وهوَ اللهُ لا إلهَ إلا هوَ الواحِدُ الأحَدُ. العادِلُ الصّمَدُ. لا ولَدَ له ولا والِد. ولا رِدْءَ معَه ولا مُساعِد. أرسَلَ محمّداً للإسْلامِ ممَهِّداً. وللمِلّةِ موطِّداً. ولأدِلّةِ الرّسُلِ مؤكِّداً. وللأسْوَدِ والأحْمَرِ مُسَدِّداً. وصَلَ الأرْحامَ. وعلّمَ الأحْكامَ. ووسَمَ الحَلالَ والحَرامَ. ورسَمَ الإحْلالَ والإحْرامَ. كرّمَ اللهُ محَلَّهُ. وكمّلَ الصّلاةَ والسّلامَ لهُ. ورحِمَ آلَهُ الكُرَماء. وأهلَهُ الرُحَماء. ما همَرَ رُكامٌ. وهدَرَ حَمامٌ. وسرَحَ سَوامٌ. وسَطا حُسامٌ. اعْمَلوا رَحِمَكُمُ اللهُ عمَلَ الصُلَحاء. واكْدَحوا لمَعادِكُمْ كدْحَ الأصِحّاء. وارْدَعوا أهْواءكُمْ ردْعَ الأعْداء. وأعِدّوا للرّحلَةِ إعدادَ السُعَداء. وادّرِعوا حُلَلَ الورَعِ. وداوُوا عِلَلَ الطّمَعِ. وسوّوا أوَدَ العمَلِ. وعاصُوا وساوِسَ الأمَلِ. وصوّروا لأوْهامِكُمْ حُؤولَ الأحْوالِ. وحُلولَ الأهْوال. ومُسوَرَةَ الأعْلالِ. ومُصارَمَةَ المالِ والآلِ. وادّكِروا الحِمامَ وسَكْرَةَ مصْرَعِهِ. والرّمْسَ وهوْلَ مُطّلَعِهِ. واللّحْدَ ووحْدَةَ مودَعِهِ. والمَلَكَ وروْعَةَ سؤالِهِ ومَطْلَعِهِ. والمَحوا الدّهْرَ ولؤمَ كَرّهِ. وسوءَ مِحالِهِ ومَكْرِهِ. كمْ طمَسَ مَعلَماً. وأمرّ مطْعَماً. وطحْطَحَ عرَمْرَماً. ودمّرَ ملِكاً مُكَرَّماً. همُّهُ سكُّ المسامِعِ. وسحُّ المَدامِعِ. وإكْداءُ المطامعِ. وإرْداءُ المُسمِعِ والسّامِعِ. عمّ حُكمُهُ المُلوكَ والرَّعاعَ. والمَسودَ والمُطاعَ. والمحْسودَ والحُسّادَ. والأساوِدَ والآسادَ. ما موّلَ إلا مالَ. وعكَسَ الآملَ. وما وصَلَ إلا وصالَ. وكلَمَ الأوْصالَ. ولا سَرّ إلا وساء. ولَؤمَ وأساء. ولا أصَحّ إلا ولّدَ الدّاءَ. ورَوّعَ الأوِدّاء. اللهَ اللهَ. رَعاكُمُ اللهُ! إلامَ مُداومَةُ اللّهْوِ. ومُواصَلَةُ السّهْوِ؟ وطولُ الإصْرارِ. وحمْلُ الآصارِ؟ واطّراحُ كَلامِ الحُكَماء. ومُعاصاةُ إلهِ السّماء؟ أمَا الهَرَمُ حصادُكُمْ. والمَدَرُ مِهادُكُمْ! أمَا الحِمامُ مُدرِكُكُمْ. والصّراطُ مَسلَكُكُمْ! أمَا الساعَةُ موعِدُكُكمْ. والساهِرةُ مورِدُكُمْ! أمَا أهْوالُ الطّامّةِ لكُمْ مُرصَدَةٌ. أمَا دارُ العُصاةِ الحُطَمَةُ المؤصَدَةُ! حارِسُهُمْ مالِكٌ. ورواؤهُمْ حالِكٌ. وطَعامُهُمْ السّمومُ. وهواؤهُمُ السَّمومُ. لا مالَ أسعدَهُمْ ولا ولَدَ. ولا عدَدَ حَماهُمْ ولا عُدَدَ. ألا رَحِمَ اللهُ امْرَأً ملكَ هَواهُ. وأمَّ مسالِكَ هُداهُ. وأحْكَمَ طاعَةَ موْلاهُ. وكدَحَ لرَوحِ مَأواهُ. وعمِلَ ما دامَ العُمرُ مُطاوِعاً. والدهْرُ مُوادِعاً. والصّحةُ كامِلَةً. والسّلامَةُ حاصِلَةً. وإلا دهَمَهُ عدَمُ المَرامِ. وحصَرُ الكَلامِ. وإلمامُ الآلامِ. وحُمومُ الحِمامِ. وهُدُوُّ الحَواسّ. ومِراسُ الأرْماسِ. آهاً لها حسْرَةً ألَمُها مؤكّدٌ. وأمَدُها سَرْمَدٌ. ومُمارِسُها مُكمَدٌ! ما لوَلَهِهِ حاسِمٌ. ولا لسَدمِهِ راحِمٌ. ولا لهُ ممّا عَراهُ عاصمٌ! ألْهَمَكُمُ اللهُ أحمَدَ الإلْهامِ. وردّاكُمْ رِداءَ الإكْرامِ. وأحلّكُمْ دارَ السّلامِ! وأسألُهُ الرحْمَةَ لكُمْ ولأهلِ مِلّةِ الإسلامِ. وهوَ أسمَحُ الكِرامِ. والمُسَلِّمُ والسّلامُ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُ الخُطبَةَ نُخبةً بلا سَقَطٍ. وعَروساً بغيرِ نُقَطٍ. دَعاني الإعجابُ بنمَطِها العَجيبِ. إلى استِجْلاء وجْهِ الخَطيبِ. فأخَذْتُ أتوَسّمهُ جِدّاً. وأقلّبُ الطّرْفَ فيهِ مُجِدّاً. إلى أنْ وضحَ لي بصِدْقِ العلاماتِ. أنه شيخُنا صاحِبُ المَقاماتِ. ولم يكُنْ بُدٌّ منَ الصّمتِ. في ذلِك الوقْتِ. فأمسَكْتُ حتى تحلّلَ منْ الفَرْضِ. وحلّ الانتِشارُ في الأرضِ. ثمّ واجهْتُ تِلقاءهُ. وابتَدَرْتُ لِقاءَهُ. فلما لحظَني خفّ في القِيامِ. وأحْفى في الإكْرامِ. ثمّ استَصْحَبَني إلى دارِه. وأوْدَعَني خصائِصَ أسْرارِه. وحينَ انتشَر جَناحُ الظّلامِ. وحانَ ميقاتُ المَنامِ. أحضرَ أباريقَ المُدامِ. معكومَةً بالفِدامِ. فقلتُ: أتَحْسوها أمامَ النّومِ. وأنتَ إمامُ القوْمِ؟ فقال: مَهْ أنا بالنّهارِ خطيبٌ. وباللّيْلِ أطِيبُ! فقلتُ: واللهِ ما أدْري أأعْجَبُ من تسَلّيكَ عنْ أُناسِكَ. ومسقَطِ راسِكَ. أم منْ خِطابَتِكَ مع أدناسِكَ. ومَدارِ كاسِكَ؟ فأشاحَ بوجهِهِ عني. ثم قال اسمَعْ مني:

لا تبْكِ إلْـفـاً نـأى ولا دارا *** ودُرْ مع الدّهرِ كيفَـمـا دارا


واتّخِذِ الناسَ كُلّهُـمْ سـكَـنـاً *** ومثّلِ الأرضَ كـلّـهـا دارا


واصْبِرْ على خُلْقِ مَنْ تُعاشِرُهُ *** ودارِهِ فاللّـبـيبُ مـنْ دارى


ولا تُضِعْ فُرصَةَ السّرورِ فما *** تدْري أيَوْماً تـعـيشُ أمْ دارا


واعْلَمْ بأنّ الـمَـنـونَ جـائِلَةٌ *** وقدْ أدارَتْ على الوَرى دارا


وأقسَمَتْ لا تَـزالُ قـانِـصَةً *** ما كرّ عَصرا المَحْيا وما دارا


فكيفَ تُرْجى النّجاةُ من شرَكٍ *** لم ينْجُ منهُ كِسْـرى ولا دارا

قال: فلمّا اعْتَوَرتْنا الكُؤوس. وطرِبَتِ النّفوسُ. جرّعَني اليَمينَ الغَموسَ. على أنْ أحفظَ عليْهِ الناموسَ. فاتّبعْتُ مَرامَهُ. ورعيْتُ ذِمامَهُ. ونزّلْتُهُ بينَ الملإ منزِلَةَ الفُضَيْلِ. وسدَلْتُ الذّيْلَ. على مَخازي اللّيْلِ. ولمْ يزَلْ ذلِكَ دأبَهُ ودَابي. إلى أنْ تهيّأ إيابي. فودّعْتُهُ وهوَ مصرٌّ على التّدْليسِ. ومُسِرٌّ حسْوَ الخَنْدَريسِ.

حسن خليل
21-11-10, 04:28 PM
المقامة السنجارية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: قفَلتُ ذاتَ مرّةٍ منَ الشامِ. أنحو مدينةَ السّلامِ. في ركبٍ من بني نُمَيرٍ. ورُفقَةٍ أولي خيرٍ ومَيرٍ. ومعَنا أبو زيدٍ السّروجيُّ عُقلَةُ العَجْلانِ. وسَلْوَةُ الثّكْلانِ. وأُعجوبَةُ الزّمانِ. والمُشارُ إليْهِ بالبَنانِ. في البَيانِ. فصادَفَ نزولُنا سِنْجارَ. أنْ أوْلَمَ بها أحدُ التّجارِ. فدَعا إلى مأدُبَتِه الجَفلى. من أهلِ الحضارةِ والفَلا. حتى سرَتْ دعوتُهُ إلى القافِلَةِ. وجمَعَ فيها بينَ الفَريضةِ والنّافِلَةِ. فلمّا أجَبْنا مُنادِيَهُ. وحللْنا نادِيَهُ. أحضَرَ منْ أطعِمَةِ اليدِ واليَدَيْنِ. ما حَلا في الفَمِ وحَليَ بالعَينِ. ثمّ قدّمَ جاماً كأنّما جُمّدَ من الهَواء. أو جُمِعَ منَ الهَباء. أو صِيغَ منْ نورِ الفضاء. أو قُشِرَ منَ الدُرّةِ البيضاء. وقد أودِعَ لَفائِفَ النّعيمِ. وضُمّخَ بالطّيبِ العَميمِ. وسيقَ إليْهِ شِرْبٌ منْ تسْنيمٍ. وسفَرَ عنْ مرْأًى وسيمٍ. وأرَجِ نَسيمٍ. فلمّا اضطَرَمَتْ بمحْضَرِهِ الشّهَواتُ. وقرِمَتْ إلى مخْبَرِهِ اللّهَواتُ. وشارَفَ أنْ تُشَنّ على سِرْبِهِ الغاراتُ. ويُنادَى عندَ نهْيِهِ: يا للثّاراتِ! نشَزَ أبو زيدٍ كالمجْنونِ. وتباعَدَ عنهُ تباعُدَ الضّبّ منَ النّونِ. فراوَدناهُ على أن يعودَ. وأنْ لا يكونَ كقُدارٍ في ثمودَ. فقال: والذي يُنشِرُ الأمْواتَ منَ الرِّجامِ. لا عُدْتُ دونَ رفْعِ الجامِ. فلمْ نجِدْ بُدّاً منْ تألُّفِهِ. وإبْرارِ حَلِفِهِ. فأشَلْناهُ والعُقولُ معَهُ شائِلَةٌ. والدّموعُ علَيْهِ سائِلَةٌ. فلمّا فاءَ إلى مجْثمِهِ. وخلَصَ منْ مأثَمِهِ. سألناهُ لمَ قامَ. ولأيّ معنًى استرْفَعَ الجامَ؟ فقال: إنّ الزّجاجَ نَمّامٌ. وإني آليتُ مُذْ أعوامٍ. أنْ لا يضُمّني ونموماً مَقامٌ. فقُلنا لهُ: وما سبَبُ يَمينِكَ الصِّرّى. وألِيّتِكَ الحرّى؟ فقال: إنهُ كانَ لي جارٌ لسانُهُ يتقرّبُ. وقلبُهُ عقْرَبٌ. ولفظُهُ شهدٌ ينقَعُ. وخَبْؤهُ سمٌ منقَعٌ. فمِلْتُ لمُجاورَتِهِ. إلى مُحاورَتِهِ. واغتَرَرْتُ بمُكاشَرَتِهِ. في مُعاشرَتِهِ. واستهْوَتْني خُضرَةُ دمْنَتِهِ. لمُنادَمَتِهِ. وأغرَتْني خُدْعَةُ سمَتِهِ. بمُناسمَتِهِ. فمازَجْتُهُ وعندي أنّهُ جارٌ مُكاسرٌ. فبانَ أنّهُ عُقابٌ كاسِرٌ. وأنَسْتُهُ على أنهُ حِبٌ مؤانِسٌ. فظهرَ أنهُ حُبابٌ مؤالِسٌ. ومالحْتُهُ ولا أعلَمُ أنهُ عندَ نقْدِهِ. ممّنْ يُفرَحُ بفَقْدِه. وعاقرْتُهُ ولم أدْرِ أنهُ بعدَ فرّهِ. ممّنْ يُطرَبُ لمَفرّهِ. وكانتْ عندي جاريةٌ. لا يوجَدُ لها في الجَمالِ مُجاريَةٌ. إنْ سفرَتْ خجِلَ النّيِّرانِ. وصَلِيَتِ القُلوبُ بالنّيرانِ. وإنْ بسَمَتْ أزْرَتْ بالجُمانِ. وبيعَ المرْجانُ. بالمجّانِ. وإنْ رنَتْ هيّجَتِ البلابِلَ. وحقّقَتْ سحْرَ بابِلَ. وإنْ نطقَتْ عقَلَتْ لُبّ العاقِلِ. واستنْزَلَتِ العُصْمَ من المعاقِلِ. وإنْ قرأتْ شفَتِ المفْؤودَ. وأحيَتِ الموؤودَ. وخِلْتَها أُوتِيَتْ منْ مَزاميرِ آلِ داودَ. وإنْ غنّتْ ظلّ معبَدٌ لها عبْداً. وقيلَ: سُحْقاً لإسْحَقَ وبُعْداً! وإنْ زمرَتْ أضحى زُنامٌ عندَها زَنيماً. بعدَ أن كان لجيلِهِ زعيماً. وبالإطْرابِ زعيماً. وإنْ رقصَتْ أمالَتِ العَمائِمَ عنِ الرؤوسِ. وأنستْكَ رقْصَ الحبَبِ في الكؤوسِ. فكُنتُ أزدَري معَه حُمْرَ النَّعَمِ. وأُحَلّي بتمَلّيها جيدَ النِّعَمِ. وأحْجُبُ مرْآها عنِ الشّمسِ والقمَرِ. وأذودُ ذِكْراها عنْ شرائِعِ السّمَرِ. وأنا معَ ذلِكَ أُليحُ. منْ أن تسْري برَيّاها ريحٌ. أو يَكهُنَ بها سَطيحٌ. أو ينمّ علَيْها برْقٌ مُليحٌ. فاتّفَقَ لوشْلِ الحظّ المبْخوسِ. ونكْدِ الطّالِعِ المنْحوسِ. أنْ أنْطَقَتْني بوصْفِها حُمَيّا المُدامِ. عندَ الجارِ النّمّامِ. ثمّ ثابَ الفهْمُ. بعدَ أن صرِدَ السّهْمُ. فأحسَسْتُ الخبالَ والوَبالَ. وضَيعَةَ ما أُودِعَ ذلِكَ الغِرْبالُ. بيدَ أني عاهدْتُهُ على عكْمِ ما لفظْتُهُ. وأنْ يحفَظَ السّرَّ ولوْ أحفَظْتُهُ. فزعَمَ أنهُ يخزُنُ الأسرارَ. كما يخزُنُ اللّئيمُ الدّينارَ. وأنهُ لا يهتِكُ الأسْتارَ. ولو عُرِّضَ لأنْ يلِجَ النارَ. فما إنْ غبَرَ على ذلِكَ الزّمانِ. إلا يومٌ أو يومانِ. حتى بَدا إلى أميرِ تِلكَ المَدَرَةِ. وواليها ذي المَقدُرةِ. أنْ يقصِدَ بابَ قَيلِهِ. مجدِّداً عرْضَ خيلِهِ. ومُستَمطِراً عارِضَ نيلِهِ. وارْتادَ أنْ تصحَبَهُ تُحْفَةٌ تُلائِمُ هواهُ. ليُقدّمَها بينَ يدَيْ نجْواهُ. وجعلَ يبذُلُ الجعائلَ لروّادِهِ. ويُسنّي المراغِبَ لمَنْ يُظْفِرُهُ بمُرادِهِ. فأسَفّ ذلِكَ الجارُ الختّارُ إلى بُذولِهِ. وعصى في ادّراغِ العارِ عذْلِ عَذولِهِ. فأتى الوالي ناشِراً أذُنَيْهِ. وأبثّهُ ما كُنتُ أسرَرْتُهُ إليْهِ. فما راعَني إلا انسِيابُ صاغِيَتِه إليّ. وانثِيالُ حفَدَتِهِ عليّ. يَسومُني إيثارَهُ بالدُرّةِ اليَتيمةِ. على أنْ أتحكّمَ عليْهِ في القِيمةِ. فغَشِيَني منَ الهمّ. ما غشِيَ فِرعَونَ وجنودَهُ منَ اليَمّ. ولمْ أزلْ أدافِعُ عنها ولا يُغْني الدّفاعُ. وأستَشفِعُ إليْهِ ولا يُجْدي الاستِشْفاعُ. وكلّما رأى منّي ازدِيادَ الاعْتِياصِ. وارتِيادَ المَناصِ. تجرّمَ وتضرّمَ. وحرّقَ عليّ الأُرَّمَ. ونفْسي معَ ذلِكَ لا تسمَحُ بمُفارَقَةِ بدْري. ولا بأنْ أنزِعَ قلْبي منْ صدري. حتى آلَ الوَعيدُ إيقاعاً. والتّقريعُ قِراعاً. فقادَني الإشْفاقُ منَ الحَينِ. إلى أن قِضْتُهُ سوادَ العَينِ. بصُفرةِ العَينِ. ولم يحْظَ الواشي بغيرِ الإثْمِ والشَّينِ. فعاهدتُ اللهَ تَعالى مُذْ ذلِك العهْدِ. أنْ لا أُحاضِرَ نمّاماً منْ بعْدُ. والزّجاجُ مخصوصٌ بهذِه الطّباعِ الذّميمةِ. وبهِ يُضرَبُ المثَلُ في النّميمةِ. فقدْ جرى عليْهِ سيْلُ يميني. ولذلِكُمُ السّببِ لمْ تمْتَدّ إلَيْهِ يَميني:

فلا تعذِلوني بعدَما قـد شـرحـتُـهُ *** على أنْ حُرِمْتمْ بي اقتِطافَ القطائِفِ


فقد بانَ عُذري في صَنيعي وإنّـنـي *** سأرْتُقُ فَتقي من تَليدي وطـارِفـي


على أنّ ما زوّدْتُكُـمْ مـن فُـكـاهَةٍ *** ألذُّ من الحُلْوى لـدَى كـل عـارِفِ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقبِلْنا اعتِذارَهُ. وقبّلنا عِذارَهُ. وقُلْنا لهُ: قِدْماً وقذَتِ النّميمةُ خيرَ البشَرِ. حتى انتشَرَ عنْ حمّالةِ الحطبِ ما انتشَرَ. ثمّ سألْناهُ عما أحدَثَ جارُهُ القَتّاتُ. ودُخْلُلُهُ المُفْتاتُ. بعدَ أن راشَ لهُ نبْلَ السّعايَةِ. وجذَمَ حبْلَ الرّعايةِ. فقال: أخذَ في الاستِخْداء والاستِكانَةِ. والاستِشْفاعِ إليّ بذَوي المكانةِ. وكنتُ حرّجتُ على نفسي. أنْ لا يستَرْجِعَهُ أُنْسي. أو يرْجِع إليّ أمْسي. فلمْ يكُنْ لهُ مني سِوى الردّ. والإصْرارِ على الصّدّ. وهوَ لا يكتَئِبُ منَ النّجْهِ. ولا يتّئِبُ منْ وقاحةِ الوجهِ. بلْ يُلِطّ بالوَسائِلِ. ويُلحّ في المسائِلِ. فما أنقذَني منْ إبْرامِهِ. ولا أبْعَدَ عليْهِ نَيْلَ مَرامِهِ. إلا أبياتٌ نفثَ بها الصّدرُ الموتورُ. والخاطرُ المبْتورُ. فإنّها كانتْ مَدْحَرَةً لشيطانِهِ. ومسجَنَةً لهُ في أوطانِهِ. وعندَ انتِشارِها بتّ طَلاقَ الحُبورِ. ودَعا بالويْلِ والثّبورِ. ويَئِسَ منْ نشْرِ وصْلي المقْبورِ. كم يئِسَ الكُفّارُ منْ أصحابِ القُبورِ. فناشَدْناهُ أنْ يُنشِدَنا إيّاها. ويُنشِقنا ريّاها. فقال: أجَلْ. خُلِقَ الإنسانُ منْ عجَلٍ. ثمّ أنشدَ لا يَزْويهِ خجَلٌ. ولا يثْنيهِ وجَلٌ:

ونَديمٍ محَضْتُـهُ صِـدْقَ ودّي *** إذْ توهّمْتُهُ صَديقاً حَمـيمـا


ثمّ أولَـيتُـهُ قَـطـيعةَ قـالٍ *** حينَ ألفَيتُهُ صَديداً حَمـيمـا


خِلتُهُ قبلَ أنْ يجـرَّبَ إلْـفـاً *** ذا ذِمامٍ فبانَ جِلْفـاً ذَمـيمـا


وتخيّرْتُهُ كليمـاً فـأمْـسـى *** منهُ قلْبي بما جَناهُ كَلـيمـا


وتظنّيْتُهُ مُعـينـاً رَحـيمـاً *** فتبيّنتُهُ لَـعـينـاً رَجـيمـا


وتراءَيْتُهُ مُـريداً فـجـلّـى *** عنهُ سَبْكي لهُ مَريداً لَـئيمـا


وتوسّمْتُ أنْ يهُبّ نَـسـيمـاً *** فأبى أن يهُبّ إلا سَمـومـا


بِتُّ من لسْعِهِ الذي أعجزَ الرّا *** قي سَليماً وباتَ مني سَليمـا


وبَدا نهجُهُ غَداةَ افتـرَقْـنـا *** مُستَقيماً والجسمُ مني سَقيمـا


لم يكنْ رائِعاً خَصيباً ولـكِـنْ *** كان بالشرّ رائِعاً لي خَصيما


قلتُ لمّا بلَوْتُـهُ لـيتَـهُ كـا *** نَ عديماً ولمْ يكُنْ لي نَديمـا


بغّضَ الصّبْحَ حينَ نمّ إلى قلْ *** بي لأنّ الصّباحَ يُلْفى نَموما


ودَعاني إلى هوَى الليلِ إذْ كا *** نَ سوادُ الدُجى رَقيباً كَتومـا


وكفى مَنْ يَشي ولوْ فاهَ بالصّدْ *** قِ أثاماً فيما أتـاهُ ولـومـا

قال: فلمّا سمِعَ ربُّ البيتِ قَريضَهُ وسجْعَهُ. واستمْلَحَ تقريظَهُ وسبْعَهُ. بوّأهُ مِهادَ كرامَتِهِ. وصدّرَهُ على تكرِمتِهِ. ثم استحْضَرَ عشْرَ صِحافٍ منَ الغرَبِ. فيها حَلْواءُ القَنْدِ والضّرْبِ. وقال لهُ: لا يستَوي أصحابُ النّارِ وأصحابُ الجَنّةِ. ولا يسَعُ أنْ يُجعَلَ البَريءُ كذي الظِّنّةِ. وهذهِ الآنِيةُ تتنزّلُ منزلَةَ الأبْرارِ. في صوْنِ الأسْرارِ. فلا تولِها الإبْعادَ. ولا تُلحِقْ هوداً بعادَ. ثم أمر خادمَهُ بنقْلِها إلى مثْواهُ. ليحْكُمَ فيها بما يهْواهُ. فأقبلَ عليْنا أبو زيدٍ وقال: اقرأوا سورةَ الفتْحِ. وأبشِروا باندِمالِ القرْحِ. فقدْ جبرَ اللهُ ثُكْلَكُمْ. وسنّى أكْلكُمْ. وجمعَ في ظِلّ الحَلْواء شمْلَكُمْ. وعسَى أنْ تكرَهوا شيئاً وهوَ خيرٌ لكُمْ. ولمّا همّ بالانصِرافِ. مالَ إلى استِهداء الصِّحافِ. فقال للآدِبِ: إنّ من دلائِلِ الظّرْفِ. سماحَةَ المُهدي بالظّرْفِ. فقال: كلاهُما لكَ والغُلمُ. فاحذِفِ الكلامَ. وانهضْ بسَلامٍ. فوثبَ في الجوابِ. وشكرَهُ شُكْرَ الرّوضِ للسّحابِ. ثمّ اقْتادَنا أبو زيْدٍ إلى حِوائِهِ. وحكّمَنا في حَلْوائهِ. وجعلَ يقلّبُ الأواني بيَدِهِ. ويفُضّ عدَدَها على عدَدِه. ثمّ قال: لستُ أدري أأشكو ذلِك النّمّامَ أم أشكُرُ. وأتناسَى فَعْلَتَهُ التي فعلَها أم أذكُرُ؟ فإنهُ وإنْ كان أسْلَفَ الجريمَةَ. ونمْنَمَ النّميمَةَ. فمِنْ غيمِهِ انهلّتْ هذِهِ الدّيمَةُ. وبسيفِهِ انحازَتْ هذه الغَنيمةُ. وقد خطرَ ببالي. أن أرْجِعَ إلى أشْبالي. وأقنَعَ بما تسنّى لي. وأنْ لا أُتعِبَ نفْسي ولا أجْمالي. وأنا أودّعُكُمْ وداعَ مُحافِظٍ. وأستودِعُكُمْ خيرَ حافِظٍ. ثمّ اسْتَوى على راحِلَتِهِ. راجِعاً في حافرَتِه. ولاوِياً إلى زافِرَتِهِ. فغادَرَنا بعدَ أنْ وخدَتْ عنْسُهُ. وزايَلَنا أُنْسُهُ. كدَسْتٍ غابَ صدرُهُ. أو ليلٍ أفَلَ بدْرُهُ.

حسن خليل
21-11-10, 04:32 PM
المقامة الشتوية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عشَوْتُ في ليلَةٍ داجِيَةِ الظُّلَمِ. فاحِمَةِ اللِّمَمِ. إلى نارٍ تُضْرَمُ على علَمٍ. وتُخبِرُ عن كرَمٍ. وكانتْ ليلَةً جوُّها مَقرورٌ. وجَيْبُها مَزْرورٌ. ونجمُها مغْمومٌ. وغيمُها مرْكومٌ. وأنا فيها أصْرَدُ منْ عينِ الحِرْباء. والعَنْزِ الجَرْباء. فلمْ أزلْ أنُصّ عنْسي. وأقولُ: طوبى لكِ ولَنفْسي! إلى أن تبصّرَ المُوقِدُ آلي. وتبيّنَ إرْقالي. وتبيّنَ إرْقالي. فانحدَرَ يعْدو الجَمَزَى. ويُنشِدُ مُرتَجِزاً:

حُيّيتَ منْ خابِـطِ لـيْلٍ سـاري * * * هَداهُ بلْ أهْداهُ ضـوءُ الـنـارِ


الى رَحيبِ الباعِ رحْـبِ الـدّارِ * * * مرحِّبٍ بالطّارِقِ المُـمْـتـارِ


تَرْحابَ جعْدِ الكفّ بـالـدّينـارِ * * * ليسَ بـمُـزْوَرٍّ عـنِ الـزُوّارِ


ولا بمِعْتامِ الـقِـرى مِـئْخـارِ * * * إذا اقشَعرّتْ تُرَبُ الأقْـطـارِ


وضَنّتِ الأنـواءُ بـالأمْـطـارِ * * * فهْوَ على بؤسِ الزّمانِ الضّاري * * *


جمُّ الرّمادِ مرهَفُ الـشِّـفـارِ * * * لمْ يخْلُ في لـيلٍ ولا نَـهـارِ


من نحْرِ وارٍ واقتِـداحِ وارِي

ثمّ تلقّاني بمُحيّا حَييٍّ. وصافَحَني براحَةِ أريَحِيٍّ. واقْتادَني إلى بيتٍ عِشارُهُ تخورُ. وأعْشارُهُ تفورُ. وولائِدُهُ تمورُ. وموائِدُهُ تدورُ. وبأكْسارِهِ أضْيافٌ قدْ جلبَهُم جالِبي. وقُلّبوا في قالَبي. وهُمْ يجتَنونَ فاكِهةَ الشّتاء. ويمرَحونَ مرَحَ ذَوي الفَتاء. فأخذْتُ مأخذَهُمْ في الاصطِلاء. ووجدْتُ بهِمْ وجْدَ الثّمِلِ بالطِّلاء. ولمّا أنْ سَرى الحصَرُ. وانْسَرى الخَصَرُ. أُتينا بمَوائِدَ كالهالاتِ دَوْراً. والرّوْضاتِ نَوْراً. وقد شُحنّ بأطْعِمَةِ الوَلائمِ. وحُمينَ منَ العائِبِ واللائِمِ. فرفَضْنا ما قيلَ في البِطنَةِ. ورأيْنا الإمْعانَ فيها منَ الفِطنَةِ. حتى إذا اكتَلْنا بصاعِ الحُطَمِ. وأشْفَيْنا على خطَرِ التُخَمِ. تعاوَرْنا مَشوشَ الغمَرِ. ثمّ تبوّأنا مقاعِدَ السّمَرِ. وأخذَ كُلُّ واحِدٍ منا يَشولُ بلِسانِهِ. وينشُرُ ما في صِوانِهِ. ما عَدا شيخاً مُشتَهِباً فَوْداهُ. مُخلَوْلِقاً بُرْداهُ. فإنّهُ ربَضَ حَجرَةً. وأوسَعَنا هِجرَةً. فغاظَنا تجنّبُهُ. المُلتَبِسُ موجِبُهُ. المعْذورُ فيهِ مؤنّبُهُ. إلا أنّا ألَنّا لهُ القوْلَ. وخشِينا في المسألَةِ العوْلَ. وكلّما رُمْنا أنْ يَفيضَ كما فِضْنا. أو يُفيضَ في ما أفَضْنا. أعْرَضَ إعْراضَ العِلّيّةِ عنِ الأرْذَلينَ. وتَلا: إنْ هذا إلا أساطيرُ الأوّلينَ. ثمّ كأنّ الحَميّةَ هاجَتْهُ. والنّفْسَ الأبيّةَ ناجَتْهُ. فدلَفَ وازْدَلَفَ. وخلعَ الصّلَفَ. وبذلَ أنْ يتَلافى ما سلَفَ. ثمّ استرْعى سمْعَ السّامِرِ. واندفَعَ كالسّيلِ الهامِرِ. وقال:

عِندي أعاجيبُ أرْويهـا بـلا كـذِبِ * * * عنِ العِيانِ فكَنّوني أبا الـعـجَـبِ


رأيتُ يا قوْمِ أقْـوامـاً غـذاؤهُـمُ * * * بَوْلُ العجوزِ وما أعني ابنَةَ العِنَـبِ


ومُسنِتِينَ منَ الأعْـرابِ قـوتُـهُـمُ * * * أن يشتووا خِرقةً تُغني من السّغَـبِ


وقادِرينَ متى ما ساء صُـنـعُـهُـمُ * * * أو قصّروا فيه قالوا الذّنْبُ للحطَبِ


وكاتِبينَ وما خطّـتْ أنـامِـلُـهُـمْ * * * حرْفاً ولا قرَأوا ما خُطّ في الكُتُـبِ


وتابِعينَ عُقابـاً فـي مـسـيرِهِـمِ * * * على تكمّيهِمِ في البيْضِ والـيَلَـبِ


ومُنتَدينَ ذَوي نُـبْـلٍ بـدَتْ لـهُـمُ * * * نبيلَةٌ فانْثَنوْا منهـا الـى الـهـرَبِ


وعُصبَةً لمْ ترَ البيْتَ العَتـيقَ وقـدْ * * * حجّتْ جُثِيّاً بلا شكٍّ على الـرُّكَـبِ


ونِسوَةً بعدَما أدْلجـنَ مـن حـلَـبٍ * * * صبّحنَ كاظِمَةً من غيرِ ما تـعَـبِ


ومُدلِجينَ سرَوْا من أرضِ كاظِـمَةٍ * * * فأصبَحوا حينَ لاحَ الصُبحُ في حلَبِ


ويافِعاً لـم يُلامِـسْ قـطُّ غـانِـيَةً * * * شاهَدتُهُ ولهُ نسلٌ مـنَ الـعَـقِـبِ


وشائِباً غيرَ مُخْفٍ للمَـشـيبِ بَـدا * * * في البَدْوِ وهْوَ فتيُّ السِّنّ لم يشِـبِ


ومُرضَعاً بلِبـانٍ لـمْ يفُـهْ فـمُـهُ * * * رأيتُهُ في شِجارٍ بـيّنِ الـسّـبَـبِ


وزارِعاً ذُرَةً حتـى إذا حُـصِـدَتْ * * * صارتْ غُبَيراء يهواها أخو الطّرَبِ


وراكِباً وهْوَ مغلولٌ عـلـى فـرَسٍ * * * قد غُلّ أيضاً وما ينفكّ عن خـبَـبِ


وذا يدٍ طُـلُـقٍ يقْـتـادُ راحِــلَةً * * * مُستَعجِلاً وهْوَ مأسورٌ أخو كُـرَبِ


وجالِساً ماشياً تـهْـوي مـطـيّتُـهُ * * * بهِ وما في الذي أوْرَدتُ مـن رِيَبِ


وحائكاً أجْذَمَ الـكـفّـينِ ذا خـرَسٍ * * * فإن عجبتمْ فكمْ في الخَلقِ من عجَبِ * * *


وذا شَطاطٍ كصدرِ الرّمحِ قامَـتُـهُ * * * صادَفتُهُ بمِنًى يشكو منَ الـحـدَبِ


وساعياً في مـسَـرّاتِ الأنـامِ يرى * * * إفْراحَهُمْ مأثماً كالظُّلـمِ والـكـذِبِ


ومُغْرَماً بمُنـاجـاةِ الـرّجـالِ لـهُ * * * وما له في حديثِ الخلقِ مـن أرَبِ


وذا ذِمامٍ وفَتْ بالـعَـهْـدِ ذمّـتُـهُ * * * ولا ذِمامَ لهُ في مذهَبِ الـعـرَبِ


وذا قُوًى ما اسْتبانَتْ قـطّ لِـينَـتُـهُ * * * ولِينُهُ مُستَبينٌ غـيرُ مُـحـتـجِـبِ


وساجداً فوقَ فحْلٍ غيرَ مـكـتـرِثٍ * * * بِماأتى بلْ يراهُ أفضـلَ الـقُـرَبِ


وعاذِراً مؤلِمـاً مَـنْ ظـلّ يعـذِرُهُ * * * معَ التّلطّفِ والمعذورُ في صخَـبِ


وبلْدَةً ما بهـا مـاءٌ لـمُـغـتَـرِفٍ * * * والماءُ يجري عليْها جرْيَ مُنسـرِبِ


وقريةً دونَ أُفحوصِ القطا شُحنـتْ * * * بديلمٍ عشيهُمْ من خُلسَةِ الـسّـلَـبِ


وكوْكَباً يتَـوارى عـنـدَ رؤيتـهِ ال * * * إنسانُ حتى يُرَى في أمنَعِ الحُجُـبِ


وروْثَةً قوّمَـتْ مـالاً لـهُ خـطَـرٌ * * * ونفْسُ صاحِبِها بالمالِ لـم تـطِـبِ


وصحفَةً من نُضارٍ خالصٍ شُـريتْ * * * بعدَ المِكاسِ بقيراطٍ مـن الـذّهـبِ


ومُستَجيشاً بخشْخـاشٍ لـيدفـعَ مـا * * * أظَلّهُ مـنْ أعـاديهِ فـلـمْ يخِـبِ


وطالَما مرّ بي كلبٌ وفـي فـمـهِ * * * ثورٌ ولـكـنّـهُ ثـورٌ بـلا ذنَـبِ


وكمْ رأى ناظِير فيلاً علـى جـمَـلٍ * * * وقد تورّكَ فوقَ الرّحْلِ والـقـتَـبِ


وكم لَقيتُ بعرْضِ البيدِ مُشـتـكـياً * * * وما اشتكى قطّ في جِدٍّ وفي لعِـبِ


وكنتُ أبصـرْتُ كـرّازاً لـراعِـيَةٍ * * * بالدّوّ ينظُرُ من عينَينِ كالـشُـهُـبِ


وكم رأتْ مُقلَتي عينَينِ مـاؤهُـمـا * * * يجري من الغَرْبِ والعَينانِ في حلَبِ


وصادِعاً بالقَنا من غيرِ أن علِـقَـتْ * * * كفّاهُ يوماً بـرُمْـحٍ لا ولـمْ يثِـبِ


وكم نزلْتُ بأرضٍ لا نَخـيلَ بـهـا * * * وبعدَ يوم رأيتُ البُسرَ في القُـلُـبِ


وكم رأيتُ بأقْطارِ الفَـلا طـبَـقـاً * * * يطيرُ في الجوّ منصَبّاً إلى صـبَـبِ


وكم مشايخَ فـي الـدُنْـيا رأيتُـهُـمُ * * * مخَلَّدينَ ومَنْ ينْجو من الـعـطَـبِ


وكم بدا لي وحْشٌ يشتكي سـغَـبـاً * * * بمنطِقٍ ذلِقٍ أمضى منَ القُـضُـبِ


وكم دَعانيَ مُستَنْـجٍ فـحـادثَـنـي * * * وما أخَلّ ولا أخْـلَـلْـتُ بـالأدَبِ


وكم أنختُ قَلوصي تحت جُـنـبُـذَةٍ * * * تُظلّ ما شئتَ من عُجمٍ ومن عُـرُبِ


وكم نظرْتُ إلى منع سُرّ ساعَـتَـهُ * * * ودمعُهُ مستَهِلُّ القطرِ كالـسُّـحُـبِ


وكم رأيتُ قَميصاً ضرّ صـاحِـبَـهُ * * * حتى انثنَى واهيَ الأعضاء والعصَبِ * * *


وكمْ إزارٍ لوَ انّ الدهـرَ أتـلَـفَـهُ * * * لجفّ لِبْدُ حَثيثِ السيرِ مُضـطـرِبِ


هذا وكمْ منْ أفـانـينٍ مـعـجِّـبَةٍ * * * عندي ومن مُلَحٍ تُلهي ومن نُـخَـبِ


فإنْ فطِنتمْ للَحنِ القوْلِ بـان لـكُـمْ * * * صِدْقي ودلّكُمُ طلْعي على رُطَبـي


وإنْ شُدِهتُمْ فإنّ العارَ فـيهِ عـلـى * * * منْ لا يُمَيّزُ بينَ العودِ والـخـشَـبِ

قال الحارثُ بنُ همّام: فطفِقْنا نخبِطُ في تقْليبِ قَريضِهِ. وتأويلِ مَعاريضِهِ. وهوَ يلهو بِنا لهْوَ الخليّ بالشّجيّ. ويقول: ليسَ بعُشّكِ فادْرُجي. إلى أن تعسّرَ النّتاجُ. واستحْكَمَ الارْتجاجُ. فألْقَينا إليْهِ المَقادَةَ. وخطَبْنا منهُ الإفادَةَ. فوقَفْنا بينَ المَطمَعِ والياسِ. وقال: الإيناسف قبلَ الإبْساسِ! فعلِمنا أنهُ ممّنْ يرغَبُ في الشُّكْمِ. ويرْتَشي في الحُكْمِ. وساء أبا مثْوانا أنْ نعرَّضَ للغُرْمِ. أو نُخَيَّبَ بالرُّغْمِ. فأحْضَرَ صاحِبُ المنزِلِ ناقةً عِيديّةً. وحُلّةً سَعيديّةً. وقال له: خُذْهُما حَلالاً. ولا ترْزأ أضْيافي زِبالاً. فقال: أشهَدُ أنها شِنشِنَةٌ أخزَميّةٌ. وأريَحيّةٌ حاتِميّةٌ. ثم قابلَنا بوجهٍ بِشرُهُ يشِفّ. ونَضْرَتُهُ ترِفّ. وقال: يا قوْمِ إنّ الليْلَ قدِ اجْلَوّذَ. والنّعاسَ قدِ استحْوَذَ. فافْزَعوا إلى المَراقِدِ. واغتَنِموا راحَةَ الرّاقِدِ. لتَشرَبوا نَشاطاً. وتُبعَثوا نِشاطاً. فتَعوا ما أفَسّرُ. ويتسهّلَ لكُمُ المتعسِّرُ. فاسْتَصوَبَ كلٌ ما رآهُ. وتوسّد وِسادَةَ كَراهُ. فلمّا وسَنَتِ الأجْفانُ. وأغْفَتِ الضِّيفانُ. وثبَ إلى النّاقَةِ فرحَلَها. ثمّ ارتَحَلَها ورحّلَها. وقال مُخاطِباً لها: سَروجَ يا ناقَ فَسيري وخِـدِي * * * وأدْلِجـي وأوّبـي وأسْـئِدي

حتى تَطا خُفّاكِ مرْعاها النّدي * * * فتَنعَمي حينَئذٍ وتَـسـعَـدي


وتأمَني أنْ تُتْهِمي وتُنْـجِـدي * * * إيهِ فدَتكِ النّوقُ جِدّي واجهَدي * * *


وافْرِي أديمَ فدْفَـدٍ فـفَـدْفَـدِ * * * واقْتَنِعِي بالنّشْحِ عندَ المـوْرِدِ


ولا تَحُطّي دونَ ذاكَ المَقصِـدِ * * * فقدْ حلَفْتُ حَلفَةَ المُجتَـهِـدِ


بحُرمَةِ البيتِ الرّفيعِ العُـمُـدِ * * * إنّكِ إنْ أحلَلْتِني في بـلَـدي


حللْتِ منّي بمحَـلّ الـولَـدِ

قل: فعلِمْتُ أنهُ السّروجيُّ الذي إذا باعَ انْباعَ. وإذا ملأ الصّاعَ انْصاعَ. ولمّا انبلَجَ صَباحُ اليومِ. وهبّ النّوّامُ منَ النّومِ. أعلَمتُهُمْ أن الشيخَ حينَ أغْشاهُمُ السُباتَ. طلّقَهُمُ البَتاتَ. وركِبَ النّاقَةَ وفاتَ. فأخذَهُم ما قَدُمَ وما حَدُثَ. ونَسوا ما طابَ منهُ بِما خبُثَ. ثمّ انشَعَبْنا في كلّ مشْعَبٍ. وذهبْنا تحْتَ كُلّ كوكَبٍ.

حسن خليل
21-11-10, 04:40 PM
المقامة الشعرية للحريري


حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نَبا بي مألَفُ الوطَنِ. في شرْخِ الزّمنِ. لخَطْبٍ خُشِيَ. وخوفٍ غشِيَ. فأرَقْتُ كأسَ الكَرى. ونصَصْتُ رِكابَ السُّرَى. وجُبْتُ في سَيْري وُعوراً لم تُدَمّثْها الخُطى. ولا اهتَدَتْ إليْها القَطا. حتى ورَدْتُ حِمَى الخِلافَةِ. والحرَمَ العاصمَ من المَخافةِ. فسرَوْتُ إيجاسَ الرّوْعِ واستِشْعارَهُ. وتسرْبَلْتُ لِباسَ الأمْنِ وشِعارَهُ. وقصَرْتُ همّي على لذّةٍ أجتَنيها. ومُلْحَةٍ أجْتَليها. فبرَزْتُ يوْماً إلى الحريمِ لأرُوضَ طِرْفي. وأُجيلَ في طُرْقِهِ طَرْفي. فإذا فُرْسانٌ مُتتالونَ. ورِجالٌ مُنثالونَ. وشيْخٌ طويلُ اللّسانِ. قصيرُ الطّيلَسانِ. قد لَبّبَ فتًى جَديدَ الشّبابِ. خلَقَ الجِلْبابِ. فركضْتُ في إثْرِ النّظّارَةِ. حتى وافَيْنا بابَ الإمارَةِ. وهُناكَ صاحِبُ المَعونَةِ مربِّعاً في دَسْتِهِ. ومُروِّعاً بسَمْتِهِ. فقالَ لهُ الشيخُ: أعَزَّ اللهُ الواليَ. وجعلَ كعْبَهُ العاليَ. إني كفَلْتُ هذا الغُلامَ فَطيماً. وربّيتُهُ يَتيماً. ثمّ لمْ آلُهُ تعْليماً. فلمّا مهَرَ وبَهَرَ. جرّدَ سيْفَ العُدْوانِ وشَهَرَ. ولمْ إخَلْهُ يلْتَوي عليّ ويتّقِحُ. حينَ يرتَوي مني ويلْتَقِحُ. فقالَ لهُ الفتى: عَلامَ عثَرْتَ مني. حتى تنشُرَ هذا الخِزْيَ عني؟ فوَاللهِ ما ستَرْتُ وجْهَ بِرّكَ. ولا هتَكْتُ حِجابَ سِتْرِكَ. ولا شقَقْتُ عَصا أمرِكَ. ولا ألغَيْتُ تِلاوَةَ شُكْرِكَ. فقالَ لهُ الشيخُ: ويْلَكَ وأيُّ رَيْبٍ أخْزى منْ رَيْبِكَ. وهلْ عيبٌ أفحَشُ منْ عيبِكَ؟ وقدِ ادّعيتَ سِحْري واستَلْحَقتَهُ. وانتحَلْتَ شِعْري واستَرَقتَهُ؟ واستِراقُ الشّعرِ عندَ الشّعراء. أفظَعُ منْ سرِقَةِ البَيْضاء والصّفْراء. وغَيرَتُهُمْ على بَناتِ الأفكارِ. كغيرَتِهِمْ على البَناتِ الأبكارِ. فقالَ الوالي للشّيخِ: وهلْ حينَ سرَقَ سلَخَ أم مسخَ. أم نسَخَ؟ فقال: والذي جعلَ الشّعْرَ ديوانَ العرَبِ. وتَرْجُمانَ الأدَبِ. ما أحْدَثَ سوى أن بتَرَ شمْلَ شرْحِهِ. وأغارَ على ثُلُثَيْ سَرْحِهِ. فقال لهُ: أنْشِدْ أبياتَكَ برمّتِها. ليتّضِحَ ما احتازَهُ منْ جُملَتِها. فأنشدَ:

يا خاطِبَ الدّنيا الـدّنِـيّةِ إنّـهـا *** شرَكُ الرّدى وقَرارَةُ الأكـدارِ


دارٌ متى ما أضْحكتْ في يومِها *** أبْكَتْ غداً بُعْداً لهـا مـنْ دارِ


وإذا أظَلّ سَحابُها لم ينـتَـقِـعْ *** منْه صدًى لجَهامِـهِ الـغـرّارِ


غاراتُها ما تنْقَضي وأسـيرُهـا *** لا يُفتَدى بجـلائِلِ الأخْـطـارِ


كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها حتى بَـدا *** متمَرّداً مُتجـاوِزَ الـمِـقْـدارِ


قلَبَتْ لهُ ظهْرَ المِجَنّ وأولَغَـتْ *** فيهِ المُدى ونزَتْ لأخْذِ الـثّـارِ


فارْبأ بعُمرِكَ أن يمُرّ مُضَـيَّعـاً *** فيها سُدًى من غيرِ ما استِظهارِ


واقطَعْ علائِقَ حُبّها وطِلابِـهـا *** تلْقَ الهُدى ورَفـاهَةَ الأسْـرارِ


وارْقُبْ إذا ما سالَمتْ من كيدِها *** حرْبَ العَدى وتوثُّبَ الـغَـدّارِ


واعْلَمْ بأنّ خُطوبَها تفْجـا ولـوْ *** طالَ المدى ووَنَتْ سُرى الأقدارِ

فقال لهُ الوالي: ثمّ ماذا. صنعَ هذا؟ فقال: أقْدَمَ للُؤمِهِ في الجَزاء. على أبْياتيَ السُداسيّةِ الأجْزاء. فحذَفَ منها جُزءينِ. ونقَصَ منْ أوزانِها وزْنَينِ. حتى صارَ الرُّزْء فيها رُزْءينِ. فقالَ له: بيّنْ ما أخذَ. ومنْ أينَ فلَذَ؟ فقال: أرْعِني سمْعَكَ. وأخْلِ للتّفَهُّمِ عني ذرْعَكَ. حتى تتبيّنَ كيفَ أصْلَتَ عليّ. وتقْدُرَ قدْرَ اجْتِرامِهِ إليّ. ثم أنْشَدَ. وأنفاسُهُ تتصعّد:

يا خاطِبَ الدّنيا الدّنِيّـ *** ـةِ إنّها شرَكُ الرّدى


دارٌ متى ما أضْحكت *** في يومِها أبْكَتْ غدا


وإذا أظَلّ سَحابُـهـا *** لم ينتَقِعْ منْه صدى


غاراتُها ما تنْقَضـي *** وأسيرُها لا يُفتَـدى


كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها *** حتى بَدا متـمَـرّدا


قلَبَتْ لهُ ظـهْـرَ الـمِـجَـ *** ـنّ وأولَغَتْ فـيهِ الـمُـدى


فارْبأ بعُـمـرِكَ أن يمُـرّ *** مُضَـيَّعـاً فـيهـا سُـدى


واقطَعْ علائِقَ حُبّها وطِلابِها *** تلْــقَ الـــهُـــدى


وارْقُبْ إذا ما سـالَـمـتْ *** من كيدِها حرْبَ الـعَـدى


واعْلَمْ بـأنّ خُـطـوبَـهـا *** تفْجا ولوْ طـالَ الـمـدى

فالتفَتَ الوالي إلى الغُلامِ وقال: تبّاً لكَ منْ خِرّيجٍ مارِقٍ. وتِلميذٍ سارِقٍ! فقالَ الفَتى: برِئْتُ منَ الأدَبِ وبَنيهِ. ولحِقْتُ بمَنْ يُناويهِ. ويقوّضُ مَبانِيهِ. إنْ كانتْ أبياتُهُ نمَتْ إلى عِلْمي. قبلَ أن ألّفْتُ نظْمي. وإنّما اتّفقَ تواردُ الخَواطِرِ. كما قدْ يقَعُ الحافِرُ على الحافِرِ. قال: فكأنّ الواليَ جوّزَ صِدْقَ زعْمِهِ. فندِمَ على بادِرَةِ ذمّهِ. فظَلّ يُفكّرُ في ما يكْشِفُ لهُ عنِ الحقائِقِ. ويميّزُ بهِ الفائِقَ. منَ المائِقِ. فلمْ يرَ إلا أخْذَهُما بالمُناضَلَةِ. ولزّهُما في قرَنِ المُساجَلَةِ. فقالَ لهُما: إنْ أرَدْتُما افتِضاحَ العاطِلِ. واتّضاحَ الحقّ منَ الباطِلِ. فتَراسَلا في النّظْمِ وتبارَيا. وتَجاوَلا في حلبَةِ الإجازَةِ وتجارَيا. ليهْلِكَ منْ هلَكَ عنْ بيّنَةٍ. ويحْيا مَنْ حَيّ عنْ بيّنَةٍ. فقالا بلِسان واحِدٍ. وجَوابٍ متوارِدٍ: قدْ رضينا بسَبْرِكَ. فمُرْنا بأمرِكَ. فقال: إني مولَعٌ من أنواعِ البَلاغَةِ بالتّجْنيسِ. وأراهُ لها كالرّئيسِ. فانظِما الآنَ عشَرَةَ أبياتٍ تُلحِمانِها بوَشْيِهِ. وتُرَصّعانِها بحَلْيهِ. وضمِّناها شرْحَ حالي. معَ إلْفٍ لي بَديعِ الصّفَةِ. ألمَى الشّفَةِ. مَليحِ التّثَنّي. كثيرِ التّيهِ والتّجَنّي. مُغْرًى بتَناسي العهْدِ. وإطالَةِ الصّدّ. وإخْلافِ الوعْدِ. وأنا لهُ كالعَبْدِ. قال: فبرَزَ الشيخُ مُجَلّياً. وتلاهُ الفَتى مُصَلّياً. وتجارَيا بيْتاً فبَيْتاً على هذا النّسَقِ. إلى أن كمُلَ نظْمُ الأبياتِ واتّسَقَ. وهيَ:

وأحْوَى حَوى رِقّي بـرِقّةِ ثـغْـرِهِ *** وغادَرَني إلْفَ السُّـهـادِ بـغَـدْرِهِ


تصدّى لقتْلي بالـصّـدودِ وإنّـنـي *** لَفي أسرِهِ مُذْ حازَ قلبـي بـأسْـرِهِ


أصدّقُ منهُ الزّورَ خـوْفَ ازْوِرارِهِ *** وأرْضى استماعَ الهُجرِ خشية هجْرِهِ


وأستَعْذِبُ التّعْذيبَ منـهُ وكـلّـمـا *** أجَدّ عذابي جَـدّ بـي حُـبّ بِـرّهِ


تَناسى ذِمامي والتّـنـاسـي مـذَمّةٌ *** وأحفَظَ قلْبي وهْوَ حـافِـظُ سِـرّهِ


وأعجَبُ ما فيهِ التّباهي بـعُـجْـبِـهِ *** وأكْبِرُهُ عـنْ أنْ أفـوهَ بـكِـبـرِهِ


لهُ منّيَ المدْحُ الذي طـابَ نـشْـرُهُ *** ولي منهُ طيُّ الوِدّ من بعْدِ نـشْـرِهِ


ولوْ كان عدلاً ما تجنّى وقد جَـنـى *** عليّ وغيري يجتَني رشْفَ ثـغـرِهِ


ولوْلا تثَـنّـيهِ ثـنَـيْتُ أعـنّـتـي *** بِداراً إلى منْ أجْتَلـي نـورَ بـدرِهِ


وإني على تصْريفِ أمـري وأمـرِهِ *** أرى المُرّ حُلواً في انقِيادي لأمـرِهِ

فلمّا أنشَداها الوالي مُتراسِلَينِ. بُهِتَ لذَكاءيْهِما المُتعادِلَينِ. وقال: أشهَدُ باللهِ أنّكُم فرْقَدا سماءٍ. وكزَنْدَينِ في وعاءٍ. وأنّ هذا الحدَثَ ليُنْفِقُ ممّا آتاهُ اللهُ. ويستَغْني بوُجْدِهِ عمّنْ سِواهُ. فتُبْ أيها الشيخُ منِ اتّهامِهِ. وثُبْ إلى إكْرامِهِ. فقالَ الشيخُ: هيهاتَ أن تُراجِعَهُ مِقَتي. أو تعْلَقَ بهِ ثِقَتي! وقدْ بلَوْتُ كُفْرانَهُ للصّنيعِ. ومُنيتُ منهُ بالعُقوقِ الشّنيعِ. فاعتَرَضَهُ الفتى وقال: يا هذا إنّ اللّجاجَ شؤمٌ. والحنَقَ لؤمٌ. وتحقيقَ الظِّنّةِ إثمٌ. وإعْناتَ البَريء ظُلمٌ. وهَبْني اقترَفْتُ جَريرةً. أوِ اجتَرَحْتُ كَبيرةً. أمَا تذْكُرُ ما أنشَدْتَني لنفسِكَ. في إبّانِ أُنسِكَ:

سامِحْ أخاكَ إذا خلَـطْ *** منهُ الإصابَةَ بالغلَـطْ


وتجافَ عنْ تعْنـيفِـه *** إنْ زاغَ يوماً أو قسَطْ


واحفَظْ صَنيعَكَ عنـدَه *** شكرَ الصّنيعَةَ أم غمَطْ


وأطِعْهُ إنْ عاصَى وهُـنْ *** إنْ عَزّ وادْنُ إذا شـحَـطْ


واقْنَ الـوَفـاءَ ولَـوْ أخـ *** ـلّ بما اشترَطْتَ وما شرَطْ


واعْلَمْ بأنّـكَ إن طـلـبْـ *** ـتَ مهذَّباً رُمتَ الشّطَـطْ


منْ ذا الذي مـا سـاء قـ *** ـطُّ ومنْ لهُ الحُسْنى فقـطْ


أوَمَا تَرى المَحْبـوبَ والـ *** مَكروهَ لُزّا فـي نـمَـطْ


كالشّوْكِ يبْدو في الغُصـو *** نِ معَ الجَنيّ المُلتَـقَـطْ


ولَذاذَةُ العُمـرِ الـطّـويـ *** ـلِ يَشوبُها نغَصُ الشّمَـطْ


ولوِ انتقَدْتَ بَنـي الـزّمـا *** نِ وجَدتَ أكثرَهُم سقَـطْ


رُضْتُ البَلاغَةَ والـبَـرا *** عَةَ والشّجاعَةَ والخِطَـطْ


فوجَدتُ أحسـنَ مـا يُرى *** سبْرَ العُلومِ معـاً فـقـطْ

قال: فجعَلَ الشيخُ يُنَضْنِضُ نضْنَضَةَ الصِّلّ. ويُحملِقُ حملَقَةَ البازي المُطِلّ. ثمّ قال: والذي زيّنَ السّماء بالشُّهُبِ. وأنزلَ الماء من السُّحُبِ. ما روْغي عنِ الاصْطِلاحِ. إلا لتَوْقّي الافتِضاحِ. فإنّ هذا الفتى اعْتادَ أن أمونَهُ. وأُراعيَ شُؤونَهُ. وقد كانَ الدهرُ يسُحّ. فلمْ أكُنْ أشُحّ. فأمّا الآنَ فالوقْتُ عَبوسٌ. وحشْوُ العيْشِ بوسٌ. حى إنّ بِزّتي هذه عارَةٌ. وبيْتي لا تَطورُ بهِ فارَةٌ. قال: فرَقّ لمَقالِهما قلبُ الوالي. وأوى لهُما من غِيَرِ اللّيالي. وصَبا إلى اختِصاصِهِما بالإسعافِ. وأمرَ النّظّارَةَ بالانصِرافِ. قال الرّاوي: وكُنتُ متشوّفاً إلى مرْأى الشيخِ لعلّي أعلَمُ عِلمَهُ. إذا عاينْتُ وَسْمَهُ. ولم يكُنِ الزّحامُ يسفِرُ عنْهُ. ولا يُفرَجُ لي فأدنوَ منهُ. فلما تقوّضَتِ الصّفوفُ. وأجفَلَ الوقوفُ. توسّمْتُهُ فإذا هو أبو زيدٍ والفتى فتاهُ. فعرَفْتُ حينئذ مغْزاهُ في ما أتاهُ. وكِدْتُ أنقَضُّ عليهِ. لأستعْرِفَ إلَيهِ. فزجَرَني بإيماضِ طرْفِهِ. واستَوقفَني بإيماء كفّهِ. فلزِمْتُ موقِفي. وأخّرْتُ منصَرَفي. فقال الوالي: ما مَرامُكَ. ولأي سببٍ مُقامُكَ؟ فابتدَرَهُ الشيخُ وقال: إنهُ أنيسي. وصاحِبُ ملْبوسي. فتسمّحَ عندَ هذا القولِ بتأنيسي. ورخّصَ في جُلوسي. ثمّ أفاضَ عليهِما خِلعتَينِ. ووصلَهُما بنِصابٍ منَ العينِ. واستعْهَدَهُما أن يتَعاشَرا بالمعروفِ. إلى إظْلالِ اليوم المَخوفِ. فنَهضا منْ نادِيهِ. مُنشِدَينِ بشُكْرِ أياديهِ. وتبعْتُهُما لأعرِف مثواهُما. وأتزوّدَ من نجْواهُما. فلمّا أجَزْنا حِمى الوالي. وأفضَيْنا إلى الفضاءِ الخالي. أدركَني أحدُ جلاوِزَتِه. مُهيباً بي إلى حوزَتِه. فقلتُ لأبي زيدٍ: ما أظنّهُ استَحْضَرَني. إلا ليَستَخبِرَني. فماذا أقولُ. وفي أيّ وادٍ معَهُ أجولُ؟ فقال: بيّنْ لهُ غَباوَةَ قلبِهِ. وتلْعابي بلُبّهِ. ليعْلَمَ أنّ ريحَهُ لاقَتْ إعصاراً. وجدوَلَهُ صادَفَ تيّاراً. فقلتُ: أخافُ أن يتّقدَ غضَبُهُ. فيلْفَحَكَ لهَبُهُ. أو يستَشْريَ طيْشُهُ. فيسرِيَ إليكَ بطْشُهُ. فقال: إني أرحَلُ الآن إلى الرُّهى. وأنّى يلْتَقي سُهَيلٌ والسُّهَى؟ فلمّا حضرْتُ الواليَ وقد خَلا مجلِسُهُ. وانجلَى تعبُّسُهُ. أخذ يصِفُ أبا زيدٍ وفضلَهُ. ويذُمّ الدهرَ لهُ. ثمّ قال: نشَدْتُك اللهَ ألَسْتَ الذي أعارَهُ الدَّسْتَ؟ فقلت: لا والذي أحلّكَ في هذا الدَّسْتِ. ما أنا بصاحِبِ ذلِك الدّسْتِ. بل أنت الذي تمّ عليهِ الدّسْتُ. فازْوَرّتْ مُقلَتاهُ. واحمرّتْ وجْنَتاهُ. وقال: واللهِ ما أعجزَني قطُّ فضْحُ مُريبٍ. ولا تكْشِيفُ مَعيبٍ. ولكِنْ ما سمِعْتُ بأنّ شيخاً دلّسَ. بعدَما تطلّسَ. وتقلّسَ. فبِهذا تمّ لهُ أنْ لبّسَ. أفتَدْري أينَ سكَعَ. ذلِك اللُّكَعُ؟ قلت: أشفَقَ منْكَ لتَعَدّي طورِهِ. فظعَنَ عنْ بغْدغدَ منْ فورِهِ. فقال: لا قرّبَ اللهُ لهُ نَوى. ولا كلأهُ أينَ ثوَى. فما زاوَلْتُ أشَدّ منْ نُكرِهِ. ولا ذُقْتُ أمَرّ منْ مكْرِهِ. ولوْلا حُرمَةُ أدبِهِ. لأوْغَلْتُ في طلَبِهِ. إلى أن يقَعَ في يَدي فأُوقِعَ به. وإني لأكرَهُ أن تَشيعَ فَعْلتُهُ بمدينةِ السّلامِ. فأفتَضِحَ بينَ الأنامِ. وتحْبَطَ مكانَتي عندَ الإمامِ. وأصيرَ ضُحْكَةً بين الخاصّ والعامّ. فعاهَدني على أن لا أفوهَ بما اعتَمَدَ. ما دُمْتُ حِلاًّ بهذا البلَدِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فعاهدْتُهُ مُعاهدَةَ منْ لا يتأوّلُ. ووَفَيْتُ لهُ كما وَفى السّمَوْألُ.

حسن خليل
21-11-10, 04:42 PM
المقامة الشيرازية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: مرَرْتُ في تَطْوافي بشِيرازَ. علي نادٍ يستَوقِفُ المُجْتازَ. ولوْ كان على أوْفازٍ. فلمْ أستَطِعْ تعَدّيهِ. ولا خطَتْ قدَمي في تخَطّيهِ. فعُجْتُ إليْهِ لأسْبُكَ سِرَّ جوهَرِهِ. وأنظُرَ كيفَ ثمَرُهُ من زَهَرِهِ. فإذا أهْلُهُ أفْرادٌ. والعائِجُ إلَيْهِمْ مُفادٌ. وبينَما نحنُ في فُكاهَةٍ أطْرَبَ منَ الأغاريدِ. وأطيَبَ منْ حلَبِ العَناقيدِ. إذِ احتَفّ بِنا ذو طِمْرَينِ. قد كاد يُناهِزُ العُمْرَينِ. فحيّا بلِسانٍ طَليقٍ. وأبانَ إبانَةَ مِنطيقٍ. ثمّ احتَبى حُبوَةَ المُنتَدينَ. وقال: اللهُمّ اجْعَلْنا منَ المُهتَدينَ. فازْدَراهُ القومُ لطِمْرَيْهِ. ونَسوا أنّ المرءَ بأصغَرَيْهِ. وأخَذوا يتَداعَوْنَ فصْلَ الخِطابِ. ويعْتدّونَ عودَهُ من الأحْطابِ. وهوَ لا يُفيصُ بكلِمَةٍ. ولا يُبينُ عنْ سِمَةٍ. إلى أنْ سبَرَ قرائِحَهُمْ. وخبَرَ شائِلَهُمْ وراجِحَهُمْ. فحينَ استخْرَجَ دفائِنَهُمْ. واستَنْثَلَ كنائِنَهُمْ. قال: يا قومُ لوْ علِمْتُمْ أنّ وراء الفِدامِ. صَفْوَ المُدامِ. لَما احتقَرْتُمْ ذا أخْلاقٍ. وقُلتُمْ ما لَهُ منْ خَلاقٍ! ثمّ فجّرَ منْ ينابيعِ الأدَبِ والنُكَتِ النُّخَبِ. ما جلَبَ بهِ بَدائعَ العجَبِ. واستَوْجَبَ أن يُكتَبَ بذَوْبِ الذّهَبِ. فلمّا خلَبَ كُلَّ خِلْبٍ. وقلَبَ إليْهِ كلَّ قلْبٍ. تحلْحَلَ. ليَرْحَلَ. وتأهّبَ. ليَذْهَبَ. فعلِقَتِ الجماعَةُ بذَيلِهِ. وعاقَتْ مسْرَبَ سيْلِهِ. وقالتْ لهُ: قد أرَيْتَنا وسْمَ قِدْحِكَ. فخبّرْنا عنْ قَيضِكَ ومُحّكَ. فصمَتَ صُموتَ مَنْ أُفحِمَ. ثمّ أعْوَلَ حتى رُحِمَ. قال الراوي: فلما رأيتُ شوْبَ أبي زيدٍ ورَوْبَهُ. وأسلوبَهُ المألوفَ وصَوْبَهُ. تأمّلْتُ الشيخَ على سُهومَةِ مُحَيّاهُ. وسُهوكَةِ ريّاهُ. فإذا هوَ إيّاهُ. فكتَمْتُ سِرّهُ كما يُكتَمُ الداءُ الدّخيلُ. وستَرْتُ مكرَهُ وإنْ لمْ يكُنْ يُخيلُ. حتى إذا نزَعَ عنْ إعْوالِهِ. وقدْ عرَفَ عُثوري على حالِهِ. رمَقَني بعَينِ مِضْحاكٍ. ثمّ طَفِقَ يُنشِدُ بلِسانِ مُتباكٍ:

أستَغْفِرُ الـلـهَ وأعْـنـو لـهُ *** منْ فرَطاتٍ أثقَلَتْ ظَهْـريَهْ


يا قوْمُ كمْ منْ عاتِقٍ عـانـسٍ *** ممدوحَةِ الأوْصافِ في الأنديَهْ


قتَلْتُـهـا لا أتّـقـي وارِثـاً *** يطْلُبُ مـنـي قـوَداً أو دِيَهْ


وكلّما استَذْنَبْتُ في قتْـلِـهـا *** أحَلْتُ بالذّنْبِ على الأقْضِـيَهْ


ولمْ تزَلْ نفسي فـي غَـيّهـا *** وقتْلِها الأبكارَ مُسـتَـشْـرِيَهْ


حتى نَهاني الشّيبُ لـمّـا بَـدا *** في مَفْرِقي عنْ تِلكمُ المَعصِيَهْ


فلمْ أُرِقْ مُذْ شابَ فَوْدي دمـاً *** منْ عاتِقٍ يوماً ولا مُصْـبِـيَهْ


وها أنا الآن علـى مـا يُرى *** مني ومِنْ حِرْفَتي المُـكـدِيَهْ


أرُبُّ بِكْراً طالَ تعْنـيسُـهـا *** وحجْبُها حتى عـنِ الأهـويَهْ


وهْيَ على التّعنيسِ مخطـوبَةٌ *** كخِطبَةِ الغانِيَةِ الـمُـغْـنِـيَهْ


وليسَ يكْفيني لتَـجْـهـيزِهـا *** على الرّضى بالدّونِ إلا مِـيَهْ


واليَدُ لا توكي علـى دِرْهَـمٍ *** والأرضُ قفْرٌ والسّما مُصْحِيَهْ


فهلْ مُعينٌ لي على نقـلِـهـا *** مصْحوبَةً بالقَيْنَةِ المُـلْـهِـيَهْ


فيغْسِلَ الهـمّ بـصـابـونِـهِ *** والقلْبُ من أفكارِهِ المُضْنِـيَهْ


ويقْتَني مني الـثّـنـاءَ الـذي *** تَضُـوعُ ريّاهُ مـعَ الأدْعِـيَهْ

قال الراوي: فلمْ يبْقَ في الجَماعَةِ إلا منْ ندِيَتْ لهُ كفُّهُ. وانْباعَ إليْهِ عُرْفُهُ. فلمّا نجَحَتْ بُغيَتُهُ. وكمَلَتْ مِئَتُهُ. أخذَ يُثْني عليْهِمْ بصالِحٍ. ويشمِّرُ عنْ ساقِ سارحٍ. فتَبِعْتُهُ لأستَعْرِفَ رَبيبَةَ خِدْرِهِ. ومنْ قتَلَ في حِدْثانِ أمرِهِ. فكأنّ وشْكَ قِيامي. مثّلَ لهُ مَرامي. فازْدَلَفَ مني. وقال: افْقَهْ عني:

قتْلُ مِثلي يا صاحِ مزْجُ المُدامِ *** ليسَ قتْلي بلَهْـذَمٍ أو حُـسـامِ


والتي عُنسَتْ هيَ البكرُ بنتُ ال *** كَرْمِ لا البِكْرُ من بَناتِ الكِرامِ


ولتَجْهيزِها إلى الـكـاسِ والـطّـا *** سِ قِيامي الذي تَرى ومُـقـامـي


فتَفَهّـمْ مـا قُـلـتُـهُ وتـحَـكّـمْ *** في التّغاضي إنْ شِئتَ أو في المَلامِ

ثمّ قال: أنا عِرْبيدٌ. وأنتَ رِعْديدٌ. وبيْنَنا بوْنٌ بَعيدٌ. ثمّ ودّعَني وانطَلَقَ. وزوّدَني نظرَةً منْ ذي علَقٍ.

حسن خليل
21-11-10, 04:43 PM
المقامة الصعدية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أصْعَدْتُ إلى صَعْدَةَ. وأنا ذو شَطاطٍ يحْكي الصّعْدَةَ. واشتِدادٍ يبدُرُ بناتِ صَعدةَ. فلمّا رأيتُ نَضرتَها. ورعَيْتُ خُضرتَها. سألتُ نَحاريرَ الرّواةِ. عمّنْ تحْويهِ منَ السَّراةِ. ومعادِنِ الخيْراتِ. لأتّخِذَهُ جَذْوَةً في الظُلُماتِ. ونَجدَةً في الظُّلاماتِ. فنُعِتَ لي قاضٍ بها رحيبُ الباعِ. خَصيبُ الرِّباعِ. تَميميُّ النّسَبِ والطّباعِ. فلمْ أزَلْ أتقرَّبُ إليْهِ بالإلْمامِ. وأتَنَفّقُ عليهِ بالإجْمامِ. حتى صِرْتُ صَدى صَوْتِهِ. وسَلْمانَ بيتِهِ. وكنتُ معَ اشْتِيارِ شَهْدِهِ. وانتِشاقِ رَنْدِهِ. أشْهَدُ مَشاجِرَ الخُصومِ. وأسفِرُ بينَ المَعصومِ منهُمْ والموْصومِ. فبَينَما القاضي جالِسٌ للإسْجالِ. في يومِ المحْفِلِ والاحتِفالِ. إذ دخَلَ شيخٌ بالي الرّياشِ. بادِي الارتِعاشِ. فتبصّرَ الحفْلَ تبصُّرَ نقّادٍ. ثم زعَمَ أنّ لهُ خصْماً غيرَ مُنقادٍ. فلمْ يكُنْ إلا كضَوْء شَرارَةٍ. أو وحْيِ إشارٍَ. حتى أُحضِرَ غُلامٌ. كأنّهُ ضِرْغامٌ. فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ. وعصَمَهُ منَ التّغاضي. إنّ ابْني هذا كالقَلَمِ الرّديّ. والسيفِ الصّدِيّ. يجهَلُ أوْصافَ الإنصافِ. ويرْضَعُ أخلافَ الخِلافِ. إنْ أقدَمتُ أحجَمَ. وإذا أعرَبْتُ أعجَمَ. وإنْ أذْكَيْتُ أخْمَدَ. ومتى شوَيتُ رمّدَ. معَ أنّي كفَلْتُهُ مُذْ دَبّ. إلى أن شبّ. وكنتُ لهُ ألْطَفَ مَنْ ربّى ورَبَّ. فأكْبَرَ القاضي ما شَكا إليْهِ. وأطْرَفَ بهِ منْ حَوالَيْهِ. ثمّ قال: أشْهَدُ أنّ العُقوقَ أحدُ الثُّكْلَينِ. ولَرُبّ عُقْمٍ أقَرُّ للعَينِ. فقالَ الغُلامُ. وقد أمعَضَهُ هذا الكلامُ: والذي نصَبَ القُضاةَ للعدْلِ. وملّكَهُمْ أعِنّةَ الفضْلِ والفَصْلِ. إنّه ما دَعا قَطُّ إلا أمّنْتُ. ولا ادّعى إلا آمَنْتُ. ولا لَبّى إلا أحْرَمْتُ. ولا أوْرَى إلا أضْرَمْتُ. بيْدَ أنهُ كمَنْ يبْغي بيْضَ الأنُوقِ. ويطْلُبُ الطّيَرانَ منَ النّوقِ! فقالَ لهُ القاضي: وبِمَ أعْنَتَكَ. وامتَحَنَ طاعتَكَ؟ قال: إنهُ مُذْ صَفِرَ منَ المالِ. ومُنِيَ بالإمْحالِ. يسومُني أنْ أتلَمّظَ بالسّؤالِ. وأستَمْطِرَ سُحْبَ النّوالِ. ليَفيضَ شِربُهُ الذي غاضَ. وينْجَبرَ منْ حالِهِ ما انْهاضَ. وقد كانَ حينَ أخذَني بالدّرْسِ. وعلّمَني أدَبَ النّفْسِ. أشْرَبَ قلْبي أنّ الحِرْصَ مَتعَبَةٌ. والطّمَعَ معْتَبَةٌ. والشَّرَهُ مَتْخَمَةٌ. والمسألَةَ مَلأمَةٌ. ثمّ أنشدَني منْ فلْقِ فيهِ. ونحْتِ قَوافيهِ:

إرْضَ بأدنى العيشِ واشْكُرْ عليْهِ *** شُكْرَ منِ القُـلُّ كـثـيرٌ لـدَيْهْ


وجانِبِ الحِرصَ الـذي لـم يزَلْ *** يحُطُّ قدْرَ المُـتَـراقـي إلَـيْهْ


وحامِ عنْ عِرضِكَ واستَـبْـقِـهِ *** كما يُحامي اللّيْثُ عنْ لِبْـدتَـيْهْ


واصْبِرْ على ما نابَ مـنْ فـاقَةٍ *** صبْرَ أولي العزْمِ وأغمِضْ عليْهْ


ولا تُرِقْ ماء الـمُـحَـيّا ولـوْ *** خوّلَكَ المسْؤولُ مـا فـي يدَيْهْ


فالحُرُّ مَـنْ إنْ قَـذيَتْ عـينُـهُ *** أخْفى قَذى جَفنَيْهِ عن ناظِـرَيْهْ


ومَـنْ إذا أخْـلَـقَ ديبـاجُــهُ *** لمْ يرَ أنْ يُخْلِـقَ ديبـاجَـتَـيْهْ

قال: فعبَسَ الشيخُ واكفهَرّ. وانْدرَأ على ابنِهِ وهرّّ. وقال لهُ: صَهْ يا عُقَقُ. يا مَنْ هوَ الشّجَى والشَّرَقُ! ويْكَ أتُعَلّمُ أمّكَ البِضاعَ. وظِئْرَكَ الإرْضاعَ؟ لقدْ تحكّكَتِ العقْرَبُ بالأفعى. واستَنّتِ الفِصالُ حتى القَرْعى! ثمّ كأنّهُ ندِمَ على ما فرَطَ منْ فيهِ. وحدَتْهُ المِقَةُ على تَلافِيهِ. فرَنا إلَيْهِ بعينِ عاطِفٍ. وخفضَ لهُ جناحَ مُلاطِفٍ. وقال لهُ: ويْكَ يا بُنيّ إنّ مَنْ أُمِرَ بالقَناعَةِ. وزُجِرَ عنِ الضّراعَةِ. هُمْ أرْبابُ البِضاعَةِ. وأولُو المَكسَبَةِ بالصّناعَةِ. فأمّا ذَوو الضّروراتِ. فقدِ استُثْنيَ بهِمْ في المَحْظوراتِ. وهبْكَ جهِلْتُ هذا التّأويلَ. ولمْ يبلُغْكَ ما قيلَ. ألسْتَ الذي عارَضَ أباهُ. في ما قالَ وما حاباهُ:

لا تقْعُدَنّ على ضُرٍّ ومسْـغَـبَةٍ *** لكيْ يُقالَ عزيزُ النّفسِ مُصطَبِرُ


وانظُرْ بعينِكَ هل أرضٌ مُعطّـلةٌ *** منَ النّباتِ كأرضٍ حفّها الشّجَـرُ


فعَدِّ عمّا تُـشـيرُ الأغْـبِـياءُ بـهِ *** فأيُّ فضْلٍ لعودٍ مـا لـهُ ثـمَـرُ


وارْحَلْ رِكابَكَ عن ربْعٍ ظمئتَ به *** إلى الجَنابِ الذي يَهمي بهِ المطَرُ


واستَنزِلِ الرّيَّ من دَرّ السّحابِ فإنْ *** بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الـظّـفَـرُ


وإنْ رُدِدتَ فما في الرّدّ مَنقَـصَةٌ *** عليكَ قد رُدّ موسى قبلُ والخَضِرُ

قال: فلما أنْ رأى القاضي تَنافيَ قولِ الفتى وفِعلِهِ. وتحلّيَهُ بما ليسَ منْ أهلِهِ. نظَرَ إليْهِ بعَينٍ غَضْبى. وقال: أتَميميّاً مرّةً وقَيسِيّاً أخرى؟ أُفٍّ لمَنْ ينقُضُ ما يَقولُ. ويتلوّنُ كما تتلوّنُ الغولُ! فقال الغُلامُ: والذي جعلَكَ مِفْتاحاً للحَقّ. وفتّاحاً بينَ الخَلْقِ. لقدْ أُنسيتُ مُذْ أسِيتُ. وصَدِئ ذِهْني مُذْ صَديتُ. على أنّهُ أينَ البابُ الفُتُحُ. والعَطاءُ السُّرُحُ؟ وهلْ بقيَ منْ يتبرّعُ باللُّهى. وإذا استُطْعِمَ يقولُ ها؟ فقالَ لهُ القاضي: مَهْ! فمَعَ الخَواطئ سهْمٌ صائِبٌ. وما كُلُّ برْقٍ خالِبٌ. فميّزِ البُروقَ إذا شِمْتَ. ولا تشْهَدْ إلا بما علِمْتَ. فلمّا تبيّنَ للشّيخِ أنّ القاضيَ قدْ غضِبَ للكِرامِ. وأعْظَمَ تبْخيلَ جميعِ الأنامِ. علِمَ أنّهُ سينصُرُ كلِمَتَهُ. ويُظهِرُ أُكرومَتَهُ. فما كذّبَ أنْ نصَبَ شبكَتَهُ. وشوَى في الحَريقِ سمكَتَهُ. وأنْشأ يقول:

يا أيّها القاضي الذي عِلـمُـهُ *** وحِلمُهُ أرسَخُ منْ رَضْـوَى


قدِ ادّعى هَذا على جـهـلِـهِ *** أنْ ليسَ في الدُنيا أخو جَدوى


وما دَرَى أنكَ منْ معـشَـرٍ *** عطاؤهُمْ كالمَنِّ والسّـلْـوى


فجُدْ بِم يَثْنيهِ مُـسـتَـخـزِياً *** مما افتَرى من كذِبِ الدّعوى


وأنثَني جَذْلانَ أُثْـنـي بـمـا *** أولَيتَ من جَدوى ومن عَدوى

قال: فهَشّ القاضي لقولِهِ. وأجزَلَ لهُ منْ طولِهِ. ثمّ لفتَ وجهَهُ إلى الغُلامِ. وقد نصَلَ لهُ أسهُمَ المَلامِ. وقال لهُ: أرأيْتَ بُطْلَ زعْمِكَ. وخطَأَ وهْمِكَ؟ فلا تَعجَلْ بعدَها بذَمّ. ولا تنْحَتْ عوداً قبلَ عجْمٍ. وإيّاكَ وتأبّيكَ. عن مُطاوَعَةِ أبيكَ! فإنّكَ إنْ عُدتَ تعُقُّهُ. حاقَ بكَ مني ما تستحِقُّهُ. فسُقِطَ الفَتى في يدِهِ. ولاذَ بحِقْوِ والِدِهِ. ثمّ نهضَ يُحفِدُ. وتبِعَهُ الشيخُ يُنشدُ:

منْ ضامَهُ أو ضارَهُ دهرُهُ *** فلْيَقْصِدِ القاضيَ في صَعْدَهْ


سمَاحُهُ أزْرى بمَنْ قبـلَـهُ *** وعدْلُهُ أتْعَبَ مَنْ بـعْـدَهْ

قال الرّاوي: فحِرْتُ بينَ تعْريفِ الشيخِ وتنْكيرِهِ. إلى أنِ احْرَورَفَ لمَسيرِهِ. فناجَيْتُ النّفْسَ باتّباعِهِ. ولوْ إلى رِباعِهِ. لعَلّي أظهَرُ على أسرارِهِ. وأعْرِفُ شجرَةَ نارِهِ. فنبَذْتُ العُلَقَ. وانطلَقْتُ حيثُ انطلَقَ. ولم يزَلْ يخْطو وأعْتَقِبُ. ويبْعُدُ وأقتَرِبُ. إلى أن تَراءى الشّخْصانِ. وحقّ التّعارُفُ على الخُلْصانِ. فأبْدى حينَئِذٍ الاهْتِشاشَ. ورفَعَ الارتِعاشَ. وقال: منْ كاذَبَ أخاهُ فلا عاشَ! فعرَفْتُ عندَ ذلِكَ أنهُ السَّروجيُّ بِلا مَحالَةٍ. ولا حُؤولِ حالَةٍ. فأسرَعْتُ إليْهِ لأصافِحَهُ. وأستَعْرِفَ سانِحَهُ وبارِحَهُ. فقال: دونَكَ ابنَ أخيكَ البَرَّ. وترَكَني ومَرَّ. فلمْ يعْدُ الفتَى أنِ افْتَرّ. ثمّ فَرّ كما فَرّ. فعُدْتُ وقد استَبَنْتُ عينَهُما. ولكِنْ أينَ هُما.

حسن خليل
21-11-10, 04:45 PM
المقامة الصنعانية للحريري


حدث الحارث بن همام قال: لما اقتعدت غارب الاغتراب، وأنأتني المتربة عن الأتراب، طوّحت بي طوائحُ الزمنِ. إلى صنْعاء اليَمَنِ. فدَخَلْتُها خاويَ الوِفاضِ. باديَ الإنْفاضِ. لا أملكُ بُلْغَةً. ولا أجِدُ في جِرابي مُضْغَةً. فطَفِقْتُ أجوبُ طُرُقاتِها مِثلَ الهائِمِ. وأجولُ في حَوْماتِها جَوَلانَ الحائِمِ. وأرُودُ في مَسارحِ لمَحاتي. ومَسايِحِ غدَواتي ورَوْحاتي. كريماً أُخْلِقُ لهُ ديباجتي. وأبوحُ إلَيْهِ بحاجتي. أو أديباً تُفَرّجُ رؤيَتُه غُمّتي. وتُرْوي رِوايتُه غُلّتي. حتى أدّتْني خاتمةُ المطافِ. وهدَتْني فاتِحةُ الألْطافِ. إلى نادٍ رَحيبٍ. مُحتَوٍ على زِحامٍ ونَحيبٍ. فوَلَجْتُ غابةَ الجمْعِ. لأسْبُرَ مَجْلَبَةَ الدّمْعِ. فرأيتُ في بُهْرَةِ الحَلْقَةِ. شخْصاً شخْتَ الخِلْقَةِ. عليْهِ أُهْبَةُ السّياحَةِ. وله رنّةُ النِّياحَةِ. وهوَ يطْبَعُ الأسْجاعَ بجواهِرِ لفظِهِ. ويقْرَعُ الأسماعَ بزواجرِ وعْظِهِ. وقدْ أحاطت به أخلاطُ الزُّمَرِ. إحاطَةَ الهالَةِ بالقَمَرِ. والأكْمامِ بالثّمرِ. فدَلَفْتُ إليهِ لأقْتَبِسَ من فوائدِه. وألْتَقِطَ بعْضَ فرائدِه. فسمعتُهُ يقولُ حينَ خبّ في مجالِه. وهَدَرَتْ شَقاشِقُ ارتِجالِه. أيّها السّادِرُ في غُلَوائِهِ. السّادِلُ ثوْبَ خُيَلائِهِ. الجامحُ في جَهالاتِهِ. الجانِحُ إلى خُزَعْبِلاتِه. إلامَ تسْتَمرُّ على غَيّكَ. وتَستَمْرئُ مرْعَى بغْيِكَ؟ وحَتّامَ تتَناهَى في زهوِكَ. ولا تَنْتَهي عن لَهوِكَ؟ تُبارِزُ بمعصيتكَ. مالِكَ ناصِيَتِكَ! وتجْتَرِئُ بقُبْحِ سيرَتِك. على عالِمِ سريرتِكَ! وتَتَوارَى عَن قَريبِكَ. وأنتَ بمرأى رقيبِكَ! وتَستَخْفي مِن ممْلوكِكَ وما تَخْفى خافِيَةٌ على مَليكِكَ! أتَظُنُّ أنْ ستَنْفَعُكَ حالُكَ. إذا آنَ ارتِحالُكَ؟ أو يُنْقِذُكَ مالُكَ. حينَ توبِقُكَ أعمالُكَ؟ أو يُغْني عنْكَ ندَمُكَ. إذا زلّتْ قدَمُكَ؟ أو يعْطِفُ عليْكَ معشَرُكَ. يومَ يضُمّكَ مَحْشَرُكَ؟ هلاّ انتَهَجْتَ مَحَجّةَ اهتِدائِكَ. وعجّلْتَ مُعالجَةَ دائِكَ. وفَلَلْتَ شَباةَ اعتِدائِكَ. وقدَعْتَ نفْسَكَ فهِيَ أكبرُ أعدائِكَ؟ أما الحِمام ميعادُكَ. فما إعدادُكَ؟ وبالمَشيبِ إنذارُكَ. فما أعذارُكَ؟ وفي اللّحْدِ مَقيلُكَ. فما قِيلُكَ؟ وإلى اللّه مَصيرُكَ. فمَن نصيرُكَ؟ طالما أيْقَظَكَ الدّهرُ فتَناعَسْتَ. وجذبكَ الوعْظُ فتقاعستَ! وتجلّتْ لكَ العِبَرُ فتَعامَيْتَ. وحَصْحَصَ لكَ الحقُّ فتمارَيْتَ. وأذْكَرَكَ الموتُ فتناسيتَ. وأمكنَكَ أنْ تُؤاسِي فما آسيْتَ! تُؤثِرُ فِلساً توعِيهِ. على ذِكْرٍ تَعيهِ. وتَختارُ قَصْراً تُعْليهِ. على بِرٍ تُولِيهِ. وتَرْغَبُ عَنْ هادٍ تَسْتَهْدِيهِ . إلى زادٍ تَستَهْديهِ. وتُغلِّبُ حُبّ ثوبٍ تشْتَهيهِ. على ثوابٍ تشْتَريهِ. يَواقيتُ الصِّلاتِ. أعْلَقُ بقَلبِكَ منْ مَواقيتِ الصّلاةِ. ومُغالاةُ الصَّدُقاتِ. آثَرُ عندَكَ من مُوالاةِ الصَّدَقاتِ. وصِحافُ الألْوانِ. أشْهى إلَيْكَ منْ صَحائِفِ الأدْيانِ. ودُعابَةُ الأقرانِ. آنَسُ لكَ منْ تِلاوَةِ القُرْآنِ! تأمُرُ بالعُرْفِ وتَنتَهِكُ حِماهُ. وتَحْمي عنِ النُّكْرِ ولا تَتحاماهُ! وتُزحزِحُ عنِ الظُلْمِ ثمْ تغْشاهُ. وتخْشَى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ! ثمّ أنْشَدَ:


تباً لطالِـبِ دُنْـيا *** ثَنى إلَيها انصِبابَهْ

ما يسْتَفيقُ غَراماً *** بها وفَرْطَ صَبابَهْ

ولوْ دَرى لَكفَـاهُ *** مما يَرومُ صُبابَهْ

ثم إنهُ لبّدَ عَجاجَتَهُ. وغيّضَ مُجاجتَهُ. واعْتَضَدَ شكْوَتَهُ. وتأبّطَ هِراوَتَهُ. فلمّا رنَتِ الجَماعَةُ إلى تحفُّزِهِ. ورأتْ تأهُّبَهُ لمُزايَلَةِ مركَزِهِ. أدْخَلَ كلٌ منهُمْ يدَهُ في جيْبِهِ. فأفْعَمَ لهُ سَجْلاً منْ سَيْبِه. وقال: اصْرِفْ هَذا في نفقَتِكَ. أو فرّقْهُ على رُفْقَتِكَ. فقبِلَهُ منهُم مُغضِياً. وانْثَنى عنْهُم مُثْنِياً. وجعَلَ يودِّعُ مَنْ يُشيّعُهُ. ليَخْفَى علَيْهِ مَهْيَعُهُ. ويُسرّبُ منْ يتْبَعُهُ. لكَيْ يُجْهَلَ مرْبَعُهُ. قال الحارِثُ بنُ هَمّامٍ: فاتّبعْتُهُ مُوارِياً عنْهُ عِياني. وقَفوْتُ أثرَهُ منْ حيثُ لا يَراني. حتّى انْتَهى إلى مَغارَةٍ. فانْسابَ فيها على غَرارَةٍ. فأمْهَلْتُه ريثَما خلَعَ نعْلَيْهِ. وغسَل رِجلَيْهِ. ثمّ هجَمْتُ علَيهِ. فوجدتُهُ مُشافِناً لتِلْميذٍ. على خبْزِ سَميذٍ. وجَدْيٍ حَنيذٍ. وقُبالَتَهُما خابيةُ نبيذٍ. فقلتُ لهُ: يا هذا أيَكونُ ذاكَ خبرَكَ. وهذا مَخْبَرَكَ؟ فزَفَرَ زفْرَةَ القَيْظِ. وكادَ يتميّزُ منَ الغيْظِ. ولمْ يزَلْ يحَمْلِقُ إليّ. حتّى خِفْتُ أن يسطُوَ عليّ. فلمّا أن خبَتْ نارُهُ. وتَوارَى أُوارُهُ. أنْشَد:

لبِسْتُ الخَميصةَ أبغي الخَبيصَـهْ *** وأنْشَبْتُ شِصّيَ في كل شِيصَـه
وصيّرتُ وعْـظـيَ أُحـبـولَةً *** أُريغُ القَنيصَ بها والقَـنـيصَـه
وألْجأني الدّهْرُ حتـى ولَـجْـتُ *** بلُطْفِ احتِيالي على اللّيثِ عيصَه
على أنّني لـم أهَـبْ صـرفَـهُ *** ولا نبَضَتْ لي مِنْـهُ فَـريصَـه
ولا شرَعت بي عـلـى مَـورِدٍ *** يُدنّسُ عِرضيَ نفْسٌ حَـريصَـه
ولو أنْصَفَ الدّهرُ في حُكـمِـهِ *** لَما ملّكَ الحُكْمَ أهلَ النّقـيصَـه


ثمّ قال ليَ: ادْنُ فكُلْ. وإنْ شِئْتَ فقُم وقُلْ. فالتَفَتّ إلى تِلميذِه وقُلتُ: عزَمْتُ عليْكَ بمَن تستَدفِعُ بهِ الأذى. لتُخْبرَنّي مَنْ ذا. فقال: هذا أبو زيْدٍ السَّروجيُّ سِراجُ الغُرَباء. وتاجُ الأدَباء. فانصرَفْتُ من حيثُ أتيتُ. وقضَيْتُ العجَبَ ممّا رأيْتُ.

حسن خليل
21-11-10, 04:47 PM
المقامة الصورية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّام قال: ارْتَحلْتُ من مدينةِ المنصورِ. إلى بلدَةِ صورٍ. فلمّا حصلْتُ به ذا رِفعَةٍ وخفْضٍ. ومالِكَ رفْعٍ وخفضٍ. تُقْتُ إلى مِصْرَ توَقانَ السّقيمِ إلى الأُساةِ. والكريمِ إلى المؤاساةِ. فرفَضْتُ علائِقَ الاستِقامَةِ. ونفَضْتُ عوائِقَ الإقامةِ. واعْرَوْرَيْتُ ظَهْرَ ابنِ النّعامَةِ. وأجفَلْتُ نحوَها إجْفالَ النّعامَةِ. فلمّا دخلْتُه بعدَ مُعاناةِ الأينِ. ومُداناةِ الحَيْنِ. كلِفْتُ به كلَفَ لنّشْوانِ بالاصْطِباحِ. والحَيَرانِ بتنفُّسِ الصّباحِ. فبَينَما أنا يوْمً به أطوفُ. وتحْتي فرسٌ قَطوفٌ. إذ رأيتُ على جُرْدٍ منَ الخيْلِ. عُصبَةً كمَصابيحِ الليْلِ. فسألْتُ لانتِجاعِ النّزْهَةِ. عنِ العُصبَةِ والوِجهَةِ. فقيلَ: أما القومُ فشُهودٌ. وأمّا المقْصِدُ فإمْلاكٌ مشهودٌ. فحدَتْني مَيعَةُ النّشاطِ. على أنْ سِرْتُ معَ الفُرّاطِ. لأفوز بحلاوَةِ اللُّقَاطِ. وأحوزَ حَلْواءَ السِّماطِ. فأفْضيْنا بعدَ مُكابدَةِ العَناء. إلى دارٍ رفيعَةِ البِناء. وسيعَةِ الفِناء. تشهَدُ لِبانيها بالثّراء والسّناء. فلمّا نزلْنا عنْ صهَواتِ الخُيولِ. وقدّمنا الأقْدامَ للدّخولِ. رأيتُ دِهْليزَها مُجَلّلاً بأطْمارٍ مُخرّقةٍ. ومُكلّلاً بمخارِفَ معلّقَةٍ. وهناكَ شخصٌ على قَطيفَةٍ. فوقَ دَكّةٍ لَطيفَةٍ. فرابني عُنوانُ الصّحيفةِ. ومرْأى هذِه الطّريفَةِ. ودعاني التّطيّرُ بتِلْكَ المناحِسِ. إلى أن عمَدْتُ لذَلِكَ الجالِسِ. فعزَمْتُ عليْهِ بمُصَرِّفِ الأقدارِ. ليُعَرّفَني مَنْ رَبُّ هذهِ الدّارِ. فقال: ليسَ لها مالِكٌ معيَّنٌ. ولا صاحِبٌ مُبيَّنٌ. إنّما هيَ مَصطَبَةُ المُقيِّفينَ والمدَرْوِزينَ. ووَليجَةُ المُشَقشِقينَ والُجَلْوِزينَ. فقلتُ في نفسي: إنّا للهِ على ضِلّةِ المسْعى. وإمْحالِ المرْعى. وهمَمْتُ في الحالِ بالرُّجْعى. لكنّي استَهْجَنتُ العَوْدَ منْ فوْري. والقهْقَرَةَ دونَ غيري. فوَلجْتُ الدّارَ متجرِّعاً الغُصَصَ. كما يلِجُ العُصفورُ القفَصَ. فإذا فيه أرائِكُ منقوشَةٌ. وقد أقبَلَ المُمْلِكُ يَميسُ في بُردتِهِ. ويتَبَهْنَسُ بين حفَدَتِهِ. فحين جلَسَ كأنّهُ ابنُ ماء السّماء. نادى مُنادٍ منْ قِبَلِ الأحْماء: وحُرْمَةِ ساسانَ أُستاذِ الأستاذينَ. وقدوةِ الشّحاذينَ. لا عقَدَ هذا العقْدَ المُبجَّلَ. في هذا اليوم الأغرّ المحجَّلِ. إلا الذي جالَ وجابَ. وشبّ في الكُدْيَةِ وشابَ! فأعْجَبَ رهْطَ الصِّهْرِ ما أشاروا إليْهِ. وأذِنوا في إحْضارِ المنصوصِ عليْهِ. فبرزَ حينئذٍ شيخٌ قد أمالَ الملَوانِ قامتَهُ. ونوّرَ الفَتَيانِ ثَغامتَهُ. فتباشرَتِ الجماعةُ بإقْبالِهِ. وتبادَرَتْ إلى استِقبالِهِ. فلمّا جلَس على زُرْبِيّتِهِ. وسكنتِ الضّوْضاءُ لهيبَتِهِ. ازْدَلَفَ إلى مسْنَدِهِ. ومسحَ سَبلَتَهُ بيَدهِ. ثمّ قال: الحمدُ للهِ المُبتَدِئِ بالإفْضالِ. المُبتَدِعِ للنّوالِ. المقرَّبِ إليْهِ بالسّؤالِ. المؤمَّلِ لتحقيقِ الآمالِ. الذي شرعَ الزّكاةَ في الأموال. وزجَرَ عنْ نهْرِ السؤالِ وندَبَ إلى مواساةِ المُضطَرّ. وأمرَ بإطْعامِ القانِعِ والمعْتَرّ. ووصَفَ عِبادَهُ المقرَّبينَ. في كِتابِهِ المُبينِ. فقال وهوَ أصدَقُ القائلينَ: والذين في أموالِهِمْ حقٌّ معلومٌ. للسائِلِ والحرومِ. أحمَدُهُ على ما رزَقَ منْ طُعمَةٍ هنيّةٍ. وأعوذُ بهِ منِ استِماعِ دعوَةٍ بلا نِيّةٍ. وأشهدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ إلهاً يَجزي المتصدّقينَ والمُتصَدّقاتِ. ويمحَقُ الرّبا ويُرْبي الصّدَقاتِ. وأشهَدُ أنّ محمّداً عبدُهُ الرّحيمُ. ورسولُهُ الكريمُ. ابتَعَثَهُ ليَنسخَ الظُلمَةَ بالضّياء. وينتَصِفَ للفُقراء منَ الأغنياء. فرَفَقَ، صلى اللهُ عليهِ وسلّم، بالمِسْكينِ. وخفَضَ جَناحَهُ للمُستَكينِ. وفرضَ الحُقوقَ في أموالِ المُثْرينَ. وبيّنَ ما يجِبُ للمُقلّينَ على المُكثِرينَ. صلّى اللهُ عليْهِ صَلاةً تُحْظيهِ بالزُّلْفَةِ. وعلى أصفِيائِه أهلِ الصُّفّةِ. أما بعْدُ فإنّ اللهَ تعالى شرعَ النكاحَ لتَتَعفّفوا. وسنّ التّناسُلَ لكيْ تتضاعفوا. فقال سُبحانَهُ لتَعرِفوا: يا أيّها الناسُ إنّا خلَقْناكُمْ من ذكَرٍ وأنثى وجعلْناكُمْ شُعوباً وقَبائِلَ لتَعارَفوا. وهذا أبو الدّرّاجِ. ولاّجُ بنُ خرّاجٍ. ذو الوَجْهِ الوَقاحِ. والإفْكِ الصُّراحِ. والهَريرِ والصّياحِ. والإبْرام والإلْحاحِ. يخطُبُ سَليطَةَ أهلِها. وشَريطَةَ بعلِه. قَنْبَسَ. بِنْتَ أبي العَنْبَسِ. لِما بلغَهُ منِ التِحافِها. بإلْحافِها. وإسْرافه. في إسْفافِها. وانْكِماشِها. على مَعاشِها. وانتِعاشِها. عندَ هِراشِها. وقد بذلَ لها منَ الصَّداقِ شَلاّقاً وعُكّازاً. وصِقاعاً وكزّازاً. فأنْكِحوهُ إنْكاحَ مثلِهِ. وصِلوا حبْلَكُمْ بحَبْلِهِ. وإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فسوفَ يُغْنيكُمُ اللهُ منْ فضْلِهِ. أقولُ قوْلي وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولكُمْ. وأسألُهُ أن يُكثِرَ في المَصاطِبِ نسْلَكُمْ. ويحْرُسَ منَ المَعاطِبِ شمْلَكُمْ. فلمّا فرَغَ الشيخُ منْ خُطبَتِهِ. وأبْرَمَ للختَنِ عقْدَ خِطبَتِهِ. تساقَطَ منَ النِّثارِ. ما استَغْرَقَ حدَّ الإكْثارِ. وأغْرى الشّحيحَ بالإيثارِ. ثمّ نهَضَ الشيخُ يسحَبُ ذَلاذِلَهُ. ويَقْدُمُ أراذِلَهُ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فتبِعْتُهُ لأنظُرَ عُرْجَةَ القوْم. وأُكمِلَ بهْجةَ اليومِ. فعاجَ بهِمْ إلى سِماطٍ زيّنَتْهُ طُهاتُهُ. وتناصَفَتْ في الحُسْنِ جِهاتُهُ. فحينَ ربعَ كُلُّ شخْصٍ في رِبْضَتِهِ. وطفِقَ يرتَعُ في روضَتِهِ. انسلَلْتُ منَ الصّفّ. وفررْتُ منَ الزّحْفِ. فحانَتْ منَ الشيخِ لَفتَةٌ إليّ. ونظرَةٌ هجَم به طرْفُهُ عليّ. فقال: إلى أينَ يا بُرَمُ. هلاّ عاشَرْتَ مُعاشرَةَ مَن فيهِ كرمٌ؟ فقلت: والذي خلقَها طِباقاً. وطبّقها إشْراقاً. لا ذُقتُ لَماقاً. ولا لُسْتُ رُقاقاً. أو تُخبِرَني أين مدَبُّ صِباكَ. ومِنْ أينَ مهَبُّ صَباكَ؟ فتنفّسَ الصُعداءَ مِراراً. وأرسَلَ البُكاءَ مِدْراراً. حتى إذا استَنْزَفَ الدّمْعَ. استَنْصَتَ الجمْعَ. وقال لي: أرْعِني السّمْعَ:

مَسقَطُ الرّأسِ سَروجُ *** وبها كنـتُ أمـوجُ


بلدَةٌ يوجَـدُ فـيهـا *** كُلُّ شـيءٍ ويَروجُ


ورِدْها منْ سَلسَبـيلٍ *** وصحارِيها مُـروجُ


وبَنوها ومَـغـانـيـ *** هِمْ نُجـومٌ وبُـروجُ


حبّـذا نـفْـحَةُ ريّا *** ها ومَرآها البَهـيجُ


وأزاهـيرُ رُبـاهـا *** حينَ تنْجابُ الثّلـوجُ


منْ رآها قال مرْسى *** جنّةِ الدّنْيا سَـروجُ


ولمَنْ ينْزاحُ عنـهـا *** زفَـراتٌ ونـشـيجُ


مثلُ ما لاقَيتُ مُذْ زَحْـ *** زَحَني عنْها العُلوجُ


عَبرَةٌ تهْمي وشـجْـوٌ *** كلّـمـا قَـرّ يَهـيجُ


وهُـمـومٌ كُــلَّ يومٍ *** خطْبُها خطْبٌ مَـريجُ


ومساعٍ في التّـرَجّـي *** قاصِراتُ الخَطْوِ عوجُ


ليتَ يومي حُـمَّ لـمّـا *** حُمّ لي منْها الخُـروجُ

قال: فلمّا بيّن بلَدَهُ. ووعَيْتُ ما أنشدَهُ. أيقَنْتُ أنهُ علاّمَتُنا أبو زيدٍ. وإنْ كان الهرَمُ قد أوثَقَهُ بقَيدٍ. فبادَرْتُ إلى مُصافحَتِهِ. واغْتَنَمْتُ مؤاكَلَتَهُ منْ صحْفَتِهِ. وظَلْتُ مدّةَ مَقاميَ بمِصْرَ أعْشو إلى شُواظِهِ. وأحْشو صدَفَتَيّ منْ دُرَرِ ألْفاظِهِ. إلى أنْ نعَبَ بينَنا غُرابُ البَينِ. ففارَقْتُهُ مُفارقَةَ الجفْنِ للعَينِ.

حسن خليل
21-11-10, 04:49 PM
المقامة الطيبية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أجمَعْتُ حينَ قضَيْتُ مناسِكَ الحجّ. وأقَمْتُ وظائِفَ العجّ والثّجّ. أنْ أقصِدَ طَيْبَةَ. مع رُفقَةٍ منْ بَني شَيْبَةَ. لأزورَ قبرَ النّبيّ المُصطَفى. وأخرُجَ منْ قَبيلِ منْ حجّ وجَفا. فأُرْجِفَ بأنّ المسالِكَ شاغِرةٌ. وعرَبَ الحرَمَينِ مُتشاجِرةٌ. فحِرْتُ بين إشْفاقٍ يُشَبّطُني. وأشْواقٍ تُنشّطُني. إلى أنْ أُلْقيَ في رَوْعيَ الاستِسْلامُ. وتغلِيبُ زِيارَةِ قبرِهِ عليْهِ السّلامُ. فاعْتَمْتُ القُعْدَةَ. وأعددْتُ العُدّةَ. وسِرْتُ والرُفْقَةَ لا نلْوي على عُرْجةٍ. ولا نَني في تأويبٍ ولا دُلْجةٍ. حتى وافَيْنا بَني حرْبٍ. وقد آبوا منْ حرْبٍ. فأزْمَعْنا أن نُقَضّيَ ظِلَّ اليومِ. في حِلّةِ القومِ. وبينَما نحنُ نتخيّرُ المُناخَ. ونَرودُ الوِرْدَ النُّقاخَ. إذ رأيْناهُمْ يركُضونَ. كأنّهُمْ إلى نُصُبٍ يوفِضونَ. فرابَنا انثِيالُهمْ. وسألْنا: ما بالُهُمْ؟ فقيلَ قد حضرَ ناديَهُمْ فقيهُ العرَبِ. فإهْراعُهُم لهذا السّببِ. فقلتُ لرُفقَتي: ألن نشْهَدُ مَجْمَعَ الحيّ. لنتبيّنَ الرُشْدَ من الغَيّ؟ فقالوا: لقدْ أسْمَعتَ إذ دعَوْتَ. ونصَحْتَ وما ألَوْتَ. ثمّ نهضْنا نتّبِعُ الهادي. ونؤمّ النّاديَ. حتى إذا أظْلَلْنا عليْهِ. واستَشْرَفْنا الفَقيهَ المَنهودَ إلَيْهِ. ألفَيْتُهُ أبا زيدٍ ذا الشُّقَرِ والبُقَرِ. والفَواقِرِ والفِقَرِ. وقدِ اعْتَمّ القَفْداءَ. واشتمَلَ الصّمّاءَ. وقعدَ القُرْفُصاءَ. وأعْيانُ الحيِّ بهِ مُحتَفّونَ. وأخْلاطُهُمْ عليْهِ مُلتفّونَ. وهو يقول: سَلوني عنِ المُعضِلاتِ. واستَوضِحوا مني المُشكِلاتِ. فوَالذي فطَرَ السّماء. وعلّمَ آدمَ الأسْماء. إني لَفَقيهُ العرَبِ العَرْباء. وأعْلَمُ منْ تحتَ الجرْباء. فصمَدَ لهُ فتًى فَتيقُ اللّسانِ. جرِيّ الجَنانِ. وقال: إني حاضَرْتُ فُقَهاء الدّنيا. حتى انتَخَلْتُ منهُمْ مِئَةَ فُتْيا. فإنْ كنتَ ممّنْ يرغَبُ عنْ بَناتِ غيرٍ. ويرْغَبُ منا في مَيْرٍ. فاستَمِعْ وأجِبْ. لتُقابَلَ بما يجِبُ. فقال: اللهُ أكبرُ. سيَبينُ المَخْبَرُ. وينكَشِفُ المُضمَرُ. فاصْدَعْ بما تؤمَرُ. قال: ما تَقولُ في مَنْ توضّأ ثمّ لمسَ ظَهرَ نعلِهِ؟ قال: انتَقَضَ وُضوءُهُ بفِعلِهِ. قال: فإنْ توضّأ ثمّ أتْكأهُ البَردُ؟ قال: يُجَدّدُ الوُضوء منْ بعْدُ. قال: أيَمْسَحُ المتوَضّئ أُنثَيَيْهِ؟ قال: قد نُدِبَ إليْهِ. ولمْ يوجَبْ علَيْهِ. قال: أيجوزُ الوُضوء ممّا يقْذِفُهُ الثّعبانُ؟ قال: وهلْ أنْظَفُ منهُ للعُرْبانِ؟ قال: أيُستَباحُ ماء الضّريرِ؟ قال: نعَمْ ويُجتنَبُ ماء البَصيرِ. قال: أيَحُلّ التطوّفُ في الرّبيع؟ قال: يُكْرَه ذاك للحدَثِ الشّنيعِ. قال: أيجِبُ الغُسْلُ على منْ أمْنى؟ قال: لا ولوْ ثنّى. قال: فهلْ يجِبُ على الجُنُبِ غسْلُ فرْوَتِهِ؟ قال: أجَلْ وغسْلُ إبْرَتِهِ. قال: أيجبُ عليْهِ غسْلُ صَحيفَتِهِ؟ قال: نعَمْ كغسْلِ شفتِهِ. قال: فإنْ أخلّ بغسْلِ فأسِهِ؟ قال: هوَ كما لوْ ألْغَى غسْلَ رأسِهِ. قال: أيجوزُ الغُسلُ في الجِرابِ؟ قال: هوَ كالغُسلِ في الجِبابِ. قال: فما تقولُ في مَنْ تيمّمَ ثمّ رأى رَوْضاً؟ قال: بطَلَ تيمُّمُهُ فليَتَوضّا. قال: أيجوزُ أن يسْجُدُ الرّجلُ في العَذِرَةِ؟ قال: نعمْ ولْيُجانِبِ القَذِرَةَ. قال: فهلْ لهُ السّجودُ على الخِلافِ؟ قال: لا ولا على أحدِ الأطْرافِ. قال: فإنْ سجَدَ على شِمالِهِ؟ قال: لا بأسَ بفِعالِهِ. قال: فهلْ يجوزُ السّجودُ على الكُراعِ؟ قال: نعمْ دونَ الذّراعِ. قال: أيُصلّي على رأسِ الكلْبِ؟ قال: نعَمْ كسائِرِ الهضْبِ. قال: أيجوزُ للدّارِسِ حمْلُ المصاحِفِ؟ قال: لا ولا حمْلُها في الملاحِفِ. قال: ما تَقولُ في مَنْ صلّى وعانَتُهُ بارِزَةٌ؟ قال: صلاتُهُ جائِزَةٌ. قال: فإنْ صلّى وعليْهِ صومٌ؟ قال: يُعيدُ ولوْ صلّى مائَةَ يومٍ. قال: فإنْ حمَلَ جرْواً وصلّى؟ قال: هوَ كما لوْ حمَلَ باقِلّى. قال: أتصِحّ صَلاةُ حامِلِ القَرْوَةِ؟ قال: لا ولوْ صلّى فوقَ المَرْوَةِ. قال: فإنْ قطَرَ على ثوْبِ المُصَلّي نجْوٌ؟ قال: يمْضي في صَلاتِهِ ولا غَرْوَ. قال: أيَجوزُ أن يؤمّ الرّجالَ مقنّعٌ؟ قال: نعمْ ويؤمّهُمْ مُدَرَّعٌ. قال: فإنْ أمّهُمْ مَنْ في يدِهِ وقْفٌ؟ قال: يُعيدونَ ولوْ أنّهُمْ ألفٌ. قال: فإنْ أمّهُمْ منْ فخْذُهُ بادِيَةٌ؟ قال: صلاتُهُ وصلاتُهُم ماضيَةٌ. قال: فإنْ أمّهُمُ الثّورُ الأجَمُّ؟ قال: صلِّ وخَلاكَ ذمٌ. قال: أيدخُلُ القصْرُ في صَلاةِ الشاهدِ؟ قال: لا والغائِبِ الشّاهِدِ. قال: أيَجوزُ للمَعذورِ أن يُفطِرَ في شهرِ رمَضانَ؟ قال: ما رُخّصَ إلا للصّبْيانِ. قال: فهلْ للمُعَرِّسِ أن يأكُلَ فيه؟ قال: نعمْ بمِلئ فيهِ. قال: فإنْ أفطَرَ فيهِ العُراةُ؟ قال: لا تُنكِرُ عليْهِمِ الوُلاةُ. قال: فإنْ أكلَ الصّائِمُ بعدَما أصبَحَ؟ قال: هوَ أحوَطُ لهُ وأصلَحُ. قال: فإنْ عمَدَ لأنْ أكلَ ليْلاً؟ قال: ليُشمّرْ للقَضاء ذَيْلاً. قال: فإنْ أكلَ قبْلَ أن تتَوارَى البَيْضاءُ؟ قال: يلزَمُهُ واللهِ القَضاءُ. قال: فإنِ استَثارَ الصّائِمُ الكَيْدَ؟ قال: أفْطَرَ ومنْ أحَلّ الصّيدَ. قال: ألَهُ أن يُفْطِرَ بإلحاحِ الطّابِخِ؟ قال: نعَمْ لا بِطاهي المَطابِخِ. قال: فإنْ ضحِكَتِ المرأةُ في صومِها؟ قال: بطَلَ صومُ يومِها. قال: فإنْ ظهرَ الجُدَرِيُّ على ضَرّتِها؟ قال: تُفطِرُ إن آذَنَ بمضَرّتِها. قال: ما يجِبُ في مِئَةِ مِصباحٍ؟ قال: حِقّتانِ يا صاحِ. قال: فإنْ ملَكَ عشْرَ خَناجِرَ؟ قال: يُخرِجُ شاتَينِ ولا يُشاجِرُ. قال: فإنْ سمَحَ للسّاعي بحَميمَتِهِ؟ قال: يا بُشْرى لهُ يومَ قِيامتِهِ! قال: أيستَحِقّ حمَلَةُ الأوْزارِ منَ الزّكاةِ جُزّاً؟ قال: نعَمْ إذا كانوا غُزًى. قال: أيَجوزُ للحاجّ أن يعتَمِرَ؟ قال: لا ولا أنْ يختَمِرَ. قال: فهلْ لهُ أنْ يقتُلَ الشُجاعَ؟ قال: نعمْ كما يَقتُلُ السّباع. قال: فإنْ قتَلَ زَمّارَةً في الحرَمِ؟ قال: عليْهِ بدَنَةٌ منَ النّعَمِ. قال: فإنْ رمى ساقَ حُرٍّ فجَدّلَهُ؟ قال: يُخرِجُ شاةً بدَلَهُ. قال: فإنْ قتَلَ أمّ عوْفٍ بعْدَ الإحْرامِ؟ قال: يتصدّقُ بقَبضَةٍ منْ طَعامٍ. قال: أيجِبُ على الحاجّ استِصْحابُ القارِبِ؟ قال: نعمْ ليَسوقَهُمْ إلى المَشارِبِ. قال: ما تَقولُ في الحَرامِ بعْدَ السّبتِ؟ قال: قدْ حلّ في ذلِكَ الوقتِ. قال: ما تَقولُ في بيْعِ الكُمَيتِ؟ قال: حَرامٌ كبَيعِ الميْتِ. قال: أيَجوزُ بيعُ الخلّ بلَحْمِ الجمَلِ؟ قال: ولا بلَحْمِ الحمَلِ. قال: أيَحِلّ بيْعُ الهديّةِ؟ قال: لا ولا بيعُ السّبيّةِ. قال: ما تَقولُ في بيْعِ العَقيقَةِ؟ قال: محْظورٌ على الحقيقَةِ. قال: أيَجوزُ بيْعُ الدّاعي. على الرّاعي؟ قال: لا ولا على السّاعي. قال: أيُباعُ الصّقْرُ بالتّمرِ؟ قال: لا ومالِكِ الخَلْقِ والأمرِ. قال: أيَشتَري المُسلِمُ سلَبَ المُسلِماتِ؟ قال: نعَمْ ويورَثُ عنهُ إذا ماتَ. قال: فهلْ يجوزُ أن يُبْتاعَ الشافِعُ. قال: ما لِجوازِهِ منْ دافِعٍ. قال: أيُباعُ الإبريقُ على بَني الأصْفَرِ؟ قال: يُكرَهُ كبَيْعِ المِغْفَرِ. قال: أيَجوزُ أن يَبيعَ الرّجُلُ صَيْفِيّهُ؟ قال: لا ولكِنْ ليَبِعْ صَفيّهُ. قال: فإنِ اشتَرى عبْداً فبانَ بأمِّهِ جِراحٌ؟ قال: ما في ردّهِ منْ جُناحٍ. قال: أتَثْبُتُ الشُفْعَةُ للشّريكِ في الصّحْراء؟ قال: لا ولا للشّريكِ في الصّفْراء. قال: أيَحِلّ أنْ يُحْمَى ماء البِئْرِ والخَلا؟ قال: إنْ كانَ في الفَلا فَلا. قال: ما تَقولُ في مَيتَةِ الكافِرِ؟ قال: حِلٌّ للمُقيمِ والمُسافِرِ. قال: أيجوزُ أن يُضَحّى بالحُولِ؟ قال: هوَ أجدَرُ بالقَبولِ. قال: فهلْ يُضحّى بالطّالِقِ؟ قال: نعمْ ويُقْرَى منْها الطّارِقُ. قال: فإنْ ضحّى قبْلَ ظُهورِ الغَزالَةِ؟ قال: شاةُ لحْمٍ بِلا مَحالَةٍ. قال: أيحِلّ التكَسّبُ بالطَّرْقِ؟ قال: هوَ كالقِمارِ بِلا فرْقٍ. قال: أيُسَلّمُ القائِمُ على القاعِدِ؟ قال: محْظورٌ فيما بينَ الأباعِدِ. قال: أيَنامُ العاقِلُ تحتَ الرّقيعِ؟ قال: أحْبِبْ بهِ في البَقيعِ. قال: أيُمنَعُ الذّمّيّ منْ قتْلِ العَجوزِ؟ قال: مُعارضَتُهُ في العَجوزِ لا تَجوزُ. قال: أيجوزُ أن ينتَقِلَ الرّجُلُ عنْ عِمارَةِ أبيهِ؟ قال: ما جُوّزَ لخامِلٍ ولا نَبيهٍ. قال: ما تَقولُ في التهَوّدِ؟ قال: هوَ مِفْتاحُ التّزهُّد. قال: ما تَقولُ في صبْرِ البَليّةِ؟ قال: أعظِمْ بهِ منع خَطيّةٍ. قال: أيَحِلّ ضرْبُ السّفيرِ؟ قال: نعمْ والحمْلُ على المُستَشيرِ. قال: أيُعزِّزُ الرّجُلُ أباهُ؟ قال: يفعَلُهُ البَرُّ ولا يأباهُ. قال: ما تَقولُ في
مَنْ أفقَر أخاهُ؟ قال: حبّذا ما توَخّاهُ! قال: فإنْ أعْرى ولدَهُ؟ قال: يا حُسْنَ ما اعتَمَدَهُ! قال: فإنْ أصْلى ممْلوكَهُ النّارَ؟ قال: لا إثْمَ عليْهِ ولا عارٌ. قال: أيَجوزُ للمرأةِ أنْ تصرِمَ بعْلَها؟ قال: ما حظَرَ أحدٌ فِعْلَها. قال: فهلْ تؤدَّبُ المرأةُ على الخجَلِ؟ قال: أجلْ. قال: ما تَقولُ في مَنْ نحَتَ أثلَةَ أخيهِ؟ قال: أثِمَ ولوْ أذِنَ لهُ فيهِ. قال: أيَحْجُرُ الحاكِمُ على صاحبِ الثّوْرِ؟ قال: نعمْ ليأمَنَ غائِلَةَ الجوْرِ. قال: فهلْ لهُ أن يضْرِبَ على يدِ اليَتيمِ؟ قال: نعمْ إلى أن يَستَقيمَ. قال: فهلْ يجوزُ أن يتّخِذَ لهُ ربَضاً؟ قال: لا ولوْ كان لهُ رِضًى. قال: فمتى يبِيعُ بدَنَ السّفيهِ؟ قال: حينَ يرى لهُ الحظَّ فيهِ. قال: فهلْ يجوزُ أن يبْتاعَ لهُ حَشّاً؟ قال: نعمْ إذا لمْ يكُنْ مُغَشًّى. قال: أيجوزُ أن يكونَ الحاكِمُ ظالِماً؟ قال: نعمْ إذا كان عالِماً. قال: أيُستَقْضى منْ ليستْ لهُ بَصيرةٌ؟ قال: نعمْ إذا حسُنَتْ منهُ السّيرَةُ. قال: فإنْ تعرّى منَ العَقْلِ؟ قال: ذاكَ عُنوانُ الفضْلِ. قال: فإنْ كانَ لهُ زهْوُ جبّارٍ؟ قال: لا إنْكارَ عليهِ ولا إكْبار. قال: أيجوزُ أن يكونَ الشاهِدُ مُريباً؟ قال: نعمْ إذا كان أريباً. قال: فإنْ بانَ أنّهُ لاطَ؟ قال: هوَ كما لوْ خاطَ. قال: فإنْ عُثِرَ على أنّهُ غربَلَ؟ قال: تُرَدّ شهادَتُهُ ولا تُقبَلُ. قال: فإنْ وضَحَ أنهُ مائِنٌ؟ قال: هوَ لهُ وصْفٌ زائِنٌ. قال: ما يجِبُ على عابِدِ الحَقّ؟ قال: يُحلَّفُ بإلَهِ الخلْقِ. قال: ما تَقولُ في منْ فقَأ عينَ بُلبُلٍ عامِداً؟ قال: تُفقَأُ عينُه قوْلاً واحِداً. قال: فإنْ جرَحَ قَطاةَ امرأةٍ فماتَتْ؟ قال: النّفْسُ بالنّفْسِ إذا فاتَتْ. قال: فإنْ ألقَتِ الحامِلُ حَشيشاً منْ ضرْبِهِ؟ قال: ليُكفِّرْ بالإعْتاقِ عنْ ذنْبِهِ. قال: ما يجِبُ على المُختَفي في الشّرْعِ؟ قال: القطْعُ لإقامَةِ الرّدْعِ. قال: فما يُصنَعُ بمَنْ سرَقَ أساوِدَ الدّارِ؟ قال: يُقطَعُ إنْ ساوَينَ رُبعَ دينارٍ. قال: فإنْ سرَقَ ثَميناً من ذهَبٍ؟ قال: للا قَطْعَ كما لو غصَبَ. قال: فإنْ بانَ على المرأةِ السّرَقُ؟ قال: لا حرَجَ عليْها ولا فرَقَ. قال: أينعَقِدُ نِكاحٌ لمْ يشهَدْهُ القَواري؟ قال: لا والخالِقِ الباري. قال: ما تَقولُ في عَروسٍ باتَتْ بلَيلَةٍ حُرّةٍ. ثمّ رُدّتْ في حافِرَتِها بسُحْرَةٍ؟ قال: يجبُ لها نصفُ الصّداقِ. ولا تلْزَمُها عِدّةُ الطّلاقِ. فقال لهُ السّائِلُ. للهِ دَرُّكَ من بحْرٍ لا يُغَضْغِضُهُ الماتِحُ. وحِبْرٍ لا يبلُغُ مدْحَهُ المادِحُ! ثمّ أطرَقَ إطْراقَ الحَييّ. وأرَمّ إرْمامَ العَييّ. فقال لهُ أبو زيدٍ: إيهٍ يا فَتى! فإلى متى وإلى متى؟ فقالَ لهُ: لمْ يبْقَ في كِنانَتي مِرْماةٌ. ولا بعْدَ إشْراقِ صُبحِكَ مُماراةٌ. فبِاللهِ أيُّ ابنِ أرْضٍ أنتَ. فما أحسنَ ما أبَنْتَ. فأنشَدَ بلِسانٍ ذلِقٍ. وصوتٍ صهْصَلِقٍ :

أنا في العالَمِ مُثْـلَـهْ *** ولأهْلِ العِلمِ قِبـلَـهْ


غيرَ أنّـي كُـلَّ يومٍ *** بينَ تعْريسٍ ورِحلَـهْ


والغَريبُ الدّارِ لوْ حـ *** ـلّ بطوبى لمْ تطِبْ لَهْ

ثمّ قال: اللهُمّ كما جعلْتَنا ممّنْ هُدِيَ ويهْدي. فاجعَلهُمْ ممّنْ يهْتَدي ويُهْدي. فساقَ إليْهِ القومُ ذَوْداً معَ قَيْنَةٍ. وسألوهُ أن يَزورَهُمُ الفَينَةَ بعدَ الفَينةِ. فنهضَ يُمَنّيهِمِ العَوْدَ. ويُزَجّي الأمَةَ والذّوْدَ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فاعْتَرَضْتُهُ وقلتُ لهُ عهْدي بكَ سَفيهاً. فمتى صِرْتَ فَقيهاً؟ فظلّ هُنيهَةً يَجولُ. ثم أنشدَ يقولُ:


لبِستُ لكُلّ زمـانٍ لَـبـوسـا *** ولابَستُ صَرْفَيهِ نُعمى وبوسَى


وعاشرْتُ كلَّ جَلـيسٍ بـمـا *** يُلائِمُهُ لأروقَ الـجَـلـيسـا


فعنـدَ الـرُّواةِ أُديرُ الـكـلامَ *** وبينَ السُقاةِ أديرُ الكـؤوسـا


وطوْراً بوعْظي أسيلُ الدّمـوعَ *** وطوْراً بلَهْوي أسُرّ النّفوسـا


وأقْري المَسامِعَ إمّا نطَـقْـتُ *** بَياناً يقودُ الحَرونَ الشَّمـوسـا


وإنْ شِئتُ أرعَفَ كفّي الـيَراعَ *** فساقَطَ دُرّاً يُحَلّي الطُّـروسـا


وكم مُشكِلاتٍ حَكينَ السُـهـى *** خَفاءً فصِرنَ بكَشفي شُموسـا


وكمْ مُلَحٍ لي خلَبْنَ الـعُـقـولَ *** وأسْأرْنَ في كُلّ قلْبٍ رَسيسـا


وعذْراءَ فُهْتُ بها فانْـثَـنـى *** عليها الثّناءُ طَليقاً حَـبـيسـا


على أنّني منْ زَمانٍ خُصِصْتُ *** بكيْدٍ ولا كيدَ فِرعَوْنَ موسـى


يسَعِّـرُ لـي كـلَّ يومٍ وغًـى *** أطامِنْ لَظاها وَطيساً وَطيسـا


ويَطْرُقُني بالخُطـوبِ الـتـي *** يُذِبنَ القُوَى ويُشِبنَ الرّؤوسـا


ويُدْني إليّ البَعيدَ الـبَـغـيضَ *** ويُبعِدُ عني القَريبَ الأنـيسـا


ولـوْلا خَـسـاسَةُ أخْـلاقِـهِ *** لَما كانَ حظّيَ منهُ خَسـيسـا

فقُلتُ له: خفّضِ الأحْزانَ. ولا تلُمِ الزّمانَ. واشْكرْ لمَنْ نقلَكَ عنْ مذْهَبِ إبْليسَ. إلى مذْهَبِ ابنِ إدْريسَ. فقال: دعِ الهِتارَ. ولا تهْتُكِ الأسْتارَ! وانهَضْ بنا لنَضْرِبَ. إلى مسْجِدِ يثْرِبَ. فعسَى أنْ نرْحَضَ بالمَزارِ. درَنَ الأوْزارِ. فقلْتُ: هيْهاتَ أن أسيرَ. أو أفْقَهَ التّفْسيرَ! فقال: تاللهِ لقدْ أوْجَبْتَ ذِمماً. وطلَبْتَ إذْ طلَبْتَ أمَماً. فهَاكَ ما يَشْفي النّفسَ. وينْفي اللَّبْسَ. قال: فلمّا أوضحَ لي المُعَمّى. وكشفَ عنّي الغُمّى. شدَدْنا الأكوارَ. وسِرْتُ وسارَ. ولمْ أزَلْ منْ مُسامرَتِهِ. مُدةَ مُسايرَتِهِ. في ما أنْساني طعْمَ المَشقّةِ. وودِدْتُ معهُ بُعْدَ الشُقّةِ. حتى إذا دخَلْنا مدينَةَ الرّسولِ. وفُزْنا منَ الزّيارةِ بالسُّولِ. أشْأمَ وأعْرَقْتُ. وغرّبَ وشرّقْتُ.

حسن خليل
21-11-10, 04:55 PM
المقامة العمانية للحريري


حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: لهِجْتُ مُذْ اخْضَرّ إزاري. وبَقَلَ عِذاري. بأنْ أجوبَ البَراري. وعلى ظُهورِ المَهاري. أُنْجِدُ طَوْراً. وأسْلُكُ تارَةً غوْراً. حتى فلَيْتُ المَعالِمَ والمجاهِلَ. وبلَوْتُ المنازِلَ والمَناهِلَ. وأدْمَيْتُ السّنابِكَ والمَناسِمَ. وأنْضَيْتُ السّوابِقَ والرّواسِمَ. فلمّا ملِلْتُ الإصْحارَ. وقد سنَحَ لي أرَبٌ بصُحارَ. مِلْتُ إلى اجْتيازِ التّيارِ. واختِيارِ الفُلْكِ السّيّارِ. فنقَلْتُ إليْهِ أساوِدي. واستَصْحَبْتُ زادي ومَزاوِدي. ثمّ ركِبْتُ فيهِ رُكوبَ حاذِرٍ ناذِرٍ. عاذِلٍ لنفْسِهِ عاذِرٍ. فلمّا شرَعْنا في القُلْعَةِ. ورفَعْنا الشُّرُعَ للسّرعَةِ. سمِعْنا منْ شاطئ المَرْسى. حينَ دَجا الليلُ وأغْسى. هاتِفاً يقول: يا أهْلَ ذا الفُلْكِ القَويمِ. المُزجّى في البحرِ العَظيمِ. بتقْديرِ العَزيزِ العليمِ. هل أدُلّكُمْ على تِجارَةٍ تُنجيكُمْ منْ عذابٍ أليمٍ؟ فقُلْنا لهُ: أقْبِسْنا نارَك أيها الدّليلُ. وأرشِدْنا كما يُرشِدُ الخَليلُ الخَليلَ. فقال: أتستَصْحِبونَ ابنَ سبيلٍ. زادُهُ في زَبيلٍ. وظِلّهُ غيرُ ثَقيلٍ. وما يَبغي سوى مَقيلٍ؟ فأجْمعْنا على الجُنوحِ إليْهِ. وأنْ لا نبْخَلَ بالماعونِ عليْهِ. فلمّا اسْتَوى على الفُلْكِ. قال: أعوذُ بمالِكِ المُلْكِ. منْ مسالِكِ الهُلْكِ! ثم قال: إنّا رُوِينا في الأخْبارِ. المنقولَةِ عنِ الأحْبارِ. أنّ اللهَ تَعالى ما أخذَ على الجُهّالِ أن يتعلّموا. حتى أخذَ على العُلَماء أنْ يعَلِّموا. وإنّ مَعي لَعوذَةً. عنِ الأنبِياء مأخوذَة. وعندي لكُمْ نَصيحةٌ. براهينُها صَحيحةٌ. وما وَسِعَني الكِتْمانُ. ولا مِنْ خيميَ الحِرْمانُ. فتَدَبّروا القوْلَ وتفهّموا. واعْمَلوا بما تُعلّمونَ وعلّموا. ثمّ صاحَ صيْحَةَ المُباهي. وقال: أتَدْرونَ ما هيَ؟ هيَ واللهِ حِرْزُ السّفْرِ. عندَ مسيرِهِمْ في البحْرِ. والجُنّةُ منَ الغَمّ. إذا جاشَ موْجُ اليَمّ. وبها استَعْصَمَ نوحٌ منَ الطّوفانِ. ونَجا ومَنْ معَهُ منَ الحَيوانِ. على ما صدَعَتْ بهِ آيُ القُرآنِ. ثمّ قرأ بعْضَ أساطيرَ تَلاها. وزخارِفَ جَلاها. وقال: ارْكَبوا فيها باسْمِ اللهِ مُجْراها ومُرْساها. ثمّ تنفّسَ تنفُّسَ المُغرَمينَ. أو عِبادِ اللهِ المُكرَمينَ. وقال: أمّا أنا فقدْ قُمتُ فيكُم مَقامَ المبلِّغينَ. ونصَحْتُ لكُمْ نُصْحَ المُبالِغينَ. وسلَكْتُ بكُمْ محَجّةَ الرّاشِدينَ. فاشْهَدِ اللهُمّ وأنتَ خيرُ الشاهِدينَ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فأعْجَبَنا بيانُهُ البادي الطُّلاوَةِ. وعجّتْ لهُ أصواتُنا بالتّلاوَةِ. وآنَسَ قلبي منْ جرْسِهِ. معرِفَةَ عينِ شمْسِهِ. فقلْتُ لهُ: بالذي سخّرَ البحرَ اللُّجّيّ. ألسْتَ السَّروجيّ؟ فقال لي: بَلى. وهلْ يَخْفى ابنُ جَلا؟ فأحْمَدْتُ حينَئذٍ السّفَرَ. وسفَرْتُ عن نفْسي إذ سفَرَ. ولمْ نزَلْ نسيرُ والبحرُ رهْوٌ. والجوّ صحْوٌ. والعيشُ صَفوٌ. والزّمانُ لهْوٌ. وأنا أجِدُ للِقيانِهِ. وجْدَ المُثْري بعِقْيانِهِ. وأفرَحُ بمُناجاتِهِ. فرَحَ الغَريقِ بمَنْجاتِهِ. إلى أن عصَفَتِ الجَنوبُ. وعسَفَتِ الجُنوبُ. ونسَيَ السّفْرُ ما كانَ. وجاءهُمُ الموْجُ منْ كلّ مَكانٍ. فمِلْنا لهذا الحدَثِ الثّائِرِ. إلى إحْدى الجَزائِرِ. لنُريحَ ونستَريحَ. ريثَما تُؤاتي الرّيحُ. فتَمادَى اعْتِياصُ المَسيرِ. حتى نفِدَ الزّادُ غيرَ اليَسيرِ. فقال لي أبو زيدٍ: إنهُ لنْ يُحرَزَ جَنى العودِ بالقُعودِ. فهلْ لكَ في استِثارَةِ السّعودِ بالصّعودِ؟ فقلْتُ لهُ: إني لأتْبَعُ لكَ من ظِلّكَ. وأطْوَعُ منْ نعلِكَ. فنَهَدْنا إلى الجَزيرَةِ. على ضُعْفِ المَريرَةِ. لنركُضَ في امتِراء المِيرَةِ. وكِلانا لا يملِكُ فَتيلاً. ولا يهتَدي فيها سَبيلاً. فأقْبَلْنا نَجوسُ خِلالَها. ونتفيّأُ ظِلالَها. حتى أفْضَيْنا إلى قصرٍ مَشيدٍ. لهُ بابٌ منْ حَديدٍ. ودونَهُ زُمرةٌ من عَبيدٍ. فناسَمْناهُمْ لنتخِذَهُمْ سُلّماً إلى الارتِقاء. وأرشِيَةً للاستِقاء. فألْفَيْنا كلاً منهُمْ كَئيباً حَسيراً. حتى خِلْناهُ كسيراً أو أسيراً. فقُلْنا: أيتُها الغِلْمَةُ. ما هَذي الغُمّةُ؟ فلمْ يُجيبوا النّداء. ولا فاهوا ببَيْضاء ولا سَوْداء. فلمّا رأيْنا نارَهُمْ نارَ الحُباحِبِ. وخُبرَهُمْ كسَرابِ السّباسِبِ. قُلْنا: شاهَتِ الوجوهُ. وقبُحَ اللُّكَعُ ومَنْ يرْجوهُ! فابتَدَرَ خادِمٌ قد علَتْهُ كَبْرَةٌ. وعرَتْهُ عبْرَةٌ. وقال: يا قوْمُ لا توسِعونا سَبّاً. ولا توجِعونا عتْباً. فإنّا لَفي حُزنٍ شامِلٍ. وشُغْلٍ عنِ الحديثِ شاغِلٍ. فقالَ لهُ أبو زيدٍ: نفِّسْ خِناقَ البَثّ. وانْفِثْ إنْ قدَرْتَ على النّفْثِ. فإنّكَ ستجِدُ مني عَرّافاً كافِياً. ووَصّافاً شافِياً. فقالَ لهُ: اعْلَمْ أنّ ربّ هذا القصْرِ هوَ قُطْبُ هذِهِ البُقعَةِ. وشاهُ هذِهِ الرُقعَةِ. إلا أنّهُ لمْ يخْلُ منْ كمَدٍ. لخُلوّهِ من ولَدٍ. ولمْ يزَلْ يستَكْرِمُ المَغارِسَ. ويتخيّرُ منَ المَفارِشِ النّفائِسِ. إلى أن بُشّرَ بحمْلِ عَقيلضةٍ. وآذَنَتْ رقْلَتُهُ بفَسيلَةٍ. فنُدِرَتْ له النّذورُ. وأُحصِيَتِ الأيامُ والشّهورُ. ولمّا حانَ النِّتاجُ. وصيغَ الطّوقُ والتّاجُ. عسُرَ مخاضُ الوضْعِ. حتى خِيفَ على الأصْلِ والفَرْعِ. فما فِينا مَنْ يعرِفُ قَراراً. ولا يطْعَمُ النّومَ إلا غِراراً. ثمّ أجْهَشَ بالبُكاء وأعْولَ. وردّدَ الاستِرْجاعَ وطوّلَ. فقال لهُ أبو زيدٍ: اسْكُنْ يا هَذا واستَبْشِرْ. وابْشِرْ بالفَرَجِ وبشّرْ! فعِندي عَزيمةُ الطّلْقِ. التي انتشَرَ سَمْعُها في الخَلْقِ. فتبادَرَتِ الغِلمَةُ إلى موْلاهُمْ. مُتباشِرينَ بانكِشافِ بلْواهُمْ. فلمْ يكُنْ إلا كَلا ولا حتى برزَ مَنْ هلْمَمَ بِنا إلَيْهِ. فلما دخلْنا عليْهِ. ومثَلْنا بينَ يدَيْهِ. قال لأبي زيدٍ: ليَهْنِكَ مَنالُكَ. إنْ صدَقَ مقالُكَ. ولم يفِلْ فالُكَ. فاستَحضرَ قلَماً مبْرِيّاً. وزبَداً بحرِيّاً. وزَعفَراناً قد دِيفَ. في ماء ورْدٍ نظيفٍ. فما إنْ رجَعَ النفَسُ. حتى أُحضِرَ ما التَمَسَ. فسجَدَ أبو زيدٍ وعفّرَ. وسبّحَ واستَغْفرَ. وأبْعَدَ الحاضِرينَ ونفّرَ. ثمّ أخذَ القلمَ واسْحَنْفَرَ. وكتبَ على الزّبَدِ بالمُزَعْفَرِ:


أيّهَذا الجَنينُ إنـي نـصـيحٌ *** لكَ والنّصحُ منْ شُروطِ الدّينِ


أنتَ مُستَعْصِمٌ بكِـنّ كَـنـينٍ *** وقَرارٍ منَ السّكونِ مَـكـينِ


ما تَرى فيهِ ما يَروعُكُ منْ إلـ *** فٍ مُداجٍ ولا عـدوٍّ مُـبـينِ


فمتى ما برَزْتَ منهُ تـحـوّلْـ *** تَ إلى منزِلِ الأذى والهونِ


وتَراءى لكَ الشّقاءُ الذي تـلْـ *** قَى فتَبْكي لهُ بدَمْعٍ هَـتـونِ


فاستَدِمْ عيشَكَ الرّغيدَ وحـاذِرْ *** أن تَبيعَ المَحقوقَ بالمظْنـونِ


واحتَرِسْ من مُخادِعٍ لك يرْقيـ *** كَ ليُلقيكَ في العذابِ المُهينِ


ولَعَمْري لقدْ نصَحْتُ ولكِـنْ *** كمْ نَصيحٍ مُشبَّهٍ بـظَـنـينِ

ثمّ إنهُ طمَسَ المكتوبَ على غَفلَةٍ. وتفَلَ عليْهِ مئَةَ تَفلَةٍ. وشدّ الزّبَدَ في خِرقَةِ حريرٍ. بعدَما ضمّخَها بعَبيرٍ. وأمرَ بتعْليقِها على فخْذِ الماخِضِ. وأنْ لا تعْلَقَ بها يدُ حائِضٍ. فلمْ يكُنْ إلا كذُواقِ شارِبٍ. أو فُواقِ حالِبٍ. حتى اندَلَقَ شخْصُ الولَدِ. لخصّيصَى الزَّبَدِ. بقُدرَةِ الواحِدِ الصّمَدِ. فامتلأ القصْرُ حُبوراً. واستُطيرَ عَميدُهُ وعَبيدُهُ سُروراً. وأحاطَتِ الجماعَةُ بأبي زيدٍ تُثْني عليْهِ. وتُقبّلُ يدَيْهِ. وتتبرّكُ بمِساسِ طِمْرَيْهِ. حتى خُيّلَ إليّ أنّهُ القَرَنيُّ أُوَيْسٌ. أوِ الأسَديُّ دُبَيسٌ. ثمّ انْثالَ عليْهِ منْ جَوائِزِ المُجازاةِ. ووصائِلِ الصّلاتِ. ما قيّضَ لهُ الغِنى. وبيّضَ وجْهَ المُنى. ولمْ يزَلْ ينْتابُهُ الدّخْلُ. مُذْ نُتِجَ السّخْلُ. إلى أن أُعطِيَ البحْرُ الأمانَ. وتسنّى الإتْمامُ إلى عُمانَ. فاكْتَفى أبو زيدٍ بالنِّحْلَةِ. وتأهّبَ للرّحلَةِ. فلمْ يسمَحِ الوالي بحرَكَتِهِ. بعْدَ تجرِبَةِ برَكَتِهِ. بلْ أوعَزَ بضَمّهِ إلى حُزانَتِهِ. وأنْ تُطلَقَ يدُهُ في خِزانَتِهِ. قالَ الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُهُ قدْ مالَ. إلى حيثُ يكتَسِبُ المالَ. أنْحَيْتُ علَيْهِ بالتّعْنيفِ. وهجّنْتُ لهُ مُفارَقَةَ المألَفِ والأليفِ. فقالَ إليْكَ عني. واسْمَعْ منّي:


لا تَصْبوَنّ إلى وطَـنْ *** فيهِ تُضامُ وتُمـتَـهَـنْ


وارْحَلْ عنِ الدّارِ التـي *** تُعْلي الوِهادَ على القُنَنْ


واهْرُبْ إلى كِـنٍّ يَقـي *** ولوَ انّهُ حِضْنا حضَـنْ


وارْبأ بنَفسِكَ أنْ تُـقـي *** م بَحيثُ يغْشاكَ الـدَّرَنْ


وجُبِ الـبِـلادَ فـأيُّهـا *** أرْضاكَ فاخْتَرْهُ وطَـنْ


ودَعِ التّذكُّرَ لـلـمَـعـا *** هِدِ والحَنينَ إلى السّكَـنْ


واعْلَمْ بأنّ الـحُـرّ فـي *** أوطانِهِ يَلْقَى الـغـبَـنْ


كالدُرّ في الأصْدافِ يُستزْ *** رى ويُبْخَسُ في الثّمَـنْ

قال: حسبُكَ ما استَمَعْتَ. وحبّذا أنتَ لوِ اتّبَعْتَ! فأوْضَحْتُ لهُ مَعاذيري. وقلتُ لهُ: كُنْ عَذيري. فعذَرَ واعتَذَرَ. وزوّدَ حتى لم يذَرْ. ثمّ شيّعَني تشْييعَ الأقارِبِ. إلى أنْ ركِبْتُ في القارِبِ. فودّعْتُهُ وأنا أشْكو الفِراقَ وأذُمّهُ. وأوَدُّ لوْ كانَ هلَكَ الجَنينُ وأمُّهُ.

حسن خليل
21-11-10, 04:56 PM
المقامة الفارقية للحريري


حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: يمّمْتُ ميّافَارِقينَ. معَ رُفقةٍ مُوافِقينَ. لا يُمارونَ في المُناجاةِ. ولا يدْرونَ ما طعْمُ المُداجاةِ. فكُنتُ بهِمْ كمَنْ لمْ يرِمْ عنْ وَجارِهِ. ولا ظعَنَ عنْ أليفِهِ وجارِهِ. فلمّا أنخْنا بها مطايا التّسْيارِ. وانتقلْنا عنِ الأكوارِ. إلى الأوْكارِ. تواصَيْنا بتَذْكارِ الصُحْبَةِ. وتناهَيْنا عنِ التّقاطُعِ في الغُربَةِ. واتّخذْنا نادِياً نعتَمِرُهُ طرَفَي النهارِ. ونتَهادَى فيهِ طُرَفَ الأخْبارِ. فبَينَما نحنُ بهِ في بعضِ الأيامِ. وقد انتظَمْنا في سِلكِ الالتِئامِ. وقفَ علَيْنا ذو مِقْوَلٍ جريّ. وجرْسٍ جهْوَريّ. فحَيّا تحيّةَ نفّاثٍ في العُقَدِ. قنّاصٍ للأسَدِ. والنّقَدِ. ثمّ قال:

عِنديَ يا قومُ حـديثٌ عَـجـيبْ *** فيهِ اعْتِبـارٌ لـلّـبـيبِ الأريبْ


رأيتُ في رَيْعانِ عُمْـري أخـا *** بأسٍ لهُ حدُّ الحُسامِ القَـضـيبْ


يُقْدِمُ في المَـعْـرَكِ إقْـدامَ مـنْ *** يوقِنُ بالفَـتْـكِ ولا يسْـتَـريبْ


فيُفْـرِجُ الـضّـيقَ بـكَـرّاتِـه *** حتى يُرى ما كان ضَنْكاً رَحيبْ


ما بارَزَ الأقْـرانَ إلا انْـثَـنـى *** عنْ موقِفِ الطّعْنِ برُمحٍ خضيبْ


ولا سَما يفتَحُ مُسـتَـصْـعِـبـاً *** مُستَغْلِقَ البابِ مَنيعـاً مَـهـيبْ


إلا ونـودِي حـينَ يسْـمـو لـهُ *** نصْرٌ منَ اللهِ وفـتْـحٌ قَـريبْ


هذا وكـمْ مـن لـيلَةٍ بـاتَـهـا *** يَميسُ في بُرْدِ الشّبابِ القَشـيبْ


يرتَشِفُ الـغِـيدَ ويرشُـفْـنَـهُ *** وهْوَ لدى الكُلّ المُفَدّى الحبـيبْ


فلـم يزَلْ يبـتَــزّهُ دهـــرُهُ *** ما فيهِ منْ بطْشٍ وعودٍ صَلـيبْ


حتى أصارَتْهُ اللّـيالـي لَـقًـى *** يَعافُهُ منْ كـان مـنـهُ قَـريبْ


قد أعجزَ الرّاقيَ تـحْـلـيلُ مـا *** بهِ منَ الدّاء وأعْيا الـطّـبـيبْ


وصارَمَ البـيضَ وصـارَمْـنَـهُ *** من بعدِ ما كانَ المُجابَ المُجيبْ


وآضَ كالمنْكوسِ في خَـلْـقِـهِ *** ومَنْ يَعِشْ يَلقَ دواهي المَشـيبْ


وها هُوَ اليومَ مُسَـجّـى فـمَـنْ *** يرْغَبُ في تكْفينِ ميْتٍ غَـريبْ

ثمّ إنهُ أعلنَ بالنّحيبِ. وبكى بُكاءَ المُحبّ على الحَبيبِ. ولما رقأتْ دمعَتُهُ. وانْفثأتْ لوْعَتُهُ. قال: يا نُجعَةَ الرّوادِ. وقُدوَةَ الأجْوادِ. واللهِ ما نطَقْتُ ببُهْتانٍ. ولا أخبَرْتُكُمْ إلا عنْ عِيانٍ. ولوْ كان في عَصايَ سيْرٌ. ولغَيمي مُطَيْرٌ. لاستأثرْتُ بما دعَوْتُكُمْ إليْهِ. ولما وقْفتُ موقِفَ الدّالّ علَيْهِ. ولكنْ كيفَ الطّيرانُ بلا جَناحٍ. وهلْ على منْ لا يجِدُ منْ جُناحٍ؟ قال الرّاوي: فطفِقَ القومُ يأتَمِرونَ. في ما يأمُرونَ. ويتخافَتونَ. في ما يأتُونَ. فتوهّمَ أنهُم يتمالَؤون على صَرْفِهِ بحِرْمانٍ. أو مُطالَبَتِه ببُرْهانٍ. ففرطَ منهُ أنْ قال: يا يلامِعَ القاعِ. ويَرامِعَ البِقاعِ. ما هذا الارْتِياء. الذي يأباهُ الحَياء؟ حتى كأنّكُمْ كُلّفْتُمْ مشَقّةً. لا شُقّةً. أوِ استُوهِبتُمْ بلدَةً. لا بُرْدَةً. أو هُزِزْتُمْ لكِسوَةِ البيْتِ. لا لتَكْفينِ الميْتِ؟ أُفٍّ لمَنْ لا تَنْدى صَفاتُهُ. ولا ترْشَحُ حَصاتُهُ! فلمّا بصُرَتِ الجَماعَةُ بذِلاقَتِهِ. ومرارَةِ مَذاقَتِهِ. رفأهُ كُلٌ منْهُمْ بنَيْلِهِ. واحتَمَلَ طلَّهُ خوْفَ سيْلِهِ. قال الحارثُ بنُ همّام: وكان هذا السّائلُ واقِفاً خلْفي. ومُحتَجِباً بظهْري عنْ طرْفي. فلمّا أرْضاهُ القومُ بسَيْبِهِمْ. وحقّ عليّ التّأسّي بهِمْ. خلَجْتُ خاتَمي من خِنصِري. ولفتّ إليهِ بصَري. فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيُّ بِلا فِريَةٍ. ولا مِرْيَةٍ. فأيقَنْتُ أنّها أُكذوبَةٌ تكذَّبَها. وأُحبولَةٌ نصبَها. إلا أنّني طويْتُهُ على غَرّهِ. وصُنْتُ شَغاهُ عنْ فرّهِ. فحَصَبْتُهُ بالخاتَمِ. وقلتُ: أرصِدْهُ لنفَقَةِ المأتَمِ. فقال: واهاً لكَ. فما أضْرَمَ شُعْلَتَك. وأكْرَمَ فَعْلتَكَ! ثمّ انطلَقَ يسْعى قُدْماً. ويهرْوِلُ هرْولَتهُ قِدْماً. فنزَعْتُ إلى عِرْفانِ ميّتِه. وامتِحانِ دعْوى حميّتِهِ. فقرَعْتُ ظُنْبوبي. وألْهبْتُ أُلْهوبي. حتى أدركْتُه على غَلوَةٍ. واجتَلَيْتُهُ في خَلوَةٍ. فأخَذْتُ بجُمْعِ أرْدانِه. وعُقْتُهُ عن سُنَنِ ميْدانِهِ. وقلتُ لهُ: واللهِ ما لك منّي ملْجأٌ ولا منْجًى. أو تُريني ميّتَكَ المُسَجّى! فكشفَ عنْ سراويلِه. وأشار إلى غُرْمولِهِ. فقلتُ لهُ: قاتلَكَ اللهُ فما ألْعبَكَ بالنُهى. وأحيَلَكَ على اللُّهَى! ثمّ عُدْتُ إلى أصحابي عوْدَ الرّائِدِ الذي لا يكذِبُ أهلَهُ. ولا يُبَرقِشُ قولَهُ. فأخبَرْتُهُمْ بالذي رأيتُ. وما ورّيتُ ولا رأيتُ. فقَهْقهوا منْ كَيْتَ وكَيْتَ. ولعَنوا ذلِكَ المَيْتَ.

حسن خليل
21-11-10, 05:01 PM
المقامة الفرضية للحريري

أخبرَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: أرِقْتُ ذاتَ ليلَةٍ حالِكَةِ الجلْبابِ. هامِيَةِ الرَّبابِ. ولا أرَقَ صَبٍّ طُرِدَ عنِ الباب. ومُنيَ بصَدّ الأحْبابِ. فلمْ تزَلِ الأفكارُ يهِجْنَ همّي. ويُجِلنَ في الوَساوِسِ وهْمي. حتى تمنّيْتُ. لمَضَضِ ما عانَيْتُ. أنْ أُرْزَقَ سَميراً منَ الفُضَلاء. ليُقصّرَ طولَ ليلَتي اللّيْلاء. فما انقَضَتْ مُنيَتي. ولا أُغمِضَتْ مُقلَتي. حتى قرَعَ البابَ قارِعٌ. لهُ صوتٌ خاشِعٌ. فقلتُ في نفسي: لعلّ غَرْسَ التّمني قد أثمَرَ. وليْلَ الحظّ قد أقْمَرَ. فنهَضْتُ إليْهِ عَجْلانَ. وقلتُ: مَنِ الطّارِقُ الآن؟ فقال: غَريبٌ أجَنّهُ الليلُ. وغشِيَهُ السّيْلُ. ويبْتَغي الإيواءَ لا غَير. وإذا أسْحَرَ قدّمَ السّيرَ. قال: فلمّا دَلّ شُعاعُهُ على شمْسِهِ. ونَمّ عُنوانُهُ بسِرّ طِرْسِهِ. علِمْتُ أنّ مُسامرَتَهُ غُنْمٌ. ومُساهَرَتَهُ نُعْمٌ. ففتَحْتُ البابَ بابتِسامٍ. وقلتُ: ادخُلوها بسَلام. فدخَلَ شخصٌ قد حنى الدّهرُ صَعْدَتَهُ. وبلّلَ القَطْرُ بُردَتَهُ. فحَيّا بلِسانٍ عضْبٍ. وبَيانٍ عذْبٍ. ثمّ شكرَ على تلبِيَةِ صوتِه. واعتَذَرَ منَ الطُّروقِ في غيرِ وقتِه. فدانَيْتُهُ بالمِصْباحِ المتّقِدِ. وتأمّلْتُهُ تأمّلَ المُنتَقِدِ. فألفَيْتُهُ شيخَنا أبا زيْدٍ بِلا رَيبٍ. ولا رَجْمِ غيْبٍ. فأحْلَلْتُه محلّ مَنْ أظفَرَني بقُصْوى الطّلَبِ. ونقَلَني منْ وقْذِ الُكرَبِ. إلى رَوْحِ الطّرَبِ. ثمّ أخذَ يشْكو الأينَ. وأخذْتُ في كيفَ وأينَ؟ فقال: أبلِعْني ريقي. فقدْ أتعَبَني طَريقي. فظَنَنْتُهُ مُستَبْطِناً للسّغَبِ. مُتكاسِلاً لهَذا السّبَبِ. فأحضَرْتُهُ ما يُحْضَرُ للضّيفِ المُفاجي. في اللّيلِ الدّاجي. فانقَبَضَ انقِباضَ المُحتَشِمِ. وأعْرَضَ إعْراضَ البَشِمِ. فسُؤتُ ظَنّاً بامتِناعِهِ. وأحْفَظَني حؤولُ طِباعِهِ. حتى كِدْتُ أُغْلِظُ لهُ في الكلامِ. وألسَعُهُ بحُمَةِ المَلامِ. فتبيّنَ منْ لمَحاتِ ناظِري. ما خامَرَ خاطِري. فقال: يا ضَعيفَ الثّقةِ. بأهلِ المِقَةِ. عدِّ عمّا أخطَرْتَهُ بالَكَ. واسْتَمِعْ إليّ لا أبا لكَ! فقلْتُ: هاتِ. يا أخا التُرّهاتِ! فقال: اعْلَمْ أني بِتُّ البارِحَةَ حَليفَ إفْلاسٍ. ونَجيَّ وسْواسٍ. فلمّا قضى الليلُ نحْبَهُ. وغوّرَ الصُبحُ شُهْبَهُ. غدَوْتُ وقْتَ الإشْراقِ. إلى بعضِ الأسْواقِ. متصدّياً لصَيْدٍ يسْنَحُ. أو حُرٍّ يسمَحُ. فلحَظْتُ بها تمْراً قد حَسُنَ تصْفيفُهُ. وأحسَنَ إليْهِ مَصيفُهُ. فجمعَ على التّحقيقِ. صَفاءَ الرّحيقِ. وقُنوءَ الَعقيقِ. وقُبالتَهُ لِبَأٌ قد برزَ كالإبْريزِ الأصفَرِ. وانجلى في اللونِ المزَعْفَرِ. فهوَ يُثْني على طاهِيهِ. بلِسانِ تناهِيهِ. ويصوِّبُ رأيَ مُشتَريهِ. ولوْ نقَدَ حبّةَ القلْبِ فيهِ. فأسرَتْني الشّهوةُ بأشْطانِها. وأسلَمَتْني العَيْمَةُ إلى سُلْطانِها. فبَقيتُ أحْيَرَ من ضَبّ. وأذْهَلَ من صَبّ. لا وُجْدَ يوصِلُني إلى نيْلِ المُرادِ. ولذّةِ الازْدِرادِ. ولا قدَمَ تُطاوعُني على الذّهابِ. مع حُرقَةِ الالتِهابِ. لكِنْ حَداني القرَمُ وسوْرَتُهُ. والسّغَبُ وفَورَتُهُ. على أنْ أنتَجِعَ كُلَّ أرضٍ. وأقتَنِعَ منَ الوِرْدِ ببَرْضٍ. فلمْ أزَلْ سَحابةَ ذلِكَ النّهارِ. أُدْلي دَلْوي إلى الأنْهارِ. وهيَ لا ترْجِعُ ببِلّةٍ. ولا تجْلُبُ نقْعَ غُلّةٍ. إلى أنْ صغَتِ الشمسُ للغُروبِ. وضعُفَتِ النّفسُ منَ اللّغوبِ. فرُحْتُ بكبِدٍ حرّى. وانثَنَيْتُ أقدّمُ رِجْلاً وأؤخّرُ أخرى. وبينَما أنا أسعى وأقعُدُ. وأهُبُّ وأرْكُدُ. إذ قابَلَني شيخٌ يتأوّهُ أهّةَ الثّكْلانِ. وعيناهُ تهْمُلانِ. فما شغَلني ما أنا فيهِ منْ داء الذّيبِ. والخَوى المُذيبِ. عنْ تَعاطي مُداخَلَتِهِ. والطّمعِ في مُخاتَلَتِهِ. فقلتُ لهُ: يا هَذا إنّ لبُكائِكَ سِرّاً. ووَراء تحرُّقِكَ لشَرّاً. فأطْلِعْني على بُرَحائِكَ. واتّخِذْني منْ نُصَحائِكَ. فإنّكَ ستجِدُ مني طَبّاً آسِياً. أو عوْناً مؤاسياً. فقال: واللهِ ما تأوّهي منْ عيشٍ فاتَ. ولا منْ دهْرٍ افْتاتَ بلْ لانقِراضِ العِلمِ ودُروسهِ. وأفولِ أقمارِهِ وشُموسِهِ. فقلت: وأيّ حادثَةٍ نجمَتْ. وقضيّةٍ استعْجَمتْ. حتى هاجَتْ لكَ الأسَفَ. على فقْدِ منْ سلَفَ؟ فأبْرَزَ رُقعَةً منْ كُمّهِ. وأقسَمَ بأبيهِ وأمّه. لقدْ أنزَلَها بأعْلامِ المدارِسِ. فما امتازوا عنِ الأعْلامِ الدّوارِسِ. واستنْطَقَ لَها أحْبارَ المَحابِرِ. فخرِسوا ولا خرَسَ سُكّانِ المقابِرِ. فقلتُ: أرِنيها. فلعلّي أغْني فيها. فقال: ما أبعَدْتَ في المَرامِ. فرُبّ رمْيَةٍ منْ غيرِ رامٍ. ثمّ ناوَلنيها. فإذا المكْتوبُ فيها:
أيّها العالِمُ الفَقيهُ الـذي فـا *** قَ ذُكاءً فما لهُ منْ شَبـيهِ
أفِتْنا في قضيّةٍ حادَ عنْـهـا *** كلُّ قاضٍ وحارَ كلُّ فَقـيهِ
رجُلٌ ماتَ عنْ أخٍ مسلِمٍ حُ *** رٍ تقيٍّ مـنْ أمّـهِ وأبـيهِ
ولهُ زوْجَةٌ لها أيّها الحِـبْ *** رُ أخٌ خالِصٌ بلا تَـمـويهِ
فحوَتْ فرْضَها وحازَ أخوها *** ما تبَقّى بالإرثِ دونَ أخيهِ
فاشْفِنا بالجَوابِ عمّا سألْنـا *** فهْوَ نصٌّ لا خُلْفَ يوجَدُ فيهِ
فلمّا قرأتُ شِعْرَها. ولمحْتُ سرّها. قلتُ له: على الخَبيرِ بها سقَطْتَ. وعندَ ابنِ بجْدَتِها حططْتَ. إلا أني مُضطرِمُ الأحْشاء. مُضطَرٌّ إلى العَشاء. فأكْرِمْ مثْوايَ. ثم استَمِعْ فتْوايَ. فقال: لقد أنصَفْتَ في الاشتِراطِ. وتجافَيْتَ عنِ الاشتِطاطِ. فصِرْ معي. إلى مربَعي. لتَظْفَرَ بما تبْتَغي. وتنقَلِبَ كما ينْبَغي. قال: فصاحَبتُهُ إلى ذَراهُ. كما حكَمَ اللهُ. فأدخَلَني بيتاً أحرجَ من التّابوتِ. وأوْهَنَ منْ بيتِ العنكَبوتِ. إلا أنّهُ جبَرَ ضيقَ ربْعِهِ. بتوْسِعَةِ ذرْعِهِ. فحكّمَني في القِرى. ومطايِبِ ما يُشتَرى. فقلتُ: أريدُ أزْهى راكبٍ على أشْهى مرْكوبٍ. وأنْفَعَ صاحِبٍ مع أضرّ مصْحوبٍ. فأفْكَرَ ساعةً طويلةً. ثمّ قال: لعلّك تعْني بنْتَ نُخَيلةٍ. معَ لِباء سُخَيلةٍ. فقلتُ: إياهُما عنَيْتُ. ولأجْلِهِما تعنّيْتُ. فنهَضَ نشيطاً. ثمّ ربَضَ مُستَشيطاً. وقال: اعْلَمْ أصلحَكَ اللهُ أنّ الصّدْقَ نَباهةٌ. والكذِبَ عاهَةٌ. فلا يحمِلنّكَ الجوعُ الذي هوَ شِعارُ الأنبِياء. وحِليَةُ الأولِياء. على أنْ تلْحَقَ بمَنْ مانَ. وتتخلّقَ بالخُلُقِ الذي يُجانِبُ الإيمانَ. فقدْ تجوعُ الحُرّةُ ولا تأكُلُ بثَدْيَيها. وتأبى الدنيّةَ ولوِ اضطُرّتْ إلَيْها. ثمّ إنّي لستُ لك بزَبونٍ. ولا أُغضي على صَفقَةِ مغْبونٍ. وها أنا قد أنذَرْتُكَ قبلَ أنْ ينهَتِكَ السِّتْرُ. وينعَقِدَ فيما بينَنا الوِتْرُ. فلا تُلْغِ تدبُّرَ الإنْذارِ. وحَذارِ منَ المُكاذبَةِ حَذارِ. فقلْتُ لهُ: والذي حرّمَ أكْلَ الرِّبا. وأحَلّ أكْلَ اللِّبا. ما فُهْتُ بزورٍ. ولا دلّيْتُكَ بغُرورٍ. وستخْبُرُ حَقيقَةَ الأمْرِ. وتحْمَدُ بذْلَ اللّبإ والتّمْرِ. فهشّ هَشاشَةَ المصْدوقِ. وانطلَقَ مُغِذّاً إلى السّوقِ. فما كان بأسرَعَ منْ أنْ أقبَلَ بهِما يدْلَحُ. ووجْهُهُ منَ التّعبِ يكلَحُ. فوضَعَهُما لديّ. وضْعَ المُمْتَنّ عليّ. وقال: اضرِبْ الجيْشَ بالجيْشِ. تحْظَ بلَذّةِ العيشِ. فحسَرْتُ عن ساعِدِ النّهِمِ. وحملْتُ حملَةَ الفيلِ المُلتَهِمِ. وهو يلْحَظُني كما يلحَظُ الحَنِقُ. ويوَدّ منَ الغيْظِ لو أختَنِقُ. حتى إذا هلقَمْتُ النّوعينِ. وغادرْتُهُما أثَراً بعْدَ عينٍ. أقرَدْتُ حيْرَةً في إظْلالِ البَياتِ. وفِكرةً في جَوابِ الأبْياتِ. فما لبِثَ أن قام. وأحضَرَ الدّواةَ والأقْلامَ. وقال: قد ملأتَ الجرابَ. فأمْلِ الجَوابَ. وإلا فتهيّأ إنْ نكَلْتَ. لاغْتِرامِ ما أكلْتَ! فقلْتُ له: ما عِندي إلا التّحقيقُ. فاكتُبِ الجوابَ وباللهِ التوْفيقُ:
قُلْ لمَنْ يُلغِزُ المســــائِلَ إنـي *** كاشِفٌ سِرّها الذي تُخْفــــيهِ
إنّ ذا الميّتَ الـــذي قدّمَ الشّرْ *** عُ أخا عِرسِــــهِ على ابنِ أبيهِ
رجُـــلٌ زوّجَ ابنَهُ عنْ رِضاهُ *** بحَماةٍ لهُ ولا غَـرْوَ فـــــيهِ
ثمّ ماتَ ابنُهُ وقدْ عـلِـقَـتْ مـنْ *** هُ فـجـاءتْ بـابـنٍ يسُـرّ ذويهِ
فهُو ابنُ ابـنِـهِ بـغـيرِ مِـراءٍ *** وأخو عِـرسِـهِ بـلا تَـمْـويهِ
وابنُ الابنِ الصّريحُ أدْنى إلى الـجَـ *** دّ وأوْلـى بـإرْثِـهِ مـنْ أخـيهِ
فلِذا حينَ مـاتَ أوجِـبَ لـلـزّوْ *** جَةِ ثُمْنُ التُـراثِ تـسـتَـوفـيهِ
وحوى ابنُ ابنِهِ الذي هوَ في الأصْـ *** لِ أخوها مـنْ أمّـهـا بـاقِـيهِ
وتخلّى الأخُ الشّـقـيقُ مـنَ الإرْ *** ثِ وقُلْنا يكـفـيكَ أن تـبـكـيهِ
هاكَ مني الفُتْيا التي يحْـتَـذيهـا *** كلُّ قاضٍ يقضي وكـلُّ فَـقـيهِ
قال: فلمّا أثبَتّ الجوابَ. واستَثبتُّ منهُ الصّوابَ. قال لي: أهلَكَ والليلَ. فشمِّرِ الذّيْلَ. وبادرِ السّيْلَ! فقلتُ: إني بِدارِ غُربَةٍ. وفي إيوائي أفضَلُ قُربَةٍ. لا سيّما وقد أغدَفَ جُنْحُ الظّلامِ. وسبّحَ الرّعدُ في الغَمامِ. فقال: اغْرُبْ عافاكَ اللهُ إلى حيثُ شِيتَ. ولا تطمَعْ في أنْ تبيتَ. فقلتُ: ولمَ ذاكَ. معَ خُلوّ ذَراكَ؟ قال: لأني أنعَمْتُ النظَرَ. في التِقامِكَ ما حضَرَ. حتى لمْ تُبْقِ ولمْ تذَرْ. فرأيتُك لا تنظُرُ في مصلحَتِكَ. ولا تُراعي حِفْظَ صحّتِكَ. ومَنْ أمعَنَ فيما أمعنْتَ. وتبطّنَ ما تبطّنْتَ. لم يكَدْ يخْلُصُ منْ كِظّةٍ مُدنِفَةٍ. أو هيْضَةٍ مُتلِفَةٍ. فدَعْني باللهِ كَفافاً. واخْرُجْ عني ما دُمْتَ مُعافًى. فوَالذي يُحْيي ويُميتُ. م لكَ عِندي مَبيتٌ! فلمّا سمِعْتُ ألِيّتَهُ. وبلَوْتُ بليّتَهُ. خرجْتُ منْ بيِته بالرّغْمِ. وتزوّدِ الغَمِّ. تجودُني السّماءُ. وتخْبِطُ بيَ الظّلْماءُ. وتَنبَحُني الكِلابُ. وتتقاذَفُ بيَ الأبوابُ. حتى ساقَني إلَيكَ لُطْفُ القضاء. فشُكْراً ليَدِه البَيضاء. فقلتُ لهُ: أحْبِبْ بلِقائِكَ المُتاحِ. إلى قلْبيَ المُرْتاحِ! ثمّ أخذَ يفْتَنّ بحِكاياتِهِ. ويُشْمِطُ مُضحِكاتِهِ بمُبْكِياتِه. إلى أنْ عطَسَ أنْفُ الصّباحِ. وهتَفَ داعي الفَلاحِ. فتأهّبَ لإجابَةِ الدّاعي. ثمّ عطَفَ إلى وَداعي. فعُقْتُه عنِ الانبِعاثِ. وقلتُ: الضّيافَةُ ثلاثٌ! فناشَدَ وحرّجَ. ثمّ أمَّ المَخرَجَ. وأنشدَ إذ عرّجَ:
لا تزُرْ منْ تُحبّ في كلّ شهرٍ *** غيرَ يومٍ ولا تـزِدْهُ عـلـيهِ
فاجْتِلاءُ الهِلالِ في الشهْرِ يومٌ *** ثمّ لا تنظُرُ الـعُـيونُ إلـيْهِ
قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فودّعتُهُ بقلْبٍ دامي القُرْحِ. وودِدْتُ لوْ أنّ ليلَتي بطيئَةُ الصُبْحِ.

بنتـ الخليج
21-11-10, 05:04 PM
يعطيك العافيه

حسن خليل
21-11-10, 05:05 PM
المقامة الفراتية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أوَيْتُ في بعضِ الفتَراتِ. إلى سقْيِ الفُراتِ. فلَقيتُ بها كُتّاباً أبْرَعَ منْ بَني الفُراتِ. وأعْذَبَ أخْلاقاً منَ الماء الفُراتِ. فأطَفْتُ بهِمْ لتهَذُّبِهِمْ. ولا لذَهَبِهِمْ. وكاثَرْتُهُمْ لأدَبِهِم. لا لمآدِبِهمْ. فجالَسْتُ منهُمْ أضْرابَ قَعْقاعِ بنِ شَوْرٍ. ووصلتْ بهِمْ إلى الكَوْرِ. بعدَ الحَوْرِ. حتى إنّهُمْ أشرَكوني في المرْتَعِ والمرْبَعِ. وأحَلّوني محَلّ الأنْمُلَةِ منَ الإصْبَعِ. واتّخذوني ابنَ أُنسِهِمْ عندَ الوِلايَةِ والعَزْلِ. وخازِنَ سِرّهِمْ في الجِدّ والهزْلِ. فاتّفَقَ أنْ نُدِبوا في بعْضِ الأوْقاتِ. لاستِقْراء مَزارِعِ الرُزْداقاتِ. فاخْتاروا منَ الجَواري المُنْشآتِ. جاريةً حالِكَةَ الشِّياتِ. تَحْسَبُها جامِدةً وهي تمُرّ مرّ السّحابِ. وتنْسابُ في الحَبابِ كالحُبابِ. ثمّ دعَوْني إلى المُرافَقَةِ. فلبّيتُ بلِسانِ المُوافَقَةِ. فلمّا تورّكْنا على المَطيّةِ الدّهْماء. وتبَطّنّا الوَلِيّةَ الماشيةَ على الماء. ألفَيْنا بها شيخاً علَيْهِ سحْقُ سِرْبالٍ. وسِبٌّ بالٍ. فعافَتِ الجَماعَةُ مَحْضَرَهُ. وعنّفَتْ منْ أحضَرَهُ. وهمّتْ بإبْرازِهِ منَ السّفينةِ. لولا ما ثابَ إلَيْها منَ السّكينَةِ. فلمّا لمحَ منّا استِثْقالَ ظِلّهِ. واستِبْرادَ طَلّهِ. تعرّضَ للمُنافثَةِ. فصُمّتَ. وحمْدَلَ بعدَ أنْ عطَسَ فما شُمّتَ. فأخْرَدَ ينظُرُ فيما آلَتْ حالُهُ إليْهِ. وينتظِرُ نُصرَةَ المَبْغيّ علَيْهِ. وجُلْنا نحْنُ في شُجونٍ. منْ جِدٍّ ومُجونٍ. إلى أنِ اعتَرَضَ ذِكْرُ الكِتابَتَينِ وفضْلِهِما. وتَبْيانِ أفضَلِهِما. فقالَ قائِلٌ: إنّ كتَبَةَ الإنْشاء أنْبَلُ الكُتّابِ. ومالَ مائِلٌ إلى تفْصيلِ الحُسّابِ. واحتدّ الحِجاجُ. وامتدّ اللَّجاجُ. حتى إذا لمْ يبْقَ للجِدالِ مَطرَحٌ. ولا للمِراء مسرَحٌ. قال الشيخُ: لقدْ أكثرْتُمْ يا قوْمُ اللّغَطَ. وأثَرْتُمُ الصّوابَ والغلَطَ. وإنّ جَليّةَ الحُكمِ عِندي. فارتَضوا بنقْدي. ولا تستَفْتوا أحداً بعْدِي. اعْلَموا أنّ صِناعَةَ الإنْشاء أرْفَعُ. وصِناعَةَ الحِسابِ أنفَعُ. وقلَمَ المُكاتَبَةِ خاطِبٌ. وقلَمَ المُحاسَبَةِ حاطِبٌ. وأساطيرَ البَلاغَةِ تُنسَخُ لتُدْرَسَ. ودساتيرَ الحُسْباناتِ تُنسَخُ وتُدرَسُ. والمُنشِئُ جُهَينَةُ الأخْبارِ. وحقيبةُ الأسْرارِ. ونَجيُّ العُظماء. وكَبيرُ النُّدَماء. وقلَمُهُ لِسانُ الدولَةِ. وفارِسُ الجولَةِ. ولُقْمانُ الحِكمَةِ. وتَرْجُمانُ الهِمّةِ. وهوَ البَشيرُ والنّذيرُ. والشّفيعُ والسّفيرُ. بهِ تُستَخْلَصُ الصّياصي. وتُملَكُ النّواصي. ويُقتادُ العاصي. ويُستَدْنى القاصي. وصاحِبُهُ بريءٌ من التّبِعاتِ. آمِنٌ كيْدَ السُعاةِ. مقرَّظٌ بينَ الجماعاتِ. غيرُ معرَّضٍ لنَظْمِ الجِماعاتِ. فلمّا انتهى في الفصْلِ. إلى هذا الفصْلِ. لحَظَ منْ لمَحاتِ القوْمِ أنهُ ازْدَرَعَ حُبّاً وبُغْضاً. وأرْضى بعْضاً وأحفَظَ بعْضاً. فعقّبَ كلامَهُ بأنْ قال: إلا أنّ صِناعَة الحِسابِ موضوعةٌ على التّحقيقِ. وصَناعَةَ الإنشاءِ مبنيّةٌ على التّلْفيقِ. وقلَمَ الحاسِبِ ضابِطٌ. وقلمَ المُنشِئ خابِطٌ. وبينَ إتاوَةِ توظيفِ المُعامَلاتِ. وتِلاوَةِ طَواميرِ السّجِلاّتِ. بوْنٌ لا يُدرِكُهُ قِياسٌ. ولا يعْتَورُهُ التِباسٌ. إذِ الإتاوَةُ تمْلأ الأكْياسَ. والتّلاوَةُ تفَرِّغُ الرّاسَ. وخَراجُ الأوارِجِ يُغْني النّاظِرَ. واستِخْراجُ المَدارِجِ يُعَنّي الناظِرَ. ثمّ إنّ الحسَبَةَ حفَظَةُ الأموالِ. وحمَلَةُ الأثْقالِ. والنّقَلَةُ الأثْباتُ. والسّفَرَةُ الثّقاتُ. وأعْلامُ الإنْصافِ. والانتِصافِ. والشّهودُ المَقانِعُ في الاختِلافِ. ومنهُمُ المُستَوْفي الذي هوَ يدُ السّلطانِ. وقُطْبُ الدّيوانِ. وقِسْطاسُ الأعملِ. والُهَيمِنُ على العُمّالِ. وإليْهِ المآبُ في السّلْمِ والهرْجِ. وعلَيْهِ المَدارُ في الدّخْلِ والخرَجِ. وبهِ مَناطُ الضّرّ والنّفْعِ. وفي يدِهِ رِباطُ الإعْطاء والمنْعِ. ولوْلا قلَمُ الحُسّابِ. لأوْدَتْ ثمرَةُ الاكتِسابِ. ولاتّصَلَ التّغابُنُ إلى يومِ الحِسابِ. ولَكانَ نِظامُ المُعامَلاتِ مَحْلولاً. وجُرْحُ الظُلاماتِ مطْلولاً. وجيدُ التّناصُفِ مغْلولاً. وسيْفُ التّظالُمِ مسْلولاً. على أنّ يَراعَ الإنْشاء متَقوِّلٌ. ويَراعُ الحِسابِ متأوِّلٌ. والمُحاسِبُ مناقِشٌ. والمُنشِئُ أبو بَراقِشَ. ولكِلَيْهِما حُمَةٌ حينَ يرْقَى. إلى أنْ يُلْقى ويُرْقى. وإعْناتٌ فيما يُنْشا. حتى يُغْشى. ويُرْشى. إلا الذينَ آمَنوا وعمِلوا الصّالِحاتِ وقَليلٌ ما هُمْ. قال الحارِثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أمْتَعَ الأسْماعَ. بما راقَ وراعَ. استَنْسَبْناهُ فاسْتَرابَ. وأبَى الانتِسابَ. ولوْ وجَدَ مُنْساباً لانْسابَ. فحصَلْتُ منْ لبْسِهِ على غُمّةٍ. حتى ادّكَرْتُ بعْدَ أمّةٍ. فقُلْتُ: والذي سخّرَ الفلَكَ الدّوّارَ. والفُلْكَ السّيّارَ. إني لأجِدُ ريحَ أبي زيدٍ. وإنْ كنتُ أعهدُهُ ذا رَواءٍ وأيْدٍ. فتبسّمَ ضاحِكاً من قوْلي. وقال: أنا هوَ على استِحالَةِ حالي وحوْلي. فقلتُ لأصحابي: هذا الذي لا يُفْرى فرِيُّهُ. ولا يُبارَى عبقَريُّهُ. فخطَبوا منْهُ الوُدّ. وبذَلوا لهُ الوُجْدَ. فرَغِبَ عنِ الأُلفَةِ. ولم يرْغَبْ في التُّحْفَةِ. وقال: أما بعْدَ أنْ سحَقْتُمْ حقّي. لأجلِ سَحْقي. وكسفْتُمْ بالي. لإخْلاقِ سِرْبالي. فما أراكُمْ إلا بالعينِ السّخينَةِ. ولا لكُمْ مني إلا صُحْبَةُ السّفينةِ. ثمّ أنشدَ:

اسمَعْ أُخَيّ وصيّةً منْ نـاصِـحٍ *** ما شابَ محْضَ النُصْح منه بغِشّهِ


لا تَعجَلَنْ بقـضـيّةٍ مـبْـتـوتَةٍ *** في مدْحِ منْ لمْ تبلُهُ أو خـدشِـهِ


وقِفِ القضيّةَ فيهِ حتى تجْتَـلـي *** وصْفَيْهِ في حالَيْ رِضاهُ وبطْشِهِ


ويَبينَ خُلّبُ برْقِهِ مـنْ صِـدْقِـهِ *** للشّائِمينَ ووبْلُـهُ مـنْ طَـشّـهِ


فهُناكَ إنْ ترَ مـا يَشـينُ فـوارِهِ *** كرَماً وإنْ ترَ ما يَزينُ فأفْـشِـهِ


ومنِ استَحَقّ الإرْتِقـاءَ فـرقّـهِ *** ومنِ استحطّ فحُطّهُ في حـشّـهِ


واعلَمْ بأنّ التّبرَ في عِرْقِ الثّـرى *** خافٍ إلى أنْ يُستَثارَ بنَـبْـشِـهِ


وفَضيلةُ الدّينارِ يظهَـرُ سِـرُّهـا *** منْ حَكّهِ لا مِنْ مَلاحَةِ نقْـشِـهِ


ومنَ الغَباوةِ أن تعظّـمَ جـاهِـلاً *** لصِقالِ ملبَسِهِ ورونَقِ رَقْـشِـهِ


أو أن تُهينَ مهذّباً في نـفـسِـهِ *** لدُروسِ بِزّتِـهِ ورثّةِ فُـرْشِـهِ


ولَكَمْ أخي طِمْرَينِ هِيبَ لفضْلـه *** ومفَوّفِ البُرْدَينِ عيبَ لفُحْـشِـهِ


وإذا الفتى لمْ يغْشَ عاراً لم تكـنْ *** أسْمالُهُ إلاّ مَـراقـي عـرْشِـهِ


ما إنْ يضُرُّ العَضْبُ كوْنُ قِرابِـهِ *** خلَقاً ولا البازِي حَقارَةُ عُـشّـهِ

ثمّ ما عتّمَ أنِ استوْقَفَ الملاّحَ. وصعِدَ منَ السّفينةِ وساحَ. فندِمَ كلٌ منّا على ما فرّطَ في ذاتِه. وأغْضى جفْنَه على قَذاتِهِ. وتعاهَدْنا على أنْ لا نحتَقِرَ شخْصاً لرَثاثَةِ بُرْدِهِ. وأنْ لا نزْدَريَ سيْفاً مخْبوءاً في غِمدِهِ.

حسن خليل
21-11-10, 05:06 PM
يعطيك العافيه

الله يعافيكِ

شكراً لكِ على المرور للموضوع.

حسن خليل
21-11-10, 05:09 PM
المقامة القطيعية للحريري


حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: عاشَرتُ بقطيعَةِ الرّبيعِ. في إبّانِ الرّبيعِ. فِتيةً وجوهُهُمْ أبلَجُ من أنوارِهِ. وأخلاقُهُمْ أبهَجُ من أزهارِهِ. وألفاظُهُمْ أرقُّ من نسيمِ أسحارِهِ. فاجتَلَيتُ منهُمْ ما يُزْري على الرّبيعِ الزّاهِرِ. ويُغْني عن رنّاتِ المَزاهِرِ. وكنّا تقاسَمْنا على حِفْظِ الوِدادِ. وحَظْرِ الاستِبْدادِ. وأن لا يتفرّدَ أحدُنا بالتِذاذٍ. ولا يستأثِرَ ولو برَذاذٍ. فأجْمَعْنا في يومٍ سَما دَجْنُهُ. ونَما حُسنُه. وحكَمَ بالاصْطِباحِ مُزْنُهُ. على أنْ نلتَهي بالخُروجِ. إلى بعضِ المُروجِ. لنُسرِّحَ النّواظِرَ. في الرّياضِ النّواضِرِ. ونصْقُلَ الخواطِرَ. بشَيْمِ المَواطِرِ. فبرَزْنا ونحنُ كالشّهورِ عِدّةً. وكنَدْمانَيْ جَذيمَةَ مودّةً. إلى حَديقَةٍ أخذَتْ زُخرُفَها وازّيّنَتْ. وتنوّعتْ أزاهيرُها وتلوّنَتْ. ومعَنا الكُمَيتُ الشَّموسُ. والسُقاةُ الشُّموسُ. والشّادي الذي يُطرِبُ السّامِعَ ويُلهِيهِ. ويَقْري كلَّ سمْعٍ ما يشتَهيهِ. فلمّا اطمأنّ بِنا الجُلوسُ. ودارَتْ عليْنا الكؤوسُ. وغَلَ علَيْنا ذِمْرٌ. عليهِ طِمْرٌ. فتجَهّمْناهُ تجهُّمَ الغيدِ الشِّيبَ. ووجَدْنا صفْوَ يومِنا قد شِيبَ. إلا أنهُ سلّمَ تسليمَ أولي الفَهْمِ. وجلسَ يَفُضّ لَطائِمَ النّثْر والنّظْمِ. ونحنُ ننْزَوي منِ انبِساطِهِ. وننْبَريْ لطَيِّ بِساطِهِ. إلى أنْ غنّى شادِينا المُغْرِبُ. ومُغرِّدُنا المُطْرِبُ:

إلامَ سُعادُ لا تَصلِينَ حَـبْـلـي *** ولا تأوينَ لي مـمّـا أُلاقـي


صبَرْتُ عليكِ حتى عيلَ صبْري *** وكادَتْ تبلُغُ الرّوحُ التّـراقـي


وها أنا قدْ عزَمْتُ على انتِصافٍ *** أُساقي فيهِ خِلّي ما يُسـاقـي


فإنْ وَصْلاً ألذُّ بـهِ فـوَصْـلٌ *** وإنْ صَرْماً فصرْمٌ كالطّـلاقِ

قال: فاسَفْهَمْنا العابثَ بالمَثاني. لِمَ نصَبَ الوصْلَ الأوّلَ ورفَعَ الثّاني؟ فأقْسَمَ بتُربَةِ أبَوَيْه. لقدْ نطَقَ بما اختارَهُ سيبوَيه. فتشَعّبَتْ حينئذٍ آراءُ الجمْع. في تجويزِ النّصبِ والرّفعِ. فقالتْ فِرقَةٌ: رفْعُهُما هوَ الصّوابُ. وقالتْ طائِفةٌ: لا يجوزُ فيهِما إلا الانتِصابُ. واستَبْهَمَ على آخرينَ الجوابُ. واستعَرَ بينَهُمُ الاصطِخابُ. وذلِكَ الواغِلُ يُبْدي ابتِسامَ ذي معرِفةٍ. وإنْ لمْ يفُهْ ببِنْتِ شفَةٍ. حتى إذا سكنَتِ الزّماجِرُ. وصمتَ المزْجورُ والزّاجِرُ. قال: يا قومُ أنا أُنَبّئُكُمْ بتأويلِهِ. وأميّزُ صَحيحَ القوْلِ منْ عَليلِهِ. إنهُ لَيَجوزُ رفْعُ الوصْلَينِ ونصْبُهُما. والمُغايَرَةُ في الإعرابِ بينَهُما. وذلِكَ بحسَبِ اختِلافِ الإضْمارِ. وتقْديرِ المحْذوفِ في هَذا المِضْمارِ. قال: ففَرَطَ منَ الجَماعةِ إفْراطٌ في مُماراتِهِ. وانخِراطٌ إلى مُباراتِهِ. فقال: أما إذا دعوْتُمْ نَزالِ. وتلبّبْتُمْ للنّضالِ. فما كلِمَةٌ هيَ إنْ شِئْتُمْ حرْفٌ محْبوبٌ. أوِ اسمٌ لِما فيهِ حرْفٌ حَلوبٌ؟ وأي اسمٍ يترَدّدُ بينَ فرْدٍ حازِمٍ. وجمْعٍ مُلازِمٍ؟ وأيّةُ هاءٍ إذا التحقَتْ أماطَتِ الثِّقَلَ. وأطلَقَتِ المُعتقَلَ؟ وأينَ تدخُلُ السينُ فتعزِلُ العامِلَ. منْ غيرِ أن تُجامِلَ؟ وما منْصوبٌ أبَداً على الظّرْفِ. لا يخْفِضُهُ سوى حرْفٌ؟ وأيّ مُضافٍ أخَلّ منْ عُرَى الإضافَةِ بعُرْوَةٍ. واختلَفَ حُكمُهُ بينَ مساءٍ وغُدوَةٍ؟ وما العامِلُ الذي يتّصلُ آخِرُهُ بأوّلِهِ. ويعمَلُ معكوسُهُ مثلَ عمَلِه؟ وأيّ عمَلٍ نائِبُهُ أرْحَبُ منهُ وَكْراً. وأعظَمُ مَكْراً. وأكثَرُ للهِ تَعالى ذِكْراً؟ وفي أيّ موطِنٍ تلبَسُ الذُّكْرانُ. براقِعَ النّسوانِ. وتبرُزُ ربّاتُ الحِجالِ. بعَمائِمِ الرّجالِ؟ وأينَ يجِبُ حِفظُ المَراتِبِ. على المضْروبِ والضّارِبِ؟ وما اسمٌ لا يُعرَفُ إلا باستِضافَةِ كلِمتَينِ. أوِ الاقتِصارِ منه على حرْفَينِ. وفي وَضْعِهِ الأوّلِ التِزامٌ. وفي الثّاني إلْزامٌ؟ وما وصْفٌ إذا أُردِفَ بالنّونِ. نقَصَ صاحِبُهُ في العُيونِ. وقُوّمَ بالدّونِ. وخرَجَ منَ الزَّبونِ. وتعرّضَ للهُونِ؟ فهَذِهِ ثِنْتا عشْرَةَ مسألةً وفْقَ عدَدِكُمْ. وزِنَةَ لَدَدِكُمْ. ولو زِدْتُمْ زِدْنا. وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا. قال المُخبرُ بهذِهِ الحِكايةِ: فورَدَ عليْنا من أحاجِيهِ اللاّتي هالَتْ. لمّا انْهالَتْ. ما حارَتْ لهُ الأفكارُ وحالَتْ. فلمّا أعجزَنا العَوْمُ في بحرِهِ. واستسْلَمَتْ تَمائِمُنا لسِحْرِهِ. عدَلْنا منِ استِثْقالِ الرّؤيَةِ لهُ إلى استِنْزالِ الرّوايَةِ عنهُ. ومِنْ بَغْيِ التّبرّمِ بهِ إلى ابتِغاء التعلّمِ منهُ. فقال: والذي نزّلَ النّحْوَ في الكَلامِ. منزِلَةَ المِلْحِ في الطّعامِ. وحجَبَهُ عن بصائِرِ الطّغامِ. لا أنَلْتُكُمْ مَراماً. ولا شفيْتُ لكُمْ غَراماً. أو تُخوّلَني كلُّ يدٍ. ويخْتَصّني كلٌ منكُم بيَدٍ. فلمْ يبْقَ في الجماعةِ إلا منْ أذْعَنَ لحُكمِهِ. ونبَذَ إلَيْهِ خُبْأةَ كُمّهِ. فلمّا حصلَتْ تحتَ وِكائِهِ. أضرَمَ شُعلَةَ ذكائِهِ. فكشَفَ حينئذٍ عن أسْرارِ ألْغازِهِ. وبدائِعِ إعْجازِهِ. ما جَلا بهِ صدأ الأذْهانِ. وجلّى مطْلَعَهُ بنورِ البُرْهانِ. قال الرّاوي: فهِمْنا. حينَ فهِمْنا. وعجِبْنا. إذْ أُجِبْنا. وندِمْنا. على ما ندّ مِنّا. وأخذْنا نعتَذِرُ إليهِ اعتِذارَ الأكْياسِ. ونعْرِضُ عليهِ ارتِضاعَ الكاسِ. فقالَ: مأرَبٌ لا حَفاوةٌ. ومشْرَبٌ لمْ يبْقَ لهُ عندي حَلاوَةٌ. فأطَلْنا مُراودَتَهُ. ووالَيْنا مُعاوَدَتَهُ. فشمخَ بأنفِهِ صَلَفاً. ونأى بجانِبِه أنَفاً. وأنشدَ:

نَهاني الشيْبُ عمّا فـيهِ أفْـراحـي *** فكيفَ أجمَعُ بين الـرّاحِ والـرّاحِ


وهل يجوزُ اصطِباحي من مُعتّـقةٍ *** وقد أنارَ مشيبُ الرّأسِ إصْباحـي


آلَيتُ لا خامرَتني الخمرُ ما علِقَـتْ *** روحي بجِسْمي وألفاظي بإفْصاحي


ولا اكتسَتْ لي بكاساتِ السُلافِ يدٌ *** ولا أجَلتُ قِداحـي بـين أقْـداحِ


ولا صرَفْتُ إلى صِرْفٍ مُشَعشَـعةٍ *** همّي ولا رُحتُ مُرْتاحاً إلى راحِ


ولا نظَمْتُ علـى مـشـمـولَةٍ أبـداً *** شملي ولا اخترْتُ نَدماناً سوى الصّاحي


مَحا المشيبُ مِراحي حينَ خطّ عـلـى *** رأسي فأبغِضْ به من كـاتِـبٍ مـاحِ


ولاحَ يلْحَى على جرّي العِـنـانَ إلى *** ملْهًى فسُـحْـقـاً لـهُ مـن لائِحٍ لاحِ


ولوْ لهَوْتُ وفَـوْدِي شـائِبٌ لـخَـبـا *** بينَ المصابيحِ من غسّانَ مِصْبـاحـي


قومٌ سَجاياهُـمُ تـوْقـيرُ ضَـيْفِـهِـمِ *** والشّيبُ ضيفٌ له التّوْقـيرُ يا صـاحِ

ثمّ إنّه انْسابَ انسيابَ الأيْمِ. وأجْفلَ إجْفالَ الغيْمِ. فعلِمْتُ أنهُ سِراجُ سَروجَ. وبدْرُ الأدبِ الذي يجْتابُ البُروجَ. وكان قُصارانا التّحرُّقَ لبُعدِهِ. والتّفرُّقَ منْ بعدِهِ.


تفسير


من النكت العربية والأحاجي النحوية
أما الكلمة التي هي حرف محبوب أو اسم لما فيه حرف حلوب: فهي نعم إن أردت بها تصديق الأخبار أو العدة عند السؤال فهي حرف، وإن عنيت بها الإبل فهي اسم، والنعم تذكر وتؤنث وتطلق على الإبل وعلى كل ماشية فيها إبل، وفي الإبل الحرف وهي النّاقة الضامة، سميت حرفاً تشبيهاً لها بحرف السيف، وقيل إنه الضخمة تشبيهاً لها بحرف الجبل.
وأما الاسم المردد بين فرد حازم وجمع ملازم: فهي سراويل، قال بعضهم: هو واحد وجمعه سراويلات، فعلى هذا القول هو فرد. وكنى عن ضمه الخصر بأنه حازم. وقال آخرون: بل هو جمع واحده سروال مثل شملال وشماليل وسربال وسرابيل، فهو على هذا القول جمع. ومعنى قوله ملازم أي لا ينصرف، وإنّم لم ينصرف هذا النوع من الجمع وهو كل جمع ثالثه ألف وبعدها حرف مشدد أو حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن لثقله وتفرده دون غيره من الجموع بأن لا نظير له في الأسماء الآحاد. وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالملازم كما كنى في التي قبلها عما ينصرف باللازم.
وأما الهاء التي إذا التحقت أماطت الثقل وأطلقت المعتقل: هي الهاء اللاحقة بالجمع المقدم ذكره كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء بها لأنها قد أصارته إلى أمثال الآحاد نحو رفاهية وكراهية، فخف بهذا السبب وصرف لهذه العلة. وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالمعتقل كما كنى في التي قبلها عما لا ينصرف بالملازم.
وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل: فهي التي تدخل على الفعل المستقبل وتفصل بينه وبين أن التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل إلى أن تصير المخففة من الثقيلة، وذلك كقوله تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى، وتقديره: علم أنه سيكون.
وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف: فهو عند إذ لا يجره غير من خاصة، وقول العامة ذهبت إلى عنده لحن.
وأما المضاف الذي أخل من عرى الإضافة بعروة واختلف حكمه بين مساء وغدوة: فهو لدن، ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة وكل ما يأتي بعدها مجرور به إلا غدوة فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام ثم نوّنتها أيضاً ليتبين بذلك أنها منصوبة لا أنها من نوع المجرورات التي لا تنصرف. وعند بعض النحويين أن لدن بمعنى عند، والصحيح أن بينهما فرقاً لطيفاً وهو أن عند يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك مما دنا منك وبعد عنك، ولدن يختص معناها بما حضرك وقرب منك.
وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله ويعمل معكوسه مثل عمله: فهو يا، ومعكوسه أي، وكلتاهما من حروف النداء وعملهم في الاسم المنادى سيان وإن كانت يا أجول في الكلام وأكثر في الاستعمال، وقد اختار بعضهم أن ينادى بأي القريب فقط كالهمزة.
وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكراً وأعظم مكراً وأكثر لله تعالى ذكراً: فهو باء القسم، وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله، ولدخولها أيضاً على المضمر كقولك: بك لأفعلن، وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعاً من حروف الشفة ثم لتقارب معنييهم لأن الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق وكلاهما متفق والمعنيان متقاربان، ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق بالأقسام ولهذا ألغز بأنه أكثر لله تعالى ذكراً. ثم إن الواو أكثر موطناً من الباء لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم ولا تعمل غير الجر، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف وتجر تارة بالقسم وتارة بإضمار رب وتنتظم أيضاً مع نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر.
وأما الموطن الذي يلبس فيه الذكران براقع النسوان وتبرز فيه ربات الحجال بعمائم الرجال: فهو أول مراتب العدد المضاف وذلك ما بين الثلاثة إلى العشرة فإنه يكون مع المذكر بالهاء ومع المؤنث بحذفها، كقوله تعالى: سخره عليهم سبع ليال وثمانية أيام، والهاء في هذا الموطن من خصائص المؤنث كقولك: قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضد قالبه وبرز في بزة صاحبه.
وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب على المضروب والضارب: فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا كانا مقصورين مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشرة نحو ذاك وهذا، فيجب حينئذ لإزالة اللبس إقرار كل منهما في رتبته ليعرف الفاعل منهما بتقدمه والمفعول بتأخره.
وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين أو الاقتصار منه على حرفين: فهو مهما، وفيها قولان: أحدهما أنها مركبة من مه التي هي بمعنى اكفف ومن ما، والقول الثاني، وهو الصّحيح، إن الأصل فيها م فزيدت عليها ما أخرى كما تزاد على أن، فصار لفظها ما ما فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد فأبدلوا من ألف ما الأولى هاء فصارتا مهما. ومهما من أدوات الشرط والجزاء ومتى لفظت بها لم يتم الكلام ولا عقل المعنى إلا بإيراد كلمتين بعدها كقولك: مهما تفعل افعل، وتكون حينئذ ملتزماً للفعل. وإن اقتصرت منها على حرفين وهما مه التي بمعنى اكفف فهم المعنى وكنت ملزماً من خاطبته أن يكف.
وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون وقوم بالدون وخرج من الزبون وتعرض للهون: فهو ضيف إذا لحقته النون استحال إلى ضيفن، وهو الذي يتبع الضيف، وينزل في النقد منزلة الزيف.

حسن خليل
21-11-10, 05:10 PM
المقامة القهقرية للحريري


حدّث الحارثُ بنُ همّام قال: لحظْتُ في بعضِ مطارِحِ البَينِ. ومطامِحِ العينِ. فِتيَةً عليهِمْ سِيما الحِجى. وطُلاوَةُ نُجومِ الدُجى. وهمْ في مُماراةٍ مشتَدّةِ الهُبوبِ. ومُباراةٍ مشتطّةِ الأُلْهوبِ. فهزّني لقَصْدِهمْ هوى المُحاضرَةِ. واستِحْلاءُ جنى المُناظرةِ. فلمّا التحقْتُ برهْطِهِمْ. وانتظمْتُ في سِمْطِهمْ. قالوا: أأنتَ ممّنْ يُبْلى في الهَيْجاء. ويُلْقي دَلْوَهُ في الدِّلاء؟ فقلت: بل أنا منْ نظّارَةِ الحرْبِ. لا منْ أبناء الطّعْنِ والضّرْبِ. فأضْرَبوا عن حِجاجي. وأفاضوا في التّحاجي. وكانَ في بحبوحةِ حلْقَتِهِمْ. وإكْليلِ رُفقَتِهِمْ. شيخٌ قد برَتْهُ الهُمومُ. ولوّحَتْهُ السَّمومُ. حتى عادَ أنْحلَ. منْ قلَمٍ وأقْحلَ منْ جلَمٍ. إلا أنهُ كان يُبدي العُجابَ. إذا أجابَ. ويُنْسي سحْبانَ. كلّما أبانَ. فأُعجِبْتُ بما أوتيَ من الإصابَةِ. والتّبريزِ على تلكَ العِصابةِ. وما زالَ يفضَحُ كلَّ مُعمًّى. ويُصْمي في كلّ مرْمًى. إلى أن خلَتِ الجِعابُ. ونفِدَ السّؤالُ والجوابُ. فلما رأى إنْفاضَ القوْمِ. واضْطِرارَهُمْ إلى الصّومِ. عرّضَ بالمُطارَحَةِ. واستأذنَ في المُفاتَحةِ. فقالوا له: حبّذا. ومنْ لنا بِذا؟ فقال: أتعرِفونَ رِسالةً أرْضُها سماؤها. وصُبحُها مساؤها؟ نُسِجَتْ على مِنوالَينِ. وتجلّتْ في لوْنَينِ. وصلّتْ إلى جِهَتَينِ. وبدتْ ذات وجهَينِ. إنْ بزغَتْ منْ مشرِقِها. فناهيكَ برَونَقِها. وإنْ طلعَتْ منْ مغرِبِها. فَيا لعَجَبِها! قال: فكأنّ القومَ رُموا بالصُّماتِ. أو حقّتْ عليهِمْ كلمةُ الإنْصاتِ. فما نبَسَ منهُمْ إنسانٌ. ولا فاهَ لأحدِهِمْ لِسانٌ. فحينَ رآهُم بُكْماً كالأنْعامِ. وصُموتاً كالأصْنامِ. قال لهُمْ: قدْ أجّلتُكُمْ أجَلَ العِدّةِ. وأرخَيت لكُمْ طِوَلَ المُدّةِ. ثم هاهُنا مجمَعُ الشّمْلِ. وموقِفُ الفصْلِ. فإنْ سمحَتْ خواطرُكُمْ مدَحْنا. وإنْ صلدَتْ زِنادُكُمْ قدَحْنا. فقالوا لهُ: واللهِ ما لَنا في لُجّةِ هذا البحرِ مسبَحٌ. ولا في ساحِلِهِ مسرَحٌ. فأرِحْ أفكارَنا منَ الكدّ. وهنّئِ العطيّةَ بالنّقْدِ. واتّخِذْنا إخواناً يثِبونَ إذا وثَبْتَ. ويُثيبونَ متى استَثَبْتَ. فأطْرَقَ ساعةً. ثمّ قال: سمْعاً لكُمْ وطاعةً! فاستَمْلوا مني. وانْقُلوا عني: الإنسانُ. صَنيعةُ الإحسانِ. وربُّ الجَميلِ. فِعْلُ النّدْبِ. وشيمَةُ الحُرّ. ذخيرَةُ الحمْدِ. وكسْبُ الشُكْرِ. استِثْمارُ السّعادةِ. وعُنوانُ الكرَمِ. تباشيرُ البِشْرِ. واستِعْمالُ المُداراةِ يوجِبُ المُصافاةَ. وعقْدُ المحبّةِ يقتَضي النُصْحَ. وصِدْقُ الحديثِ. حِليةُ اللّسانِ. وفصاحَةُ المنطِقِ. سحرُ الألْبابِ. وشرَكُ الهوى. آفَةُ النّفوسِ. وملَلُ الخلائقِ. شَينُ الخلائقِ. وسوءُ الطّمعِ. يُبايِنُ الورَعَ. والتِزامُ الحَزامَةِ. زِمامُ السّلامَةِ. وتطلُّبُ المثالِبِ. شرُّ المَعايِبِ. وتتبُّعُ العثَراتِ. يُدْحِضُ المودّاتِ. وخُلوصُ النيّةِ. خُلاصةُ العطيّةِ. وتهنئةُ النّوالِ. ثمَنُ السّؤالِ. وتكلُّفُ الكُلَفِ. يسهِّلُ الخَلَفَ. وتيقُّنُ المَعونَةِ. يُسَنّي المؤونَةَ. وفضْلُ الصّدْرِ. سعَةُ الصّدرِ. وزينَةُ الرُعاةِ. مقْتُ السُعاةِ. وجَزاءُ المدائِحِ. بثُّ المَنائِحِ. ومهْرُ الوسائِلِ. تشفيعُ المسائِلِ. ومجلَبَةُ الغَوايةِ. استِغْراقُ الغايةِ. وتجاوزُ الحدّ. يُكِلّ الحدَّ. وتعدّي الأدَبِ. يُحبِطُ القُرَبَ. وتناسي الحُقوقِ. يُنشِئُ العُقوقَ. وتحاشي الرِّيَبِ. يرفَعُ الرُتَبَ. وارتِفاعُ الأخطارِ. باقتِحامِ الأخطارِ. وتنوّهُ الأقْدارِ. بمؤاتاةِ الأقْدارِ. وشرَفُ الأعْمالِ. في تقْصيرِ الآمالِ. وإطالةُ الفِكرَةِ. تنقيحُ الحِكمَةِ. ورأسُ الرّئاسةِ. تهذُّبُ السّياسَةِ. ومع اللّجاجَةِ. تُلْغى الحاجةُ. وعندَ الأوْجالِ. تتفاضَلُ الرّجالُ. وبتفاضُلِ الهِمَمِ. تتفاوتُ القِيَمُ. وبتزيُّدِ السّفيرِ. يهِنُ التّدبيرُ. وبخلَلِ الأحوالِ. تتبيّنُ الأهْوالُ. وبموجَبِ الصّبرِ. ثمَرَةُ النّصْرِ. واستِحقاقُ الإحْمادِ. بحسَبِ الاجْتِهادِ. ووجوبُ المُلاحظَةِ. كِفاءُ المُحافظَةِ. وصفاءُ الموالي. بتعهُّدِ المَوالي. وتحلّي المُروءاتِ. بحِفْظِ الأماناتِ. واختِبارُ الإخْوانِ. بتخْفيفِ الأحْزانِ. ودفْعُ الأعْداء. بكفّ الأودّاء.
وامتِحانُ العُقَلاء. بمُقارَنَةِ الجُهَلاء. وتبصُّرُ العَواقِبِ. يؤمنُ المَعاطِبَ. واتّقاءُ الشُنْعَةِ. ينشُرُ السُمْعَةَ. وقُبْحُ الجَفاء. يُنافي الوَفاء. وجوهَرُ الأحْرارِ. عندَ الأسْرارِ. ثمّ قال: هذهِ مِئَتا لفظَةٍ. تحتوي على أدَبٍ وعِظَةٍ. فمَنْ ساقَها هذا المَساقَ. فلا مِراءَ ولا شِقاقَ. ومنْ رامَ عكْسَ قالَبِها. وأنْ يردّها على عقِبِها. فلْيَقُلْ: الأسْرارُ. عندَ الأحرارِ. وجوهرُ الوَفاء. ينافي الجَفاء. وقُبْحُ السُمعةِ. ينشُرُ الشُنعَةَ. ثمّ على هذا المسحَبِ فليَسْحَبْها. ولا يرْهَبْها. حتى تكونَ خاتِمَةُ فِقَرِها. وآخِرَةُ دُرَرِها: ورَبُّ الإحسانِ. صنيعَةُ الإنسانِ. قال الراوي: فلمّا صدَعَ برسالَتِه الفَريدةِ. وأُملوحَتِهِ المُفيدةِ. علِمْنا كيفَ يتفاضَلُ الإنْشاءُ. وأنّ الفضْلَ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ. ثمّ اعْتَلَقَ كلٌ منّا بذَيلِه. وفلَذَ لهُ فِلذَةً من نيْلِهِ. فأبى قَبولَ فِلْذَتي. وقال: لستُ أرْزأُ تلامِذَتي. فقلتُ له: كُنْ أبا زيدٍ على شُحوبِ سَحنتِكَ. ونُضوبِ ماء وجْنتِكَ. فقال: أنا هوَ على نُحولي وقُحولي. وقشَفِ مُحولي. فأخذْتُ في تثريبِه. على تشْريقِه وتغريبِه. فحوْلَقَ واسترْجَعَ. ثمّ أنشدَ منْ قلْبٍ موجَعٍ:


سَلَّ الزّمانُ عليّ عضْبَـهْ *** ليَروعَني وأحَدَّ غَـرْبَـهْ


واستَلّ منْ جَفْنـي كَـرا *** هُ مُراغِماً وأسالَ غَربَـهْ


وأجالَني فـي الأفْـقِ أطْ *** وي شرْقَهُ وأجوبُ غرْبَهْ


فبِـكُـلّ جـوٍّ طـلْـعَةٌ *** في كلّ يومٍ لي وغَرْبَـهْ


وكذا المُغرِّبُ شخـصُـهُ *** متغرّبٌ ونواهُ غـرْبَـهْ

ثمّ ولّى يجُرّ عِطفَيْهِ. ويخطِرُ بيَدَيْهِ. ونحنُ بين متلفّتٍ إليهِ. ومتهافِتٍ عليهِ. ثمّ لمْ نلبَثْ أن حللْنا الحِبى. وتفرّقنا أياديَ سَبا.

حسن خليل
21-11-10, 05:13 PM
المقامة الكرجية للحريري


حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: شتَوْتُ بالكَرَجِ لدَينٍ أقتَضيهِ. وأرَبٍ أقْضيهِ. فبلَوْتُ منْ شِتائِها الكالِحِ. وصِرّها النّافِحِ. ما عرّفَني جَهْدَ البَلاء. وعكَفَ بي على الاصْطِلاء. فلمْ أكُنْ أُزايلُ وِجاري. ولا مُستَوْقَدَ ناري. إلا لضَرورَةٍ أُدفَعُ إليْها. أو إقامةِ جماعةٍ أحافِظُ عليه. فاضطُررْتُ في يومٍ جَوُّهُ مُزْمَهِرٌّ. ودَجْنُهُ مكفَهِرٌّ. إلى أن برَزْتُ منْ كِناني. لمُهِمٍّ عَناني. فإذا شيخٌ عاري الجِلدَةِ. بادي الجُردَةِ. وقدِ اعتَمّ برَيْطَةٍ. واستَثْفَر بفُوَيطَةٍ. وحوالَيهِ جمْعٌ كَثيفُ الحواشي. وهو يُنشِدُ ولا يُحاشي:


يا قومِ لا يُنبِئكُـمُ عـن فَـقـري *** أصْدَقُ من عُرْيي أوانَ الـقُـرِّ


فاعتَبِروا بِما بَـدا مـنْ ضُـرّي *** باطِنَ حالي وخَـفِـيَّ أمْـري


وحاذِروا انقِلابَ سِلْـمِ الـدهْـرِ *** فإنني كُنـتُ نَـبـيهَ الـقـدْرِ


آوي إلى وَفْـرٍ وحـدٍّ يَفْـري *** تُفيدُ صُفري وتُبـيدُ سُـمْـري


وتشتَكي كُومـي غَـداةَ أقْـري *** فجرّدَ الدّهرُ سُـيوفَ الـغـدْرِ


وشَنّ غاراتِ الرّزايا الـغُـبْـرِ *** ولمْ يزَلْ يسْحَـتُـنـي ويَبْـري


حتى عفَتْ داري وغـاضَ دَرّي *** وبارَ سِعْري في الوَرى وشِعْري


وصِرْتُ نِضْوَ فـاقَةٍ وعُـسْـرِ *** عاري المَطا مجرَّداً من قِشْري


كأنّني المِغزَلُ في الـتّـعـرّي *** لا دِفْءَ لي في الصِّنّ والصِّنَّبْرِ


غيرُ التّضحّي واصْطِلاءِ الجمْرِ *** فهلْ خِضَمٌ ذو رِداءٍ غَـمْـرِ


يستُرُني بمُطرَفٍ أو طِـمْـرِ *** طِلابَ وجهِ اللهِ لا لشُـكْـري

ثم قال: يا أرْبابَ الثّراء. الرّافِلينَ في الفِراء. مَنْ أوتيَ خيراً فليُنْفِقْ. ومنِ استَطاعَ أن يُرفِقْ فليُرْفِقْ. فإنّ الدُنْيا غَدورٌ. والدهرَ عَثورٌ. والمُكنَةَ زَورَةُ طيْفٍ. والفُرصَةُ مُزنَةُ صيفٍ. وإني واللهِ لَطالَما تلقّيتُ الشّتاءَ بكافاتِهِ. وأعدَدْتُ الأُهَبَ لهُ قبل مُوافاتِهِ. وها أنا اليومَ يا سادَتي. ساعِدي وِسادَتي. وجِلْدَتي بُرْدَتي. وحَفْنَتي جَفنَتي. فليَعتَبِرِ العاقِلُ بحالي. ولْيُبادِرْ صرْفَ اللّيالي. فإنّ السّعيدَ منِ التّعظَ بسِواهُ. واستَعدّ لمسْراهُ. فقيلَ لهُ: قد جلَوْتَ علَينا أدبَكَ. فاجْلُ لنا نسبَكَ. فقال: تبّاً لمُفتَخِرٍ. بعَظْمٍ نخِرٍ! إنّما الفخْرُ بالتُّقى. والأدَبِ المُنتَقى. ثم أنشدَ:


لعَمرُكَ ما الإنسانُ إلا ابنُ يومِه *** على ما تجلّى يومُهُ لا ابنُ أمسِهِ


وما الفخرُ بالعظْمِ الرّميمِ وإنّمـا *** فَخارُ الذي يبغي الفخارَ بنفسِـهِ

ثمّ إنّهُ جلسَ مُحقَوقِفاً. واجْرَنثَمَ مُقَفقِفاً. وقال: اللهُمّ يا مَنْ غمرَ بنوالِهِ. وأمرَ بسؤالِهِ. صلِّ على محمدٍ وآلهِ. وأعِنّي على البَرْدِ وأهْوالِهِ. وأتِحْ لي حُرّاً يؤثِرُ منْ خَصاصَةٍ. ويؤاسي ولوْ بقُصاصَةٍ. قال الراوي: فلمّا جلّى عنِ النّفْسِ العِصاميّةِ. والمُلَحِ الأصمعيّةِ. جعلَتْ ملامِحُ عيني تَعجُمُهُ. ومَرامي لحْظي تَرجُمُه. حتى استَبَنْتُ أنهُ أبو زيدٍ. وأنّ تعرّيَهُ أُحبولَةُ صيدٍ. ولمحَ هوَ أنّ عِرْفاني قد أدْركَهُ. ولمْ يأمَنْ أنْ يهتِكَهُ. فقال: أُقسِمُ بالسَّمَرِ والقمَرِ. والزُّهْرِ والزَّهَرِ. إنهُ لنْ يستُرَني إلا مَنْ طابَ خِيمُهُ. وأُشرِبَ ماءَ المُروءةِ أديمُهُ. فعقَلْتُ ما عَناهُ. وإنْ لم يدْرِ القومُ معْناهُ. وساءني ما يُعانِيهِ منَ الرِّعدَةِ. واقشِعْرارِ الجِلْدَةِ. فعمَدْتُ لفَرْوةٍ هيَ بالنّهارِ رِياشي. وفي الليلِ فِراشي. فنضَوتُها عني. وقلتُ له: اقْبَلْها مني. فما كذّبَ أنِ افْتَراها. وعيني تَراها. ثم أنشدَ:


للهِ من ألبَـسَـنـي فَـروةً *** أضحتْ من الرِّعدَةِ لي جُنّهْ


ألبَسنِيها واقِياً مُـهـجَـتـي *** وُقّيَ شرَّ الإنْسِ والجِـنّـهْ


سيَكتَسي اليومَ ثَنـائي وفـي *** غدٍ سيُكسى سُندُسَ الجَنّـهْ

قال: فلمّا فتَن قُلوبَ الجَماعَةِ. بافتِنانِهِ في البَراعَةِ. ألقَوْا عليْهِ منَ الفِراء المُغشّاةِ. والجِبابِ المُوشّاةِ. ما آدَهُ ثقَلُهُ. ولم يكَدْ يُقلّهُ. فانطلقَ مُستَبشِراً بالفَرجِ. مُستَسقِياً للكَرَجِ. وتبعْتُهُ إلى حيثُ ارتفَعَتِ التّقيّةُ. وبدَتِ السّماءُ نقيّةً. فقلتُ له: لَشَدّ ما قرّسَكَ البرْدُ. فلا تتعرّ منْ بعْدُ! فقال: ويْكَ ليسَ منَ العدْلِ. سُرعةُ العذْلِ! فلا تعْجَلْ بلَوْمٍ هوَ ظُلْمٌ. ولا تقْفُ ما ليْسَ لكَ بهِ عِلمٌ. فوَالّذي نوّرَ الشّيبَةَ. وطيّبَ تُربَةَ طَيْبَةَ. لو لمْ أتَعرّ لرُحْتُ بالخَيبَةِ. وصفَرِ العَيبَةِ. ثمّ نزَعَ إلى الفِرارِ. وتبرقَعَ بالاكْفِهْرارِ. وقال: أمَا تعْلَمُ أنّ شِنْشِنتيَ الانتِقالُ منْ صَيدٍ إلى صيْدٍ. والانعِطافُ منْ عمْرٍو إلى زيدٍ؟ وأراكَ قد عُقتَني وعقَقْتَني. وأفَتّني أضْعافَ ما أفدْتَني. فأعْفِني عافاكَ الله منْ لغوِكَ. واسْدُدْ دوني بابَ جِدّكَ ولهْوِكَ. فجبذتُهُ جبْذَ التِّلْعابَةِ. وجعْجَعْتُ به للدُعابَةِ. وقلتُ له: واللهِ لوْ لمْ أُوارِكَ. وأُغَطِّ على عَوارِكَ. لمَما وصلْتَ إلى صِلةٍ. ولا انقلَبْتَ أكْسى منْ بصَلَةٍ. فجازِني عنْ إحساني إليْكَ. وسَتري لكَ وعلَيْكَ. بإن تسمَحَ لي بردّ الفَروَةِ. أو تُعرّفَني كافاتِ الشّتوَةِ. فنظرَ إليّ نظَرَ المتعجّبِ. وازْمهَرّ ازمِهْرارَ المتغَضّبِ. ثمّ قال: أمّا رَدّ الفَروةِ فأبْعَدُ منْ ردّ أمسِ الدّابِرِ. والمَيْتِ الغابِرِ. وأما كافاتُ الشّتْوةِ فسُبحانَ مَنْ طبَع على ذِهنِكَ. وأوْهى وِعاءَ خَزْنِكَ. حتى أُنسيتَ ما أنشدْتُكَ بالدَّسْكَرةِ. لابنِ سُكّرَةَ:


جاء الشتاءُ وعِندي منْ حوائِجِـه *** سبْعٌ إذا القطْرُ عن حاجاتِنا حبَسا


كِنٌّ وكِيسٌ وكانونٌ وكاسُ طِـلاً *** بعْدَ الكَبابِ وكفٌ ناعمٌ وكِـسـا

ثم قال: لَجوابٌ يَشفي. خيرٌ من جِلبابٍ يُدْفي. فاكْتَفِ بما وعَيْتَ وانْكَفي. ففارَقْتُهُ وقدْ ذهبَتْ فَروَتي لشِقْوَتي. وحصلْتُ على الرِّعدَةِ طولَ شَتْوَتي.

حسن خليل
21-11-10, 05:14 PM
المقامة الكوفية للحريري


حكى الحارث بن همام ، قال: سمرت بالكوفة، في ليلة أديمها ذو لونين، وقمرها كتعويذة من لجين، مع رفقةٍ غذوا بلبان البيان، وسحبوا على سحبان ذيل النسيان، وما فيهم إلا من يحفظ عنه ولا يحتفظ منه، ويميل الرفيق إليه ولا يمل عنه، فأستهوانا السمر إلى غرب القمر وغلب السهر، فلما روق الليل البهيم، ولم يبقى إلا الهويم، سمعنا من الباب نبأة مستنبحٍ، ثم تلتها صكةُ مستفتح، فقلنا من الملم، في الليل المدلهم، فقال:
يا أهل ذا المغنى وقيتم شراً *** ولا لقيتم ما بقيتم ضراً
قد دفع الليل الذي أكفهرا *** إلى ذراكم شَعِثاً مغبرا
أخا سِفارٍ طال واسبطرا *** حتى أنثنا محقوقفاً مصفرا
مثل الهلال الأفق حين إفترا *** وقد عرا فناءكم معترا
وأمكم دون الأنام طراً *** يبغي قرى ومنكم مستقرا
فدونكم ضيفاً قنوعاً حرا *** يرضى بما أحلو لي وما مرا
وينثني عنكم وينبث البرا
قال الحارث بن همام: فلما خلبنا بعذوبة نطقه، وعلمنا ما وراء برقه، إبتدرنا فتح الباب، وتلقيناه بالترحاب، وقلنا للغلام هيأ هيأ، وهلم وتهيأ، فقال الضيف والذي أحلني ذراكم، لا لا تلمظت بقراكم، أو تضمنوا لي أن لا تتخذوني كلا، ولا تجشموا لأجلي كلاً، فرب كلةٍ هاضت الآكل وحرمته مآكل، وشر الأضياف من سام التكليف وآذى المضيف، خصوصاً إذ يتعلق بالأجسام، ويقضي إلى الأسقام، وما قيل في المثل الذي سار سائره خير العشاء سوافره إلا ليعجل التعشي ويجتنب أكل الليل الذي يعشي، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع.
(قال) فكأنه أطلع على إرادتنا فرمى عن قوس عقيدتنا، لا جرم أنا آنسناه بالتزام الشرط، وأثنينا على خُلقه السبط، ولما أحضر الغلام، وماراج وأذكى بيننا السراج، تأملته فإذا هو أبو زيد. فقلت لِصحابي: ليهنئكم الضيف الوارد بل المغنم البارد. فإن يكن أفل قمر الشِعرى، فقد طلع قمر الشِعرا، وأستتر بدر النثرة فقد تبلج بدر النثر، فسرة حُميا المسرة فيهم، وطارت السِنة عن مآقيهم، ورفضوا الدعة التي كانو نووها، وتابوا إلى نشر الفكاهة بعد ما طووها، وأبو زيدٍ مكب على إعمال يديه، حتى إذا أسترفع ما لديه قلنا له: أطرفنا بغربية من غرائب أسمارك، وعجيبة من عجائب أسفارك؟
فقال: لقد بلوت من العجائب ما لم يره الراؤون، ولا رواه الروون، وأن من أعجبها ما عاينته الليلة قبيل أنتيابكم ومصيري إلى بابكم.
فأستخبرناه عن طرفة مراه في مسرح مسراه، فقال: إن مرامي الغربة لفظتني إلى هذه التربة، وأنا ذو مجاعةٍ وبؤسى وجرابٍ كفؤاد أم موسى، فنهضت حين سجى الدجى على ما بي من الوجى، لأرتاد مضيفاً أو أقتاد رقيفاً. فساقني حادي السّغب، والقضاء المكنى أبا العجب، إلى أن وقفت على باب دارٍ فقلت على بدارٍ (شعر):
حييتم يا أهل هذا المنزل *** وعشتم في خضل عيشٍ خضل
ما عنكم لأبن سبيلٍ مرملٍ *** نضو سرىً خابط أليل أليل
جوى الحشى على الطوى مشتمل *** ما ذاق مذ يومين طعم مأكل
ولا له في أرضكم موئل *** وقد دجى جنح الظلام المسبل
وهو من الحيرة في تململ *** فهل بهذا الربع عذب المنهل
يقول لي ألق عصاك وأدخل *** وأبشر ببشرٍ وقرىً معجل
قال: فبرز إلي جوذر، عليه شوذر وقال (شعر):
وحرمة الشيخ الذي سن القرى *** وأسس المحجوج في أم القرى
ما عندنا لطارقٍ إذا عرا *** سوى الحديث والمُناخ في الذرى
وكيف يقري من نفى عنه الكرى *** طوى برى أعظُمه لما أنبرى
فما ترى فيما ذكرت ما ترى؟
فقلت: ما أصنع بمنزلٍ قفرٍ ومنزلٍ حِلفِ فقرٍ، ولكن يا فتى ما أسمك فقد فتتني فهمك، فقال أسمي زيد ومنشئي فيد، ووردت هذه المدرة أمس، مع أخوالي من بني عبس.
فقلت زدني إضاحاً زادك الله صلاحاً، عشت ونعشت. فقال: أخبرتني أمي برة، وهي كأسمها برة، أنها نكحت عام الغارة بماوان رجلاً من سراة سروج وغسان، فلما أنس منها الإثقال، وكان باقعةً على ما يقال، ظعن عنها سراً وهلم جراً، فما يعرف أحي هو فيتوقع أم أودع اللحد البلقع.
قال أبو زيد: فعلمت بصحة العلامات أنه ولدي، وصدفني عن التعرف إليه صفر يدي، ففصلت عنه بكبد مرضوضة ودموعٍ مفضوضةٍ، فهل سمعتم ي أولي الألباب بأعجب من هذا العجاب؟
فقالنا: أثبتوها في عجائب الأتفاق، وخلدوها في بطون الأوراق، فما سير مثلها في الآفاق.
فأحضرنا الدواة وأساودها، ورشقنا الحكاية على ما سردها، ثم أستنبطناه عن مرتآه، في أستضمام فتاه، فقال: إذا ثقل ردني، خف علي أن أكفل أبني.
فقلنا: أن كان يكفيك نصاب من المال، ألفناه لك في الحال. فقال: وكيف لا يقنعني نصاب، وهل يحتقر قدره إلا مصاب. (قال الراوي): فألتزم كل منا قسطاً وكتب له به رقطاً. فشكر عند ذلك الصنع وأستنفد في الثناء الوسع، حتى أننا أستطلنا القول وأستققلنا الطول، ثم أنه نشر من وشي السمر ما أزرى به محبر، إلى أن أطل التنوير وجشر الصبح المنير، فقضيناها ليلة غابت شوائبها إلى أن شابت ذوائبها، وكمل سعودها إلى أن أنفطر عودها، ولما ذر قرن الغزالة، وقال أنهض بنا لنقبض الصلات ولنستنضر الإحالات. فقد أستطارت صدوع كبدي من الحنين إلى ولدي، فوصلت جناحه حتى سنيت نجاحه، فحين أحرز العين في صرته برقت اسارير مسرته، وقال لي: جزيت خيراً عن خطا قدميك والله خليفتي عليك. فقلت: أريد أن أتعبك لأشاهد ولدك النجيب وأنافثه لكي يجيب، فنظر إلي نظرة الخادع إلى المخدوع وضحك حتى تغرغرت مقلتاه بالدموع، ثم أنشد:
يا من تظني السراب ماءً *** لما رويت الذي رويتُ
ما خلت أن يستسر مكري *** وأن يخيل الذي عنيت
والله ما برة بعرسي *** ولا لي أبن به أكتنيت
وأنما لي فنون سحرٍ *** أبدعت فيها وأقتديت
لم يحكها الأصمعي فيما *** حكى ةلا حكاها الكميت
تخذتها وصلة إلى ما *** تجنيه كفي متى أشتهيت
ولو تعافيتها لحالت *** حالي ولم أحوِ ما حويت
فمهد العذر أو فسامح *** أن كنت أجرمت أو جنيت
ثم أنه ودعني ومضى، وأودع قلبي جمر الغضى

حسن خليل
21-11-10, 05:37 PM
المقامة المراغية للحريري


رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: حضَرْتُ ديوانَ النّظرِ بالمَراغَةِ. وقدْ جَرى بهِ ذكْرُ البَلاغَةِ. فأجمَعَ مَنْ حضَرَ منْ فُرْسانِ اليَراعَةِ. وأرْبابِ البَراعةِ. على أنّهُ لمْ يبْقَ مَنْ يُنقّحُ الإنْشاءَ. ويتصرّفُ فيهِ كيفَ شاءَ. ولا خلَفَ. بعْدَ السّلَفِ. مَنْ يبتَدِعُ طريقةً غَرّاء. أو يفتَرِعُ رسالةً عذْراءَ. وأنّ المُفلِقَ من كُتّابِ هذا الأوانِ. المُتمكّنَ من أزِمّةِ البَيانِ. كالعِيالِ على الأوائِلِ. ولو ملَكَ فَصاحَةَ سحْبانِ وائِلٍ. وكان بالمجْلِسِ كهْلٌ جالِسٌ في الحاشيةِ. عندَ مَواقِفِ الحاشِيَةِ. فكانَ كلّما شطّ القوْمُ في شوْطِهِمْ. ونشَروا العَجْوَةَ والنّجْوَةَ منْ نوْطِهِمْ. يُنْبئ تَخازُرُ طرْفِهِ. وتشامُخُ أنفِهِ. أنّهُ مُخْرَنْبِقٌ ليَنْباعَ. ومُجْرَمِّزٌ سيَمُدّ الباعَ. ونابِضٌ يبْري النِّبالَ. ورابِضٌ يبْغي النّضالَ. فلمّا نُثِلَتِ الكَنائِنُ. وفاءتِ السّكائِنُ. وركَدَتِ الزّعازعُ. وكفّ المُنازِعُ. وسكنَتِ الزّماجِرُ. وسكتَ المزْجورُ والزّاجِرُ. أقبَلَ على الجَماعَةِ وقال: لقَدْ جئْتُمْ شيْئاً إدّاً. وجُرْتُمْ عنِ القصْدِ جِدّاً. وعظّمتُمُ العِظامَ الرُّفاتَ. وافْتَتُّمْ في المَيْلِ إلى مَنْ فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللذت، معهم انعَقَدَتِ المودّاتُ. أنَسيتُمْ يا جَهابِذَةَ النّقْدِ. ومَوابِذَةَ الحَلّ والعَقْدِ. ما أبْرَزَتْهُ طَوارِفُ القَرائِحِ. وبرّزَ فيهِ الجذَعُ على القارِحِ. منَ العِباراتِ المهَدَّبَةِ. والاستِعاراتِ المُستَعْذَبَةِ. والرّسائِلِ الموشّحَةِ. والأساجيعِ المُستَمْلَحَةِ؟ وهلْ للقُدَماء إذا أنعَمَ النّظَرَ. مَنْ حضَرَ. غيرُ المَعاني المطْروقَةِ المَوارِدِ. المعْقولَةِ الشّوارِدِ. المأثورَةِ عنهُمْ لتَقادُمِ المَوالِدِ. لا لتقدُّمِ الصّادِرِ على الوارِدِ؟ وإني لأعْرِفُ الآنَ مَنْ إذا أنْشا. وشّى. وإذا عبّرَ. حبّرَ. وإنْ أسهَبَ. أذْهَبَ. وإذا أوْجَزَ. أعْجَزَ. وإنْ بَدَهَ. شدَهَ. ومتى اخْتَرَعَ. خرَعَ. فقالَ لهُ ناظورَةُ الدّيوانِ. وعينُ أولَئِكَ الأعْيانِ: مَنْ قارِعُ هذِهِ الصّفاةِ. وقَريعُ هذِهِ الصّفاتِ؟ فقال: إنّه قِرْنُ مَجالِكَ. وقَرينُ جِدالِكَ. وإذا شِئْتَ ذاكَ فرُضْ نَجيباً. وادْعُ مُجيباً. لتَرى عَجيباً. فقال لهُ: يا هَذا إنّ البُغاثَ بأرضِنا لا يَستَنْسِرُ. والتّمييزَ عندَنا بينَ الفِضّةِ والقضة متيَسِّرٌ. وقَلَّ منِ استَهدَفَ للنّضالِ. فخلّصَ منَ الدّاء العُضالِ. أوِ استَسارَ نقْعَ الامْتِحانِ. فلمْ يُقْذَ بالامتِهانِ. فلا تُعرِّضْ عِرْضَكَ للمَفاضِحِ. ولا تُعْرِضْ عنْ نَصاحَةِ النّاصِحِ. فقال: كُلُّ امرِئٍ أعْرَفُ بوسْمِ قِدْحِهِ. وسيَتَفرّى الليلُ عنْ صُبْحِهِ. فتَناجَتِ الجَماعَةُ فيما يُسْبَرُ بهِ قُلَيْبُهُ. ويُعْمَدُ فيهِ تقْليبُهُ. فقال أحدُهُمْ: ذَرُوهُ في حِصّتي. لأرْميَهُ بحَجَرِ قِصّتي. فإنّها عُضْلَةُ العُقَدِ. ومِحَكُّ المُنْتَقَدِ. فقلّدوهُ في هذا الأمْرِ الزّعامَةَ. تقْليدَ الخوارِجِ أبا نَعامَةَ. فأقْبَلَ على الكهْلِ وقالَ: اعْلَمْ أني أُوالي. هذا الوالي. وأُرَقّحُ حالي. بالبَيانِ الحالي. وكُنْتُ أستَعينُ على تقْويمِ أوَدي. في بلَدي. بسَعَةِ ذاتِ يَدي. معَ قِلّةِ عدَدي. فلمّا ثَقُلَ حاذي. ونفِدَ رَذاذي. أمّمْتُهُ منْ أرْجائي. برَجائي. ودعوْتُهُ لإعادَةِ رُوائي وإرْوائي. فهَشّ للوِفادَةِ وراحَ. وغَدا بالإفادَةِ وراحَ. فلمّا استأذَنْتُهُ في المَراحِ. إلى المُراحِ. على كاهِلِ المِراحِ. قال: قدْ أزْمَعْتُ أنْ لا أزوّدَكَ بَتاتاً. ولا أجْمعَ لكَ شَتاتاً. أو تُنْشِئَ لي أمامَ ارتِحالِكَ. رِسالَةً تودِعُها شرْحَ حالِكَ. حُروفُ إحْدى كلِمتَيْها يعُمّها النَّقْطُ. وحُروفُ الأخْرى لمْ يُعْجَمْنَ قطّ. وقدِ استأنَيْتُ بَياني حَوْلاً. فَما أحارَ قوْلاً. ونَبَهْتُ فِكْري سَنَةً. فما ازْدادَ إلا سِنَةً. واستَعَنْتُ بقاطِبَةِ الكُتّابِ. فكلٌ منْهُمْ قطّبَ وتابَ. فإنْ كُنتَ صدَعْتَ عنْ وصْفِكَ باليَقينِ. فأتِ بآيَةٍ إنْ كُنتَ منَ الصّادِقين. فقال لهُ: لقَدِ استَسْعَيْتَ يَعْبوباً. واستَسْقَيْتَ أُسْكوباً. وأعطَيْتَ القوْسَ بارِيَها. أسْكَنْتَ الدّارَ ثانِيَها. ثمّ فكّرَ ريثَما اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ:اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ: الكرَمُ ثبّتَ اللهُ جيْشَ سُعودِكَ يَزينُ. واللّؤمُ غَضّ الدّهرُ جَفْنَ حَسودِكَ يَشينُ. والأرْوَعُ يُثيبُ. والمُعْوِرُ يَخيبُ. والحُلاحِلُ يُضيفُ. والماحِلُ يُخيفُ. والسّمْحُ يُغْذي. والمَحْكُ يُقذي. والعطاء ينجي والمطال يشجي، والدعاء يفي والمدح ينقي والحُرُّ يَجْزي. والإلْطاطُ يُخْزي. واطّراحُ ذي الحُرْمَةِ غَيٌ. ومَحْرَمَةُ بَني الآمالِ بغْيٌ. وما ضنّ إلا غَبينٌ. ولا غُبِنَ إلا ضَنينٌ. ولا خزَنَ إلا شَقيٌ. ولا قبَضَ راحَهُ تقيٌ. وما فتئ وعدُك يَفي. وآراؤكَ تَشْفي. وهِلالُكَ يُضي. وحِلْمُك يُغْضي. وآلاؤكَ تُغْني. وأعداؤكَ تُثْني. وحُسامُك يُفْني. وسؤدَدُكَ يُقْني. ومُواصِلُكَ يجْتَني. ومادِحُك يقْتَني. وسماحُكَ يُغيثُ. وسماؤكَ تَغيثُ. ودرُّكَ يَفيضُ. وردُّكَ يَغيضُ. ومؤمِّلُكَ شيْخٌ حَكاهُ فَيْءٌ. ولمْ يبْقَ لهُ شيءٌ. أمّكَ بظَنٍ حِرصُهُ يثِبُ. ومدَحَكَ بنُخَبٍ. مُهورُها تجِبُ. ومَرامُهُ يخِفُّ. وأواصِرُهُ تشِفُّ. وإطْراؤهُ يُجْتَذَبُ. وملامُهُ يُجتَنَبُ. وورَاءهُ ضَفَفٌ. مَسّهُمْ شظَفٌ. وحصّهُمْ جنَفٌ. وعمّهُمْ قشَفٌ. وهوَ في دمْعٍ يُجيبُ. وولَهٍ يُذيبُ. وهَمٍّ تَضيّفَ. وكمَدٍ نيّفَ. لمأمولٍ خيّبَ. وإهْمالٍ شيّبَ. وعدوٍّ نَيّبَ. وهُدُوٍّ تغيّبَ. ولمْ يزِغْ ودُّهُ فيغْضَبَ. ولا خَبُثَ عودُهُ فيُقْضَبَ. ولا نفَثَ صدْرُهُ فيُنْفَضَ. ولا نشَزَ وصْلُهُ فيُبْغَضَ. وما يقْتَضي كرَمُكَ نبْذَ حُرَمِهِ. فبيِّضْ أمَلَهُ بتَخْفيفِ ألَمِهِ. ينُثّ حمدَكَ بينَ عالَمِهِ. بقيتَ لإماطَةِ شجَبٍ. وإعْطاءِ نشَبٍ. ومُداواةِ شجَنٍ. ومُراعاةِ يفَنٍ. موصولاً بخَفْضٍ. وسُرورٍ غَضٍّ. ما غُشِيَ معْهَدُ غنيٍّ. أو خُشِيَ وهْمُ غبيٍّ. والسّلامُ. فلمّا فرَغَ منْ إمْلاءِ رِسالَتِهِ. وجلّى في هَيْجاء البَلاغَةِ عنْ بَسالَتِهِ. أرضَتْهُ الجماعَةُ فِعْلاً وقوْلاً. وأوْسَعَتْهُ حَفاوَةً وطَوْلاً. ثمّ سُئِلَ منْ أيّ الشّعوبِ نِجارُهُ. وفي أيّ الشِّعابِ وِجارُهُ؟ فقال:

غسّانُ أُسرَتيَ الصّـمـيمَـهْ *** وسُروجُ تُرْبَتي القَـديمَـهْ


فالبَيتُ مثلُ الـشّـمْـسِ إشْـ *** راقاً ومنـزِلَةً جـسـيمَـهْ


والرّبْعُ كالـفِـرْدَوْسِ مـطْ *** يَبَةً ومَـنْـزَهَةً وقـيمَـهْ


واهـاً لـعـيْشٍ كـانَ لـي *** فيهـا ولـذّآتٍ عَـمـيمَـهْ


أيّامَ أسْحَـبُ مُـطْـرَفـي *** في روضِها ماضي العَزيمَهْ


أخْتالُ فـي بُـردِ الـشّـبـا *** بِ وأجْتَلي النِّعَمَ الوَسيمَـهْ


لا أتّـقـي نُـوَبَ الـزّمـا *** نِ ولا حَوادِثَهُ المُـلـيمَـهْ


فلوَ انّ كـرْبـاً مُـتْـلِـفٌ *** لَتَلِفْتُ منْ كُرَبي المُقـيمَـهْ


أو يُفْتَدَى عـيْشٌ مـضـى *** لفدَتْهُ مُهجَتيَ الـكَـريمَـهْ


فالموْتُ خـيرٌ لـلـفـتـى *** منْ عيشِهِ عيْشَ البَهـيمَـهْ


تقْـتـادُهُ بُـرَةُ الـصَّـغـا *** رِ إلى العظيمَةِ والهضيمَـهْ


ويرَى السّباعَ تَـنـوشُـهـا *** أيْدي الضّباعِ المُستَضيمَـهْ


والـذّئبُ لــلأيّامِ لـــوْ *** لا شُؤمُها لمْ تنْبُ شـيمَـهْ


ولوِ استَقامَـتْ كـانـتِ الـ *** أحوالُ فيها مُسـتَـقـيمَـهْ



ثمّ إنّ خبَرَه نَما إلى الوالي. فمَلأ فاهُ باللآلي. وسامَهُ أن ينضَويَ إلى أحشائِهِ. ويَليَ ديوانَ إنْشائِهِ. فأحْسَبَهُ الحِباءُ. وظلَفَهُ عنِ الوِلايَةِ الإباءُ. قال الراوي: وكُنتُ عرَفْتُ عُودَ شجَرَتِه. قبلَ إيناعِ ثمرَتِهِ. وكِدْتُ أنبّهُ على عُلوّ قدْرِهِ. قبلَ استِنارَةِ بدْرِهِ. فأوْحى إليّ بإيماضِ جفْنِهِ. أن لا أجرِّدَ عضْبَهُ منْ جفْنِهِ. فلمّا خرَجَ بَطينَ الخُرْجِ. وفصَلَ فائِزاً بالفُلْجِ. شيّعْتُهُ قاضِياً حقّ الرّعايَةِ. ولاحِياً لهُ على رفْضِ الوِلايَةِ. فأعْرَضَ مُتَبَسّماً. وأنْشَدَ مترنّماً:


لَجَوْبُ البِلادِ معَ المَتْرَبَـهْ *** أحَبُّ إليّ منَ المرْتَـبَـهْ


لأنّ الوُلاةَ لـهُـمْ نَـبـوَةٌ *** ومعْتَبَةٌ يا لَها مَعْـتَـبَـهْ


ومافيهمِ مَنْ يرُبُّ الصّنيعَ *** ولا مَنْ يُشيِّدُ ما رتّـبَـهْ


فلا يخدَعنْكَ لَموعُ السّرابِ *** ولا تأتِ أمْراً إذا ما اشْتبَهْ


فكَمْ حالِمٍ سرّهُ حُـلْـمُـهُ *** وأدرَكَهُ الرّوْعُ لمّا انْتبَـهْ

حسن خليل
21-11-10, 05:39 PM
المقامة المروية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: حُبّبَ إليّ مُذْ سعَتْ قدَمي. ونفَثَ قلَمي. أنْ أتّخِذَ الأدَبَ شِرْعَةً. والاقتِباسَ منهُ نُجْعَةً. فكُنتُ أنَقّبُ عنْ أخبارِهِ. وخزَنَةِ أسْرارِهِ. فإذا ألْفَيْتُ منهُمْ بُغيَةَ الملتَمِسِ. وجُذْوَةَ المُقتَبِسِ. شدَدْتُ يَدي بغَرْزِهِ. واستَنزَلْتُ منهُ زَكاةَ كنزِهِ. على أنّي لمْ ألْقَ كالسَّروجيّ في غَزارَةِ السُّحْبِ. ووضْعِ الهِناء مَواضِعَ النُّقْبِ. إلا أنهُ كانَ أسْيَرَ منَ المثَلِ. وأسرَعَ منَ القمَرِ في النُّقَلِ. وكنتُ لهَوى مُلاقاتِهِ. واستِحْسانِ مَقاماتِهِ. أرْغَبُ في الاغتِرابِ. وأستَعْذِبُ السّفَرَ الذي هوَ قِطعَةٌ من العَذابِ. فلمّا تطوّحْتُ إلى مرْوَ. ولا غَرْوَ. بشّرَني بمَلقاهُ زجْرُ الطّيرِ. والفألُ الذي هوَ بَريدُ الخيرِ. فلمْ أزَلْ أنشُدُهُ في المحافِلِ. وعندَ تلَقّي القَوافِلِ. فلا أجِدُ عنْهُ مُخبِراً. ولا أرى لهُ أثَراً ولا عِثْيَراً. حتى غلَبَ اليأسُ الطّمَعَ. وانْزَوى التّأميلُ وانْقمَعَ. فإني لَذاتَ يومٍ بحضْرَةِ والي مرْوَ. وكانَ ممّنْ جمَعَ الفضْلَ والسَّرْوَ. إذ طلَعَ أبو زيْدٍ في خلَقٍ مِمْلاقٍ. وخُلُقٍ مَلاّقٍ. فحَيّا تحيّةَ المُحْتاجِ. إذا لقِيَ ربَّ التّاجِ. ثمّ قالَ لهُ: اعْلَمْ وُقيتَ الذّمّ. وكُفيتَ الهَمّ. أنّ مَنْ عُذِقَتْ بهِ الأعْمالُ. أُعْلِقَتْ بهِ الأمالُ. ومَنْ رُفِعَتْ لهُ الدّرَجاتُ. رُفِعَتْ إليْهِ الحاجاتُ. وأنّ السّعيدَ منْ إذا قدَرَ. وواتاهُ القدَرُ. أدّى زكاةَ النِّعَمِ. كما يؤدّي زكاةَ النَّعَمِ. والتزَمَ لأهْلِ الحُرَمِ. ما يُلتزَمُ للأهْلِ والحرَمِ. وقد أصبحْتَ بحمدِ اللهِ عَميدَ مِصرِكَ. وعِمادَ عصْرِكَ. تُزْجى الرّكائِبُ إلى حرَمِكَ. وتُرْجى الرّغائِبُ منْ كرَمِكَ. وتُنزَلُ المَطالِبُ بساحَتِكَ. وتُستَنْزَلُ الرّاحةُ منْ راحَتِكَ. وكان فضلُ اللهِ عليْكَ عظيماً. وإحْسانُهُ لديْكَ عَميماً. ثمّ إني شيخٌ ترِبَ بعْدَ الإتْرابِ. وعدِمَ الإعْشابَ حينَ شابَ. قصَدْتُكَ منْ محَلّةٍ نازِحَةٍ. وحالَةٍ رازِحَةٍ. آمُلُ منْ بحرِكَ دُفعَةً. ومنْ جاهِكَ رِفعَةً. والتّأميلُ أفضَلُ وسائِلِ السائِلِ. ونائِلِ النّائِلِ. فأوْجِبْ لي ما يجِبُ عليْكَ. وأحسِنْ كما أحْسَنَ اللهُ إليْكَ. وإيّاكَ أن تلْويَ عِذارَكَ. عمَّنِ ازْدَراكَ. وأمَّ دارَكَ. أو تقبِضَ راحَكَ. عمّنِ امْتاحَكَ. وامْتارَ سَماحَكَ. فوَاللهِ ما مجَدَ مَنْ جمَدَ. ولا رشَدَ منْ حشَدَ. بلِ اللّبيبُ مَنْ إذا وجَدَ جادَ. وإنْ بَدأ بعائِدَةٍ عادَ. والكَريمُ منْ إذا استُوهِبَ الذّهَبَ. لمْ يهَبْ أنْ يهَبَ. ثمّ أمْسَكَ يرْقُبُ أُكُلَ غرْسِهِ. ويرْصُدُ مطيبَةَ نفْسِهِ. وأحَبَّ الوالي أنْ يعْلَمَ هلْ نُطفَتُهُ ثمَدٌ. أم لقَريحَتِهِ مدَدٌ. فأطْرَقَ يرَوّي في استيراء زَنْدِهِ. واستِشْفافِ فِرِنْدِهِ. والتَبَسَ على أبي زيدٍ سِرُّ صَمْتَتِهِ. وإرْجاءِ صِلَتِهِ. فتوَغّرَ غضَباً. وأنْشَدَ مُقتَضِباً:

لا تحقِرَنّ أبيْتَ الـلّـعـنَ ذا أدبٍ *** لأنْ بَدا خلَقَ السّرْبـالِ سُـروتـا


ولا تُضِعْ لأخي التّأميلِ حُرمـتَـهُ *** أكانَ ذا لسَنٍ أم كـان سِـكّـيتـا


وانفَحْ بعُرْفِكَ منْ وافاكَ مختَبطـاً *** وانعَشْ بغَوْثِكَ من ألفيتَ مَنكوتـا


فخَيرُ مالِ الفتى مـالٌ أشـادَ لـهُ *** ذِكْراً تناقَلَهُ الرُكبـانُ أو صِـيتـا


وما على المُشتَري حمْداً بمَوْهِـبَةٍ *** غبنٌ ولوْ كان ما أعْطاهُ ياقـوتـا


لوْلا المُروءةُ ضاقَ العُذْرُ عن فَطِنٍ *** إذا اشْرأبّ إلى ما جاوَزَ القـوتـا


لكنّهُ لابْتِناء المـجْـدِ جـدّ ومِـنْ *** حُبّ السّماحِ ثنَى نحوَ العُلى لِيتـا


وما تنشّقَ نشْرَ الشّكْـرِ ذو كـرَمٍ *** إلا وأزْرى بنَشرِ المِسكِ مَفتـوتـا


والحمدُ والبخلُ لم يُقضَ اجتماعهما *** حتى لقَدْ خيلَ ذا ضَبّاً وذا حـوتَـا


والسّمحُ في الناسِ محبوبٌ خلائِقُهُ *** والجامدُ الكفّ ما ينْفَكّ ممْقـوتـا


وللشّحيحِ على أمْـوالِـهِ عـلَـلٌ *** يوسِعْنَهُ أبَـداً ذمّـاً وتـبْـكـيتـا


فجُدْ بما جمَعتْ كفّاكَ من نشَـبٍ *** حتى يُرَى مُجْتَدي جَدواكَ مَبهوتا


وخُذْ نصيبَكَ منـهُ قـبـلَ رائِعَةٍ *** من الزّمانِ تُريكَ العودَ منحوتـا


فالدّهْرُ أنكَدُ من أن تستَمـرّ بـهِ *** حالٌ تكرّهْتَ تلكَ الحالَ أم شيتا

فقال لهُ الوالي: تاللهِ لقدْ أحسَنْتَ. فأيُّ ولَدِ الرّجُلِ أنتَ؟ فنظَرَ إليْهِ عنْ عُرْضٍ. وأنشَدَ وهُوَ مُغْضٍ:

لا تسْألِ المرْءَ مَنْ أبوهُ ورُزْ *** خلالَهُ ثمّ صِلْهُ أو فاصْـرِمِ


فما يَشينُ السُّلافَ حينَ حَلا *** مَذاقُها كونُها ابنَةَ الحِصْرِمِ

قال: فقرّبَهُ الوالي لبَيانِهِ الفاتِنِ. حتى أحلّهُ مقْعَدَ الخاتِنِ. ثمّ فرَضَ له من سُيوبِ نيْلِهِ. ما آذنَ بطولِ ذَيلِهِ. وقِصَرِ لَيلِهِ. فنهَضَ عنْهُ برُدْنٍ مَلآنَ. وقلْبٍ جذْلانَ. وتبِعْتُهُ حاذِياً حَذْوَهُ. وقافِياً خَطْوَهُ. حتى إذا خرَجَ منْ بابِهِ. وفصَلَ عنْ غابِهِ. قُلتُ لهُ: هُنّئْتَ بِما أوتيتَ. ومُلّيتَ بِما أُوليتَ! فأسْفَرَ وجهُهُ وتَلالا. ووالى شُكْراً للهِ تَعالى. ثمّ خطَرَ اخْتِيالاً. وأنشدَ ارتِجالاً:

منْ يكُنْ نالَ بالحَماقَةِ حَظّـاً *** أو سَما قدرُهُ لِطيبِ الأصولِ


فبِفَضْلي انتَفَعْتُ لا بفُضولي *** وبقَوْلي ارتفَعْتُ لا بقُيولـي

ثم قال: تَعْساً لمَنْ جدَبَ الأدَبَ. وطوبى لمَنْ جدّ فيهِ ودأبَ! ثمّ ودّعَني وذهَبَ. وأوْدَعَني اللَّهَبَ.

حسن خليل
21-11-10, 05:40 PM
المقامة المعرية للحريري

أخبرَ الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: رأيتُ منْ أعاجيبِ الزّمانِ. أن تقدّم خَصْمانِ. إلى قاضي مَعرّةِ النّعمانِ. أحدُهُما قدْ ذهَبَ منْهُ الأطْيَبانِ. والآخَرُ كأنّهُ قَضيبُ البانِ. فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ. كما أيّدَ بهِ المُتقاضيَ. إنّهُ كانَتْ لي مَمْلوكَةٌ رَشِقَةُ القدّ. أسيلَةُ الخدّ. صَبورٌ على الكدّ. تخُبّ أحْياناً كالنّهْدِ. وترقُدُ أطْواراً في المهْدِ. وتجِدُ في تمّوزَ مَسَّ البَرْدِ. ذاتُ عقْلٍ وعِنانٍ. وحدٍ وسِنانٍ. وكفٍّ ببَنانٍ. وفمٍ بلا أسْنانٍ. تلْدَغُ بلِسانٍ نَضْناضٍ. وترْفُلُ في ذيْلٍ فضْفاضٍ. وتُجْلى في سَوادٍ وبَياضٍ. وتُسْقَى ولكِنْ منْ غيرِ حِياضٍ. ناصِحَةٌ خُدَعَةٌ. خُبَأةٌ طُلَعَةٌ. مطْبوعَةٌ على المنفَعَةِ. ومطْواعَةٌ في الضّيقِ والسَّعَةِ. إذا قطَعَتْ وصَلَتْ. ومتى فصَلتَها عنْكَ انفَصَلَتْ. وطالَما خدَمَتْكَ فجمّلَتْ. وربّما جنَتْ عليْكَ فآلَمَتْ وملْمَلَتْ. وإنّ هذا الفَتى استَخْدَمَنيها لغرَضٍ. فأخْدَمْتُهُ إيّاها بِلا عِوَضٍ. على أن يجْتَنيَ نفْعَها. ولا يُكلّفَها إلا وُسْعَه. فأوْلَجَ فيها مَتاعَهُ. وأطالَ بها استِمْتاعَهُ. ثم أعادَها إليّ وقدْ أفْضاها. وبذَلَ عنْها قيمَةً لا أرضاها. فقال الحَدَثُ: أمّا الشيخُ فأصدَقُ منَ القَطا. وأما الإفْضاءُ ففَرَطَ عنْ خَطا. وقدْ رهَنْتُهُ. عن أرْشِ ما أوْهَنْتُهُ. ممْلوكاً لي مُتناسِبَ الطّرَفَينِ. مُنتَسِباً إلى القَينِ. نقِيّاً منَ الدّرَنِ والشَّينِ. يُقارِنُ محلُّهُ سَوادَ العينِ. يُفْشي الإحْسانَ. ويُنْشي الاسْتِحْسانَ. ويُغْذي الإنْسانَ. ويتَحامَى اللّسانَ. إنْ سُوّدَ جادَ. أو وَسَمَ أجادَ. وإذا زُوّدَ وَهَبَ الزّادَ. ومَتى اسْتُزيدَ زادَ. لا يستَقِرّ بمَغْنى. وقلّما ينكِحُ إلا مَثْنى. يسْخو بمَوجودِه. ويسْمو عندَ جودِهِ. وينْقادُ معَ قَرينَتِهِ. وإنْ لمْ تكنْ منْ طينَتِهِ. ويُستَمْتَعُ بزينَتِهِ. وإنْ لمْ يُطْمَعْ في لينَتِه. فقال لهُما القاضي: إمّا أن تُبينا. وإلا فَينا.فابْتَدَر الغُلامُ وقال:


أعارني إبرَةً لأرفـوَ أطْـمـا *** راً عَفاها البِلـى وسـوّدَهـا


فانخرَمَتْ في يَدي على خطَـإٍ *** منّيَ لمّا جذَبْتُ مِـقـوَدَهـا


فلمْ ير الشيخُ أن يُسامِحَـنـي *** بإرْشِـهـا إذْ رأى تـأوُّدَهـا


بلْ قال هاتِ إبرَةً تُماثِـلُـهـا *** أو قيمَةً بعْدَ أن تـجـوّدَهـا


واعْتاقَ ميلي رَهْناً لـدَيْهِ ونـا *** هيكَ بـه سُـبّةً تَـزوّدَهــا


فالعينُ مَرْهَى لرَهْـنِـه ويدي *** تقصُرُ عنْ أن تفُكّ مِروَدَهـا


فاسبُرْ بذا الشّرْحِ غوْرَ مسكَنتي *** وارْثِ لمنْ لم يكُنْ تعـوّدَهـا


فأقبلَ القاضي على الشيخِ وقال: إيهٍ. بغَيرِ تمْويهٍ! فقال:

أقسَمْتُ بالمَشْعَرِ الحَرامِ ومنْ *** ضمّ منَ الناسِكينَ خَيْفُ مِنى


لوْ ساعَفَتْني الأيّامُ لمْ يرَنـي *** مُرتَهِناً مِيلَهُ الذي رَهَـنـا


ولا تصدّيتُ أبتَـغـي بـدَلاً *** منْ إبرَةٍ غالَها ولا ثَمَـنـا


لكِنّ قوْسَ الخُطوبِ ترْشِقُني *** بمُصْمِياتٍ منْ هاهُنا وهُنـا


وخُبْرُ حالي كخُبْرِ حالـتِـهِ *** ضُرّاً وبؤساً وغُربَةً وضَنى


قد عدَلَ الدهْرُ بينَنـا فـأنـا *** نظيرُهُ في الشّقاء وهْوَ أنـا


لا هُوَ يسْطيعُ فـكّ مِـروَدِهِ *** لمّا غدا في يَدَيّ مُرتَهَـنـا


ولا مَجالي لِضيقِ ذاتِ يَدي *** فيهِ اتّساعٌ للعَفْوِ حينَ جَنـى


فهَذِهِ قصّتـي وقـصّـتُـه *** فانْظُرْ إلَيْنا وبينَنـا ولَـنـا


فلمّا وعَى القاضي قَصَصهُما. وتبيّنَ خَصاصَتَهُما وتخَصُّصَهُما. أبرَزَ لهُما ديناراً منْ تحْتِ مُصَلاُّه. وقال لهُما: اقْطَعا بهِ الخِصامَ وافِصلاهُ. فتلقّفَهُ الشيخُ دونَ الحدَثِ. واستَخلَصَهُ على وجهِ الجِدِّ لا العبَثِ. وقال للحدَثِ: نِصْفُه لي بسَهْمِ مَبَرّتي. وسهْمُكَ لي عنْ أرْشِ إبْرَتي. ولستُ عنِ الحقّ أميلُ. فقُمْ وخُذِ الميلَ. فعَرا الحدَثَ لما حدثَ اكتِئابٌ. واكفَهَرّ على سَمائِهِ سَحابٌ. وجَمَ لهُ القاضي. وهيّجَ أسَفَهُ على الدّينارِ الماضي. إلا أنّهُ جبَرَ بالَ الفتَى وبَلْبالَهُ. بدُرَيْهِماتٍ رضَخَ بها له. وقال لهُما: اجْتَنِبا المُعامَلاتِ. وادْرآ المُخاصَماتِ. ولا تحْضُراني في المُحاكَماتِ. فما عِندي كيسُ الغَراماتِ. فنَهَضا منْ عِنْدِه. فرِحَينَ برِفْدِه. مُفصِحَينِ بحَمدِه. والقاضي ما يخْبو ضجَرُهُ. مُذْ بضَّ حجَرُهُ. ولا ينْصُلُ كمدُه. مُذْ رشَحَ جَلمَدُهُ. حتى إذا أفاقَ منْ غشيَتِه. أقبلَ على غاشِيَتِه. وقال: قدْ أُشرِبَ حِسّي. ونبّزني حدْسي. أنهُما صاحِبا دَهاء. لا خَصْما ادّعاء. فكيفَ السّبيلُ إلى سبرِهِما. واستِنْباطِ سرّهِما؟ فقال له نِحْريرُ زُمرَتِه. وشِرارَةُ جَمرَتِه: إنّه لنْ يتِمّ استِخراجُ خَبْئِهِما. إلا بهِما. فقَفّاهُما عَوْناً يُرْجِعُهُما إليْهِ. فلمّا مَثَلا بينَ يدَيهِ. قالَ لهُما: اصْدُقاني سِنّ بَكْرِكُما. ولكُما الأمانُ منْ تبِعَةِ مَكْرِكُما. فأحْجَمَ الحدَثُ واسْتقالَ. وأقدَمَ الشيخُ وقال:


أنا السَّروجـيُّ وهـذا ولَـدي *** والشّبْلُ في المَخْبَرِ مثلُ الأسَدِ


ومـا تـعــدّتْ يدُهُ ولا يَدي *** في إبرَةٍ يوْماً ولا في مِـرْوَدِ


وإنّما الدهرُ المُسيءُ المُعْتَـدي *** مالَ بِنا حتى غدَوْناً نجْـتَـدي


كلَّ نَدي الرّاحةِ عذْبِ المَـوْرِدِ *** وكلَّ جعْدِ الكفّ مغْلولَ الـيَدِ


بكُلّ فنٍ وبـكـلّ مـقْـصَـدِ *** بالجِدّ إنْ أجْـدَى وإلاّ بـالـدَّدِ


لنَجلِبَ الرّشْحَ إلى الحظّ الصّدي *** ونُنْفِدَ العُمْرَ بـعـيشٍ أنْـكَـدِ


والموتُ منْ بعْدُ لَنا بالمَرصَـدِ *** إنْ لمْ يُفاجِ اليومَ فاجَى في غَدِ

فقال لهُ القاضي: للهِ دَرُّكَ فما أعذَبَ نفَثاتِ فيكَ. وواهاً لكَ لوْلا خِداعٌ فيكَ! وإني لكَ لمِنَ المُنْذِرِينَ. وعليْكَ منَ الحَذِرينَ. فلا تُماكِرْ بعْدَها الحاكِمينَ. واتّقِ سَطْوَةَ المُتحكّمينَ. فما كُلّ مُسيْطِرٍ يُقيلُ. ولا كُلّ أوانٍ يُسْمَعُ القِيلُ. فعاهَدَهُ الشيخُ على اتّباعِ مَشورَتِه. والارْتِداعِ عن تلْبيسِ صورتِهِ. وفصَلَ عن جِهتِهِ. والختْرُ يلمَعُ من جبهتِهِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ أرَ أعجَبَ منْها في تصاريفِ الأسْفارِ. ولا قرَأتُ مِثلَه في تصانيفِ الأسْفارِ

حسن خليل
21-11-10, 05:42 PM
المقامة المغربية للحريري


حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: شهِدْتُ صَلاةَ المغْرِبِ. في بعضِ مساجِدِ المغرِبِ. فلمّا أدّيتُها بفضْلِها. وشفَعْتُها بنَفْلِها. أخذَ طرْفي رُفقَةً قدِ انتَبَذوا ناحيةً. وامْتازوا صَفوةً صافيَةً. وهُمْ يتعاطَونَ كأسَ المُنافَثَةِ. ويقتَدِحونَ زِنادَ المُباحثَةِ. فرغِبْتُ في مُحادثتِهِمْ لكلِمَةٍ تُستَفادُ. أو أدبٍ يُستَزادُ. فسعَيْتُ إليهِمْ. سعْيَ المتطفّلِ عليْهِمْ. وقلتُ لهُمْ: أتقْبَلون نَزيلاً يطلُبُ جنى الأسْمارِ. لا جنّةَ الثّمارِ. ويبْغي مُلَحَ الحِوارِ. لا مَلْحاءَ الحُرارِ. فحَلّوا ليَ الحِبى. وقالوا: مرْحباً مرحَباً. فلمْ أجلِسْ إلا لمحَةَ بارِقٍ خاطِفٍ. أو نغبَةَ طائِرٍ خائِفٍ. حتى غَشيَنا جوابٌ. على عاتِقِه جِرابٌ. فحيّانا بالكلِمتَينِ. وحيّا المسجدَ بالتّسليمتَينِ. ثمّ قال: يا أولي الألبابِ. والفضلِ اللُبابِ. أما تعلَمونَ أنّ أنْفَسَ القُرُباتِ. تنْفيسُ الكُرُباتِ؟ وأمْتَنَ أسبابِ النّجاةِ. مؤاساةُ ذوي الحاجاتِ؟ وإني ومَنْ أحلّني ساحتَكُمْ. وأتاحَ ليَ استِماحتَكُمْ. لشَريدُ محلٍّ قاصٍ. وبَريدُ صِبيَةٍ خِماصٍ. فهلْ في الجَماعةِ. منْ يفثأُ حُمَيّا المَجاعَةِ؟ فقالوا له: يا هذا إنّك حضرْتَ بعْدَ العِشاء. ولمْ يبْقَ إلا فَضلاتُ العَشاء. فإنْ كنتَ بها قَنوعاً. فما تجِدُ فينا مَنوعاً. فقال: إنّ أخا الشّدائِدِ. ليَقْنَعُ بلَفَظاتِ المَوائِدِ. ونُفاضاتِ المَزاوِدِ. فأمرَ كُلٌ منهُمْ عبْدَهُ. أنْ يزوّدَهُ ما عِندَهُ. فأعجَبَهُ الصُنْعُ وشكرَ عليْهِ. وجلَسَ يرْقُبُ ما يُحْمَلُ إليْهِ. وثُبْنا نحنُ إلى استِثارَةِ مُلَحِ الأدَبِ وعُيونِه. واستِنْباطِ مَعينِهِ من عُيونِهِ. إلى أنْ جُلْنا فيما لا يَستَحيلُ بالانعِكاسِ. كقولكَ ساكِبُ كاسٍ. فتَداعَينا إلى أنْ نستَنتِجَ لهُ الأفكارَ. ونفتَرِعَ منهُ الأبْكارَ. على أنْ ينظِمَ البادِئُ ثلاثَ جُماناتٍ في عِقدِهِ. ثمّ تتدرّج الزّياداتُ منْ بعدِهِ. فيرَبّعُ ذو ميمَنَتِهِ في نظْمِهِ. ويُسبِّعُ صاحِبُ ميسرَتِهِ على رغْمِهِ. قال الرّاوي: وكنّا قدِ انتظَمْنا عِدّةَ أصابِعِ الكفّ. وتألّفْنا أُلفَةَ أصْحابِ الكهْفِ. فابْتَدَرَ لعِظَمِ محْنَتي. صاحبُ ميمَنَتي. وقال: لُمْ أخاً ملّ. وقال مُيامِنُهُ: كبّرْ رَجاءَ أجْرِ ربّكَ. وقال الذي يليهِ: منْ يَرُبّ إذا برّ ينْمُ. وقال الآخرُ: سكّتْ كلَّ منْ نمّ لك تكِسْ. وأفضَتِ النّوبَةُ إليّ. وقد تعيّنَ نظْمُ السّمْطِ السُباعيّ عليّ. فلمْ يزَلْ فِكري يصوغُ ويكْسِرُ. ويُثْري ويُعسِرُ. وفي ضِمْنِ ذلِك أستَطْعِمُ. فلا أجدُ منْ يُطعِمُ. إلى أن ركَدَ النّسيمُ. وحصْحَصَ التّسليمُ. فقلتُ لأصْحابي: لو حضَرَ السَّروجيّ هذا المَقامَ. لشَفى الدّاءَ العُقامَ. فقالوا: لو نزَلَتْ هذهِ بإياسٍ. لأمْسَكَ على ياسٍ. وجعلْنا نُفيضُ في استِصْعابِها. واستِغْلاقِ بابِها. وذلِك الزّوْرُ المُعتَري. يلحَظُنا لحْظَ المُزدَري. ويؤلّفُ الدُرَرَ ونحنُ لا ندْري. فلمّا عثَرَ على افتِضاحِنا. ونُضوبِ ضحْضاحِنا. قال: يا قومُ إنّ منَ العَناء العظيمِ. استيلادَ العَقيمِ. والاستِشْفاءَ بالسّقيمِ. وفوْقَ كلّ ذي عِلمٍ عليمٌ. ثمّ أقبَل عليّ وقال: سأنوبُ منابَكَ. وأكفيكَ ما نابَكَ. فإنْ شِئْتَ أن تنثُرَ. ولا تعثُرَ. فقُلْ مُخاطِباً لمَنْ ذمّ البُخْلَ. وأكثَرَ العذْلَ: لُذْ بكلّ مؤمّلٍ إذا لمّ وملَك بذَلَ. وإنْ أحببْتَ أن تنظِمَ. فقُلْ للذي تُعظِمُ:

أُسْ أرْمَلاً إذا عَـرا *** وارْعَ إذا المرءُ أسا


أسْنِدْ أخـا نَـبـاهَةٍ *** أبِنْ إخـاءً دَنـسـا


أُسْلُ جَنابَ غـاشِـمٍ *** مُشاغِبٍ إنْ جلَسـا


أُسْرُ إذا هبّ مِـراً *** وارْمِ بهِ إذا رَسـا


أُسْكُنْ تقَوَّ فعَـسـى *** يُسعِفُ وقْتٌ نكَسـا

قال: فلمّا سحرَنا بآياتِه. وحسرَنا ببُعْدِ غاياتِه. مدحْناهُ حتى استَعْفى. ومنحْناهُ إلى أنِ استَكْفى. ثمّ شمّرَ ثيابَهُ. وازدَفَرَ جِرابَهُ. ونهضَ يُنشِدُ:

للـهِ دَرُّ عِـصـابَةٍ *** صُدُقِ المَقالِ مَقاوِلا


فاقوا الأنامَ فضـائِلاً *** مأثورَةً وفواضِـلا


حاورْتُهم فوجَدتُ سحْـ *** باناً لديْهِـمْ بـاقِـلا


وحللْتُ فيهِمْ سـائِلاً *** فلَقيتُ جوداً سـائِلا


أقسَمْتُ لوْ كان الكِرا *** مُ حياً لكانوا وابِـلا

ثم خَطا قِيدَ رُمحَينِ. وعادَ مُستَعيذاً من الحَينِ. وقال: يا عِزّ مَنْ عدِمَ الآلَ. وكَنْزَ منْ سُلِبَ المالَ. إن الغاسِقَ قدْ وقَبَ. ووجْهَ المحجّةِ قدِ انتقَبَ. وبيْني وبينَ كِنّي ليلٌ دامِسٌ. وطريقٌ طامِسٌ. فهلْ منْ مِصباحٍ يؤْمِنُني العِثارَ. ويُبيّنُ ليَ الآثارَ؟ قال: فلمّا جِيء بالمُلتَمَسِ. وجلّى الوجوهَ ضوءُ القبَسِ. رأيتُ صاحِبَ صيْدِنا. هوَ أبو زيدِنا. فقلتُ لأصحابي: هذا الذي أشَرْتُ إلى أنهُ إذا نطَقَ أصابَ. وإنِ استُمْطِرَ صابَ. فأتلَعوا نحوَه الأعْناق. وأحدَقوا بهِ الأحْداقَ. وسألوهُ أنْ يُسامِرَهُمْ ليلَتَهُ. على أن يجْبِروا عَيلَتهُ. فقال: حُبّاً لِما أحبَبْتُمْ. ورُحْباً بكُمْ إذا رحّبْتُمْ. غيرَ أني قصدتُكُمْ وأطْفالي يتضوّرونَ منَ الجوعِ. ويدْعونَ لي بوشْكِ الرّجوعِ. وإنِ استَراثوني خامرَهُم الطّيشُ. ولمْ يصْفُ لهمُ العيشُ. فدَعوني لأذْهبَ فأسُدَّ مَخْمَصَتَهُمْ. وأُسيغَ غُصّتَهُمْ. ثمّ أنقَلِبَ إليكُمْ على الأثَرِ. متأهّباً للسّمَرِ. إلى السّحَرِ. فقُلْنا لأحدِ الغِلْمَةِ: اتّبِعْهُ إلى فئَتِه. ليكونَ أسرعَ لفَيْئَتِهِ. فانْطلَقَ معَهُ مضطَبِناً جِرابَه. ومُحَثْحِثاً إيابَه. فأبْطأ بُطْأَ جاوزَ حدّهُ. ثمّ عادَ الغُلامُ وحدَهُ. فقُلْنا له: ما عندَكَ من الحديث. عنِ الخبيثِ؟ فقال: أخذَ بي في طرُقٍ مُتعِبَةٍ. وسُبُلٍ متشعّبَةٍ. حتى أفضَيْنا إلى دُوَيْرَةٍ خرِبَةٍ. فقال: هاهُنا مُناخي. ووكْرُ أفْراخي. ثمّ استَفْتَحَ بابَهُ. واختلَجَ مني جِرابَهُ. وقال: لَعمْري لقدْ خفّفْتَ عني. واستوْجَبْتَ الحُسْنى مني. فهاكَ نصيحةً هيَ منْ نفائِسِ النّصائحِ. ومغارِسِ المصالِحِ. وأنشدَ:


إذا ما حوَيْتَ جنـى نـخـلَةٍ *** فلا تقْرُبَنْهـا إلـى قـابِـلِ


وإمّا سقَطْتَ عـلـى بـيْدَرٍ *** فحوْصِلْ من السُنبلِ الحاصِلِ


ولا تلبَثَنّ إذا مـا لـقَـطْـتَ *** فتَنشَبَ في كفّةِ الـحـابِـلِ


ولا توغِلَنّ إذا ما سـبـحْـتَ *** فإنّ السّلامةَ في السـاحِـلِ


وخاطبْ بهاتِ وجاوِبْ بسوْفَ *** وبِعْ آجِلاً منكَ بالـعـاجـلِ


ولا تُكثِرَنّ علـى صـاحـبٍ *** فما ملّ قطُّ سوى الواصِـلِ

ثم قال: اخزُنْها في تأمورِكَ. واقْتَدِ به في أمورِكَ. وبادِرْ إلى صحْبِكَ. في كِلاءةِ ربّكَ. فإذا بلَغْتَهُمْ فأبْلِغْهُمْ تحيّتي. واتْلُ عليْهِمْ وصيّتي. وقُلْ لهُمْ عنّي: إنّ السهَرَ في الخُرافاتِ. لَمِنْ أعظمِ الآفاتِ. ولستُ أُلْغي احتِراسي. ولا أجلُبُ الهوَسَ إلى راسي. قال الراوي: فلمّا وقفْنا على فحْوى شِعرِهِ. واطّلَعْنا على نُكْرِهِ ومكرِهِ. تلاوَمْنا على ترْكِهِ. والاغتِرارِ بإفْكِهِ. ثمّ تفرّقْنا بوجوهٍ باسِرَةٍ. وصفقَةٍ خاسِرةٍ.

حسن خليل
21-11-10, 05:44 PM
المقامة الملطية للحريري


أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أنَخْتُ بمَلْطِيّةَ مطيّةَ البَينِ. وحَقيبَتي ملأى منَ العينِ. فجعَلْتُ هِجّيرايَ. مُذْ ألقَيْتُ بها عصايَ. أن أتورّدَ موارِدَ المرَحِ. وأتصيّدَ شوارِدَ المُلَحِ. فلمْ يَفُتْني بها منظَرٌ ولا مسمَعٌ. ولا خَلا مني ملعَبٌ ولا مرتَعٌ. حتى إذا لمْ يبْقَ لي فيها مأرَبٌ. ولا في الثّواء بها مَرْغَبٌ. عمَدْتُ لإنْفاقِ الذّهبِ. في ابتِياعِ الأُهَبِ. فلمّا أكمَلْتُ الإعْدادَ. وتهيّأ الظّعْنُ منها أو كادَ. رأيتُ تِسعَةَ رهْطٍ قد سبأوا قهوَةً. وارتَبأوا ربْوَةً. ودماثَتُهُمْ قيْدُ الألحاظِ. وفُكاهَتُهُمْ حُلوَةُ الألْفاظِ. فنحَوْتُهُمْ طلَباً لمُنادَمتِهِمْ. لا لمُدامَتِهِمْ. وشَعَفاً بمُمازَجَتِهِمْ لا بزُجاجَتِهمْ. فلمّا انتظَمْتُ عاشِرَهُمْ. وأضحَيْتُ مُعاشِرَهمْ. ألفَيتُهُمْ أبناءَ عَلاّتٍ. وقَذائِفَ فلَواتٍ. إلا أنّ لُحْمَةَ الأدَبِ. قد ألّفَتْ شمْلَهُمْ أُلفَةَ النّسَبِ. وساوَتْ بينهُم في الرُّتَبِ. حتى لاحوا مثلَ كواكِبِ الجوْزاءِ. وبدَوْا كالجُملَةِ المُتناسِبَةِ الأجْزاءِ. فأبْهَجَني الاهتِداءُ إليْهِمْ. وأحمَدْتُ الطّالِعَ الذي أطلعَني عليْهِمْ. وطفِقْتُ أُفيضُ بقِدْحي معَ قِداحِهِمْ. وأسْتَشْفي برِياحِهِمْ لا بِراحِهِمْ. حتى أدّتْنا شُجونُ المُفاوضَةِ. إلى التّحاجي بالمُقايَضَةِ. كقوْلِكَ إذا عنَيْتَ بهِ الكَراماتِ. ما مثلُ النّوْمُ فاتَ. فأنْشأنا نجْلو السُهَى والقمرَ. ونجْني الشّوْكَ والثّمَرَ. وبيْنا نحنُ ننْشُرُ القَشيبَ والرّثَّ. وننْشُلُ السّمينَ والغَثَّ. وغَلَ عليْنا شيخٌ قد ذهَبَ حِبرُهُ وسِبْرُهُ. وبقِيَ خُبْرُهُ وسَبْرُهُ. فمثَلَ مُثولَ منْ يسمَعُ وينظُرُ. ويلتَقِطُ ما ننْثُرُ. إلى أن نُفِضَتِ الأكياسُ. وحصْحَصَ الياسُ. فلمّا رأى إجْبالَ القَرائِحِ. وإكْداءَ الماتِحِ والمائِحِ. جمَعَ أذيالَهُ. وولاّنا قَذالَهُ. وقال: ما كُلّ سوْداء تمْرَةٌ. ولا كلّ صهْباء خمرَةٌ. فاعْتَلَقْنا بهِ اعتِلاقَ الحِرْباء بالأعْوادِ. وضربْنا دونَ وِجْهَتِهِ بالأسْدادِ. وقلْنا لهُ: إن دَواء الشّقّ أن يُحاصَ. وإلا فالقِصاصَ القِصاصَ. فلا تطمَعْ في أن تجْرَحَ وتطْرَحَ. وتُنهِرَ الفَتْقَ وتسْرَحَ! فلوَى عِنانَهُ راجِعاً. ثم جثَمَ بمَكانِهِ راصِعاً. وقال: أمّا إذا استَثَرْتُموني بالبَحْثِ. فلأحْكُمُ حُكمَ سُلَيْمانَ في الحرْثِ. اعْلَموا يا ذَوي الشّمائِلِ الأدبِيّةِ. والشَّمولِ الذّهبيّةِ. أنّ وضْعَ الأُحجِيّةِ. لامتِحانِ الألمَعيّةِ. واستِخْراجِ الخَبيّةِ الخفيّةِ. وشرْطُها أنْ تكونَ ذاتَ مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ. وألْفاظٍ معْنَويّةٍ. ولَطيفَةٍ أدَبيّةٍ. فمتى نافَتْ هذا النّمَطَ. ضاهَتِ السّقَطَ. ولمْ تدْخُلِ السّفَطَ. ولم أرَكُمْ حافَظتُمْ على هذهِ الحُدودِ. ولا مِزْتُمْ بينَ المقبولِ والمرْدودِ. فقُلْنا لهُ: صدَقْتَ. وبالحقّ نطَقْتَ. فكِلْ لَنا منْ لُبابِكَ. وأفِضْ عليْنا منْ عُبابِكَ. فقال: أفْعَلُ لئلاّ يرْتابَ المُبطِلونَ. ويظنّوا بيَ الظّنونَ. ثمّ قابلَ ناظُورَةَ القومِ وقال:

يا مَنْ سَـمـا بـذَكـاءٍ *** في الفضلِ واري الزِّنادِ


ماذا يُمـاثِـلُ قـولـي *** جوعٌ أُمِــدّ بـــزادِ

ثمّ ضحِكَ إلى الثّاني وأنشدَ:

يا ذا الذي فاقَ فضْلاً *** ولمْ يُدَنّـسْـهُ شَـينُ


ما مثلُ قوْلِ المُحاجي *** ظهْرٌ أصابَتْهُ عـينُ

ثمّ لحَظَ الثّالِثَ وأنشأ يقول:

يا مَنْ نتـائِجُ فـكـرِهِ *** مثلُ النّقودِ الجـائِزَهْ


ما مثلُ قولِكَ لـلّـذي *** حاجَيْتَ صادَفَ جائِزَهْ

ثمّ أتلَعَ إلى الرّابِعِ وقال:

أيا مُستَنْبِـطَ الـغـامـ *** ضِ منْ لُغْزٍ وإضْمارِ


ألا اكْشِفْ ليَ ما مثلُ *** تنـاوَلْ ألـفَ دينـارِ

ثمّ رَمى الخامِسَ ببصرِه وقال:


يا أيّهَـذا الألْـمَــعـ *** يّ أخو الذّكاء المُنجَلي


ما مثلُ أهْمَلَ حِـلـيَةً *** بيِّنْ هُديتَ وعـجِّـلِ

ثمّ التفَت لفْتَ السّادِسِ وقال:


يا مَنْ تقـصّـرُ عـن مَـدا *** هُ خُطى مُجارِيهِ وتضْعُـفْ


ما مثـلُ قـولِـكَ لـلّـذي *** أضْحى يحاجيكَ اكفُفِ اكفُفْ

ثمّ خلجَ السابعَ بحاجِبِه وقال:

يا منْ لهُ فِطنَةٌ تـجـلّـتْ *** ورُتبَةٌ في الذّكاء جـلّـتْ


بيّنْ فمـا زِلْـتَ ذا بَـيانٍ *** ما مثلُ قولي الشَقيقُ أفلَتْ

ثم استنْصَتَ الثّامِنَ وأنشدَ:


يا مَـنْ حـدائِقُ فـضـلِــهِ *** مطلولَةُ الأزهـارِ غـضّـهْ


ما مثلُ قـولِـكَ لـلـمُـحـا *** جي ذي الحِجى ما اختارَ فِضّهْ

ثمّ حدجَ التاسِعَ ببصرِهِ وقال:

يا منْ يُشارُ إليهِ فـي الـ *** قلبِ الذّكيّ وفي البَراعَهْ


أوضِحْ لنا ما مثـلُ قـوْ *** لِكَ للمُحاجي دُسْ جماعَهْ

قال الراوي: فلما انتهى إليّ. هزّ مَنكِبَيّ. وقال:

يا منْ لهُ النُّكَـتُ الـتـي *** يُشجي الخُصومَ بها وينكُتْ


أنتَ المُبينُ فـقُـلْ لـنـا *** ما مثلُ قوْلي خاليَ اسكُتْ

ثم قال: قد أنْهلْتُكُمْ وأمهَلتُكُمْ. وإنْ شِئْتُمْ أنْ أعُلّكُمْ علّلتُكُمْ. قال: فألْجأنا لهَبُ الغُلَلِ. إلى استِسقاء العَلَلِ. فقال: لستُ كمَنْ يستأثِرُ على نَديمِهِ. ولا ممّنْ سمْنُهُ في أديمِه. ثمّ كرّ على الأوّلِ وقال:

يا منْ إذا أشكلَ المُعَمّى *** جلَتْهُ أفكارهُ الدّقـيقَـهْ


إنْ قال يوماً لكَ المُحاجي *** خذْ تلكَ ما مِثلُهُ حَقيقَـهْ

ثم ثَنى جيدَهُ إلى الثّاني وقال:

يا منْ بَدا بـيانُـهُ *** عنْ فضلِهِ مُبيِّنا


ماذا مثالُ قولِهِـمْ *** حِمارُ وحْشٍ زُيّنا

ثم أوحى إلى الثالثِ بلحْظِهِ وقال:

يا منْ غدا في فضلِهِ *** وذكائِهِ كالأصْمَعي


ما مثلُ قولِكَ للـذي *** حاجاكَ أنْفِقْ تقمَعِ

ثمّ حملَقَ إلى الرّابعِ وأنشدَ:

يا منْ إذا ما عَويصٌ *** دجا أنارَ ظلامَـهْ


ماذا يُماثِلُ قـوْلـي *** إسْتَنْشِ ريحَ مُدامَهْ

ثمّ أومضَ إلى الخامِسِ وقال:


يا مَنْ تـنـزّهَ فَـهـمُـهُ *** عنْ أن يرَوّي أو يَشُـكّـا


ما مثلُ قـولِـكَ لـلـذي *** أضْحى يُحاجي غطِّ هَلكى

ثمّ أقبلَ قِبَلَ السادِسِ وأنشدَ:


يا أخا الفِطنَةِ التي *** بانَ فيها كمالُـهُ


سارَ باللّيلِ مُـدّةً *** أيُّ شيءٍ مثالُـهُ

ثم نَحا بصرَهُ إلى السابِعِ وقال:


يا منْ تحلّى بفَـهْـمٍ *** أقامَ في الناسِ سوقَهْ


لكَ البَـيانُ فـبـيّنْ *** ما مثلُ أحْبِبْ فَروقَهْ

ثم قصدَ قصْدَ الثامنِ وأنشدَ:


يا مـنْ تـبـــوّأ ذِروَةً *** في المجدِ فاقتْ كلَّ ذرْوَهْ


ما مثلُ قولِـكَ أعـطِ إذْ *** ريقاً يلوحُ بغيرِ عُـروَهْ

ثم ابتسمَ إلى التّاسِعِ وقال:


يا مَنْ حوَى حُسـنَ الـدّرا *** يَةِ والبَيانِ بـغـيرِ شـكِّ


ما مثلُ قولِكَ لـلـمُـحـا *** جي ذي الذّكاء الثّورُ مِلكي

ثم قبَضَ بجُمْعِهِ على رُدْني وقال:


يا مَنْ سَما بثُقوبِ فِطنَـتِـهِ *** في المُشكلاتِ ونورِ كوْكبهِ


ماذا مِثالُ صَفيرُ جَحـفَـلةٍ *** بيّنْـهُ تِـبْـيانـاً ينـمّ بـهِ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أطرَبَنا بما سمِعْناهُ. وطالَبَنا مُكاشَفَةَ معْناهُ. قُلنا لهُ: لسْنا منْ خيلِ هذا المَيدانِ. ولا لَنا بحَلّ هذِه العُقَدِ يَدانِ. فإنْ أبَنْتَ. مننْتَ. وإنْ كتَمْتَ. غممْتَ. فظَلّ يُشاوِرُ نفسَيْهِ. ويُقلّبُ قِدْحَيْهِ. حتى هانَ بذْلُ الماعونِ عليْهِ. فأقبَلَ حينئذٍ على الجَماعةِ. وقال: يا أّلَ البَلاغَةِ والبَراعَةِ. سأعلّمُكُمْ ما لمْ تكونوا تعْلَمونَ. ولا ظننْتُمْ أنّكُمْ تُعلَّمونَ. فأوْكوا عليْهِ الأوعِيَةَ. وروِّضوا بهِ الأنديَةَ. ثمّ أخذَ في تفسيرٍ صقلَ به الأذْهانَ. واستفْرَغ معهُ الأرْذانَ. حتى آضَتِ الأفْهامُ أنْوَرَ منَ الشّمسِ. والأكْمامُ كأنْ لمْ تغْنَ بالأمسِ. ولمّا همّ بالمَفرّ. سُئِلَ عنِ المَقَرّ. فتنفّسَ كم تتنفّسُ الثَّكولُ. وأنشأ يقولُ:

كلُّ شِعْبٍ ليَ شِعْـبُ *** وبهِ رَبْعـيَ رحْـبُ


غيرَ أنّـي بـسَـروجٍ *** مُستَهامُ القلْبِ صَـبّ


هيَ أرضي البِكرُ والجـ *** وُّ الذي فيهِ المَـهَـبّ


والى روضَتِها الغـنّـا *** ء دونَ الرّوضِ أصْبو


ما حَلا لي بعْدَها حُـلْـ *** وٌ ولا اعْذَوْذَبَ عذْبُ

قال الراوي: فقلْتُ لأصحابي هذا أبو زيدٍ السَّروجيّ. الذي أدْنى مُلَحِهِ الأحاجيّ. وأخذْتُ أصِفُ لهُمْ حُسنَ توشيَتِهِ. وانقِيادَ الكَلامِ لمشيّتِهِ. ثمّ التفَتُّ فإذا بهِ قدْ طمَرَ. وناءَ بما قمَرَ. فعجِبْنا ممّا صنَعَ إذْ وقَعَ. ولمْ ندْرِ أيْنَ سكَعَ وصَقَعَ.

حسن خليل
21-11-10, 05:45 PM
تفسير الأحاجي المودعة للمقامة الملطية

أما جوع أمدّ بزاد. فمثله طوامير. وأما ظَهر إصابته عَين، فمثله مطاعين. وأما صادف جائزة، فمثله الفاصلة. وأما تناول ألف دينار، فمثله هادية. وأما أهمل حلية، فمثله الغاشية. وأما اكفف اكفف، فمثله مهمه. وأما الشقيق افلت، فمثله أخطار. وأما ما اختار فضة. فمثله أبارقة، لأن الرقة من أسماء الفضة وقد نطق بها النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال في الرقة ربع العشر. وأما دس جماعة، فمثله طافية. وأما خالي اسكت، فمثله خالصة، لأنك إذا ناديت مضافاً إلى نفسك جاز لك حذف الياء وإثباتها ساكنة ومتحرّكة، وقد حذف ههنا حرف النداء كما حذفه في أصل الأحجية، وصه بمعنى اسكت. وأما خذ تلك، فمثله هاتيك، وأما حمار وحش زينا، فمثله فرازين، لأن الفرا حمار الوحش، ومنه الحديث: كل الصيد في جوف الفرا. وأما قوله انفق تقمع، فمثله منتقم، لأن الأمر من مان يمون مُنْ. ومضارع وقمت تقِم. وأما استنش ريح مدامة، فمثله رحراح، لأن الأمر من استدعاء الرائحة رح. وأما غطِّ هلكى، فمثله صُنبور، لأن البور هم الهلكى، وفي القرآن: وكنتم قوماً بوراً. وأما سار بالليل مدة، فمثله سراحين. وأما احبب فروقة، فمثله مقلاع، لأن الأمر من ومق يمق مق، واللاع الجبان، يقال فلان هاع لاع إذا كان جباناً جزعاً. وأما اعطِ إبريقاً يلوح بغير عروة، فمثله اسكوب، لأن الأوس الإعطاء والأمر اس، والكوب الإبريق بغير عروة، وأما الثور ملكي، فمثله اللآلي، لأن اللأى على وزن القنا هو ثور الوحش. وأما صفير جحفلة، فمثله مكاشفة، لأن المكاء الصفير. قال الله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية؛ والأصل في المكاء المد ولكنه قصره في هذه الأحجية كما حذف همزة الفراء في أحجيته. وكلا الأمرين من قصر الممدود وحذف همزة المهموز جائز.

حسن خليل
21-11-10, 05:48 PM
المقامة النجرانية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: تَرامتْ بي مَرامي النّوى. ومسَاري الهَوى. إلى أن صِرْتُ ابنَ كُلّ تُربَةٍ. وأخا كُلّ غُربةٍ. إلا أني لمْ أكُنْ أقطَعُ وادِياً. ولا أشهَدُ نادِياً. إلا لاقْتِباسِ الأدَبِ المُسْلي عنِ الأشْجانِ. المُغْلي قيمَةَ الإنسانِ. حتى عُرِفَتْ لي هذه الشِّنْشِنَةُ. وتناقلَتْها عني الألسنَةُ. وصارتْ أعْلَقَ بي منَ الهوى ببَني عُذْرَةَ. والشّجاعَةِ بآلِ أبي صُفرَةَ. فلمّا ألْقَيتُ الجِرانَ بنَجْرانَ. واصطَفَيتُ بها الخُلاّنَ والجيرانَ. تخِذْتُ أندِيَتَها مُعتَمَري. وموسِمَ فُكاهَتي وسمَري. فكنْتُ أتعَهّدُها صَباحَ مساء. وأظهَرُ فيها على ما سرّ وساء. فبَينَما أنا في نادٍ محْشودٍ. ومحْفِلٍ مشْهودٍ. إذ جثَمَ لدَيْنا هِمٌّ. علَيهِ هِدْمٌ. فحَيّا تحيّةَ ملِقٍ. بلِسانٍ ذلِقٍ. ثمّ قال: يا بُدورَ المَحافِلِ. وبحورَ النّوافِلِ. قد بيّنَ الصّبْحُ لِذي عيْنَينِ. ونابَ العِيانُ مَنابَ عدْلَينِ. فماذا تَروْنَ. في ما ترَوْنَ؟ أتُحسِنونَ العَوْنَ. أم تنأوْنَ. إذْ تُدعَوْنَ؟ فقالوا: تاللهِ لقَدْ غِظْتَ. ورُمْتَ أن تُنبِطَ فغِضْتَ. فناشَدَهُمُ اللهَ عمّاذا صدّهُمْ. حتى استَوجَبَ ردَّهُمْ. فقالوا: كنّا نتَناضَلُ بالألْغازِ. كما يُتَناضَلُ يومَ البِرازِ. فما تمالَكَ أن شعّثَ منَ المَنْضولِ. وألْحَقَ هذا الفضْلَ بنمَطِ الفُضولِ. فلَسَنَتْهُ لُسْنُ القوْمِ. ووَخَزوهُ بأسنّةِ اللّوْمِ. وأخذَ هوَ يتنصّلُ من هَفوَتِهِ. ويتندّمُ على فَوْهَتِهِ. وهُمْ مُضِبّونَ على مؤاخذَتِهِ. ومُلَبّونَ داعيَ مُنابَذَتِهِ. إلى أن قالَ لهُمْ: يا قومِ إنّ الاحتِمالَ منْ كرَمِ الطّبْعِ. فعَدّوا عنِ اللّذْعِ والقَذْعِ. ثمّ هلُمّ إلى أن نُلغِزَ. ونُحكّمَ المُبرِّزَ. فسكنَ عندَ ذلِك توقُّدُهُمْ. وانحَلّتْ عُقدُهمْ. ورَضوا بما شرَطَ عليهِمْ ولَهُمْ. واقتَرَحوا أنْ يكونَ أوّلَهُمْ. فأمْسكَ ريْثَما يُعقَدُ شِسْعٌ. أو يُشَدّ نِسْعٌ. ثمّ قال: اسمَعوا وُقيتُمُ الطّيشَ. ومُلّيتُمُ العيْشَ. وأنشدَ مُلغِزاً في مِروَحَةِ الخيْش:

وجارِيَةٍ في سيرِها مُشـمَـعِـلّةٍ *** ولكِنْ على إثْرِ المَسيرِ قُفولُهـا


لها سائِقٌ من جِنسِها يستَحثّـهـا *** على أنهُ في الإحتِثاثِ رَسيلُهـا


تُرى في أوانِ القَيظِ تنظُفُ بالنّدى *** ويَبدو إذا ولّى المَصيفُ قُحولُها

ثمّ قال: وهاكُمْ يا أولي الفضْلِ. ومَراكِزَ العقْلِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في حابولِ النّخْلِ:

ومُنتَسِـبٍ إلى أمٍّ *** تَنَشّا أصْلُهُ منْهـا


يعانِقُها وقد كانـتْ *** نفَتْهُ بُرهَةً عنْهـا


بهِ يتوصّلُ الجانـي *** ولا يُلْحى ولا يُنْهى

ثمّ قال: ودونَكُمُ الخَفيّةَ العلَمِ. المُعتَكِرَةَ الظُلَمِ. وأنشدَ مُلغِزاً في القلَمِ:

ومأمومٍ بهِ عُـرِفَ الإمـامُ *** كما باهَتْ بصُحْبَتِهِ الكِرامُ


لهُ إذ يرتَوي طَيْشانُ صـادٍ *** ويسكُنُ حينَ يعْروهُ الأُوامُ


ويُذْري حين يُستَسْعى دُموعاً *** يرُقْنَ كما يروقُ الإبتِسـامُ

ثمّ قال: وعلَيْكُمْ بالواضِحَةِ الدّليلِ. الفاضِحَةِ ما قيلَ. وأنشدَ مُلغِزاً في المِيلِ:

وما ناكِحٌ أُختَينِ جَهْـراً وخُـفـيَةً *** وليسَ عليهِ في النّكـاحِ سَـبـيلُ


متى يغْشَ هذي يغْشَ في الحالِ هذه *** وإنْ مالَ بعْلٌ لـمْ تـجِـدْهُ يَمـيلُ


يَزيدُهُما عندَ المَشـيبِ تـعـهّـداً *** وبِرّاً وهذا في البُـعـولِ قَـلـيلُ

ثم قال: وهذِهِ يا أولي الألْبابِ. مِعْيارُ الآدابِ. وأنشَد مُلغِزاً في الدّولابِ:

وجافٍ وهْوَ موْصولٌ *** وَصولٌ ليسَ بالجافي


غَريقٌ بارِزٌ فاعْجَـبْ *** لهُ منْ راسِبٍ طافِ


يسُحّ دُموعَ مهْضـومٍ *** ويهْضِمُ هَضْمَ مِتْلافِ


وتُخْشى منهُ حِـدّتُـهُ *** ولكِنْ قلبُـهُ صـافِ

قال: فلمّا رشَقَ. بالخَمْسِ التي نسَقَ. قال: يا قوْمِ تدَبّروا هذهِ الخمْسَ. واعْقِدوا عليْها الخَمْسَ. ثمّ رأيَكُمْ وضَمّ الذّيلِ. أوِ الازدِيادَ منْ هَذا الكَيْلِ! قال: فاستَفزّتِ القوْمَ شهوَةُ الزّيادَةِ. على ما أُشرِبوا منَ البَلادَةِ. فقالوا لهُ: إنّ وُقوفَنا دونَ حدّكَ. ليُفْحِمُنا عنِ استِيراء زنْدِكَ. واستِشْفافِ فِرِنْدِكَ. فإنْ أتْمَمتَ عشْراً فمِنْ عِندِكَ. فاهتزّ اهتِزازَ منْ فلَجَ سهمُهُ. وانخَزَلَ خصْمُهُ. ثمّ افتَتَح النُطْقَ بالبَسمَلَةِ. وأنشدَ مُلغِزاً في المُزَمَّلَةِ:

ومَسْرورَةٍ مَغمومَةٍ طولَ دهـرِهـا *** وما هيَ تدري ما السُرورُ ولا الغَـمُّ


تُقرَّبُ أحـيانـاً لأجْـلِ جَـنـينِـهـا *** وكـمْ ولـدٍ لـوْلاهُ طُـلّـقَـتِ الأمُّ


وتُبعَدُ أحياناً ومـا حـالَ عـهـدُهـا *** وإبعادُ من لم يَستَحِلْ عهـدُه ظُـلـمُ


إذا قَصُرَ الليلُ استُـلِـذّ وصـالُـهـا *** وإن طالَ فالإعراضُ عن وصْلِها غُنمُ


لها ملـبَـسٌ بـادٍ أنـيقٌ مـبَـطَّـنٌ *** بما يُزْدَرى لكنْ لِما يُزْدرى الحُـكـمُ

ثم كشَرَ عن أنيابِهِ الصُفْرِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الظُفْرِ:

ومرهوبِ الشَّـبـا نـامٍ *** وما يرْعى ولا يشـرَبْ


يُرى في العَشْرِ دونَ النّحْـ *** ـرِ فاسمَعْ وصفَهُ واعْجَبْ

ثم تخازرَ تخازُرَ العِفْريتِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في طاقَةِ الكِبريتِ:

وما مَحْقورَةٌ تُدْنى وتُقْصى *** وما منْها إذا فكّـرْتَ بُـدُّ


لها رأسانِ مُشتَبِهانِ جِـداً *** وكُلٌ منهُما لأخـيهِ ضِـدُّ


تعذَّبُ إن هُما خُضِبا وتُلغى *** إذا عَدِما الخِضابَ ولا تُعَدّ

ثمّ تخمّطَ تخمُّطَ القَرْمِ. وأنشدَ في حلَبِ الكَرْمِ:

وما شيءٌ إذا فسَـدا *** تحوّلَ غـيُّهُ رشَـدا


وإنْ هوَ راقَ أوصافاً *** أثارَ الشرّ حيثُ بَدا


زَكيُّ العِرقِ والِـدُهُ *** ولكِنْ بِئْسَ ما ولَـدا

ثمّ اعتَضَدَ عَصا التَّسيارِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الطيّارِ:

وذي طَيشَةٍ شِـقُّـهُ مـائِلٌ *** وما عابَهُ بهِمـا عـاقِـلُ


يُرى أبـداً فـوقَ عِـلّـيّةٍ *** كما يعْتَلي المَلِكُ العـادِلُ


تساوَى لدَيْهِ الحَصا والنُّضارُ *** وما يستَوي الحقُّ والباطلُ


وأعْجَبُ أوصافِهِ إنْ نظرْتَ *** كما ينظُرُ الكَيّسُ الفاضِـلُ


تَراضي الخُصومِ بهِ حاكِماً *** وقدْ عرَفـوا أنّـهُ مـائِلُ

قال: فظلّتِ الأفكارُ تَهيمُ في أوديةِ الأوْهامِ. وتَجولُ جوَلانَ المُستَهامِ. إلى أن طالَ الأمَدُ. وحصْحَصَ الكمَدُ. فلمّا رآهُمْ يزنِدونَ ولا سَنا. ويقْضونَ النّهارَ بالمُنى. قال: يا قومِ إلامَ تنظُرونَ. وحتّامَ تُنظَرونَ؟ ألَمْ يأنِ لكُمُ استِخْراجُ الخَبيّ. أو استِسلامُ الغَبيّ؟فقالوا: تاللهِ لقدْ أعْوَصْتَ. ونصَبْتَ الشَّرَكَ فقنَصْتَ. فتحَكّمْ كيفَ شيتَ. وحُزِ الغُنْمَ والصّيتَ. ففرَضَ عنْ كلّ مُعَمًى فرْضاً. واستخلَصَهُ منهُمْ نَضّاً. ثمّ فتَح الأقفالَ. ورسمَ الأغْفالَ. وحاولَ الإجْفالَ. فاعتلَقَ بهِ مِدرَهُ القومِ. وقال لهُ: لا لُبسَةَ بعْدَ اليومِ. فاستَنْسِبْ قبلَ الانطِلاقِ. وهَبْها مُتعَةَ الطّلاقِ. فأطْرَقَ حتى قُلْنا مُريبٌ. ثمّ أنشَدَ والدمعُ مُجيبٌ:

سَروجُ مطْلِعُ شمْسي *** وربْعُ لَهْوي وأُنسـي


لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمـي *** بها ولَذةَ نـفْـسـي


واعْتَضْتُ عنها اغْتِراباً *** أمَرَّ يومي وأمْسـي


ما لي مقَـرٌّ بـأرضٍ *** ولا قَرارٌ لعَنْـسـيْ


يوماً بنَـجـدٍ ويوْمـاً *** بالشّأمِ أُضْحي وأُمسي


أُزْجي الزّمانَ بقـوتٍ *** منغّصٍ مُستَـخَـسّ


ولا أبـيتُ وعـنـدي *** فلْسٌ ومَنْ لي بفَلْـسِ


ومنْ يعِشْ مثلَ عيشي *** باعَ الحياةَ ببـخْـسِ

ثم إنّهُ اخْتَبَن خُلاصَةَ النّضّ. وندرَ ضارِباً في الأرضِ. فناشدْناهُ أن يعودَ. وأسْنَيْنا لهُ الوعودَ. فلا وأبيكَ ما رجعَ. ولا التّرغيبُ لهُ نجعَ.

حسن خليل
21-11-10, 05:50 PM
المقامة النصيبية للحريري


روى الحارثُ بنُ همّام قال: أمْحَلَ العِراقُ ذاتَ العُوَيْمِ. لإخْلافِ أنواء الغَيْمِ. وتحدّثَ الرُكْبانُ بريفِ نَصيبِينَ. وبُلَهْنِيَةِ أهلِها المُخصِبينَ. فاقتَعَدْتُ مَهْرِيّاً. واعْتقلْتُ سمْهَرياً. وسِرْتُ تلفِظُني أرضٌ إلى أرضٍ. ويجذِبُني رفْعٌ منْ خفْضٍ. حتى بلغْتُها نِقْضاً على نِقضٍ. فلمّا أنخْتُ بمغْناها الخصيبِ. وضربْتُ في مرْعاها بنَصيبٍ. نوَيْتُ أن أُلْقيَ بها جِراني. وأتّخذَ أهلَها جيراني. إلى أنْ تحْيا السّنَةُ الجَمادُ. وتتعهّدُ أرضَ قوْمي العِهادُ. فواللهِ ما تمَضْمَضَتْ مُقلَتي بنوْمِها. ولا تمخّضَتْ ليْلَتي عن يومِها. دونَ أن ألفَيْتُ أبا زيدٍ السَّروجيَّ يجولُ في أرجاء نَصيبينَ. ويخبِطُ بها خبْطَ المُصابينَ والمُصيبينَ. وهوَ ينثُرُ منْ فيهِ الدُرَرَ. ويحتلِبُ بكفّيْهِ الدِّرَرَ. فوجدْتُ بها جِهاديَ قد حازَ مَغنَماً. وقِدْحيَ الفَذّ قد صار توْأماً. ولم أزلْ أتْبَعُ ظِلّهُ أينَما انبَعَث. وألتَقِطُ لفظَهُ كلّما نفثَ. إلى أنْ عراهُ مرضٌ امتدّ مَداهُ. وعرَقَتْهُ مُداهُ. حتى كادَ يسلُبُه ثوبَ المَحْيا. ويسلّمُهُ إلى أبي يَحْيى. فوجدْتُ لفَوْتِ لُقياهُ. وانقِطاعِ سُقْياهُ. ما يجدُهُ المُبعَدُ عن مرامِهِ. والمُرضَعُ عندَ فِطامِهِ. ثمّ أرْجِفَ بأنّ رهْنَهُ قد غلِقَ. ومِخْلَبَ الحِمامِ بهِ قد علِقَ. فقَلِقَ صحْبُهُ لإرْجافِ المُرْجِفينَ. وانثالوا إلى عَقوَتِهِ مُوجِفينَ:

حَيارى يميدُ بهـمْ شَـجْـوُهُـمْ *** كأنّهمُ ارتَضعوا الخـنـدَريسـا


أسالوا الغُروبَ وعطّوا الجُيوبَ *** وصكّوا الخدودَ وشجّوا الرّؤوسا


يودونَ لوْ سالمَتْـهُ الـمَـنـونُ *** وغالَتْ نفائِسَهُمْ والنّـفـوسـا

قال الرّاوي: وكنتُ في مَنِ التفّ بأصْحابِه. وأغذّ إلى بابِه. فلمّا انتهيْنا إلى فِنائِه. وتصدّينا لاستِنْشاء أنْبائِهِ. برزَ إليْنا فتاهُ. مُفترّةً شفتَاهُ. فاستَطْلَعناهُ طِلْعَ الشيخِ في شَكاتِهِ. وكُنْهَ قُوى حرَكاتِهِ. فقال: قدْ كان في قبْضَةِ المرْضَةِ. وعرْكَةِ الوعْكَةِ. إلى أنْ شفّهُ الدّنَفُ. واستشفّهُ التّلَفُ. ثمّ منّ اللهُ تَعالى بتقويةِ ذمائِهِ. فأفاقَ منْ إغمائِهِ. فارْجِعوا أدراجَكُمْ. وانْضوا انزِعاجَكُمْ. فكأنْ قد غَدا وراحَ. وساقاكُمُ الرّاحَ. فأعْظَمْنا بُشْراهُ. واقترَحْنا أنْ نَراهُ. فدخَلَ مؤذِناً بِنا. ثمّ خرَج آذِناً لنا. فلَقينا منْهُ لَقًى. ولِساناً طلْقاً. وجلسْنا مُحدِقين بسَريرِهِ. محدّقينَ إلى أساريرِه. فقلّبَ طرْفَهُ في الجَماعةِ. ثمّ قال: اجْتَلوها بنتَ السّاعةِ. وأنشَد:

عافانيَ اللهُ وشُكْـراً لـهُ *** منْ عِلّة كادتْ تُعَفّينـي


ومنّ بالبُرْء علـى أنّـهُ *** لا بُدّ منْ حتْفٍ سيَبْريني


ما يتَناسانـي ولـكـنّـهُ *** إلى تقضّي الأُكْلِ يُنْسيني


إنْ حُمّ لمْ يُغْنِ حَمـيمٌ ولا *** حمَى كُلَيْبٍ منْهُ يحْميني


وم أُبالـي أدَنـا يومُـهُ *** أم أُخّرَ الحَينُ إلى حـينِ


فأيُّ فخْرٍ في حَـياةٍ أرى *** فيها البَلايا ثمّ تُبْلـينـي

قال: فدعَوْنا لهُ بامتِدادِ الأجلِ. وارتِدادِ الوجَلِ. ثمّ تداعَيْنا إلى القِيامِ. لاتّقاءِ الإبْرامِ. فقالَ: كلاّ بلِ البَثوا بَياضَ يومِكُمْ عِندي. لتَشْفوا بالمَفاكَهَةِ وجْدي. فإنّ مُناجاتَكُمْ قوتُ نفْسي. ومَغْناطيسُ أُنسي. فتحرّيْنا مرْضاتَهُ. وتحامَيْنا مُعاصاتَهُ. وأقبَلْنا على الحَديثِ نمْخُضُ زُبْدَهُ. ونُلْغي زبَدَه. إلى أنْ حانَ وقتُ المَقيلِ. وكلّتِ الألسُنُ منَ القالِ والقيلِ. وكان يوْماً حاميَ الوَديقَةِ. يانِعَ الحَديقَةِ. فقال: إنّ النّعاسَ قدْ أمالَ الأعْناقَ. وراودَ الآماقَ. وهو خصْمٌ ألَدُّ. وخِطْبٌ لا يُرَدُّ. فصِلوا حبْلَهُ بالقَيْلولَةِ. واقْتَدوا فيهِ بالآثارِ المنقولةِ. قال الرّاوي: فاتّبعْنا ما قالَ. وقِلْنا وقالَ. فضربَ اللهُ على الآذانِ. وأفرَغَ السِّنَةَ في الأجْفانِ. حى خرَجْنا منْ حُكْمِ الوجودِ. وصُرِفْنا بالهُجودِ. عنِ السّجودِ. فما استيْقَظْنا إلا والحرُّ قدْ باخَ. واليومُ قد شاخَ. فتكرّعْنا لصَلاةِ العَجْماوَينِ. وأدّيْنا ما حَلّ منَ الدّينِ. ثمّ تحثْحَثْنا للارْتِحالِ. إلى مُلْقى الرِّحالِ. فالتَفَتَ أبو زيدٍ إلى شِبلِهِ. وكان على شاكِلَتِه وشكْلِهِ. وقال: إني لإخالُ أبا عَمْرَةَ. قد أضْرَمَ في أحشائِهِم الجَمرَةَ. فاسْتَدْعِ أبا جامِعٍ. فإنّهُ بُشرى كُلّ جائِعٍ. وأردِفْهُ بأبي نُعَيمٍ. الصّابِرِ على كلّ ضيْمٍ. ثمّ عزّزْ بأبي حَبيبٍ. المُحبَّبِ إلى كلّ لَبيبٍ. المقَلَّبِ بينَ إحْراقٍ وتعْذيبٍ. وأهِّبْ بأبي ثَقيفٍ. فحبّذا هوَ منْ أليفٍ. وهلْمُمْ بأبي عوْنٍ. فما مثلُهُ منْ عوْنٍ. ولوِ استحْضَرْتَ أبا جميلٍ. لجَمّلَ أيّ تجْميلٍ. وحَيَّ هلَ بأمّ القِرَى. المذَكِّرةِ بكِسْرى. ولا تتناسَ أمّ جابِرٍ. فكمْ لها منْ ذاكِرٍ. ونادِ أمّ الفرَجِ. ثمّ افتِكْ بها ولا حرَجَ. واختِمْ بأبي رَزينٍ. فهُو مسْلاةُ كلّ حزينٍ. وإنْ تقْرُنْ بهِ أبا العَلاء. تمْحُ اسمَكَ من البُخَلاء. وإيّاكَ واستِدْناءَ المُرْجفَينِ. قبلَ استِقلالِ حُمولِ البَينِ. وإذا نزَعَ القوْمُ عنِ المِراسِ. وصافَحوا أبا إياسٍ. فأطِفْ علَيْهِمْ أبا السَّرْوِ. فإنّهُ عُنْوانُ السّرْوِ. قال: ففَقِهَ ابنُهُ لَطائِفَ رُموزِهِ. بلَطافَةِ تمْييزِهِ. فطافَ عليْنا بالطّيّباتِ والطِّيبِ. إلى أنْ آذَنَتْ الشّمسُ بالمَغيبِ. فلمّا أجْمَعْنا على التّوديعِ. قُلْنا لهُ: ألمْ ترَ إلى هذا اليومِ البديعِ؟ كيفَ بَدا صُبحُهُ قمْطَريراً. ومُسْيُهُ مُستَنيراً؟ فسجَدَ حتى أطالَ. ثمّ رفَعَ رأسَهُ وقالَ:


لا تيْأسَنْ عندَ الـنُّـوَبْ *** منْ فرْجَةٍ تجلو الكُرَبْ


فلكَمْ سَمـومٍ هـبّ ثـ *** مّ جرَى نسيمً وانقَلَـبْ


وسَحابِ مكْـروهٍ تـنـ *** شّا فاضْمَحَلّ وما سكَبْ


ودُخانِ خطْبٍ خِيفَ منْ *** هُ فما استَبانَ لهُ لهَـبْ


ولَطالَما طلَعَ الأسـى *** وعلى تَفيئَتِـه غـرَبْ


فاصْبِرْ إذا ما نابَ روْ *** عٌ فالزّمانُ أبو العجَبْ


وترَجّ مـنْ رَوْحِ الإلـ *** ـهِ لَطائِفاً لا تُحْتَـسَـبْ


قال: فاستَمْلَيْنا منْهُ أبياتَهُ الغُرّ. وواليْنا للهِ تَعالى الشُكْرَ. وودّعْناهُ مسرورينَ ببُرْئِهِ. مَغْمورينَ ببِرّهِ.

حسن خليل
21-11-10, 05:51 PM
المقامة الواسطية للحريري


حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: ألْجأني حُكمُ دهْرٍ قاسِطٍ. إلى أنْ أنتَجِعَ أرضَ واسِطٍ. فقصَدْتُها وأنا لا أعرِفُ بها سكَناً. ولا أملِكُ فيها مسْكِناً. ولمّا حللْتُها حُلولَ الحوتِ بالبَيْداءِ. والشّعرَةِ البيضاء في اللِّمَةِ السّوداء. قادَني الحظُّ الناقِصُ. والجَدُّ النّاكِصُ. إلى خانٍ ينزِلُهُ شُذّاذُ الآفاقِ. وأخْلاطُ الرّفاقِ. وهوَ لنَظافَةِ مكانِهِ. وظَرافَةِ سكّانِهِ. يرَغّبُ الغَريبَ في إيطانِهِ. ويُنسِيهِ هوَى أوطانِهِ. فاستَفْرَدْتُ منهُ بحُجرَةٍ. ولمْ أُنافِسْ في أُجرَةٍ. فما كان إلا كلَمْحِ طرْفٍ. أو خطّ حرْفٍ. حتى سمِعتُ جاري بيْتَ بيْتَ. يقولُ لنَزيلِهِ في البيتِ: قُمْ يا بُنيّ لا قَعَدَ جَدُّكَ. ولا قامَ ضِدُّكَ. واستَصْحِبْ ذا الوجْهِ البَدْريّ. واللّوْنِ الدُرّيّ. والأصْلِ النّقيّ. والجسْمِ الشّقيّ. الذي قُبِضَ ونُشِرَ. وسُجِنَ وشُهِرَ. وسُقِيَ وفُطِمَ. وأُدْخِلَ النّارَ بعْدَما لُطِمَ. ثمّ ارْكُضْ بهِ إلى السّوقِ. ركْضَ المَشوقِ. فقايِضْ بهِ اللاّقِحَ المُلْقِحَ. المُفسِدَ المُصلِحَ. المُكْمِدَ المُفَرِّحَ. المُعَنّيَ المُروّحَ. ذا الزّفيرِ المُحرِقِ. والجَنينِ المُشرِقِ. واللّفْظِ المُقنِعِ. والنَّيْلِ المُمْتِعِ. الذي إذا طُرِقَ. رعَدَ وبرَقَ. وباحَ بالحُرَقِ. ونفَثَ في الخِرَقِ. قال: فلمّا قرّتْ شِقْشِقَةُ الهادِرِ. ولمْ يبْقَ إلا صدَرُ الصّادِرِ. برزَ فتًى يَميسُ. وما معَهُ أنيسٌ. فرأيتُها عُضْلَةً تلعَبُ بالعُقولِ. وتُغْري بالدّخولِ. في الفُضولِ. فانطلَقْتُ في أثَرِ الغُلامِ. لأخْبُرَ فحْوَى الكلامِ. فلمْ يزَلْ يسْعى سعْيَ العَفاريتِ. ويتفَقّدُ نضائِدَ الحوانيتِ. حتى انْتَهى عندَ الرّواحِ. إلى حِجارَةِ القَدّاحِ. فناوَلَ بائِعَها رَغيفاً. وتَناوَلَ منهُ حجَراً لَطيفاً. فعَجِبْتُ منْ فَطانَةِ المُرسِلِ والمُرسَلِ. وعلِمْتُ أنّها سَروجيّةٌ وإنْ لم أسْألْ. وما كذّبْتُ أنْ بادَرْتُ إلى الخانِ. منطَلِقَ العِنانِ. لأنظُرَ كُنْهَ فَهْمي. وهلْ قرْطَسَ في التّكهّنِ سَهْمي. فإذا أنا في الفِراسَةِ فارِسٌ. وأبو زيْدٍ بوَصيدِ الخانِ جالِسٌ. فتَهادَيْنا بُشْرى الالتِقاء. وتقارَضْنا تحيّةَ الأصْدِقاء. ثمّ قال: ما الذي نابَكَ. حتى زايَلْتَ جَنابَكَ؟ فقلت: دهْرٌ هَ. وجَوْرٌ فاضَ! فقال: والذي أنزَلَ المطرَ منَ الغَمامِ. وأخرَجَ الثّمرَ من الأكْمامِ. لقدْ فسَدَ الزّمانُ. وعمّ العُدْوانُ. وعُدِمَ المِعْوانُ. واللهُ المُستَعانُ. فكيفَ أفْلَتَّ. وعلى أيّ وصْفَيْكَ أجْفَلْتَ؟ فقلتُ: اتّخَذْتُ الليْلَ قَميصاً. وأدْلَجْتُ فيهِ خَميصاً. فأطْرَقَ ينْكُتُ في الأرضِ. ويفكّرُ في ارتِيادِ القَرْضِ والفَرْضِ. ثمّ اهزّ هِزّةَ مَنْ أكْثَبَهُ قنَصٌ. أو بدَتْ لهُ فُرَصٌ. وقال: قد علِقَ بقَلْبي أن تُصاهِرَ منْ يأسو جِراحَكَ. ويَريشُ جَناحَكَ. فقلتُ: وكيفَ أجمَعُ بيَ غُلٍّ وقُلٍّ. ومنِ الذي يرْغَبُ في ضُلّ بنِ ضُلٍّ؟ فقالَ: أنا المُشيرُ بكَ وإلَيْكَ. والوكيلُ لكَ وعليْكَ. معَ أنّ دينَ القوْمِ جبْرُ الكَسيرِ. وفكُّ الأسيرِ. واحتِرامُ العَشيرِ. واستِنْصاحُ المُشيرِ. إلا أنهُمْ لوْ خطَبَ إلَيْهِمْ إبْراهيمُ بنُ أدهَمَ. أو جبَلَةُ بنُ الأيْهَمِ. لما زوّجوهُ إلا على خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ. اقتِداءً بما مهَرَ الرّسولُ. صلّى اللهُ عليْهِ وسلّمَ. زوْجاتِهِ. وعقَدَ بهِ أنكِحَةَ بَناتِهِ. على أنّك لنْ تُطالَبَ بصَداقٍ. ولا تُلْجأ إلى طَلاقٍ. ثمّ إني سأخْطُبُ في موقِفِ عقْدِكَ. ومجْمَعِ حشْدِكَ. خُطبَةً لمْ تفتُقْ رَتْقَ سمْعٍ. ولا خُطِبَ بمِثلِها في جمْعٍ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فازْدَهاني بوصْفِ الخُطْبَةِ المَتْلُوَّةِ. دونَ الخِطبَةِ المَجْلُوّةِ. حتى قُلتُ لهُ: قد وَكلْتُ إليْكَ هذا الخطْبَ. فدبّرْهُ تدْبيرَ منْ طَبّ لمَنْ حبّ. فنهضَ مُهَرْوِلاً. ثمّ عادَ متَهلّلاً. وقال: أبْشِرْ بإعْتابِ الدّهْرِ. واحْتِلابِ الدّرّ! فقد وُلّيتُ العَقْدَ. وأُكفِلْتُ النّقْدَ. وكأنْ قدْ. ثمّ أخذَ في مُواعدَةِ أهلِ الخانِ. وإعْدادِ حَلْواء الخِوانِ. فلمّا مدّ اللّيلُ أطْنابَهُ. وأغْلَقَ كُلُّ ذي بابٍ بابَهُ. أذّنَ في الجَماعَةِ: ألا احْضُروا في هذهِ السّاعةِ! فلمْ يبْقَ فيهِمْ إلا منْ لَبّى صوتَهُ. وحَضرَ بيْتَهُ. فلمّا اصْطَفّوا لدَيْهِ. واجتمَعَ الشاهِدُ والمشْهودُ علَيْهِ. جعلَ يرْفَعُ الأصْطُرْلابَ ويضَعُهُ. ويلْحَظُ التّقويمَ ويدَعهُ. إلى أن نعَسَ القوْمُ. وغشِيَ النّومُ. فقلْتُ لهُ: يا هَذا ضعِ الفاسَ في الرّاسِ. وخلّصِ النّاسَ منَ النّعاسِ. فنظَرَ نظْرَةً في النّجومِ. ثمّ انْتشَطَ منْ عُقلَةِ الوجومِ. وأقْسمَ بالطُّورِ. والكِتابِ المسْطورِ. ليَنْكَشِفَنّ سِرّ هَذا الأمْرِ المسْتورِ. ولَيَنْتَشِرَنّ ذِكْرُهُ إلى يوْمِ النُّشورِ. ثمّ إنّهُ جَثا على رُكْبَتِهِ. واستَرْعى الأسْماعَ لخُطْبَتِهِ. وقال: الحمدُ للهِ الملِكِ المحْمودِ. المالِكِ الوَدودِ. مُصَوّرِ كُلّ موْلودٍ. ومآلِ كلّ مطْرودٍ. ساطِحِ المِهدِ. وموَطِّدِ الأطْوادِ. ومُرْسِلِ الأمطارِ. ومسَهِّلِ الأوْطارِ. وعالِمِ الأسْرارِ ومُدْرِكِها. ومُدمِّرِ الأمْلاكِ ومُهْلِكِها. ومُكَوِّرِ الدّهورِ ومُكرِّرِها. ومُوردِ الأمورِ ومُصدِرِها. عمّ سَماحُهُ وكَملَ. وهطَلَ رُكامُهُ وهمَلَ. وطاوَعَ السّؤلَ والأمَلَ. وأوْسَعَ المُرْمِلَ والأرْمَلَ. أحْمَدُهُ حمْداً ممْدوداً مَداهُ. وأُوَحّدُهُ كما وحّدَهُ الأوّاهُ. وهوَ اللاهُ لا إلَهَ للأمَمِ سِواهُ. ولا صادِعَ لِما عدّلَهُ وسَوّاهُ. أرْسَلَ محمّداً علَماً للإسْلامِ. وإماماً للحُكّامِ. ومُسدِّداً للرَّعاعِ. ومعَطِّلاً أحْكامَ وُدٍّ وسُواعٍ. أعْلَمَ وعلّمَ. وحكَمَ وأحْكَمَ. وأصّلَ الأصولَ ومهّدَ. وأكّدَ الوعودَ وأوْعَدَ. واصَلَ اللهُ لهُ الإكْرامَ. وأوْدَعَ روحَهُ دارَ السّلامِ. ورَحِمَ آلَهُ وأهْلَهُ الكِرامَ. ما لمَعَ آلٌ. وملَعَ رالٌ. وطلَعَ هِلالٌ. وسُمِعَ إهلالٌ. إعْمَلوا رعاكُمُ اللهُ أصلَحَ الأعْمالِ. واسْلُكوا مسالِكَ الحلالِ. واطّرِحوا الحَرامَ ودعوهُ. واسْمَعوا أمرَ اللهِ وعُوهُ. وصِلوا الأرْحامَ وراعوها. وعاصوا الأهْواءَ وارْدَعوها. وصاهِروا لُحَمَ الصّلاحِ والوَرَعِ. وصارِموا رهْطَ اللّهْوِ والطّمَعِ. ومُصاهِرُكُمْ أطْهَرُ الأحْرارِ مولِداً. وأسْراهُمْ سودَداً. وأحْلاهُمْ مَوْرِداً. وأصحّهم موْعِداً. وها هُوَ أَمّكُمْ. وحلّ حرَمكُمْ. مُمْلِكاً عَروسَكُمُ المُكرّمةَ. وماهِراً لها كما مهَرَ الرّسولُ أمَّ سلمَةَ. وهوَ أكْرَمُ صِهْرٍ أودِعَ الأوْلادَ. ومُلّكَ مَنْ أرادَ. وما سَها مُمْلِكُهُ ولا وَهِمَ. ولا وَكِسَ مُلاصِمُهُ ولا وُصِمَ. أسْألُ اللهَ لكُمْ إحْمادَ وِصالِهِ ودَوامَ إسْعادِهِ. وألْهَمَ كُلاً إصْلاحَ حالِهِ والإعْدادَ لمَعادِهِ. ولهُ الحمْدُ السّرمَدُ. والمدْحُ لرَسولِهِ محمّدٍ. فلمّا فرَغَ منْ خُطبَتِه البَديعةِ النّظامِ. العَريّةِ منَ الإعْجامِ. عقَدَ العقْدَ على الخمْسِ المِئِينَ. وقال لي: بالرِّفاء والبَنينَ. ثمّ أحضرَ الحَلْواءَ التي كانَ أعدّها. وأبْدى الآبِدَةَ عندَها. فأقبلْتُ إقْبالَ الجماعَةِ علَيْها. وكِدْتُ أهوي بيَدي إلَيْها. فزجَرَني عنِ المؤاكَلَةِ. وأنْهَضَني للمُناوَلَةِ. فوَاللهِ ما كان بأسرَعَ منْ تصافُحِ الأجْفانِ. حتى خرّ القوْمُ للأذْقان. فلمّا رأيتُهُمْ كأعْجازِ نخْلٍ خاوِيَةٍ. أو كصَرْعى بنتِ خابيَةٍ. علِمْتُ أنّها لإحْدى الكُبَرِ. وأمُّ العِبَرِ. فقلتُ له: يا عُدَيّ نفْسِهِ. وعُبَيْدَ فَلْسِهِ! أعددتَ للقَوْمِ حُلْوى. أم بَلْوى؟ فقال: لمْ أعْدُ خَبيصَ البَنْجِ. في صِحافِ الخلَنْج! فقلتُ: أُقسِمُ بمَنْ أطْلَعَه زُهْراً. وهَدَى بها السّارينَ طُرّاً. لقدْ جِئْتَ شيئاً نُكْراً. وأبقَيْتَ لكَ في المُخزِياتِ ذِكْراً. ثمّ حِرْتُ فِكرةً في صَيّورِ أمِهِ. وخيفَةً منْ عدْوى عرّهِ. حتى طارَتْ نفسي شَعاعاً. وأُرعِدَتْ فَرائِصي ارْتِياعاً. فلمّا رأى استِطارَةَ فرَقي. واسْتِشاطَةَ قلَقي. قال: ما هَذا الفِكْرُ المُرْمِضُ. والرّوْعُ المومِضُ؟ فإنْ يكُنْ فِكرُك في أجْلي. منْ أجْلي. فأنا الآنَ أرتَعُ وأطْفِرُ. وأقوِي هذِهِ البُقْعَةَ مني وأُقفِرُ. وكمْ مثلِها فارَقْتُها وهيَ تصفِرُ. وإنْ يكُنْ نظَراً لنفْسِكَ. وحذَراً منْ حبسِكَ. فتناوَلْ فُضالَةَ الخَبيصِ. وطِبْ نفْسً عنِ القَميصِ. حتى تأمَنَ المُستَعديَ والمُعْديَ. ويتمهّدَ لكَ المُقامُ بعْدي. وإلا فالمفَرَّ المفَرَّ. قبْلَ أن تُسْحَبَ وتُجَرَّ. ثمّ عمَدَ لاستِخْراجِ ما في البيوتِ. منَ الأكْياسِ والتّخوتِ. وجعلَ يستَخْلِصُ خالِصَةَ كلّ مخزونٍ. ونُخبَةَ كلّ مَذْروعٍ وموزونٍ. حتى غادرَ ما ألْغاهُ فخُّهُ. كعظْمٍ استُخرِجَ مُخُّهُ. فلمّا همّنَ ما اصْطَفاهُ ورزَمَ. وشمّرَ عنْ ذِراعَيْهِ وتحزّمَ. أقبَلَ عليّ إقْبالَ منْ لبِسَ الصّفاقَةَ. وخلَعَ الصّداقَةَ. وقال: هلْ لكَ في المُصاحبَةِ إلى البَطيحَةِ. لأزوّجَكَ بأخْرى مَليحَةٍ؟ فأقْسَمْتُ لهُ بالذي جعلَهُ مُبارَكاً أيْنَما كان. ولمْ يجْعَلْهُ ممّنْ خانَ في خانٍ. إنهُ لا قِبَلَ لي بنِكاحِ حُرّتَينِ. ومُعاشَرَةِ ضَرّتَينِ. ثمّ قلتُ لهُ قوْلَ المتطبّعِ بطِباعِهِ. الكائِلِ لهُ بصاعِهِ: قدْ كفَتْني الأولى فخْراً. فاطْلُبْ آخرَ للأخْرى. فتبسّمَ منْ كلامي. ودلَفَ لالْتِزامي. فلوَيْتُ عنهُ عِذاري. وأبدَيْتُ لهُ ازْوِراري. فلمّا بصُرَ بانقِباضي. وتجلّى لهُ إعْراضي. أنشدَ:

يا صارِفاً عـنّـي الـمـو *** دّةَ والزّمانَ لـهُ صُـروفْ


ومُعنّفي في فـضْـحِ مـنْ *** جاورْتُ تعْنيفَ العَسـوفْ


لا تلْحِـنـي فـيمـا أتـيْـ *** ـتُ فإنّني بـهـمِ عَـروفْ


ولقدْ نزلْـتُ بـهـمْ فـلـمْ *** أرَهُم يُراعونَ الـضّـيوفْ


وبلَوْتُـهُـمْ فـوجـدْتُـهُـمْ *** لمّا سـبَـكْـتُـهُـمُ زُيوفْ


ما فـيهِـمِ إلا مُـخـــيـ *** ـفٌ إنْ تمكّنَ أو مَـخـوفْ


لا بالصّفـيّ ولا الـوَفـيّ *** ولا الحَفيّ ولا العَـطـوفْ


فوثبْـتُ فـيهـمْ وثْـبَة الـ *** ذئبِ الضّريّ على الخَروفْ


وتركتُهُمْ صرْعـى كـأنـهـ *** ـمْ سُقوا كأسَ الـحُـتـوفْ


وتحكّمَتْ في ما اقْـتَـنـوْ *** هُ يَدي وهُمْ رُغْمُ الأنـوفْ


ثمّ انْـثَـنَـيْتُ بـمَـغْـنَـمٍ *** حُلْوِ المَجاني والقُـطـوفْ


ولَطالَمـا خـلّـفْـتُ مـكْـ *** ـلومَ الحشى خلْفي يطـوفْ


ووَتَـرْتُ أرْبـــابَ الأرا *** ئِكِ والدّرانِكِ والسّـجـوفْ


ولَكَمْ بلغْـتُ بـحـيلَـتـي *** ما ليسَ يُبلَغُ بـالـسّـيوفْ


ووَقفْـتُ فـي هـوْلٍ تُـرا *** عُ الأُسْدُ فيهِ منَ الوقـوفْ


ولكَمْ سفكتُ وكمْ فـتـكْـتُ *** وكمْ هتكْتُ حِمـى أَنـوفْ


وكَمِ ارْتِـكـاضٍ مـوبِـقٍ *** لي في الذّنوبِ وكم خُفوفْ


لكـنّـنـي أعـدَدْتُ حُـسْـ *** ـنَ الظّنّ بالمَوْلى الـرّؤوفْ

قال: فلمّا انتهى إلى هذا البيتِ لجّ في الاستِعْبارِ. وألَظَّ بالاستِغْفارِ. حتى اسْتَمالَ هوَى قلْبي المُنحرِفِ. ورجَوْتُ لهُ ما يُرْجى للمُقْتَرِفِ المُعْتَرِفِ. ثمّ إنّهُ غيّضَ دمْعَهُ المُنْهَلّ. وتأبّطَ جِرابَهُ وانْسَلّ. وقال لابنِهِ: احتَمِلِ الباقي. واللهُ الواقي. قال المُخْبِرُ بهذِه الحِكاية: فلمّا رأيتُ انْسِيابَ الحيّةِ والحُيَيّةِ. وانتِهاءَ الدّاء إلى الكَيّةِ. علِمْتُ أن ترَبُّثي بالخانِ. مَجْلَبَةٌ للهَوانِ. فضمَمْتُ رُحَيْلي. وجمَعْتُ للرّحلَةِ ذَيْلي. وبِتُّ ليْلَتي أسْري إلى الطّيبِ. وأحتَسِبُ اللهَ على الخَطيبِ.

حسن خليل
21-11-10, 05:53 PM
المقامة الوبرية للحريري


حكى الحارِثُ بنُ همّامٍ قال: مِلتُ في رَيِّقِ زَماني الذي غبَرَ. إلى مُجاوَرَةِ أهْلِ الوبَرِ. لآخُذَ إخْذَ نُفوسِهِمِ الأبيّةِ. وألسِنَتِهِمِ العربيّةِ. فشمّرْتُ تشْميرَ منْ لا يألو جُهْداً. وجعلْتُ أضرِبُ في الأرضِ غَوْراً ونَجْداً. إلى أنِ اقتَنَيْتُ هَجْمَةً منَ الرّاغِيَةِ. وثَلّةً منَ الثّاغِيَةِ. ثم أوَيتُ إلى عرَبٍ أرْدافِ أقْيالٍ. وأبناءِ أقوالٍ. فأوْطَنوني أمنَعَ جَنابٍ. وفلّوا عنّي حدّ كُلّ نابٍ. فما تأوّبَني عندَهُم همٌّ. ولا قرَعَ صَفاتيَ سهْمٌ. إلى أنْ أضْلَلْتُ في ليلَةٍ مُنيرةِ البدْرِ. لَقْحةً غَزيرَةَ الدَّرّ. فلمْ أطِبْ نفْساً بإلْغاء طلَبِها. وإلْقاءِ حبْلِها على غارِبِها. فتدثّرْتُ فرَساً مِحْضاراً. واعتقلْتُ لَدْناً خطّاراً. وسرَيْتُ ليْلَتي جمْعاءَ. أجوبُ البَيداءَ. وأقْتَري كلَّ شجْراء ومَرْداء. إلى أن نشرَ الصّبْحُ راياتِهِ. وحَيْعَلَ الدّاعي إلى صَلاتِهِ. فنزَلْتُ عنْ متْنِ الرَّكوبَةِ. لأداء المكْتوبَةِ. ثمّ حُلْتُ في صهْوَتِها. وفرَرْتُ عنْ شحْوَتِها. وسِرْتُ لا أرى أثَراً إلا قفَوْتُهُ. ولا نشَزاً إلا علَوْتُهُ. ولا وادِياً إلا جزَعْتُهُ. ولا راكِباً إلا استَطْلَعْتُهُ. وجِدّي مع ذلِكَ يذهَبُ هدَراً. ولا يجِدُ وِرْدُهُ صدَراً. إلى أن حانَتْ صَكّةُ عُمَيٍّ. ولفْحُ هَجيرٍ يُذْهِلُ غَيْلانَ عنْ مَيٍّ. وكان يوْماً أطْوَلَ من ظِلّ القَناةِ. وأحَرَّ منْ دمْعِ المِقْلاتِ. فأيقَنْتُ أني إنْ لمْ أستَكِنّ منَ الوَقْدَةِ. وأستَجِمّ بالرّقْدَةِ. أدْنَفَني اللُّغوبُ. وعلِقَتْ بي شَعوبُ. فعُجْتُ إلى سرْحَةٍ كَثيفَةِ الأغصانِ. وريقَةِ الأفْنانِ. لأغَوّرَ تحْتَها إلى المُغَيرِبانِ. فوَاللهِ ما اسْتَرْوَحَ نفَسي. ولا اسْتَراحَ فرَسي. حتى نظَرْتُ إلى سانِحٍ. في هيئَةِ سائِحٍ. وهوَ ينتَجِعُ نُجْعَتي. ويشتَدّ إلى بُقعَتي. فكرِهْتُ انْعِياجَهُ إلى مَعاجي. فاستعَذْتُ باللهِ منْ شرّ كُلّ مُفاجي. ثمّ ترجّيْتُ أن يتصدّى مُنشِداً. أو يتبدّى مُرشِداً. فلمّا اقترَبَ منْ سرْحَتي. وكادَ يحِلّ بساحَتي. ألفَيْتُهُ شيخَنا السَّروجيَّ مُتّشِحاً بجِرابثهِ. ومُضْطَغِناً أُهْبَةَ تَجْوابِهِ. فآنسَني إذْ وردَ. وأنْساني ما شرَدَ. ثمّ استَوْضَحْتُهُ منْ أينَ أثَرُهُ. وكيفَ عُجَرُهُ وبُجَرُهُ؟ فأنشَدَ بَديهاً. ولمْ يَقُلْ إيهاً:

قُلْ لمُستَطلِـعٍ دَخـيلَةَ أمـري *** لكَ عِنـدي كَـرامَةً وعَـزازَهْ


أنا ما بينَ جوْبِ أرضٍ فـأرْضٍ *** وسُرًى في مَفازَةٍ فـمَـفـازَهْ



زادِيَ الصّيدُ والمَطيّةُ نـعْـلـي *** وجَهازِي الجِرابُ والعُـكّـازَهْ


فإذا ما هبَطْتُ مِصْراً فبَـيْتـي *** غُرفَةُ الخانِ والنّـديمُ جُـزارَهْ


ليسَ لي ما أُساءُ إنْ فاتَ أوْ أحـ *** ـزَنُ إنْ حاولَ الزّمانُ ابتِـزازَهْ


غيرَ أني أبيتُ خِلْـواً مـنَ الـهـ *** ـمّ ونَفْسي عنِ الأسى مُنْحـازَهْ


أرْقُدُ الليلَ مِلْءَ جَفْني وقَلْـبـي *** بارِدٌ مـنْ حَـرارةٍ وحَـزازَهْ


لا أُبالي منْ أيّ كـأسٍ تـفـوّقْـ *** ـتُ ولا ما حَلاوَةٌ مـنْ مَـزازَهْ


لا ولا أستَجيزُ أن أجـعَـلَ الـذ *** لّ مَجازاً إلى تسَـنّـي إجـازَهْ


وإذا مطْلَبٌ كسـا حُـلّةَ الـعـا *** رِ فبُعْداً لمَـنْ يَرومُ نَـجـازَهْ


ومتى اهتزّ للـدّنـاءةِ نِـكْـسٌ *** عافَ طبْعي طِباعَهُ واهتِـزازَهْ


فالمَـنـايا ولا الـدّنـايا وخـيْرٌ *** من رُكوبِ الخَنا رُكوبُ الجِنازَهْ

ثم رفعَ إليّ طَرْفَهُ. وقال: لأمْرٍ ما جدَعَ قَصيرٌ أنفَهُ. فأخبَرْتُهُ خبرَ ناقَتي السّارِحةِ. وما عانَيْتُهُ في يومي والبارِحَةِ. فقال: دعِ الالْتِفاتَ. إلى ما فاتَ. والطِّماحَ. إلى ما طاحَ. ولا تأسَ على ما ذهبَ. ولوْ أنهُ وادٍ منْ ذهبٍ. ولا تستَمِلْ مَنْ مالَ عنْ ريحِكَ. وأضْرَمَ نارَ تَباريحِكَ. ولوْ كان ابنَ بوحِكَ. أوْ شَقيقَ روحِكَ. ثمّ قال: هلْ لكَ في أن تَقيلَ. وتتحامَى القالَ والقيلَ؟ فإنّ الأبْدانَ أنْضاءُ تعَبٍ. والهاجِرَةَ ذاتُ لهَبٍ. ولنْ يصْقُلَ الخاطِرَ. ويُنشّطَ الفاتِرَ. كقائِلَةِ الهَواجِرِ. وخُصوصاً في شهْرَيْ ناجِرٍ. فقلتُ: ذاكَ إليْكَ. وما أُريدُ أنْ أشُقّ علَيْكَ. فافتَرَشَ التُّرْبَ واضْطجَعَ. وأظْهَرَ أنْ قدْ هجَع. وارتَفَقْتُ على أن أحرُسَ. ولا أنْعَسَ. فأخَذَتْني السِّنَةُ. إذْ زُمّتِ الألسِنَةُ. فلمْ أُفِقْ إلا والليلُ قد تولّجَ. والنّجْمُ قد تبلّجَ. ولا السّروجيّ ولا المُسرَجَ. فبِتُّ بلَيلَةٍ نابِغيّةٍ. وأحْزانٍ يَعقوبيّةٍ. أُساوِرُ الوُجومَ. وأُساهِرُ النّجومَ. أفكّرُ تارَةً في رُجْلَتي. وأخْرى في رَجْعَتي. إلى أنْ وضَحَ لي عِندَ افتِرارِ ثغْرِ الضّوّ. في وجْهِ الجوّ. راكِبٌ يخِدُ في الدّوّ. فألْمَعْتُ إليْهِ بثَوْبي. ورجوْتُ أن يُعَرّجَ إلى صوْبي. فلمْ يعْبأ بإلْماعي. ولا أوى لالْتِياعي. بلْ سارَ على هَيْنَتِهِ. وأصْماني بسهْمِ إهانَتِهِ. فأوفَضْتُ إلَيْهِ لأستَرْدِفَه. وأحْتَمِلَ تغطْرُفَهُ. فلمّا أدرَكْتُهُ بعْدَ الأينِ. وأجَلْتُ فيهِ مسْرَحَ العينِ. وجدْتُ ناقَتي مَطيّتَهُ. وضالّتي لُقطتَهُ. فما كذّبتُ أنْ أذْرَيْتُهُ عن سَنامِها. وجاذَبْتُهُ طرَفَ زِمامِها. وقلتُ لهُ: أنا صاحِبُها ومُضِلُّها. ولي رِسلُها ونسْلُها. فلا تكُنْ كأشْعَبَ. فتُتْعِبَ وتَتْعَبَ. فأخذَ يلْدَغُ ويَصْئي. ويتّقِحُ ولا يَستَحْيي. وبَيْنا هوَ ينْزو ويَلينُ. ويستَأسِدُ ويسْتَكينُ. إذْ غَشينا أبو زيْدٍ لابِساً جِلدَ النّمِرِ. وهاجِماً هُجومَ السّيلِ المُنهَمِرِ. فخِفْتُ واللهِ أنْ يكونَ يومُهُ كأمْسِهِ. وبدرُهُ مثلَ شمْسِهِ. فألحَقَ بالقارِظَينِ. وأصيرَ خبَراً بعْدَ عَينٍ. فلمْ أرَ إلا أنْ أذكَرْتُهُ العُهودَ المنسيّةَ. والفَعْلَةَ الإمْسيّةَ. وناشَدْتُهُ اللهَ. أوافَى للتّلافي. أمْ لِما فيهِ إتْلافي. فقال: مَعاذَ اللهِ أنْ أُجهِزَ على مَكْلومي. أو أصِلَ حَروري بسَمومي! بلْ وافَيْتُكَ لأخْبُرَ كُنْهَ حالِكَ. وأكونَ يَميناً لشِمالِكَ. فسكَنَ عندَ ذلِك جاشِي. وانْجابَ استِيحاشي. وأطلَعْتُهُ طِلْعَ اللِّقْحَةِ. وتبَرْقُعَ صاحِبي بالقِحَةِ. فنظَرَ إلَيْهِ نظرَ ليْثِ العِرّيسَةِ. إلى الفَريسَةِ. ثمّ أشْرَعَ قِبَلَهُ الرّمْحَ. وأقْسَمَ لهُ بمَنْ أنارَ الصبْحَ. لَئِنْ لمْ ينْجُ مَنْجَى الذُّبابِ. ويرْضَ منَ الغَنيمَةِ بالإيابِ. لَيورِدَنّ سِنانَهُ وَريدَهُ. ولَيَفْجَعَنّ بهِ وَليدَهُ ووَديدَهُ. فنبَذَ زِمامَ النآقَةِ وحاصَ. وأفلَتَ ولهُ حُصاصٌ. فقال لي أبو زيدٍ: تسَلّمْها وتسَنّمْها. فإنّها إحْدى الحُسْنَيَينِ. ووَيْلٌ أهوَنُ من وَيْلَينِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فحِرْتُ بينَ لوْمِ أبي زيدٍ وشُكْرِهِ. وزِنَةِ نفْعِهِ بضُرّهِ. فكأنّهُ نوجِيَ بذاتِ صدْري. أو تكهّنَ ما خامَرَ سِرّي. فقابلَني بوجْهٍ طَليقٍ. وأنشدَ بلِسانٍ ذَليقٍ:

يا أخي الحامِلَ ضَيْمـي *** دونَ إخْواني وقوْمـي


إنْ يكُنْ ساءكَ أمْسـي *** فلقَـدْ سـرّكَ يوْمـي


فاغْتَـفِـرْ ذاكَ لِـهـذا *** واطّرِحْ شكري ولوْمي

ثمّ قال: أنا تَئِقٌ. وأنتَ مَئِقٌ. فكيْفَ نتّفِقُ؟ وولّى يفْري أديم الأرضِ. ويرْكُضُ طِرْفَهُ أيّما رَكْضٍ. فما عدَوْتُ أنِ اقْتَعَدْتُ مَطيّتي. وعُدْتُ لطِيّتي. حتى وصلْتُ إلى حِلّتي. بعدَ اللّتَيّا والتي.

حسن خليل
21-11-10, 05:53 PM
وبهذا نكون قد انتهينا من نصوص مقامات الحريري.

سحابة شوق
21-11-10, 06:08 PM
أخي حسن خليل
شكرا لك على طرحك الرائع
وابداعك النقي
في أن تضع لنا موضوع قيم نستفيد منه
بشكل كبير
دمت بود

حسن خليل
22-11-10, 12:49 PM
أخي حسن خليل
شكرا لك على طرحك الرائع
وابداعك النقي
في أن تضع لنا موضوع قيم نستفيد منه
بشكل كبير
دمت بود

الشكر الجزيل لكِ أختي سحابة شوق على تشريفك للموضوع والثناء العطر عليه.

لكِ احترامي وتقديري ودُمتِ بود.

حسن خليل
22-11-10, 05:51 PM
وهناك مقامات للعلامة الامام خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي، وهي أدبية وطبية، تتضمن المقامات التالية:


المقامة المسكية في انواع الطيب، المقامة الوردية في الرياحين والزهور، المقامة التفاحية في انواع الفواكه، المقامة الزمردية في انواع الخضراوات، المقامة الفستقية في انواع النقول، المقامة الياقوتية في أنواع الجواهر، مقامة الحمى، المقامة النيلية في الرخاء والغلاء، مقامة الروضة روضة مصر، المقامة الطاعونية، المقامة السندسية، والمقامة الولدية في التعزية عن فقد الأولاد.

حسن خليل
22-11-10, 06:14 PM
مقامات الزمخشري:

مقامة المراشد
مقامة التقوى
مقامة الرضوان
مقامة الارعواء
مقامة الزاد
مقامة الزهد
مقامة الانابة
مقامة الحذر
مقامة الاعتبار
مقامة التسليم
مقامة الصمت
مقامة الطاعة
مقامة المنذرة
مقامة الاستقامة
مقامة الطيب
مقامة القناعة
مقامة التوقي
مقامة الظلف
مقامة العزلة
مقامة العفة
مقامة الندم
مقامة الولاية
مقامة الصلاح
مقامة الاخلاص
مقامة العمل
مقامة التوحيد
مقامة العبادة
مقامة التبصر
مقامة الخشية
مقامة اجتناب المظلمة
مقامة التهجد
مقامة الدعاء
مقامة التصدق
مقامة الشكر
مقامة الاسوة
مقامة النصح
مقامة المراقبة
مقامة الموت
مقامة الفرقان
مقامة النهي عن الهوى
مقامة التماسك
مقامة الشهامة
مقامة الخمول
مقامة العزم
مقامة الصدق
مقامة النحو
مقامة العروض
مقامة القوافي
مقامة الديوان
مقامة أيام العرب

حسن خليل
22-11-10, 06:37 PM
وهناك كتاب في المقامات لابن دريد بعنوان: المطر والسحاب

قصة الكتاب:
كتاب ابن دريد المشهور، الذي قال الحصري: إن بديع الزمان نسج مقاماته على منواله. انظر قوله هذا في (زهر الآداب) في موقع الوراق، قال: (ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً....إلخ) وهكذا ينص الحصري على أنها أربعون حديثاً ، ولكن المطبوع ثلاثون حديثاً. قال عز الدين التنوخي محقق الكتاب: ويضم ثلاثين حديثاً منها سبع وعشرون في المطر والسحاب، وثلاثة أحاديث في الرواد. والحديث الأول في نعت النبي (صلى الله عليه وسلم) للسحاب..إلخ. وموضوع الكتاب، من أخص ما تميزت به العرب، في باديتها من معرفة الأنواء ومواقيتها، والأمطار وصفاتها وأحوالها، وما يمطر منها وما لا يمطر، وما أثرعنهم في ذلك من طرائف الكلمات. أتبعها بشرح ما يقع فيها من غريب اللغة. انظر كمثال على ذلك: الحديث التاسع: (مررت بغلمة من الأعراب يتماقلون) والحديث العاشر: (سألت أعرابياً عن مطر أصابهم بعد جدب فقال..إلخ) روى ابن دريد أكثر أخبار الكتاب عن أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي، وعن ابن أخي الأصمعي عن عمه. طبع الكتاب لأول مرة ضمن مجموعة (جرزة الحاطب وتحفة الطالب) التي نشرها بليدن المستشرق الإنكليزي (وليمرايت) سنة 1859م معتمداً على نسخة ليدن، التي لا تختلف عن نسخة الظاهرية إلا في مواضع طفيفة. ونسخة الظاهرية أجود نسخة تعرف للكتاب، وهي منقولة سنة 455هـ من نسخة أبي سعيد السيرافي تلميذ ابن دريد، وعليها تعليقات، أملاها الجواليقي صاحب (المعرّب). وهي النسخة التي اعتمدها التنوخي في نشرته، سنة 1962م وأتبعها بذيل اشتمل على (19) نصّاً، وقدم لها بمقدمة ثمينة عن ابن دريد وآثاره. انظر ما استفدناه منها في التعريف بكتاب (الفوائد والأخبار). أما (جرزة الحاطب) فتضم أيضاً (صفة السراج واللجام) لابن دريد و(تلقيب القوافي) لابن كيسان و(ديوان طهمان بن عمرو الكلابي) برواية السكري، و(مقطعات مراث) لابن الأعرابي. وكان قد عثر على هذه المخطوطات في مكتبة جامعة ليدن بهولندا.

حسن خليل
22-11-10, 06:43 PM
بخصوص مقامات السيوطي والزمخشري، قمت بتحميل كتاب مقامات السيوطي وكتاب مقامات الزمخشري في هذا المنتدى وذلك في قسم مكتبة قصيمي نت تحت عنوان كتب اللغة العربية والبلاغة والأدب والشعر. لذلك جرى التنويه لمن أراد قراءتها كاملة.

حسن خليل
22-11-10, 06:50 PM
من روائع وصف المطر والسحاب

مقتطفات من كتاب "المطر والسحاب" لابن دريد

أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: سئل أعرابي عن مطر فقال: إستقل سد مع انتشار الطفل فشصا واخزأل، ثم اكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤه، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتتقت جوبه، وارثعن هيدبه، وحشكت أخلافه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه، فالرعد مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس فأترع الغدر، وأنبت الوجر، وخلط الأوعال بالآجال، وقرن الصيران بالرئال، فللأودية هدير، وللشراج خرير، وللتلاع زفير، وحط النبع والعتم من القلل الشم إلى القيعان الصحم، فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحض مجرجم، وذلك من قضاء رب العالمين على عباده المذنبين.

قال أبو بكر قوله:

إستقل: ارتفع في الهواء، والسد السحاب الذي يسد الأفق، والطفل اختلاط الظلام بعد غروب الشمس، وشصا ارتفع يعني السحاب، واحزأل أي انتصب، واكفهر تراكم وغلظ، وأرجاؤه نواحيه، الواحد رجا مقصور، احمومت اسودت، وهو سواد تخلطه حمرة، أرحاؤه أوساطه، وابذعرت تفرقت، والفوارق الواحدة فارق، وهي قطعه من السحاب تتفرق عنه مثل فرق الإبل، وهي النوق إذا أرادت الولادة فارقت الإبل وبعدت عنها حيث لا ترى فأنتجت؛ تضاحكت بوارقه شبه لمعان البرق بالضحك، واستطار انتشر، والودق قطر كبار يخرج من خلل السحاب قبل احتفال المطر، ارتتقت جوبه أي تلاءمت، والجوب الفرج، الواحدة جوبة، ووالهيدب: ما تدلى من السحاب في أعجازه فكأنه كالهدب له، وحشكت أخلافه هذا مثل، يقال حشك ضرع الناقة إذا امتلأ لبناً، والأخلاف: الواحد خلف، وهو الضرع للناقة خاصةً، وأردافه: مآخيره، وأكنافه: نواحيه؛ قوله: الرعد مرتجس أي تسمع له رجساً، وهو الصوت بهدة شديدة، ومنبجس منصب؛ والبرق مختلس كأنه يختلس الأبصار من شدة لمعانه، فأترع الغدر أي ملأها. والغدر جمع غدير، وأنبت الوجر أي حفرها وخربها، والوجر جمع وجار، وهو سرب الضبع، وللذئب والثعلب؛ وقوله: خلط الأوعال وبالآجال يريد أنه حط تلك الأوعال من رؤوس الجبال فخلطها بالآجال، والآجال واحدها إجل، وهي قطعان الوحش، وأنه حط تلك من رؤوس الجبال، فجمع بينها وبين البقر التي مراتعها القيعان لاحتمال السيل لها؛ وقوله: قرن الصيران بالرئال، والصيران: جمع صوار، وهو القطيع من بقر الوحش، والرئال: واحدها رأل، وهي فراخ النعام؛ وإنما يريد بهذا كله أن السيل غرق هذه الوحوش فجمع بين السهلي والجبلي؛ وقوله: للأودية هدير: أي تهدر كهدير الإبل لكثرة السيل؛ والشراج: الواحد شرج، وهي مجاري الماء من الغلظ إلى بطون الأودية.

والتلاع أفواه الأودية، الواحد تلعة، أي تزفر بالماء لفرط امتلائها، والنبع والعتم: ضربان من الشجر لا ينبتان إلى في الجبل، يقول: فحط السيل هذا الشجر من رؤوس الجبال إلى القيعان؛ وقوله لم يبق إلا معصم يريد أن الوعول خافت الغرق واستعصمت بالصخور، فنجا ما استعصم منها، وتجرجم ما لم يعتصم: أي صرع فاحتمله السيل؛ والمجرنثم المتقبض.

حسن خليل
22-11-10, 06:55 PM
يتبع مقتطفات من كتاب ابن دريد

في وصف المطر والسحاب:

أخبرنا أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي قال: سألت أعرابياً من بني عامر بن صعصعة عن مطر صاب بلادهم، فقال: نشا عارضاً فطلع ناهضاً، ثم ابتسم وامضاً، فأعتن في الأقطار فأشجاها، وامتد في الآفاق فغطاها، ثم ارتجز فهمهم، ثم دوى فأظلم، فأرك ودث وبغش وطش، ثم قطقط فأفرط، ثم ديم فاغمط، ثم ركد فأثجم، ثم وبل فسجم، وجاد فأنعم، فقمس الربى، وأفرط الزبى، سبعاً تباعاً، ما يريد انقشاعاً، حتى إذا ارتوت الحزون، وتضحضحت المتون، ساقه ربك إلى حيث شاء، كما جلبه من حيث شاء.

قال أبو بكر:

قوله نشا عارضاً أي استقل، والعارض سحاب يعترض في أفق السماء؛ وقوله: طلع ارتفع، والوامض البرق، يقال: ومض السحاب وأومض: إذا رأيت البرق في عرضه يلمع لمعاناً خفياً كالتبسم؛ وقوله: فأشجاها أي ملأها؛ وقوله ارتجز يعني ارتجاز الرعد، وهمهم وهو أن تسمع للرعد همهمة كهمهمة الأسد؛ وقوله دوى أي سمعت له دوياً؛ وقوله: فأرك أي مطر ركا، والرك: مطر ضعيف، وكذلك الدث والجمع دثاث وركاك؛ والبغش دون الطش، والقطقط قطر متتابع أكثر من قطر الطش؛ وقوله: ديم الديمة: الديمة مطر يبقى أياماً لا يقلع؛ وقوله أغمط أي دام، وركوده دوامه ثابتاً لا يتحرك، وقوله أثجم أي أقام؛ وبل من الوابل، والوابل: المطر للكبار القطر، الشديد الوقع؛ والسجم: الصب؛ وقوله أنعم أي بالغ فيه، ومنه قولهم: دقاً نعماً: أي مبالغاً؛ وله: قمس الربى أي غوصها في الماء، والربى جمع رابية؛ وقوله أفرط أي ملأ، والزبى جمع زبية، وهي الحفرة تحفر للأسد والذئب أيضاً، والزبية لا تحفر إلا في موضع مرتفع، فإذا بلغ السيل إلى موضع الزبية فقد بلغ الغاية؛ وقوله ارتوت الحزون افتعلت من الري، والحزون الغلظ من الأرض، الواحد حزن؛ وقوله تضحضحت المتون: أي صار فوقها ضحضاح من الماء، وهو الماء يجري على وجه الأرض رقيقاً، والمتن: صلابة من الأرض فيها ارتفاع، وهو دون الحزن.

حسن خليل
22-11-10, 06:57 PM
يتبع مقتطفات من كتاب ابن دريد

في وصف المطر والسحاب:


أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: سئل رجل من العرب عن مطر كان بعد جدب فقال: نشأ حملاً سدا، متقاذف الأحضان، محمومي الأركان. لماع الأقراب، مكفهر الرباب، تحن رعوده حنين الطراب، وتزمجر زمجرة الليوث الغضاب، لبوارقه التهاب، ولرواعده اضطراب، فجاحفت صدوره الشعاف، وركبت أعجازه القفاف، ثم ألقى أعباءه، وحط أثقاله، فتألق وأصعق، وانبجس وانبعق، ثم أنجم فانطلق، فعادت النهاء مترعة، والغيطان ممرعة، حياً للبلاد ورفداً للعباد.

قال أبو بكر:

الحمل السحاب الكثير الماء، والسد الذي قد سد الأفق؛ متقاذف الأحضان يريد النواحي؛ وقوله: محمومي هو مفعوعل من الحمة، وهي سواد تخلطه حمرة يسيرة، والأقراب الخصور، الواحد قرب، والقرب والإطل والكشح والخصر واحد؛ والمكفهر المتراكب، والرباب سحاب تراه كأنه متعلق بالسحاب، الواحدة ربابة؛ وقوله حنين الطراب أراد الإبل النوازع إلى أوطانها، فهي تحن، فشبه حنين الرعد بحنين الإبل إلى أوطانها.

وقوله جاحف أي زاحم، والشعاف رؤوس الجبال الواحدة شعفة، والقفاف جمع وقد قدمنا ذكره وهو الغلظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلاً، يريد أن أعالي هذا السحاب مطلة على الجبال، ومآخيره على القفاف دانية من الأرض؛ ألقى أعباءه أي أثقاله، يريد الماء، والتألق شدة اللمعان؛ والانبجاس الانفجار بالماء، والانبعاق الصب الكثير في سعة، وقوله أنجم أي أقلع وانقشع والنهاء جمع نهي، وهو الغدير الذي له ناه ينهاه أن يفيض؛ والغيطان جمع غائط، وهو البطن الغامض من الأرض المطمئن، ممرعة مخصبة.

حسن خليل
22-11-10, 06:59 PM
يتبع مقتطفات من كتاب ابن دريد

في وصف المطر والسحاب:


أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً من غني يذكر مطراً أصابهم في غب جدب فقال: تدارك ربك خلقه، وقد كلبت الأمحال، وتقاصرت الآمال، وعكف الياس، وكظمت الأنفاس، وأصبح الماشي مصرماً، والمترف معدما، وجفيت الحلائل، وامتهنت العقائل، فأنشأ الله سحاباً ركاماً كنهوراً سجاما، بروقه متألقة، ورعوده متقعقعة، فسح ساجياً راكداً ثلاثاً غير ذي فواق، ثم أمر ربك الشمال فطحرت ركامه، وفرقت جهامه، فانقشع محموداً، وقد أحيا فأغنى، وجاد فأروى، فالحمد لله الذي لا تكت نعمه، ولا تنفد قسمه، ولا يخيب سائله، ولا ينزر نائله.

أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: كان شيخ من الأعراب في خبائه، وابنة له بالفناء إذ سمع رعداً فقال: ما ترين يا بنية؟ قالت: أراها حواء قرحاء كأنها أقراب أتان قمراء؛ ثم سمع راعدةً أخرى فقال: كيف ترينها؟ قالت: أراها جمة الترجاف، متساقطة الأكناف، تتألق بالبرق الولاف، قال: هلمي المعزقة وانأي نؤياً.

قال أبو بكر:

حواء سوداء إلى الحمرة كلون الفرس الأحوى، قرحاء يريد أن البرق في أعاليها فكأنها قرحاء مثل الفرس الأقرح، والأقراب الخصور، شبهها ببطن الأتان القمراء، والقمرة بياض كدر، جمة كثيرة، والترجاف الاضطراب، والاكناف النواحي، تقول: قد استرخت نواحيها لكثرة مائها؛ والبرق الولاف الذي يبرق برقتين متواليتين، وهو لا يكاد يخلف، والمعرفة المسحاة، والنؤي تراب يجمع حول البيت لئلا يدخله المطر.

حسن خليل
22-11-10, 07:29 PM
وهناك المقامات الزينية لابن الصيقل الجزري

سوف أقوم لاحقاً إن شاء الله بتنزيل نصوص هذه المقامات.

حسن خليل
22-11-10, 07:37 PM
المقامات الزينية

1) المقامة البغدادية

حكى القاسم بن جريال، قال: شدهت مدةً من الشهور، في حدثان الشبيبة المشهور، بقفول قحط، وشمول شحط، ومخالعة اتفاق، ومراجعة انفاق، تعجز عن كفاح حربه الأذمار وتقصر لطول قدم قدم حديثه الأسمار، فحين حدقت حدق الغلل وغالت، وأحدقت حدائق العلل وعالت، واحقوقفت ظهور الملل ومالت، وظهرت ظهيرة الملل وأمالت، وتغلبت غلب المتربة وطالت وتلببت سباع المسغبة واستطالت، وشمل مزود الجلل وعم، وسمل مرود الخلل وغم، وانكدر كدر الضرر واصعوعب، وانسدر سدر البصر واعصوصب، ورفضت أحامس الفحول الذحول، واحتقرت لخوض بحور القحول الوحول، جعلت أطفو بفلك الفكر وأرسب، وأرفو فؤادي القلق وأندب، وأطرب لخمر خمر ذلك الضر الوخيم، وأعجب لا مالة ألف إلف الوطن بعد التفخيم، إلى أن زهدت في وطاء القعود، ورغبت في امتطاء القعود، فخرجت أخر في خلال المنازل، وأجر رداء الداء النازل يثقلني مقود القوداء، خروج المرة السوداء، لأرافق رفيقاً لا يفارقه نفاق، ولا يرافقه يوم أرافقه نفاق، فقدر لي القدر المحدود، والصدر الموفق المجدود، قوماً معروقين، بالزاد المستزاد معنقين، يعدل عددهم أبنية الأفعال، سوى سدس ضعفي أحرف الاعتلال، فتوكلت توكل الأبدال، وزاملت عدد الزوائد من حروف الابدال، وحين حنت الأباعر، واستوت على جودي أكوارها العراعر، أقبلنا نكلف أخفاف العجاف، ما لا تطيق من الايجاف، حتى واصلت لفراق المعاهد الزوراء، وفاصلت لوصال المعاهد الضراء فقال باتك إمحالنا، والراتك برواتك ارتحالنا، هذه دار سلام المؤمنين، فادخلوها بسلام آمنين، ثم انه انحدر عن راحلته، مرحاً باتشاح حلته، فرحاً بمراح حلته، خشباً بنشيط حمولته، طرباً باطيط حمولته، فنهضنا نودعه بعقد دفع قد انهل، وعقد صبر قد انحل، وبينما أنا أفض دنان المبادرة وأختفيها، وأنض عروض المناظرة وأصطفيها، إذا صرت إلى رباط، محشود الرواتب، محسود المراتب، قد تخير صدق نيته الواقف، وتحير في حذق بنيته الواقف، فسمعت مطارحةً أعذب من الأري المذاب، وأطيب من لثم ثنايا الثغور العذاب، فتأملت شيمه وملت، وحاولت رشف شموله وثملت، فإذا به شيخ قد رثت بزته، واجتثت عزته، وأنأطرت ألته، واشتهرت آلته، وبين يديه غلام حسن الطلاوة، كالشمس في الطفاوة، يرشحه تارةً ويؤدبه، ويورحه مرةً ويهذبه، فحجبت بشحذ تلك الرقاق، عن مرافقة الارتفاق، واحتجنت بمحجن الاستراق، ما قبلني في قالب الاسترقاق ولما تمم طرف أطرابه البهيج، ونمنم نثر ثناء إطرائه الأريج، واحتنكت من حبب محادثته، ما انشبني في حبالة مناوحته واختلبت من ملح ملاحفته ما حملني على استهداء محالفته، قلت له، بعد ركود هوائه، ورقود قرود أهوائه، وصفة تمييز فضيلته، وعرفة حقيقة اسمه وفصيلته: إني لأحب أن تتخذني لحضرة محاضرتك خدينا، ولخضرة مقارضتك قرينا، ولبحار إعسارك ميناً، ولتقصار عنق اعصارك جوهراً ثمينا، فقال لي: تالله لقد سألت ما لم أك أرشح بمثله، وأملت من وفضة المفاوضة ما لم أكن أسمح بنثله، وإني لأرى وجهك مليحاً، لا يليق به الحرمان، وجيهك قبيحاً، لا يستملحه الانسان، فأين شعب رزاحك مع انتزاحك، وأين شعب مراحك مع اقتراحك، فمن صوب صدقك أس كوبا، أسقك بكأس المكاسرة أسكوبا، فقلت مستمطراً سحاً سكوبا: البسيط
دمشق واري فمذ فارقت ربوتها ... لم يبرح الدمع من عينيّ سكوبا
كأنّها يوسف في الحسن إذ خلقت ... لفظاً ومعنىً وعندي حزن يعقوبا

وجعل يروح بالحسن الملامح، على تمثال السماك الرامح، إلى أن حضرت معهما الوجار، وشكرت الجدب الذي هجم وجار، ثم لم تمض مدة من الأحقاب، ولا امتطينا مطا أكمة المحادثة والحقاب، حتى قال لي: قد عزمت على أن أشاورك في أمر وشر البشر من إذا شاورته غر، وإن عاشرته عر فقلت له: أنا ذو طوية صادقة، وروية مصادقة، فخير رهطك من سرت برياحه، وشرت بنجاحه، ونصرت بصلاحه، وبصرت باصلاحه، فقال: اعلم أن اللبيب من أهل وليده بعينيه، قبل أن يهال صعيده عليه، ورفل عديده حوليه، قبل وصول نصول المنية إليه، واني لأشتار من شهد رأيك فيه مشورةً، تبقى صحف أسجالها على مر الشهور منشورةً، فقلت له: تالله إن هذا لرأي ارادة مخضل الخمائل، وصارم عاتق سعادة مغدودن الخمائل، وأنا لك أطول ساعد، وأفضل مساعد، وأطوع باد وبالد، وأنفع من طارف وتالد، ثم إني وثبت لما أراده، وأطلعت في سماء المساعدة أرآده، وحضرنا الليل لنصف سبع، وعقدنا العقدة على تسعة أجذار سبعة وتسع، مشفوعةً من الأطباق، بعدد حروف الأطباق، ولما زفت العروس، وزفت أزاهير المزاهر والغروس، وخلت الدار من النظار، خلو المفضال من النضار، وربط ريط الدويرة، وانخرط بفرخه الفويرة، فأقبلت بعدما كمل وطره، وحمل حق الحيل وقطره أقوف أثره، وأذم مخبره، إلى أن ألفيته خادراً بحديقة، متدفقة الجداول وريقة، فقلت له: أف لفعلتك الذميمة، وتف لألفتك المليمة، فكهر وجهه وكر، وعقد ناصيته وازبأر، وقال لي: أراك تسرع اسراع السحابة المطلة، وتحنق حنق الحية المغلة، وتنغض رأس غيك الخصر، وتعرض عن تدبر قصة موسى مع الخضر، فلسنا بك من السارقين، ولا لسبابك من الوادقين، ولا لك بالمرافقين المنافقين، ولئن تجنيت وسللت ظبى ظلمك وتظنيت أن ابني ربق السرق وسرق، وترمق المرق ومرق، فأعرفه لا يعرف الافساد، ولا يتسنم الفساد، ومن أراد الفساد فساد، وأما الآن فأنا أنبئك بسبب سرقه، وتضرجه بنجيع الأشر وشرقه، ثم قال: اعلم أنها منذ حلت بداري، ورأيتها لا تدري ولا تداري، لاح من تغطرسها مخائل الخيلاء، فضربت زمام تعززها للزلة الزلاء، ثم دار ابني على خضاضها دوران المنجنون، لعلمك أن الشباب شعبة من الجنون، رغبةً أن يحج عرفة معرفة عقلها ويعود، ويعج برمى جمار جهازها ويجود، ولما وردت هذا القليب، وأردت في متجر الندامة التقليب، بادرت لأبل غلتي، وأبل من مرض هاتيك علتي، فشغلت لوجود الالتياح، وعدم الارتياح، بالماء القراح، عن حلي الأحراح، فهبط فيه مذ هبطت، وسقط في يدي ريثما سقطت، فكنت كمن حفظ الفرث وأفسد الحرث، واعتاض عن السمين الغث، والملاب الشت، وأنا أيد الله قواعد قدرك، ولا دخلت الجوازم فعل أمرك ضعيف الجلد، ولا أطيق النزول في المسد، وطفلي في الطمطام، كالسيف الكهام، ومتى نازل شوازب حبابه، نزلت زلازل النوازل بأحبابه، وأما أنت فقد زادك الله في الخلق بسطةً، فلا تبالي ان غططت في الماء غطةً، قال: فرفضت إيابي، ولظت ثيابي، وخلعت نعلي، وقذعت فعله اللي ثم انخرطت في الأشطان، وقلت: هذا من عمل الشيطان، وعند مجاوزة الظلماء ومجاورة يهماء الماء، طأطأ رأسه إلي، ثم سلم علي، وقال: احمد الله إذ ألقاك في هذا المضيق، أسوةً بيوسف الصديق، فعمم هامتك بهذا الرشا، فما أنت بأول من ارتشى، وهذا ما رمته من الرشى، على تزويج ذلك الرشا، فصرخت صرخةً حللها البكاء، وانحل لها شناق المشقة والوكاء، فسمع انسان صراخي، بعد طول التراخي، فأنقذني بيديه، ورمقني بأسوديه وأنا كآدم ذو بأس بلا لباس، كأنني ممسوس من الجنة، فطفقت أخصف علي من ورق الجنة، ثم التفت غب اليسار، وكسر يمين الميمنة واليسار، فألقيت قد كتب على التراب، وضربني بقواضب الإضراب، بعد أن كدر عيشاً صافياً، وضيع خلاً مصافيا، واستصحب قلباً جافيا، وأظهر ما كان خافيا: الطويل
تفنّن بحمد الله عريان حافيا ... وعدّعن التزويج ما دمت باقيا
فإن ساءني ما ساء خيمك خيّمت ... لدىًّ مدى الأيام قمصى حذائيا
وإني لأجني سوء ظنّي وأنضوي ... إلى خالق مخلولق لاحتذائيا
وأجعل إن صلّيت لله قانتاً ... مقيماً إمام الخمس مني حذائيا
وأُمسي واسمي بعد بزّك بزّتي ... إلى جبهة الجوزاء خوف ابتزازيا
فلا تركنن يوماً إلى ودّ صاحبٍ ... فكم صاحبٍ أصلى الصديق المصاليا
وكم مبعدٍ أضحى من العرّ عارياً ... وكم من أخٍ أمسى من المكر كاسيا


قال: فوقفت على الأبيات، وانصرفت إلى الأبيات، وأنا ذو وبال ذميم وبال دميم، أتهافت تهافت سقيم غير مستقيم، كأنني غلام فارق اللبان، وحسام طلق الجربان، ولم أزل منذ بانً، وأبان ما أربى على أبان، بعدما بعد وآن، واصلولب ولان، ألعنه إلى الآن.

حسن خليل
22-11-10, 07:42 PM
المقامة الثانية الطوسية

حدَّثَ القاسمُ بن جريال، قال: رُميت عن كبِدِ قوس القضاءِ، الجزيلِ الأنضاء، الوارفِ المتاعب، الوافرِ المعاتب، إلي مدينة طُوْس، وقد طرحتُ الحظ الموطُوسَ واطّرَحْتُ الناموسَ، وحكيتُ بالحِكمَ بطليموسَ، وأنا إذ ذاك طاعمٌ وكاسي، سارحٌ ما بين سَيْنى رِياسي وكاسي، لا أحرنُ لضيقِ قيض يوارى، ولا أحذر ازدحام ضيف فيْض أوارى الواري، فتَخِذْتُ بها صَحباً اتخذوا الأدبَ دِثارا، ودارةَ القمر، دياراً، والمَرَحَ حِواراً، وزُبَدَ المزايا مَزارا، غير أنَّهم - مع مفارقةِ العُنّةِ، ومواصلةِ الأعنةِ، ومقاطعةِ مظنّةِ الظِنة، ومتابعة مُنة المئنَّةِ - أَقْحَل من الأسنّةِ، وأفلَس من رواجبِ الأجنّةِ، فوجدتُهم - بعدَ التجلِّي، والتملِّي بذلك التحلِّي: الطويل


بحوراً بلا غَوْر، بدوراً بلا دُجىً ... صخوراً بلا مَوْرِ صقوراً بلا شَكْلِ
مثالُهم في الفضل رأس بلا غِطاً ... وغيرُهُم بالجهلِ نعلٌ بل رجلِ


فبينما نحن نَدْأَبُ لتحصيل الشارع، ونطلبُ صَفيَّ المَشارع، ونحمدُ جُودةَ الطالع، بين هاتيكَ المَطالع، إذ اجتزنا بناد اجتمعَ فيهِ كلُّ مناظر أريب، وبرعَ بهِ كلُّ عُراعَرِ أديبْ، وخَزَمَ عَوْدَ عِرْفانِه كلُّ بارع لبيبٍ، وجزم وضينَ أضغانه كلُّ مقارع مَهيبٍ، ففاقَ كلَّ مربع خصيبَ، وشاق كل مَرْتع رحيبٍ، فانخرطنا في نصاحِهم، وغبطنا غرائبَ فِصاحِهم، فلحظَ أكليلُهُم زُلالَ ورْدِنَا، وأخذَ يستنشِقُ ماءَ ورْدِنا، ولمّا دار كوبُ الفَضْلِ الماضَر، وطار لعُقابِ الزُّبدِ يعقوبُ الحزنِ الناظر، وأمعنوا من ثِمارِ عُودِنَا، وأذعنوا لِزماجر رُعَودِنا، أقبَلَ يصولُ صافِنُ المذاكراتِ، ويجولُ جارحُ الجَدَلِ في حمائم المحاضراتِ، وتَطْمِسُ المحادثةُ عيونَ المَلالِ وتُخرسُ المباحثة ألسنة الكلالِ، إلى أن قرِن بقرنِ تلك القروم نظمُ المنثور ونَثرُ المنظوم فكلٌّ إلى ذاكَ آل، ورفضَ المالَ والمآلَ، وكانَ قد ولجَ في سلوكِ تيك الكُبراءِ، ومَرَج بمروج هاتيكَ الكُرماءِ، رجلٌ أنفقَ في النُكَتِ غمْرَهُ ومزَّقَ لتحصيلِ النكت عمرَهُ، وسَعَّرَ في كل بحثٍ وطيساً، وصيَّرَ علمهُ عنِ البشرِ أنيسا، وشُب فَهمه وقَدْ وَقَدَ، وحُبِّ هُجْر هَجْرهِ فقد فقَدَ، صاحبُ غاياتٍ قد انفَذّ، وجالبُ راياتٍ هِمَم فلجَ بها وبَذِّ، فقال: يا أخوة الفِطَنِ، وصفوَة الزمنِ، هل سمعتم بمنظوم سُبِكَتْ حروفُه فعادَ منثوراً مفهوما، أو منثورٍ أخُذَ بكمالهِ فصار في العَروض منظوما، ظَعوناً بالسيادة، مصوناً عن النقص والزيادةِ، فإنَّ سَلْب المعاني غيرُ مبتكَرٍ، وسَلْبَ الحروفِ شديدٌ غيرُ محتَقَر، فقلنا: لا ومن طرقَ بالاَ إفضالِه الأوّادْ ونطقَ بشُكره لسانُ الأزمنةِ حين سوَّاه فإنَّ ذلك مما تثُور به البرَحاء، وتبورُ لكفاح حروبهِ الفصحاءُ، ولم يُسْمَعْ بمثلهِ منذ كسا أدمَ آدمَ الوَرقُ، ودعا الفضلاءَ لأبوابِ الغباوةِ الوَرِقُ، فهل في عُرام علمكَ الجرَّارِ دُر من هذا الأسلوبِ، أو غمام عَزمِكَ الدرّارِ دَرٌّ من ذلك الشؤبوبِ، فقال: لا ولكن نَشيمُ برُوقَ القرائِح لهذا اللائح، ونُديمُ خُفوقَ الفِكَرِ الفائح لهذا السيلِ السائح، فمن ابتدَعَ منهُ شيئاً، جعلنا له من أموالنا فيئاً، قال: فرفلنا لذلك الإشعارِ، في فَدافد الترسل والأشعار، وأرقلنا بذلك الإسعار، لمعرفةِ ارتفاع القيَم والأسعارِ، فعُدنا من تحتِ ذيَّاك الغُبارِ، ومكابدةِ الاختبارِ، وقد قادنا أقرادنا وأبادَنا اجتهادُنا، وانكشفَ ذلك الضَّبابُ، وانكشف ذلك الضبابُ، واعترفنا بمعالجة عَوْم عسير، مذ اغترفنا بمَتْح كَفِّ كُوع كسيرٍ، وإذا بشيخ قَد نهض من طُرّةِ الطّراف، متضائلَ الأطرافِ قد احدودبَ ومالَ، وسئم، سِربالَهُ الأسمالَ، وانتشر من ثَمَر قوّته ما صنف وانعطفَ من بَطَر نهضته ما تثقفَ، فلمّا حاذى السماط، وخلعَ نعلهُ الأسماطَ، دب دبيب حامل، وحيّا تحية خاملٍ، وقدَّم اعتذارَ فاضلٍ، وتقدَّمَ تقدُّمَ ناضل مناضلِ، وقال: يا هجَانَ الهِجانِ، ورجانَ الرِّجانِ، وجُمَانَ الجمان وأساةَ زَمنىَ الزمان، أعلمُكم أنّنَي ولجتُ ناديَكم، وكنتُ بهذه الساحة ساديَكم، فربضتُ بأطرافِ الذَّلاذلِ عندَ مطافِ الأراذلِ، خاطباً حبائبَ فوائدكم، لا طالباً خبائبَ موائِدكم، ولعلمي بأنَّ عيصَكم أفضلُ الأعياص، دخلتُ عليكم دخول الميم الزائدةِ على الدِلاص، ولم أر زعيمَكم بالاقتراح، إلاّ كمَنْ يبغي اجتماعَ النار والراح، أو كمن يستجدي العداء من الغربَان، ويستهدي الغذاءَ من الغَرثانِ وقد كنت حين خَبَتْ سيولُ أذهانكم، وكَبَتْ خُيولُ رِهانِكم، ونَبت سيوفُ أفهامِكم، ورَبَتْ زُيوف اهتمامِكم، أغضى على قذى احتمالِكم، وأمضى في أذى احتيالِكم، فلما تمزَّقت أهباؤكم، وتدفَّقتْ أعباؤكم، نهضت هِمّتي نهوضَ السوذنيقِ لعجزِكم عن ركوب نيقِ ظَهْر ذلك الفنيق، وقد تحتم التقدّمُ لهذا الحال، تحتَّمَ تقَدم مالا يتصرفُ على الحالِ فانظروا إلى عَسيب حرفتي لا عسيب حِرفتي، وقشيب حلّتي، لا قشيبَ حُلّتي، وصميم خَلَّتي لا رميم خِلَّتي، فمن قنعَ بملاحةِ غِمْدِ عَضْبه، فاتَهُ الظَّفَر يومَ حلولِ حربه، وإياكم والاحتقار، فإنّهُ يورثُ البوارَ، فلما قَدَ ما قدَّم من كلامه، وجدَّ ما جدَّ من جَموم جمامه جثا من وسَطِنا أوسطنا وأنشطنا للطلب وأضبطنا، وقال له: يا صاحبَ الصّدف المملوءِ بالصَّلَفِ، وكاسبَ الشرف العاري عن الترفِ، إنْ أتيتَ مما ارتويتَ بما حكيتَ، كان لك منا ما أوعيت لما وعيتَ، وإن أبيت عمّا عنيت إذ ادعيت، ساءك خَسْر ما اشتريتَ بما شريتَ، وضُر ما أفديت مذ افتريتَ، وإن شِئتَ خوّلناك أجملَ لباسنا، وأكمل أفراسِنا، وهو أشرفُ قَبولا، وأمتُن سولاً، وأحسنُ هدى ونسولاً، وللآخرة خير لك من الأولى، ثم قال له: اعلم أنني تصفحتُ أمس كتابَ الحماسةِ، العالي على العقيانِ في النفاسةِ، فأطربني منه قَولُ الصمةِ الكئيب، الواردُ في أولِ باب النسيب، إذ تجللَ جَوادَ المجالِ فجالَ، وتقلقلَ لمقانبِ الانتقالِ فقالَ: الطويل:
حننتَ إلى ريّا ونفسُكَ باعدتْ ... مزارك من ريّا وشَعباكما معَا
فما حسن أن تأتي الأمرَ طائعاً ... وتجزعَ إلىْ داعي الصبابةِ أسمعا
قفا ودِّعا نجدا ومَنْ حلَّ بالحِمى ... وقلَّ لنجد عندنا أن يودّعا
ولمّا رأيتُ البِشرَ أعرضَ دونَنا ... وحالَتْ بناتُ الشوقِ يحنن نزَّعا
تلفت نحو الحيِّ حتى وجدتني ... وجِعتُ من الإصغاءِ ليتاً وأخدعا
بكتْ عيني اليُمنى فلمّا زجرتُها ... عن الجهل بعدَ الحِلْم أسبلتا معَا
وأذكرُ أيامَ الحِمَى ثم أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تقطّعا
وليستْ عشياتُ الحمى برواجع ... عليكَ ولكنْ خَلِّ عينيك تدمعَا

حسن خليل
22-11-10, 07:45 PM
يتبع المقامة الطوسية

فقد اخترت أن تحصرَ حروفَ هذه القصيدةِ السديدةِ، في رسالة تدلُّ على المقاطعة الشديدةِ، فقال له: تاللهِ لقد رمت الحبَبَ من سَحوح، والخَبَبَ من سَبوح، والانسجامَ منْ الغَمام، والإقدامَ من المقدام، ثم إنه أطرقَ لاستدعاءِ أبكارهِ، واستهداءِ تحَفِ ابتكاره، والعيونُ محيطةٌ به إحاطةَ النطاقِ بالخَصر، والعِتاقِ بالحَصْر، فِلما حرَّرَ ما صنع، وجَرّز أذيال ما اخترعَ، قال: اكتبوا ما تسمعون، واسموا ما تسمعون، وستذكرون وتشكرون، وها هي ما أملي وتسطرون: عَرفُ أدب الحُلاحل العَليِّ، الناميِّ الرضيِّ، أمجدَ اللّهُ رأيَهُ وسرمدَ، وبرعَ باعُ عزيمتكَ وأيَّدَ وعًنّ عن معانكِ عِنانَ الإحَن وشرَّدَ، سامٍ على طيبِ المَلاب الذكيِّ بل الأناب الأرج التنكتي، ولآيةُ أنيقِ خطابكِ الجنيِّ أحسنُ مِنَ الدُّرًّ السنيِّ، فَلمَ سحَّ بُعْدُ ازديار منادماتكَ، واشتدَّ زَنْدُ عِبْءِ صَدّك، غِبَّ انتجاع مناشداتكَ، مَعْ تحقُّقِكَ أنَّ خيرَ ما نجعَ مُزْنَةُ وَلاءِ، وأحقُّ ما تُوِّجَ تاجُ صفاءٍ آلُ إخاءِ، فعييت عن عَنَنِ حنين وحيت، وشيع شياح تتعتع عانيتُ وما جنيت، ولو حويت من العَياء ما حويت، لثويت مِن أعباءِ العناءِ فيما ثويت، قال الراوي: فلمّا رصفَ ما رصفَ في مكاتبته، ووصفَ ما وصفَ من معاتبته، ونَجزَتْ سحائبُ فكريه، ونَجَزَتْ غرائبُ مألكتهِ، طَفِقَ القَومُ يحصونَ حروفَ كلماتهما، ويستقصون في فحص محكماتهما، فحين استُحسِنَ التساوي، وتيقَّنوا عدمَ مساجله والمُساوي، أنغَضوا رؤوسهم من العَجَبِ، واضطربَ طِرافُهم من الطَرَب، وقالوا: إنَّ هذا لبديعٌ حَسَنٌ، وبَديغُ تيقُّظٍ لا يُسامرُ إنسانَه وَسَنُ، ولا يخامر يفن افتنانهِ أفن، فهل تقدِرُ على أن تعيدَها أبياتاً، وتجعلها لكمالِ حروفها كِفاتاً سنيةً في الروى والوزنِ، منيةً لمصادمةِ الشامخ والرزن، جليةً في الإذاعةِ والحَزْنِ، خَليّةً من الخلل في السهولةِ والحَزْن، أتيةً في الإقامة والظَعنِ، أبيةً عند طعنِ ذابل الطعنِ، فإنه أصعب وأصلف، وأعذبُ وألطفُ، إذ النظمُ حال بحَلى العَروض، والنثرُ خالِ من المخبونِ والمقبوضْ، فقال له: وايمن الله عندي صرام لخلال خلالك، وضرامُ لإضرام سَيَال سؤالك، وانسكاب لانبساط راحك، وشهابٌ لإحراق شياطين اقتراحك فإن راقكم فاحفظوه وحفَّظوه، واحتفظوا به ولا تُحفِظُوه، وها هو فاسمعوه وعُوهُ، وإن أبيتموه فدعوه ودعُوه: الطويل
أنيخا يمينَ الحيِّ في الجزع واسمعا ... بكاء يُعيدُ الطودَ دكا مصدّعا
وإنّا ونثّاهُ اليمنى وحدِّثَا ... عن العَيِّ لما انهلّ حين تشيّعا
ولم تنسني حينَ ارتحلنا وبيننا ... أنينٌ أطال الخلو مني التوجّعا
فجاءتْ بقدّ قيدَ رمح وخَلْفها ... جَنان على تلّ من الكور أتلعا
فشَقّت شَعاعا عن شُعاع وأبرزتْ ... بنا كلكلاً حاكى لُجيناً ممنَّعا
ونصت براح عن بَراخ وكلَّمَتْ ... بذي ترف حازَ الملاحة أجمعا
وعضت بدر عندما غبّ أن سقَتْ ... من النرجس الوسميِّ ورداً تمتّعا
وجئتُ إلى التشييع كَدًّا وعزّني ... حميمٌ أبادَ الكِبْدَ منِّي تتعتُعا

فلما شرف بإشاراتهِ النّطاف، وأطرفَ بتنبيهاتهِ اللطافِ، وأفادَ أسماعَنا وفادَ، وأستادَ عقائلَ انتقادنا وسادَ، أُفرغ لديهِ من الولاءِ أصفاهُ، وأحضِرَ إليه من الحِباءِ أضفاهُ واعتبرتْ حروفهما اعتبارَ إتقان، فكانتا كفرسيْ رهان، ما نقص حرف ولا زاد، ولا أخطأ المرادَ، فقالوا له: إنك ومستحقّ التبجيلِ والتمجيدِ، لكالأنفحةِ في التحليل والتجميد، فحينَ حقّقَ إقبالهم عليه، وتحقَّقَ انثيالُهم لنصاعةِ صناعتيه، قال لهم - وقد تأثّفوهُ واستوكفوه، وفاض بالدررِ فوه - : يا مطارف الهوف وصياصي الملهوفِ، اخلعوا الخز، واترعوا البزَّ، وارفعوا العزَّ والبَزّ فمن عزّ بزَّ فأحضروا لحكمهِ المِحضيرَ، واستحضروا لهُ النضيرَ، وشكروا لفظَه المشتارَ، وجاءوا إليه بما أشارَ ليشتار فبادرَ إلى إنهائه، وغادرَ كلاً بإهابهِ والتهابه، وانثنى يستصحبُ الحقّ، وامتطى الطِّرفَ الأحقَّ وانتهز الفرصةَ بسكرِ مواتٍ، وأحرز من العسجدِ جذر تسع مئاتٍ، قال القاسم بن جريال: وكنتُ حينَ كفتَ خروقَ أطمارهِ، وانكفَتَ إلى شُموس المجلس وأقماره، أمعنُ لمعرفتهِ، لأعرفَ نكرةَ نُكرهِ من معرفتهِ، إلى أن ظهرتْ ظواهرُ ألفاظِه، واستظهرتْ جواهرُ استيقاظهِ فعلمتُ أنهُ أبو المصريّ، غوّاُص اللآلئ، وقنّاص أبناء الليالي، فهممتُ عندَ ذلكَ بمجازاته، واسترجاع إجازاته، لأرحضَ عني الونيم، وأنتهبَ النهدَ والنيمَ وأدركَ منه الثأرَ المُنيمَ، بَيْدَ أني كرهتُ انطفاءَ ضَوءِ قمرِ قدرهِ، والانكفاءَ لاستردادِ ما وقعَ في قدره، وعفْتُ انتشار فواحشه في الأحشاء، وادكَرت ما ورد في إفشاء الفحشاء، ولمَا حصلَ على زُييته وحَوْصَلَ لحواصل بيُتْه، وتوشَّح بوشاح النجاح، وترنح ترنحَ الجحفل الجحجاح ملْتُ إلى إيثاره، وتتبُّع آثاره، وجعلتُ أنحُوهُ كاللصِّ المحصور، والصلِّ المصحور بعد أنْ هوَى هويَّ الصقور، بين القصور، وصافحتْ أكفُّ لحَاظنا يد ققائه الممدود المقصور، فحين قَرُب من عرينه، وكادَ ينقلبُ إلى قرينه، نظَر إلى نظر الصِّيد، أو الموالي بالغَصب إلى العبيدِ، وأقبَل يتمزَّعُ منَ الحَرَدِ، ويتوقع فري إفساد ذلك البرد، وجعل يتعامس علي، ويثب ويثيب أبي وثاب إلي فقلت له أقسم بمن خصك بخصال القليب إنّك لصاحب يوم القليب، فقهقه لارتجال قوافيه، وعجاج سوافيه، واختصرت على تلافيه لما تلافيه فقال لي: يا بن جريال، لا تقنط لدفع ما هر، ولو اسمهر، ولا تسخط لشرب ما أمر، وقد مر، فأعرفك السليم السليم، الشارب بيد الحميم الحميم، فقلت له: انتصف من اعترف بما اقترف، عفا الله عما سلف، فأغمد لصحفي النصال، وضارع القصال، وقصد الانفصال، ومال لجذم الصخب وصال، وأنشد بعدما سكنت ألوية بطشه وعصائبه، وبركت ركائب طيشه ونجائبه: البسيط


واحفظ وصية من أوصاك معترفاً ... أن الزمان جزيلات عجائبه

لا تفرحن بما أوتيت من نعم ... فربما عاد في الموهوب واهبه

واصبر إذا نزلت كرهاً نوازله ... إن الصبور عزيز عز جانبه

واركب مع العفو طرفاً لا يعارضه ... يوماً عثار فإن الحر راكبه

والبسْ ثيابَ الحجى والحِلْمُ مُدَّرِعاً ... دِرْعاً تجولُ على العَليا مساحبُه

وَخُذْ مِن الورد ما يكفيك من ظمإ ... وخَلِّ بعدكَ كي تَصفُو مشاربُه

وارحلْ إذا كنتَ في الأقوام مطّرحاً ... واترك حِجاك بلا شَوق يجاذبهُ

وعدِّ نفسَكَ عن باب اللئيم فما ... يدنو إليكَ بما ترضاه حاجبهُ

واخفض عدوّك لا تنصب مصادرَه ... لا انْجَرَّ جازمه، واعتل ناصبُه


قال: فلما فَرَغَ من مفيدته المُزهرةِ، وخريدته الخيّرة المبهرة، قبضَ يدي قبضَ البازِ وتملّق تملّقَ الخازبازِ، ثمَ إنّه اعتذرَ لفراقي، وابتدرَ إلى عناقي وأمطرَ حيَّ شؤونهِ، وأظهرَ خبيّ شُجونهِ، بعدَ أن تململَ تململَ الحَبْر، وتذلَّلَ تذللَ الجَبْرِ، ومسخَ صورةَ الغَدْرِ، ونسخَ سُورةْْ الغَضَبِ، منْ مْصحَفِ الصَّدْرِ.

ALUM HLG
22-11-10, 11:48 PM
السلام عليكم ورحمته أآاللله وبركاتـــــه

والـــــــــــــــــــــــــــــلـــــــــــــــــ ـــــهــــ

ــــــــــــــــــــأآادريــ وشــــــ اقـــــــــــولــــــ


ههـــــــــــــــــــــــــــهــــــــــــــهـــــ ـــأآايـــ

حسن خليل
23-11-10, 07:24 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

شكراً لكم على المرور للموضوع.

حسن خليل
23-11-10, 07:30 AM
المقامة الثالثة اللاذقية لابن دريد

أخبر القاسمُ بن جريال، قال: نويتُ مفارقةَ اللاذقيةِ والأقرانِ المُماذِقيَّةِ، لغَلبة غلباء، وسَنَةٍ شَهباءَ، ما لمعَتْ لها بروق، ولا لمعتْ بها لاقحٌ ولا بَروق، وكنتُ في تلكَ المجاعاتِ، وتهافتِ الجماعاتِ صاحبَ صِبيةِ، ومصاحبَ صَبْوةٍ وصَبيةٍ، أربحُ من لَببِ اللُبابِ، وأبرحُ عن سَبَب السِّبابِ وأرمحُ لِعُبابِ العيابِ، وامرحُ في ثيابِ الثوابِ، ما عُرِفَ لي تُفُوه، وأنا مشفوه المشارب مشفوهٌ، فحينَ نجِمَ دخان خضرائها، وأنجمَ دخانُ غبرائها، وانجزمَ نسلُ نسائها، وانجرمَ النسلُ بأرجائها، وصهَرَ حَرورُ يوحِها، وهصَر بفودي الإفادة ماء طوفان نوحِها، منحتها مُرَّ الطلاقِ، ونفحتُها بانطلاق المطلاق، واحتلست مطية فاحمة الأطمارِ، متزاحمة الاختمار، مائلة عن النفارِ، عادلةً عن العثار، مبرّأة من البُرى، مفدّأة في السُّرى، لا يناهزُها الإرزام، ولا يُجزّ حَيزومَها الحزامُ، تَزْفِنُ لشدّةِ الاضطرابِ، زَفْنَ الشاربِ لنشوة الإطراب فأبرز الرايسُ شُرُعاً كان أنشأها، وأحكمَ إتقانها وأنساهَا، وأصبحَ مَصافحَ مجراها ومرساها، وقال: اركبوا فيها، باسم اللهِ مُجراها ومُرساها فلم تزل تنازل فوارسَ الأهوالِ، وتغازلُ عوائس الأوهال، وتجانبُ جحافلَ الإجبالِ وهي تجري بهم في موج كالجبالِ، حتى شرِبنا كؤوسَ السعادةِ الكِسرويّةِ، بأكفِ معالم الإسكندرية فولجتها وأنا من الميدِ كالمجنونِ، والقيظِ كالمفتون، فأقبلتُ أتقلقلُ لمفارقةِ الرفاقِ، ومرافقةِ الفِراق، إلى أن وقفتُ بالجامع ذي السوائر، وقفةَ الحرونِ الحائر، فألفيتُ غِلمةً واكفةَ الشؤونِ، ونسوةً منشورةَ القُرونِ، وعتاقاً مقلوبَة السروج، ونياقاً مكبوبة الحُدوج فقلت لمنحبٍ واقفٍ، ومكتئب لحنظلِ التحرق ناقفٍ: ما هذا الفَرْيُ الفظيعُ الواقعُ، والشَّرْيُ الشنيعُ الناقعُ، الذي ميطتْ له البراقعُ، وعجزَ عن إصلاح. خَرْقهِ الراقعُ؟ فقال: إنَّه قد دَرجَ صاحبُ دِيوانِ الوزارةِ، المشهورُ بحسنِ الإشارةِ، ذو الضيفِ والقِراع، والسيفِ واليراع، والخلّةِ والخوان، والجِلَّةِ والجفانِ، فقلت: تاللهِ لا أزالُ أو أذوقَ بعدَ حُور محاوراته، مُرّ مُرار مواراته، فإنَّ استماعَ العِظةِ مصقلة للقلوب، واتّباعَ الجنائز مَرقلةٌ عن الزلل والحوب، ثم إنِّي ولَجتهُ وعلوتُ بعيرَ العِبَر، وحدجتهُ فوجدتُه مغموراً من الغاشيةِ، مسجوراً من الغاشيةِ والماشية وبين تيكَ الحِزَق، وهاتيك الخِرَق، وُعّاظ تلبوا للعَصَبْصب الشديدِ، وترتبوا ترتيبَ أسماءِ التأكيد، فابتدرَ واعظٌ أفصحُ من قُسِّ المقالِ، وَأرجحَ بالارتجال في ذلك المجال، فدنوتُ لقبض عقاص تلك الخِلاص، وفضِّ عِفاص ذلكَ الإخلاص، فكان مِمّا رعيتُه بالاختصاص ووعيتُه من خَصاص الخِصاص: ابنَ آدمَ إلامَ تعومُ في بحارِ هفواتِكَ، وتقومُ لقطفِ ثمارِ خَلواتِك، وتكرع من فراتِ الآثم، ولاَ تركع لردع زفراتِ المآثم، وتُنْظِرُ إصلاحَ حالِكَ، ولا تنظِرُ سوادَ ذنبِكَ الحالِك، وتحكي نفيسَ مالِكَ، ولا تبكي لخسيس آمالِكَ، وتمنعُ من فضولِ غَمرِكَ، ولا يُطمعُ في أفولِ غِمْرِك، وتركبُ وتصيدُ، ويُلثمُ لكَ الوصيدُ، ويجبى بك الحَصيدُ، وقد انقرضَ آباؤك الصِّيدُ، فلا يردعُك الواعظ، ولا تخدعُك المواعظ، ولا يرفعُكَ فعلُ مَليحةٍ فتغنمَ، ولا ينصُبك تمييزُ قريحةٍ فتعلم ولا يخفِضُكَ خافِضُ فضيحةٍ فتندمَ، ولا يجزمكَ جازمُ قبيحةٍ فتسلم، وَيْكَ أما تفزعُ من ركاب حَيْنِكَ، وتجزعُ من ارتكابِ مَينِك وتَقلعُ شجراتِ شَيْنِكَ، وتُقلع عن شهواتِ عَيْنك، تاللهِ إنَّ الموتَ ليشذِّبَ موادَّ سعيكَ، ويقرّب نُوادَّ نعيكَ، ويبلقعُ خَدور مغانيكَ، ويقطِّعُ صدور غوانيكَ، ويقلِّم قدودَ أعوانك ويكلّم خدودَ إخوانكَ، أتخال أن تمنعَكَ حصونُكَ إذا آنَ منونكَ، أو ينفعَكَ مخزونُكَ، إذا استعبَرَ محزونك، أو يرحمَك آلُك، إذا حان سؤالُكَ، أو تعصمُك أقيالُك، إذا أدبَر إقبالُكَ، أو ينصُرَك سُوْرُكَ، إذا اخْتُطِفَ مَيسوركَ أو تسترّك ستورُك، إذا انكشفَ مستورُك، أم تحسِبُ أن سيسعدُك أودّاؤك، إذا فُقِدَ دواؤك، أو يعضدُك عبَّداؤك إذا أعضلَ داؤك، أو تجبرُك وعودُك وعودُك إذا انحسمَ وجودُك وجودكَ، أو يذكرُك وصفاؤك وصفاؤك، إذا انقطحَ وسناؤك وسناؤك، فأنَّى تفوزُ وأنتَ عن منهج الحقّ جانحٌ، أم كيفَ تجوزُ مفازةَ فوز ما سنحَ لك بها سانح، تطفحُ بخلٍّ من هناتِكَ، ولا ترشَحُ لّخلٍ من هباتِكَ، وتفرَحُ بربيع ظابَك ولا تترحُ لخريفِ انقضابِك، ففي غدٍ تُلدَمُ بكفِّ مساورة تُرابك، وتَسْدَمُ لسَورةِ مسامرة ما تُرابكَ، فحتَام تخلوِ بمخازي خلائكَ، وتجلو بدائعَ البدَع لمُختالةِ أخلائكَ، وأنتم أيها الغافلون بلباس الدنس رافلونَ، فسوقَ الفُسوقِ تفتحون، وسَوْق الفَسوقِ تربحون، ومنهاجَ الكسلِ تَطُون، وأثباجَ المَلَلِ تمتطون، وقَعودَ القُعودِ تركبون، وجَمودَ الجمودِ تصحبونَ، فآلَ الاحتراثِ أما تشبعون، وإلى الأجداثِ ما تشبعون، أفلا مِنَ الموتِ تجزعونَ؟ ولا لخبَبِ خيولهِ تَخشعون، فعن قريب تَزارُ ليوثُ الوَجَل فتجأرونَ وتمطرُ غيوثُ الإغاثة، فلا: تُمطَرون، وتطلعُ شُموسُ المكاشفةِ فتأفلونَ، وتطفو سَفينُ المحاسبةِ فترسبون، ويُبرقُ برْقُ الموافقةِ فتبرقون وترشَقُ قُذَذُ المناقشةِ فتُصْعقُون، أتظنون أنكم تَسلموِنَ، إذ تُسلَمون أم تَطمعون أنكم تُمْهَلونَ حينَ تُهملون، أو يرقأ دمُ الندم يوم تهلعون، أو يدرأ الحُطمة الحُطامُ الذي تجمعون أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ثم إنهُ أنشدَ أهلَ مُصابِه بعد نَصِّ لِيته وانتصابِه: الكامل:
لا تحزنَنَّ مدى الزمان وصَابه ... واصبر لما أولاكَ من أوصابهِ
وتدَّرعَ الصبرَ الجميلَ فإنَّه ... دِرْعٌ تقدَّسَ ربُنا أوصى بهِ
وتيقنن أن الزمان لجهله ... سكران فاجيءْ حربَهُ أو صابِه
واعلمْ بأنَّ حِمامَ نفسِكَ واردٌ ... في شهد مَشربِكَ الجني أو صابِه

قال الراوي: فلمّا سًدّ أدعيةَ عظاته، وشدَّ أوعية مبكياتِه، أتحفَ بهبةِ جميلة، وأسعفَ بجُبة جليلية، فَجَعل يَتَخَنْدَفُ للمَع فُصوله، ويتغطرفُ لمنتَخب محصولهِ، ويتطلّسُ لمفصَّلهِ، ويتغترس باقتناص مُحصَّلهِ، ثم أخذَ بعدَ جزالةِ جزائِه في شُعَبِ لُغيزائه حتى خرجَ منَ القوم خروج السقْب من سَلاهُ، والنَّدْبُ عمنْ قربَه وسلاه، وأنا خلفَه أخضب مشيب مشيتي، بَكَتم كَتْم حِسِّ وطأتي، إلى أن طرقَ بابَ حديقةِ بعيدةِ الأرجاءِ رغيدة الأفياء فبرزَ إليه فتى ألطفُ من اللفظِ اللطيف، وأقضفُ خصْراً من القُصْنِ القضيفِ، وقال له: ما الذي عافاك،وباعدَ قفولكَ وملقاك، وأنهلك عُقار التقاعس وساقاك، حتى توَّقفَتْ قدماً قدومك وساقاك، فقال له: تأخّرُ وقيص احتيالي، وبطءُ دخولِ قنيص حِبالةِ محالى وبعدَ ما استبعدَ الغلامُ الأجلَ، اطرَّح الشيخُ الخجَلَ، وأغلقَ حُرْجُولَه وارتجل: الطويل
خليليَّ لولا حيلتي ونخيُّلي ... على الناس لم أبصرْ مدى الدهرِ واهبا
ولكنّني أسعى بكل فضيلةٍ ... وأضربُ شرقاً في الورى ومغاربا
وأنصُب نصب النصب في كلِّ مَنْصب ... وأجعلُ خيلَ الختل فيه مخالبَا
وأطردُ طِرْفَ الطّرفِ فيَ كلِّ طُرْفَة ... وأعطف عطفي للمكاسبِ كاسبا
فطوراً تراني في المجالس واعظاً ... وطوراً تراني في المنابر خاطبا
وطوراً تراني في المحافلِ شاعراً ... وطوراً تراني في الجحافلِ راكبا
وطوراً تراني في الجوامع قارئاً ... وطوراً تراني في الصوامع راهبا
وطوراً تراني في النوائبِ واهباً ... وطوراً تراني في الكتائب ناهبا
فهذا شِعاري ما حِيَيْتُ لأَنَّني ... وجدتُ بياضَ الفضلِ في الجهلِ راسبا

قال القاسم بن جريال: فحين فاهَ بجليَّةِ حالهِ وتاهَ بسريّةِ مِحالهِ في محُالِه، أيقنت أنَّه المصري بلبلُ بُستانِ السرور، وقُنبلُ محراب دهاءِ الدهور، ولمّا علمتُ بقعودهِ، وقرِمْتُ إلى اختبار عُوده، صرتُ بينَ أقنانه لافتراع فرائدِ افتنانه، فألفيته بين مِزاح يَموجُ، وأقداح تَروجُ، وأغصانٍ تنوع، وحوْذان يضوع، وغِناء غريب، وغَنَاءِ رغيب، وكِباءٍ رطيب، وخِباءٍ وطيبٍ، فعِفت سربالَ التدلس، وعرفتُ ما ذكر في جرِّ جلبابِ التجسس، وندمتُ على تحلَّيتُه، وقدِمتُ إلى ما صنعتُهُ فلحيتُهُ وكرهتُ أن أكون بعدها قريباً رقيباً، أو اجعلَ عِرْض كلَ منْ وجدتُهُ بالأدبِ رحيباً حريبا.

حسن خليل
23-11-10, 07:32 AM
المقامة الرابعة الشينية لابن دريد

روَى القاسمُ بن جريال، قال: ألفت إيّان نهابي، وإبّانَ طَراوة إهابي، وإجتلاءِ حَبابي، واختلاءِ أفانين لُبابي، مداومةَ السِّفار، ومنادمةَ الأسفار، وانتيابَ المخارم، واجتنابَ المحارم، وأنا - مع مناسمةِ السَّرْو الساكب، ومُكاسرةِ السأو الكاسب - ذو حَدِّ غير محدود، وخَد غير محدود، ما خالطَ مسكَ فوديَّ كافورُ يُهاب ولاَ خامرَ مِسكَ جنبي فضول تعاب فلم أزل أضارع نعامى، وأجعل الخبب طعامي وأسير بالدو الدامي، وأصير النخب إدامي، إلى أن أدتنى شحوة الشحناء والقتنى مناسم العنس العنساء، إلى نواحي البصرة الرعناء، فألفيت حياً موسوماً بالسباء، محسوماً عن الاستباء، فأرخيت إليه زمام التقريب، وقد مالت الجونة للمغيب، وكنت خشيت شدة الاضطرام، وازدحام حام الظلام، لعلمي أن هذين إذا حما أشد من التشنج بعد الحمى، فلما دلفت إلى باحته، وكلفت بعظم مساحة ساحته، وجدته أعظم حي، وأنا كالميت في صورة حي، قد غادرتني أوجال السفرة الحجون كالعرجون، وأوحال الحزون كالمحزون، فوقفت محني القرى ألتمس المبيت وعقرى، فأقبل إلى ألطف عبقري، في أنعم عبقري، وقال لي: مرحباً بك من منادم، وصادم صر مصادم، هلم لنكرم مثواك، ونختم المسرة بمسراك، فعندنا أشرف فئة، وأكرم إبل مدفئة، وطعام مركوم، ومدام، وكوم، ومن المحاضرة الإنشاء، ومن المسامرة ما تشاء، قال: فاستويت بعد جلوة منته الحسناء، والاستصباح بسنا مسايرته والسناء، ومزايلة جوانح الوجناء، على روضة روضة إفضاله الغناء، فجعل يسير وعندي الخجل اليسير، وأنا خلفه أسير، ولفضل سعيه الأسير، وحين حللت بحوائه ورفعت بين العرب ألوية ثنائه أشار إلى كل مشارف، بإحضار شارف، وإلى كل قريع، بنحر نحر قريع، وإلى الرعابيب بقضب الرعابيب، وإلى الطهاة بالإنضاج، وإلى السقاة بالإزعاج، فلما قدمت القدور، وبادرت إلى المعازف البدور، وتقدمت الخمور، وجعلت العبدان عندها تمور، أمر بقدوم إخوانه إلى خوانه، وحضور خزانه لا حضار خزانه، فظلنا بين شدو ونشيد، وشاعر مشيد، وداعر نجيب، وذاعر مجيب، تجانبنا جنائب المجانبات، وتحاببنا حبائب المحاببات: الطويل:
وبتنا نشاوى من حديث كأنه ... جنى النحل مقطوب بريح القرنفل
لطيف أو الراح المشوب بعنبر ... يخامره طعما شهاد وفلفل
وملنا إلى الأضواء نرتع في الدجى ... بروض سديف كالقطن المفتل
بكل صبيح مع فصيح كأنه ... سحوح سحاب مسبل أي مسبل
تراه ربيعاً في المحول وموئلاً ... مع الخوف حتى الدهر زاداً لمرمل
وكل قؤول للقريض مبرز ... على كل نظام جميل مجمل
ترى عنده قس الفصاحة باقلاً ... وشمساً كنبراس وليثاً كتتفل
كذا عنده أوس بن سعدى وحاتم ... وأهل الأيادي مادر في التطول
شديد لدى شد الكماة مكرم ... كريم المحيا منزل حيز منزل
يتيه على من تاه قدماً بقوله ... قفا نبك من ذكرى وحبيب ومنزل
قال: فلما لاح مصباح الصباح، وفاح ريج رواح الصباح، طفقت أثني بلسان مقتي، وأنثنى لامتطاء ناقتي، بعد أن خزمتها، وشددت العيبة وحزمتها، ثم إني ركبتها، ومددت وضينها وركبتها فقال لي: لن تذهب ومن عرف المصيف، وشرف المضيف، وحمد محاسن اللين، أو تذهب شدة أحرف المد واللين، فأقبلت أتردد في إهمال الإمهال، تردد إن المخففة بين الأعمال والإهمال، وعند جنوح الترجيح، وسنوح قد الإقامة الرجيح، سرت سيرورة الإعجال، إلى تلك الحجال، وطرت طيرورة المعجال، لمجاورة الرجال، ولما آن وقت العشاء، وحان حين حلب البوازل والشاء، أقبل ذو عمامة قفداء، على مطية ربداء مرثومة المناسم، تسيل سيل السيل الراسم قد ملها النطيح مما تطيح، وبلها المسيح مما تسيح، وبيده اسمر كشف المحبوب، أدور من الماء المسكوب من فم الأنبوب، وقد أوثق لثامه حذر حروره، وأطلق زمامه لإسراع عيسجوره وأمامه غلام قد نزل عذاره وانخزل ذراره، على صافن سحوح محبوك الجوانح جموح، فلما ورد سوح السرادق، وتورد دلوح تهتانه الوادق، رفع يده وأطلع من وطاب الطرف زبده، وقال: يا رباب الرباب، وأرباب الأرباب وعوان الخطب الخطير، وأعوان العاني القطير أين أميركم؟ ومميدكم ونجيبكم ومجيبكم، ذو يتطول في اللهيم، ويعول على معاليه في العويم، قال الراوي: فأرسله القوم إلى صاحب خبائنا، ومجمع اختبائنا، فلما وقف برحابه، ووكف سحوح نحابه، وهمر قطقط قحابه، أبرز رجله من غرز ناقته، ووضعها على نمرقته ومضى في إظهار ساتره، وشور إليه بشناتره، وقال السيد السكوب، السند الكسوب، السابق النسيب، السابق الحسيب القسور، السفاح الأسور، السحاح الباسل، السني الناسل، السرى المداعس، الخميس المنافس النفيس المستأسد السديد المسعد السعيد، أسعد السلم سراء سيادته، وسرمد سراء سعادته، وأسبل سربال حماسته، وأرسل مرسلات حراسته، وسدل ستور مسرته، وسجل سيب انسكاب سورته، وسمل بسداد سيرته، وسمل إنسان حسدته، بمسبار حسن سريرته، أسح سول، وأسمح مسؤول، وأحمس حابس، وأشمس سائس وأشوس فارس، وأشرس ممارس، وأسد خيس، وأسد خريس، وحاسم رسيس وطاسم وطيس، وسمع فرسان، وسمع سلطان، وحسام مسحوت، وانسجام سبروت، وسرد لحاسد، ودرس لساحر، وسلامة مناسم، وأسامة محا، فسجلك سالم، ومساجلك مسالم، وميسورك مقسوم ومقسورك مسقوم، ومحسوسك محسود، وناموسك مسعود، وسير سماحك تسير، وسوى مسيل سحبك اليسير، وإحسان سؤددك يهيس وبستان سعودك يميس، وسيوبك تسح وتستماح، وأسلوبك أيسر محاسنه السماح، ومستنجد معسكرك مسن، أسهمه بوس وأسقمه عكوس وسامر السهى سهاده، وناسم السنا حساده، وسبت سبته إسعاده وسبت عساكر سعد سعاده، وبس حسه حسانه وحس سيفه حسانه، فسلم سواي بلباس السلب، وحسم سواي بالتباس النسب، وسلمت وسليلي، وفرسه ودرفسه سبيلي: الطويل:
فأمسيت رسماً ليس يسعد كسرتي ... سوى سيبك السامي السنى المساعد
فسارع عسى يسمو بحسن وسيلتي ... سناني وأنساني السفوح وساعدي
وآس نساء حاسرات بكسوة ... لترسو وتسمو بالسناء وساعد
قال القسم بن جريال: فلما بث قرن مقامته، وفت الأفئدة بقضب مقالته ومض الجوارح لتقويض رحاله، ورض الجوانح بخسيس ترحاله، لحظ الأمير الغلام، وقال: ذو ذكر والدك علام فقال: أشعر الشجاع الشارخ، والشراع الشامخ، الأهش الشنخوب، الأبش الشؤبوب، الأشسع الشديد، الأخشع الرشيد، الشمري الشكور، الشمرذلي المشكور، شيد مشيد شجاعته، وشرد مشاحنه بجيش شراسته، وشكرت شيم شارق مناشدته، وشهرت أشعة شوارق شدته وشرقت شهب شهامته، وأشرقت شموس شنشتته: شأن الشيخ المنكمش، بالشجى، المحتوش الحشا، الأشهب الشواة، الأشيب لمباشرة الشياة، فشأنه شهد شؤم شقيقي المنشمي مشرفياً لشبل الشميذر العبشمي ليشاهد شحذ شفرته، لانتشار شدة شهرته، بشرب كالشياطيم، شم الخياشيم، فشمر تشذره، وشذر شوذره، وشمر بشذاته شمرة شقت شؤون شواته، وشمرة شهرت حشاه، ونشرت شعر حشد حشاه، فشدي نشوة الشراب، ونشأة الشباب، فشمت شطباً يقشع المشاحن، ويشرع الجواشن، ويشده المشاقق، ويشبه المشارق، بشطر أشهب كالشعاع، وشطر أشكل لمشابكة الشعاع، وشددت شدة شردت شذب حشاشته، وشيدت شدائد شقاوته، وشدقت بمشافهة مناقشته، وشققت شقاشق مشاققته فشب شرر شرهم شبا وشابوا بقشيب الشدو قشبا، وشهى شرب الشرب شغبا فانحشر معشرهم للمشيج بالنشيج، ومعشرنا للشجيج، بالوشيج فشرب شرذمة شقاق مشاجراتنا، وشبم شمول شيم مشرفياتنا وفشل شرذمة مستشفعين بالجيش المشروح، بشفتي شيخنا المشهور المشروح، فشيدهم بحشر يشيب الشعور، ويشذب الشعور فشتت شملنا باشتداده، ومشاغبة انحشاده، فاحتوشت إشرافنا الشعوب، وشعبت شعبنا شعوب، وكشط شواتي شهود وشحط أشبالنا مشهود: الطويل.
فارشد شريداً شفه غشم غاشم ... غشوم مشوم باشتهار المشاهد
وشرد بجيشي جاش شد وشدة ... شذى شرهم شبه الشجاع المشاهد
فشعري وشعري شاهدان بشقوتي ... وشيخي كشيخي بالنكاية شاهدي
قال: فحين باهى بشينيته، وضاهى أباه في سينيته، أخرج عضبه وهو من سيول الدما كاب، والذب عن خدور الدمى ناب، ثم أشار بيده إلى رأسه فجعل دمه يتساقط على رئاسه فتشققت لصابهما غلائل الشموع وتدفقت لمصابهما أفواه هموع الدموع، ولما فترت رنة الحي وانكدرت أنة ذلك الشي، قال لهما الأمير: اعلما أن حي جريحكم ومن هلك بدبور ريحكم، نقوى على كفاحه، وإن عظم وميض صفاحه، وأما بنو سعد فلا نصبر على نزالها، ومبارزة أسود عرزالها، ومع ذلك فشقتهم بعيدة، وشوكتهم شديدة، وإنما نمدكما بما يفيض حياض خالكما، ويبيض وجوه حالك، حالكما، ثم قال لوصيفه: اذهب ذهاب الغروب، وآتهما بما تخلف من النضار المضروب، فعاد بمائة مصرورة، في أسرع صيرورة، فركض الشيخ ركض المقاطعين، وقبض نطاقها قبض الضابط تسعة وتسعين، ثم إنه أخلى خباء لمنامهما، بعد إعداد طعامهما، وقال لي: كن الليلة سميرهما، ليذهب بغيض همهما، وينضب بعيض ماء غمهما فذهبت بهما إلى خبائه، وأكرمتهما إكرام أحبائه، وأقبلت على مسامرتهما، لأخبركنه مبادرتهما، والشيخ مشدود لثامه، مسدود انسجامه، لا يقلع عن صماته، ولا يقطع طلع مقاصاته لاستصحاب حصاته من حصاته، فأخذت أسبر الغلام، وأنشر الدمقس والثغام لأرقا بسلم الاستماع، وأربأ بمعرفة ذلك المصاع، فنهد أبوه كالأسد المشبل، وأزبد كالمدد المسبل فعلمت أنها نبيلة من سكره الكرار ورذيلة من غدره الغرار، ثم إنه قهقه قهقهة من تزعزع وقد ناره، وترعرع وفد ثاره، وقال: يا بني قم فاغسل الدم الثقوب، المشبة بدم قميص ابن يعقوب، فما يريده القدر محتوم، وليس عن القسم وعاء غرض مختوم، فأيقنت حينئذ أنه المصري سرحان غاب الاغتراب وأفعوان رغاب الارتعاب، ثم إني ملت بعد ابتسامه، إلى تقبيل بنامه وبت أقتني نفائس أنفاسه، وأجتني مغارس استيناسه، إلى أن انهزم الليل بجيش النهار المجر، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولما رسخت زواخر يمه، وسخرت بابن ذكاء محاسن بهجة أمه، أقبل إليه القوم مهرعين، ولوداعه مسرعين، فكنت له من المودعين، ولما أعقل به من المودعين.

حسن خليل
23-11-10, 07:36 AM
المقامة الخامسة التوأمية

حكى القاسم بن جريال، قال: عكفت أيام مواظبة الكفاء ومداعبة الأكفاء، ومعاندة العفاء، ومعاهدة الضعفاء، ومساومة الهيفاء ومداومة النعمة الوحفاء، على نديم زافر أعباء السخاء، نافر عن ركام الطبع والطخاء، يجود بغير الجفاء، ولا يدري ما شميم ريح الجفاء، متعرض للإعطاء غير متعرض بكشف الغطاء: الطويل:
فكان لي الجود الجموم وجوده ... أحب جموح جانح لإخاء
وكان لي الخل الخدين وخيره ... أحب رخاء خافق لرخاء
وكنت له الصنو الصدوق مصاحباً ... بصدق صلاح صادق وصفاء
وكنت له الحب الخفي محالفاً ... بفيح فلاح فائح ووفاء
قال: فأقمنا مدة ذلك الارتواء، نرتع في حدائق الانضواء، ونجتلي بين جدد الاجتراء، عروس البراعة العذراء، ولم نزل مع مصاحبة الاصطفاء، ومقاربة الوصفاء، ومعاشرة الشعراء، ومخامرة العشراء، ومسامرة الرؤساء، ومعاقرة لاحتساء، نرتضع أخلاف الإسداء، ونفترع إحقاب المودة، المرداء حتى امتزجنا لمباينة النواء، امتزاج الرحيق بالأمواء، والأعضاء بالدماء، والحور بملحم الظبية الأدماء، ولما انسكبت إسبال تلك الدلاء، ونشبت بيننا شصوص قرابة المقاربة والإدلاء، أقبلنا على الاصطلاء، بنار هاتيك الطلاء فما برحنا نمتطي ذروة غارب الغرابة والسيساء، ونحتسي صافي فصيح الفصاحة والكساء، ونختطف بخزائن اللغيزاء، أقداح القهوة المزاء، بمجلس واضح الاعتزاء، سام بازاء الجوزاء، مع عصبة قصروا ممدود مدد الرياء، واقتصروا على ورود ماء مآثر الأباء والتحفوا بمروط الوقاء، وأتحفوا المعاند بمقانب العنقاء، وألحفوا في إثارة الإثراء، لسد خلل خلة الفقراء: الكامل:
فكأنهم شربوا لبان فصاحة ... من قبل ما شربوا لبا حسناء
وكأنهم ركبوا متون بلاغة ... من قبل ما ركبوا مطا وجناء
تنتابهم حزق الوفود لأنهم ... وردوا الزلال بروضة غناء
حق لقد طربوا بنأمة سائل ... من قبل ما طربوا بصوت غناء
فبينما نحن نعتور فوائد الظرفاء، ونعتمر ربوع صفاء الانكفاء في ليلة مخلولة النداء، محلولة الأنداء، مغلولة العياء معلولة الضياء، مشلولة الأعداء، مسلولة الرداء، حسنة الحواء، مستملحة الاحتواء، عميقة الشواء مستقيمة السواء، إذ شد شادينا أوتار الغناء، وقد بإطرابه أعناق العناء، وقال: الكامل:

كأس لها سجد النسيم وأسفرت ... في الكأس تجلى في أجل
وطاء شمطاء يلثمها الفتى ومن رأى ... حدثاً يقبل وجنتي شمطاء


قال: فآل بنا الطرب إلى الإغماء، وأمال لإطرابه جوانب الغماء، ولما عني بقطع أغنيته العنقاء، وغنى بما أغنى عن نغمة الورقاء، تقدمت أوامر الأجلاء، بإعادة الجلاء، وارتادوا نديماً يمر تلو هذا الولاء، ويجر إليه ثناء هذيا الولاء، فتجرد كل لعناق فكرته الزجاء، وأحجم إحجام قامعة يوم مواقع الهيجاء، وبينا نحن نرجو قنص مشاكهته العنقاء، ونسدم لفوت عرق وزيرة الغرض والانتقاء، طرق باب الفناء كف لم يخل من خيانة القرناء، قد اشتار علقم الدهاء وطار بأجنحة ريحه الورهاء، وقال: الكامل:

راح لها ارتاح الحكيم لكونها ... في الراح راح حشاشة الأحياء
حلت بها راح المسيح فأصبحت ... حصن الحياة وراحة الأحياء

قال الراوي: فخلنا قد انفجرت ينابيع السماء، أو انبجست لنا أراييج نسيم السماء، وقلنا له: قعدك الله خالق العصماء، وفالق الصخرة الصماء، إلا ولجت لعل هذا الدواء، وفل جيوش هذه الأدواء، فولج لجابة الهداء، ودلج لإجابة الاستهداء، ثم سلم سلام أولى الاختلاء، وتسنم أسنمة الاعتلاء حذراً من الرقباء، كالقد في القباء، فقعد قعدة الأدباء، وبيده إناء من الدباء، أرق من الهباء، مملو من المزة الصهباء، فألفيته حين راجع حلائل الاستخذاء، وجثم بحذاء الحذاء - شيخنا المصري ذا الاجتناء، المحبو بحناء الانحباء، فدعوت له بالبقاء، وعجبت من عذوبة لقاء ذلك اللقاء، وأخذت أثني عليه ثناء الظمآن على الماء، والصمان على انسجام السماء، وأخذ هو لتصديق، وريق الثناء، وتحقيق تزويق ذياك البناء، ينثر لؤلؤ جرجته البجراء، وينشر رحمة حسن إجادته العجراء، ويمعن في توطيد دعام دعوته والوطاء، بعد امتطاء مطا المطيطاء، وأقبل، الشرب على الاستشفاء، بذيالك الشفاء، بعد أن بوؤه أشرف الخباء وشكروه على حلاوة رفده والحباء، وما فتيء يطفح من سيب جده والجداء، بما يغني عن الجداية الجيداء، ويمنح من جيب جوده والرداء، بما يلهي عن الغادة الغيداء، فلما تكوكبت جرباء أمل ذلك الإرجاء، واعشوشبت لديه إرجاء سباسب الرجاء، ودارت عليه مفاكهة السجراء، واستدارت عليه فواكه الخميلة الشجراء، تقلقل للاغتداء، وأعرض عن معاطاة الاجتداء، فاستمسكت ببزته الحمراء، ولثمت حجر شفوف شفته السمراء، وقلت له: أقسم عليك بباسط الثراء، وفاطر البرى والبراء، إلا زدتنا من قريض هذا النماء، قبل توديع السادة العلماء، لتجول بين هذه الضوضاء، لآلئ عقود منتك البيضاء، فأجاب سائل الاستدعاء، وبادر إلى حل وكاء فضله والوعاء، وقال: الكامل:
روح ترى الأحداق تحدق حولها ... شبه القلاص لدى فنيق رغاء
روح متى انسكبت بندوة آدب ... أهدت هدايا الفهم للبلغاء
باتت تغازلني وبت مغازلاً ... لجمال بهجتها مع الخلصاء
خلعت علي محاسناً من نورها ... فلذا رفضت محاسن البوصاء
بكر بها اهتدت السقاة لكونها ... في الشرب شبه أشعة الأنواء
فهي التي كانت لموسى جذوة ... في طور مطلبه إلى الأضواء
وهي التي كانت لعيسى مهيعاً ... يشتار نشوتها مع الحبساء
تجلى على سرر السرور لأنها ... في الكأس عرس مجالس الجلساء


قال القاسم بن جريال: ثم إنه هم بالانجلاء، بعد جلوة عروسه النجلاء، فعرقنا بمدى مدى البكاء، وغرقنا بذرور ذكاء ذلك الذكاء.

حسن خليل
23-11-10, 07:45 AM
المقامة السادسة الحجازية

حدث القاسم بن جريال، قال: ألهمتني العناية العلوية، والهداية اللاهوتية، بأن أتقلص عن العناد، وأتخلص من مظالم العباد، وأقصد البيت العتيق، وأقصد بناب الإنابة الشقاق الشهيق، فعمدت إلى عود كنت أودعته، وما ودعته، وأحبسته لله وما حبسته، فغودر حبيساً غير محبوس، وحسيساً غير محسوس، فقلت بعد أن باعدته من السلوب، وقلدته باللحاء المسلوب، وددته عن مراتع القلوب، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وحين طلع الحجيج، وارتفع الضجيج، رحلت سديساً جديد البطر حديد النظر، يطير بأجنحة الأجادل، وتسجد لطاعة فرسنه، جباه الجنادل، لا يعرفه السكون، ولا حوت كمثله السكون، يجيد على طول الطوى، ويبسط من طيب وطئه ما انطوى، ذا قطم عند الضراب، وقرم إلى ضراب الظراب، وصحبت مشرفياً لا تفل مضاربه، ولا يمل حمله مصاحبه، رقيق الشفرتين، تشام بشيمه بروق الحين، أبيض كالملح القارس، يقد متون القوانس، واعتقلت أسمر مسمهر الكعوب، مسمقر النكاية في الحروب، يرتعد ارتعاد المحموم، ويتأود تأود المهموم، لا تنحله الوقائع فيضعف، ولا يثقله حمل توأم فيقصف ولما أكملت الماعون وحاولت ما حاوله المسارعون، نبذت الدبر دبر مسمعي، وأخذت ألفاً من المعمعي معي، ثم لم تزل ما بين دبيب وتغليس، وتقريب وتعريس، وإرقال ومقيل، وإجفال ونقيل، ننسأ ظهور القور، وننشأ في حلية الديجور، حتى بلغنا غاية المرام، وبلغنا حل حل الإجرام، وكنت أيام ملازمة مسيرنا وملابسة ملامسة تسييرنا، أتبحح بحواء أمير الحجاج، وأترشح بعذب عدله الثجاج، فبينما نحن وقد انضم الحطيط، وضم الأراهط الفصاطيط، تحت فساط نفيس الاستماع، محروس الاجتماع نخد بخشاش الانكماش، إلى معاش الانتعاش، إذ دخل علينا شيخ معروق المشاش، مدقوق الارتهاش، تلو عجوز باهرة الهراش، ظاهرة الامتهاش، ذات غضون شواحب، تهر كأم أجر حواشب، مستذنبة غلاماً كالبكر في الغلالة والبكر ذي العلالة، وقد خضبت أنامل الغلام بالعلام، وحصبت الشيخ بكلام الكلام، فتضور تضور السرحان، بين أكناف الصحصحان وقال: وطد الله مراتب الأمير العادل الكبير، ذي العدل البهير، والفضل الشهير، أعلم رفيع جدك الباذخ، ومنيع حدك الراسخ، أنني ولجت بين خيمك طمعاً في مكارم خيمك، إذ الكريم قال جلباب الاحتجاب، خال من الحجاب والحجاب، قد وردت عليك لا زلت طاهر الحوباء، ناصر الأحباء، محفوفاً بقنابل التوفيق، متحوفاً بإصابة الظفر والتفويق كي أبث بحضرتك شكواي، وأجث بصارم نصرتك بلواي، فشرح شظف حالي، وقرح حرق حرق إمحالي، أنني من أفصح العرب فصلاً، وأسمقهم أصلاً وأسبقهم نصلاً ما لقف له مساجل خصلاً، ولا عرف له نقيصة أصلاً، ذو مال نثيل، ونجار أثيل، وغضب وثيل وقنب وثيل، فتزوجت هذه الحاضرة وأنا يومئذ تقي الذهاب، نقي الإهاب، عظيم الالتهاب، جسيم الانتهاب، بقد كالأملود، وشد كالجلمود، ولحظ كالسنان، ولفظ كالجمان، وجبهة كالشارق، وبهجة كالشهاب البارق، أبيت بين نشب وأغنام، وشنب وأنغام، حائلاً في صهوة الصبا، مائلاً لياقة مع الصبا، تبرق من نضارتي النظارة وتنطن بحسن سيرتي السيارة، وأنا مع ذلك الجمال، وسلاسة السوابح والجمال، ونفاسة التجمل والإجمال، أشب وصالها، وأحب أوصا لها، وأهب لما أوصى لها، وكانت تعاف جاراتها، ويساف الكباء من خطراتها، فلما أقلع سحاب مالي، وطلح ضباب قبح احتمالي، وفلت النوازل وجالت، وقلت البوازل وحالت، ونزر وفري وبدنت، وثقل ظهري بما أدنت، نفرت نفور السوانح، وجنحت جنوح الدهر الجانح، فلما طال لسانها، وقصر إحسانها، عفت عظم هذا الإلطاط وسففت مع هذه اللطلط سحاقة اللطاط، وهانا قلق منها لديك، ومتعلق في صلاحها عليك لأنك أمير الحجيج ومن نعول عليه في الأمر المريج، فمرها بإزالة الضغن ومحالفة الحياء بين الظعن ثم أنه فرش لسانه، وأرخى لسابق السدم أرسانه، وخفف من شكايته الأثقال، وتسربل الأقيال، ودقق المقال، وقال: المتقارب.
صروف الزمان تذل الفطن ... وتعلى الجهول وتوهى اللسن
فما زال في غيه رافلاً ... كثير الخبال عظيم الإحن
فهذا الهبوط بذاك الصعود ... وهذا القبيح بذاك الحسن
وهذا الملال بذاك الوصال ... وهذا العناق بتلك العنن.
قال الراوي: فلما ارتاح الأمير، وفاح من روض ألفاظه العبير، وقرع لعظم بثه الناب وفار من فار إفصاحه الإناب وقال لها: إيهاً عجوز، إن صدر منك بعد اليوم ما لا يجوز، أذيقك السياط، وأسمع الثقلين منك بعد العياط، فمثله يحرم ملاله، ولا يجزم وصاله، ويغتنم حياله ولا تصرم حباله، فقالت: أسبل الله سناء سيادة الأمير، وكحل عين معدلته بميل صحة التدبير، ونزه أذن إنصافه الخطير، أن تنبو عن سماع حديثي الوارف التكدير، فقال لها: إن كان لك مقال فصرحيه وإن كان يشوبه صخب نصب فسرحيه، قال: فتمايحت بعد كشف الوجاح، وإلقاء الوشاح، تمايح الممراح، بالوجه الوقاح وقالت: تالله لقد صدق فيما رواه، ونطق حقاً بما استخرج من زندة زبده وأوراه، فسبب سبب نشوزي عليه، وجلب لجب مخالفتي إليه، إنه سافر عني سفرة مديدة الشقة، شديدة المشقة، حتى ظننت به أنواع الظنون، وقلت: قد اقتنص بمخالب المنون، وعندما عفت عرى إسباله وهوت ذرى أشباله، وأدبر إقبال وجوده، وأقبل إدبار موجوده، وتبرقعت عوارف حيلته، وتبلقعت حظائر حيلته، ولم يبق عليه سوى ابيضاض رثمه، وانعقاد رتمه، قدم من سفرته بانثلام رياس سعده وشفرته، وقد استولد أمة سوداء، تستولد بجسد ضجيعها الداء، تكلفه فوق وسعه، وتشنفه بشنوف شسعه ولم تزل بعدما اسود وأساد، وساود سواد عراره فساد، تطرق بالبنات، وتعامله معاملة العناة، وأطرق له بالبنين، وأكرمه على ممر السنين، فحين اعتاض عني، من تعنفه وتعني، قلبت له مجني، وسكبت لوصله كأس التجني، ولما دارت على ذلك السنون، وشاهد سوء سفهه المسنون، وعشت بمراح مرحهما والأعطان يد حيل حبائل الشيطان، وثار بينهما الضباب، وطار حلو محافظتهما والحباب وغار ضحضاح حبهما والحباب، وعار بين مصاحبتهما الحباب والأحباب، عطف إلي، وتعطف لانعطافه علي، وحين ضمنا الفراش، ونشأ إلى فراشه الفراش نسي ذلك الاجتثاث، وطالبني بما تطالب الذكور الإناث، فقلت له: إن جللتك بدثاري، أو مكنتك من استدثاري، قبل مطالبتك بثأري، مع عدم دثاري المنوط بالنقاط نثاري فعلى امتطاء الساحج، إلى بيت الله المعظم المعارج، فانتهرني وقهرني، وأجبرني وجبرني، فحينثت في يميني، وأصماني الندم الذي ما زال يصميني، ولم يغادر الدهر لنا سوى بازل، نقضي عليه حق كل نازل، فرحلنا فرحين بهجر المقام، مرحين بلقاء حجر المقام فأرملنا من القوت، وتنبل البعير لحالك حظنا الممقوت، فأتحفني بهذا الوصب والشقاء، وأنحفني بعرق قربة قهره والسقاء، وها أنا قد ألفيت أليتي ضيفن ضيف قضيتي، وابتداء اليمين في المشتاة، عند انقطاع حلب الشاة، وقد استمر الضيفن مع الضيف للصيف، فأدرأ فادح جزع الجزع والخيف بالخيف، ثم إنها جادت بدمعها المسكوب وأجادت بسحها المستحسن الأسكوب، وقالت: المتقارب.
خطوب الدهور كذا تمتحن ... كرام الأصول بهذي المحن
فعرفي يضوع على سحقها ... وعرفي جميل وعرفي حسن
فهذا القليل بذاك الجزيل ... وهذا الهزال بذاك السمن
وهذا الكهام بذاك الحسام ... وهذا القنوت بذاك العلن
قال: قلما همدا في نزاعهما، وغمدا صوارم مصاعهما، نظر الأمير إلى الشيخ وقال له: وأيم الله إنما عجوزك لتعجز من تجاور إذ تحاور وتخرس لها تماضر يوم تناظر، وتفضح لدى الأعيان، قس البيان، وتترك رب اللسان، مسلول اللسان، فعد عن كفاحها، واتق حرارة اتقاحها ولا تطع في جدالها، واقطع جيد جيد ارتجالها، فلست من رجالها، ولا خيول مجالها واعلم أن حلاوة الليم، تمحو مرارة السخط الأليم، فما على من خبث لأهله صيير، ولا بفم رأى من جنح لسلمه بخير، وإن يصالحا بينهما صلحاً فالصلح خير، فقال الشيخ: أيها الأمير ما كان من التصابي فات، والذي كان يصلح بيننا مات، ثم أشار بيده إلى قمده، فقهقه الأمير حتى بدا ناجذاه، واهتدى لجد جديل الغرض الذي تجابذاه، وقال له: أنا أجدد الزاد، ومن أنعم وزاد، مشفوعاً بشملة شامت الاشتداد، ومن رفع السبع الشداد، إثم أوحى إلى وكيله بتكميله، وإلى جيله بتعجيله، بعد أن حصل لهما من جلسائه، واتصل بهما من زخرف رؤوسائه، تلو ذلك الاجتداء، جذر خمسة أمثال أحرف النداء وحين جد جمل مجازاته، واستد باب بلك مجازاته ضبع بأم الضباع بالضباع، شاكر الطباع بالاضطباع قال القاسم بن جريال، وكنت علمت حين هجم بعجوزه، وتقدم بكوزه وأبوزه، وانسلت الفرق من معانها وانسابت الضبع بضبعانها أنه المصري صاحب دبور الدبر والقبول، والضارب ببوق نفير نفاره والطبول، فجعلت أعجب لذلك البيوت وألعن تحيل الحية والحيوت، وقلت: لا تركنه يجول، لأنظر ما إليه حاله يؤول، ثم أعرف الأمير نكره وشذاه، ونكره وأذاه، ليمسح عقار قرى قفاه، بقصب نعاله أينما قفاه، فحين أورد من الضرب ما لا يضاهى، وسرد من النخب ما ببعضه يباهى، كففت عن كسف شمس سره، وخسف بدر در دره، ثم إني تبعته لأجدد تقبيل يمينه، وأعقد عليه عقود يمينه، لئلا يخادع بعدها أميراً، ولو كان له بليل ليلى السمر سميراً، فألتفت بعد نيل صرره، فتظنى أنني محث لضم ظرر ضرره، فانخرط في الحشاء بين الأحشاء، بالداهية الحرشاء، المجدورة الرقشاء، فخلت أنه امتطى أثباج الهواء لحفظ ذلك الرماء، أو ابتغى نفقاً في الأرض، أو سلماً في السماء.

حسن خليل
23-11-10, 07:48 AM
المقامة السابعة السنجارية لابن دريد

أخبر القاسم بن جريال: قال: اعتن لي في غرارة شبابي، وغزارة شبابي، إلى مدينة سنجار، طريق سئمت فيه الانسجار، مع جماعة كالسيوف البوارق، بيض المفارق، وأنا يومئذ قوي الجد، نقي الخد، ذو بياض في الجدود، واجتماع في الوجود، وحمرة في الوجنتين، وقبض داخل في اليدين، فولجتها في أخضل ربان وأفضل إبان، فلما هديت بها واهتديت، وشريت بسوقها وشريت، وأترعت أوعية العسجد وأشريت، ألفيت أبا نصر المصري يفتن بين أفنان الافتنان، ويقتن بقنان قنان الاتقان، فحين وقع نظره علي، وطلع بدر ابتداره لدي، قال لي: هل لك في أن نجول بأرجائها، ونستوكف غمائم روائها، لنلتمس فصالة فضلائها، ونقتبس علالة علمائها، فأجبت وليمة سؤاله، وطبت نفسا بحلاوة مقاله، ثم أخذنا نتصفح صفحات الأناسى، ونترشح لما يزيل نزيل صارم المصارمة والقسى، إلى أن شاقنا شائق الصلاح، وساقنا سائق الفلاح، إلى ناد ضاف على الوفود، صاف على كثرة الورود، وبه فئة يعاف عندهم عنترة عشير المبارات، وتداف لديهم عنبرة عبير العبارات، فملت إليهم ميل المغالي، وأملت شراء ذيالك الغالي وقلت بلسان التنوع المتعالي: الخفيف:
حدّقت نحوهم عيون المعالي ... وارعوت منهم عون العوالي
وسمت فيهم رؤوس رؤوسٍ ... طالما قيّدوا كفوف النّكال
وأغتلوا واعتلوا صدور صدورٍ ... طالما شقّقوا قلوب المقال
وأحتبوا وأجتبوا بطون بطونٍ ... طالما حالفوا حلال الحلال

فحين عرفنا فيض فيضهم الأريض، وسفنا إناب نثرهم والقريض، قلت له: أتحب بأن نمتار من طيب هذه الغراوة، المبرأة، عن الغل والغباوة لنشكر هذا الانجذاب، ونسبر ما جمد من نضار مناظرتهم وذاب، فقال لي: قد ملكتك زمام هذه المبادرة، والخبب إلى خبوب هذه النادرة، فانخرطنا في ذلك النصاح، أرباً في ذلك الافصاح، وولجنا لخرف ثمر ذاك الخريف، شعفاً بفائض لفظهم الوريف، ثم لم نزل نتنازع حميا المفاخرات، ونتسارع لاقتناص الفرص الزاخرات، إلى أن اتصل بالبراعة الشرية، والعبارة العنبرية، ذكر المقامات الحريرية، فقال قائل: لله در الحريري حيث راح بأرواح الفصاحة واعتز، وارتاح بأرواح الحذاقة واهتز، وفاز بما استنتج وحاز، وجاز دار الدرر فاستخرج ما استخرج واجتاز، فسبق السابق ببلاغته، وربق للاحق عن إدراك مبالغته، قال القاسم بن جريال: فلما لذعت بحرارة تأذيته وجرعت كدر مرارة تأبينه، ركبت خيول الانتخاء ووثبت وثوب حافظ الإخاء، وقلت لأبي نصر إلي ذا المجال ادخرت كسر نضناض حظلك، ولهذا المحال خبأت در فضفاض فضلك، وما أثرت سحائب افتنانك، وآثرت ضرائب صنوانك، إلا لعلمي أن وسيم اختراعك على حبل ذراعك وثمر اهتمامك على جراثيم ثمامك، فلما فقه مقالي، شهر مشرفي شكره ومقالي، ولمحه لمح القالي، حيث شرر إحراقه القالي، ثم قال: أنا والله هيصر غاب الصفاح، وفيصل شرع اختصام الفصاح، وإنسان إنسان الزمان، وسنان سنان مران الأوان الذي سجدت لرأد إرادته الإرادات، وأسدت لأسود سيادته السيادات ثم قال: وقد أمجد له المقال، وأرهف من حرده الصفائح الصقال: أيم الله لقد خلت لسان إنصافك، وحللت بحلل وافر أوصافك، وركنت إلى عصبصب تعصب ومنح، وسكنت من سوء ظنك بواد غير ذي زرع، ونصبت راية العظم الرميم وخفضت آية الأجدر بالتقديم، تالله إنك لفي ضلالك القديم، فحين سمع كلامه، وكره إيلامه، دار إليه بفنون هونه، وأدار عليه منجنون مجونه، ووقفه على نقاره لافتقاره، وقذفه بحجر عقاره لاحتقاره، ثم قال له: هلا تنعم باستدناء دويك، وتعزم على استدعاء دويك، وتتكرم بكشف نصيفك يوصيفك وتتقدم إلى وصيفك بإحضار تصانيفك، قال الراوي: فبرز أبو نصر بروز العارض، إلى ذلك المعارض، قال له: أراك بسعير سفهك من المتشبطين وبعسير شطن شططك من المنشطين، وبشرب مزاء عدلك من المتمززين، إنا كفيناك المستهزئين، فاسأل السحاب الانسحاب والسكوب الانسكاب، لتعلم أن نسيمك هدأ بهذه الرياح العواصف، وتسليمك أذعن لقعقعة هذي الرعود القواصف، فقال لأصحابه، ومن دلف إلى رحابه إن أتى بما اقترحه عليه، ويستملحه الحاضرون لديه، فعلى إبرازكم إلى خميلة بستان، بكبش حنيذ لا يشاب بامتنان، ثم قال له: اعلم أن كتاب المقامات واسطة عقد علم المقامات، والقهقرية واسطة نظام عقدها، ورابطة عصام سحلها وعقدها فإن أتيت بمائتي كلمة مقهقرة قائدة كل حكمة محبرة شهدنا لك بالمناقب والفهم الواقب، وأيقنا أنك كاسر هذي العلاة، وناسر سبسب هذه الفلاة، وعوان حل حبك المشكلات، والمعان على المسائل السائلات، وكنا بازاء حلل ملحك العزاة وببيداء إشراق إنشائك الغزاة، سائلين لعقولنا المعافاة، متوسلين إلى حرم حلمك غفران ما فات، فقال له: تالله إنك لكمن روع الرباب بالضباب والذباب بالذباب والخادر بالخشاش، والزاحر بالرشاش، وفم الضيغم بالمشاش، وقالع القلل بالاحتشاش، ثم إنه هوى إلى جلفة يراعته، واستوى على خلفة براعته، وجعل يلجج في لجج حكمه، ويؤجج نار جحيم محكمه إلى أن جد امتياحه، وملأ بالحبر باحه، فلما كمل مراده واقتنص بصقور إفصاحه جراده، رمقه بطرفه البتاك ورشقه بسهام فضله الفتاك، وقال له: اكتب:

بالمنح تشرق شموس المدح، وطلاوة الوجود صلاح الجود، وحسن الفتوة منهاج المروة، وسلامة الكريم جبائر الرميم، وحباء المعروف أعباء العروف، وهم الأريب مجانبة المريب، وسلاح السماح مفتاح النجاح، وسحوح الانتصار معين الإنصار، وإقدام المقدام حمائم المحجام وحياة الظلوم حيات المظلوم، ودعاء لصالح مجلبة المصالح، وأسنى الوصال استمرار الاتصال، ولذاذة الأموال اكتساب المآل، وثواب الآلاء إسعاف الولاء، ومكافأة المفضال مولاة الإفضال، وأجمل المكارم محالفة الأكارم، وفخر الآدب تجميل المآدب، وتزيين الذمام مفارقة الذام، ومع الشرف إطراح السرف، ومن النعيم مصاحبة الحميم، ومن الطمع ادراع الطبع، وفي الإكرام انقياد الكرام، وبمواصلة اللئيم، مقاطعة الكريم ومحاسن الحسان استعمال الإحسان، ورفض الاستهتار دليل الأحبار، وسمن الأجسام هزال الأفهام، وإكمال النوال ثمرة الكمال، وكسب الفضل إفعوان الجهل، ولزوم الرقاد مانع المراد، وطلب الزهادة نتائج السعادة، وفي الجلل خوض البطل، وجمال السلطان نضارة الأعوان، وقرب الوشاة مضر الولاة، وقسط الشموس حصون النفوس، وحدائق المحامد غروس الأماجد، وجزاء الاعتراف اتحاف الإسعاف، وأحسن الأفاضل طالب التفاضل. وأنفس العطايا اجتناب الخطايا وأفحش العيوب إفشاء الذنوب، وأسوأ الأوقات نزول الموبقات، وأشد الشوائب محاسمة الحبائب، وأحلى المنن ملازمة السن، ومعيبة الأخلاق مفسده الاختلاف، وسبب الصلات جاذب العفاة وثناء الحسود شاهد المحسود وارتفاع الأعمال انتفاع العمال، واحتمال السفهاء شعار النبهاء، وذم المنائح اقبح القبائح، وإطلاق اللسان أسد الإنسان، وثبات الأقدام قوام الإقدام، قال الراوي: فحين نشر بيننا رنده، ورفع عندنا نده، وعلم أن كل ضب مرداته عنده قال لهم: عليكم النفيسة القيم، الأنيسة اللقم، التي وضعتها بدور الندور، ورصعتها بدور البدور، فإنها دواء المفؤود، وكفاء الوجل المزؤود، صقيلة النصل موافقة في القطع والوصل، منزهة في العكس والطرد، عن قرع حلقة باب السكون في السرد فاصقلوا لها مرآة الانتقاد، والحظوها لحظ الصيرفي النقاد، فلن يميز بين الأسد والنقاد إلا أبصار السادة النقاد، ولولا تقدم الهجود، وتضرم الأحشاء، بالجود، لزدتم من إدرار ديم هذا المدرار، فاللبيب من استغنى عن رباب العراص بسح أسمية هذا العراص وعن درة الغواص باقتناء در وهذا المغاص، فلما وقفوا على نفيسها، ورشفوا لذيذ خندريسها، وغبطوا ملحاء ملاحتها، ومدحوا فيحاء فصاحتها، قالوا له: وأيمن الله لقد امتد مدد درك لدينا ورد يوسف علم الأدب إلينا، تالله لقد آثرك الله علينا، فقال: ما بكل طاغ تطيقون العوم، ولا حول كل حول تحمدون الحوم، لا تثريب عليكم اليوم، ثم إنه لوى أذن صاحب اقتراحه، وألوى برمال المرح لاجتراحه، وقال: البسيط:
يا من إذا بارز الرزايا ... أبرز عزماً خلاه ختم
عجل بما حق لي سريعاً ... فالوعد دين عليك حتم

فقال له: دونك وما ترتضيه، فالشرط ما يقتضيه، فنهضنا إلى بستانه، ورتعنا في مواهب هتانه، وعند حضور القيت وقتل قتله المقيت قال: يا قوم إن لي بهذه البلدة ساحجاً، متألم البلدة، وأخاف أن يبيت في خلائه، عادم تعهد خلائه، فاسمحوا لي باتشاح أشاح العود، في غد أحضر بعد معاودة العود قال: فما خالفوه حيث حالفوه ولكن أتحفوه بما فغر به فوه، فافترقنا فرقين من خببه، مشفقين من نصبه، مفهقين بضروب ضربه، لا نعلم ما صنع الله به.

حسن خليل
23-11-10, 07:57 AM
المقامة الثامنة الحلوانية لابن دريد

روى القاسم بن جريال، قال: رمتني حين عفت الأحيان، وخفت حلول الحمرة بحرم ألحيان، وصلفت البسلة والحلوان، إلى مدينة حلوان، كفة منجنيق القدر المتاح، وكفة سحيق السفر المباح، وأنا يومئذ قرين الهراوة، خدين البداوة مرثوم الأخمصين من النعال، لعدم الانتعال، لا أجد سوى الأنجاد بجادا، ولا أستنجد لجلل الأمجاد نجاداً، فلم أزل أقابل لقصدها قبائل المخاوف، وأقاتل بوخدها مقانب الخوف الخائف، إلى أن عرفت بمكابدة المكائد، وألفت شيم مشابكة الشدائد، فد خلتها د خول الطائر المبهوت، ووصلت إليها وصول موسى إلى الخضر بعد مفارقة الحوت، فحين حللت وضين الأثقال، وأقبلت على مقاطعة عواتق الانتقال، جعلت أتقلب على طنافس المعاقرات، وأتذبذب إلى مجالس المسامرات، واجترح ملح المحاورات، وأصطبح في خمار المخامرات، حتى تزكرت بالنكت تزكر الوعاء وتذكرت النيرب تذكر الخنساء، فلما أرهف القلق شفرة الشوق وشام وسامر ناظري بأرق الشام وشام، طفقت أتطلب مواطن الركاب، وأتقرب إلى أرباب باب الارتكاب، فأخبرت أن السبيل محسومة أسباب أسبابه، لاختلاف عراب أعرابه، وقد حمل إلى سلطانها، وموطد أوطانها، رئيس شرذمة مشئمين، تحفاً يجاوز حدها المئين، ليمدهم بفرسان مستلئمين، فالتحفت بذلك الأزار، وتأهبت لابتياع الأوزار، وأحضرت عيبتي، المعدة لأيام أوبتي، فشحنتها بأسفار الدروس المأخوذة عن العلم المدروس، وأودعتها من الدراهم العظام، عدد عضل جسدي والعظام، ولما حللت بالجواء، تلو العصابة الجأواء، لاوياً إلى اللواء، مستعيذاً من نوازل اللأواء ألفيت، أفئدتهم لذلك الريح، مجبوذة بأزمة التباريح، فبينا نحن نتجوز البيد ونتدرع الجزع المبيد، لاحت لنا سرية، سابغة السنور مضرية، فماد الركب كشرب ارتضعوا المدام، واختاروا على الفشل الاصطدام، حين حملقت الصفوف، وحمحم الزفوف والصفوف، برزت كبكبة للنزال، ونادت نزال نزال، فالتحم الفريقان، وتوج القسطل جبين الزبرقان، وتعثرت بالعثير العقاب، وتغشمرت بعقبان العقاب العقاب، وما زال مجاج العجاج يحتدم، وأمواج الانزعاج تضطرم، وتبار الحذر يلتحم، وبنار المعركة يزدحم، حتى بار نار فاقدي السلاح، وثار ثار واقدي الكفاح، وفر السفر فرار السلمى، وذر الفرق وأسر الكمي، قال القاسم بن جريال: وكنت لحظت عند حدة القتال، وحدة القتال، ومعمعة الأقيال، ومغمغة الأقتال، رجلاً أشمط، كليث أضبط، وذئب أمعط وأيم أرقط، على فرس أنبط ضافي الشليل يتدفق تدفق السيل السليل، تخاله بين قواضب الأعداء، ومغابن النثرة الحصداء، كالعملس العداء، تحسبه بذلك السربال، المحشو بالنبال، كالأسد الرئبال، لا يلجأ إلى الثغور، ولا تخطئ سهامه ثنايا الثغور، يطير طرفه من النشاط، ويسبق سهم ممتطيه قبل مس السراط، فما فتئ يقدد قدود المناكب، ويخدد خدود المواكب، إلى أن سقط طرف لفامه، وقنط لده بعد انضمامه، فألفيته بعدما مر يمري مهره ويستوشيه، وطر أبكر الظعن بحواشيه، الفارس القيسري، والمداعس القوسري، أبا نصر المصري، فجعلت أعجب من قتاله، وشدة إقباله، ولم أزل أتلو، أكساءهم، وأقفو أقفاءهم، لأنظر مآل العرجة، في طلب الحرجة، حتى دنوت إلى أماكن مراحهم، ومراكز رماحهم، فأخذت أخب بأخبيتهم وأجول بين أبوبتهم، إلى أن رأيت أبا نصر المصري قاعداً على سرير الإمارة، تعرض عليه أمتعة السيارة، فتلثمت وجلت، ولثمت يمينه وقلت: شيد الله معالي الأمير الأروع الممير، ذي الوجار الشجير، والنجار المجير، ولا برح لكل خائف وزراً، ولكل حائف ذكراً، ولكل كئيب كبشاً ولكل سماء عظيمة عرشاً، أعلمك لا زلت على المكان، رفيع الأركان، ما غبطت الكرماء بالمعروف، وربطت الأسماء بالحروف، أنى ممن اترعت يم قذاته الأحزان وبرقعت وجه لذاته الأزمان، وأبلسه طلب التفضيل، وألبسه الفكر جل جمل الوجل والتفصيل، وجلية قصتي، وعدم إساغة غصتي، أنني رحلت بهذه القافلة، قافلاً لطلوع السعادة الآفلة، أسبل سرابيل العفاف، وأرفل في ثياب الكفاف، فابتزني زند وقيعتك الجرساء، وساعد سريتك الخرساء، جلساء تحوى الإصباح والإمساء، ولا تهوى إلى الإساءة مع من ساء، ادخرتها لجلاء الناظر، واجتلاء أبكار التناظر، تكلمني بلا لسان، وتصافحني بغير بنان، يفسدها الربع المسدود، ويصلحها الوعاء المشدود، أحملها وتحملني، وأجملها وتجملني، لا تمنحني إن مللتها هجراً ولا تتحفني إن هجرتها هجراً فكيف استبيت ما اكتفيت به حظاً، وألغيت تعلقي بما أتقنته حفظاً، إلغاء عمل علم المعلق بلام الابتداء لفظاً، وها أنا وقفت بمنيف حوائك، ووقفت ثنائي على شريف حوبائك، فجد بقفولها علي، ووصولها إلي، فأنت أعلى من غاث، وأحلى من أغاث، وأسمى من ارتاش، وأسنى من انتاش، قال: فلما حقق رموزي، واستحسن نهوزي، قال لي: يا ذا البنان، المزري على العنان واللسان، والسامي على السنان إن عروس غروسك، وشموس طروسك حاضرة لديك، فقر عيناً بعودها إليك، فألقيت إذ ذاك لثامي، واستدعيت له قيامي، فبادر إلى التزامي، وسألني عن زعزع انهزامي، ثم قال لي: كيف رأيت كر ذلك الكريب حين أحرقك حر حريب هاتيك العريب، فقلت: أحر من وطء الوطيس، وأضر من ضرب ضروب الملاطيس، فقهقة قهقهة الجذلان، وصفق تصفيق الغدير الملآن، ثم نظر إلي نظر الخجلان، وأنشد إنشاد المسرج العجلان: الخفيف:ولا تتحفني إن هجرتها هجراً فكيف استبيت ما اكتفيت به حظاً، وألغيت تعلقي بما أتقنته حفظاً، إلغاء عمل علم المعلق بلام الابتداء لفظاً، وها أنا وقفت بمنيف حوائك، ووقفت ثنائي على شريف حوبائك، فجد بقفولها علي، ووصولها إلي، فأنت أعلى من غاث، وأحلى من أغاث، وأسمى من ارتاش، وأسنى من انتاش، قال: فلما حقق رموزي، واستحسن نهوزي، قال لي: يا ذا البنان، المزري على العنان واللسان، والسامي على السنان إن عروس غروسك، وشموس طروسك حاضرة لديك، فقر عيناً بعودها إليك، فألقيت إذ ذاك لثامي، واستدعيت له قيامي، فبادر إلى التزامي، وسألني عن زعزع انهزامي، ثم قال لي: كيف رأيت كر ذلك الكريب حين أحرقك حر حريب هاتيك العريب، فقلت: أحر من وطء الوطيس، وأضر من ضرب ضروب الملاطيس، فقهقة قهقهة الجذلان، وصفق تصفيق الغدير الملآن، ثم نظر إلي نظر الخجلان، وأنشد إنشاد المسرج العجلان: الخفيف:

أنا والله ليث كل غريف ... وقنوع بعشر عشر رغيف
وأمير الكماة والكبش فيهم ... ومجير من كل خطب مخوف
وسبنتى الحروب ثمت نصر ... ذو انسكاب لنصر كل ضعيف
وجمال الندي أنشر فيه ... كل فن من اللطيف الطريف
لم تر الناظرون مني مقيماً ... غير هم وهمة وعيوف
وسداد وسؤدد وسهاد ... وسريع إلى السلاح زفوف
وسماح وساحر وسهام ... وسنان لحاسدي وسيوف
هذه شيمتي فمن شك فيها ... فشهودي أشلاء صيد الصفوف

قال: فبت حل حيرني بحبر ربيعه، وخيرني بين سنة سهره وتبيعه، أرتع في ميادين مشاكهته، وأرضع من أباريق مفاكهته، حتى ساور الوسن بطون الأجفان، وبادر أبو اليقظان إلى الأذان، ولما اتضح السبيل، وافتضح الهم الوبيل، أحضر الكتب مشدودة بحالها معدودة بكمالها وأوحى بأن تحضر مسرجة، وجرجة بنخب خوانه خدلجة ثم أومأ إلي بالركوب، بعد ارتضاع كأس كيسه والكوب، وأشار إلى فرسان، أحلاس الذكور حسان، لتوصلني إلى تخوم المتدبرين، آمناً من غوائل الغائرين، فودعته وقد امتطيت ذروة الأعوجية، وأثنيت على مكارمه الألنجوجية، وأخذت أخطو خطو الفوارس، وأسطو على السهر الممارس، إلى أن وردت مياه العمارة وأردت إلقاء العمارة، فنزلت عن ظهر العارة وحمدت غور غبر الغارة.

حسن خليل
23-11-10, 08:02 AM
المقامة التاسعة العمادية الإربلية لابن دريد

حكى القاسم بن جريال، قال: صبوت مذ نبوت عن العطن إلى المعالي، وعلوت اذبلوت المنخفض من العالي، واحتذيت لاحب التجارب، وأفنيت حلل حلل المحارب، وجريت بين المضارب، جريان الأرواح في العروق الضوارب، فلما فررت من دعابة الهازل، وفررت ناب ناب الخطر المنازل، وعرفت حقائق الأمور، ورشفت ظلم ثنايا الفرص والعمور، أيقنت أن لا نظير للمصري في رائق نفثاته، ولائق منافثاته وبدور كراته، وظهور ثمر مذاكراته، وظاب مطارحاته، ورضاب مناوحاته، وكنت كابدت من صريح صده المقيم، وريح انتزاحه العقيم، ما يكابده قلب السليم، ويردى على ضيق ذرع الحليم، ويعانيه البطين من شدة الذرب، والحزين من حرقة اللهب، فاستولى علي حباب الممات، واحلولى لبعد شقته ارتشاف الوفاة:
الطويل:
وبت كفرخ ظل في وكر أيكة .... تصفقها هوج الرياح العواصف
أبيت قنيص الصبر حتى كأنني ... صرمت نصاح الصبر من عصر آصف
وكيف أرى صفو الصلاح وقد صبا ... إلى صرفه صرف الصروف القواصف
ثم إني جعلت أجول بالمخذم الخشيب، وأميل لنشوة شراب الشباب المشيب، منقباً عن بقائه، مترقباً طلائع لقائه، إلى أن رضني رشق جلاهق الإخفاق، وحضني خفق مناسم الإندفاق دفاق دفاق، إلى إربل ذات العلاء والعارفة العلياء، غب غلب الاغتداء وإعنات الذعبلة الرعناء، مع عصبة علوا لبان الاعتراف، وعلو لبان أخلاف الاختلاف، وانتعلوا أعناق المقاطع، واتصلوا اتصال الرياس بالصارم القاطع، فبسملت عند الولوج، وحمدلت لمفارقة رقة الثلوج، وأسرعت في الساع، بعد مقاطعة الإسراع، إلى تحصيل كناس ولم آل فيما رمته كناس، وحين حصلت الجواد، وواصلت الفؤاد بما أراد، ملت مع اجتلاء الزرجون والاصطلاء بحر حمر جمر المجون، إلى محالفتهم، ومحاسن مناوحتهم، لأكشف نصيف إنصافها، وأعرف رصيف انتصافها، فألفيتهم ممن اقتنوا الصلف غراراً، والرشد مناراً وناراً، والشرف شجاراً والمجرة وجاراً وجاراً، لا تذر بذر إحسانها بجلمود، ولا تفرق بين سائل البسالة وجمود، تعلو على القمم، باقتناء الهمم، وتسمو على الأمم، بإحياء الرمم: البسيط:
كأنما رضعوا من حيثما وضعوا ... ثدياً من الصدف في صدر من الذمم
أو قمطوا بقماط ضم جؤجؤهم ... حال من الحلم محبوك من الحكم
أو هدنوا بمهود هز أحبلها ... كف من الكف في كوع من الكرم
قال: فأقبلت أشتري جمل جماناتهم، وأقتدي قبب مقاناتهم، وأقطف ملح حاناتهم، وأرتشف شبم ديم مداناتهم إلى أن غال غول البين، واستطال سلطان التشوق إلى النيربين، وهجرت طيب الأطيبين وولى نهار اصطباري مكلوم العقبين، فبينا أنا أفكر في الانقلاب، ولو مع عدم الاحتلاب، وأتعلل بالارتحال، ولو مع تفاقم الحال، ألفيت وفداً وافر الوصائف، وارداً من دار الخلائف قد تواصلوا من أفخاذ البطون، وتقاطعوا تقاطع عضل البطون، فقفوت أثرهم في الخبار، ومقوت عنه قاضب الاستخبار، على أن أسوف عرف، خبره، أو أطوف ببيت من ظفر بمحبره فما انتهيت في طوافي، ولا أنهيت ميدان تطوافي، أو وجدت وصيفه رافلاً في وشاحه، متقلقلاً لثقل سلاحه، فانطلقت به إلى معاني، وأقبلت أنشر له مطوى الشوق الذي أعاني، ثم إني أحسنت عليه القيام، وأقعدت من جسد المقاطعة ما قام، ولما استعملت سير مولاه، وما أولاه يوم ولده، مدحه مدح القارب الديمة، والترائب اللطيمة، وزعم أنه مع محاورة الحرمة الحوراء، رب دست الوزارة الزوراء، وقد أرسله لمهم مع مهامه ليؤوب قبل انسلاخ عامه، فشكرت الله على إقامة سوائه، واستقامة أحوال، حوائه، وأودعته يوم الوداع، كتاباً يشهد بشدة رداع ذلك الصداع، فما نسلخ مسك سلخ شهرين، ولا نضخ مل عيون العين، حتى واصل بجوائه البريد، واتصل بوصوله، ما كنت أريد، ففضضت إحكام ختامه، ووقفت على أحكام أوله وختامه، وصنت نسخته مع ما أصطفيه، فكانت نخب نفائس المسطور فيه: أفدى الكتاب الصادر عن المقام - الأرفع الممجد، والهمام الأروع الأمجد، بل الكريم ذو زادني إقبال قدومه خلة، وألبسني من سرابيل سح إحسانه حلة، الذي أسعد الله مرسله مدى الأدهار، وأمده بمزية مخضلة الأزهار، كلما مننه وردت أقبلت أذود ذود متربتي، وأجود بها على أهل تربتي، فجعلت حين أقبل نحوي ألثمه كالحجر الأسود، والجؤذر المخلد، وأسكنته عيناً بت أنزفها، مذ غاب بدرها ويوسفها ألفاً لفضلك السابق، حيث مننت، وظلك الباسق الذي أنعمت، بامتداده أنت، وإلفاً يمد لصوب مصيرك كفاً ويروم من غيث غوثك وكفاً، فلقد أثار نضيره الإبريز، وعبيره العزيز، لأشواقي غمام الادكار، وأنار بوروده غياهب السرار، أفاض الله سني نعمتك علي، أولى مودتك فيض العباب، وأسبغ علي دروع منتك العارية عن العاب، ورد على يعقوب الكلف وجه يوسف، قرب قربك الصلف، ومن بقميص وصلك على عيني محبك الدنف، فخلته حين وصلت سطور تبره، وحصلت بدور نثره، بعد ساعد كلا، ورائد فلا، قمراً بزغ ببناني، وشمساً أشرق بشروقها مكاني، ونجم نجم جده فهداني، فلا برحت تجلا على سرر السؤدد والمنائح، وتبلى بين رماح المحافظة والصفائح، ولا زلت ممن تسود برؤيته الأسود، ويجود بجود جدواه الوجود، وأنا راج ممن به الإسعاد، أن تضمنا الدهر بغداد، لأنهض بواجب خدماتك، وأنعم بكاعب إفاداتك، وأصول على الهم ممتنعاً، وأجول مدرعاً مع حسام وصل يحسم حسم السواد، ويوطد سد يأجوج عناد الإبعاد، رزقت عزاً سلسل تناقله الرواة، وتخضع له العداة، وجدد جلباب جدك الذي بعدما تطرز، وافى شرفه لمزايلة الإشراف، وتعزز بالعز المنزه عن الإسراف، لا فتئت منصوراً بالتأييد، على مر الأزمنة والتأبيد، لتهزم جيش السقم عن ذوي القشف، وتحسم طيش النقم عن ذي اللهف، لأنك أولى من عدل عن الحيف والجنف، وأعلى من اعترف بالشرف لأرباب الشرف، قال القاسم بن جريال: فلما رغبت في إنابها الفياح، وطربت لتلاطم طمها السياح، وأعجبني ما اعذوذب وساغ، وأطربني بصنوف ما صنع وصاغ، جعلت أفكر في خلوها عن قريضه، بعد ما عودني من بدائع تعريضه، فقال لي الوارد بها علي، والمتأود تحت سحابها إلي: أراك واكف الأفكار، وارف الافتكار، فما الذي أزعج غوارب تيارك، وأتجج ذوائب نارك، حتى لقد حاق بك صدر ادكارك، وضاق بعد السعة نظام تقصارك، وتغير حسن أسلوبك، وتزيد زبد شؤبوب شحوبك فإن كان بها ما يفضي صونه إلى الأمان فاستعينوا على أموركم بالكتمان، فقلت له تالله لقد أسأت في مقالك، وأخطأ برثن رئبال بالك، لكنني كنت ألفت مذ به كلفت إتحافي في خلال رسائله الرابية على مسائله بأبيات، تظلني بأشرف رايات، ولم أر بهذه الألوكة أرياً من هذا المطلوب، ولا شاهدت بشهادها شيئاً من حلب ضرع قريضه المحلوب، وإني لأخشى أن تغيره المناصب، ويستوي لديه الجازم والناصب، وحاشاه من مشابهة الأسقاط، والمزاحمة على لقاط هذا اللقاط، فقال: اعلم أنما غشيك من يم ظنك وهم، وكبا بوهم حدسك نضو فطنة ووهم، فطلق ما أهمك وهمك، وخالع عرس ما أهمك وهمك، قال: فراجعت مكاتبته الفريدة، لأستولد مقالته المفيدة، فإذا طرفاها، قد نطقا به وفاها، ونشر عرف المعرفة وفاها، وفتح مفتاح الحكم نطقها وفاها، فكانت: البسيط:ابهة الأسقاط، والمزاحمة على لقاط هذا اللقاط، فقال: اعلم أنما غشيك من يم ظنك وهم، وكبا بوهم حدسك نضو فطنة ووهم، فطلق ما أهمك وهمك، وخالع عرس ما أهمك وهمك، قال: فراجعت مكاتبته الفريدة، لأستولد مقالته المفيدة، فإذا طرفاها، قد نطقا به وفاها، ونشر عرف المعرفة وفاها، وفتح مفتاح الحكم نطقها وفاها، فكانت: البسيط:
أفدي الكريم الذي أقبلت ألثمه ... ألفاً وألفاً لأشواقي أولى الكلف
فخلته قمراً تجلى برؤيته ... بغداد مع سلسل وافى على اللهف
بل حلة وردت نحوي ويوسفها ... أنت العزيز على يعقوبك الدنف
فلا برحت تسود الدهر مدرعاً ... عزاً تطرز بالتأييد ذي الشرف
فحين سهرت لنشوة إنشادها، وسكرت من سلافة انحشادها، أيقنت أنه مسدد الأسجاع، مؤيد بمخاذم الاختراع، سارب في مسارب هذي لأساليب، شارب من مشارب هذه الشآبيب، يتسلط على الإنشاء، تسلط النهشل على الشاء ويترنح بهذا الانتشاء، بين رقل وشيه والأشاء، ولما عجبت بانتصاب تمييزه، وانصباب لباب وجيزه وتعجيزه، وتهذيب ألفاظه وتنويهه، ونبيه إيقاظه وتنبيهه، أخذت أفكر في محض محض خطابه، وبض نض نضير ما خطابه، وفتح باب رد جوابه، وقبح إهمال رفع قدر جوابه، فكنت كمن رام من الربع الدارس كلاماً، والجهام المتقاعس انسجاماً، وعلمت أن جمانه لا يعارض بجزع حقير، وفيضه لا يناقض بنضح جزع يسير، فتقمصت قمص الإنصاف، ونقصت نقص ضرب الأنصاف في الأنصاف واقتصرت يوم ظعن غلامه، ونشرت للرحلة أعلامه، على بيتين اقتضبتهما، وكلفت القريحة لهما وهما: البسيط:
أنى أقابل بحراً فاض لؤلؤه ... بنغبة من غدير غير فياض
أم كيف أرفل في ثوب به قصر ... من الفصاحة رث غير فضفاض
ثم إني جانبت الجفول، وودعت القفول، وأودعتهما الرسول، وجعلت الوسيلة في لقاء الرسول.

حسن خليل
23-11-10, 09:13 AM
المقامة العاشرة الشاخية لابن دريد

حدث القاسم بن جريال، قال: نبذني كر الفكر الأليم، إلى هوة هول الوله المليم، لجزع هائل، وترح غائل، يغيب لوقوعه الجنان ويشيب قبل إنسانه الإنسان، فم أزل أصحر بقفر وهم لهم، وأبحر بحومة هم لهم، إلى أن عدت أقنع بعد الإقامة بالنهم، والكنانة بالسهم، والسليم بالوشيب، والجديد بالقشيب، فحين أظم محيا الحظ الناقص، وعظم ضرع التفرع القانص، بادرت إلى احتذاء سبتية فتية، وامتطاء حربية أبية، حذراً من تسرمد الوسواس، وتجلمد مدر ذلك الإفلاس، لعلمي أن النحرير من حبس سيب بؤسه خوف الطغيان وطمس عين تنور عكوسه قبل الطوفان، فلما استويت على لاحب الإنسراب، وانثنيت لقطف ثمار خوض السراب، وانفجرت شآبيب الشؤون. وانكسرت صعاد الصبر الخؤون، أخذت أمعن في تذكر المصافات، وأطعن العطن بعامل الالتفاتات، حتى أفنيت التعلات، وأبكيت قائد اليعملات، ولما كل كلكل العبرات، واستل سيف السهو سرف فارس الحسرات، جعلت أنشد أبياتاً كان أنشدنيها أبو نصر بحاء، حين فارق أطيفاله الطلحاء، وهي: الرجز:
لا تندمن على الدمن ... كلا ولا طيب العطن
وازج الركاب فإنما ... يجني الفضائل من شطن
وانض الهموم فإنها ... خيل تشن على الوسن
كم قد لبست خويصتي ... أبغي النجاة من الزمن
ولكم قطعت تنوفة ... حذر العدو وقد عدن
ولكم نشدت ببلدة ... عند الوداع وقد ابن
يا بلدة تعلي الجهول ... وتخفض الفذ اللسن
لا حلك السح السكوب ... ولا انزوت عنك القنن
فالموت دون شماتة ... تصمي الفؤاد من الحزن
يا طالما ذل العزيز ... ورهطه لما قطن
بين اللئام فلا سكن ... عنه العنا لما سكن

قال: فلم نزل نتذكر مكاشرة الجيران، ونصافح بين الذفاري ونمارق الكيران، ونسترق رقاب المخاشن، ونشق جواشن الجواشن، إلى أن وردنا مناخ شاخ، وقد شاب شعر اصطباري وشاخ فدخلتها متفرداً عن الأخلاط، متجرداً من نصاح المصاحبة والعلاط، فحين حمدت هدية ذلك المنهاج، وسررت بسنا سراج السلامة الوهاج، أقبلت أتأمل أريحياً يمنح مما كفاه، أو حاتمياً تملأ كف تكفكفي كفاه، عساه أن يزيل عنه لباس الأدناس، أو ينيط على جسد المجالسة سرابيل الإيناس، فبينا أنا أقوم على قدم الاندمال، وأحوم حول حواء الاحتمال، ألفيت أبا نصر المصري مشتملاً بشمال الانحسار، مكتحلاً بإثمد مرود مرارة الانكسار، مرقعاً بطاقة الاختلاق، متبرقعاً ببراقع الأملاق، متمعدداً بظهارة الأخلاق، متردداً بين الإقامة والانطلاق، فشددت إليه شد الشملة الملساء متمثلاً ببيت من سينية الخنساء، فما برحت ترشق سهام الدموع الخدود، حتى ملأت من دف ودقها لأخدود، فلما انقطع شؤبوب الشهيق، وطلع نبت بيت سؤاله عن ذلك الطريق، أخبرته بسبب طلوع ذلك الويل، وغروب سهيل ذيالك الأهيل، فجعلت أمواج رناته تغول، وأفواج أناته تعول، فحين قر موج قراقر العويل، وسألني عن وصلة عاتق التعويل، انطلق بي إلى وكر أضيق، من خرت خياطه، وأقذر من ينابيع مخاطه، كأنما أسسه الزاهد أوطان أوطان حيطانه الهداهد، ثم أحضر بساطاً كاد يتقلقل من القمل، وسفرة يحملها الحولى من ولد النمل، لا يعرف لخفتها طعم الأين مشحونة ببيضة وكمئن، مع مرقة لا يعرق بحمام حميها ناب، ولا يغرق بقعر مددها ذباب، فقلت لروعي: إنا لله من خسة هذه السفرة والحلول بحرج هذه الحفرة، قال: فكأنه حدث بما حدث خلدي، وضعفت لجلله جحافل جلدي، فأخذ بيدي، وخاطبني بطيب لفظه الندي، وقال لي: يا بن جريال دع ماء الملامة ونهله، واحذر الزمن وجهله، وخد من وكف كف القدر سهله، واعلم أن الله يبغض البيت اللحم وأهله، ثم قال لي: دعنا ندع دعوة الملق، ونضع عصي هذا اللمق ونزع بقية الرمق، بمراقة هذه المرق، فأثنيت على مفاخره، وأتيت على أوله وآخره، ولما حان وقت المساء، وابتهجت لعدم الجمع بين المائدة والنساء، وصبرت على أذى ربعه المعيب، ورتعت في حمى حكمه إلى المغيب، ألفيته يسكت لأبكار افتراعه، وينكت بيراعه على ذراعه، ثم قال لي: أتعلم لم ملت عن مسامرتك، وعدلت عن مذاكرتك، فقلت له: أظنك تفكر في انهدام دار يساري، وإقدام أقدام عساكر إعساري، فقال لي: تالله لقد أصاب سهم سهمك، وما وهم وهم وهمك، وفي غد يرافقك الهناء، ويواصلك الغنى والغناء، وحين ولت ألوية الظلم السود، وكرت كتائب الشفق المعندم البنود، ناولني رقعة سنم مطي وطيها، وأحكم إلصاق غطي طيها، وقال لي: اذهب بها إلى باب رب هذه الولاية، المحسود على غوامض الولاية، واتنى بجواب أبياتها، لتحمد حلاوة آياتها، فتناولتها ومضيت، وسللت حسام اهتمامي وانتضيت، ولما شارفت وصيد داره، وسفت عبير إدرار مدراره، خفت أن يكون قد أودعها لمحنتي آفة، أو اخترعها لمخادعتي خرافة، فحللت حبك نطاقها، ومسحت جرمى ختمها وطاقها، فإذا هي: البسيط:

قل للأمير الذي أضحت مكارمه ... تطبق الناس خبرا والدنا خبرا
والمنعم الكامل الفذ الأريب ومن ... يقابل الليل ذكرا أو الوغي ذكرا
ومن له خضعت أسد العرين سطا ... يجزع القلب صبراً والعدى صبرا
ومن له منطق ذاك وذو شطب ... يصير البيض حمراً والحجى حمرا
ومن حبا وحوى مسعاه سأو سناً ... يجدد الجود عمراً والندى عمرا
ومن سما ونما فضلاً ومعدلة ... يزور الضد غمراً والورى غمرا
ومن همى وطمى طولاً ومطيبة ... يغادر الحر جبراً كيف ما جبرا
ومن غلا وعلا قدراً ومقدرة ... يروي الأرض نصراً والعلى نصرا
ومن حلا وجلا عن صدره وجل ... يجلل المدح قطراً حيثما قطرا
ومن قلا وقلا قلباً تقلبه ... أنامل البغض خطراً كلما خطرا
ومن فلا وفلا بالسيف مفتخراً ... يصر الصف هدراً كلما هدرا
ومن سرى وشرى شرياً لشانئه ... بشدة نشرت شزراً متى شزرا
ومن قرى وفرى فرياً له شرف ... يضوع الأفق نشراً أينما نشرا
ومن جنى وجنى في الحرب مشتهراً ... يطوق البهم بهراً والبها بهرا
ومن أنا وأنا في قربه قرم ... أشاهد الشوق بدراً كلما بدرا
إني غريب وإني مذ خلقت لقى ... أكابد الفقر قسرا كلما قسرا
وصبيتي يومهم بؤس يشتتهم ... يخلف الربع صفراً كلما صفرا
فاطرد خيول الأذى عنهم فما برحت ... تصافح الذل قهراً كلما قهرا
واسمع فأنت الذي ما زال مقتدراً ... يجاوز الحد قدراً كلما قدرا

قال الراوي: فلما سرت بانصبابه، إلى رحيب بابه، دفعتها إلى الحاجب، بعد مراعاة الأدب الواجب، فولج بها إليه، ونثر من جميل جمانها عليه، ثم غاب قاب أكل يعفور، أو قيد حل قيد نفور، ثم بزغ بزوغ الغين بصرتين، من النقرة والعين، فأماط عني الحذر، وألقاهما إلي واعتذر، فرجعت إلى بيته الأعليط، ببطر مطي الطرب والأطيط، فقال لي: أراك تهز عطفيك، أملأت الجزازة كفيك، قلت له: إي ومن سهل لك الوعور، وفتح لأدابك الأعين العور، ثم ألقيت إليه الصرتين، فقال: أي ما تحب من تين فقلت له: كليهما وتمراً لأجمع من جدة جدواك ثلجاً وجمراً، فنفحني بهما وابتسم، وأعرض عن عرضهما واحتشم، ثم إني نهضت إلى سوقها، بأكارع المسرة وسوقها، لأخمد من قرم القرم الهياج، وأحسم من دم داء المجاعة ما هاج، فعدت وقد بلقع أرجل الدار، وكتب هذين على جانب الجدار: الكامل:

النصل يصدأ إن أقام بكنه ... حيناً وينبو في اليلامق رشقه
وكذلك أنت فلا تلازم منزلا ... إن ضاق غربك فالإقامة شرقه

قال: فما لذ لي بعده الركون، ولا احلولى بعد تسياره السكون، فجعلت تخد بي الأمون، لأكنف من كنت له أمون.

حسن خليل
23-11-10, 09:15 AM
المقامة الحادية عشرة الرسعنية لابن دريد

أخبر القاسم بن جريال قال: أناخ بالشام برهة من الأعوام، جمالات جدب بشرت أديم الجمام، ونشرت سرابيل السغب، على طرف الثمام، وأجزلت وساوس الإعدام، وأهزلت بها معالم الأعلام، حتى بلغت القلوب الحناجر، وشام الملأ على الجيف الخناجر، وظعن خضل النضارة، وفر، وعدن نبع تبع الضراعة وقر، فلما احلولكت حنادس الجلاء، واغدودنت غلائل الغلاء، واستدت المسالك وادلهمت، واشتدت الحال وهمت، وانتابت الغير وأهمت، وأذابت النقم قمم المقدرة فانهمت، انسللت من القراب، ومللت حلاوة الاقتراب، فبينا أنا أنسرب بالفلوات وأنتحب نحيب المقلاة، ألفيت شيخة كالسعلاة، تلو خود كالكهاة، وعزة كالمهاة، وأمامهما شيخ كالعرجون، يجر أردية الشجون، ويسرح بجلابيب حظه الجون، بين منى منى قلبه والحجون، فحين لحظت جودة احتمالهم، واكتحلت بخساسة أسما لهم، نحوتهم بجفن التجمل المشتور، لا رفع غطاء سرهم المستور، فألفيته المصري رب الفنون، الجامع بين الضب والنون، فاتصلت به اتصال القلم بالنون والحنك بالعثنون، ثم إني عدلت عن عثوائه، وسألته عن تعاظل وعثائه، فأطلعني على محاسمه حائه وانتحائه، ومصارمة صلحائه مع برحائه، فانثنيت محقوقف السواء، وألقيت إليه يقود القرواء وقلت له: دونك امتطاء ذروتها، واجتلاء جربتها، فأحلهما قراها، واختلى لها خلة النصب وقراها، ثم أخذت أحدثه بما أعاني من الخطوب، وتعذر المخطوب، ومغالبة اللغوب، ومسامرة السغوب فأرهف قواضبه الصقال، واستفتح المقال، وقال: الكامل:
تباً لدنيانا المليمة إنها ... سجن الرفيع وجنة للساقط
داراً تزخرف للئيم وتنزوي ... عن ذي الفصاحة والكريم الفارط
كم قد تعم بقسطها من مقسط ... مر الزمان وقسطها من قاسط
ولكم تخص بحلوها من قابض ... نكس يشح ومرها من باسط
ما نال منها الفذ إلا مثلما ... نال الهزيم بجنح ليل خابط
ما تطبيه لنغبة من سحها ... إلا وتنفحه بقلب القانط
فالبؤس فيها والنعيم كلاهما ... عند اللبيب كقاب ظل الحائط
فحذار منها ما استطعت فإنها ... لدن الأريب ككفة للأقط
قال: فلما نثر جمان أبياته، وبهر بانسجام شكاياته، ونصص أواذي غصصه، وقصص وجوه جدر قصصه، لحظني لحظ الشفيق، بالوجه الصفيق، وقال لي: يا بن جريال، لا تطل لترك الحياء حبل الحيرة، وقصر لطرفها طول طيل الطيرة، فقد أرغم الشرع أنف الغيرة، ثم قال: ألا تحب بأن أصاهرك، وأطلع في سماء المصاهرة زواهرك، لأزيل بلابل ميلك، وأطيل ذلاذل ذبلك، وأنا أقنع بسنا سهيلك، ولا أطمع في هيلمانك وهيلك، فانظر بمن أروجك، وبأي الدرر أتوجك، فإنها أخفر خريدة وأفخر فريدة، ثم إنه رفع نقاب الفتاة، فتأودت تأود القناه، فما تمالكت أن قلت له: من لي بذلك، والاستضاءة بوميض ذبالك، فقال: طب نفساً، وأنعم بها عرساً وغرساً، فإذا جزعنا البراح، وجرعنا راح الراحة والقراح، نواصلك بمحضر من الشهود، ولا نفارقك إلى اليوم المشهود، قال: فارتفع بما قال قدري، وانشرح بما صدر من صدره صدري، ثم أخذنا في ذم ذميلنا، وإلحاق سيل المسايلة بحميلنا، ولم نزل نمج ذلك الخندريس، ولا نذيق التعريس العنتريس، حتى وردنا راس عين، مرملين من زاد وعين، فحثنا قطيع القطوع الفظيع ومهمه المضيعة الذي به الماهر يضيع، إلى خان: لم يتجمل دهره بدخان، معروف بالمفاليس، تطوف ببيت حوبه حزق المناحيس، فلبست قدر حلب شاة، أو صرام بلح أشاة، ثم انساب بعياله، يسحب غلالة اغتياله، فجعلت أقفو إثرهم وهم يوجفون، ومن التحيل يرجفون، لأنظر ماذا يصفون، وبأي أشجار الحيل يصفون، إلى أن دخلوا دار ولايتها، ومدار إيالتها فوقفت تجاه الوصيد، لأبصر مضمون بيت القصيد، فلما وقفوا لدى الوالي، وانهل لؤلؤ دمعهم واللآلئ، سن الشيخ سنان زفراته، واستن في ميدان عبراته، وقال: السريع:
يا أيها الندب الذي خيمه ... طال على النسر بنشر جميل
ومن إذا حل حروب العدى ... طال على الصف بصافي الصهيل
أنهي إلى ساميك يا ذا النهى ... ومن شاء الشم بلبس الشليل
قد كان لي نجل يحب العلى ... يهوي إلى الفخر هوي الخليل
بقامة أعدل من صعدة ... وسالف شبه الحسام الصقيل
ففاجأته الحين في خيسه ... فخر كالجذع السحوق الطويل
وعاد بعد السبر في سربه ... ملقى لقى مثل الكثيب المهيل
ما تحته غير بساط الشقا ... سحقاً له من حلس بوس وبيل
من بعد ما كان كثير الثرا ... ينوع كالغصن بعيد الأصيل
يجر في روض النعيم الصبي ... ويكسب الجد بجد أثيل
فوا رميتي أنه ميت ... ما زال في الأحياء عين المنيل
فلم يزل الوالي وغشاته يحولقون، وحشده ووشاته يترققون، وبرقتهم ورقتهم يترفقون، ثم إنه أبرز من أبريزه، ما يرصد لمصالح تجهيزه، فانصرفوا غب قبضه، واعترفوا بنض فضله وعرضه، قال: فلما رأيت قبائح فعالهم، وتساوي رؤوس رياستهم ونعالهم، آليت ألا ألتفت لشبقها والتل، أو تأتلف العبن والحاء في الثلاثي المعتل، فراجعت الخان، وبردت ذلك الأسخان، فوجدته قد أغبر، واحتذى الصعيد الأغبر، بعد أن أخلى حرمه، واستملى حرمه، ونبذ مرافقتي، واستصحب ناقتي لفاقتي، فبت باكياً على أموني، نادماً حيث نادموني، ثم نويت مفارقة الريف، ولويت ليتي نحو الغريف، وطرقت باب المعرف والعريف، وفارقت الفندق مفارقة حروف النداء لام التعريف.

حسن خليل
23-11-10, 09:22 AM
المقامة الثانية عشرة البحرانية لابن دريد

روى القاسم بن جريال قال: نزلت بالبحرين بعد مكافحة الحين ومناوحة البرحين وأنا حينئذ خفاف ذفاف لا يلفني عفاف ولا يكفني إعفاف أخوض في غضارة مضية وأروض ذا نضارة مرضية يسعدني إسعاد القود واسوداد الفود ورواج الثواج وازدواج النتاج واحتواش المطاعيم وانتعاش الأناعيم مع رعاء أولى ثلة لبيع رغاء وثلة فلما ابتليت البوس وأبليت اللبوس وأزلت العبوس وزايلت العصبصب العبوس أقبلت استصحب الوشاء واستصبح الانتشاء وأبيع الشاء لمن شاء وحين عرضت الأثمان وأعرضت عمن نجش ومان، جعلت أتورد سلسل المساكن، وأتردد في ترجيح الساكن، إلى أن ساقني سنان القدر، إلى فندق واكف القذر، مملو من العير، محشو من الحمير، لا يسمع به سوى الشخير والنخير، والاختصام على الحقير الوقير، معروف بالمخانيث، محفوف بإخوان إبليس الخبيث، قد أحدقت به طفاوة الخبائث وعلقت به براثن الزمن العائث، فخلعت لباس التوقير، واستأجرت بيتاً كالقير، دون دور النقير، لظني أن سأرحل بعد ليلتين، كاسياً من مكاسب الصفقتين، فعسر الدهر ما قدمت لأجله، ويسر علي إقدام سح الضرر ونجله، فبينا أنا ببعض الليالي الطوال، أكابد أهوال الهذر الطوال، رأيت شيخاً مكشوف المنكبين، محفوف الشاربين، يمور بتلك الأحوية، مور الأهوية، ويضطرب بهاتيك الشية، اضطراب الأرشية، وقد أخذ مخنث بزيقه، وهم بتمزيقه، والشيخ يزعم أنه سمع حلحلته، وقد سرق مكحلته، والمخنث يدعى أنه خطف ميله، وقصده مقيله، فدنوت قيله إلى الباب، دنو الذباب، لأنظر في صياره، لمن يكون غلب تياره فألفيته الصل الحبوكري، أبا نصر المصري، فلما تعاصف ذاك الهبوب، وتكاثف بينهما ذلك الخبوب، خلع المخنث غلالتيه، ونهض قائماً بسوأتيه، وقال: إن كنت أيها الدويهية من الكاذبين ولست لمكحلتك من الغاضبين فمنيت بالصفو المفاصل، وأوجاع المفاصل، وانسداد الصراط، والسعال المقرون بالضراط، وانحلال الإحليل، واحتلال التحويل وأسقام الخبال وإلجام الرئبال، وإعراض الصريف، وأعراض الخريف وغسل الثياب، وعسل الذياب، ونتف العذار، ونزف الأقذار، واصتراط المنصل، ووطء أوراق أصول العنصل وصد النصير، وعد خيوط الحصير، والنواح في المآتم، والرواح في السحيق القائم، فقال له أبو نصر: بل إن كنت أيها الفويسق من الصادقين، وعلى اتهامك من المصدقين، فلا جمع بين مكحلتك والميل، وجرعك فقدان الغراميل، ورماك بحك الجتار، ولا قرن شراء تينك بالخيار، ونشر شرع مساويك، ونصر من يناويك، وجدع ما نتافيك، وقلع أعداء مالك من فيك، وأزعجك بشدة الأنين، وزوجك بالعاجز العنين، وأجج نياط قلبك أقطيقوس، ولا ولج باب ديرك الناقوس، وخفض من ردفك ما ارتفع، وملأ من جوف جفنك ما خفع، وقطع من ثوب غنجك ما رفل، وأطلع من شعر خدك ما أفل، ولا ذاق فم فخذك اللثق، طيب طعم ما مقلوبه أثق، وقوض حواء حسن كفك الكسير، وقيض لقلب يمينك حفظ باب التكسير: الطويل:
على أنني لو جاء ألف مخنث ... لسبي ولسبي خطتهم في نصاليا
فكيف تراني يا أخا الخزي والخنا ... وأخبث خلق الله عند نضاليا
قال: فلما رقدت عيون ذلك العوار، وخمدت ذوائب ذياك الأوار وبزغ الفجر المنير، وفارق عنق كل من ذلك النير، نهضا إلى والي مدرتهما، لإطفاء شرر شرتهما، محفوفين بكل زبال وحبال وطبال بطال تحيط بذلك القلاب، حزق الكلاب وتخيط خرق الحسن الساق، عساكر الفساق، وأبو نصر يتبرج تبرج متطاول، ويتدرج تدرج متطايل، ويتغترف تغترف سلطان ويتغطرف تغطرف شيطاني ليطان، وكنت هممت بأن أساعده على قبائل الفسوق، فخشيت أن يلحقني حدة سعر ذلك السوق، ولما وقفا بحضرة الوالي، وتهدفا للمصاع العالي، نظر الغلام نظر من نظر العين، ورجح على عقد الثلاثين التسعين، ثم قال: ليجهر كل منكما بدعواه، ولا يهجر في شنيع عواه، فازبأر أبو نصر وزأر، وحدج ذلك العكر وعكر، ثم أنه استنجع سحب فكره الثقال، واسترجع عاتق مقاله، وقال: الكامل:
يا والياً بسماحه ورماحه ... أحيا الرميم وحير الأحياء
وإذا تهدمت المكارم واعتدى ... صرف الزمان أفادها الإحياء
إني فقدت بحسن عدلك غادة ... تقني الحياء وتقنئ الأقذاء
وإذا خلوت بها آمنت بقربها ... طول الحياة وعيشك الأمذاء
وإذا دنوت لها وجدت أديمها ... يحكي الصقيل صقالة وصفاء
وإذا قطنت فلا تروم تعظماً ... حين الطول لخدرها وصفاء
وإذا ظعنت فلا تكلف طاقتي ... عند الرحيل مطية وجناء
لم تطعم الماء الزلال ولم تذق ... طعم الطعام ولا ترى السيراء
صاحبتها شرخ الشباب ولم أنل ... منها المراد تعففاً وحياء
حتى إذا انبجست شموس ذوائبي ... وغزا الصباح بمفرقي الإمساء
أنكحتها رشأ رشيقاً شادنا ... يحكى الغزالة في السماء سناء
حلو المحيا لا يزال مجاوراً ... لجمالها لا يعرف الإغفاء
جوناً بلا جوف أصم مواصلاً ... جفناً جسا أو مقلة رمداء
فجعته فيها النائبات فأصبحت ... عيناه تذرف للبعاد دماء
فافحص له عن عرسه يا ذا الذي ... ساد السماء وطرز الأسماء
قال الراوي: فلما رشف كؤوس عجوزه، وعرف بدائع رموزه، أفكر في تحصيل ذلك الناعم، وأمر بإخراج العماعم، ثم قال للشيخ: ما أخاله يسرف ما يساوي الفتيل، وأنى تصادم البقة يوم الكريهة الفيل: فقال له: أقسم بمن جدد الجميل، وجذذ الحميل ما برأته وأحطت حوله التأميل، إلا ليسرق من تحت أثوابك الميل، فأطرف الوالي بذلك من لديه، وقهقه إلى أن غشي عليه، ثم قال: إني لأسمح لك بدينار، كضوء ذي نار، ولا تبغ باليمين منونه، فلشان، ما أرهف الفارس نونه، فقال له: عجله بالوزن الوافر، واعلم بأن النقد عند الحافر، فدفعه إليه وهرف، وأثنى على علمه واعترف، فدحرجه في كفه وانحرف، وأولجه في فمه وانصرف، ثم قلص قميصه لسحه، وتخلص تخلص الحبارى بسلحه، فتظنيت أنه امتطى متون الهوج، أو اعتلق بأسباب البروج، بعد الخروج من العوج، والولوج بين تلك العلوج.

حسن خليل
23-11-10, 10:46 AM
المقامة الثالثة عشرة النيسابورية لابن دريد


حكى القاسم بن جريال، قال: عدلت عن معاطاة المغالق، ومداناة خبت المخاتلة، والحالق حين فليت قمم السمالق، وقليت امتطاء النمارق، إلى أن بت أجتزئ بمسامرة الرئال واجترئ على أسود المساورة والرئال، وأجوب فجاج الرمال، غير محتفل بعساكر الإرمال، عل أن أعل راح الاجتراح من أنامل الانتزاح، وأفل صوارم الأتراح قبل مصافحة الصفاح، فبينما أنا أنتهب المناهدة نهبا، وأجعلها شعار همتي دأبا، إذ وجدت الحظ المحبور، والسير المسبور، قد اقتادني إلى مدينة نيسابور، فوردتها بعد مفارقة اللبد، ومزايلة اللبد وقد أغلق باب البلد، فتوخيت المبيت بين الأشجار، بعد حط الشجار، ثم إني نضيت لباس الإيجاس، ومضيت إلى المهراس، مضي الهرماس، فتكرعت للركوع بعد كسر سلامي الجزع والكوع، ثم ملت إلى المطية فأمجدتها وانسللت إلى العيبة فشددتها، وحين أحجمت جحافل حام، وحالف الحذر ذلك الالتحام، جعلت أجول بين الشجير، خالياً من المخاتل والشجير، فلم يمض وهن من الظلام، أو تبسم ثغر القمر تحت اللثام فتجردت حلائل الروح وغردت ورق الحمائم على الدوح، وبينا أنا أحاذر الهجوم، وأجاور الهجوم، سمعت على عين جارية، منافئة أعذب من نغمات جارية، فربطت، جرجة العين، وتأبطت عضبي نحو العين وقعدت من حيث لا أرى، وقلت غب الصباح يحمد القوم السري ثم ما برحت التقط لؤلؤ الكلام، بأظفور الإلمام، وأجرد قواضب الاهتمام، لذلك الانضمام، حتى رأيت حالبي ذياك الثمين، وجالبي ذيالك الكمين، شيخنا المصري، وولده اللوذعي، وهما محتفان بالشمول والشمائل، ملتحفان بالخمول والخمائل، فقلت: تالله لا أفاجئ جريالهما وأضيق في حلبة المباحثة مجالهما، أو أنظر إلى ما يؤول آخر النبيذ، مع ولده الخنذيذ، فما برحا يحولان في كاهل المنادمة، ويجولان في جلائل المناسمة، إلى أن حان حل النظام، وخان خل الجفون ظام الانتظام، فقال له: يا أبت لقد سئمت السفار، واجتويت السفار، وكرهت القفار، ونهكت مني القفار الفقار، فهل ترى حزامة حوبائك، وترى على آرائك آرائك، بأن أصير بأجوية الملوك، بعد اقتناء السابح والمملوك، متوشحاً بوشاح الوشاء، مترشحاً إلى كتابة الإنشاء، فإنها رتبة جليلة، ومرتبة نبيلة، فقال له: يا بني لقد رمت مسلكاً وعراً، لا ترى الراحة فيها الراحة إلا نزرا، مشحوناً بالشحوب، معصوباً، بعصائب الحوب، تفتري على سالكه الأوغاد، وتقتري أثر هفواته الأضداد، وتفري أديم عرضه الحساد، ويقرى مخدومه الإسآد وتسري إلى نضاله الآساد، ويشري أدم إجلاله الإيساد اللهم إلا أن تكون ذا براعة مشهورة، وبلاغة مسجورة، ومهارة فاخرة، وعبارة زاخرة، وآلة كاملة، وإيالة متكاملة، وفكرة جائلة، وفطنة غير حائلة تنقاد لك المعاني انقياد العاني، وتتمكن تمكن الجاني من هذه المجاني، فحينئذ يذعن لك ما تشاء، كما يذعن للمساجل الرشاء، وتنحو بابك الحرشاء، وبين أنيابها الإرشاء، فقال له: إني وبك لعقاب هذا اللوح وعذاب هذه الحنانة الدلوح، وسرحوب هذا المضمار، وطخرور هذه الأمطار، فقال له: يا بني لاتك ممن يطبيه طبعه، ويطغيه طمعه، ويغره الجهام، ويستغره الكهام فتمسى حرضاً بهذي الظباة، وغرضاً لقذذ القاذف والشباة، وها أنا مقترح عليك، ومجترح لديك، فإن أنت ضاهيت ما ابتدعه وأتيت بمقل ما اخترعه، علمت أنك ممن يعوم بعباب هذا الحباب، ويقوم على قدم هذا الانتداب، ويستحق امتطاء هذا القارح، ويسترق أرباب الأدب بين هذي المسارح، فقال له: تالله لأنهضن بهذا الفادح، نهوض الأسد الكادح، ولأبيضن وجه ظنك الصادح، ولأغيضن يم عبوس وهنك الكالح، لتعلم أني فنن دوحتك، وزنن مزنتك، والشعاع المستنتج من بوحك، والشعاع المستخرج من يوحك فقال له أبوه: هبني أنني لك مخدوم، وأنت وعاء لجملة الأسرار مختوم، وقد ورد علي رسالة سرية، يحجم عنها من له روية جرية، لا يخامر سطور يراعها ألف، ولا يجاور خد إبداعها كلف، تتضمن تهنئة بقفولي من السفر، ووصولي بالفوز والظفر فخذ المثال، واحذ التمثال، واكتب لأمنيت ببينك ولا رميت بحجر حينك، خدين فخرك، وخزين سرك، ومخذم ملبسك، وخويدم مجلسك، مجد سمو سعدك وتسرمد، ووطد علو جدك وتجدد، وجللت غصون صولتك وقرت، وتهللت غضون دولتك وفرت، وطغت بحور سورتك وطمت، وسرت سير سيرتك ونمت، وسمقت همم برك وعلت، وتدفقت برم برك وغلت، وزكت سيوف نصرتك، وقلت وذكت سعير سطوتك وقلت، ووحمت خلك خيولك وحمت، وسمت سبلك سيولك وسمت، يخدم بنثر وقريض، وشكر مستفيض، وحمد يبوح، ومدح يفوح، يطيب عرفه ذو شرد، ويجلبب سوفه من له سرد، ويلذ نفحه ويفوق، ويشده من نشقه ويشوق، وبعد فعبد علي منتك، ومتقلد در سطور منحتك، متع ربه ربه ونصره، وزعزع بزعزع قهره من قهره يجهر بحمده عز جل مذ قدم قدم قفولك وحل، وقرب بمن ترب من وفر قربك وخل، فلقد تشوف بجلي وصوله وترشف وتشوق بحلي حلوله وتشرف: الطويل:

قدوم له طيب رطيب وكوكب ... يسير فيسرى فيه شرق ومغرب
يحل فيحيى جوده كل معسر ... ويسني فيجني منه فدم ومعرب

فلنحمد من نفح محبيه بملبوس جذل، ولفح من يحتويه بلبوس بوس ووجل، رفع مبدعه دور رفعته وعمر، وخلع على عبيد عزه خلع مننه وغمر، وطول طول نعمه وكمل حيث وعم عبده بعوده وتكمل فلينعم بمهمه ولو تسنم ملى قدوسه نفسه وسلم، وصلى على نبيه محمد وسلم قال الراوي: فلما فزع من ألوكته اليتيمة، الوافرة الديمة، قال له: قل ضوع الله لمعك وفتح مسمعك، ولا أسأل مدمعك، وجبريل معك، فهمهم همهمة الهموس، وغمغم غمغمة الغملس الغموس، ثم إنه تلبب لمصادمة المنون، حين أرهف له غرار ذلك النون، وأنشأ رسالة كاللؤلوء المكنون، وهي: ورد شريف حضرته، ووريف نضرته، ذو بزغ بوصوله قمر شرف يؤبد روحه وضوءه. بل ولي تحف يحمد سحه ونوؤه، وحزق مرح يتدفق سروره وفرق فرح يترقرق ميسوره خلد مرسله تخليد عصوره، وجدد مجده تجديد دهوره، وترنحت دوح جد جده وحلت، ورنحت، رتب حسدة حوله وخلت، وصفت شمس ضد فضله وضفت، وعفت شمس ضد فصله وغفت، وربت بيض سعوده وبرت، ووهت عصم خصومه وهوت، وشرق نيل جوده وبسق، ورشق نبل جوده وسبق، ولحق من بحج نجح محجته، قصر وحلق ورمق بعين معدلته، من تعدى ومرق، بنخب منظومة، وسحب مسفوحة، وشموس مشرقة، وغروس مورقة، وحكم وسيمة، وديم جسيمة، وعهد وفي، وحسن يوسفي، يوذن بوصل قطع قريب، وقطع وصل قلق غير قريب، وينطق بعلم عميم، ويمنطق بعقد فخر نظيم، ويغنى بضرب ترصيعه ويربي بزهر بديعه على ربيعه، متبرج بسيح سحره، ومترجرج بموج حلو بحره، يسود لون نقسه وطرسه، خضرة ليله، ونور شمسه، فقوبل بحمد مديد، وشكر شديد، سد من دلوحه رحيب بوحه، وسعة سحوحه، جسيم سوحه، فجمل بوروده عبده، وتجمل بعده من عنده، بعد وقوفه عليه، ووضعه فويق عينيه، وقوف من بهت بروض غريض، بل بفيض سح وسمى وميض عريض، يسفر عن محبره، ويخبر بكنه طبيب مخبره: الطويل:
شريف به در شريف مشدف ... يسح له در غريب ويعرب
له ضوء شمس في رطوبة لؤلؤ ... ولفظ به قس يقيس ويعرب

فلله عنبر عطر يدي حبره، وتقطر لدي خبره، وحبره وعبير عبق بقدومه نشره، ونضير نضر عرنين من نشره، نشره متع برشف شهد بشه، وبلقع ربوع عشه، من جيوش عشه، فليشرف بمهه ليتشرف، وطد موجده ركنه ونيف، وسرمد ملة خير خلقه محمد وشرف. قال: فلما قرن بين زبدة الزبد وتمرها، وجمع بين نقاخ خمرة النخب وخمرها، جعل أبوه يفكر في تلفيه وتدقيقه، وينظر في تحقيقه وتطبيقه، ويطرب من فقر مقاليبه وحسن تجنيس أساليبه ويعجب من حذفه ولزومه، ورد عجز معجزه على حيزومه، وإجادة مغازيه وجودة متوازنه ومتوازيه، ولغة طيه، وطيب نشره وطيه، وترصيعه واشتقاقه، ولهاذم مطرفه ورقاقه، ثم أقبل يقبل بياض غرته، ويقلب سواد بياض نضارته، فعندما راقه رقة ذلك الغرار، وفاقه بحذو ذياك الغرار، قال له: أفادك الله بامتياح عيني، وأعاذك من عيون البشر وعيني، فلقد أثريت قراحي بهذا اقتراحي، وأوريت مصباحي باقتباسك من صباحي، فأنت أحق من لعلمه الرجال كعمت ولا دابه الرجال عكمت، وعليه قدمت الرياسة وسلمت، وإليه تقدمت السياسة وسلمت، ولنقص حظه الورى تظلمت، ومن أشبه أباه فما ظلمت، قال القاسم بن جريال: فحين غمد حسام مساجلته، وعمد لارتشاف مدامته، ودهشت بانسكاب ذلك الصبير وشدهت بارتفاع عرف ذيالك العبير، جنحت إليه جنوح الأنوح، ومنحت كفه سرعة الاستلام السحوح، فقال لي: أهلاً بالنمر الجسور، والمنهمر المسجور، ذي الحظ العازب، والعزم اللازب، ثم قال لي: أأطربك ذلك الرواء، حين اختلسته من وراء؟ فقلت له: إي، ومن رفعت به السماء، وتعسعست بقدرته الظلماء، فقال لي: أتحب بأن احتضن كنانة المسامرة، لتحمد شحذ سيف سفرتك الزاهرة، وأعتقل رماح المحاضرة، لتشكر شيم ليلتك الناضرة، فقلت له: حبذا الربع الخصيب، فعلى مثلها كان يدور الخصيب، قال: فأفاح على ذلك النهر ما فاح على رياح الزهر، وأباح لي من ثمر السمر ما أتاح لناظري إهمال الخمر، إلى أن أحجم بهاء الزبرقان، وضرب إكساء فيلقه المشرقان المشرقان، وحين شرف الشفق، وبقي من القمر الرمق، حاول التسيار واستقبل المسار، وحاسمني محاسمة من سار، وألبسني سرابيل الأسف وسار.

حسن خليل
23-11-10, 11:09 AM
المقامة الرابعة عشرة الزرندية لابن دريد

حدث القاسم بن جريال: قال: وددت أيام اخضرار الغدائر، وازورار الزنيم الزائر، وارتكاب الكبائر، واقتراب الرقيب البائر، بمدينة زرند، ندباً من مرند، وصحباً من سمرقند تكف كوع الفتن والزند، ولا تستصحب الزند، إلا لتضوع الرند، همهم حث الرواحل للربع الماحل، ودخول المحافل للفضل الحافل، وإسداء النوافل لإسعاف الآفل، فافعوعم بزلالهم مزنى، ونبذت جزع ملازمة جزعى ورزني: الطويل:

بهم مد باعي بعد أن كنت خاوياً ... أخا شظف حلف المناحة والحزن
طريداً مع الأظعان في كل مهمه ... يسامرني سير السهولة والحزن

قال: فلم نزل نصافح المسطار، وننتجع ذلك الأمطار، ونتسنم متون السروج، ونتنسم أخبار المروج للخروج، فبينما نحن ذات ليلة بمشربة وجارنا، تعتورنا عواتق عقارنا، ننهض لإصلاح الأسيد، نهوض السيد، ونبيض وجوه ذلك المشيد بتغريد الأناشيد، إذ طرقت حلقة الندماء، وقد ذرفت عيون السماء بالسماء، وسحت السحب بأنواع النيل، وعاين الشرب شرخ خيل الليل، فوثبت الأعبد إلى الطارق، وثوب المطارق، وقالوا: من الوارد في الغياهب ورود السلاهب، والوافد وفود المناهب مع لثق المذاهب للذاهب، فقال لهم: خامل سلافة وصاحب عيافة خفيف القرونة، كثيف المؤونة، يحشه المراح، وتحفه الأفراح، وبراحه الراح، فإن هدمتم، الغل الصراح، وعمرتم كعبة المرح والضراح، وتقبلتموني والراح، وإلا فالرواح الرواح، قال القاسم بن جريال: فلما ندرت أراعيل رياحه، وبدرت بوادر رعيل امتياحه، وطعمنا باكورة ثماره، وطمعنا في محاسن استثماره علمنا أنه ممن يروق ندمانه، ويروق براووق المنادمة إدمانه، فاستزدناه طلب الهوج، وأمرناه بالولوج، فدخل متسخطاً من الطين، متعوذاً من الشياطين خالياً من القطين، وبكفه كوب من اليقطين، يهدر هدير الشدقمي مفعوعم بالعقار العندمي، فقوبل بما به سلم، بعد أن ملك مقاليد إكرامنا وتسلم، ثم إنه نبس بما نبس، ونحا القبس وعبس، وجعل يجفف فروجه، وينشف فروجه، وينظف رداءه ويتأفف إذ بلل الوابل قفداءه وبعض القوم مرمون لاقترابه، مهمومون لقذارة قرابه، ملبون داعي إعماله، ملبون على إهماله لأسماله تصعر خدودهم لمزنده، وحبس مد ماء مدده، فلما شاهد من عبوس غضونهم، أنه بارز من زبونهم، وتحقق أن ذلك لضيق أكمامه، مع معرفتهم بسعة ثمار أكمامه، استخرج من وفضته المرماة ورشق بها هاتيك الرماة، وقال لهم: يا أرباب التنافس في الطنافس، والتقاعس لدى المنافس، ويلكم أتصادمون الصداع؟ وتعلمون اليرابيع الخداع، وتحتقرون من دب إلى داركم، وهب إلى ديم إدراركم، واسترى لهيب أواركم وامتري حنيذ حواركم، واكتحل بميل سراركم، واحتمل عسيب أسراركم، أف لمن يضيع نزيله، ويودع طعامه زبيله، ويحتذي وبيله ويجتدي أبابيله، ولئن رابكم حرج أكمامي، مع عدم كف كمامي، وساءكم سداد ابتسامي، مع در إبداعي السامي فأنتم كمن رضي بتوسعة ميدانه، مع تضييق رديانه، فما كل من احتمل المهند هند، ولا كل من تسربل المزند تزند، قال: فأقبلنا على لثم أعطافه، رجاء انعطافه، واحتملنا ذرور ذراره، خوف انثيال مدراره، فعند ذلك جمدت جداول كمده، وهمدت غوارب لدده وحمل مكنون مجاجه، وسمل مقل انزعاجه، وحاض فيض افتنانه، وفاض سح سيل استنانه، وأقبل يفض فضائل إبداعه، وينض خمائل اختراعه، ويتمنطق بالأحداق تمنطق المداعس بالدقاق، ويترنح بالانبثاق ترنح المفلت من الوثاق، وأنا مع شدة حذاره وصبغة عثنونه وعذاره، أرمقه باللحظ الجلي، وأنظر إليه نظر الشجي إلى الخلي إلى أن لاح سبج ثطط عارضه، وساح لجج شطط معارضه، فعلمت أنه أبو نصر العقربان، والعملس الثعلبان، الذي لم يزل مع الأحامس أمامي، وفي المناحس، إمامي، فقلت له: بالذي أظهر المقبور، وسير الدبور، ويسر سرور سابور، ألست رب الرسالة بنيسابور، فقال: بلى ومن شرف الزبور، وذكر الصنبور، ونصر الصبور، وأطلق المصبور ثم قال لي: يا ابن جريال ألم تكن شدخت لشومك شائم هذا المجال، وشمخت بخيشومك على الجريال بعد أن كان الورع يجتبيك، وطلاء الطلاء لا يطبيك، فكيف ارتضعت كؤوس خوابيك، وعطف قلبك على أبيك، قال: فلما شهدت شهاد ملاطفته، وخشيت أسود غطرفته، قالوا: من أين لك هذا الخليل الجليل، ومن أي الصواقع تسنى لك ذا الخليل الخليل، فقلت لهم: من خزائن الألطاف ومعادن الاستعطاف، ثم إني أخذت في مدح بستان يانعه، واستحسان حسان بدائعه، فلما رأوني مكثراً في امتداحه، مطنباً بوصف صحف صفاحه، قالوا لي: أتهرف بحلال فصاحه، وقد بتنا في حلال إفصاحه، وتمعن في امتداح مستطرفاته، وقد عجمنا صلابة صفاته، فخلنا لمناوحة هذه الفرق قبل القلق، واتركنا نكتل بهذا الفرق قبل إقبال الفلق، فإن مباحثته شفاء الغرام، ومنادمته دواء الداء العرام، قال الراوي: فلما سقته حمياً ثنائهم، ورقته من حرارة حمة ازدرائهم، قصد وصيدهم، وافترش صعيدهم، وآلى ألا يزيدهم، وذم لقتل حسين حرمته يزيدهم، فقالوا له: يا ذا البداهة الحسبانية، والفصاحة السحبانية، أما أزلنا انزعاجك، وأنزلنا من سماء المسالمة ثجاجك، فما الذي لوي زمامك، وزوى ابتسامك، وثنى انسجامك، وقدم إحجامك، وأخر إقدامك، فأزل لجاجك لنقضي حاجك، وافض مجاجك، لنفعم زجاجك واترك عتابك، لنملأ عيابك، وامنحنا حبابك، لنرفع بابك وأرنا نابك، لندفع ما نابك، فقال لهم: مساورة السام دون الابتسام، فلا وجه للمقام بعد الانتقام، ولا سبيل إلى الانضمام بعد الانهضام، وقد كنت حين هالني هوى الهون الغشوم، وغالني طول برشوم ذلك الشوم، وعوملت بجر هذه الرياق معاملة أهل الإباق، وعدلت عن طرة الطرب والطباق، وهم باب المسرة بالانطباق، أهم بالرواح، ولو على جناح الرياح، وأما الآن فقد ذهبت همومي، ونضبت سمومي، فأصلحوا فرى هذا العط، وأغلقوا باب الإشالة والحط، وفي الليلة الآتية أترك الهجوع، واستأنف الرجوع، فمثلي لا ينطق بمحال، ولا يصبر على حر إمحال، لأشبع ما بعشي من عيال، وضمان الأوبة على ابن جريال، فنهضوا إلى وداعه بعد انخداعه، وحمدوا حلاوة إبداعه بعد ارتداعه، ولما أزف رحيله، ودلف تحويله وانمحق ضوء قمر أنسه، والتحق شعاع شمس همسه بأمسه، قلت له: أما يزعك استيطان الحضيض، ويدعك بسجن الندامة سلطان الذوائب البيض، وتنزل عن سابح حوبك، مع اتشاح شحوبك، وتفل ذباب نيوبك قبل انثيال ذياب ذنوبك، فما الذي يحملك على مشابهة السبروت، ويلجئك إلى قرع أبواب البيوت، لتنبحك كليب المزابل، وتلج على الشاهق والزابل قال: فلما تحقق ملامي، وتدفق عليه مسيل إيلامي، سعى إلي سعي العقارب، ودنا دنو الأقارب، وقعد قعود القارب بالقارب، وأنشد لفعله المقارب في المتقارب.ية، أما أزلنا انزعاجك، وأنزلنا من سماء المسالمة ثجاجك، فما الذي لوي زمامك، وزوى ابتسامك، وثنى انسجامك، وقدم إحجامك، وأخر إقدامك، فأزل لجاجك لنقضي حاجك، وافض مجاجك، لنفعم زجاجك واترك عتابك، لنملأ عيابك، وامنحنا حبابك، لنرفع بابك وأرنا نابك، لندفع ما نابك، فقال لهم: مساورة السام دون الابتسام، فلا وجه للمقام بعد الانتقام، ولا سبيل إلى الانضمام بعد الانهضام، وقد كنت حين هالني هوى الهون الغشوم، وغالني طول برشوم ذلك الشوم، وعوملت بجر هذه الرياق معاملة أهل الإباق، وعدلت عن طرة الطرب والطباق، وهم باب المسرة بالانطباق، أهم بالرواح، ولو على جناح الرياح، وأما الآن فقد ذهبت همومي، ونضبت سمومي، فأصلحوا فرى هذا العط، وأغلقوا باب الإشالة والحط، وفي الليلة الآتية أترك الهجوع، واستأنف الرجوع، فمثلي لا ينطق بمحال، ولا يصبر على حر إمحال، لأشبع ما بعشي من عيال، وضمان الأوبة على ابن جريال، فنهضوا إلى وداعه بعد انخداعه، وحمدوا حلاوة إبداعه بعد ارتداعه، ولما أزف رحيله، ودلف تحويله وانمحق ضوء قمر أنسه، والتحق شعاع شمس همسه بأمسه، قلت له: أما يزعك استيطان الحضيض، ويدعك بسجن الندامة سلطان الذوائب البيض، وتنزل عن سابح حوبك، مع اتشاح شحوبك، وتفل ذباب نيوبك قبل انثيال ذياب ذنوبك، فما الذي يحملك على مشابهة السبروت، ويلجئك إلى قرع أبواب البيوت، لتنبحك كليب المزابل، وتلج على الشاهق والزابل قال: فلما تحقق ملامي، وتدفق عليه مسيل إيلامي، سعى إلي سعي العقارب، ودنا دنو الأقارب، وقعد قعود القارب بالقارب، وأنشد لفعله المقارب في المتقارب.

قرعت البيوت وزغت الرتوت ... وبعت التخوت لقنص الزبد
وشمت البعيد. وسمت العبيد ... وسفت الصعيد. لكسب السند
وقدت الحرون وزدت الحزون ... وجدت الحزون. ومتن الجلد
فلا تجزعن. لخد أرن ... وجد أجن بحرب ورد
ولا تخضعن. ولا تجشعن ... ولا تخشعن. لسهم صرد
ولا تقلقن. ولا تفرقن ... ولا تبرقن. لجدب جرد
وكن بالسحيق حليف الرحيق ... وهن للرشيق إذا ما شرد
فإن الكؤوس. تسر النفوس ... وتنسى العكوس. وتسنى الجلد
وإن السلاف. تشد العجاف ... فخل الحراف. وحل العقد
فعين النعيم . حضور النديم ... وعيش الكريم. جميل المدد
ولوم العذول. لشرب الشمول ... كوقع النصول. بخلب الكبد
وحد الملام. كحد الحسام ... وفقد الكرام. يهد الجسد
وقلب الحسود. كثير الوقود ... ووصل الحقود كمضغ المسد
وروح الرقيع كريح البقيع ... وروح الخليع. كروح الأسد
مواص المليح. وفاص القبيح ... وعاص الشحيح. إذا ما جمد
وبعد الهنات. فأصفى الصلات ... ضروب العظات لرشف الرشد
فعش باليفاع لكف النزاع ... وخذ في السماع. لترضى الصمد
ودفق فناك. وحقق فناك ... وطلق شذاك. إذا ما رعد
وسد في الأنام. بلين الكلام ... وحب السلام. وبغض الجسد
فلا تخدعنك. ولا تطربنك ... ولا يلهينك. صنوف الصفد
فإن الكعاب. تميط النقاب ... لتصمي اللباب. بنبل الكمد.
قال: فلما نقخ القلوب برطيب مراده، وضمخ الجيوب بطيب إيراده، وسألنا الدعاء لشمطه وأنهلنا سائغ مسمطه عقد إزاره وتفقد أزراره، وأبدى أزواره، ومنانا مزاره، بعد أن صارم المزاح، وفارق المراح وأطربنا وراح، وأتعبنا واستراح.

حسن خليل
23-11-10, 11:17 AM
المقامة الخامسة عشرة الماردينية لابن دريد


أخبر القاسم بن جريال، قال: شعفت مذ نزر شناري، وشرف مناري، وكمل عذاري، وعظم حذاري، بإصلاح القصائد، وإعمال الفكر الصائد، ومداومة الشعر المجيد، ومصاحبة ذي الشعر الفاحم والجيد، فلم أزل أمارس فرسانه، وأخادن أخدانه، حتى علقت منه بسبب متين، وشربت شراب شهاده بأشرف وتين، فبينما أنا أنادم أضواء الشوابك، وأشابك شناتر الخشفان المشابك، إذ حذفت بمنجنيق التباعد، وقذفت بساعد القدر المساعد، مع صحبة ممردين، ورفقة متمردين، إلى مدينة ماردين، فولجتها خالياً من النزيل، بالطرف الهزيل، لأكتنف كناً يكنفني من جثول ثلوجها، إلى أوان خروج مروجها، لعلمي أن دخان هوجها، أطيب من طيب يلنجوجها، فحين برقت بروق جبابها، وشرقت علي فضائل أربابها، وسعيت في تورابها، إلى ملاعب أترابها، ألفيت أبا نصر المصري يتبرنس ويريس، ويتبهنس وبهيس، فلما أبصرني صرخ صرخة المهضوم، ومسح عني متوسط فضلات ثالث الهضوم، فانفتح من باب المسرة ما انسد، وابيض من وجوه المواجهة ما اسود، وانقبض باع المباعدة بعد ما امتد، ووهى قطع المقاطعة عندما اشتد، ثم قال لي: ما الذي أسلمك، وخفض في مسلك المكاسب سلمك، حتى أفنيت درهمك، وأضويت أدهمك، ثم مع هذه السفرة الصالحة، والروية المصالحة، علام تعول بهذا السكن، وتؤمل من استيطان هذا الوطن، الذي تستجدي باستحمامه الماء، وتستلم به سلامى الساكن السماء : ويلقى به الوقور، وتصادم صدور عقبانه عقابه، فلتجدن من قرة اللازم وصره الملازم ما ينسيك حرارة الوحيم، ويمنيك ولوج نار الجحيم، فقلت له: لا أعبأ به مع عب العقيق، وضم كشح الشادن الدقيق، ودفء الخدور وانضاج القدور، ومع هذا التحذير، ورفع أهداب هذه المعاذير، فما الذي تعرفه من اتفاقهم، وتغرفه بمغرفة انتفاء نفاقهم، وتصفه من طهارة أخلاقهم، واجتناب اختلاقهم، وكرم أعراقهم، واشآمهم في الشرف وإعراقهم، لأستلئم ما يليق لوطيسهم، وأترنم بما يروق قلوب عيس تعريسهم، فقال لي: يا ابن جريال أما اتفاقهم فقديم، وأما نفاقهم فعديم، وأما أخلاقهم فذكية، أما أعراقهم فزكية، يغمر وكف، كفوفهم المكفوف، وتصافح كف عرف معروفهم المعروف، يتهافتون مع الحمية، والمآثر الحاتمية، إلى جبر كسر المسود، تهافت النوب على نور ربى الخمائل السود، حتى لقد أنسيت لعدم عابهم، صعود صعابهم، وشاهدت من سهولة اتباعهم، ما أنساني خشونة رباعهم، وأنا برسالة مسائلتك أصدق سفير، وبوادي ودادهم، أرفع شفير، لأنني فيهم ابن سمير، وأعز شمير، وأكرم جبير، ولا ينبئك مثل خبير: البسيط:

قوماً علوا عاتق العلباء واعتصموا ... بمعقل من رفيع العزم ممتنع
يمسون يسمون بالسرو السني على ... سعد السعود بسعد ساد متسع

قال القاسم بن جريال: فقلت له: هل لك في ارتشاف قرقف المرافقة، والاعتكاف بجامع هذه الموافقة، لنطفئ بماء المواصلة نيران البعاد، ونرفئ قارب المقاربة إلى ساحل قطع هذا الإصعاد، ونهزم بين أفياء الفتاء، عنترة عنبرة شدة هذا الشتاء، فقال لي: قسماً بمن يسر طيب هذا الإلمام، وبرقع برقعاً ببراقع الغمام، لقد نطقت بلسان مأربتي، وطرقت باب الأرب، بأنامل لبانتي وأشرت بما نشر لواء سعادتي، وخزق نبال الغرض بغرض إرادتي فأشرت رهطك من إذا زجرته تاب، أو هجرته انتاب، أو سللته جاب، أو سألته أجاب، ثم إنه مرج لتحصيل البيت، وإحياء قربنا الميت، وبيع الأدهم لشراء الكميت ولما أخذ في تحويل أداته وإصلاح لحمة الأدب وسداته، وشرع في نقل دوياته مع حسن أدواته، كنت بحمل جلائله من المجلين، وبقبلة مقابلته من المصلين، وحين حصل بها الخندريس واتصل بنا الأنيس، وبدت مسرتنا تميس، كأنها لميس، جعلت أكشف بها خمار المخامرات، وأضرب بصولجان الفكر كرة المذكرات، وأوقد مصباح مصاحبته في مشكاة مشاكهته وأسرح ببستان مناسمته آمناً من صرامة مصارمته، وأنصر خمائل عسرته، بنصر يمين الميمنة ويسرته، إلى أن دفؤ جسد الزمان، وورد من ديوان الزعازع توقيع الأمان، ولما انسلخ البرد انسلاخ الأرقم، وانفدخ الروض عن السوسن المزرقم، وتجلل الورد بغلائل الدم، وانجلا الشقائق في الوشاح المعندم، وطاب طلب التزاور والمزار، وأعلن بالدوح نوح الهزار، اقترحت عليه الخروج إلى بعض الحدائق في يوم مزن مشقق البنائق، مع صحابة صرموا وصال المصارم، وربوا بين خفق الألوية، وسل الصوارم تسمح بالهجان الأوراك، وتشمخ بأنف الأنفة على أولاد الفوارك: البسيط:

كأنما خلقوا من درة فعلوا ... فرق السماك بفضل فائض نضر
لا يلبس الباس قلباً في قلوبهم ... يوماً ولا انخفضوا من خافض وضر

ولما تخيرنا مقاعد الجلوس، وتحيرنا لصفاء تلك الكؤوس، أقبلنا نستوي على خلوف خلفة المفاخرات، ونشتوي سمك المكاسرة في لهيب نار حريق المحاورات، إلى أن اتصل بنا ما لا يعود بعسكه سدى، كقولك: أدبك بدا، قال الراوي: فأشار إليه من بحذائه بأن يحذو مواقع حذائه، فأقبل بوجهه إلي وقال لي: يا بن جريال، فز بحل إشاح هذا الضحضاح، وتوق لذع رماح مر الافتضاح، فقلت له: أنى مع صدا شدة النقصان، أحدث روحي باجتناء هذه الأغصان، أو ما علمت أن الإنسان أخبر بوسمه، وحسان أعرف باسمه، أفتفخر بين الأبيضاض؟ من أزاهير الرياض، خميلة خاملة، بل أظري فإنك ناعلة فقال لي: تالله لقد أصبت بنصال مصداقك، وقرنت بعذق المصادقة حلاوة أعذاقك، ثم إنه انكفت لاستخراج كمينه، والتفت إلى من عن يمينه، وقال: إلفك فلايا من يجوز الفلا فلا ثم أجج المناظرة لمصليه وأزعج ضرام المفاخرة لمصطليه، وقال: يا من بربع المعاني يلم، منتك لك تنم، ثم أرقل إلى مسليه، وأقبل يرمق من سيليه، وقال: يا من به قمر المعالي يتم من يمل لم ينم، ثم اسمهر طرفه إلى التالي، واستمر على ذلك التوالي، وقال: يا منعماً قد أطواق الشقاق وشق، قد بلاء إذا ألب دق، ثم لوى، ليته إلى المرتاح، واستوى استواء المرح المرتاح، وقال: يا ذا الذي شرف الشرب بلطف قد قرب، بحر سنا فنك كنف أنس رحب، ثم عطف للشادي العاطف، العطر المعاطف، وقال: إني لأعجب مع امتداد طيل تلافيك كيف يلذ لك، إذا كل ذلي فيك، قال القاسم بن جريال: ثم إنه نفحهم بنظمه المجيب، ومنحهم به على ذا النمط العجيب، وقال: الرجز:

افصل خلاً إذا وجا ... واجد إذا الخل صفا
أفر أذاً إذا فرا ... وارف أذاً إذا رفا
افعل علاً إذا كبا ... وابك إذا العل عفا
أفل سنا مجالب ... بلا جمان سلفا
افرج ملما ذا أذاً ... إذا ملم جرفا

فلما عمهم بنضارة نضاره، وخصهم بخصائص اختصاره، بوؤه نمارق الإجلال، وخولوه أيانق الإفضال، ثم إنه انبسط فضله وانتشر، وانخرط في مسامع الملك واشتهر، وأحب بأن يتحفه بدرة من فاخر لبابه، أو بدرة من زاخر عباد، فمال إلى مراده، وأملى له من لطائف إيراده، ما يخضع لصحيح فضله الصحاح، ولا ينكح لؤلؤ إفصاحه النصاح، فتدبرتها وقد حلت أجياد المردمين، وجلت بحلبة قريض المتقدمين، وتأملتها إذ زانت، وأعجزت الأفاضل وازدانت، وتغطرست وما استكانت وضوع عرف عبيرها فكانت: الخفيف:

أترع الكأس أكؤس الندماء ... أضحك النور أدمع الأنواء
بسقاة برت بحسن بنود ... بل بدور بدت بأوج بهاء
تلني لم تلوها تموج تلال ... تتهادى تطيل تيه توائي
ثيبات ثوابهن ثلوثي ... ثملات ثمالهن ثرائي
جابرات جنانهن جناني ... جائرات جحيمهن جفائي
حط حالي حؤول حب حبيب ... حاكم حاسم حوا حوبائي
خائن خاذم خدين خداع ... خادر خاتل خفي خباء
دائل دائم ديار دلال ... دار دهما دنية وهماء
ذابل ذابل ذميم ذرار ... ذي ذمام ذميمة ذناء
رافل راقد ربيع رواء ... رزم رائع رثيث رفاء
زائغ زيغه زواه زميع ... زاجر زاخر زبى زمعاء
سائغ سابغ سحوح سداد ... ساكب سامع سني سناء
شاكم شاكر شموس شموس ... شبع شهبا شديدة شقاء
صارم صابر صديق صفاح ... صادق صالح صحيب صفاء
ضرب ضارب ضراح ضيوف ... ضيغم ضامر ضليع ضياء
طافح طاهر طليق طباع ... طارق طاعن طريد طلاء
ظلف ظاهر ظهر ظليم ... ظالم ظالماً ظبى ظرفاء
عالم عادل عروف عزوف ... عاصم عارف عظيم علاء
غائر غائم غرير غمام ... غدق غيره غثيث غثاء
فطن فاخر فريد فرند ... فارس فيلق فتي فتاء
قرع قارع قريع قراع ... قاهر قاسر قضيب قباء
كاشف كاسف كمي كفاح ... كامل كافل كريم كفاء
لقم لسلس لجين لبان ... لؤلؤ لهذم لهيم لواء
ملك مالك معين معين ... مانح مانع مبيد مراء
نائل نابل نبيه نضال ... ناصر ناضر نبي نماء
هاطل هائل هموس هجان ... هاتم هاثم هزبر هباء
وزر واكف وراء ودود ... ورد ود وديمة وطفاء
لاحق لاذ لائذوه لإعلى ... لاحب لا لأفة لأواء
يقق يافع يفاع يفاع ... يوح يوحى يتيمة يهماء

قال: فلما تمطرت إلى جنابه، وعطرت بأنابها فائح إنابه، نفحه بخلعة مسهوهبة الميدان وخلعة مغدودنة الأردان، وأحله لهذا الإبداع، ونفاسة هذياً الإيداع محل الأنفة من القارن، والقصبة من المارن، فصائح بشثن ثنائه، وكفوف اكتفائه، بطون رواجب سمائه، وفض ما فض له على ندمائه، ثم إنه قصد المرحاض، فما آض، فغاض المرح بعدما فاض، وإنهاض ساق السعادة إذ أفاض فحصلت منهم على كثب، وفصلت عنهم عن كثب، فلم أر أزهر من ليلة قدر ذلك القدر، ولا أعطر من نكهة ثغر ذلك الثغر.

حسن خليل
23-11-10, 02:26 PM
المقامة السادسة عشرة الصادية الظفارية

روى القاسم بن جريال، قال: نحوت ظفار، يعد عدم الاستظفار، لضر بهرني ورض قهرني، ونكس حملني ناره، ووكس حملني على عبء المعرة عاره، فلما نبذت بها جرابي، وحمدت غبر اغترابي، لبست لنوادر لغاتهم، وغرائب مناغاتهم، لباس التصبر، وارتديت برداء التدبر، لعلمي أن من دبر تدبر، ومن تصبر، تبصر ومن أبر تمر، ومن دخل ظفار حمر، وحين أدهش شجب الحزن وخر وأورش شجر الشجن واشمخر، واحتال كمين الكرب وكر، واغتال، غول الغيل، واسبكر أقبلت أتسلى بمن سلف، وأتحلى بما يرفع الكلف، فبينما أنا أمور فيها واضطرب، وأميل إلى ثدي الدماثة وأحتلب، إذ حثني بارق الكمد، إلى حاكم البلد، فألفيت مجلسه قد حف بالازدحام، وجمع بين العندليب والنحام، فطردت طرف الفضول، مع سوء الطالع المنضول، وولجت لسبر تلك الرزان مع ما أجد من حرارة الأحزان، وإذا به صبية، وارفة البراعة أبية، يسح منها وابل الفصاحة، وتغرد بقلل اطراحها بلابل الوقاحة، آخذة بشملة شيخ مكسوف المحاسن، متجرع ماء بوسه الآسن، مسرف في اعوجاجه، مشرف على نهل مهل احتجاجه، فهدرت هدير البازل العقيل، واصلتت فصلاً كالصارم الصقيل، وقالت: حصن الصمد حصان الصدر الصالح، النصر الناصح، الصادق النصوح، المصادق الصفوح، الناصر الصدوق، الباصر المصدوق، فاصم عصم العصاة، قاصم صنم المعاصاة، صيقل صنوف الانتصاف، فيصر أصحاب الإنصاف، مبصر الأمصار، مقصر الإصرار، صيب الصعلوك، مصوب الصكوك، صيرفي الخصام، مصطفي الاختصام، عصامي الصلاح، عاصمي الإفصاح، قصفت عواصفه قصور مفاصيه، وصفت صدور نصائحه لمصافيه، ووصلت صلاته لقاصيه، واتصلت صرامته لمقاصيه، وهصرت لأواصره النواصي، وانتصرت بعناصره عراصي، صفائح بصيرته مصقولة، ونصائح منصبه موصولة، وصعاد صباحته مصفوفة، وأصفاد مصالحته مرصوفة، خلصت خصائصه فواصت، وصلحت فصائله فاعتاصت، وصبت لمصافحته الصلحاء، وتعصبت لفصاحته الفصحاء وصفا نصر، نصره، فنصر واصطفى نصر نصره مستنصره فانتصر: الخفيف:

منصف مصقع يصوب انتصافاً ... بصلاح وعصمة وقصاص
صدع الصخر والصعاب بصدق ... صادق الصدق خالص الإخلاص
خص بالصون والصفاح فأصمى ... بصدور الصفا صدور المعاصي

صروف اقتصاصه حاصبه، وصفوف اختصاصه واصبة، وصنائع صلته واصلة، وصواقع نصرته، متواصلة، وصلادم وصلته حاصلة، وصوارم صولته خاصلة، ومخاصمة قاصمها، ومصافحة مخاصمها قصيرته، الحصان وقوصرته المحصان نصته، لوصب صر، ونصب أصر، وصغو صرم، وصفو انصرم، وحصر قصم، وصبر انفصم، وصف مماصعة صدم، ومصف مصارمة اصطدم، وصراع مصاخبة صدع، وصواع مصاحبة انصدع، وصدى مفاصله صفر، وصبى مواصلة صفر، فصحبته بصفر صحاح، وصافن وصفاح، وصفوف صفوف، وحصوف عصوف، وصوف موصوف، أصارم لوصله النصيح، وأخاصم لصدعه الصحيح، وأصفي لصبوحه الفصيح، وأصفي لصلوحه الصرائح والصريح، فوصلته برصائف، وواصلته بوصائف، وخصصته بخصائص، وأحصصته قلائص، فمصع صولجي بصولجان صعلكته وقصع صناديد الصرر بصارم مصارمته، فأصبحت أصف بمصابرته نقصي وأقصف لإصلاح صحبته قرصي، فتصفح صفائح قصتي، وتصبح بقص قميص غصتي، لينفصل بصبرك الخصيم، ويتصل بنصرك الفصيم، أصلحك لصلاح مصرك، وصبحك صباح صالحي عصرك، بأصفيائه الصديقين، ووصفائه المصدقين، قال الراوي: فلما نثلت جفير مجاجها، وفصلت عير عبير احتجاجها، وأنعشت بوريق حجتها، وأدهشت ببريق لجتها، قال له القاضي: تالله إنها لتنزف من سحاب سحوح، وتنفث من جنان مقروح، فما الذي تترجم مع دهائك، وتلاطم إبائك، ورداءة، رأيك، قبل تفاقم دائك، فقال له: ألبسك الله ملابس الإرعاد، ولا سلبك سرابيل الإسعاد، إنني اتصلت بهذه الخريدة عند إقبال أوقاتنا الجريدة متبجحاً بجزالة الإشباع، واتساع الباع، وحلول الارتفاع، وسيول الانتفاع أيان أخطر بين الخيام، وأدرأ أدواء الفيام، وأمنح البزل لزوم الأوام، وتدعو طبولها لنا بالدوام، فحين انكدرت نجوم عزتي، وتكدرت بحور أعزتي، وبانت الحبة والمحبة، وظعنت الحبة والأحبة، وتمزق زيق المقدرة وانعط، ورسب طافي المسرة وانغط، ونفر بازل المنازلة وشط، ورقد قضيب قرابها بعد ما أشط، مصصت معها نقيع الصاب، لفقدان النصاب، ولسبت سموم عدم الانتصاب، لتتعتع الأعصاب، ولم أخلها أخلت بجوابي، إلا لخلو الجوابي، وما تأملت تجوابي، إلا لانقراض تجابي، ولا شاهت بإهمالها إلا لأسمالها، ولا فاهت بملالها إلا لإرمالها، ولم تزل تسمح برغفانها، وتطفح بطافح طوفانها وتجود من جفانها بعدد عضل أجفانها، وما سرني بأن جبت النساء، وحبت سخالها الرؤساء، وقد قبح فعلها وأساء، ومع هذي المزية، وتعاضل هذه الرزية، وجودة همتي والارتياد، وذبي عنها ذب ذب الرياد، فقد آلت ألا تحتمل إفلاسي، وألا تحتلس أحلاسي، حتى يقبل ريع الوقف النقل، وتجيز أن أبيع بغير شرط القطع البقل، فأنى تلام في كفورها، ومشاكهة فورها ونفورها، وقد علمت أن الملمة تحب الملم وتبغض الهم المدرهم، فليتني لم أقف بهذا المقام، ولنم أعرف عقام هذه العقام، ثم إنه سكن سم لسانه الجرار، وانكدر در دمعه معه الدرار، وأنشد بعدما تبرج وسيمها، وتأرج عاج بهجة الترائب وسيمها: الطويل:

أما والذي أهدى الحجيج فأزعجت ... إلى بيته خوصاً رسيم رسيمها
لقد كنت قبل اليوم يسحب مطرفي ... على روض تنعيم النعيم نعيمها
وأرفل في ثوب الدلال ولم أزل ... أخا دعة يسمو النسيم نسيمها
يطاوعني صرف الليالي كأنني ... بذي حبب حلو الحميم حميمها
وتَسعَى إلى أرضي العُفاةُ عواطلاً ... فيرجع بالعِكم اْلعَكيم عكيمها
وينتابني العافون والعامُ معتمٌ ... فيفعِمُ عيشاً للعديم عديمها
ويعلو يَراعي والقِراعُ وعزمتي ... إذا عَل شرياً بالعظيم عظيمها
فلمّا نأى عنِّي الصَّلاحُ وصافَحتْ ... أناملُ حالي والأديم أديمها
تأخَّرَ عنِّي الخيرُ والخَودُ والرَّخَا ... وواصلَ خَيمي رخيمي وخيمُها
وضاقَتْ يميني بعدَ يُمني وأنَّني ... لفي فِكَر مُد فَر رَيمي وريمها
فأف لدنيانا الذميمة إنَّها ... تُذِلُّ عظيماً كي يلذَّ ذميمُها
فبِت عديماً واستفادَ عديمها ... وظِلْتُ سقيماً واستقامَ سقيمُها

قال القاسمُ بنُ جريال: فحينَ أحكمَ انحشادَ حكمتِه، وأتقنَ إنشادَ كلمتِه، قال لها الحاكمُ: يا هذِه لو انثنيت عن قِماصكِ، وتأسيت بخِماصِكِ، وأويت لصبابته، واكتفيتِ بمصاحبتِه، واجتنبتِ سبيلَ شِرَتي، وركبت منهاجَ مشورتي، لكانَ قَدراً جبيراً، وأجراً كبيراً، وعيشاً وثيراً، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل اللهُ فيهِ خيراً كثيراً فلما تأملتُ صفوَ نحيه والبديغ، تألمتْ تألمَ اللديغ، وقالت: ما أصنع - أعزك اللهُ - بمَنْ أقفرَ فأفقرَ، وأقمرَ فأمقرَ، وضَعُف متينُهُ، ونَخَرَ وتينه، وقصر باعه، واندثر رباعه، ورقدَ متاعهُ، وفسَدَ استمتاعُهُ، ومُزِّقَت ثواجه، وتمزقت أثباجه. وجلا عشارُه وخَلا تعشارُهُ، وطفحَ ارتعاشه وتطحطح انتعاشه، وقد قشفهُ وهد وند ترفه وانهدّ، وجاور إربُهُ الخفرَ إذ جفَرَ، وخالفَ قلبُهُ النفرَ مذ نَفَر، وأنا - أيّدك اللهُ - في قلق لروقُّ لهُ النِّطاقُ، وحَمل حِمْلِ صيم ضَيْم لا يُطاقُ، أبيتُ في رداءٍ رَثٍّ، وغذاءٍ غَثٍّ، وازديارٍ جث، وازرار مجتث، ودموع لازبة، وقطوع ناصبة، يخرف بي خرف الخَروفِ، ويسوفُ بأنفي ريح عرْفِ المعروفِ حتى لقد ضب سحابُ ذلّتي وشبّ شبابُ مذلتي، وغاضَ ماء منتي، واستفاضَ قَيْظ يهماء أنّتي، وبدرعي من الرقاعٍ لديهِ، عددُ الخارج من قَسْم تِسْع وتُسع عليه، وما كلفتهُ مذ عرفتُه دِرْهماً، ولا سألته بالرقمتين سلجماً، فليتني مِتُّ قبلَ هذا بجُمع ولا ولجتُ لجَلَلِ توجُّع هذي المجاعةِ بجمْع، وها أنا أخاطبُه مخاطبَةَ الأسوف وأقول مقال مَنْ رافقَ قمرَ قُربهِ غَسقُ الخسوفِ، لا حاجةَ لي بباحتكَ بلاَ صَباحتكَ وفصاحتكَ بلا نصاحتكَ، وعرفِكَ بلا غَرْفِك، وعِرْفِكَ بلا عُرفِكَ، ومن التي تتسلّى عنِ الدَّجاج بالمُجاج، وجميل الزواج بجميل الازدواج، فلستُ لي من الأزواج ما اقترنت الأفرادُ بالأزواج، ولا اجتمعَ ألفك بصادي، أو يجتمع غلّ وري بصادي، فأفْر أطمارَ الأوطار، واقْر قلبَكَ سلامَ سورة الانفطارِ، قالَ: فلمّا سَمعَ الحَكَم كلامها، ومهَّدَ العُذرَ بعد ما لامَها، تنّسمَ نسيمَ عَولها وتبسَّمَ ضاحكاً من قولها، فأسبلَ الشيخُ من عَيْن عينه العيونَ، وأرملَ من دمع حُضّارهِ العيونَ حتَّى رثَى لَهُ القاضي ورق، ورثّ حبلُ الرواح للرواح ورقَّ، ثم إنه وعز لهما منْ عباب عينهِ، بعددِ عضل عينه، مشفوعة مع حِدّةِ ذلك الرجاء، بعدةِ صورِ حروفِ الهجاء وقالَ: حسِّناً بهذِه بالكُما ولا تردا رَبْعي بعدَها لا أبا لكما، فما كُلُّ مَنْ سَجَعَ فجع، ولا كلّ منْ أجدبَ انتجعَ فخرجا خروج مَنْ سَدَّ بعظم قِدْحِهِ الفضاء، واستخرج نَارَ زنادِ قَدْحِه فَضاءَ، ولَمْ أكُنْ قبلُ أستطيعُ النظرَ إليهما، لانحشار البشر عليهما، فلما خَلوْتُ به في البَرَاح، وجلوتُ عروسَ خلوته قبل براح بَراح، ألفيتُه المِصريَّ ذا المصائدِ الوريفَةِ، والطرائفِ اللطيفةِ، فقلتُ لَهُ: إلامَ تغتالُ عقولَ الحُكّام وتحتالُ على حُصول الحُطام، وتبلَعُ ولا تشبعُ، وتكرَعُ ولا تبضع، حتى لقد صِرْتَ بهذا السِّقَاء الدائم الاستقاءِ، بمنزلةِ صاحب الاستسقاء، فأدبرَ اذبارَ الفيل، وأجفلَ إجفال الأجفيل، وحين حِرْتُ بنَفَار غادته، واستمرارِ عادته، قرْنْتُ باطر عرهِ إلى عُنوانهِ، وضمَمْتُ ذلكَ العَجَبَ إلى صِنوانهِ، وعجَبّتُ من مُصمياتِ صوّانهِ، وصُنْتُ ما صدر منهُ في صِوانهِ.

حسن خليل
23-11-10, 04:09 PM
المقامة السابعة عشرة المصرية

حَكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: دعتْني أناملُ الهوىَ الحاكم، والجوَى المتراكم، والأَرقِ المتفَاقِم، والقلقِ الراقي على الأراقم إلى مِصْرَ أيَّام نضارةِ الأديم، ومحاضرةِ النَّديم، واحتمالِ الرسيم، واشتمالِ النشاطِ الجسيم، فترعتُ إلى شارتِها، وأطعَتُ حاجبَ إشارتِها، وظعنَتُ لا أعطِفُ على عَقَارٍ وَقَارٍ، ولا استعطفُ ذا وقارٍ واحتقارٍ، لأشبُرَ سناسنَ نزاهتِها، وأسبرَ شناشنَ نباهتِها، وأشيمَ بارق عُجابِها، وأسيمَ النظرَ في نواضرِ أنجابها، مَعْ خليلٍ يخوضُ الحَزْنَ والرغابَ ولا يذكرُ الغابَ إذا غَابَ، تُشعر أفعال أتباعهِ بحُسْنِ اتِّباعهِ، وعدمُ أطباعهِ بطيب طيبِ طِباعهِ، ما ألفيتُهُ لفائتٍ حَزيناً ولا خَزيناً، مذَ جعلتُه لسِّرنا خزيناً، يدافعَ الجَزَعَ، إن رُزينا، ويُمسِي لرِزِّ الرزايا رزيناً رزيناً: المتقارب:

فما زالَ يدرأ عنِّي الهُموم ... ويُزعجُ في البِيْدِ عيناً فعينا
فكانَ المتينَ وكانَ الوتينَ ... وكان الظَّعين وكانَ الطَّعينَا

فَلَمَ نَزَلُ نلاعبُ كواعبَ التهجيرِ، ونجانبُ مشاجرةَ الشَّجيرِ، ونُبارز قَنابلَ الإسراع، ونُعانقُ عواتقَ الإيضاع، حتى ولجناها بعد مفارقةِ الأنيس، بُكرةَ يوم الخميس، والبلدُ زاهٍ بزهوه الأريج، والزَّبَدُ طام بتلاطُم الخليج، والقَصْفُ يرفلُ بالرِّفلِ النبيلِ، والروضُ يُثنى على انثيالِ تنويلِ النَّيلِ، والجوُّ يبرئُ حرارةَ الغليلِ، برسيم نسيمهِ الصحيح العَليلِ، والنورُ في ذلك الإبّان، قَدْ توَّجَ جباهَ الكُثُبانِ، وجنَاحا المَرَح مسبلانِ، ومَها الأرائك تُغانِجُ جاذرَ الغِزلانِ: الكامل:

فكأنَّني لمّا ولجْتُ ربوعَها ... ساع على زهْرِ الجِنانِ الأزهَرِ
فكأنَّها في القَدْرِ دُرةُ غائص ... وكأنَّها في الرِّيح ريحُ العبْهَرِ
وكأنَّها في الحُسنِ شَمسُ ظهيرةٍ ... تُجلا على بدرِ السماءِ الأنورِ
وكأنّما الماءُ القَراحُ بنيلِها ... شُهْدٌ تدفَّقُ من عبابِ الكوثر
وكأنما الرَّند المضوَّعُ في الرُّبَى ... مسْكٌ تضعَ في لطيمةِ عنْبرِ
تالله ما تركَ الزمانُ لغيرها ... حظّاً من الفخرِ الرفيع الأوقر
كلاّ ولا باع المَسودُ مِراحَها ... إلا وباكرَهُ المسوِّدُ يشتَرى
كلاَّ ولاَ نَشرً الأنامُ مُديحَها ... إلا تأرَّج في بروج المشترِي
فعلامَ يهجُرها الجَهولُ وينبثَني ... عن عَرْفِ ريَّاها الذكي الأذْفرِ

قال: فلمّا قبّلنا حلائلَ ذلكَ الإحبال، وأقبَلْنا على قبْلَةِ ذيّالكَ الإقبال، جعلنا نختلسُ بِها بهاءَ الجَذَل، ونلتمسُ لَها لُهَى لُجَينِ الجَدَلِ، ونَرْتعُ في ربيع ذلك الخَول، آمنينَ مِنْ عَوَر المعاندةِ والحَوَل، إلى أن حَظِينا بالسعودِ السوافرِ، وحَمدْنا حلاوةَ بحر التبحُّر المديدِ الوافر، وحين حللْنَا حمائلَ المحادثاتِ، وارتحلْنا جمائل جَدِّ المنافثاتِ، سَنَحَ لنا حاجةٌ إلى دار الوزارةِ، تشتملُ على إجارة التجارة، فل حضرتُ إيوانها، وشكرتُ أعوانَها، وخبرْتُ بُرَّها وزوانَها ألفيتُ صاحبَ دَسْتها، وقاسم دَرْبَسْتها، العَضبَ العبقريَّ، أبا نصر المصريّ، فشددْتُ إلي شدَّ مَنْ شَيّدَ قدَرهُ وعلاَّهُ، وظَفِرَ بفَوْزِ مُسْبلهِ ومُعَلاَّه، فأظهرَ كمينَ شِقْشَقَته، وأقعدَني على نُمرِقتهِ لِمقَتِهِ، وأقبلَ يسألني عن استصعابِ الطَريقِ، واستصحاب ذلك الصديقِ، فصدقتُ في أسِّ تلك الأبنيةِ، وأصدقْتُ عروسَ مناسمتهِ كَثْرَةَ نِثَارِ الأثنيةِ، ثم إنّي قلتُ لَهُ: في طَيِّ تيك المحالفةِ، على مَهْيَع المُلاطفَة، جَلَّ مَنِ احتنك، إلى الحَيل مركبكَ، وعلى كاهلِ الكَهانةِ أركبَكَ، وفي أيِّ صُورة ما شاءَ ركَّبَكَ، فضَحِكَ حتَّى فرَّ فاه، ثُمَّ مالَ إلى قَدِّ قَميص وقَاره فرفَاه، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ: فبينما نحنُ نرتجلُ مُلَحُ الغرائب، ونرتحلُ مخافَةَ العائبِ، عَنْ عَطَنِ المعائب، إذ تُقُدِّمَ إليهِ بإصدارِ مكاتبةٍ إلى بعض الأمصار، ثابتةِ الإصارِ على زعزع التنازع والإعصار، تعجز ألسن القبائل، تتضَمن المعَاتبة لقطع مواصلةِ الرسائلِ، فلمّا استنشقَ نسيمَ قولهِ وقابلَ بالطاعةِ مراسيمَ قيلهِ، شَبَّ شُبوبَ الضِّرام، وهبَّ هبوبَ الأسدِ الضرغامِ، بعدَ أن شكرَ طَوْلَهُ وِزادَهُ، وأنشأَ ما أرادَهُ وزادَهُ، ثُمَّ أرسلَها إلى مخدومِه، ليقفَ على بدائع مختومِه، فكانتْ: عندي أطالَ اللهُ ارتقاءَ الجنابِ العالي المولوي الملكيّ العالمي العادلي.

الأوحديّ العَضُديّ المجاهديّ الأطوليّ المتطولي المفضّلي الأفضليّ.
ذي المناقب الجائلة والمواهبِ الهائلةِ والمِنن السامية والهمم الهامية.

ولا بَرحَ في سعادةٍ لا يُكْفَتُ ذيلُ سِرْبالها ولا تكفُّ كَفوفُ الغير كفوفَ آمالِها. ولا انفكَّ في سيادةٍ لا يغيبُ بدرُ كمالِها، ولا تثلُم وقائعُ القدر قواضبَ إقبالِها. مؤيَّداً بنُجح جَلالةٍ لا تحجِمُ نضالها، ولا تخيمُ عَنْ خيول المِنَح جحافلُ إفضالِها مقلّداً بلهاذم هداية لا تُفْصم عُرى مجالِها، ولا يقصمُ جارحُ الوَجَل جناحَ إجلالها. من التَّوق المبرح العاكفِ وشَدّة الشوق الشديدِ المتضاعفِ.

ما كَثرُ لرصْفِ وصفه الطُروسُ، وعجزَ عن دفع أعباءَ عيائهِ جالينوسُ. الفكرُ الذي حرّم حُميَا المِراح، وأحرمَ بجُحفةِ إجحافِ حلاوةِ حدّ الصُّراح. وسلبَ طِيبَ لذَّةِ المهادِ، وسكَبَ بَنَانَ كراهيتهِ كأساتِ الاضطهادِ.

فاللهُ يجُودُ بجَودِ عِهادِ ذلكَ الشهاد، ويُعيدَ عيدَ سَحِّ إرعادِ ذلك المرعادِ.
أيّدَ اللهُ الخادمَ على حملِ مِنَنِكَ المورقات، وحَمْدِ مِنحكَ السابقاتِ الباسقاتِ.
وأراحه من بُرَحاء أرقه وشفَاهُ وأهّلَهُ لمدْح تكِلُّ عن بثّهِ الألسنُ والشِّفاهُ.

وقد كانَ عوْدنا كَفُّ كرَمِكَ الكامِلُ الأنعام، وأرضعنا ثَدْىُ بَرِّكَ ما أنسَى مرارةَ الفطام.
وأتحَفنَا سَيْبَ رِفدِكَ بما يُغنى عن الانتجاع، ويُوجبُ لكَ القيامَ على ساقِ السَّمع والطاعَ.
فعلامَ نَصلَ اخضرارُ ذلكَ الخِضابِ، وهطَل قِطْقِطُ طُولِ القطيعةِ والانقضاب.
وأنا طرت رماحُ حُسنِ الاتحادِ، وظهرتْ رياحُ المَللِ من بيوت عادِ الإبعادِ.
فما أجملَ بجنابكَ قدَّ هذه الرِّقابِ، لنَحْسِمَ الحاسدَ بحسام حسده العاري عن القراب.
والانقلابِ، لتتابُع المَبرَّات المُبراتِ، وعَلّ عُقارِ المَرَح من يَد المسَّراتِ المُسرّاتِ.
والأحسنُ بكَ احتساءُ قَهوةِ الوَفاءِ، لنصولَ في صهوةِ المواصلةِ والصَفاءِ.
وندرسُ بفوارس المسرةِ نفوسَ الحاسدينَ، ونقلع بإصبُّع المعاهدةِ عيون المعاندينَ.
ضوّعَ اللهُ المحافلَ بعَرْفُ عرفهِ الصَّفيِّ، ورضّع جُمانَ الجلالةِ بتاج مجدِ جدهِ اليُوسفيّ.
وأسبلَ ملابس إحسانهِ السَّحابيِّ، وأجزلَ نفيس اَمتنانهِ الحَبْيِّ الأبي.
بعدَ استعراض سانح مُهمَّاتهِ، والتماس ما يتجدَّدُ من إباناتِ لُباناتهِ. والسَّلام.


قال الراوي: فلمّا وقفَ على البواترِ التي مَقاها، والجواهر التي استخرجَ نُقَبَها واَنتقَاها، خرجَ حاجب الحاجبِ إليه، وأثنَى لدى ناظرِ الناظر عليهِ، وقالَ لَهُ: إنها الوافيةُ المبانِي، كافيةٌ عن استماع المثاني، بيدَ أنَّا لا نستحسنُ الإسهابَ، فاختصر الخطابَ، فقالَ لهُ: ألق مِنْ بينِ كلِّ سطرينِ سطراً، وأسطُرْ ما تخلَّفَ من المكاتبةِ مرّةً أخرى، تَجِدْهَا جسيمةَ الجلَلِ، مُنَزَّهة عن مجاورةِ خَلَلِ الخَلَلِ، فولجَ بها إلى وَحَاهُ، وشرحَ بحَضرته ما إليهِ أوحاهُ، فاستحسنَهُ واستراهُ، ولو باعَ دُرَّها بدُرَرهِ لاشتراه، وقال: إنَّها لعديمةُ النظير، ناظر بما يُغنى عن نَضَارةِ النضيرِ، غيرَ أنَّ إسهابهَا بَعْدُ لائحٌ، وسحابَها في سماءِ الإطالةِ سائحُ، فقالَ لهُ: ضَع مِنْ بينِ كلِّ أربعةٍ سطرينِ، وقَدْ حَصَلَ الغرضُ كلمحةِ العين، ثَم عليكم بها منافثةً، وإنْ شئتُم اختصرتُها مرّةً ثالثةً، قال: فحضرَ السفيرُ لديهِ، ثمَّ عاد مسرعاً إليه وقالَ لَه: إِنَّ الملكَ قد شاءَ، واَستجودَ الإنشاءَ، فقال لهُ: ذَرْ مِنْ بينِ كلِّ خمسة ثلاثاً، واجعلْ الراحةَ بيننا أثلاثاً، فظهر بعد الوقوفِ على مذهبها، والعكوفِ على رُقومُ مذْهبها، قائداً بغلةً رضيّةً، وبدلةً قاضيةً مشفوعةً بحُلَّةٍ عبقَريةٍ، وبَدْرَةٍ مصريّة، فرفعَ الحُلَّةَ إليهِ والذهبَ إليَّ، فشكرتُ على ما جادَ بِثَجَّاجهِ عليّ، وجعلتُ أعجبُ من فضلهِ النفيع، وأفكرُ في مطمئنِّ الإقامةِ والرفيع، إلى أن خرجْنَا متجملين بحُلّتِهِ، متحملين سحائبَ خُلّتهِ، رافلينَ بدَنادنِ مَّنتِه، قافلينَ بقلائص نعمتهِ.

حسن خليل
23-11-10, 06:36 PM
المقامةُ الثامنةَ عشرةَ الدّجليّة

حدّثَ القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: رحلتُ في سفرةٍ من الأسفارِ، حالَ مجاورةِ الجِفارِ، بخليلٍ طاهرِ الحيزوم، صابرٍ على مصابرةِ الحزوم، واكفِ الصوابِ، عاكف على منَاسكُ الآدابِ، لا يعيبُ بَدَنَ مداناتهِ حُماقٌ، ولا يشينُ قمرَ مقاناتهِ محاق: الطويل:
فكانَ لقلبي مُهجةً ولخاطري ... صقَالاً رَبا فوقَ الصَقالِ صِقالا
وكنتُ أسيمُ السَّمعُ في روضُ نُطْقهِ ... وأَسْرَحُ في السَّحر الجلال حَلالا
فَلَمْ تَرَ عَيْنِي بعدهُ قَط قُرَّةً ... ولا ألفَتْ بحدَ الوِصَالِ وِصالا
ولا خصَّني مُذْ خَصَّني بوِدَادهِ ... زَماناً كأربابِ المِلال مِلالا
فَلَمْ نَزلْ نُسْرعُ إسراعَ اليَعافير، ونُشْرعُ رماحَ المَرَح لطَعْنِ جَفير ذَلِكَ النَّفير، حتَّى عُرِفْنا بمقُاطعةِ الرِّباع، وعكَفنا علَى معانقةِ السِّباع، وأَلفْنَا سَوْفَ هَذا المَلابِ، ووصفْنا بنَهْلِ شرابِ ذَاك الحَبابِ، وكُنْتُ أيَّان معادلتهِ، وأحيانَ مُزاملتهِ، كثيراً ما أمنَحُ شَغَافَهُ، وأقصِدُ إتحافه، بذكرِ أبي نَصْر المِصْريِّ، ذي الجَنَانِ المِصقَعِيِّ واللسانِ المِرقَعِّي، وأبثُّ له يانع مجالساته، وبدائعَ منافساتهِ، إلى أن استحوذَ على فؤادهِ الشوقُ، وأمَّل بإنْ يؤولَ للقيانه ذلك السوقُ، فبيْنَا نحنُ نتناوحُ تناوُحَ الزَّميل، ونكتحلُ بميل ميل ذلكَ الزَّميل، ألفينا حِبالة منصوبة، وأَضغاثَاً مقضوبة، تُجَاهَ شَيْخ بارز السَّناسنِ، متداخلِ الجنَاجِنِ، متقمّر كهمَوسهِ متنمِّرٍ بازاءِ ناموسهِ، فملنا لاستخراج خبرهِ، واستنشاق عبْهرهِ، فإذا به شيخُنَا المِصْريًّ فارسُ حومةِ المحاورةِ، وممارس فوارس المساورةِ، فقلتُ لصاحبي: ها هُوَ مَنْ كُنْتُ أسهب في وَصْفِ إنصافه، وشدّةِ هبوبِ إعصافهِ، وأمدحُ سحائبَ نَجْلِه، وأذُمّ حبائلَ المِحَنِ لأجلهِ، فلمّا نُصِر بمقالتي، ورأى أبو نصرٍ اندفاقَ ناقتي، قالَ لي: يا بنَ جِريال إلام تقطَعُ غواربَ دأمائك، ولا تقنعُ بمعاقرةِ دَامّائكَ، وتقومُ لفضح وقورِكَ، وتَمورُ بلَقَم صخوركَ وقورِك، فقلتُ لهُ: أرحنَا من عِقَار ملامِكَ، وانْفَحْنَا بطيبِ عُقار إلمامِكَ، ونوِّلْني عهادكَ المعهودَ، لأُجدِّدَ بمجالستِكَ العهودَ، ولنقتنِصَ بِغاثَ منامِكَ، ونختطفَ كؤوسَ انسجامِكَ، فَقَدَ تاق رفيقي إلى اقترابِكَ، ومعرفة ليوثك من ذيابكَ، فقالَ لي: حُبّاً لرفيقكَ وَلَكَ، وسَمعاً لما انهجتَهُ مِقولَكَ، فَوالذي خوَلكَ، وإلى هذه القُتْرةِ حَوَّلَكَ، لأسمعَنّهُ من طُلاوةِ المناظرةِ، ما يفوق نسيمَ الرياض الناضرةِ، ولأرينَّهُ من نِفاس المساهرةِ، ما يُطربُ قلوبَ العيون المساهرةِ، ثمَّ إنَّهُ احْتَلسَ بساط الطاعةِ، وقعَدَ قعودَ المِطواعةِ، وقالَ لنا: اعلما أنَّني مُذِ اطَّرحت رحالتي، وناوحتُ حِبالَتي، وألفْتُ مداومةَ الصَّدَ وشُعفْتُ بمعاشرةِ المَدَرِ، وصِرْتُ نسيَاً منسياً، لَمْ أرَ بهذهِ البُقْعَةِ إنسيَّاً، ومتى استعرَ بها سعيرُ مسامرةِ، أو اشتهر شُعاعُ معاشرة، كان سبباً لحِرمان الحُوش، وطَمْس سِكّةِ غرَض هذا المنقوش، ولكنِ انهضا بنا إلى مكانٍ سحيق، لأَفُضَّ عليكُما أفضلَ رحَيق، فإنَّ صَيْدَ الأحباءِ أحلى من صِيُودِ الظِّباء، ومنادمةِ الجلساءِ، أشهَى من قنصي جآذرِ الوعساءِ، قالَ: فقُمْنا بعد مقالهِ، وأرقلْنا بُعَيْدَ إرقالهِ، ثُمَّ لم يزلْ يخوض أمامَنا الخَمَرَ، ويستصبحُ بينَ أقدامِنا القَمَرَ، حتَّى وقفْنا بماءِ دجلةَ النميرِ، وقد امتدّ رواقُ بدرِنَا المنيرِ، فخلَعَ جلبابَ الإباءِ، وافترش كِساءً مِن الأباءِ، فقعدْنَا بحذاءِ قُترتهِ، نرتقبُ ما سيظهرُ بعدَ طول فَترته، ثم مالَ صاحبي إلى ما تخلَّفَ من زادِنَا، ولطائفِ أزوادِنَا، فآلى بمن يخفِي الثواقبَ ويُخفيها، ألاّ يضعَ أناملَ يدهِ فيها، ثمَ قام إلى مُحِلاّتهِ، فأخرجَ ما بقي من نُفاضاتِ مِخْلاتِهِ، فقلتُ لَهُ: أراكَ احتذيتَ حِذاءَ القناعةِ، واجتديت جداء هذى الاستطاعة، وأجحمتَ على الزهادةِ، واقتحمتَ مَهْيَعَ هذهِ العادةِ، فقالَ لِي: إيّاكَ أنْ تُعَنِّفَ أخاكَ، ولو ضربَكَ بحسام المحاسمةِ فأحاكَ، ولا تَرجُ من وكف كَفَّيهِ البليلَ، ولو بهظ دَرُّيدِكَ مِن حوْبائه التليل، واقنعْ بدني فُتاتِكَ، ولا تطمعْ في حُليِّ فَتاتِكَ، وادكَرْ وفاتَكَ، واعتبِرْ بمَنْ فَتّهُ وفاتَكَ، وخُذ معَ الوَرَع حَلالكَ، وعَدِّ في البِدَع عمّا حَلالَكَ، وأصْلِحْ خِلالك، واسكن حيثما خلالَكَ، ثم أنشد بَعْدَما تشعّبَتْ شُعَبُ تألمه ومَفارِقُهُ، وخَفَقَتْ ألويةُ تململهِ وبيارقُهُ: البسيط:
لا تيأسًنّ على ربْع تُفارقُهواَحذَرْ فديتُكَ من خلٍّ تُماذِقُهُ
واقطَعْ رجاءَكَ منْ رِفْدٍ تُؤَمِّلُهُ ... ما دُمْتَ حيّاً وإن شِيْمَتْ بوارقُهُ
واحسمْ بحَدِّ حُسَام اليأس إنْ سَمَقَتُ ... روضُ الرجاء وطالتْ منكَ أعذُقُهُ
ولا تمدَّ لجمِّ الجُودِ جارحةً ... فالحُر تكرهُ حَمْلَ المَنِّ عاتقُه
واخترْ لنفسِكَ جأشاً لا يُفارقُها ... فالوغدُ تشبههُ في الرَّوْع عاتقِهُ
ولا تَبِتْ بفراش الإفكِ تَخْلُقُهُ ... فالإفكُ يدنو لثوبِ المجدِ يُخلقُهُ
ومَنْ يجمِّعُ مالا لا يمزِّقُهُ ... يجولُ فيهِ معَ الدنيا يُمزًّقُهُ
فالحزمُ عندي لِمَنْ أَمْسَى وخَاطِرهُ ... مُحَقِّق أنَّ جودَ اللهِ رازقُهُ
قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا لَسِبَ حلاوةَ محاضرتهِ، وسَلَبَ لبَّهُ بمحاسنِ عظاتِهِ، وجَلاَ لدينا عرائسَ راحتهِ، وتلا علينا سُوَر صُحُفِ فصاحتهِ، أقمْنَا عندَهُ تَتِمَّةَ الغَسَقِ، مسرورين بحُسْنِ النَّسَقِ، ولما نتجَ الليلُ الصباحَ، وتلجْلَجَ لسانُ السَّمرِ بعدَ ما أَفْصَح وباحَ، نهضنَا ذلكَ التّسديس، إلى امتطاءِ الدِّرفْسَةِ والسَّديس، يَغْمُرُ كلّ بدَمْعِهِ العَبيطِ، أرجاءَ غاربهِ والغَبيطِ، غِبَّ أنْ غَضَضْنَا لديهِ راحَ المصاحبةِ فَأبَى، وعَرَضْنا عليهِ دروعَ المعادلةِ فنبا، وسألناهُ فَكّ ذيّاكَ الحُبَا فما حبا، ثم إنّهُ فكّر وارتأى، فيما رامهِ ورأى، ونفرَ نفورَ اللائي، ووثَبَ وثوبَ الوائي، وعاود ذلِكَ المُنتأَى، وودَّعنا وانتأى.

حسن خليل
23-11-10, 06:38 PM
المقامةُ التاسعةَ عشرةَ القُدْسيَّةُ


أخبرَ القاسمُ بنُ جريال: قالَ: دعاني أوانَ غابَ الغباوةِ المغمورِ، إلى بيتِ المقدس المعمورِ، كفُّ زندِ الزمنِ الغَرورِ، ومُحيْعَلُ الطمَع مِنْ منارة الغُرورِ، فكتمت لذلكَ الغرض ما خفيْتُ، وأظهرتُ لَهُ ما كنتُ أخفتُ، ثمَّ أرخيتُ شُرُعَ الامتيار، وانتحيتُ لاختبارِ تلاتلِ الاختيارِ، وصِرْتُ بعُروض حَميدةِ الإحماض وعروض عريضةِ الأعراض، إلى أنْ أنْختُ بِها كلكل الكلالِ، ونفختُ في نار وقود ذلك الاستقلالِ، ثم بادرتُ قبلَ اتخاذِ الغرفةِ المنيفة، إلى زيارَةِ الصخرةِ الشريفةِ وحينَ صارمتُ مصاحبةَ الأمزارِ، وأمَّلتُ حَطّ حقائبِ الأوزارِ، أقبلْتُ على المبيع وأخذتُ في عَبِّ ربيع ذيّاكَ الربيع، وكنْتُ مَعَ ذلك الإلهام، ورَفْع تِيجانِ هذه الهام، عازماً على مجاورةِ صخرتهِ، طامعاً في اقتناءِ ثَوابِ آخرتهِ، فَيسَّرَ اللهُ ما ارتجْيتُهُ، وقدّمَ القدرُ القدمَ الذي أرجيتُهُ، فلمّا انقضتْ مدةُ الأسبوع، وبَقي لبزوغ شمس الخطابةِ مسافةُ الأصبوع قصدْتُ المصلّى وصلّيتُ بحلَبةِ المبادرةِ مَعْ مَنْ صَلّى، وعندَ ما استبانَ طلوعُ الخاطب، وبانَ ظهورُ حفول المصاطِبِ، برزَ ساعياً عَلى حسامه، راقياً، إلى مراقى مَقامه، فحينَ وعَى الآذانُ، ودَعَا لدَعوةِ طيبِ خطبتهِ الآذانُ، عطفَ لشغْلِ يدهِ وقال، واَستوَى قائماً على صَمْصامه وقالَ:
الحمدُ للهِ المدركِ، العالمِ المهلكِ، الحاكم الراحمِ، العاصمِ الكاملِ، الطاسمِ الواصلِ، وعدُهُ المواصلِ، سَعْدُهُ السالم، عهدُهُ المسالم حدُّهُ المومَّلِ الإعطاءِ، الوعودِ المسؤولِ، لإسداءَ السعودِ، مسوِّدِ الحُمرِ والسودِ، ومرعرعِ الحُمُرِ والأسودِ، مسعسعِ، الأَسحارِ، ومعسعس الأسحارَ، عالَ عرام سَحِّهِ ولَمَّ، وأحالَ حلول حَسهِ ما ألمَ، ودَرَّ دَرُّ حَمْدهِ وساحَ، ومَد مدُّ وردِه وماحَ، هادم الأعلام، لا إله إلاّ هو الملكِ العلام، أحمدُه وهو المورودُ، وأسألُهُ وهو المُسْعِدُ المَودودُ، حمداً ملأ دلوحه السماءَ، وسُحوحُهُ العَراءَ، أرسلَ رسولَكُمْ وسَحُّ السَّدادِ مسكور، وعاملُ الأعمال مكسورٌ، ومدارُ الصلاحِ مصلوم وصِدارُ الإصلاحِ موصومٌ، ورأسُ الأمةِ محسومٌ وسِراط السَعادةِ مطسوم وصوامعُ الإعلام مردودة، وطالعُ الإسلام مسدودة، وألْوادُ العَدالةِ مهدودة، وأولاد الدلالةِ موؤدة، سهل اللهُ مسالكَ مَعادهِ، وسوّرَ عساكر إسعاده، وكرَّرَ لآلهِ أكملَ الصَّلاةِ، وأركسَ لهام هِمَمِهِ هَامَ العُداةِ وأسعد الملسوعَ مساعدَهُ وعُمر، وأدامَ مَعْلَمَ علوهِما وعَمُرَ، وسما صِهراهُ صاهلُ السموِّ، وكاهلَ السَّعْدِ والعُلُوِّ، وعلاَ أهلُ دارهِ وآلُها، ما لألأ آلها، وطأطأ رأسُ المِلَلِ كمالُها، وطالَ هامَهُ المكارِم إكمالُها، إعلمُوا عمّركُم اللهُ واعملوا واعلموا عودَ عَمَمَ العَمَلِ، واعملوا وسرحُوا عروسَ إهمالِكُم، وأصلحوا رؤوسَ أموالِ آمالِكم وسارِعُوا لمحاسمةِ الكسَلِ الدِّروَاس، وادرسوا طرُوسَ دروسِ الوسواسِ، وسهِّلوا سلوكِ سراطِكم، واصرمُوا طِوَلَ طُولِ إلطاطِكم، اللهَ اللهَ ومَهالك الدُّولِ، وسمَاعِ مصارعَ الملوكِ الأولِ، حرِمُوا واللهِ محالسةَ الكِلَلِ، وعَدُموا مصادمَةَ الأسَلِ، وحاسَمُوا سُرورَ السُّرورِ، وصارموا صُدورَ الصّدورِ، وهدمَ دُوْرَهم المِحالُ وردمَ درُورَهُمُ الأمحال، وهدَر الدهرُ ما هدروا، وسطر المَلكُ ما أملَوا وما سَطُروا، كَمْ سلَّ مَهْلكَاً، وسدَّ مَسلكاً، وململَ العالمَ، ودمَّرَ المَعالِمَ، وكوّر الطاعمَ، وكدَّر المَطاعم، طالما أَلْهاكُمْ المَدَدُ، وأوهاكُم اللَّدَدُ وأصماكم المَللُ، وأعماكم العَلَلُ، ودهاكُمُ الطِّماحُ، وأعداكُم الاطِّراحُ، وأرداكم الراحُ، وحداكم المِراحُ، أما سدادُكُمُ السِّلامُ، أما رُوّادُكم الدِّمامُ. أما المعاد داركُم، أما الأرعادُ مدارارُكُم، أما حَسَمكُم العَدَمُ، أما أسلمكُمُ السدم، أما وعَدَ وأرعدَ، أما هدّدَ وأرعدَ، أما أسرَ الأكاسرة، أما كسرَ مِرداة المرادةِ الكاسرةَ، إلام أسعدكُم اللهُ سعادة سالمةَ الإكسارِ، ساملةَ الإسكار، أراهط طمعكِم طامرة، ومعاهدُ هلعِكُم عامرة، وأراء لهوِكم دامرة، وأمراءُ وهمكِم آمرةٌ، رُحماً لكم حال حَسْم السّواءِ، وطمْس الحِواء، ومواصلةِ الصّلودِ، وعكس أدلةِ الصَّلود، ومساورةِ الوهادِ، ومحاورة الأصلادِ وهدم أساس الإحساس، وممارسة السدَرِ المرّاسَ، وصَلْصَلَةِ صوارم السَّام، وحَلْحَلَة حُمَام الحِمام، ألا احملوا سِلع عملكُم وعاملوه، واسأَلوه سدَّ سمِّ سدَرِكُم وسالموهُ، واسمعوا أَمرَهُ وأسمعوهُ، وأرسلوا سَلْمَ مُسالمةِ رَمْسِكم وأسمعوهُ، وامسحوا عُصْمَ معْصَم عدوِكُم واصدعوهُ، أهَّلكُمُ اللهُ لدعِّ المحارم، وردع أدواءِ الطَّمع العارم، وعصَمكُم سُوْر سُورة الإسراء، ومهَّد لكم سُرَرَ سَورة السَّرّاءِ، قالَ الراوي: فحينَ سقطَ لؤلؤ نِثارهِ، وغَبَطَ كُلٌّ بلاغةَ إكثارهِ، ورفَلَ في حُلَل حبره، ونزل عن صَهْوةِ منبرهِ، ألفيتُه المصريّ مُحَلِّي جيدَ النُّجباءِ، ومُجلِّي حَلْبةَ جنْد الخُطَباءِ، فأرجأتُ الاجتماع إلى فراغ المفروضةِ، إسْوة بالخطبةِ المأروضةِ، ولما فَصَم سجودَ مَسْجدِه، وعزَمَ على مُباينةِ مَسْجدِه بادرتُ إلى استلام يدهِ، واستلآم سلاح الأدب لسلِّ مهنَّده، فانطلقَ بي إلى وَكْرهِ، والغَدْرُ ينْضَخُ من سحائبِ نَكرَه ثم قَالَ: لأربَابهِ وَمنْ قصدَ لُبابَ بابهِ: الحمدُ للهِ الرَحيم، المتفضل بردِّ الصِّنْوِ الحميم، الذي كَفَّ عني حروبَ الحوادثِ، وعفَّ بعدي عن محادثةِ المُحادث، فمذ ذُقتُ مرارةَ نَواهُ، ومُزِّقْتُ بقَواضبِ ما كان نواهُ، ما مددْتُ يَدَ التودُّدِ إلى سواة، ولا شددْتُ ظهرَ المُظاهرةِ بسوى سواه، فهو الذي أطلعَ سُهى التنبه لمَنْ سَها، وزها ثمرُ اتحاده وانتهى، ونهى عن مُجانبةِ النّهي وانتهَى: الكامل:هرَ المُظاهرةِ بسوى سواه، فهو الذي أطلعَ سُهى التنبه لمَنْ سَها، وزها ثمرُ اتحاده وانتهى، ونهى عن مُجانبةِ النّهي وانتهَى: الكامل:
وهو الذي ذرأ الخُطوبَ فأَحجمَتْ ... من بَعدْ إقدام عليَّ ونَهْنَها
وهوَ الذي أهدَى الهدوء لخاطري ... مِنْ بعدِ ما رقدَ الدُّنُوُّ ونبها
خِلّ بهِ قَمَرُ الأخوَّةِ ما بَدا ... من قُبْح خَسْفِ خيانةٍ مُتشوِّها
قال: ثم لم يزلْ مدةً حَلِّ بِطاني، يُطمعنِي في مُقاطعةِ أعطاني، ويصرُفني مذ حَلَلْتُ أشطاني، عن مراجعةِ أوطاني، فبينَما أنا أفكِرُ في نَشْدِ جنَاح ضَوء الضَّواحي، وأخُطِرُ في مَسارح الأقاحي مِراحي، إذْ سَحَبَ طَرف مطرفي في مَساحب طَرق طُرَفي طِفْل أسرعُ مِنَ الجرْبياء وألطف من الجارية الجرباء وقالَ لي: أرى قد ضعفَ سببُ انسيابك في إحْضارِ إنسابك، وانقطَعَ صَبُّ صَيْب إرزامكَ عن جوازل ألزامَك فما هذا الفتورُ، وقد تناقَصَ قَرارُ قلبكَ المبتورُ، وما هذا الانفساحُ، وقد تقاصَرتْ خُطَى صبركَ الفسِاح، قالَ القاسمُ بنُ جريال: فلما سَمعْت قَعْقَعةَ تلك الصّواقع، وامتقعتُ بيْرقانِ ذاكَ القولِ الفاقع حَسِسْتُها مَنْحَسةً انسجَمْتْ من مَعينِ أبي نصرِ اللعين، فقلتُ لَهُ: أراكَ هِجْتَ ما بي بجرِّ جِلْبابي، واتَّهمْتُ بالي، بما لم يُؤذِنْ به بَلالُ بَالي، فار حتى من سُكْر هذا المُدام، وأطلعني على طليعةِ إكام هذا الكلام، فقال: اعْلَمْ أنَّ خليلَكَ الخطيبَ، ومَنْ سكَبَ من صِفاتِكَ القَرْقَفَ القطيب، أرسلني أمس عندَ الأثاربِ، إلى بعض أربابِ المراتبِ، برُقعةٍ رقعت من حالكَ ما انخرَقَ، وبرقعَتْ برقَ إملاقِك بعدَ ما بَرَقَ، فنَشْرتُها لأنْظُرَ سطَورَها، وما الذي أَودعَ مَسْطورَها، فإذا فيها: الطويل:
يُقبّلُ كفا عودت بثلاثةٍ ... بجُود، وتَقْبيلٍ وحَتْفٍ للإثم
فلا زال خافيها ثِمالاً لمُدْقِع ... ولا أنفَكّ ضاحيها مَحّلاً للإثم
ويُنهي إلى نُبله الواضح الآثار، ونَبْلهِ الصالح الأثأر لا برحَ محفوفاً بالأبصار، مصحوباً بصوارم الأنصارِ عَريّاً عن العارِ، مليّاً من الغار أنَّ أخاهُ عازم على السِّفارِ، مجرِّد عضْبَ عَزْمهِ الماضي الشفار، لإحضارِ أشبالهِ الصغارِ. حذَراً أن تنوشَهُم صِعَادُ الصَّغَارِ، لنُنفِقَ بقيَة الأعمارِ، في مُناسمةِ الأغمارِ، فلا خيرَ في شَيم الغِرارِ، لشمِّ العَرارِ، وتركِ العَمار، لقَطْع الغِمار، ومعلوم أنّه باعَ عُروضَهُ على التِّجار، والبنّاءِ والنَّجار، والنّساج والقَصّارِ، والطِّوالِ والقصارِ، وأصحاب الشرار، إلى غايةِ هذا السِّرار، والمُستَمَدُّ من إحسانهِ الدَّرارِ، العاري عن الذِّرار، وكَفّهِ الواكفِ الأسرار، المطفئ أشعةَ الأشرارِ، أنْ يتَطّولَ مَعَ النصَّارِ، بمائةٍ من النُّضَارِ، إلى أيام اليَسار، وانسجام مَسيل يُسْره والبسار، لا زِلتَ قانص التيّار، قابض البتار، دائراً بصحَاف قدْركَ الأعشار، على ذَوى المذلَّة والإعسار، والسلام، قالَ القاسمُ بنُ جَريالِ: فَهرَولْت إلى الكِنِّ، لأعْرِفَ حقيقةَ الأمرِ المُسْتكنِّ، فألفيْتُ الخطيبَ قَدْ طارَ بأجنحةِ اغتيالهِ، وأوقعني في حِبالةِ احتيالهِ، وقد أرسلَ إلي أصيحاب المناصبِ، مِنْ حُسْن صِّيبهِ الواصب، عَشْراً مِنَ الرِقاع، على نمط هذه الأسجاع، وقد فرس مِن أموالها ما فرسَ، وَالتمسَ بها ما بَها التمسَ، والجَلاوزة تُخرِّقُ مسايلَ سُمِّ الحَنَق القاتِل، وتُحِّرقُ علىَّ حِدادَ النيوبِ القواتلِ، فجعلْتُ أتوارى بوهادِ القُردودِ، وأظهرُ ظهورَ الخُفْدُودِ إلى أن نَسيتُ زَهْوَ العيشةِ الزاهرةِ، وأنسيتُ مَهْو الشبيبةِ الباهرةِ، ورحلتُ عَنِ الساهرةِ، رَحيلَ الوَسَنِ عَنْ مُقْلَتِي الساهرةِ.

حسن خليل
24-11-10, 09:50 AM
المقامةُ العِشرون العانيِّةُ

رَوى القاسمُ بنُ جريال، قالَ: لمّا اشتملتُ بشَمْلَةِ شأو الرَّشاد، وارتحلْتُ حِلالَ الحلاوة الإرشاد، اطَّرَحَتُ محاورةَ ذلك الجَناب، وسَرَحْتُ بينَ أطناب ذيّالكَ الإطنابِ، وجعلتُ أستنشِقُ ريْحَ البَرَم والبانِ، واستنجع لبِانَ ذيّاكَ اللَّبانِ، وألازُم حِمَى المناسماتِ، وأنادمُ دُمَى المنادماتِ، وأنتَهِبُ ذَهَبَ أباريقِ المِزَاج، مِنْ يَدِ أشكالِ أباريقِ الزَجاج، وأجتَنِي مَعَ مجانبةِ الظَابِ، شُهْدَ مَراشفِ العَطَر الرضابِ، فما برحَ ذلكَ من نَطافةِ شِعارِي، وشهامةِ عشارى، وسلامةِ يُعاري، ومباعدة عَرِّى وعاري، عِلاطاً لانخراطِي، وسِراطَا لاختراطي، إلى أن عُدْتُ عرَيفَ كَلِ دسكرةَ، وغريفَ كلِ مُسكرةٍ، وجليفَ كلّ حانة، وحليفَ كل ريحانةٍ، وأليفَ كلِّ عانةٍ وخليف كلِّ مِظعانة، فبينما أنا ذاتَ يوم على ثَبجَ المسروج، أتنقلُ في بروج المروج، ألفيتُ سيّارةً تسرحُ في رفاهَةِ، وتنفحُ بنسم نبَاهةٍ، شارعةً هوادِيَ الألهوب، راتعةَ في ذلاذل الذُهوب، فسألتُهم عن العَطَن والحلول، وغبَرّ ذلك الجفولِ، فقالوا لي: أمّا المعهدُ فغانة، وأما المقصدُ فعانه، فقلتُ لَهم: يا للَعجب أتنضون مِنَ المغارب سَمنَ الغارب، وتنصّون طَلبَ المآربِ، بإثارةِ الأثاربِ، أفٍّ لِمَنْ يعجبهُ الإهرابُ وتضوي به العِرابُ، ويستخفّهُ الإترابُ، ولا يملأ عينَه إلاَ الترابُ، فقالوا: يا هذا نراكَ غيرَ مكترثٍ بخَجَلي، ومشرقاً من العجلةِ على وَجل، ولكنْ خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلِ فقلت لهم.: إنني مِنَ المسرفينَ، ولهذهِ الجرأة من المقترفين، فاصفحُوا رعاكم الله حيثُ ترعون ولا مُنعتُمُ العون أين تسعُون، فقالوا لي: أما إذ زجرتَ نفسكَ بالإنذار، وسَدَلْتَ لهفوتِكَ ستورَ الاعتذار، فسننبئكُ بتأويلِ مرادِنَا وطلوع شُموس أرادنا ثم قالُوا: اعلمْ بأنِّنا ممَّنْ فارقَ ولائد الكِناس، لمواصلةِ خرائدِ الكأس، وباع بدائعَ الأحلاس، لشراءِ جلائلِ الجُلاّس، فأنت مِمَّنْ يستضيء بضوءِ هذا النبراس، ويسُلُّ سيوفَ المنافسةِ ليوم هذا المراس، فقلتُ: أنا مِمّنْ اعتلَى ظهور الجلامدِ، واشترَى الذهب الذائب بالجامدِ، وأنفقَ صُرَرَ آلافهِ على ألافه، وأراقَ دمَ سُلافهِ لدى أسلافهِ، فهلْ لكُم في مرافقتي، مع وجودِ نفقتي، وامتطاءِ مطيتي، معَ صَفَاءِ طويّتي، وامتلاء سابي، معَ سَعَةِ اكتسابي، فقالوا: أهلاً بمرافقتك، ولو مع فاقتِكَ، وسهلاً بانتسابِكَ، ولو بعدم اكتسابِكَ، ومرحباً بحسْنِ اكتسابِك، ولَوْ بفسادِ سابِكَ، قال القاسمُ بنُ جريال: فانسلكتُ بأمراسِهم، وشكرتُ نفائسَ أنفاسهم ولم نزلْ نشقِّقُ شِمَال الشمالِ، ونخرّق بنائَق جدُدِ الجُدَد والأسمالِ، إلى أنْ ولجْنا عانة، وأنضْينا العيرانةَ الريعانةَ، ولمّا كسْرنَا عُصِيَّ الإدلاج، وأسرْنَا فوارسَ عساكر الإدلاج، طفِقْنا نسرحُ لرَبّات الرَّناتِ ونتصفحُ صَحائفَ الحاناتِ، معَ منادمةِ الرَذاذِ والوابلِ، واليراع والنابل، حتى حَوَيْنَا ألبانَ تلك الحُلوبِ، واهتديْنَا لهدايةِ الخائنِ الخلوبِ، ثمَ إنْ صيتَنا اتَّصلَ بأمير مكانها، وسائس سكانِها، فأرسلَ إلينا أحدَ أتباعهِ، ليجعلَنا مِمّنْ يَنعمُ بمرباعهِ، ويُنعُم بكرائم رباعه على رباعه، فحينَ حصًّلنا إلى حِوائهِ، وحصَلْنا على لطائِف حِبائه، وأعجبهُ جَنىُّ منافستِنا في مناسمتِنا، وأطرَبهُ حَبِيّ محالفتِنا على سُلافتنا، نَفَحنا بصحةِ النيّةِ، وأتحَفنا بالخلع السنيةِ، مشفوعةً بذواتِ الأرسانِ، والسوابح الحسان، فبينا نحنُ ذاتَ يوم بندوتهِ، متجِّملين بجلابيب جَلْوتِه، وقد أَزَّرَ الزَهرُ بَراحَهَا، وسلَّتِ السحُب على الحدائِق صِفَاحَها، خرجَ بجِفان كالأزهارِ، وفتيانٍ كالأقمارِ، وأبكار كالبدورِ، وأخدان خارجينَ من خلالِ الخُدورِ، فلَمّا قعدْنَا لتناوُل شرابهِ المشمولَ، وشملنا شفه الحَسَنُ الشمول، وألفينا سرابيلَ المسَّرة تَسْدكُ، وجمائلُ التجمّل ترْتك: الكامل:
والكأس يَنْهضُ والقَناني تَبْرُك ... والمُزْنُ يبكي والحدائقُ تَضْحكُ
والشُّرْبُ يَشربُ والمَغانِي تَطْرُبُ ... والخَمْرُ تُسكَبُ والمعاني تسُبَكُ
لمحنَا الأميرُ لَمْحَ مَنْ حَنَّ إلى قَرينه وهن، وسَنَّ سنان قَلقه وأنَّ، وقال لنا: اعلموا أنّهُ ورَد عليَّ بهذهِ الأيام القريبة، رَجُلٌ مُستحسَنُ النقيبةِ، ما أغمضَ جَفْنُ مجالستهِ ولا جفا، ولا لَبسَ خِفاءَ مخالفتهِ مُذْ خَفَا، ولولا أن أشُقَّ عليهِ، لأشرْتْ بالخروج إلينا إليه، فقلنا له: إنّنا ممّنْ يرعَى حقوق حديثه وقديمهِ، ويستر معائب نديمهِ بأديمهِ، ومعَ ذلك فنحنُ لا نُؤثِرُ استدثارَ سلوتكَ، ولا نستأثر عليهِ بخَلْوتكَ، بل نخلعُ على مَجْلَسكَ وصالَهُ، ونَتْرُكُ طيبَ نسيم هذه الصَّبا لهُ، فقال: معاذَ اللهِ أن أفارقَكُم أو أقايضَ بالعَسْجَدِ وَرَقَكُمْ، بَيْدَ أني أعرِّفهُ، بما انسَرى مِن حِفْظِ سّركم وأصِفهُ، ثم إنه أرسلَ إليه من حالِه، برُقعةٍ خاليةٍ عن انتحالهِ، فلمّا حقّقَ قَرْطسة نبَاله، ودقّقَ بصرَهُ لإقباله بأقباله، تجلَّلَ جَنانُهُ بالمَرَح واحتيج إلى العلاج بالترحَ، لشدةِ مصافحةِ ذلك الفرح قال الراوي: فألفيتُ حينَ لاحَ قمر إرقالِه، وفاحَ أرجُ حَلّ عِقالِه في مَقَاله، أبا نصرَ المصري شيح سرورِ الأمير، وشيخَْ معازِف تلكَ المزاميرَ، فأظهرتُ البشاشةَ خَوْفَ التنغيصِ، وخْلِتُ أنْ قًد ظَهَر عليَّ الأسدُ مِنْ مَغَابن العِيص، فضمَّني ضَمَّ المشيمةِ الجنينَ، وأخذَ يبثُّ شوقَهُ والحنينَ، وأقبلَ يُعَرِّفُ الأميرَ دماثَة ودادِنا، وملاحةَ عروس اتّحادِنَا، واحتلابَ عنقادِنا، ونشرَ عَرْفَ عبير اَعتقادِنا، فلَّما فَهِمَ كلاَمهُ، وعلم أنْ قد أسعدَ القَدَرُ أقلامَه، قالَ لنا: الآن يجبُ بأنْ نجولَ حول هذا الميسورِ، ونفْترعَ ذروةِ هَذَيّا السورِ، لمناسمةِ هذا السُّرسورِ، قال: فعدلْنا عن الخِلافِ إلى جَرِّ ذَيلِ الجَذَلِ والخلافِ، ومِلْنا في ذلكَ الانعطافِ، إلى كلّ عَزّة ناعمة الأعطافِ، وأبو نصر يسُحّ لذَلك الذّرور، سُحوحَ المُسْبِل الدَّرور، ويُظهرُ بينَ تلكَ الصُّدور، ما يُعجزُ لسانَ المِصْقَع القَدورِ، حتى أنساني بألفاظهِ القُسِّيَّةِ، علَّ عَلْقَم الوَقْعَةِ القُدسيّةِ، هذا والأميرُ منعطفٌ إلى لُبَدهِ، متعطشٌ إلى معرفةِ بلدهِ، والمصري يزجرني برفع حاجبهِ، ويُسكَتني بنَصْبِ نصْبِ رواجَبهِ، إلى أن ألانتْ لُبَّ الأمير سُحبُ سحْرهِ الهطّال، وآنَت منه طَلِبَةُ مدح أزهاره والرّطالِ، وجَعلَ يعرِّض بوصفِ الرياض، وحمرة خَدِّ خَنْدَريسنا والبَياض، فالتَفتَ أبو نصر وقالَ لي: كُنْ كما أعرفُكَ مجلُيَّ الإعصافِ، والصِّدْقُ عندي من جملةِ الإنصاف، فقلتُ له: كَلا، ومن أنزلَ سُورةَ السكينةِ وهل يُفْتَي ومالك في المدينةِ، فأطرقَ لقولي أطراق المستري، وصافَحْت يدُ جَوْدةِ إجادتِه شناتِر المشترِي، وقال: الكامل:
شرب السلافةِ في الربيع المُزْهرِ ... بين الرَياض على غِناءِ المِزهر
وبنفسج بينَ الخَمائِل حفَّهُ ... أنفاسُ سَوْسنهِ كمِسْكٍ أذفر
فالنُورُ من نوْرِ الحدائقِ ساطعُ ... يحكي بياض سبائبٍ من جوهر
في أحمرٍ قانٍ وأبيضَ مُشْرق ... يقق يَروقٍ وفاقع من أصفر
والياسمينُ معَ البَهارِ كأنَّهُ ... مضنى يُعاتبُ شادناً في عَبْقَريَ
والبان ذو الرَّنْدِ الذكيِّ كأنَّه ... مِسْك تأرجح في صَلايةٍ عنبر
والنرجسُ الغضّ الجنيّ كأنّهُ ... حَدَق تُراقبُ غادةً مَعْ جُؤذَر
وتضُّرجُ الوَردِ النضيرِ مُنْضَّد ... حولَ الزلالِ ورائقِ اللينوفر
من أزرقٍ يَحْكِي السماءَ وأصفِرِ ... شِبْهِ النُّضَارِ على بِساطٍ أخضَرِ
أو وَطْءِ أخفافِ المَطِيِّ وقَدْ غَدتْ ... تحت الأحبةِ في الصَّعيدِ الأعفرِ
ووجداولٍ شِبْهِ السيوفِ كأنَّما ... شُهرَتْ بيوم كريهة وسَنَوَّرِ
ما بينَ منبجس وبينَ مُسلَسلٍ ... ومجَعِّدِ ومَصفِّق ومكسَّرِ
وجآذرٍ مثلِ البدور خوامصٍ ... ما بَيْنَ مُدَّرعٍ وبين مُحَسرَّ
تحكي الشُموسَ إذا قرُبْنَ بمغرَبٍ ... في جَرِّ أذيالِ الحَرير الأحمرِ
أشهَى من الأمن الشَّهيِّ وقد بدا ... بِعدَ التشتُّتِ في العَراءِ الأغبرَ
في ظلِ مولانا الأمير ومَنْ علا ... فرقَ السِّماكَ على المَحَلِّ الأكبرِ
فاللهُ يَحْرسُهُ ويَعْصِمُ مجْدَهُ ... مِنْ أنْ يزولَ إلى قيام المَحْشَرِ
قالَ: فلمّا اجْتلَى الأمير لُمَعَ وميضها، وابتَلى زبدَ اغريضِها وعبقَ عَرْفُ أسجاعها التي وكَفتْ وكفَتْ، وسمعَ من بدائع إبداعِها ما وصفَتْ وصَفتْ امتطىَ صهْوةَ الطّرَبِ، وألقَى إليهِ صُبرتين مِنَ الذهبِ، فدفعَ إليَّ صُغرى الصُّبرتينِ، بعدِ الذّبّ عن أنْفِ أنفَتهِ واللُبدتَيْن، وقالَ لي: خذْها إليكَ، واعلم أن الحربَ تارةً لكَ وتارةَ عليكَ، ثُمَّ إنّهُ نهَضَ إلى الخَلا، وقد راقَ وقتُنا وخلاَ، ففرَّ من وقته وجلاَ، بعدَ أن جَلا مِن عرائسهِ ما جلا، فغادرَ وعساءَ آَنْسِنا كالصَّفا، ورنَّقَ من عيشنا ما صفَا، وغَرّقَ فُلْك الفُكاهةِ عندما طَفَا، وطلّق حَصانَ مِصْباح اصطباحِنا فانطفأ.

حسن خليل
24-11-10, 09:52 AM
المقامة الحادية والعشرون الإعرابَيّةُ

حكى القاسم بنُ جريال، قالَ: اضطررتُ حينَ مشاهدةِ المَعيش، ومساعدةِ سهْم المكاسِب المَريْش، وشِباكِ الأشَرِ الواصبِ، واشتباكِ صِعاد البَطَر الحاصبِ، إلى مُجاورةِ الأعراب، اضطرارَ الأسماءِ إلىَ الإعرابِ، لأكتسبَ عقودَ كفاحَهِم وأحتلبَ عقودَ إفصاحِهِم، وأرتضعَ حَبَبَ حبائِهِم، وأضطبع لِسَعْى معرفةِ احتبائِهم، وأنخرِط في نِصاح حُماتِهم، وأقتبسَ نفائَس مُحاماتِهم، فَجعلتُ أجوبُ الفِجاجَ، وأستجلبَ المُجاجَ، وأستفتحَ الارتياج، وأستمحُ من طَفَحَ بالمُلَح وماجَ، فلم يبقَ معنىً إلاّ سُمْتُه، ولا مغنىً إلاّ وَسَمْتُهُ، ولا حُسَام إلاّ شِمْتُهُ، ولا بَشامٌ إلاّ شممته حتى حويت محامد الخِلالِ، وانثنيْت عن معاهدِ الإخلالِ، وجنَّبْتُ عن منهج الجَهالةِ، وأطنبتُ في طلَبِ سَنام التسنُّم والإهالةِ، فلمّا بلوتُ الأنبياءَ، وتلوْتُ الأصفياءَ، حمدتُ اللهَ على صفاءِ القريحةِ، وصلاح النيّةِ الصريحة، وارتِضاع البراعةِ واستبضاعُ عُروض هاتيكَ البضاعةِ، فبينما أنا أهُب بالاندفاقِ، وأرب أفق الاتفاقِ، إذ ألجأني عَدم الرفيقِ، في ليلةٍ فاحمةِ الأفيق، إلى حيٍّ ذكيِّ البوغاء، زكيِّ الرُّغاءِ، مفتوح المذاهبِ، ممتوح المواهبِ. فدنوتُ إلى حواءٍ جميلِ المَساندِ، جليلِ الأسائدِ، فتلقِّيْتُ باحترام، ولقيت أشرفَ مقام، ودارتْ علينا صنوفُ الصِّحافِ، وضَمَّني حُسْنُ لحافِ ذَلكَ الالتحافِ، فلم نزل ما بين مُذاكرةٍ ذكيَّة، ومفاخرةٍ مَعْدَكيةٍ، إلى أن انفلَّ حسامُ الليلِ، وقَل قيلُ ذلك القَيلِ، ولمّا مالتِ الأجيادُ، وحَمْحمَتْ الجيادُ، وأفلَ لَهَبُ دُخانها، وطَلُعَ ذَنَبُ سِرحانها، قالَ صاحبُ حِوائنَا، وجابرُ سِنْسِنِ سَوَائنا: تاللهِ لقد أوحشَنا السحابُ المرعدُ والسّحوح المُزبِدُ، والبَطلُ الفارسُ، والهيصرُ الممارسُ، فلو جالسنا الليلةَ لرفَا ملابِسَ الإلهام، ونفى وساوسَ الأوهام، وضوَّعَ همهمةَ الاهتمام، وضيَّعَ غَمْغَمةَ الاغِتمام، فإنَّهُ خَليَّةُ المشتارِ، وهديَّةُ المُمْتَارِ، وعَروسُ السَامرِ، وخَنْدَريسُ المُسامر، قالَ القاسمُ بنُ جِريال: فلما شَرِبتَ الأنديةُ رحيقَ امتياحهِ، وطربتِ الأفئدةُ بأغاريد امتداحهِ، قلتُ له، إنِّي لأحبُّ أنْ تُطرِفَني بمشاهدتِهِ، أو تُتْحِفَني بلطيفةٍ من بُداهته، لأداوي علَّة هذا النُروع، وأنُاوي شدّةَ قلقِ قَلبي النَّزوع، فقالَ: اعلم أنه نزل بنا قوَمَ من آل صعفوق، في زمن منِ النوائب خفوقٍ، تقامُ بوصيدِ عبدانهِ الأحرار، وتهانُ لعزةِ عِزَّةِ بُرِّهِ الأبرارُ، وكنا يومئِذِ أولى نَزْوةٍ وراغيةٍ، وثروةِ وثاغيةٍ، وحمائلَ رايعة، وجمائلَ راتعةِ وجِفانِ مملوّةٍ بالثرائدِ، وضيفان مخدومةٍ بالخرائدِ، وكانوا إذ ذاكَ ذَوِي فاقةٍ مدقعَةٍ، وسعادةٍ متبرقِعةٍ، وأعباءٍ باهضةٍ، وأوباءٍ ناهضَةٍ، وأجوبةٍ خاليةٍ، وأحويةٍ بالحَزَن حالية، فَلَمْ نزَلُ نُملِّكهُم نُخبَ أرسانِنا ونسوفُ إليهم سُحُبَ إحسانِنا، ونملأ لَهُمْ حياضَ إنعامِنا، ودرأ عنهم أوبيةَ عامِنا، إلى أنْ غاثتِ السحائبُ، وأغاثتِ الكتائبُ، وهِطلَ الصبيرُ، وعظمَ العصير، وقصرَ الطويلُ، وطالَ القصيرُ، فلمّا انجلتْ مرآةُ بوسِهم، وجلَتْ عساكِرُ عُكوسِهم، وقَلّدْتُ بالدُّرَرِ غِلمانها، وأكلَ كثرةُ اللبنِ إيمانَها، جعلتْ تشمخُ بأنوفِهَا، وتتعززُ علينا بأنوفِها، وتهزأُ بنظافِنا، وتُنكِرُ طِيْبَ نطافِنا، وتتعرَّضُ لنضالنا وتجحَد فواضل إفضالنا، ولم يكفها ذلكَ، حرسَ اللهُ قُلَلَ إقبالِكَ، حتى نهضَ خطيبُهم واستطال، وأَنشأ خطبَةَ أنيقةً وقال:
الحمدُ للهِ مُزجِي النِّعمةِ الوافرةِ، والنّعمة المتوافرةِ، والآلاء السانحةِ، والنعماءِ السارحةِ، ذي الدَّولةِ العاليةِ، والدُّولةِ المتعاليةِ، والمِنَّةِ المؤيَّدة، والمُنّةِ المؤبّدةِ، والحُجَّةِ الراحضةِ، والمحجّةِ الواضحةِ، الذي توَّجَ جباهَ عِزّتِنا بتيجانِ الجَلالِ، وأسرجَ عناجيجَ عزِمتِنا في مناهج الإجلالِ، وسوّرَ مِعْصَمَ ألسنتِنا بأساورِ المَقَالِ، ونِوَّرَ مصباحَ صولَتِنا في مَساربِ الأثقالِ، وأطلعَ شموسَ صلاحِنا من مشارقِ الكمال، وأينعَ غصونَ إصلاحِنا في حدائقِ الإكمالِ، حتى لاحَ حمدُنَا وألاحَ، وراحَ بحُلَلِ مدحِنا وارتاحَ، وألفْنَا السِّلاحَ: وفاحَ عَرْفُ عُرْفنا وساحَ، وألنا الشداد، وفللْنا الحدادَ، وملأنا القِعاب، وخَذَلنَا مَنْ سَفُه وعابَ، فكمّلَ أعدادنا، وجمَّل أعدادَنا، وشرّفَ أبعادنا، وأمن المجاورُ إبعادَنا، فعندما يجبرُ المكسورُ، وتركعُ لزور زرائبنا الكسورُ، لا يعرِفُ وجْهَ معروفِنا البسورُ، وتخضعُ لِعظَم عظمةِ عصفورِنا النسورُ: المتقارب:

ففينا الذّكُور وفينا الذَّكورُ ... وفينا الجُسورُ وفينا الجسورُ
وفينا الدُّرورُ وفينا الدَّرورُ ... وفينا القُدورُ وفينا القَدورُ
وفينا الطّهورُ وفينا الطهورُ ... وفينا الظُّهور وفينا الظهورُ
وفينا البدور وفينا النُّدورُ ... وفينا الخُبور وفينا الحُبورُ
فنحنُ المكينُ ونحنُ الرًّكين ... ونحنُ السفين ونحن البُحورُ

قال: فلما جد جد فخاره، وقَدَّ قَدّ نُخَب افتخاره، وَثَبَ خطييُنا على طنفستهِ، وأفاض من فرائِد منافستهِ، ثم هَمَرَ كالليثِ الهصور، ونفخ نفخة إسرافيلَ عندَ التقام الصُّور، وقال: الحمدُ للهِ الذي بَسَقَتْ أغصانُ رَحمتَهِ، واتسقَتْ أقمارُ حكمته، وطلعَتْ نجومُ مِنَّته، وأينَعتْ ثِمارُ مَعونتهِ، وعالَتْ أمواجُ إعانتهِ، وتعالَتْ أفواجُ أعّنتهِ، أحمدهُ على إنعامهِ العرمرم الرّجراج، وفلكِ إكرامه الكاملِ الأبراج، وعَدْلِه المضوع الأثوابِ، وفَضْلهِ المفتح الأبوابِ، حمدَ مَنْ متَحَ من بحار إحسانهِ فاعترفَ، وانمَدحَ لهَ دوْحُ امتنانهِ فاخترف، وأشهدُ أنه الواحدُ الفتاحُ، الذي أسهبَ في مدْح عُباب معروفه المُمتاحُ، موجدُ الوجودِ، ذو الجود الموجودِ، أرسلَ محمداً بالرسالة الصادحةِ، والمقالة الراجحةِ، ووضوح السَّننِ وسُحوح السنن، صلّى اللهُ عليه وعلى آله، ما خَلَعَ هامَ هلالٍ إهابهُ، وأصابَ صيّبُ هِلال أهابه، أما بعدُ: فإنِّهُ لمّا اشتهرَ في الآمِنِ والمَخُوفِ، وانتشرَ بينَ الأسنةِ والسُجوفِ، مالنا مِنَ الاحتباء، وجلالةِ الاجتباءِ، وعدم الإغراءِ، والفصاحةِ الغراءِ، ونفاسةِ الأصول، المقدّسةِ عن النصولِ، الراشقةِ بسهام السؤدَدِ والنّصولِ، وجَبَ علينا جابةُ الصنوف، وإجابةُ الضيوفِ، ودفاعُ العَارِ، وادراعُ الغار، واطراحُ العناقِ، واقتناءُ العِتَاقِ، ومعاصاةُ العُتاةِ، ومواصاةُ العُناة، وطولُ الخُفوقِ، وبذل الحقوق، ومحاسمةُ الغَبوق، ومناسمةُ العَيّوق، فنهضنا بما افترضَ وأعنا من تعني بما اَفترضَ، فجاءَ بالإمْر أمرُنا بُراحا، وآلى ألاّ يرومَ مدى الأزمنة بَراحَا تواظب بطونَ كفوفِنا الظُّباة، ولا يصاحبُ عيونَ عقولِنا السُّباتُ. المتقارب:

فنحنُ الليوثُ إذا حاربُوا ... ففينا الثُّباتُ وفينا الثّباتُ
ونحن الصّفاةُ ونحنُ الصفات ... ونحن التُّقاة ونحن الثقاتُ
ونحن الجُباةُ ونحن الجُناةُ ... ونحن الكفاةُ ونحن الكِفاتُ
ونحن الكُماةُ ونحن الحماةُ ... ونحنُ الحياةُ ونحن المماتُ

فحولُنا لا يتناهَى، وفحولُنا بها نَتباهى وجلائلنا تَمون، وحلائلنا لا تخونُ، ورفاقنا لا تخورُ، ورقاقُنا بالظِّفَرِ تَحورُ، وعُداتُنا تخيبُ، وعداتنُّا تُجيب، فعندنا تفْقد السّخِابُ، ومنّا تعلّمَ الكرمَ السحاب، المتقارب:

فنحن الغيوث إذا استُنْجِعوا ... ونحنُ الرَّباب ونحنُ الرِّبابُ
ونحنُ العقاب ونحن العُقابُ ... ونحن العِذاب ونحنُ العَذاب
ونحن الشَّرابُ ونحنُ السّرابُ ... ونحن الحبابُ ونحن الحُباب
ونحن الحِبابُ ونحن الجَنابُ ... ونحن الجِباب ونحن الجُباب

قال الراوي: فحينَ تَمَ يمُّ ما رواهُ، ونمَّ ثَم نشرُ ما نشرَهُ ورواهُ، إلى المخاطبِ، وعَبقْتُ من مخاطبةِ الخاطبِ، فلثمتُ يديه، وسألتهُ انبعاثي إليهِ، لأرتعَ بروْض عقيانِه، وأجمعَ بينَ خَبَرهِ وعيانهِ، ثُمَّ سَرَيت مسرىَ النَّعامةِ الرَّبداءِ، وجَريت مجرَىَ العَجْلزةِ الجرداءِ، بجماعةِ بسطوا خادَ الجَداءِ، وجمعوا بين لُحَم المُلْح والسداءِ، ولمّا أجَزْنا ساحةَ رواقهِ، وجُزْنَا لانتجاع قُراقِرَ أفواقِهِ، ألفيتُهُ المصري ذا المخائلِ الخالَصةِ، والحبائل القانصةِ، فسلمتُ تسليمَ منَ ظفِرَ بِحَلِّ حَصَرهِ، أو بشِرَ بردِّ بَصرهِ، فأقبل يتكرَّهُ بي ببابِ خِبائهِ، مخافةَ أخذِ حِبائه، ويُعرِّضُ بازدهائهِ، لكَبرِ دَهائهِ، فقلتُ له: على سبيلِ الخاطبةِ لا المصاخبةِ، ومهيع المعاتبةِ لا المداعبةِ، أَينصرفُ القاسمُ ومعارَفُهُ لا تضافُ؟ فقالَ تاللهِ لا يضَافُ أو يرخمُ المضافُ، أوَ ما علمتَ أنَّ القاسمَ ينصرفُ، وأنَّ المعارفَ لا تضافُ، ثم إنَّهُ انسربَ في سربه، ووجم، وانسحب سحابُ مجانبتِه وانسجمَ وجعل يُزعجُني باعتياصه وانتقاصهِ، ويَحْصِبُني من وراءِ خَصاصهِ بحُصاصه، فعدت بعناد وهون، وسوادٍ مرهون، وفؤاد موهونٍ، وإهاب عرْض لناب الإهانة مدهون.

حسن خليل
24-11-10, 09:54 AM
المقامةُ الثانيةُ والعشرونَ الشّهر زوريَّة

حَدَّث القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: وصلت مذ رفضتُ الزّورَ، وركضتُ الجزور وهجرتُ المزورَ، إلى بعض أعمالِ شهر زورَ، مع رفقةٍ ما احتلبُوا ثُدىَّ ثوابٍ ولا انقلبوا إلى جَزالةِ جوابٍ، ولا عرفوا بجَمْل الجوائح، ولا وصفوا بحَمْلِ مرهفاتِ الصفائح، تلدغ لدغَ الرقيبِ، وتَفِرّ فِرارَ اليَعاقيبِ، وتمْعنُ في التنقيبِ، على اقتناء النقيب: الطويل:

تُجلَبْبُني وخزاً وتحسُبني وزاً ... وتصحُبني غَمْزاً وتذكرُني رَمْزَا
وتُوسِعُني نَبْزا وتعقِدُ لي عَزاً ... وتطلُبني هَمْزاً وتورثُني لَمْزا

قال: فلم أرَ لردعَ ذيّاكَ الضلالِ، وتعاظُل ذاك المرض العضال سوِى حسمٍ ريح تيك النبيثةِ ومبايَنةِ تَفَل أعراضهم الخبيثة، ففارقتهم مفارقة من غنم وفاز، وظفرَ بنيل مطلبهِ واحتازَ، ولمّا اتقيت قشف حالي وألقيت عصي ارتحالي جعلتُ أقتنصُ المعائشَ، وأعاشرُ الثابتَ والطائش، وأسبرُ القارسَ والسائل، وأخبر الراجحَ والشائلَ، إلى أنْ عادَ سِدْرُ الإفادةِ مخضودِا، وطَلْحُ المُطالحةِ منضودا، فبينما أنا أميلُ عن تلكَ الصِّحاب، وألتمُس محادثة ذوي الاصطحابِ، وأسيرُ مع مكابدةِ الكُروبِ، سيرَ المُهْرَبِ الهَروبِ، ألفيتُ دكة مرصوفة وعصبه مصفوفة ورتْبةً معروشة ومصطبةً مفروشة شيخاً يشير بيِدْيِهِ إلى غلمان لديه ظاهر الكرامةِ وافرَ الصرامةِ، تعرَق لوطأتهِ الأصلاد وتفرق لسطا سطوته الألواد فدنوتُ دنوَ الفَروقةِ، إلى فتيانهِ المفروقِةِ لأعرف من القِاعد، ولم أسست هاتيك القواعد، فقيلَ لي: إنَّهُ محتسبُ هذي المَدَرة وجاذب برة هذه البررة الذي نبْلُ نبل عَدْلهِ وفاق، ومهّدَ بحسن سياسته الآفاق فقلت تالله لا أزائله إلى مساورةِ النوم، لأنظر كيف إيالةُ ولايته بين القوم، ثم إني قَعدْتُ تلقاءهُ، لأبصِر جَودَة حكمه ورُواءهُ، فما بَرِحَ يَنْكُثُ ويُبْرِمُ، ويُخْمِدُ ويُضْرِمُ، ويصل ويصرم، إلى أنْ تَصَف شباب يومه، وعصف هبُوب نومهِ، وحينَ هوم رأسه، واستحوذَ نعاسُهُ، نهضَ من مَصْطَبتهِ، إلى صهْوةِ رَكوبتهِ، طالباً طريقَ عقوته ضارباً بحسام صولتهِ، فانثالت الأعبدُ بينَ يديه، وتكاثفتْ كتائبُ المهابةِ عليه، فلم استطعْ الوصولَ إليهِ، فتركتهُ حتى ولجَ في مَضيق، ووقفتُ له وقفة مضيق ثم جعلتُ أجتليهِ، وأسرحُ بسابح التبحُرِ فيهِ، فإذا هو السِّيْدُ القملّسَ، والسيِّدُ العَمَلس الغَمَلّس، أبو نصر المصريُّ شامةُ عرْنين زمانهِ، وأسامةُ عَرينِ إزمانِه، فأحجمتُ إلى أنْ أفَلَ في حجابهِ، واتّصلَ بإنجابه، ثم وقفتُ ببابهِ، وأنشأتُ من سيْبِ ما اكتسبتهُ من عُبابهِ، ما يتضَّمنُ ورودي. ومحاسمةَ كِنِّي ورودِي وكثرةَ الاصطفاقِ، ومعاشرةَ تيكَ الوجوهِ الصّفَاقِ، ثم دفعتُها إلى خُدّامهِ بعد إحجام رأى الرَويّةِ وإقدامهِ، فدخلَ بها أحدُهمَ وعادَ، وفَهمَ مضمونَها واستعادَ، ولَما أذِنَ بولوجيَ واستبشر بمباعدة علوجي وبَصُرَ بحضوري، وسُرّ بتزايد سروري أقعَدنِي مَعْ صرامتهِ، وطولِ مصارمتهِ، وشدّة شذَى حُمتهِ، أمامَ مسَاند مناسمتِه، ثم قالَ لي: تالله لقد ساءني سفهُ رفاقكَ، وراءني الزَّوَرْ مزوراً لخوفِ إخفاقِكَ، أو ما علمتَ أنّ مَنْ عاشرَ الأوشاب، صدِئَتْ مرآة مرؤته أو شاب وإني لأظنّكَ كنتَ تظُنُّ، أنّني بحلوِ محاضرتِكَ أضن، فلستُ بقالٍ قريني، إذا احلولكَ دَريْني، أو لاوٍ عن جليسِي، إذا أعظوظمَ عَليسي، لا ومَنَ سيرَّ الدرى، ورفع الفلكَ الكُرىَّ، بل انتصفُ لعصفورِي، منْ تعاوِر نسوري، وأنصبُ جسوري لطالب ميسوري، ثم أنشد: الطويل:

وحقِّكَ مأكلّ امرئ مُدّ بَاعُه ... بذاكرِ عَهْد أو صديق مُصاحبِ
فلا تنسَ إنْ مُدّتْ يداكَ بدَوْلةٍ ... تقادمَ ودٍ من خليلي وصاحبٍ

قال الراوي: فلمّا بنْيتُ على حلائلِ مُغاصهِ، وثنيتُ جيدي لجآذر اقتناصِه، أثنيتُ عليه ثناءَ الحدائقِ على النسيم، والناظرِ على الناضرِ الوسيم، ثم إنَّه حَمِدَ مهْد المُهادنة والقماطِ، وألقَى قِنَاعَ قطْرِفتهِ وأماطَ، وعَرَّضَ بحضورِ مائدتهِ، ونشرَ مطائب عائدته، فأقبلنا عليها إقبالَ من اقتلَع البَشامْ، وخلعَ الأحشامَ، فحينَ استرفعت الصحافُ، واندرأتْ ضخامُ الخِدمة والنِّحافُ، وهجمتْ جحافلُ الإمساءِ، وانسجمتْ سحائبُ ليلتِنا الطّلْساءِ، أمرَ بسدِّ الطريق، وفتح أفواهِ الأباريق، وإحضار العَبهرِ الوريق، واستحضارِ العَطرِ الرِّيقِ، ولمّا جالتِ الأكوابُ، ومالتِ الرقابُ، ونُشرَتِ الرموس، وتنمّرتِ النموس، وقلتُ له: أما سئْمتَ مع ارتعاش بنامِكَ، طولَ ارتشافِ مُدامِكَ، ومللتَ مَعْ بياض الذوائبِ، احتساءَ النضارِ الذائب، فإلام تدَّرع عاركَ، وتُخمدُ استعاركَ، وتمحو وقارَكَ، وتحملُ زقَّك وقارَكَ، قال القاسمُ بنُ جريال: فحل لح لَهُ متَابى، ولَمَحَ مُلَحَ عِتابي، حرق أسنانه، وغيض رئمانه وغضغض مرجانه وأنشد والدمع يرحض أجفانه: السريع:

لاَ تلُم المرءَ على شُرْبهِ ... رحيقَ صِرْفٍ خافضٍ شَانَه
فأنْفَسُ الناس الذي زانَهُ ... مَلابس الفَخْرِ وإنْ شانه

قال: فلما سلمتُ من سُموم اَنزعاجهِ، وعلمتُ أنّهُ لا يفرق بينَ أبنوسهِ وعاجهِ، ملُتُ إلى تسكينِ عَجاجهِ، وتحريكِ مُجاجهِ، وطَفِقَ هو يقضِّف خَصرَ مخاصمتهِ، وينظِّفُ دارَ دأماءِ منادمتهِ، لئلا يُعمَّنا إعراضٌ، ولا يَغُمُّنا غَضَبٌ وانقراض، ولَمْ يزلْ يُسكّنُ هُوج حَردِهِ ويُثقَّفُ عوجَ لَدَدِهِ، إلى أن أزالَ استيحاشَنا، وضمَّنا مخدعُ المخادعة وإحتاشنا، ثم إنّنا عُجْنَا على تجديدِ درَيسنا، وتخديد خدودِ خندريسِنا، حتى طربَ الحزينُ، واضطربَ العقل الرزين، وجنحت النواقبُ، وملّ القلبُ الناقب ولمّا وصلَ إلى المُقَلِ نصيبُها، وحَصَلَ من سحابِ الوَسن ما كانَ يصيبُها، هَبَّ من رُقادهِ، وشكَر نشوةَ عنقادِه، فسلّمْتُ عليه سلامَ مَنْ عرَجَ في مَعارج دارهِ، ودرجَ في مدارج استهتارهِ، ثم استأذْنتُهُ في ذَهابي، مخافةَ ملل إسهابي، فرمقني بطرفهِ، ورشقني بسهام ظرفهِ، وقالَ لي: يا بنَ جِريال أتطمعُ أن تسهل بلا حَزْنٍ، أو تسكر بهذهِ الدسكرة من غيرِ وزْنٍ، لاَ واللهِ حتى تزنَ ما حصك، أو ترهنَ على ثمنِ ما ارتضعتَهُ قُمْصَكَ، أو ما علمتَ أنَّ مثَلَك أرصدُ، وأننّي أحصدُ ولا أزرع، فكيف أزرعُ ولا أحصدُ، فخفِّضْ من بأسِكَ، وسَلِّ نفسَكَ في مخالعةِ لباسكِ، قالَ: فأقبلتُ أقْلبُهُ في قالبِ المزاحةِ، وأسلكُهُ في سُلوكِ الاستراحةِ، وهو يتصلبُ، ويتقلبُ ويتألبُ، إلى أن علمتُ أنَّهُ لا بدَّ من استلابي، وكسفِ بياض صَفَا مصافاتي ولابي، فسمحتُ له بصّرتي، وحسرتُ له ما بين ثنتي وسرّتي، فأبىَ إلاّ أنْ أشفعَها بأثوابي، رهنَاً على رحيق أكوابي، فألقيتُ إليهِ الصّفيَّ، وأظهرتُ له الخفيَّ، وخشيتُ أرشيةَ شرِّهِ، والنّفيَّ، وحينَ عضَضتُ كفي، وقبضت وقفي، وبايعتُ واللجُّ على قفيًّ، لعنت عقبي ذلك التخويلِ، وَذَممت طالعَ ذلك التَّحويلِ، وَجَرِعْتُ عَلْقَمَ ذيّالكَ التَّنويلِ، وخَرجتُ مِنْ بيتهِ وأنا لا أمْلك سوى السراويلِ.

حسن خليل
24-11-10, 09:56 AM
المقامة الثالثة والعشرون المجدية الفارقية

أخبر القاسمُ بنُ جريال، قالَ: مِلْتُ مذ مللتُ مصاحبةَ الحلالِ، ومجانبةَ الظِّلال، ومنادمةِ البيدِ، ومسابرة الأساودِ والسِّيْدِ إلى اعتلاءِ الحشيَةِ، وامتراءِ المشيّةِ، وشراءِ الشّملّةِ الحُوشيةِ، فلم أزل مدَةَ طلب تلك الوتيرةِ، واقتناء الطنافس الوثيرة، وإصلاح السريرة، ونهوض جِحَفْلِ المريرةِ، أجانبُ المنافقينَ، وأشاورُ المرافقين، وأسترشدُ المفارقين، في استيطانِ ميا فارقين، فكلٌّ أجمعَ عليها، وحضني على الورودِ إليها، فحينَ أتختُ بها كَلْكَلَ المَرامُ، ونفختُ في مَعْمَعَةِ ذلك الإضرِام، بادرتُ إلى تحصيلِ ما لَهُ ألويْتُ، واتّصلُ بأناملِ الغَرَض البَيْتُ وكنتُ أيّانَ نشر هذا الإنابِ، وكسرِ سنِّ بابِ النوائبِ والنابِ، سَبْعتُ ستةَ سبعتْ أربابَ الجرائم، وسَعَتْ حولَ أركان كَعْبةِ بيتِ الغنائم: الطويل.

تجودُ بما تَحْوي جِزافاً وتجتَنْى ... ثِمارَ الثّنا في كلِّ أغبرَ قاتم
ففي كلِّ فكٍّ منهمُ ألفُ خَاتِم ... وفي كُلِّ كَفِّ منهمُ ألفُ حاتم

قال: فبينما نحنُ ذاتَ يوم نفتحُ أبوابَ جِنانَ الجَذَلِ العِراض، ونسرحُ في سرابيلِ سلامةٍ سالمةٍ من الانقراض، إذ عَطَفَ بعض أصحابهِ، ساحباً جلابيبَ اصطحابهِ، وقالَ: يا ذوي القرائح المهنديّةِ، والمحامدِ المحمديّةِ، ما لكمُ ارتضيتمُ القطيعةَ لَجاجاً، واتخذتُمْ مباعدةَ نزيلَكُم منهاجاً، واعتضتُمْ بالوَشَلِ الأجاج، عن العذْبِ الثجَّاج، وبَنْزرِ الزَّجَاج، عَنِ العَرْفِ العَجَّاج، أو ما علمتمُ أنَّ غِثْيانَ الفُضَلاءِ يوَرِثُ الثوابَ، ومقاطعةَ العلماءِ تعْقُبُ العِقابَ، فإن أحْبَبْتُمْ رَفْوَ ما خرَقْتُم، وطَفْوَ ما أفرقْتُم، فأحدِجُوا له نياقَ القيام، وأطفئوا بهِ سَوْرةَ لَهَب هذا الهُيام، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا عجمتُ أثْلَ نَيْلِ لُبانتهِ، ورأيتُ نَثْلَ نَبلٍ إِبانتهِ، قلتُ لهُ: مَن المُشارُ إليه، والممتارُ من مِيَر هذهِ النباهةِ لديهِ، فقال شيخ ظاهرُ الثطَطِ، بارزُ القَطَطِ، مرتعشُ البَنانِ، منتعش الافتنانِ، تتدفَّقُ بحارُ الحِكَم من معانيهِ، ويتخلق بأخلاقِ المفاخرةِ مَنْ يُدانيهِ، لا يُحلُّ ما لَهُ بُطونَ الرواجب، ولا يُخلُّ مَدَى الأزمنةِ بظهورِ الحَسَنِ الواجبِ، ولم ندرِ بأيِّ المدَرِ دارُه، ولا مِنْ أيِّ الشَّجَرِ خُرفَتْ ثمارهُ ولم نَمكّنْهُ مِنَ الإرقالِ، مُذْ نزلَ عن ناقتهِ المرقَالِ، فحينَ تلقَّيتُ مطائبَ طَابهِ، واستسقيتُ سحائبَ مُستَطابهِ، أيقنْتُ أنَّها صفاتُ شيخِنا المِصْريِّ، ذي المِخْلَب الصائدِ، وناصبِ المصايدِ للعصائدِ، فقلتُ لهم: انهضُوا بنا نَسيرُ، فالرأيُ فيما بهِ يُشيرُ، وأنا في حَلْبتِكُم المؤمَّلُ، والناظرُ بَرْقَ مُزْنِ الإفادةِ المؤِّملُ، ثم إنَّنا استصحَبْنَا غُبَّر الكِيْس، وسِرنا على مِثالِ الإنكيس لنلتمسَ سَلْسالَ ذاكَ النفيس، مِنْ أنفاس ذلكَ الدَّريس، ولما قطعْنا مسافةَ السِّراطِ، وانتفعنَا بسَلِّ ذيّاكَ السُّراطِ ، أَلفيتُ أبا نصرِ المِصْريَّ راميَ ذلكَ البِرْطيلِ، وقانصَ صُيودِ تلكَ الأباطيلِ، فبادَرِتُ إليه قبلَ رفاقي، لِما سبقَ مِنْ سَوابقِ اتّفاقي، فعادَ انكيسنا ألحيانا، وشْمِنَا سُحُبَ المَسرَّةِ حين حيَّانا فأحيانا، ثم طفِقَ يمطرُنا بَوْسمِى آياتهِ، ويُتحِفُنَا بوليِّ حُلْوِ حكاياتهِ، حتّى أنسانا شَظفَ العَيْش العنيفِ، وشَغَلنا عن تصنيفِ ثمار التصانيفِ، وحتى مُنِحَ لألفاظه الشافيةِ، بأولِ الوافية الكافيةِ، ثم ما برحٍ يرمي بسهام المسائلِ، ويَعُومُ ببن تيكَ المسائل، لإجابةِ القانع والسائلِ، إلى أن تخلّلَ خِلالَ لَفْظِ ذلكَ الربيع، ذِكْرُ الحَذْفِ منَ صناعة البديع، فقالَ بعضُ مَنْ حضرَ حضرته، وشكرَ مناظرتَهُ: أيها الجوادُ السابحُ، والعهادُ السائح، إنّ قصارىَ ما سمِعْنا، ونَفَحَ أفهامنا فهِمْنا، حَذْفُ ما نُقطَ بوجهِ عَروس البراعةِ الدَّعْجاءِ وعكسُهُ مِن حروفِ الهجاءِ، فهلْ تستطيع بأن تمنحَنا مِنْ فائضِ فضلِك المألوفِ، كلمة تَشتمِلُ على أقلَّ مِن عِدَّه هذهِ الحروفِ، لنجعلها واسطة تِقْصارِكَ معَ اقتصارِكَ وخاتمةَ اَعتصاركَ مَعَ اختصاركَ، فقالَ لَهُ: يا هَذا لَقَدْ شِمْتَ سحاباً غيرَ خُلّب، وهِمْتَ بيَهْمَاءِ صَدْرِ قَلْبٍ قلب، فليبادِرْ مَنْ شَاء باَقتراحهِ، لأجلوَ عليهِ ما يُغْني عَن اَجتلاءِ راحهِ، فإنْ رُمُتم ببِرّةِ النثرِ جذبتُها، وإنْ شِئتمُ بشَذاةِ قاضبِ القريض قضبتُها، قال: فَهَبَّ منهم فتىً أحاطَ عِلْماً بأدواءِ السقيم، وفاقَ الحسَنَ بعلاجهِ الحَسنِ المستقيم، وقالَ له: إنْ أحببت أن أنثَّ وصفَكَ نثاً، وأبثَّ ببنَ الملأ رصفَكَ بَثاً، فانظِمْ لا اَستسمنت غَثاً، جُمْعَ قولي: خُذْ فَظ كَزّ ضِغْثاً، ولستُ في فضلكَ من الممترينَ، ولم نَزَلْ بصَفْوهِ من المسترينَ، فاطفحْ ليستهلِكَ بكَ الحَقينَ، وَعندَ جُهَيْنةَ الخبرُ اليقينُ، قال الراوي: فحينَ نَضَبَ كلامُ بطاقتهِ وقضبَ قَرَن ما اَقترنَ بطاقتهِ، ضمّرَ خيول طاعتهِ، وتنَمَّرَ عندَ إهراعِ المعاني لإطاعتهِ، ثمَ جعل يُجيلُ حسامَ لسانهِ، لاستخراج نُخبِ حِسانهِ، ويُحَمْلِقُ بحركةِ إنسانهِ، لِجَلوةِ عرائس حُسّانهِ، ولما تَمَّمَ مرامهُ، وحرَّرَ ما رامَهُ، قال: دونكَم روضة الرَّاوِد، وروضةَ الواردِ، فاغتنموا ثُمر هذا الصّرام، واَستلموا حَجَر حِجْرِها بارحاتِ الاحترام، فالأريبُ من اغتنمَ قمرَ قَدْرِها قبلَ الأفُولِ، وميز بعَيْنِ عَقْلهِ بينَ بَياض التِّجابةِ والفولِ، ثم إنّهُ لين الأفئدةَ واَستمال، وبيَّنَ لاحِبَ حَقْحَقةِ حِقاقِ المحاققةِ وقالَ بعدَ أنْ أعادَ رَبْعَ شَكِّهِ دَكّاءَ وملأ المجلسَ تململاً ومُكاءَ: الخفيف:تِ الاحترام، فالأريبُ من اغتنمَ قمرَ قَدْرِها قبلَ الأفُولِ، وميز بعَيْنِ عَقْلهِ بينَ بَياض التِّجابةِ والفولِ، ثم إنّهُ لين الأفئدةَ واَستمال، وبيَّنَ لاحِبَ حَقْحَقةِ حِقاقِ المحاققةِ وقالَ بعدَ أنْ أعادَ رَبْعَ شَكِّهِ دَكّاءَ وملأ المجلسَ تململاً ومُكاءَ: الخفيف:

خَذّ كفافاً كفاكَ إفْكَ فِظاظٍ ... أخذَ فَذٍّ إذا أضاءَ ذَكاءَ
ذاكَ ذاكٍ زَكا ففاضَ زَكاءً ... ذاكَ ذاكٍ ضفَا فغاظَ ذُكاءَ
فكُّ كسفاً أضافَ ألفاً إخاءً ... كُفَّ كَفّاً أغاث إلفَاً فَفَاءَ
غِثْ فُأفٍّ إذا غَزاكَ كَزاز ... فِضْ خَضَاضاً إذا أفاضَ غُثَاءَ

قال: فلمّا جَلَوْنا كرائمَ عيْنِها، وبَلَوْنا مَطاعِمَ معَينها، وسُفْنَا مَريْجَ صُوارِهَا، وَرشفنَا مزيج عُقارها، عَلمْنا أنه ذو الفَضْل الطافح، والبنان المُصافح، ثُمَّ إنهُّ رتَكَ إلى مِحْرابهِ، وتركَ كُلاً يَنْتَجعُ وابلَ اقترابهِ، فأرسلْنا إليهِ بهديةِ أثقَلهُ أوقُها، وامتلأتْ بها صُفَّةُ الصِّفَةِ وروقُها، فردَّها إلينا، ومَدَّ حِبالةَ القناعةِ لدينا، وقالَ: أنى أمرح لما تمنحونَ، وتلجونَ له بابَ الحِيَلِ وتفتحونَ، فلسْتُ أجنحُ لما تجْنَحونَ ولا أجْمَحُ للحِرْص الّذي إليه تَجْمَحُونَ، ولا أفرحُ بحُلْوِ الحُطام الذي به تَسْمَحَون، بل أنتمُ بهديتكُم تَفْرحونَ قال: فانطلقَ كلٌّ إلى وكرِهِ، آمناً من حبائلِ مَكْرهِ، مُفْكراً في دَلُوح غرائبهِ، متحيّراً بمَدَدِ لوح سحائبهِ، ولّما رسَخَتْ قَدمُ ساقِ المسرّةِ الريانِ وانسلخَتْ أُهُبُ الظُّلَم عنَ مرابضَ الظّيَّان أقبلنا بمنصُلِ الصلةِ الصقيلِ، معتذرينَ إليهِ من ذلكَ التثقيل، فألفيناهُ قد بلقعَ المكانَ، ودخلَ في خبرِ كانَ، تبكي له الحُجولُ، وينغَقُ لفراقهِ الأعورُ الحَجولُ، وقد أودعَ لناُ جزازةً، غادرتْ بقلوبِ مقلِّبيها حَزازةً، يقبّلُ حسّانُ حُسْنَ فيها، ويقرع حَلْقَهَ بابِها، فإذا به قد كتبَ لقولُ فيها: مَنْ خلَطَ في معاشرته اعْتَلَّ، ومَنْ تسلط علىَ علاج مرض جهالتِهِ أبلَّ، ومَنْ سلكَ سبيلَ الزللِ زَلَّ، ومنْ لَزِمَ زِمامَ بازلِ المذلةِ ذَلّ، ومَنْ ضَرَبَ بحدِّ حُسام حَسَدهِ حَلّ، ومنْ شَدَّ إزارَ أزرِه بغيرِ الأَحدِ اَنْحلًّ، ومَنْ اشتارَ شُهْدَ شافي المُشاهدةِ وسَلّ، وخَشيَ لَسْعَ إبَرِ نحل الملالةِ اَنسَلَّ، قالَ القاسمُ بنُ جِريالٍ: فحينَ حَلَلْنَا حَشاهُ، ورَحَلْنَا برَواحلِ ما أنشأهُ، مدحْنَا ما سَلَفَ مِنْ سُلافتهِ، وَحَمدْنا خَلْعَ خَلع سلطنةِ الشرَهِ وخِلافتهِ، ولم تزلْ تعترفُ لَهُ بما حَظينَ، وأضحيتُ لهم بعدَهُ الحَظينَ، إلى أن شَدَدْتُ الوَضِيْنَ، وخُضْتُ بعدَ مُضِيِّهِ الأرضين.

حسن خليل
24-11-10, 09:57 AM
المقامةُ الرابعةُ والعشرونُ الحَلبيّة لابن دريد

روى القاسمُ بنُ جِريال: قالَ: حَلَبْتُ بحَلَبِ أخلافَ العناقيدِ، أيامَ إقبالٍ البطرِ الوَقيدِ، بمُخْدع لا يُخامَرُ بخُمْرةِ هُمومٍ، ولاَ يُغادِرُ تَرحاً على فؤادِ مهموم، معْ معشَر جَدعوا أنوفَ نِفاقِهم، واَعتلَقُوا بقُوىَ قَرَن وفاقِهم، لا يُكدِّرُ صَفاءَ مُصاحبتهم مَلالٌ، ولا يُغيِّر وفاءَ موافقتِهم، اختلالٌ، ولا يُلْحَقُون بمباحثةِ رجالٍ، ولا يُرهَقون بمواهقةِ ارتجالٍ، ولا يذوقون عذوفه مُحالِ، ولا يطمعون في ارتحالٍ إلى اَنتحالٍ، فبينما نحنُ نرتعُ في حدائقِ المُطارحاتِ، ونَقْطعُ بَسابسَ المناوحاتِ بالمُصافحاتِ، إذ سَنَحَ لنَا مُجانبةُ الجُدرانِ، واَجتلاء وجوهِ غَرائرِ الغُدْرانِ، بعدَ أن مَلِلنا بياضَ الغُرَفِ العليَّةِ، ومِلنا إلى مناوحةِ عوائقِ العُرَفِ الجَليَّةِ، فحين حَصَلْنَا الوَرْدَ الجَنيَّ، ولَمحْنا الوِردَ الهَنيَّ، واَحتلسْنا البِساطَ السَّنيَّ، واختلَسْنا المكانَ السَّوْسَنيّ إرتدْنا بُقْعةً اَستكملَ سناها، واَنتثرَ بها لؤلؤ السحائب وسنَاها، ثم أَقبلْنا نتمايحُ تَمايُحَ المِفْراح، وتتغلَّبُ على جَحافلِ الإفراح بالأَفراح، تَمْنَحُنا فنونَ الشَّمائلِ، وتُصافحُنا أناملُ يمينٍ السعادةِ والشَّمائلِ: الكامل:

فكأنَّنا فيهِ البدورُ وروضهُ ... بَيْنَ الجداولِ مُذْ جَرَيْنَ سمَاءُ
وكؤوسُنا فيها النجوم وزهْرُها ... يَحكي المجرَّةَ والمُدامُ سناءُ

قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا غامتِ السماءُ، وعاقتْ في بِحَارِ إفصاحِها النُّدماءُ، أقبلَ علينا شيخةٌ ظاهرةُ الشَّمَطِ، مستحسنةُ النَّمَط واهيةَ الطِمْر، وافيةُ الإمْر، تَزُمُّ شيخاً اَستغنى بها عَنْ عصاهُ، ما خالفَ أبا مُرَّةَ قَطُّ ولا عَصاهُ، وتلوهما أطيفالٌ كالنَّسْرِ الطائرِ، تحت عثْير وخْدهما المتطايرِ، تَضَعُ بشعاف فرنجها وجثث بياذق شطرنجَها، فأخذوا يفحصونَ بالصعيد ويحكوَنَ سعفَ الصعيدِ، بصعيدِ ذلَك الصعيدِ، إلى أنْ وصلُوا إلى مُراحنا، واتصلوا بشمُوس رَاحِنا، ولّما قاموا لبسْطِ الكفُوف، وشَامُوا بارقَ الوكوف، وتلبَّبُوا لاقتناص القُرقُوفِ، وتأهَّبُوا للوقوفِ، تأهُّبَ العُمّال لأكلِ الوقوف، تنفَّسَ الشيخ تنفّسَ الكئيبِ، وتحرُّق تحرقَ النازح الحَريبِ، وقالَ: مجَّدَ اللهُ عَرْفَ عُرفكمَ الفائح، وقلَّدَ أعناقَ الأمم بعقودِ جُودِكم والمنائح، ونَّزه عُبابَ عَيْنِ معونتكمَ النضوبِ وضَوّعَ عَبيرَ مَضْرَبِ إفضالِكم الضافي الضرّوبِ، أفُهمكُم وأنتم أولو الأفهام، وأعلُمكِم والرَّؤيةُ كافية عن الإعلامَ، أنّني مِنْ أَشْمَخ شُنْخُوبٍ، وأبْذَخ شُؤْبوبٍ، وأفْصَح فَصيلةٍ، وأفسح وَصيلةٍ، لَمْ أَزلْ رفيعَ العِمادِ، وسيعَ الغُمادِ، مبيَّضَ المَخارق، مُقرَّظ المَرافقِ، أًعطى الطارقَ، وامتطى النّمارقَ، وأنادمُ الشارقَ، وأُصادِمُ البيارق، وأُضْرِعُ الأساودَ، وأُتْرعُ المزاودَ، وأَعْقِرُ الجِران، وأغفرُ الحِرانَ، وأَنحَرُ الرُّبابَ، وأَسْحَرُ الأَلبابَ، فحين بان نزولُ الحَسْرَةِ، وفُلولُ الجسْرَةِ، وحانَ حُلولُ العُسْرةِ، وخُمولُ الأسرةِ، نجمْتُ غُرُّةَ هذا الهلالِ، بسرابيلِ الاستهلالِ قاصداً دارَ السلام. رافلاَ في سَنَوَّرِ الاستسلام، فبينا نحن نخِدُ ونَخب، ونُسْئدُ ونَدِبُّ، برزَتْ لنا كتيبةٌ وارفَة لبَصَرِ الرامقِ، متضاعفةُ الزَّردِ واليلامق، فاستدعتِ الكفاحَ، وقد تضوَّعَ تَفَلُ المحاربةِ وفاحَ، فبلتِ النُّحورَ والبنائقَ، واستأصلتِ المُقاربَ والفائقَ، وأسَرتْ مِنّا رجالاً، وصيَّرتِ النساءَ بيننا رجالاً، فلمّا حَبطَ مَنْ نَفَعَ، وهبط ما ارتفعَ، وجَزَمَ مَنْ نَصَبَ، وانجزمَ ما انتصبَ، وقطعَ مَنْ وَصَلَ وانقطعَ ما اتّصلَ، وقلَّ ساعدُ المساعدةِ وفَلَّ، وصلّ لَحُمُ لُحَم المُلاحمةِ، وضَلّ، وحلَّ حُزْنُ حزنِ المجانبةِ وجَلٌّ، وشَرقْنا بتلكَ المُصيبةِ، ورُشقنا بسِهام السَّدرِ المُصيبةِ، وتحنظلت المواردُ وتعطلتِ العوائدِ وضرَعْنا لضغم النوائبِ، وصُرِعْنَا بشدةٍ كاملة الشوائبِ، واَمتطَيْنا بطونَ الشّوامتِ، وبِتْنَا من الشامت بِليلةِ الشوامتِ، أقبلْنا نستعطفُ مَنْ سَفَلَ واعلولَى ونستوكفُ ما رَخُصَ واَغلولَى، وقد قدِمْتُ عليكم بالإفال، بعدَ إعجالِ الإجفالِ، ثِقَةً بحُسْنِ المَصيرِ، وطُول ذَلاذل الذيلِ القَصيرِ، ولظني بأنكم لِحَجِّ هذهِ الحُرَم الحَرَمُ، ومن جَودةِ جُودِكُم تعلّمَ الَكَرَم الكَرمُ، وأنتم رُعاةُ الأوان، وحُماةُ الحَرْبِ العَوان، ثُمَّ إنّهُ مادَ لاَستخراج الركَازِ، وأخذت فرائضُهُ في الاهتزازِ، وأقبلَ إقبال الصَّارم الهَزْهَازِ، وقالَ: الطويل:

ألا قاتلَ اللهُ الزمانَ لأنَّه ... أخو جنَف ما زالَ في العَهْدِ ناكثا
يُعاندُ أهلَ الفضلِ ظُلماً ولم يَزلْ ... كثيتَ النّثاشَثنَ الرَّبائثِ حانِثا
زَماناً به يُمسي العَليمُ مضيَّعاً ... أثيثَ الغُثا إرْثَ الرَّثاثةِ وارثا
فآسُوا أخا بُوس رَشيقَ كِنانة ... رَمَاهُ بِها كفُّ الحوادثِ عابثا
وأمسى به ذيْبُ التذلُّلِ والأَذى ... شديدَ الشَّذَى حِلْفَ العَداوةِ عائثا
لأصبحَ من ضُرّي العُضالِ مخَلّصاً ... أبا نَشَبٍ حُلْوَ المَدائح نافثا
ألا هَلْ فتىً يهوَى السَّماح فينثني ... إلى بكْرِ بَذْل في الأكارم طامثا
فليسَ يذودُ الضَّيْرَ إلاَّ مُفضَل ... أخو كَرم ما اَنفكّ للحَمْدِ حارثا

قالَ الراوي: فلمّا جَذّ جِلبابَ ضَراعتهِ، وبَذّ أهلَ المعالي بعِظَم عالي عِبارتهِ، بادرَتِ الجماعةُ إلى حَسْم رعافهِ، وعِلاج سَعْفةِ رأس بُؤسهِ وإسعافهِ، وكنتُ حِيْنَ اَبتليْتُ نَغَماتِ عِيدانهِ، وجلَّيْتُ بجوادِ العَجَلةِ لعَجَم أنابيبِ لدانهِ، وتَخلَّيْتُ مِنْ خرائدِ عِقْيانه، وتحَلّيْتُ بنَفيس فرائدِ تبْيانهِ، أوَدُّ أَنْ أَخْبُرَكُنهَ طِلْعهِ، لأجبرَ كَسْرهُ على قَدْرِ بُدُوِّ طَلْعه، ولم يكُنْ يَضَعُ عن وَجْههِ أكمامَهُ، ولا يرفَعُ عَنْ قَواريرِ قَرارهِ صِمامَه، ولمّا غطَّاناَ بفقرِ عُقارهِ، وأعطانا نُقْرَةَ نُقَرِ فقاره، واستنشقَ نَشْرَ معْروفنا وشَمَّ، وشَمَّرَ شمْلةَ التوجّهِ وأشَمَّ، نَكِرْتُ شِدّة نكره الجامح، وأدركتهُ كالبرقِ اللامع، فألفيتُهُ القسْوَرَ القَيْسرِيَّ، أبا نَصْرِ المِصْري، وهو يسحبُ أَسافِلَ سربالهِ، وينحرفُ عن عيالهِ لاغتيالهِ، فأقبلَ إليَّ وقال لي: يا بن جريالٍ أعرفُكَ ذا دِرايةٍ واصبةٍ، وهِدايةٍ غير ناصبةٍ، فكيف فاتكَ ما ألفيتهُ مُحالاً فقلت لهُ: لامتناع وقوع المعرفةِ حالاً، فقَهْقَهَ حتّى ذرفَتْ مآقيهِ، ورفَعَ القِناعَ عما كان يَقيه، فقلتُ لهُ: أراكَ تكرعُ في بحار انجفالكَ، وتخلَعُ خِلَع احتفالكِ بأطفالِك فقالَ لي: جلَّ مَنْ جملكَ بجلالة الجَلهِ، وخملَك ثِقلَ الغَباوةِ والبَلَهِ، أوَ ما علِمت أن سقى سم سين السياق أيسر من ولوج رجل الرجل بحاء حلقَة صادِ الصِّداق فكيف يسوغ لي الزواجُ، وقد خبُثَ بهذهِ الأزمنةِ النتاجُ، فاحْذرَ هذهِ الذلةَ والمَنْدمة: وذَرْ شَرْطَ شَرِّ هذِي الشرائطِ المِحجَمَه: السريع:

والمِهرمَه عن طلْبهِ زاهداً ... لتتَّقِي المسْقِمَ والمهْرمه
والزردمه عنه إذا عِفَتَهُ ... لتُنْجي الجُؤْجؤَ والزّرْدَمه

ثم قالَ لي: اَعلمْ أننّي استأجرتُهم وجارتي، وقد انقضتْ مدّةُ إجارتي، واسترِطَ كلٌّ في طريقهِ، وخَلَطَ سَمْنَ ما تسنى لَهُ في دقيقهِ، فارجع إلى سمائكَ، وامتِرْ رائقَ نمائكَ، واقتُلْ بِكْرَ نُدمائكَ، بُمرْهَفِ يدمائكَ، قال: فعدْتُ وقد غدَ قواضبَهُ الصقالَ، فأخبرتُهُم بما قال، فذمُّوا ذميلَها المُماذِقَ، ومَكْرَها الحاذِقَ، ولَعَنوا فيلَ رُقْعةِ الوَقْعةِ والبياذقِ.

حسن خليل
24-11-10, 10:24 AM
المقامةُ الخامسةُ والعشرونَ الملطيَّةُ

حكَي القاسمُ بن جِريالٍ، قالَ: نُبذتُ بأناملِ الدَّهْرِ الدالكِ، وسِهام السَّدرِ الطامس المَسالكِ، إلى هُوَّة هَمٍّ يَذْوِي لها الهُمامُ، ويَهوي لهوِّيتها الهَيْصمُ الهمَّامُ، بعدَ أنْ كنت أَعافُ مُعافسةَ الفَرير، وأَصطافُ في ظلالِ العَيْش القَريرِ، وأُغبَطُ بالأَسودينِ، ومنادمةِ الفرقدينِ، فلمّا هًدّ ضيقُ الباع، وقدَّ اَنقراضُ المَتاع، وحُرْمتُ لَذاذة الأَفياءِ، وعدِمْتُ مُرتفِع ضرْبِ الأشياءِ في الأشياءِ، رُشقْت بسَهْمَ راشهُ بنَانُ إملاقٍ، ورقَ القَدَرُ لما أنا من ضُروبهِ لاقٍ، وشَقَيْتُ لفُقدانِ مُرافقةِ فَواق وسُقيتُ من لبان الفِكر بأخلافٍ ما لها من فُواق، فلم أزل أهيمُ بالإهابِ الملوَّح، أسوةً بقيس بنِ الملّوح، حتَّى صارَ ذلك لأسدِ هِمّتي عيصاً، ولجسدِ عزمتي قَميصاً، فبينما أنا أسيَرُ بين السهول، وأروِّعُ أفئدة الغامرِ والمأهولِ، إذ حثَّني قطيعُ النَّصَبِ، إلى عين زاخرةِ الحبَبِ تُذرِي عَلى مَفارقِ الرَّقراق، طِيْبَ طُلاوةِ مائها المُهراقِ، فَمِلْتُ إلى بعض الوِهادِ، لآخذَِمنْ سكَرِ السنةِ سُهمانَ السَّوادِ، فلمَّا ندَّ اخضرارُ الظَلام، وامتدَّ لواءُ الإظلام، سمِعْتُ رُغاءَ إبل تُناخُ، قد ضمَّها ذلكَ المُناخُ، وحينَ خصَّ المنامُ من خَصَّ، وحص الوَسَنُ مِنْ قَوادم السهَر ما حصَّ، قَرَعَ مسمَعي آهةٌ تلينُ لها قلوبُ القُساةِ، وتُرَدُّ لمثلها عيونُ الأُساةِ، فجعلتُ تُنجِدُها زَفَراتي، وتُسعِدُها عَبراتي، فكانَ لما استمطرَ البصرُ غَمامهُ، وأطربَ أيكَ دَوح المسامع وثُمامه: الكامل:
سُحقاً لمَنْ جبذَ الزمانُ زِمامَهُ ... في لاحبِ الطَّمع المُذِلِّ لسَحْقهِ
ما يستفيقُ لحُمْقهِ مِنْ سُكْرهِ ... حتَّى تفاجئهُ جوارحُ مَحْقهِ
تاللهِ ما ترك التُّرابُ لتِرْبِهِ ... تِبْراً ولا حازَ التراثَ لحذْقه
كلاّ ولا نال التليدَ بصِدْقهِ ... يوماً ولا مَلَكَ الطّريفَ لصَدْقهِ
فالبس لرمح الحِرْص دِرْع زَهادةٍ ... يَنْدَقُّ إذْ دَقَّ الحسابُ بدَقّةِ
فالموتُ خَلْفكَ قَد يَسُنّ نِصالَه ... ليشُنَّ إنْ حانَ الفِراقُ برَشْقهِ
فعلامَ تفرَحُ بالحياةِ وجُلّها ... نَصَب يَصُوبُ بَصيَّبٍ من طَرقه
فاليومَ تبخلُ بالمكاسبِ مثلما ... بَخَلَ الغَمامُ علَى الجَديب بوَدْقه
وغداً يضيفُ الدودَ جسمُكَ بُرهةً ... تُمسى وتُصبحُ في محاسنِ خلقهِ
وتظلُّ من ظُلم المَظالم حائراً ... في أسْرِ رمْس لا تُسرُّ يعتْقهِ

فما، برحَُ يردِّدُها ويَنوحُ، ويُعلِنُ بحُرَقهِ وَيبوحُ، إلى أنْ تمكَّنْت من حِفظِها تمكَّنَ الأمكنِ، وانجلَتِ الجَوْنة في الجِلبابِ الأدْكَن، وحينَ تيَّسرتْ سحائبُ الانتحابِ، وانتشرتِ السيارةُ للانسياب، ألفيتُ شَيخَنا المَصْريَّ كارب ذاكَ القَراح، وَراكبَ رِكاب ذيّاكَ الاجتراح، وصاحبَ هاتيكَ الرياح وحاصب البصائر بحَرِّ ذلكَ النَّواح، ولمَا قمّصني ببصَره، واَقتنصني بمخَالب تَبصُّرهِ، ساءني تَعَبُ بالهِ، وتَمزيقُ قُنانِ سرباله، فأخلقتُه جبَّةً خلقتُها أيّانَ استراء النفائس، واجتناء بستان السَّناء المائس، فزالَ ما بجَفْنِ حاله مِنْ وسنٍ، وزادَ ما بطيبِ نُطقهِ من لسَنٍ، وتقبّلَها بقَبول حَسن، ثم قال لي: يا بنَ جِريالٍ قد أنضجَكَ مفتأدُ الغمائم، وأزعجَكَ سمامُ حيّةِ السَّمائم، فبادر إلى دِرياقِ الهُدونِ، واشكُر الدهرَ على إسدارٍ النفيس والدُّونِ، فأفِّ لحالك حالكَ، ومُلاحفةِ مُحالِكَ وارتحالكَ، وها أنا عازمٌ على أنْ أريحَ هذي المطيّةَ، وأطوي هذهِ الطِيّة بِملطيّةِ، فَهَلْ لكَ في المُقامةِ، لتحمِدَ خلوة هذهِ المقامة، ولا ملأ دورَ منادمتكَ حُوارا، وأكونَ لمعصَم كفِّ وصلتكَ سِواراً قلتُ: إيْ وَمن أعْذبَ زُلالَ هذا الالتئام، وعذَّبَ النِّعَمَ بمُجاورةِ أكُفِّ اللئام، لكنْ لا يكُنْ حَلَبُ وُدِّكَ فَطْرا، وفِعلُكَ في وابلِ قوِلكَ قَطْرا، فأطأَ بصبْرِ مُصابرتكَ صُبْرا، واعلم أنَّكَ لَنْ تستطيع معي صَبرا، فقال لي: لا أظهِرُ لَكَ سِرّاً، ولا أُضمِرُ لشُهْدِ شاهدتكَ شرّا، ولا أنكِرُ لأُمراءِ رأيكَ إمْرا، ستجدني إنْ شاءَ اللهُ صابراً، ولا أعصي لكَ أمراً، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فسِرنا مسرورين، على أضواء النيِّرْبين، إلى أنْ ولجناها مُدقعين، لا نملكُ شَيئاً من العَين، فلمّا أصطدمتْ عساكرُ الظُلَم وقَرِمت القرونُ إلى معاطاةِ الظُّلم أخذتُ أشكو إليه بُعْدَ الإفاقةِ، وطولِ بطء مفارقةِ الفاقةِ، فقالَ لي: يا هذا، ومن حبك المحامدَ حاذَى، أتنقمُ على قَدَر آذى، وتجعلَ لك الشكايةَ معاذَ، أفتطمع أن تدخلَ الفلكَ تحت رقِّكَ، لتجمعَ بين حذْقِكَ وسَعَةِ رزقك، فعدَ عَنْ قُبح هذا اللّقاح، وتُبْ إلى اللهِ من هذا الاتّقاح، وارضَ بمصاحبة الفقير واقتنَعْ بالتقَام الحَقيرِ النَّقيرِ، قالَ: فصبوتُ لعتابه ورجوتُ مِنَ اللهِ حُسْنَ مَتابه، وحين أحجمتْ جَحافلُ الإجحافِ، وأقبلتْ قبائلُ بَيْع اللِحافِ، قالَ لي: بعْ هذه النُّونَ، واشتر بثَمنِها شِيْعَ يوشعَ بنَ نونَ فعدْتُ به إليه، فاستجودَهُ ووضعه عليهِ، ثم إنّهُ تناولَ عصا الذُّهوبِ، وارتهشَ ارتهاش المرهوبِ، وقالَ لي: صِر من المُصَلِّينَ، لاستثمِرَ لكَ اليقطين واللينَ فتوخيتُ لِيانَهُ ورميتُ بنصلِ الإطاعة عصيانَهُ، وجعلتُ أسيرُ على أثَرهِ، وأعلمُ أن سأذوقُ لَسْعَ إبرهِ، إلى أنْ وِلَجَ ببابِ بيعتِها، وأعلَن بالسلام على أربابِ شِيعتِها، فحيّاهمُ تحية الرُّهبانِ، وتَبَرْنسَ في ذلكَ الجلبَانِ، فأقبلتْ إلى لقائهِ القُسُوسُ، وشُكرَ شَيْمُ قدومهِ المأنوسُ، ثم أَحلُّوهُ بُحْبُوحةَ هالتِهم، ومنحوهُ عُجالةَ إهالتهِم، فأقبلَ يُسمعهُم مِن مُلح ألحانهِ ما يفوقُ رياحَ ريَحانهِ، ويَسْكُبُ مِنْ سُحُبِ أسجاعهِ، ما حملَهُم على اَزديادِ انتجاعهِ، قالَ الراوي: فلمّا مزَّقَ قميصَ قَشْقَشَتِهِ وشقَّق شُقَّةِ شِقْشقتِه، وسدَّ سبيلَ قَسْقَسَتهِ، وقدَّ زبَيلَ سَقْسَقَتهِ، زمَّ شراكَهُ، ومدَّ للحِيَلِ أشراكَهُ، فاستمسَكَ كلٌّ بشِيعهِ، وعافَ شُرْبَ شَمول تَشْييعهِ، وقالوا له: نُقْسِمُ عليكَ بالسيِّدِ المسيح، والسندِ السَّليح، بأنْ تَبيتَ لَيلتَكَ بهذهِ البيْعةِ، بينَ أصحابِ هذهِ الشريعةِ، فقدِ اتفقَ زواجٌ لبعض أصحابنا، فاصحبْ صَحِبَكَ صَلاحُكَ كأصحابنا، لتَحُلَّ بحلولك البركة، وتستهِلَّ بنزولِكَ هذهِ الحركةُ فعدلَ إلى ما سأَلوهُ، وبذلَ لَهُم من فَهم الإجابةِ ما استبذلوهُ، والتمسوا أنْ يحضُرَ الزوجُ إليهِ، لتتمَّ عُقدةُ النكاح على يديهِ، فقال لهم: طاعةٌ لِمنْ أمر ولو أمرَّ، نهلُ أمرهِ وأمِر، وسأخطبُ بهذا الزواج، خطبةً سريعةَ الرواج، جميلةَ الصفاتِ، عريّةً مِنَ الإلفاتِ، يخضعُ لفضلِها النحريرُ، ويركعُ لِقبْلةِ سَلِس إفصاحِها الحريرُ، فأحبَّتِ المسامعُ استماعَ فِقَرِهَا، وارتضاعَ نُقَرِها، فرفعَ بصرَهُ، وأحدَقَ النظرَ بمَنْ أبصرَهُ، وقالَ: حَمِدْتُ ذو كمُلَ فضلُهُ، وشَمِلَ ظله، وغزَّتْ جنودُهُ، وعزَّتْ بنوُده، ورفعتْ رحمتُهُ، وخفضَتُ غُمَّتُهُ، ونصبَتْ مبَّرتُهُ، ونَصَبَتْ مضرّته، وعمَّتْ نِعمتُهُ، وغمَّتْ نقمتُهُ، وقَدَّرَ رِزقَهُ، ويسّرَ وحذَّرَ خَلْقَهُ، وبشّرَ وبهَرَ ضَمُّهُ ونَشْرَهُ، وظهرَ بِره وبِشره، وتَمَّ دُّرهُ ويُسرهُ، ونمّ ذَرَّهُ ونسره، وشفَى حَمْدهُ ورفْدهُ ووفَى وعدهُ ورَفْدُهُ، وصَلَتْ صلتُهُ، وصلَّت وفَلَتْ صَولتُه، وفلَّتْ وحَلَتْ بجدتهُ، وحلَّتْ وجَلَتْ نَجدتُهُ، وجَلّتْ وتجلت مِنته؟ وحلت وتحلّتْ معونته، وجلتْ وتبَّتْ يدُ عدوهِ وشُلت، ونَبَت لُسُنُ مَنْ جحدَهُ وسُلّتْ، ونمَى دَوحُ مدحه فورِفَ، وطمَى عرف عرفه فَعُرِفَ، وبرقَ جيشُ قهرهِ ففرَّجَ، وشرقَ صبحُ لطفهِ فتبلّجَ، وتعظمَ على من تعظم فَقُصم، وتكبَّرَ على مَنْ تكبّرَ ففُصِمَ، وجَدَع مَنْ عَمَطَ عدلَهُ وبغى. وجذع مَنْ غمطَ بذلَهُ وبغى، مبدعُ كلِّ حيٍّ، ومدمِّر كلِّ لي بِحَيَ، مُدرك كل بعيدِ، ومهلِك كلِّ بعيدٍ، نَفَصَ كلَّ مُمِر فغِبرَ، ونقضَ كلَّ مُمرً فعبرَ، وتلتلَ كل مصر فعتر، وبلبل كل مضِر فعثر، وخسف قمر قدرِ من بدغ، وكسفَ شمس سعد من في حكمهِ نَدَغ وبيَّضَ للمعترفينَ مَهْيَعَهُ، وفيّضَ للمغترفينَ مشرعَهُ، وجدّ جده فجد، وحد حده فحد، حمد من سر بحسنِ نسكهِ فقرّ، وفر فم معصية قرونهِ ففَرَّ، وعذل نفس فِعْلهِ، وعَدَلَ وقَصَل رجْسَ جَهْلهِ، وفَصَلَ فبصدق قولهِ نقول، وبودقِ طوْلهِ نطولُ، ولهُ نزجر ونجير، وبوزر عز مِزهِ نستجير، وصِرف صلوح وصفهِ ندِبْرُ، وحَوْلَ حَرَم حِلمِهِ نستديرُ، فرحِمَ مَنْ يدعوهُ، ورجَمَ جِنَّ جَمْعٍ هجروا ذِكرَهُ ولَمْ يَعوهُ، وسخّرَ لِفُلْكِهِ ريحَهُ، وبَسَطَ لعبيدهِ فسيحَهُ، وبَجَّلَ عيسى مسيحَهُ، وتقّبل تقديسَهُ وتسبيحَهُ، فغربَ لفجرهِ فَجْرُ مَنْ فَجرَ، وعزبَ لفخرهِ فَخرُ مَن فَخَرَ: ونَضَرَ وجهُ مَنْ دِينَهُ نضَرَ، ونصِرَ جُنْدَ مَنْ جندهُ نَصَرَ، وجَدَّ مَنْ نبذَ عهدَ بعثتهِ وصَدَّ مَنْ تعثر بعثيرَ عثعثتهِ، فطمَّهُ برَحمةٍ عظيمةٍ، وعمّهُ بنعمةٍ عميمةِ، فهو دليلٌ للهِ على تمكينِ قُدرته، ومتينِ مقدرته، وعظيم لُجّهِ، وقويم نهجهِ، صلّى عليهِ رَبّه وسلّمَ، وحلّى عنقَ قُدْسه وسنَّم، وجعلَهُ شفيعَ صَحبهِ يومَ يُبعثون، ومنيعَكُم حين تُعثعثونَ وجعلَ تزويجَكم خبرَ تزَويج، ومريجكم خيرَ مريج، يُشعرُ ببدورٍ ذُكورِ، تَفرِى فرىَ فَذ ذَكورٍ، وتَزرِي على كُلِّ نَدْرٍ درور وبَذْر ذَرور، وتمَّ بَيْتَ سرورِكُم، وسقفَ وقوَّمَ عُودَ وعودكُم، وثقَّفَ وكوثر ثمرَ ثروتِكُم، وشوَّفَ وتوَّجَ جبينَكم بجميلِ جودِكُم وشنَّفَ. قالَ الراوي: حينَ دفّقَ عُرامَ خُطبتهِ، ونمَّقَ إبرامَ عُقدتهِ، نظر إلى والدِ الزوجةِ وقال لَهُ: زوّجْتَ بنتك المدعوةَ فلانة فلاناً الحاضرَ على سنَنِ الملّةِ المسيحيّةِ، وسُنَنِ السادةِ السليحيّة، وحقّقتَ أنْ هذا الزواجَ قويُّ الاعتلاقِ، بَريٌّ من الطلاقِ، لا تُغَيّره غَيْرُ مقاطعةِ، ولا تَعْتورهُ خُيولُ مخالعةٍ، وقبضتَ المهرَ المندوبَ إليهِ، المتَّفقَ في هذا التزويج عليهِ، مَعْ علمِكَ بأنَّها بالغة عاقلة، راكبة نجُبَ الإجابةِ راقلة، طاهرة الجيوبِ، خالية من العيوبِ، سالمة مما ينافي القوانينَ النسطورية، ويخالفُ الرهابينَ الإسفسقوبية، بعدَ أنْ ألفيتُها راضيةً غيرَ مجبورةٍ، مختارةً غير مقهورةِ، يُعربُ عن ذلكَ لسانُها، ويرغبُ في هذهِ الوُصْلَةِ جَنانُها، قالَ: زوّجتُهُ إياها فالتفتَ إلى الزوج، وقال: وردتَ على خِيرةِ اللهِ تعال وأنتَ لزواج فلانةٍ بنتِ فلانٍ الحاضِرِ مِنَ الراغبينَ، وحضرْتَ وأنتَ مِنَ الخاطبينَ الطالبينَ، على القواعدِ العيسويّةِ، والمناهج الداوديةِ، فكنتَ أفضلَ خاطب لأَفْضلِ مخطوبٍ، وأكملَ طالب لأكمل مطلوبٍ، مَعْ معرفتكَ بأن زواجَ النصارى لا طلاق فيهِ، ولا سائلَ مخالعةٍ يعتفيه، ولا راجبَ مراجعة يجتديه، ولا رِدَاءَ معاودة يرتديهِ، بَلْ طلاقهُ مجاورةُ الأجداث، ومحادثةُ الانباثِ، وانحرافُ الرُّوح عن البدنِ، والتحافُ البَدَنِ بالكَفَنِ، فتزوْجتَها على هذا الاشتراطِ المذكورِ، وتقبُّلَتها تقبل الراغبِ الشكَورِ، وارتضيتَ ولوجَ هذا الساهورِ على مُمِرِّ مَمَرِّ الدهور بشهادة الناظرينَ، والقوس الحاضرينَ، قال: تزوجتُها، فقال: جَعَلَهُ اللهُ منوطاً بجد لا تبرَحُ كتائبُ سكناتهِ، مخروطاً بَمرَس مصاحبةٍ لا تَتْرَحُ حلاوةُ حركاته، دالاً على صِحَّةِ لُحْمةِ الأنساب، وحِسَابِ مَحاسنِ هذهِ الأحسابِ، على أعظم نظام، وأقوم قِوام، بصلواتِ القديسينَ، والقسيسينَ المقدّسينَ، قالَ: فلما تم عقد النكاح، واعتبِرَ نَقْدُ تلك الصِحاح، نفحُوهُ بحُلَّةٍ وكيس، وبُرْنُس نُفيس، وآلوا ألا يفَارقهَمُ أو يصبحوا، لتجولَ جيوشُ حَلْبَةِ الحُميّا ويَصْطبحوا، فأَجاب حذر مجانبتهِم ورفَعَ الحِجابَ لإجابتِهم، وجعلَ يميلُ بالكؤوس على تيكَ الشُّموس، ويسطو برداءةِ السُّوس على هاتيكَ الرُّسوس، إلى أن اَمتاروا من ذلكَ الكَيْلِ، وقَطَعَ القومُ قطْعاً من الليلِ، وحينَ سكنَ المائدُ، واَرتفعتِ الموائدُ وصوفحتِ الوسائدُ، وانكفأ العابدُ، واَنقطعتِ الصِّلةُ والعائدُ، وشارفَ أنْ يطلبَ القُوس، ويُضْرَبُ بأعلى بِيْمِها الناقوسُ، رَبَط الطنافسَ مع الستورِ، وانخرطَ انخراطَ الطُخرورِ، واستأصلَ نفائسَ صُلبانِها، وضمَّ خُلّةَ مخاتلتهِ إلى صلَيانِها، ولمّا غادرَ المجيعةَ كالتريكةِ، وبادرَ إلى لَبْس نَثْرةِ التحزُّم والتَّريكةِ، جعلتُ أتضاءلُ تضاؤلَ المسوُدِ، ويتمايلُ تمايُلَ الأُسودِ السّودِ، لعلمي أنَّ مَنْ خالطَ الأخطارَ، وعاشَرَ الشُّطَّارَ، طاحَ رأسُ قدرهِ وطارَ، فخشيتُ أن أرومَ حَذْوَ هَرَبهِ، فأوبقَ، أو أعومَ بغواربِ غَلَبهِ فأغرقَ، فجحجحْتُ عن مصافحتهِ، وحجحجتُ عن مصاحبته، وطلّقتُ عرائسَ إِلمامِي، وأطلقتُ في عَراءِ مقاطعتهِ زِمامي.الراغبِ الشكَورِ، وارتضيتَ ولوجَ هذا الساهورِ على مُمِرِّ مَمَرِّ الدهور بشهادة الناظرينَ، والقوس الحاضرينَ، قال: تزوجتُها، فقال: جَعَلَهُ اللهُ منوطاً بجد لا تبرَحُ كتائبُ سكناتهِ، مخروطاً بَمرَس مصاحبةٍ لا تَتْرَحُ حلاوةُ حركاته، دالاً على صِحَّةِ لُحْمةِ الأنساب، وحِسَابِ مَحاسنِ هذهِ الأحسابِ، على أعظم نظام، وأقوم قِوام، بصلواتِ القديسينَ، والقسيسينَ المقدّسينَ، قالَ: فلما تم عقد النكاح، واعتبِرَ نَقْدُ تلك الصِحاح، نفحُوهُ بحُلَّةٍ وكيس، وبُرْنُس نُفيس، وآلوا ألا يفَارقهَمُ أو يصبحوا، لتجولَ جيوشُ حَلْبَةِ الحُميّا ويَصْطبحوا، فأَجاب حذر مجانبتهِم ورفَعَ الحِجابَ لإجابتِهم، وجعلَ يميلُ بالكؤوس على تيكَ الشُّموس، ويسطو برداءةِ السُّوس على هاتيكَ الرُّسوس، إلى أن اَمتاروا من ذلكَ الكَيْلِ، وقَطَعَ القومُ قطْعاً من الليلِ، وحينَ سكنَ المائدُ، واَرتفعتِ الموائدُ وصوفحتِ الوسائدُ، وانكفأ العابدُ، واَنقطعتِ الصِّلةُ والعائدُ، وشارفَ أنْ يطلبَ القُوس، ويُضْرَبُ بأعلى بِيْمِها الناقوسُ، رَبَط الطنافسَ مع الستورِ، وانخرطَ انخراطَ الطُخرورِ، واستأصلَ نفائسَ صُلبانِها، وضمَّ خُلّةَ مخاتلتهِ إلى صلَيانِها، ولمّا غادرَ المجيعةَ كالتريكةِ، وبادرَ إلى لَبْس نَثْرةِ التحزُّم والتَّريكةِ، جعلتُ أتضاءلُ تضاؤلَ المسوُدِ، ويتمايلُ تمايُلَ الأُسودِ السّودِ، لعلمي أنَّ مَنْ خالطَ الأخطارَ، وعاشَرَ الشُّطَّارَ، طاحَ رأسُ قدرهِ وطارَ، فخشيتُ أن أرومَ حَذْوَ هَرَبهِ، فأوبقَ، أو أعومَ بغواربِ غَلَبهِ فأغرقَ، فجحجحْتُ عن مصافحتهِ، وحجحجتُ عن مصاحبته، وطلّقتُ عرائسَ إِلمامِي، وأطلقتُ في عَراءِ مقاطعتهِ زِمامي.

حسن خليل
24-11-10, 10:30 AM
المقامةُ السادسةُ والعشرون الشيرازّية الجيميّة

حدّث القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: نزِعْتُ عن مُنازعةِ الجَليس، وقطعْتُ عُنُقَ رؤوس الأماليس، وبرَعتُ بالحمْدِ الحَبيس، مُذْ خَلعتُ لِبَاسَ التلبيس، فما فَتئْتُ أعجُم أعوادَ هذهِ المغارس، وأرجُمُ شَجراتِ المناظرةِ قبلَ الغَارس، وأسعَى بفِطْنَةٍ مُباهيةٍ، وأسبابِ هِمَم غيْرِ ساهيةٍ، حتى خَبَرْتُ نُخَبَ المُحاضر، وحضرتُ مُلَحَ المُناظر، فلما بَهرتْ بُهْرة خِيْرتي، وزَهرت زهره ذخيرتي، واشتهرتْ رُقومُ حَضارتي، وظهرتْ نجومُ مُحاضرتي، طفِقتُ أحاضرُ حَضَارِ وأعالجُ أخلاقَ العَنْس الحِضارِ، لأضمَّ إلى ذلك الضَّرَبِ نُغْبةً غراء، أو ألمَّ إلى ذلك الشَجرِ روضةَ غَضْراء، فلم أزل مدّةَ جَذْب المحرانِ وشدِّ القران، أعانقُ عقائلَ المُرَّان، حتى أنحفني الأمرّان المُرَّان، فلما استوى لديَّ الوَجَارُ والبَسابسُ، والمنارُ والمُنابسُ قادني إلى شيرازَ قائدُ القدرِ الرفيقِ، وصادني إلى صيدِها صائدُ شَرَفِ الأملِ الشفيقِ، فقدمتُها قدومَ نِحريرٍ، وولجتُها ولوج مَنْ ظفرَ بمعدن نضير، فَحينَ نفختُ بضرام الرحلةِ واحتويتُها، وطبختُ بها عَيرانةَ الأشر واشتويْتُها جعلتُ أهبُّ هبوبَ الزَّعْزَع الذاكي، وأشُبُّ شُبوب الضمر المذاكي، ولمّا آن انكِفاءُ المواكبِ، وحان طلوعُ مراكبِ الكواكبِ، ومال كلٌّ إلى سكنِه، وآل كلُّ محترف إلى مسكنِه، رمتْني حبائلُ الانحدارِ، ودهمتني بوادرُ الانكدارِ، وازدحمتْ ركائبُ الأكدارِ، ووحمتْ قتلي قَنابلُ تذكُّرِ الدار، حتى توسّدْتُ الحسامَ، وتمنّيْتُ لانسجام سام السَّيْلِ السامَ، فبينما أنا أفكر في هُجوم المنام، وأنظرُ في احتلاس سنسِن ذاك السّنام، إذ أقبلَ إليّ رَجُلٌ ارتجلتْ وصفه الصفاتُ، وضارعَتْ شِدّةً إعصافهِ الرياحُ العاصفاتُ، يَرْتَعُ في ربيع شبابهِ الزاهي، ويخطر في ميدانِ ميدان شُبوبه المتناهي، فالتفتَ نحوي التفات المريب، ولحظني بعين عقله الأريب، وقالَ لي: أراك مُتَّشحاً بشعار الاستشعار، وعلى صَدْرِ صَدَركَ صدار الاصفرارِ، وسيمياءُ الفضائلِ فائضةً لديْك، وكيمياءُ المكارم متراكمة عليك، فَقُمْ وفَّقَكَ الله إلى موائد مُتْرعةٍ، وعوائد مُمْرعةً وريْعٍ نماؤه مرحٌ، ورَبع فناؤهُ فسيحٌ، وغَمْر يغمَرُ بغَمرهِ المحرومُ، وقَرْم تقرَمُ لِلَثْم وَطْءِ مقرومهِ القُروم، لتشكرَ مَنْ لَهُ حجبْتُ، وإجلال إجلاله رجبتُ، وبمعازفِ معروفه اعتجبتُ، ولَوْ دُعِيْتُ لكُراع لأجبت، قال القاسمُ بن جريالِ: فجَذبني رَسنُ حُسن أوصافه، لا حَسَنُ وصفِ صحافه، وغرائبُ بَريْع هيئاته، لا رغائبُ ربيع هِباتِه، ثم إنِّي نهضتُ أغذو غذوه، وأحذو حذوَهُ، إلى أنْ وصلتُ إلى مرْبعهِ، واتّصلتُ بمشارق مَطْلعه، ولمّا بَرِقْتُ لرَوْقِ رواقه، وعسقت بما عشقت من مخائلِ أخلاقه، وحمدت شِنْشِنَةَ أبنائه، وشمِمْتُ نَشْرَ ألوَّة أبنائه، ألفيتُ أبا نصر المصريّ مِمَّن شَدَّ ظهرَه شِدَّة ذاك الدِعام، وضمَّ شملهْ ضِمامُ ذلك الإنعام، فتمطَّقْتُ لعذوبة إلماعه، ونقطت وجه عروس جَلوةِ اجتماعه، ثم أخذتُ أساله عن رب ذلك الفسطاط بعدَ رفع الدُّعابة والانحطاطِ، وأخبرتُه بما نشرَ حاجِبُهُ من الاشتراطِ، وضمنَ لي حاجبهُ منَ حلاوةِ الاستراط، فقال لي: إنّهُ مِمن يرفعُ عن محيّا الأمل براقعهُ، ويُعطِي خَرْقَ الخَلَقِ راقعهُ، ويوقعُ بُرّ برِّهِ مواقعَهُ، ونحن عندَهُ مقيمون، وعلى قَدَم هذه المِقَةِ قائمون، ما وصمنا مُذ عَصَمنا ولا سئمنا مذ رئمنا، قال: فبينما نحن نرتشفُ شَمولَ المخاطبة، ونلتحف بملاحف المداعبة، إذ دخلَ صاحبُ فنائنا، وجامع أعنائنا، فنهضنا إلى مصافحته، واستلام حجْر راحته، فحينَ رمقني بطرْفه، وصافحَ مطرفي كفّ مُطَرفه، قال لهم: أنَّى لكم هذه المنحةُ، ومن أينَ تسنَّتْ لمجلِسكُم هذه الملحةُ ومن الذي تفوحُ أراييحُ فصاحته، وتلوحُ مصابيحُ صباحته، فقال له أبو نصر: هذا الذي أدهشَ الغرباء، وناقشَ العرب العرْباء، وكَلَمَ المناسمَ، وكلم المباسمَ، واخترعَ المُكوسَ، وارْتضَعَ الكؤوسَ، وهتمَ القائلَ، وهزمَ القبائلَ، وجالس الولاة، وأخرسَ القضاةَ، وأعجزَ الغابرَ، وطرّزَ المنابرَ، وشرّفَ المدارسَ، وأحيا العلم الدارس، وادّرعَ السماحَ، وأعطى من استماح، وجانب الصماحَ، وكافح الرماحَ وماح، قال: فلمّا أفاضَ حياضَ امتداحه لديَّ وشحَا فَمُ ثنايا الثناء عليَّ، بادرَ إلى استخراج النُخب من غَمامِها، والنكت من كمامها، مترنحاً كالسيلِ الدافقِ. والقيلِ النافق والطَّفَل البارز، والبطل المبارز، حتى أذعَن الأدب لطاعته، وشغف البشرُ بفيض براءته، ولم نزل برهة من الدهور، نسح في زلال المنزل الطَّهور، وتتردَّدَ علينا أباريقُ الولائدِ، وتتولَّدُ من الجماعة والاجتماع اجتماعُ الفوائدِ، وبينما نحن نتقبّلُ أرْيَ قبَلِ المقابلةِ والعضاض ونرتع في رياض ذلك الابيضاض، وتَحترفُ ثمار أنعامه العميم، ونعتكفُ بجامع أجماع تلك الأضاميم، قال لنا: إنَّ لي صاحباً بحُلوانَ، ما أضمرُ مصاحبٌ له السلوانَ، وقد بلغني التحافُه بالإحرام، وإيجافُه مِنَ البيت الحرام، وإنِّي لأحِبُّ أن ينشئ أحدُكم رسالة إليه، تهنئةً بما أنعم الله به عليه، وليعرِّضْ بطولِ جفائِه، وأفول فَلَقٍ وفائه، ومواصلةِ صدوده، ومخالطة طيب فاكهة مفاكهته بدوده، فقلنا لَهُ: دونَك الهونَ الهائلَ، والسحابَ السائلَ، الذي أودع الأدب لُبَّهُ واللَّبانَ، واستلَّ سلسلَ لسانه لسانَ سحبانَ، فالتفتَ إلى أبي نصر وقال له: قد ألقوا إليك زمام التفويض، واعترفوا بفضلِكَ العريض، في هذا التعريض، فقالَ لهُ: أنا وعيشِكَ لمثلِ هذا الإرعادِ، ونشر رُفاتِ هذا المعادِ، لكنَّني مِمَّنْ يخرُفُ لفراخه، ولا يسمَنُ جسدُه من صِماخه، قالَ: فظنَّ أنَّه يشغله لانصلاته أو يسألُه سحَّ مسيلِ صِلاته، فقالَ له: إذا طفحَ نُبوعُكَ، اسهوهبَ بوعُكَ، ومتى هَمَعَ يَنبوعُكَ أفعوعمْت ربوعك، فلما سَمعَ تلويحَهُ، وطمعَ فيما يودِعُهُ رِيْحَهُ، أفشأ الطاعة حميَّةً، وأنشأ رسالةً جيمية، وهي:ا فَمُ ثنايا الثناء عليَّ، بادرَ إلى استخراج النُخب من غَمامِها، والنكت من كمامها، مترنحاً كالسيلِ الدافقِ. والقيلِ النافق والطَّفَل البارز، والبطل المبارز، حتى أذعَن الأدب لطاعته، وشغف البشرُ بفيض براءته، ولم نزل برهة من الدهور، نسح في زلال المنزل الطَّهور، وتتردَّدَ علينا أباريقُ الولائدِ، وتتولَّدُ من الجماعة والاجتماع اجتماعُ الفوائدِ، وبينما نحن نتقبّلُ أرْيَ قبَلِ المقابلةِ والعضاض ونرتع في رياض ذلك الابيضاض، وتَحترفُ ثمار أنعامه العميم، ونعتكفُ بجامع أجماع تلك الأضاميم، قال لنا: إنَّ لي صاحباً بحُلوانَ، ما أضمرُ مصاحبٌ له السلوانَ، وقد بلغني التحافُه بالإحرام، وإيجافُه مِنَ البيت الحرام، وإنِّي لأحِبُّ أن ينشئ أحدُكم رسالة إليه، تهنئةً بما أنعم الله به عليه، وليعرِّضْ بطولِ جفائِه، وأفول فَلَقٍ وفائه، ومواصلةِ صدوده، ومخالطة طيب فاكهة مفاكهته بدوده، فقلنا لَهُ: دونَك الهونَ الهائلَ، والسحابَ السائلَ، الذي أودع الأدب لُبَّهُ واللَّبانَ، واستلَّ سلسلَ لسانه لسانَ سحبانَ، فالتفتَ إلى أبي نصر وقال له: قد ألقوا إليك زمام التفويض، واعترفوا بفضلِكَ العريض، في هذا التعريض، فقالَ لهُ: أنا وعيشِكَ لمثلِ هذا الإرعادِ، ونشر رُفاتِ هذا المعادِ، لكنَّني مِمَّنْ يخرُفُ لفراخه، ولا يسمَنُ جسدُه من صِماخه، قالَ: فظنَّ أنَّه يشغله لانصلاته أو يسألُه سحَّ مسيلِ صِلاته، فقالَ له: إذا طفحَ نُبوعُكَ، اسهوهبَ بوعُكَ، ومتى هَمَعَ يَنبوعُكَ أفعوعمْت ربوعك، فلما سَمعَ تلويحَهُ، وطمعَ فيما يودِعُهُ رِيْحَهُ، أفشأ الطاعة حميَّةً، وأنشأ رسالةً جيمية، وهي: جُدِّدَ جلالُ المجلس الجليلِ. الأجلِّ الجميلِ، الشَّجاع الأمجدِ، الجحجاح الأجودِ، الجَسودِ المرتَجى، الماجد المجتَبى، الأجدلِ الأمجديِّ، المجّدِ المجديّ، جمالِ الأمجادِ، جوادِ الأجوادِ، جنان المجتدين، جَنانَ المنجدينَ، جُنّةً الجناة جنَّة الجفاة، وجلَّت جلالتُه جَهالةَ الجُهلاءِ، وتجمّلَتِ بِجِدْواهُ مجالسُ النجباءِ، ورجَمَ بنجوَم اجتهادهَ جن تهجده الجموم، وجزم بجراز محجتهِ جؤجؤ الجاهل الجزوم، وتوج الحجيج بتاج حجته، وسرج للمستنجدين سراج حجته، وجمل بجمل أجر حَجِّهِ، وأجزلَ لجنابه نجاحَ عَجِّهِ وثَجِّه الطويل:
جوادُ جلا جوناً جلالةُ جُوده ... جَرِيّ جَليٌّ جاذمٌ وجده وَجْدا
جرى بجياد النّجح جَرْياً ليجتني ... جَنى جُمَلِ التمجيدِ واستجملَ المجدا
تجللِّ بالإجلال والحِجر والحجى ... وعاجَ لجمع المجد واستعجل المُجْدَى
وعج ضجيجاً بالحمار فتوجتْ ... جباحَجون الحجْر واستجودَ الأجدَى
جبرُكَ المجبوذُ بجريرِ جُودك العجيلِ، وجَوْدِكَ المبجَّلِ التحجيلِ، ولجام جُمانِكَ العجيبِ، وانسجام مرْجانِكَ النَّجيبِ، ينتجعُ مجاني اجتماعك، وينتهجُ منهجَ الترجي لجلائل أَسجاعِكَ، راج مجاورةَ وجارك البهيج، مُتَبَجِحٌ بِيَلنجج نِجارك الأريج، متجلِّل عجلزَةَ انزعاجهِ الجارح، متجملٌ بعجائب إعجازكَ الراجح، جَدّلَهُ جَحْفَلُ حُجَجكَ، وجَلَّلهُ جَلَلُ لجج لَجَجِكَ وأجهدهُ معاجلةُ جموح جنابك، وأضجَرهُ معالجةُ جوَى جَنَف اجتنابكَ، يتجلببُ بعجاج الانزعاج، ويتجرَّعُ جمَّ أجاج المجاج، ويُراجعُ زوجاتِ الاجتياح، ويُضاجعُ مزدوجاتِ جزْمِكَ المُجتاح، ويمجّ لُجِّيَّ جزَعه الجانح، وتَضِجّ لجيوش جَذْمِكَ جوارحُ الجوانح، وتموجُ هُوجُ وَجَله وتهيجُ، وتعوجُ عُوجُ ضَجَره والعَناجيجُ الطويل:
وضرَّجَهُ جُرْحا أجاج وجفْوةٍ ... وأجَّجَهُ جَمْرا جُناح وناجس
وأزعجه جانا اجتنابِ وجولة ... وأعجزهُ جَيْشا جُنونِ وراجسَ
فتجنّب مجالسةَ التجافي، وجُدْ برجوع جَنانكَ الجافي، جُزيتَ برَجم جَمَراتِكَ جزاء جزيلا، وأمجَدَ موجِدُكَ لمجدك جِدًّاً عجيلاً، وجَدًّاً وجيلا، قال الراوي: فحينَ عَرَضَ عروضَ ما استعرضَهُ ووافقتِ الرسالةُ غَرضَهُ، أثنى عليه ثناءَ الزَّهَرِ على الوابلِ، والبلابلِ على تغريد البلابلِ، ثم وعَزَ له بحُلَّةٍ وسيمةٍ، وصرّةٍ جسيمة، فلمّا ربضَ مكانَهُ، وتحقَّقَ إمكانَهُ، وفارقَ إملاقَهُ، وعاقرَ من لاقَهُ، قالَ لي: قدْ عَزَمتُ مذ نجح فالي، بأن أتحف بهذا اللفاء إفالي، فهلْ لكَ في أنْ تساعدني لطلب رفقةٍ تَحْملُها لهم، قبلَ أن يحسَّهم حُسامُ المسغبة ويستأصلهم، ثم نرجعُ إليهم كلموع البارق الباهر عليهم، فقلتُ لَهُ: أتمكرُ بي حينَ واتتْكَ الوعودُ ووافاكَ الصعود، وقد علمْتُ أنَّكَ لا تعودُ، أو يُورقَ بعدَ اقتضابهِ العُودُ، فأطرقَ نحوي وأزبدَ، وأشرق شَرْق قَلقهِ وأنشد: السريع:
أوصيكَ إذْ تعرفُني ناصِحاً ... لن أطْغِيَ الخِلَّ ولن أهلكا
لا تطلِ المكْثَ كثيراً ولو ... في منزلي يُمْلأ مِنْ أهلِكا
لذا تراني لم أزلْ سالماً ... لن أخسر الدهرَ ولن أهلكا
ثم إنَّه أقلع عن الاعتنان، وأشرعَ شباسنانِ الاستنانِ، بعدَ أن شدا لشد نيته وارتدَى برداءِ خسيس نيَّتِهِ، وخلَّفني بعدَ قُفولهِ وسرعةِ جُفوله، كمقترٍ عطف بعد حُفوله على التقام قشورِ فولهِ.

حسن خليل
24-11-10, 10:35 AM
المقامةُ السابعة والعشرونَ الكوفيّةَ

أخبرَ القاسمُ بنُ جريالِ، قال: قرمتُ إلى مناهزةِ الابتهاج، أيامَ ضيقِ الانتهاج، وسئمتُ مرارةَ العلاج، أيانَ انزعاج المزاج، وكنتُ حينئذٍ ضئيلَ النياطِ، جزيلَ الاحتياطِ، ألِجُ من شدّةِ العِياطِ، في سم الخياطِ، فلم أزل أنْغِضُ لمباينةِ الغَرَض، وأستعرضُ عساكرَ العَرَض، وأتسلَّى بالحَرَض، وأحتملُ ثقلَ مضض الجرض، حتى آل بي إلى الانتصابِ، وجرَّعَني عُصارةَ ذلكَ الصَّاب، فلّما جاوزْتُ البحارينَ، وأعجزت بتَفَلِ العرقِ مسكَ دارينَ، واستجثتُ المعين، وبلغتُ في العددِ الأربعينَ، كرهتُ محادثةَ الملازم، كراهيةَ تقدّم الكسرةِ على الضم اللازم، ولمّا مِلْتُ لإصلاح ما جنيتُهُ، وقَدِمتُ إلى ما اقتنيتهُ فأفنيتُهُ، لعلمي أن مَنْ تخَلَّفَ عن مُعْسِرٍ حَسَرَهُ، ومن خلَّف مالاً لغَيْرهِ خَسَرهُ، وكنتُ حين شُبوب هذا الهُبوب وشِدةِ الهُوب، ذلكَ الشؤبوبِ، معمورَ الفِناءِ، عاكفاً بالكوفة الحسناءَ التي تُخْطبُ لجمالِها، وتسجُدُ جباهُ وجوهِ الأجلَّةِ لإحلالِها، فبينما أنا أجانب الرجالَ، وأكافحُ بذلكَ المجالِ الأوجالَ، إذ ولجَ ممِّرض المُجابُ، ومَنْ رُفِعَ لهُ دونَ الحَجْبَةِ الحِجابُ، وبيدهِ فِلْذَةُ جُزازةٍ، تُبرئ منْ به حرارهُ حَزازةٍ، وقالَ لي: إنَّ شيخاً من جُملةِ مَنْ غُمرَ بسيْلِكَ، وعُمرَ مَرْبعُهُ بنَيْلِكَ، دَفَعها إلي، وقالَ: مُرْ مريضَكَ، ومَنِ ارتضى لمرضهِ تمريضَكَ، بأنْ يُعَلِّقها على عاتقهِ اليمينِ، متوِّسلاً بالغُرِّ الميامين، فإنّهُ متى غفا، عاد من ربع عافيته ما عفَا، قال: فصبوتُ لقَوْله، واعتمدْت على قوة الله وحوله، ولما أقبلتْ قبائلُ الاضجاع، واَستقَبلتْ يدُ المَحْمدةِ حَلاوةَ ذلك الانتجاع، واسترحتُ من مكافحةِ الأحلام، ألفيتُ قد أجفلَتْ قنابلُ الآلام، فحمِدْتُ اللهَ على غَورْ ماءِ ذاكَ السِّقَام، وغؤورِ عيونِ انتقام ذلكَ السَّقام، ثمُّ إنِّي فَضَضْتُ الرّقعةَ فضَّ المخالس، لأنظر سِرَّ برئها المُحالس، فإذا فيها: يا منْ تَوَى لهيبتهِ الملوكُ، واستوى في حِمامهِ المالكُ والمملوكُ، وقَصرَ قَيْصرَ لتقصيره، وكَسرَ كسْرَى مَعْ عِظَم كسيره، ونكَّسَ رؤوسَ الوجوه الباسرةِ وأركس قِمَمَ القُيولِ الناسرةِ، وثَّمرَ أعمالَ عبدّائهِ المُقسطينَ، ونضرَ عمال أعدائهِ القاسطينَ، وأترعَ حِياضَ أفضاله للغارفينَ، وأوقدَ مِصباحَ مَعْرفتهِ في قُلوبِ العارفينَ، أسألُكَ بكتابكَ المتين، ومحمد الطاهر الوتينِ، أن تَحْرُسَ حاملَ المَسْطورِ بالذارياتِ والطُّورَ، وأنْ تُخْرِسَ لسانَ ضَرَرِ أعضائهِ البُور، بالوَحْي المزبورِ، وأنْ تكفَّ هَوْلَكَ عن أكفِّ مِنَنِهِ، وتَحُفَّ حولَكَ حوْلَ أمْنهِ ومأمنهِ، واَرَزْقهُ الصَّبْرَ عندَ نزولِ مَتربتهِ، ولا تُذِقْهُ الصَّبِرَ حال حلول تُربتهِ، وثَقِّفْ لَهُ صِعادَ الإصعادِ، وهَدِّفْ لهممهِ سُعادَ الإسعادِ، وأغنهِ عن الأساةِ، وَأعِنْهُ على سلوكِ سَنَنِ المواساةِ، واحم حوزَتهُ عن البُغاةِ والطُّغاةِ، وارم مَنْ رَماه بالعُدَاةِ والمُعانَداتِ، ولا تسلِّطُهُ على فَك فِدامهِ لإعدامهِ، وأسَعدِهُ على رسُوخ أقدامهِ يومَ اصطدامهِ، واسْبُرْ سيَرَ تهتانه لا بُهتانهِ، واستُرْ محاسنَ حِسانهِ لا إحسانهِ واَرفعْ سَقَمَ سويدائهِ، وادفع عنهُ شَررَ أعدائه، ودَائه برحمةٍ منكَ يا أرحمَ الراحمينَ، وأكرمَ المتكرمّينَ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلّما وقفتُ على دُعائهِ المُستجابِ، وَعَرَفْتُ يَقَقَ ذلكَ التِّجابِ، قُلْتُ للأعبُدِ: عليكم بكَشْفِ نِقْبَتهِ، ولو باستكمالِ حقبته، فمَنْ أمعَنَ في رِقبته، أنعمَ اللهُ بحَلِّ رقبته، فحينَ مثلَ لديَّ، وأقبل مسلِّماً عليَّ، ألفيتهُ المصريَّ، شيخَ الأعاجيبِ، وسُبَحَ أنامِل المَكْرِ المُجيبِ فقمت إلى لقائهِ، لأتُبعَ شِناقَ قِرْبَةِ قُربهُ بِسقائهِ، ولمّا سَمحْتُ لَهُ بالمَكفورِ والنابت، وفديتهُ بالغصونِ والمنابتِ، قلتُ لَهُ: قد بَرِئْتُ بحمدِ اللهِ من سَقَمي، وأحضرتُك لتحِلةِ قَسَمى، ولأجازيَك بما يملأ بوحكَ، ويُصلح صبوحَكَ، ثم إنِّي استوصيته بعد أنْ كنت عَقَقْتْهُ وعصيْتهُ، فقالَ لي: عليكَ بالتأسِّي ولو نَابكَ رَثْمُ، وإياكَ وسوء الظن إن بعض الظن إثم، وصف نضار ظنك ببوطة الخلاص، واعلم أنك ستعرض يوم القصاص للاقتصاص، فقلت له: وأنت فيجب أن تتجنب موارد الانتقاص وتقلع عن مصايد الاقتناص، فقال لي: كم لام قبلك فما عبأت بالكل، ومن احتمل الوابلَ لا يكترثُ بالطَّلِ، وهِرٌّ تعوَّدَ رَشْفَ سُلافةِ الحَل، لا يأكل البصلَ بالخلِّ، ثم إنَّهُ نشرَ طُرْفَ ربيع، نيسانِه، وطَوى طَرَفَ رفيع طَيْلَسانهِ، وأنشدَ: الراجز:

دَعِ الملامَ واحسِمِوا قطع آذاكَ واجزم فليس يُدْمي مَنْ رُمي بلومِكَ المُذَمَّمَ
كم لائمً رفضتُهُ وجازم خفضتهُ وصائمٍ ركضتهُ إلى النًّوالِ المُسْجَمِ
وكم جَزَمْتُ عِفَّة وكم نصبتُ كِفَّةً وكم خفضتُ خِفّةً خوف الخبيثِ المُجرم
وكَمْ تلوتُ السُّوراوكَمْ علوتُ المِنْبَرا وكم جلَوْتُ الدُّرَرا على النَّدِىِّ المُفْعَم
وكم خَلَبْتُ خلَّةً وكم حلبتُ حِلَةً وكم جلبتُ جِلَّةً برُمحِىَ المُقَوَّمَ
وكَمْ حضرت نادياً وكَمْ خَصَرْتُ بادياً وكم حضرت وادياً بطِرفيَ المُطًهّم
وكم فلاةٍ جُبْتُها وكَمْ صِلات جُزتُها وكم صَلاَةٍ قُمتُها لنَصْبِيَ المتمَّم
وكم فتحتُ مَربْعاً وكمْ سددْت مَرتَعاً وكم شددْتُ ما ارتعا لغدريَ الغَشَمْشَم
وكم سرقتُ مَنْ سرى وكَمْ شَرَقْتُ في اَلسُّرى وكَمْ رَشَقْتُ مَنْ برىَ رَبُّ الوَرَى بأسْهُمي
وكم مددت شارة وكَم جددْتُ قَارةً وكَم ردَدْتُ غارة روْمَ الثَّنا بِمخْذَمي
وكم قَطَعتُ مَنْشِماً وكم وصلتُ مَبْسماً وكم سَبَقْتُ منسما حُبَّ السَّنا بمنسِمي
وكَمْ حللتُ حانةً وكم قتلْتُ عانةً وكَمْ فَلَلْتُ بانةً لسَرحيَ المسوَّم
وكم نظمتُ المُلحَا وكم لثمتُ القَدحا وكم عذلتُ من صحا عذل العذول المُبْرم
وكم حسيس رعته وكم خسيسٍ عبتُهُ وكمْ نفيس بعتهُ في الأهيفِ المُنعَّم
وكم خلال خُنْتُها وذِمَّةٍ أخفرْتُها وخِدمةٍ أظهرْتُها لخدهِ المُعَنْدَم
وكم سحيق ساقني وكم رشيق شاقني وكم عقيق عاقني عن زورةِ ابنِ أدهِم
وكم صبيح صَادني وكم مُليح عادني وكم مَليح قادني لحُبِّهِ المُتيَّم
وكم نَصيب صَابني وكم مَعيب عابَني وكم مهيب هابني للفِظَى المنظِّمِ
وكم سَجَرتُ من طغى بشدَّتِي لمّا بغى وكم سحرت من صغى لوعظِيَ المُعظَّم
وكم قطعتُ من سَعَى لمحفلٍ لما ادَّعى وكم أجبت من دعا لجفنَة ومَطْعَم
وكم ختلتُ مَنْ عَدا بحيلَتي لما اعتَدَا وكم قهرت من غدا ليبغي الوغَى بأدهَمي
وكم آثرتُ مكسباً وكم سبرت سبسباً وكم عذرت من سبا كاسَ السّلافِ المُضرم
وكم جذمتَ مَنصبا بمَنصِبي ومُنْصِبَا وكم خذمت من صبا إلى خِبا المخدَّم
وكم رحلتُ مركَبا وكم أسلتُ مُنَكِبا وكم أشلت من كبا بكفِّي المُكَرَّم
وكم تركتُ القَسِما إياكَ أغني القَسِما بورطتي المقاسما ومكريَ المُهَيَّم
فلا تَلُمْ فصبيَتي مِنْ أمسِنا بزُبْيَتِي تطوي الحشا لغيبتي طَيَّ القَميص المُعْلَم


قالَ الراوي: ثم إنَهُ زَهَرَ زهَرُ إبداعهِ، وبَهَر نَهَرُ اختراعهِ، ومَكُثَ عندي إلى ظُهورِ النَّجم، وانقضاض النَّجم للرَّجم، فلمّا احلولكتِ الدُّروبُ، وسُلَّ سيْفُ الغَسَق المَقُروبُ، طفَر كالنَّبْض الغزاليِّ، وخرجَ خُروجَ نغبِ الوَليِّ، فأوحشَ الأحامس، وشاكَهَ المتعامسَ، وامتطَى الطريقَ الطامسَ، واحتذَى النقيلَ الشامسَ، وألبسني الحظ العُكامسَ.

حسن خليل
24-11-10, 01:52 PM
المقامةُ الثامنةُ والعشرون النَّصيبيّة

روَى القاسم بن جريالٍ، قالَ: منيت مدّة مُقاصاةِ المَعان، ومُعاصاةِ الظعَان بسَهمْ هَم راقٍ، وسمِّ سَدرِ أرَق مالَهُ من رَاق، حتَّى امتطيتُ أيانق الفَرَق، وانثنيت عن نَمارقِ السَّرَقِ، وذَهَلْتُ عن بِساط البِسَاطِ، وشُغْلِتُ عَنْ وَطء بِساطِ الانبساطِ، فلّما اَنفجر فَلقُ قَلَقِ القَلْب الشَّفونِ، وانهدمَ راسخُ أساس نُعاس الجُفونِ، جعلتُ أضطربُ لهذا الرَّثمْ الثائرِ، وأجتذبُ أسبابَ السَّقَم بأشاجع يَدِ الجسدَ البَائرِ، فبينما أنا أعالجُ بعَالج السَموم السُّمومَ، وأمارجُ بَمارج تلكَ الهَموم الهُمومَ، إذْ خَطَرَ بخاطري المكدودِ، خِلٌّ خَال منْ قَرَن قرينهِ المَقدود، فحملني وعكة المللِ، وصَكة الغللِ، عَلى أنْ أطعَنَ درئةَ الحَنادس، بسنانِ الطلبِ المُداعس، وأظعنَ إلى أنْسِهِ الموانِس، لإماطةِ سرابيلِ الوَساوس، فصحِبْتُ وَصيفاً يُوجزُ بإسهابِ وَصْفِهِ الواصِفُ، ويعجِزُ عن إدراكهِ ريحُ المَراوح القاصِفُ، ولما ركعتُ لأبوابهِ، وأطعْتُ الأملَ في إيقاظِ بوّابهِ، تلقَّاني ببِشْرٍ شُموسهُ مشرقَة، وبِرٍّ كؤوسُهُ مُفْهِقة، وجَعَلَ يُذاكرني بنفائس أسمارهِ، ويُذكرُني محاسنَ سُمّارهِ، ثم قالَ لي بعدَ زاخرِ مُحادثاتهِ، وأواخرِ مُنافثاتهِ: أنَّى زهدتَ في دمشق ورُتْبتِها، والرُّبْوةِ ونُزهتِها، فهل لكَ في مُعاودةِ ورَيفِها، ومراجعةِ زَخاريفِها، وأنا لأوديةِ أوبتِكَ مَسِيْلٌ، ولوَجهِ وجْهَتِكَ خَدُّ أسيلٌ، وبِما يمونُكَ كَفيلٌ، واللهُ على ما نقولُ وكيلُ، وحينَ أدبرتْ كتائبُ الغَسَق وأقبلَتْ قبائلُ الشَّفَق، اتخذنا زاداً وبَكراً، وأموناً لبِكر بِكرينِ بِكرا فلم نزلْ نمتطي مَطَاهُما ونجتلي خرائدَ خُطاهُما، إلى أن امتطينا طنافسَ المربِّينَ، وورَدْنا ماءَ مَدَيْن نصيبين، وكنتُ سمِعتُ بطيب هِرماسها، وشَرَفِ ناسيها وباسِها، فقلتُ لهُ: أتحِب بأن نخيم بقبالها، لنُنظرَ ما وراء نقابها، ونصيف بعراصها، لنبصر ما تحت نصيف عفاصها، فأهنى المبرَّةِ أرْوجهُا، وأسنى المسرَّة سجْسُجها، وإذا اقترن عسيب المصيف، بعزة هشيم الخريف، وسَخَن باردُماء الخُفور، وبردَ بارد حر الحرور، نجذب عُثنون أموننِا، ونركَبُ متون رزوننِا، فقالَ لَي: يا بنَ جريال إياك والتعرُّضَ لهدم الحياةِ، ومَعْدِنِ الحُميّاتِ، فَلا تغرَّنَّكَ تلافيفُ الخضرِ، وحفيف الشَّجَر، وتصنيفُ الثمرِ، فماؤها سُمومٌ، وهواؤها مسموم، وظلّها يَحموم وجلها محمومٌ، واعتبِرْ بغزارةِ الأرْماس، ولا تنظر إلى نضارةِ الهِرماس، وهل هي عندَ ذي الفِكر الفَتيقِ، والراكبِ غاربَ وَهْم فهمهِ والفنيق، إلاّ كزينةِ الحُروبِ، وزنة زلازلِ الكُروب، وقد كنتُ أقمتُ بها حِيناً كافحتُ به الأينَ والوينَ، واخترتُ على ذلكَ الحِينِ الحَينَ، لما كابدتُهُ من منادمةِ الشدَّةِ، ومصادمة السُّدة، ومصاحبةِ العُدَّةِ، ومكافحةِ الرّعْدةِ، ولو لم أمنحْ بالإباقِ نفسي، لحللتُ غِبَّ حلولها رَمسي، فخرجْتُ منها وقد انقدَّ قلبي الوَجِلُ، وانهدَّ صبري الزَّجل، وأنا أرتجلُ: الوافر.
نصيبي من نصيبين افتكارُ ... شديدٌ شَابهُ شَظَفٌ كبارُ
فنوص مذْ سكنتُ بها سَليب ... كأنّ وسادتي إبَرٌ ونارُ
فلّما أنْ حللْتُ بها وخَدِّي ... نقي كالعَقيقِ لَهُ احمرارُ
تبَدّلَ بعدَ حمرتهِ بورس ... يلوحُ لناظري منهُ اصفرارُ
فزالَ الوَرْدُ من وَجْهي وولَّى ... ووُلّي بعدَهُ فيهِ البَهارُ
فلولا أنْ عَزَمْتُ على انتزاح ... سريع كادَ يعلوني البَوارُ
فقلت له: إني لأحب لَسَّ هذي المحالفةِ، وسَلِّ لسانِ هذهِ المخالفةِ، فقال لي: قد فوضت زمام المحالفة إليك، وقوضت خيام هذه المخالفة لعينيك، فتقلدت عقود منته، ونسيت نقود مئنته، ولم أزلْ اتخذ المَرَحَ شعاراً، ويتّخذُ نحافةً واستشعاراً، إلى أن استولتِ الرِّبْعُ على أعضائهِ، وعدم الحركةِ بعد مواضي قضبِ مَضائهِ، وحين رز عياؤهُ، وعَز فيها دواؤهُ، خَرَجْتُ أطلبُ طبيباً يُوصَفُ بتقادم المعرفة، ويُعرفُ بمعرفةِ تَقدمة المعرَفة، ولمّا وصلتُ إليه، ونشرت عُروض الأدب لديه، قلت له: إنّ لي صاحباً حاله كذي كذى، وقد أشرفَ به على الأذى،َ فجود التبحر لإصلاَحهِ، وجردِ التردُّدَ لتحصيلِ صَلاحهِ، فإنّه من ذوي النّخَبِ، والخفرِ المُنتَخبِ، فقال لي: تاللهِ لا رفعتُ لَهُ دوَاءً، ولا دفعتُ عن جسدهِ داءً، لأنني لَم أزل أسألُ الله أنْ يقَيِّضَ لي إتيان الغَريبِ، لأبيِّضَ وجهَ حالِ امحالهِ الغِربيبِ، إلى أن قدم عليَّ شيخٌ أشكلُ المقلتينِ، دون القُلَّتينِ، يعتمِدُ على عجوز شمطاءَ، كذئبة ملطاءَ، فدلفَ دَلفةَ مُنخفِض، ووقفَ وقفةَ منقَبض، وقالَ: الرجزَ.
يا أوحدَ العصر ويا نور المُقَلْ ... ويا طبيباً طِبُّهُ فاقَ الأوَلْ
ارحمْ مُسِنّاً ساءهُ سُوْءُ السَّبَلْ ... وظلَّ يكبو في الوَرى مِنَ القَزَلْ
فذاك أولى ما صنعتَ مِنْ عملْ ... وذاك أسنَى ما ادَّخرتَ للأجلْ
فقلت له: ارفعْ رِداءَكَ، لأنظر داءَكَ، وأرني سبَلَكَ لأدرأ ما مَلْملكَ، فحَينَ حامَ حَولي، وقعد لديَّ، ألفيتُهُ كالسَّبَل وليسَ بالسَّبَلِ، وكالقزَل وليس بالقَزَل، فقلتُ لهُ تاللهِ لقد أعضلَ عِلاجُ أذاكَ، فما سببُ ذاكَ، وأشكلَ مرضاكَ، فما رِضاكَ، فقالَ لي: ألِمِّ بك برهةً يسيرةً، ونُبذةً حقيرةً فإنْ فشلَ شَرّهما شكرْتُكَ، وإن اعظوظمَ ضرُّهمِا عذرتُكَ، ثم إنّهُ أقبل يُبكرُ في كلِّ يوم إليَّ، وينثرُ من نثرهِ كلَّ فريدةٍ عليَّ، حتى قبصَ لُبِّي بأنامِل نَباهته، وقَنص قلبي ببراثنِ بداهتهِ، فلما رأى حُسْنَ إعدادِ ذاك الوِدادِ، وتحَقّقَ شدّةَ اشتدادِ ذلك الاستبدادِ، قالَ لي: هل لكَ في أنْ تُدخلَني الحمَّامَ، فقد شاهدتُ لِحمَم القشفِ الحِمَامَ، فقلتُ لهُ: لا بأسَ بما قلتَ، وحُلْت في صهوة صوابِه وجُلْتَ، فحينَ باينَ الدَّرِنَ، وعاينَ حالَهَ الحسنَ، خرجَ لاستبرادِ ريحهِ، واستنشاقِ نسيم فَسيحهِ، فأيطأ حتّى ناوحتْني الحُرَقُ، وكادَ يُربقُني بالغرَقُ، فخرجتُ وقد ابتزَّ بزَّةَ المُنّةِ مِنّي، فرأيتُ قد لبسَ ثيابي عَني فندمْتُ على عُلالَة ما صنعتُهُ، ولَعَلاَةِ هذهِ العِلّةِ منعتُ مَنْ منعتُه، قال الراوي:
فلما رَثَيتُ لما نَالَهُ، وأثريتُ بقلقِ ما قالَه، أيقنتُ أنّها حبائلُ أبي نصرٍ ومضارُبهُ، ومخائلُهُ ومخالبُهُ، فقلتُ لَهُ: وجدت أخيذتَكَ من غير خِداج، ورددتُ سليبتك بألطف رواجٍ، ما الذي تصنعُ بَعَليلي، ومَنْ عظمُ إلَى بُرئهِ غليلي، فقالَ: أمرُج إليهُ على سبوحي ببوحِي، وأسرج له في كلِّ يوم مروحي بروحِي، قال: فاحتملتُ إبالة منَ الكبريتِ وجعَلتُ أسَيرُ سير الخِرِّيتِ، لتحصيل العفريتِ النِّفريتِ، إلى أن ألفيتُهُ مَتبهنساً بأسواقِها، متبختراً بين جُدْرِ المخاتلة ورواقها، تهز عِطفَهُ نشوِةُ الرحيقِ، وتبُزّ قلبَ طبيبهِ جحافِلُ الحريقِ، فنفحتهُ بنسيم السَّلام، ووددت أنْ أوُدعَهُ بطونَ السّلام، وقلتُ لهُ: إلامَ تهزأ بالذّكورةِ والمِكَسال، وتَدعسُ بمِدْعسُ مكركَ العَسَّالِ، وتنازلُ فِرَقَ الرِّعَال وتقابلُ ذوي الفَعالِ، بقبائح الفِعالِ، فأفٍّ لمن عذَرَكَ وعذرك، فما أغدَرك وأثبتَ غَدَرك، فقالَ لي: لِمْ ترجُمني بجنادل مقاذعتِكَ، وتَزحُمني بحَمَةِ مُقادِعتكَ فقلت: لاستلابِ ثيابِ مِعْوانِكَ، واجتلاب جيوش عَوانِكَ إلى أعوانِكَ، وكيف لا ولي خِلٌ أمين ألوفٌ، لا يعادِلهُ مثل ولا ألوف، وقد أشرفَ على التَّلَفِ، وأسرفَ في لِباس الأسَفِ، وقد آلى مَنْ خُنتَهُ واستلبتَ سرابيلَه وامتهنتَهُ ألاّ يجودَ بدوائهِ، أو تجود بردِّ قُمصهِ وردائِهِ، فقال لي: تاللهِ لقد سألتَ أيسرَ متيسِّرٍ، وحاولتَ فتحَ بابِ أملٍ غيرِ متعسِّرٍ، فامض معي إلى الخَانِ، لأشهِدَ عليكَ بقَبْضِها بعضَ الإخوانِ، فسرتُ معَه إلى خانِ معروفٍ بالأدناس، محفَوفِ بأجناس الأنجاس، فتركني ببابهِ وولَجَ، ثم مرجَ هُنيَّةً وخرج، وقد امتطَى حماراً أخشب كفنيقٍ أغلبَ، وخلفَهُ رجلٌ أطولُ من طالوتَ وأنذل من جالوت، فمالَ أبو نصر إلى سِرّاً، وحدَثني مستسراً، وقالَ، اعلمْ أنَّ صاحبي قد ضَللَ مفتاحنا بالسوق، وأنا مغِذٌّ إليهِ كالماء المدفوقِ، فتحدّثا إلى أنْ أعودَ، ولا تسأما القعودَ، ثم إنَهُ شمَّصَ حمارهُ ومر، واستقبل سبيلَ انسيابهِ واستمرَّ، قال القاسمُ بنُ جريال: فأخذتُ أحدِّثُهُ فازدلف وانحرفَ بحمارهِ وانصرفَ، وفاخرَ بما بمثلهِ يُفاخرُ، إذ كلٌّ منا يظنُّ أنَّ صاحَبُه الآخر، فقلتُ لَهُ: بعَدَ ما جَلَتْ جموع الصِّبْرِ الأريض، وانجلت الجَوْنةُ في حلة الإحريض إني لأظنُ أنْ قد قارنَ قريتُكَ الخَيبةَ، أو المفتاح عندَ بني شيبة، فقال لي: ما هذا النّباح، ومَن صاحبي والمفتاحُ، ويلكَ أيكونُ خدينَكَ، ويبيت قرينَكَ، وتنسُبُ صحبتَه إليَّ، أتحسبُ أن يَتَمِّ مُكركما عليَّ، وقد كفتُ حينَ ماس بأكهبهِ، وهاسَ بأغلبهِ، لالتماس أهَبهِ، قادراً على إطفاءِ لهَبهِ، وردِّهِ على عقبه ثم جذب بردني إلي وإلى المظالم، وأنا في صورةِ المظلوم والظالم، فقال الوالي: ذروه بمخيس المخاصمات، فقد ضاقَ الوقتُ عن المناسمات، ورد الظلامات، وفي غد أذيقه النَّكالَ الواصِبَ، والوَبالَ اللازِبَ، قال: فلّما حضرتُ دارَ الولايةِ، وشهرَ مُخاصمي مشْرَفيَّ الشكايةِ، سللْتُ حسام حكايةِ الطبيبِ، ونثلتُ ما بينَ ذيلِ ذَنَبِ القضيةِ والسَّبيبٍ، فتبّسَم الوالي تبسُّمَ المتعجب، ونَظر إلى جلسائهِ نظرَ المُعجِّبِ، ثم قال لي: قد غفرتُ فظيعَ هفوتِكَ، وسترتُ شنيعَ فوهتِكَ توجعاً لآفتِكَ، وإكراماً لعينِ معرِفتك، فأدِّ إليه ثمنَ الحمارِ، واجتنبْ بعدَها معاشرَة المِغْوار، قال: فوزنتُ الثمنَ، وخزنتُ الغَبَنَ، وعُدْتُ إلى المريض فوجدتُه قد درج، وفي مَلاءةِ المنيّةِ قد اندرجَ، فاغتذيت بِصابه وصابي، وبكيتُ على مُصابه ومُصابي، ثم لم يزلْ أهلُها عليَّ يعطفون، ولمحنَتي يتعطَّفون، وبالتّحَفِ إليَّ يَجْرُونَ، حتى ركبتُ طريقَ جَيرونَ.

حسن خليل
25-11-10, 09:18 AM
المقامةُ التاسعةُ والعشرون الإسكندريَّة الخَيفاء

حكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: لم أزل مذ جلَّتْ مآربي، وتجلَّتْ تَجاربي، وفازَ ساربي، وحسُنت مَساربي، وطرَّ شاربي، وذرَّ قمرُ مشاربي، أمارجُ الأظغانَ، ومنْ نضب وعان، وأمازُج الرِّهانَ، ومن عَظُمَ وهانَ، وانكّبُ عن الآنس، وانقبُ عن المؤانس والتفّ بالمُلاحف، واشتفُّ قَرْقَفَ المواقفِ، إلى أنْ قطفتُ ثمارَ التجاريبِ، وعرفتُ خصائصَ الخالص والضريبِ، فلم أحظَ بمَنْ يَصونُ، ولم أظفرْ بخليلٍ لا يخونُ، خصوصاً المصريُّ ذو المكائدِ الواقصة، والحبائل القانصة، الذي جبذَ المصاعبَ بإرسانها، وذلَّلَ نفوسَ شوس المعاركِ وفرسانها، وأبادَ الجُثَّم في جبالها، واقتادَ أبالسةَ المُوالسةِ في جبالها، ولما قذفني بحجرِ غدرٍ رزين، وضربَني بعَصَا إحَنِه حيناً بعد حين، أشرفت منه على سحائب الإستحاءِ، ولقيتُ من تلقائهِ قبائلَ البُرحاءِ، فحينَ مُنيتُ بوخْز صَعْدةِ صُداعه، ولُسعْتُ بإبَرِ قلب برقع خداعه، نبذته نبذ ترابِ المجْنوزِ، خشيه وخيم مَكرَه المكنوزِ، معَ ما كنتُ أودِعه من أسرارِ الإجتنان، وأُتحفُهُ بملاحف الإمتنان، وأساعده بعساكر الاآدِ، وأشاهدُهُ بالعَشيِّ والأرآدِ، وأحامي عنهُ بمضاربِ الحُسام، مُحاماةَ الطبائع عن الأجسام، وأطرِفه بلطائفِ الطيباتِ، وأكتنفهُ اكتنافَ المُلتحمَ الرُّطوباتِ، وأرتوي بمفاكهته لدى الجُلوس وأحتوي عليه احتواءَ المعِدةِ على الكَيْلوس، واضطربُ لاضطرابه اضطرابَ النابض، وألجُ إليه ولوج الحلاوة بطونَ المرابض، وأصاحبُ كلَّ منْ يَنويه، وأجانبُ وداد نِدِّه ومناويه، وأحتملُ لعدم مَنْ يساويه، أعباء عظم مساويه: الطويل:

وكنتُ أواسي الناسَ فيما أسيمه ... منَ السَّمْع في أنفاسه وأُنافسُ
فلمّا سَمَا في سُلّم السُّوءِ سالكا ... خسيسَ سراطٍ يحتذيه المجالسُ
حَسَمْتُ بسَيْفِ اليأس أسبابَ سِلمه ... كما حَسَمَتْ قبلي الرؤوسُ الأحامسُ

ولما اشرأب لشراب بغيه وباح، واستباح من حرم مصاحبتي ما استباح، وطبق كر نكره البطاح، وطبق بحسام سفهه عنق المعاهدة فطاح، آليتُ ألاَّ أميلِ لقرن قربه المقاتل، حتىَ يشارك المرض جُرْح القاتل، وتُهْدَرَ ديَةُ وَرَم غَرْز الإبر في المَقاتلِ، فبينا أنا أترنحُ في سكك الإسكندريةِ، وأتبختر تبخترَ القروم العبدريّة، ألفيتُه على فرس أشهبَ، وقد راش المَعاش سهامَ حاله وأسهبَ، وحَوْل صافنه السِّلاحُ، وتِلْوَ علندائه العبدان الملاح، فحين أبصرني وأبصرته، ونصرني صوبَ صيِّب بصرَه ونصرتُهُ، نكصتُ منْ مَكره الوَحفِ، نكوصَ الخارج من الزَّحْفِ، مخافةَ أن يسجرَ قلبي بحرارة بيانِه، أو يسحرَ لُبِّي بطِيْبِ نَضَارة لَيانه، فلما لمحَ نِفاري، وحقَّق عدم قراري، وقفلتُ إلى مُناخي: بعدَ طولِ التراخي، سَمِعْتُ صوتَ قارع، حَسَنِ التلطُّفِ بارعٍ، فأذِنتُ لَهُ بالمُثولِ، فدخلَ فتى أحلَى من اللؤلؤ المنثولِ، فوقفَ وسلَّمَ، وأحسن إذ تكلمّ، ثم إنّهُ وضعَ لديَّ طَبَقاً مشحونَاً بهدايا لطيفة، ظاهرةِ المزايا وريفةٍ، مشفوعاً برُقعةٍ مَطْويَّة، تُسْفِرُ عَنْ محاسنِ طَويَّةٍ، فأشلْتُ الطينَ، وفتحتُ المَطين، فإذا هي من ذي الفضلِ الوَضيّ، أبي نصر المصريِّ، مُشتملة على رسالةٍ خيفاءَ ناصعةِ البراعةِ وطفاءَ، تتضمن نثّ كثر إعراضي، وتطاولَ طُوال قطيعتي وارتكاضي، وما يكافحُ من قواضبِ القلقِ والصِّعادِ، وتباريح ريح إرعاد الإبعادِ، وهي:

المملوكُ فيّضَ اللهُ ... نُخَبَ حلْمِكَ، يبُثُّ هَمِّا
يَجُثُّ، لَهَمّاً يُغِثُّ، طَبعا ... يضبًّ، وصَدْراً يَذُبّ،
ودَلاً يَبُز، ووصْلاً يفِزّ، ... وحَرْداً يُذَبِّ، وحَرَداً
يُشَذِّبُ، وصدّاً يَغينُ، ... ووُداً يبين، ودهراً يَضَنُّ،
وسحْراً يَشُنُّ، وعللاً تَخُبُّ، ... ومَلَلاً يَجبُّ، مَع
شين كَدَرٍ ذَفَّفَ، وسَهَرٍ جَفَّ ... فَ، وإعمال يُخَضْخض، وآمالٍ
تقضقضُ، وأهوال تُنضنض ... وأعوال، يُغَضغضُ، وسُهاد
جنن ومهاد خنن وسواد جَنَّب، ومراد تجنّبَ، وملال
قذذ ومآلٍ جَذَّذَ، وحَسَدٍ فَتَّتَ، ولَدَدٍ شَتتَ، وحَسودٍ بغض
وودودٍ نَغَضَ، وسَموم خُبْثِ ألم نَفَخَ، وسَموم ضَبثِ
سدمٍ، نضخَ، وهو ضيفُ داركِ، ضيفنُ سَحِّ غَيْثِ
مدرارك، نظيفُ عودِ فنَنِ العهودِ، يُزْجى لكَ فَيْضَ ودادٍ
بَيَّنَ، وحلَلَ قَشيبِ ولاءً زَيَّنَ، والمسؤولُ في سؤددكَ، بت طِوَلَ
شغبٍ أوعدَ، فَفَضَّ وطُول نَغَبٍ أرعدَ، وسُلْوٍّ بخَبَبِ
مكروهٍ شَنَّفَ، ومُعادٍ بشنْفِ سَماع قَيْظِ صدُودِكَ تشنَّفَ، لأسرح
بخضِب إلمام فَتِيٍّ، وأمرَحَ في دَوْح تيقُّظِ صُلح جَنِي،
أمدَّكَ بِضُبَى وَصْلٍ نقيٍّ، وعَدْلٍ فَضِيِّ، وإحكام يَتَقَنَّنُ،
وأحكام تتفنَّنُ، وسعودٍ تضيءُ، ووعودٍ تَجيءُ، وحَوْلٍ ينيفُ،
وطولٍ يَزيفُ، وحِلْم يَبُذُّ، وحُكم يَجُذُّ، ومراس يُشيبُ،
ورَأسُ نشب كَرَم يَشُبُّ، وَلا يَشيبُ والسَّلام.

قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا وقفتُ على مكاتبته، ورشفْتُ شَمول معاتبته، بكيتُ لكآبتِه ورثيْتُ لانصباب صبابتهِ، ثم ملْتُ إلى السَّلم، لعلمي أنّ الغَضبَ غولُ الحلِم وقلتُ: تالله لا أكونُ مِمَّنْ يلابسُ الأضغانَ، ولو ستر الظَّفَرُ وجهَ عَفْوهِ وغان، لأنَّ قلبَ الحليم ينقادُ، ولا تَحُلُّ بيتَ قلبه الأحقاد، ثم إنِّي نهضتُ معَ الوَصيفِ، بعدَ هَدْم أسِّ الصَّخَبِ والرَّصيفِ وجعلتُ أوجِفُ إيجافَ المشوقِ إلى لِقاءِ المعشوقِ، وأركضُ ركضَ الظليم، إلى لِيم إلمامه المُليم، فحين تحقّقَ انسرابي، وتيقَّنَ مقاطعةَ قرابي، بادَر مبادرَةَ الحريص، وسُرَ سرورَ يعقوبَ حين رُدّ بصرُه بالقميص، ثُمَّ قال لي: يا بنَ جريالِ لا يعيشُ في الخَلِّ، إلاّ دودُهُ، ومعَ الخِلِّ إلا وَدودُه، فاغتفر هذه النَّوبة، واعلم بأن التوبة تمحو الحَوْبةَ، ثم إنّه قَطَنَ في التَّلطُّف وأصعدَ، وأخذ بجمْع أرداني وأنشدَ: الطويل:

أجلُّ سنا ساميك أن يَنْقُضَ العَهدا ... وأنْ تُصحِبَ الأصحابَ مِنْ صَوبك الصَّدَّا
وأنْ تَحسِمَ الإحسانَ والحمدَ والحيا ... وأنْ تمنَحَ الأحبابَ مَعْ حِلمِكَ الحِقْدا
فليس رئيسُ الناس مَنْ سُل سلْمُهُ ... وليسَ سَنيُّ السرِّ منْ أنُسى الوُدا
وليسَ شريفُ الشأو منَ شفَّ شِفّهُ ... وليسَ نقيّ العِرْض مَن ضَيّعَ العَهْدَا
فإنْ أنتَ لم تغفِرْ وإنْ أنتَ لم تجُدْ ... كفاكَ بأنْ تُمسي حليفَ القِلى فَرْدا

قال: ولمّا رعيتُ ضَرَبَ قَريضهِ، وأوعيتُ دُرَرَ تَعْريضِه، ورأيتُ خَليّةَ خلابته، حدْتُ عن حرّةْ الحَرَد ولابته، ولَمْ أزلْ عندَهُ إلى أنْ توسَّدَ زَنْدَه، فانسللتُ إلى عريني، وقد افعوعَمَ منْ ثَمَرِ مُنافثته جريني، فصرمتُ جذوع الإقامةِ، وهدمْتُ ربوعَ المقامةِ، وقاطعتُ السّكنَ، وفارقت مَنْ سَكنَ، وودعت من عدن، وطِرْتُ بجناح الإقالة إلى عدن.

حسن خليل
25-11-10, 10:02 AM
المقامة الثلاثون الآمديّة

حدَّث القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: زمَّني زِمامُ الزمنِ الزَّنيم، يومَ نَوْم جَفْنِ الأشَرِ النَّويم، بعدَ إسعافِ العديم، وانعطافِ الخِدْن القديم، ومُناسمةِ الرسيم، ومُساعفةِ نسيم الوسيم، بألم مرضٍ ممدودِ المعارج، مسدودِ المناهج، فلمّا عزَّني رعيلُ ذلكَ الإعلالِ، وهزَّني ذميلُ ذيَّالكَ الإذلالِ، وبتُّ بينَ غُرئْبةٍ قاتمةِ الإضرار، وعُزْبَةٍ قائمةِ الإصرار، جعلتُ أخبُّ في بيداء داءَ الدَّنفِ، وأعُبُّ من ماءَ دأماءَ ذيَّاكَ الجَنَفِ، حتى عُدْتُ بعدَ لُبْس سِربالِ السُّعودِ، وامتطاءَ سناسن سَعْدِ السُّعود أنادم الأمراض وأصادم بجؤجؤ الجزع جآجيء العرض العراض الطويل:

وأجني بجسم قَلّبَ السقمُ قَلبَه ... ملابسَ بؤس سابغاتِ الغَلائل
تردّ عيونَ النّاظرينَ ضروبها ... إذا انبجستْ من غَور غَمْر الغوائل

فلمّا تجرى صبْرُ قلبي المكسور، تجزّى ضربِ الكسورِ في الكسور، وتضاعفَ هَمِّي لمفارقة الصِّحاح، تضاعفَ ضَربِ الصحاح في الصحاح، قصدتُ آمدَ بعدَما اجتديتُ الجامدَ، واجتبيتْ الحامدَ، وامتريْتُ الثاقب والخامدَ، عَل أن أجدَ لعُرام هذه الغاية معوانا، أو لغَرام غُلب هته الغابة أعوانا، فحين ألقيتُ بها هِراوتيَ، وألفيتُ البلدَ موافقاً لإعادة غَراوتي، حُدِّثت بطبيب دَرأ برداء الدِّرايةِ أعراضها وتدثَرَ أَثباج جُلِّ التَّجاربِ وراضَها، فأرسلت غلامي إليهِ، لأقُصِّ قَصصَ علّتي عليه فلم يكن إلا كنَشقةِ ناشق، أو شدة باشق راشقَ حتى أذنتُ له في الدخولِ، على الجَسَدِ الدارج المدخولِ، فحين قعدَ بازائي، واستحلسَ مَعْزائي، واحتملَ ذراعي، وجعلَ سنن الأدب يُراعي، ألفيتهُ شيخَنا المصريَّ ساحرَ الألبابِ، والساخرَ باللّبابِ فقلتُ لَهُ: إلامَ تَنهبُ الأذهانَ، وتمارسُ ما صَعُبَ وهانَ، وتُخْرجُ السُّبّحَ مع حركاتِها، وتُزعجُ الجُثّمَ في وُكناتها، فقال لي: خلني من شَظَفِ ظَرافتك، واشتغلْ عنِّي بفَيْض ضَفَفِ آفتك، وإنَي لراج أنْ أعالجَكَ وتُبلّ، واكتسبُ من ثَنائِكَ الحِل البلَّ، ثم إنَّهُ شرع لرفع شُرُع الأعلالِ وشرْبِ حَمْأَة طينة ذاكَ الخَبالِ فزالَ عني بجودة علاجه، ومداومة انعياجه، ما أعاني منَ المَرَض ومصاعبِ العَرض، ولم يزل مدَّة ذاكَ المُقام، والرُّسوبِ في سيب ذَلِكَ السَقام، ينشُرُ حُسْن حُزونه والسهولِ، ويَطوي الطمعَ عن وطنِ همتي المأهولِ، إلى أنْ غابَ عنِّي في يوم عظيم الزَّمهرير، وافر نباح الأهويةِ والهريرِ، فجعلتُ أكابِدُ لغيبتهِ ما أُكابِدُ، حتّى ضاقَتْ عليَّ بسَعَةِ أرجائها آمدُ، كُنَّا نستعينُ في ذلك السَّقَم، ومقاتلةِ قَنابلِ النِّقَم بجارٍ جميلِ اللّقَم، جَميلِ اللقم، يسعِفُنا بيواقيتِ افتنانه، ويَشغَفُنا بانهمارِ ماءِ امتنانه، فدفَع البابَ، ورجَّعَ الانتحابَ، فقصَدَ وصيفي الوصيَدَ، ليستعلم بأيِّ نقودِ صُروفِ الصُّروفِ صِيدَ، فلمّا جثَم لديَّ، وعطَّر بمجاورة أرجِهِ برْدَيّ، قلتُ لهُ: ما الذي أبكاك، وسكبَ كأسَ أذاك فأذكاكَ، فقال: اعلم أنَّ طبيبكَ الطَّمطامَ، وصارمَ صولتِكَ الصَّمصامِ، وردَ إليَّ في هذا اليوم، قبل إشالةِ فُرُش النوم وموجُ عبْرتِه يترقرقُ، وفوْجُ زَفْرته يتدفَّقُ، وجيوشُ أفكارهِ تتراكمُ، وأحبوشُ أحزانهِ تتزاحمُ، وقال لي: يا دواءَ الجُرْح الجائف، ورداءَ الحَرِجِ الخائفِ، أعلِمُكَ أنَّ خليلي، ومَنْ كانَ في الجَلَل خليلي، وبه يشتدُّ قِيلي، وإليه في الشدائد مَقبلي، قد دَرَجَ وفي شُعوبَ شعوبَ قد مَرَجَ، وما فتئَ مكفوفاً بإكرامك، محفوفاً بحللِ احترامك، وقد جئتُكَ قبل أن ينقرِضَ الجديدان، وتقرُضَ أديمَهُ مقارضُ الدِّيدانِ، فتخلَّقْ بأخلاقِ عبدِ المَدان، في هذا الميدان، وأنا أساعِدُ بما عليهِ أقوى، بعدَ ما اندرسَ رَسْمُ سَعْدهِ وأقوى، فساعِدْ بما بهِ تنهضُ وتَقْوى، وتعاونُوا على البرِّ والتقوى: الطويل:

فإنك ركنٌ يركَنُ الناسُ كلُهمْ ... إلى حالقٍ مِنْ حَولهِ غير حائرِ
رفيع منيعٍ حَيَّرَ الشّمَّ شأوه ... عزيزٍ حريزٍ جابرٍ غَيْر جائِر

فقلتُ لَهُ: ما الذي تريدُهُ، لينقادَ لكَ ليتُ الأرب ووريدُهُ، فقالَ: اعلم أنَّ مَحْتدَ هذا المسكين، ما برِحَ حميدَ التمكينِ، وسيعَ البقاع، رفيعَ اليفاع، وارفَ الجودِ، مُنْجدَ، المنجود فهل يسمح إحسانُك الذي لم نَزَلْ نرتجيه، بعارية خَلَق ملاءة يسجّيه، وتتوخى مواردَ توخيهِ، فإنَّ اللهَ في عَونِ العبدِ ما دامَ العبدُ في عَوْنِ أخيه، قال: فنبذتُ لَهُ ثوباً من أنفس الملابسِ، لم يتدنَّسْ بممارسةِ المُلابس، مشفوعاً بدينارينِ، لرِقَةِ رقَّةِ قولِه الليَّنِ، فتناولَهُم وصَرَفَ، وتصرَّفَ فيهما وانصرف، قال القاسم بنُ جريال: فحينَ عُمْتُ فيما شرحَهُ، وقُمْتُ على قَدَم معرفةِ ما استشرحتُهُ طَرقْتُ حَلْقَةَ النَّدم، وأطرقْتُ نحو القَدَم، ثم نهضتُ أخوضُ أقطارَهَا، وأعالجُ أمطارَهَا، وأرومُ قَطْعَ سككها وأقومُ على دكادك دِككها، إلى أنْ وجدتُهُ بالسوقِ، نَزيفاً في سرابيلِ الفُسوق، يتحرَّكُ من نَشوةِ المُدام، تَحَرُّكَ الغُصُن تحتَ تغريدِ الحَمام، فهممْتُ بأنْ أجُضَّ عليهِ بِحُسام العتابِ، وأنقضَّ إليهِ بسنانِ السِّبابِ، فغمدتُ مِخْذَمَ الصَّخَبِ، وعَدَلْتُ عن مَهْيَع اللَّعِبِ، وقُلْتُ له: هكذا تكونُ شِنشنةُ المكاشرينَ، أم هكذى تُمْطِرُ شآبيب المعاشرينَ، فقبضَ كفِّي وانقبضَ، وأعرضَ بعارضِه وامتعض، وقال لي: أتخالُني مِمَّنْ يَنْصِبُ لصديقه الحبالاتٍ، ويقرنُ أضغاثَ ضبثِ خداعه بالإبالات، أو يُمعِنُ في عِبادةِ لاتِ هذهِ الخُزَعْبلاتِ، أف لَقُبْح نِيَّتِكَ، وخبثِ طويَّتك، وغَثاثةِ مناسمتك، ورثاثةِ مُنافستك، فأقبلتُ أخدعُهُ، وأودُّ لَوْ خَدَعَ أَخْدَعُهُ، ثم قلتُ لهُ: ما حمَلَك على أخذِ ذَيْنِكَ، فأَرِحْني من مساورةِ مَيْنِكَ، وإن شِئتَ فاركبْ سبيلَ بينِكَ، وقُلْ: هذا فراق بيني وبينك قال: اعلم أنَّه وردَ عليَّ صديقٌ أودُّهُ غايةَ الودادِ، وأعدُّهُ للنّوَب الشداد، وأجلُهُ إجلالَ الأفراد، وأحِلُّهُ مَحِلَّ النكتةِ من الفؤادِ، ولم يحَضرْني ما أحضر إليه، وأمطِرُ من عَنانِ المعونةِ عليهِ، ففعلتُ ما صدرَ إليكَ إدلالاً عليكَ، وقد رهنتُهُ عندَ خَمّارٍ، على نِصْفِ دينارٍ، مِنْ ثَمَنِ مصطارٍ، وفي غدٍ يَصِلُ إلى دارِكَ، وينفصِلُ غَم جارِكَ، قال الراوي: وكنتُ لا أملك من ثَمَنِ خَمْرهِ، معْ ما اصطليتُ من حرارةِ جَمرهِ، وأغضيتُ على مَضَضِ المرض وعُسرهِ، سوى ثلاثة أمثال تُسعهِ وعُشرِهِ، فألقيتُ إليه عمامتي، وأيقنتُ قُبْحَ مُنقلبِ مَقامتي، وقلتُ له: اتركها عِوَضاً عمَّا رهنْتَ، واستُر قبيحَ ما استحسنتَ، وهَزيلَ ما استسمنتَ، ثُمَّ سِرْتُ معهُ بعدَ قَذْفِ الجِمارِ، وكَشْفِ قِناع الخَفَرِ والخِمارِ، وتَذَكُّر وقعةِ الحمار، إلى مسكنِ الخَمَّارِ، ولما مِلت إليه ميل القانط وشممت ريح الأحمر الحانط، قال لي: إنِّي لأظنَّكَ تعافُ أريجَ هذا الألنجوج، وتَخافُ مريج خَيْلِ هذي المُروج، فاحذر مجاورةَ هذا الأنام، واحرس سُورَ نفسِك من تسلق الأثام، واحفظْ عرضَكَ مَدَى الأيام، ولا تخامرْ خمرة هذا الإيام. وإن كنتَ تَخشى أن أجمعَ لكَ بهذه الحيلةِ، بين الحَشفِ وسوءِ الكيلة، فسارعْ إلى استرجاع العمامةِ، وأرحني من سحوح مِننِ هذه الغمامة، ثم إنه وقفني بباب الحانةِ، وألبسني جلابيبَ الإهانة، فلمّاَ طلع ناب فم افتكاري، وأنجمَ سحابُ سماء صَفْوِ اصطباري، ألقيتُ الدسكرةَ ذاتَ بابين، وقد امتطى طريقَ البَيْنِ، فأقبلتُ أقلِّبُ الكَفَّين، وأحترقُ احتراقَ المِرَّتينِ وأقولُ بعد عَلِّ تَيْنٍ المُرَّتين المؤمنُ لا يُلْسَعُ من جُحْرٍ مرتين.

حسن خليل
25-11-10, 10:19 AM
المقامةُ الحاديةُ والثلاثون البصريّةُ

أخبرَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: أمطْتُ مُذْ نظَرْتُ بعَينِ العِنايةِ، وكَحَلتُ بؤبؤَ البصيرةِ بمِرْودِ الدّرايةِ، ثِيابَ الطّمَع عن إهاب الشَّهواتِ، ونزعتُ سِنانَ الطَّبَع في مُحرَّم شِدَّةِ الهَفواتِ ولَقيتُ النّوبَ بالعَزْم المنوع، وألقيتُ جَرير الجَنفِ عن غارب القُنوع، لعلمي أنَّ سَنَةَ الزمان سِنة، وسِنَةُ إنسان سَهْوه سَنَةٌ، وكنتُ حينَ هَبّ قبولُ هذا القبوِل وانصبَّ قِطَقِطُ مقاطعةِ الطِّفلةِ العُطْبولِ، أصاحبُ الزُّهَّادَ، ومَنْ حَسُنَ سَننُ نُسْكهِ وهادَ، فلمّا خلعْتُ البِدَعَ خَلْعَ الحَسَن الخِلافةَ، ولبستُ الورع لبس الكتم عذار أبي قحافة، جعلت أقترع إكام السباسب، على هذا التناسب، وأعومُ بهذا العابر، لإصلاح الغابر إلى أنْ كَلِفتُ بمداومة الفدافدِ، وألفتُ مفاجأة الأوابدِ وقُذفْتُ بأنامل البُرحاء إلى معالم البصرةِ الفيحاءِ، فأحببتُ زيارةَ رُموسها، ومعاشرةِ شُموسها، لا خبر جرجرةَ سُوسها من شموسها، وزمجرة هموسِها من نموسها، وكنتُ سمعت مِمن بصر، وأسهبَ بحسن وصفِها وقصَّرَ، أن مَنْ بصّر تبصَّرَ وشفَى جُرح ساعِد المساعدةِ بعدما تنصرًّ، فحينَ حللْتُ بغَريفِها، ونزلْتُ بوريفِ ريفِها، ورأيتُ صالحَ صَريفها، وحَويت خالصَ صريفِها وصريفها، طفِقتُ أقتطفُ ثِمارَ افتنانها، وأرتضع فِرصادَ الفُرَص من دناتِها، وأبتَلِي أزهارَ المَرَح بأغصانها، وأَجتلي بدورَ المبادرةِ قبلَ نقصانِها، وأجنَحُ لزُبَدِ مستّطابها، لا زُبَدِ وَطابِها، ومُلَح انعطافها لا بُلَح قِطافها، وملاحةِ أعطافها، لا حلاوةَ نِطافها، فألفيتُها مشحونةً بزواهر الزِواهر، مسجونةً بنواظرِ النواضرِ، يرتحِلُ الإنصافُ إنْ رحَلُوا وينزلُ الإسعافُ حيثُما نزَلوا، وتَحْمَدُ الأيامُ ما فعلوا، وتحسدُ هامة العلياء ما انتعلوا: البسيط:

ناس سمَوا بسماتٍ سادَ أيسرُها ... أحامس الناس لم تُطْمَسْ لهُمْ سُبلُ
إنْ أوعدوا أخلفُوا أو ما عدوا صدقُوا ... أو حُوكموا شَرَعوا أو حُكِّموا عَدَلُوا
أو أنعَموا أسرفُوا أو جالسوا نطقوا ... أو سُولموا سمعوا أو قُوتلوا قَتلوا.
أو ناظروا أنصَفوا أو ناضلوا خَسقُوا ... أو صوحبوا نَفعوا أو صولحوا فعلوا.
أو بادروا أوجفوا أو طاولوا سمقوا ... أو حوربوا منعوا أو نوزلوا نزلوا.
أو بارزوا أرهَفُوا أو سابَقُوا سبقوا ... أو خُوطِبوا بَرَعوا أو قُوطعوا وَصلوا.

قالَ: فما فتئتُ أترقَّبُ مواضعَ العباداتِ، وأتطلَّبُ مواطنَ الزياراتِ، إلى أنْ ألفيت فتًى فَتِيَّ الشبابِ، ظاهرَ الأحبابِ، أحلى مِنَ الكَعابِ، بريئاً من العابِ، عليه شَملةُ، العَسيفِ، ولديهِ شِمِلَّةُ التعاسيفِ، فملتُ إليهِ مَيْلَ الظمآنِ إلى ورودِه، والشِّبِقِ إلى مراودةِ رُودِهِ، وقلتُ له: يا ذا الملاحةِ السَنِيَّةِ، والفصاحةِ السًحبانيةِ، أقْسمُ عليكَ بمَنْ صَوَّرَ البصائرَ، ودوَّرَ الفَلَكَ الدائرَ، إلاَّ عرَّفَتني مَغْرِسَ شَجَرتِكَ، ومُعَرَّسَ عِترتك وأينَ موردُ فارطِكَ وحلولُ حِلَّةِ أراهطِكَ، فارفَعْ عنِّي هذهِ الحرارةَ، وأصدُقني صدْقَ حاجب بني زرارة، فقالَ لي: أما شعبةُ الشجرةِ فمِنْ هذهِ السَّحَرةِ، وأما مُقامُ عِترَتي المعَدّينَ لإقالة عثرتي فبهذهِ الرَّوضةِ الزاهرةِ والدوحة الباهرةِ ثم أومأ بيدهِ إلى البصرةِ ط وقَرَنَ بين الشّهيق والزفرةِ، فقلتُ لَهُ: ما الذي هيّجَ حِزق لَهيبِكَ، وأجّجَ حُرَقَ نَحيبِك ثم معَ ذلكَ فإلى أينَ انسحابُكَ، وبأي الرِّحال يسحُّ سَحابُكَ فقالَ لي: أما البكاءُ فلانحرافي إلى الحُوب، واعتكافي بخليةَ نُوب هذه الذنوبِ، وأما غاية الانسحاب، في هذه الرِّحابِ، فإلى طلحةِ الطلحات، المنتاب على ممرِّ اللمحاتِ، علّ أنْ يكونَ سبباً لتسهيلِ صِعابي، والنزولِ عن صهوةِ عابي، لا سيَّما وقد حَلَّ بضريحهِ رجلٌ تنزِلُ لزُمَر زهدهِ الوعولُ، وسهام سُهُوم وجهِ وَجَلهِ أبداً تعولُ، عسى أن يساعدَني بدَعوةٍ مُستجابةٍ، ولو بقبولِ تجابةٍ بعد إجابةٍ، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ، فبكيتُ لبكائه، ورثيتُ لحَلِّ وِكاءِ مُكائهِ، ورجوتُ قبول توبته، وأفُولَ حُفولِ حَوبتِه وقلتُ لَهُ: أتأذن لي في متابعتِك إليهِ، ومبايعتِكَ على ما تُعوّلُ عليهِ فقال لي: أنا من جملةِ عُبدانِك،ُوفسكل حَلْبَة مَيْدانكَ، والمجبوذُ بأرسانكَ، والملحوظُ بإنسان إحسانكَ، فلمّا وقفتُ على غَثِّه والسَّمين وحًلَّ عندي محلَّ اليمينِ باليمينِ، ورضيتُ بحَمْلِ ثقَيلِه، واستطبتُ ظلالَ مقيلِ قيله، دعتْني مَعاصم عِصْمتِه، إلى مباسم سِمَته، واستدعتني روضةُ نَضْرته، إلى حضرةِ مناظرته، ثم سِرْنا برئَيْنِ مِن الإخفاق، عرّيينِ من ملابس الإشفاق، إلى أنْ وردْنا جنابَهُ، وشدَدْنا على بابه نابهُ، فدَخلتِ التلامذةُ مُعْلِمينَ، وبطرازِ ذلك الطرازِ معْلَمينَ، ثم عادوا آذنين، وصاحبي يمزجُ بدَرِّ دَمعِهِ الذَّنَين، لا تنبو بواترُ عبراته، ولا تخبو زواخرُ حَسَراته، فحين حَصَلَ لنا الوصول، وعَمَّ رَبْعَ سعينا ذلك المحصولُ، ألفيتُ الزاهد المختار، أبا نصرٍ الخائن المختارَ، فشُدِهْتُ من ذلكَ الصَّمتِ، وبُهِتُّ بحُسنِ ذيّالكَ السَّمْتِ، ثّم بادرتُ إلى تقبيلِ يمينهِ، لاستخراج نُخَب كمينهِ، فرفَعَ رأسَهُ إليَّ، ثم كرَّ بطِرْفِ طَرْفهِ عليَّ، وقال لي: يا بن جريال لفحْتك أنّةُ هذا القاصد، وأنحفتك سُمومُ هذه المقاصِد، وأقلقَكَ تفاقُمُ فَرَقِ فَرَقهِ ومُدِّهِ، وتلاطُم طُول جَزْرِ زَجرهِ ومَدِّهِ، فأبْشِرْ بتخفيفِ آلامِه، وتجفيفِ أَيْكِ أَثْل إثْمه وثُمامِهِ قالَ: فعجبتُ لحسنِ مكاشفتِه وطربتُ من عثورِهِ على مكاشفتِه، ولمّا أزِفَ مُعَسكرُ السّباتِ، نهضنا لإقامةِ الصَّلاةِ، فأدَّينا الفريضةَ بِسُننها، وفدّينا انتفاع يفاع الزَّورةِ وقُننِها، فوضعَ بعد أداءِ فَرْضه، ونَشْر أنواع عَرْضِه ونَضِّه، مُصلاَّهُ على عاتمه، واندرأ إلى طاعةِ ناتقه وحينَ أدلهمَّ وجهُ الوجودِ وجَنَّ وهمَّ القانت بالسجودِ، ومَن، قابلَ مِحْرابهُ، ونزَعَ عن حُسام السهر قرابَه، ولم يَزَلْ ما بينَ أرَق مُذيب وقَسورهِ قلق وذيب، إلى أن برزَ فَلَقُ المشرقين وسعت بين سماطي طعامه إقدامُ القَين، فعند ذلكَ طلع إلينا طلوعَ الثريا علينا، فقمتُ للقائه، ولثمتُ مواضعَ تِلقائه، وقلتُ لَهُ: قد عزم الأمرُ وظهرَ، ونجمَ نجم المفارقةٍ وبَهَر، فامنحني من عِظاتِكَ لا مِنْ أضاتِكَ، ورأفة التفاتِكَ لا مكافأتِكَ، فقالَ: أكرمَكَ اللهُ إكرام المُحقِّ، وألهمَكَ امتطاءَ بازلِ الزَّهادةِ والحقِّ، وأعاذَكَ من كسادِ الحاذق، وحَرْمانِ المستحِقِّ، ثم أنشدَ بعدَ شُرْبِ حَميم همِّهِ ومُهله، وعَلِّ شرْبي المقاطعةِ ونَهلله: الكامل:

الدهرُ يَسعى للجَهولِ لجَهله ... ويحطُّ من رُتَبِ العَقولِ لعَقْلهِ
ويُقيم فَدْماً ثم يخفِضُ عالماً ... وَرِعاً تُحيِّرُنا محاسنُ فعْلهِ
فاصبرْ إذا نزلَ القضاءُ فإنّه ... بالصَّبْر يُعْرَفُ نابه في أهله
ودع الخيانةَ واجتنبْ في عِفِّةٍ ... فِعلَ الفَجور جزيلَهُ معْ قلِّه
واغمد لسانكَ لا يُسَلُّ فإنَّه ... سيف يسوءك إن سمحت بسله
واحفظْ عهودَ ذوي العهودِ ولا ... تَجُدْ أبداً بعرضِكَ ما استطعتَ وثلِّهِ
وتجنب النذلَ اللئيمَ فإنَّهُ ... يهوَى المعائب أنْ تكونَ بخِلّهِ
يدنو إليكَ بجسمِهِ وفؤادُهُ ... متباعِد بُعْدَ العُلى من أصلِه
والوغدُ يغتابُ العليمَ لكونهِ ... فوق السِّماكِ على مجرّة نُبلهِ
ويُريهِ حُسْنَ تودّدٍ وبقلبه ... نار تَضَرَّمُ من حرارةِ غِلِّهِ
وإذا نظرتَ بعينِ عقلك قِسْتَهُ ... دونَ الجذاذةِ من جذاذةِ نعلهِ
فاقنعْ بأيسرِ عيشةٍ إنَّ النُهى ... رَبَطَ القناعةَ والجَلاَلَ بحَبْلِهِ
وانظرْ إلى العلماءِ نظرةَ راغب ... واسلُكْ إلى الرحمن أوضحَ سُبْلِه
وتحلَّ بالعلم المُعِزّ لأنّهُ ... رَيع يعينك أو تجلّ لأجْله
واسمحْ مما ملكتْ يمينُكَ واعترفْ ... أنَّ الإله يُعيدُهُ من فَضْلِه
واخلَعْ ثيابَ مَكارهٍ وفواحشٍ ... والبسْ لفرْجِكَ جُنَّةً في قتلهِ
واحذرْ منَ الطمع الذي في طيّهِ ... طبَعٌ يطبّقُ مَعْ طلائع ذُلِّه

قالَ: فحين زَبَرْتُ ما أملاهُ، وشكرتُ طولَ مُلأةِ ما أولاهُ، نفحني بحلاوةِ فحواهُ، ومنحنيِ مِنَ التُّحَفِ بما حِواهُ حواهُ، فحرْتُ من نظافةِ زواياهُ، ولطافةِ مزاياهُ، ورَدَدْتُ في الحافرةِ صفاياهُ، وأبيتُ الصِّلةَ إلا وصاياه.

حسن خليل
25-11-10, 11:36 AM
المقامةُ الثانيةُ والثلاثونَ الحمصيّة

روى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: أَلمَ بي أَحيانَ مجاورةِ الجآذرِ، ومسالمةِ الحذرِ الحاذرِ، طُوفانَ جَدْبٍ بَرقت لبَرْقهِ أساوِدُ الأبصارِ، وعرِقْت لأعبائهِ أظفارُ أولى الاصطبارِ، ونعقتْ لقِصرِ سيلهِ عُريانُ الأكدارِ، ونعَقَتْ لطولِ ويلهِ غِربانُ الإنكدارِ، إلى أنْ جزَّ جُرازَ الجَزَع وقطَّ، وحزَّ حسامُ حَرِّ الحُرَق واشتطَّ، وكَلَّ كُلُّ مُحتالٍ فدانَ، وأنكلَّ كلُّ مختال فهانَ، وأَذْعَنَتِ العِيالُ للإعلال، وتمسكنَتِ الأقيال للإقلال، وواصلَ القُعَدَةُ الارتحالَ، وتَغَيَّرَ الحالُ وحال، فلمّا أخذت البشر تتضاغى، وأخدرت خمْساً لم أذقْ بها مَضاغا، أقبلتُ أفكرُ فيما ينقِذني مِن صبرِ ذاكَ الوصَالِ، ويستخلِصُني من مصائبِ صائب تلكَ النّصالِ، فبينَما أنا أضطَربُ لذاكَ التَّوَى، وأشتهِبُ لَشهب أنواءِ النوَى، ألفيتُ أبا نصرٍ المصري يتقلَّب على طَنَافس الإركاس، ويتَقَلْقَلُ لسَرَفِ سُكْر ذلكَ الكأسِ، فأرقلَ نحوي إرقال التَّبار، وأقبلَ إليَّ إقبال الأدبار، وقالَ لي: يا بنَ جريالٍ أراكَ تقومُ مِنَ النَّصَبِ فيما أقومُ، وتعومُ من الوَصَب فيما أعومُ، فأخْبرنِي ماذا ترومُ، لأخبركَ ماذا أرومُ، فَقلتُ لَهُ: أطوِّحُ المطامِعَ وأسوحُ، وأسِّرحُ سفينَ السَّفَرِ وَلَو سَحَّتِ السوحُ، علّ أنْ يُراشَ من جَنَاح الأملِ ما اَنْحَصَّ ويُخاطَ من قميص المَصالح ما اَنقَصَّ، فقالَ لِي: تاللهِ لقد نظرْتَ ببصرِ مُقلتيَّ ونطقتَ بلسانِ شفَتيّ فطالما رشَدَ مَنْ شَرَدَ، وقلمّا عَقَدَ مَنْ قَعَدَ، وإنْ كنتَ تُريدُ رُوْدَ مزاملِتي وتُديرُ مزاء دُور ملازَمتي، فاصبرْ عَلَى مفارقة مَهونكَ، ومواظبة أمونكَ، عَسَى أن يجزم الزمن طماحك، وينصب رماحكَ، ويخفضَ صُماحَك، ويرفعَ من ماحَكَ ولو ماحَكَ، فَمَنْ أحبَّ الحِبَرَ ركَبَ أماليتَهُ، ومنْ رامَ رَيْمَ العلاُ عطفَ نحوَ العُلا ليَتهُ قالَ: فتقبّلتُ قُبلَ تَيكَ العَروبِ، وإنْ كنتُ أدري أنَّ قمر مرافقتهِ يُفْضِي إلى الغُروبِ، ثُمَّ أقبلَ كلّ على مِنْسأتهِ، ونَدِم على ما فَرَطَ من إساءتهِ، ولَمْ يَحْضُرْني في المزادةِ المعدودة، سوى بدلِ لبنِ المُصَرَّاةِ المردودةِ، فأخذت بالدَّينِ، عددِ عضلِ العضُدَينِ، إلى سَعَةِ اليدينِ، أو بيع أحد البُرْدَين، ثمَّ لَمْ نَزل نجتذِبُ عرائِسَ المسايرةِ ونعتَبِقُ، ونصطبح بمفازة المناهزةِ ونغتبقُ، إلى أنْ نزْعنا سنانَ الرِّحْلَةِ بحِمْصَ، وقَدْ أخلقَ الخَوَرُ صِدارَ التَّصَبُّرِ والقُمْصَ، فلمّا وصلْنَا إلى عَرصَاتِها، واهتصرنا بذوائب ناصاتِها قال لي: أرى أن نَفْصِمَ حِبَالَ التحويلِ، ونصرِم وضين عويل هذا التعويلِ، ونطأ صعيد هذهِ المدينةِ، ونرقأ بسلم ما يسد خلةَ اليَدِ المدينةِ، فإلامَ نَخِدُ بخمائلِ الخُمولِ، ونرتَعُ بينَ الحُمولِ في حنَادس المُحُول، فإن كنتَ على عَهدِكَ السالفِ، وما عهدتُكَ من حُسْن التحالُفِ، فأخِّرِ الخَبَبَ اللازمَ، والتعبَ المُلازمَ، إلى أنْ ينكسرَ سمُّ سمُوم السَّغَبِ والحرورِ، وينهزمَ جيشُ دَيلم الكُرَب الكرور وإن كنتَ تَخشى أنْ يلحقَكَ رِقُّها، وتسحقكَ شُقّةُ مَشَقَةِ لا تستحقُّها، فعلىّ زامورُ المَكادح ورَقهُا، وراووق كأس المكاسب وزِقُّها، وإنباتُ ريش فراخِكَ وَزقُّها، وما مِنْ دابِة في الأرض إلاَّ على اللهِ رزقُهاْ، فقلتُ لَهُ: أنا بنَانُكَ إنْ رحلْتَ، وجنَانُكَ حيثما حَلَلْتَ، فأعرِفكَ لراحتي تجادلُ، ولرفع باحتي تقاتِلُ، ولكنْ كيفَ تَلجُهَا وأنتَ العُقربانُ القاتلُ، فَقْهْقَهَ قهقهةَ القَسيب، وشَكَرَ سَلْسالَ سَحِّ ذلكَ السِّيْب، ثم نهضَ يُنغِضُ هامتِهِ، وينفض ثغامتهُ، فجعلتُ أقتافُهُ وأتلوهُ، وأستنشق تَفَلَ تَفل نَكْره وأبلوهُ، حتى ولجَ بي غيرَ ضَجُورِ، إلى مسجد مهجورِ، تضارعُ وحشتَهُ القبورُ، وتسوقُ وكف جدرانهِ الدَّبورُ، فَربضَ كُل بزاويةِ واكفة، مِنَ الهتُونِ هاويةٍ، فعطفتُ لِيتي إليهِ، وأرسلتُ سِباعَ المعاتبةِ عليهِ، فقالَ لي: أظنّكَ تتبرَّمُ بمصاحبتي، وتحتقرنِي لعدم حَبَّتي، ففي غَدٍ تَحْمَدُ مسعاكَ، وتشكُرُ مَرْعَاكَ وتملأ عياب قَبْقَبك، وتُقامُ عروشُ ذَبْدبكَ فقلتُ لَهُ: قاتلكَ اللهُ أما يشغُلكَ اندفاقُ جُوعِكَ، وإباقُ موجوعِكَ وهجوعِكَ، عن علِّ هَذي الدُّعابةِ، وسلِّ سيوفِ هذي المداعبةِ، فقال لي: يا بنَ جريالٍ اجعلِ الصعيدَ وِسادَكَ، وتأسَ بمن بجُوعهِ شَرُفَ وسادَكَ، فما الفخرُ بنيلِ رِيِّكَ، ولا بما يلِجُ بمجارِي مَرِيك، وإنّما المفخرُ بالصَّبرِ عن الموائدِ، ونهلِ الصبْرِ عندَ نزول الشدائدِ، ثمّ إنَّهُ أقبلَ يعاملني معاملةَ الأطفال، إلى أن أعلنَ ظليمُ الظلام بالانجفالِ، وعندما بزغتِ الغزالة، ونفدَتْ لطافة المعاتبةِ والجزَالةُ، أقعدني وولّى، وطلبَ فوزَ فذِّهِ والمُعَلَّى، ثم عادَ وَقَدْ صبغَ لحيتَهُ، ودَبَغَ بقَرَظِ التّبحُّرِ حيلَتَهُ، فتنفّسَ المجهودِ، وقالَ: غيِّروا شيبكم ولا تشبَّهُوا باليهودِ وحينَ قعدَ واستقرَّ، وبردَ عَرَقُ مَفْرقِه وقَرَّ، وضَعَ شَمْلَةً مشحونة بثلثي عَرِيكَةٍ، وفخْذَيْ دَجاجةٍ وديكةٍ، ثمَّ حاذرَ الافتياتَ وقالَ: التقِمْ عَمَّا سَلَفَ وفاتَ، فأنا أحيَلُ مَنْ نفحَ بالطَّبنِ، وجَمَعَ لكَ بينَ الرئمانِ واللَّبنِ، فقلتُ لَهُ كيفَ نَعْطِشُ أو نَجوُع، وأنتَ الزَّادُ والماءُ النَّجوعُ، ومَعَ هذهِ المِيرةِ اللطيفةِ، ونَشْرِ ألويَةِ ألوَّةِ هذِي الطريقةِ، فإلى أينْ انتهى بكَ سبَبُ الرسيم، ومن أينَ حصلَ في انتهابِكَ طِيْبُ هذا النسيم، فقالَ لي: خَلِّ ما يؤدِّي إلى الانفصالِ، وجَلِّ فيما يُزيلُ ألَم تفرُّقِ الاتصالِ، فقلتُ لَهُ، قَسماً بمَنْ رَفَعَ السِّماك، وحَباكَ بأحسن الكُنَى وسَمَّاكَ، ونشرَ شوازبَ شَذاكَ، ورَّوَعَ رُوعَ الضّبارم بذاك، لا صرفتُ إليهِ جَنابي، ولا لطختُ بغَمَرهِ بناني، أو تعرِّفُني من أينَ قصدتَهُ، وبأيِّ حِبالةِ الحِيلِ صدْتَهُ، فقالَ: اعلم أننّي حِيْنَ أزمعْتُ الرواحَ ورُحتُ، وحثّني على فِراقِكَ السُّحْتُ وسُحْتُ، جَعَلْتُ أفَصِّلُ وأجملُ، وأتّقحُ وأجْمِلُ إلى أنْ وقفْتُ بالقَلْبِ القَليِّ، بباب الباقليِّ، فاكتنفتُ كفَّ فُولٍ مُضطَبع يَهمُلُ، يَسعَى بينَ مروَتَيْ القصْعة، ويرمل فملْتُ لعدَ ذاكَ إلى المَيْن، وقلتُ: هذا لا يذودُ جُوعَ يومين، فوردتُ الحمّامَ، وأردتُ الاستحمامَ لحِيلةٍ أضعُها، أو مَكيدةٍ أَصنعها، فإذا أنا بخادم قادم، ظاهرِ الكِبَرِ متقادم، فجثَمَ قُبالتِي، وأقبلَ يَرمُقُ كِبَرَ آلتِي، فلمَّا رأيتُهُ وارفَ الهمولِ، دائم النظرِ إلى الغُرْمُولِ، دلَفْتُ إليهِ، وعلمتُ أنَّهُ يَغْبُطُني عليْهِ، وقُلْتُ لروُحي: هذهِ فرصةٌ ساقَها القدرُ إليَّ، وقُرْصةٌ سَمحَ بها تَنًّورُ الظَفَرِ عليَّ، ثم إنّي مِلْتُ إليه مَيْلَ الحَنونِ، ودُرْتُ لمخاتلتهِ دَوَرانَ الجُنونِ، فلمّا أَنَسَ بموانستي، وآنسَ من جانبِ طُورِ الطَمَع نارَ موالستِي، قالَ لي: حينَ حنأتُ لحيَتي، وهنأتُ بمقدَمهِ حيلَتي، تاللهِ لقد جُدْتَ بالمناسمةِ فأحسنتَ، وأذبْتَ جامدَ القرائح وألنْتَ، وأذنْتَ بولوج جامع زُبَدِكَ وأذَّنت وآذنت، بحُلْوُ ملحِكَ وأذْعَنْتَ، وأنعمتَ بالمفاكهةِ فأمعنتَ فباقعةُ أيِّ البقاع أنتَ، فقلتُ لَهُ، أمَّا الموطنُ فطوسُ، وأمَّا الاسمُ فأبو الطُرَفِ فَطوسُ، وأمّا الصناعةُ فطِبّ يُبرئ الأسقامَ ويطفئُ العَرَّ العُقَامَ، ويُنطقُ السبّارَ، ويُنبِتُ الغَراميلَ الكِبارَ، فلمّا سِمعَ مقالتي، وشكر مِقتي، واستنفِد المحْمَدَة لمقامتِي، قالَ: سِرْ مَعي إلى الدّارِ، فلنا حاجة جليلةُ المِقدارِ، فأَجَبْتُ كواعبَ دَعوتهِ، تأملتُ مطائبَ دِعوتهِ، ولمّا فصلتُ إلى دُورهِ وقصلْتُ عصائدَ قُدورهِ، قالَ لي: أيها الحاذقُ المجرِّبُ، والكاملُ المتدرِّبُ، سَمِعْتُكَ تقول حينَ خلوْتُ بِكَ، وبلوتُ خرائدَ نُخَبِكَ، أنَا مِمَّن يُنطِقُ السِّبارَ، وينيتُ الغَراميلَ الكِبار، فإن كنتَ تقدرُ على ذلكَ، وتتجنَّبُ مواردَ آنذاكَ، فأنا أحُسِّنُ عاقبةَ حالِكَ، وأقُوِّمُ حَدَبَ ارتحالِكَ فقلتُ لَهُ: ستَرى مَقْدَمي إليكَ، نِعمةً من الدَّهْرِ المساعدِ عليكَ، وتنظرُ بين فخذيْكَ لديَّ، عَصَاً تتوكأ عليها إليَّ، وتجمَعُ شوارِدَ نَعَمكَ، وتَهشُّ بها على غنمِكَ فأعجبَهُ الكَلامُ، ولم يدرِ أنْ سيتبعُ الكَلامَ الكِلامُ، فعمدْتُ إلى مُدْيةٍ ماضيةِ الغُروبِ، مجرّبةِ المضاربِ في الحروبِ، فقالَ لِي: ما تصنعُ؟ قُلْتُ: أشُقُّ ما سَفَلَ مِنْ عَانتِكَ، ومِنَ اللهِ صولُ إعانتك، وأَضعُ مِنَ الدَواءِ حَولَيْهِ، ما يكونُ سبباً لإنباتِ المُشَار إليهِ، فقالَ: دونك وما تريده، ففي يَدَيْك أخدَعُ المخادعةِ ووريده، فبادرتُ لرعانتهِ، إلى شقِّ عانتهِ، فجر إليهِ رجْلَيْهِ وخَرَّ مغشيّاً عليهِ، فوثبتُ وثبةَ الواقبِ، أو القَسْور المُراقبِ، مخافةَ أنْ يُحْرِقَني نفطُهُ، أو يُدرِكَني رَهْطُهُ، وهذا آخِرُ ما توخَيْتُهُ، من طُولِ حَبْلِ الحِيْلَةِ الذي أرخَيتُهُ، قالَ القاسمُ بنْ جريال: فلمّا حَذَقْتُ قِيلَهُ، وحَملْتُ مِنْ حَرِّ الحَذَرِ ثقيلَهُ، جَذَبْتُ بيديَّ أخدَعًيّ، وضربْتُ براحَتيًّ، على ركبَتيَّ، وقلتُ لَهُ: قَبَحَكَ اللهُ يا مُضْغَةَ العائبِ، وعيبةَ المعائبِ، وذُبحةَ الطيالسة، وسُبْحةَ الأبالسةِ، أفَما تَحْذَرُ مِنْ وَرْطة هائلةٍ، وغُرة غائلةٍ سائلةٍ، فلا ردَّم للهُ مَنْ ردَّمَكَ، وقَدَّ قَدَّ مَنْ قَدَّمكَ، وخدَّ خدَّ مَنْ خَدَّمَكَ، فلقد ضَلَّ من نادمَكَ، وفازَ منْ صَادَمَك، ورأى قَدَمَكَ، فأراقَ دَمَكَ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا للعَجَبِ العجيب، والغضبِ الغريب الغريبِ، أجْنِي لكَ وتلتَقِمُ، وتجني عليَّ وتنتقِمُ، وأرفَعُكَ وتخفِضُني، وأَحملُكَ وتَحْفُضِني وأصلُكَ وتَحرِمُني وأواصلُكَ وتجزمُني، وأروِّقُ شرابَ حِبابكَ وتُدَفِّقُ لديَّ حبابَ حُبابِكَ، بعد أن رَهَزْتُكَ وهززتُك، وأَعْزَزْتُكَ وعزَّزْتُكَ، ومارستُكَ أحسنَ مِراس، وأوقدْتُ لاَنقيادِكَ أشرَفَ نِبراس، وزِدْتُ فَم عدِم فَهمِكَ أربعةَ أضراس، ولَمْ يكْفِ أنْ سعَيْتَ لانتصارك، مَع انحسارِكَ، حتّى تَجْعلَني عندَ مسارِكَ على يسارِكَ، فأفّ لِمَنْ يَلْمِزُ بمقلتيهِ، ويضَعُ مِلْحَهُ على رُكْبَتَيْهِ، وحيثُ قد أجْبَنْتُكَ عِندمَا عجنتك واَستهجنتُكَ بعدما اَحتجنتُكَ، فلا حاجة لي في مُحاججتِك، وطُول زمجرةِ ممازجَتِك، قال: فبينا نحنُ نتنازعُ عُقارَ الشقاق، ونتضرج بوَخزِ هاتيك الدِّقَاقِ، ألفينَا الخادِمَ يَدورُ، والجلاوزِةُ حولَهُ تمورُ وشِواظُ الصُّراخ يَتّقِدُ، وعجَاجُ العِياطِ ينعقدُ، فما لَبِثَ أنْ نَقَبَ الجِدارَ، ونقَضَ الأحجار، ثُمَّ انسربَ خلفَ المحرابِ، بحُسام الحِيَلِ والحِرابِ، فتبِعْتُهُ وَرِيْفَ الغُلواءِ، وارفَ العُرواءِ، وبينَما نحنُ نَهربُ ونتكَفَّتُ، ونُهْرِبُ ونتلفّتُ، إذ زَلِقَتْ قَدَمهُ، فانفجرَ دَمُهُ، فقلتُ لَهُ: هذا عُنوانُ قصَاص يوم الوعيدِ، ذلكَ ما قدَّمَتْ يداكَ وأن اللهَ ليسَ بظلاّم للعَبيدِ، ثم احتملتُهُ بينَ العاتقِ والوريدِ، وجريتُ بهِ جَرْيَ خَيْلِ البريد، ولما استوى على عاتقي استواءَ الظاعنين، قالَ: سبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كناَ له مقرنينَ، فقلتُ لَهُ: أتهزأ بي والفِرَقُ خلفَكَ يتألبون، وللقيانِك فقالَ: دونك وما تريده، ففي يَدَيْك أخدَعُ المخادعةِ ووريده، فبادرتُ لرعانتهِ، إلى شقِّ عانتهِ، فجر إليهِ رجْلَيْهِ وخَرَّ مغشيّاً عليهِ، فوثبتُ وثبةَ الواقبِ، أو القَسْور المُراقبِ، مخافةَ أنْ يُحْرِقَني نفطُهُ، أو يُدرِكَني رَهْطُهُ، وهذا آخِرُ ما توخَيْتُهُ، من طُولِ حَبْلِ الحِيْلَةِ الذي أرخَيتُهُ، قالَ القاسمُ بنْ جريال: فلمّا حَذَقْتُ قِيلَهُ، وحَملْتُ مِنْ حَرِّ الحَذَرِ ثقيلَهُ، جَذَبْتُ بيديَّ أخدَعًيّ، وضربْتُ براحَتيًّ، على ركبَتيَّ، وقلتُ لَهُ: قَبَحَكَ اللهُ يا مُضْغَةَ العائبِ، وعيبةَ المعائبِ، وذُبحةَ الطيالسة، وسُبْحةَ الأبالسةِ، أفَما تَحْذَرُ مِنْ وَرْطة هائلةٍ، وغُرة غائلةٍ سائلةٍ، فلا ردَّم للهُ مَنْ ردَّمَكَ، وقَدَّ قَدَّ مَنْ قَدَّمكَ، وخدَّ خدَّ مَنْ خَدَّمَكَ، فلقد ضَلَّ من نادمَكَ، وفازَ منْ صَادَمَك، ورأى قَدَمَكَ، فأراقَ دَمَكَ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا للعَجَبِ العجيب، والغضبِ الغريب الغريبِ، أجْنِي لكَ وتلتَقِمُ، وتجني عليَّ وتنتقِمُ، وأرفَعُكَ وتخفِضُني، وأَحملُكَ وتَحْفُضِني وأصلُكَ وتَحرِمُني وأواصلُكَ وتجزمُني، وأروِّقُ شرابَ حِبابكَ وتُدَفِّقُ لديَّ حبابَ حُبابِكَ، بعد أن رَهَزْتُكَ وهززتُك، وأَعْزَزْتُكَ وعزَّزْتُكَ، ومارستُكَ أحسنَ مِراس، وأوقدْتُ لاَنقيادِكَ أشرَفَ نِبراس، وزِدْتُ فَم عدِم فَهمِكَ أربعةَ أضراس، ولَمْ يكْفِ أنْ سعَيْتَ لانتصارك، مَع انحسارِكَ، حتّى تَجْعلَني عندَ مسارِكَ على يسارِكَ، فأفّ لِمَنْ يَلْمِزُ بمقلتيهِ، ويضَعُ مِلْحَهُ على رُكْبَتَيْهِ، وحيثُ قد أجْبَنْتُكَ عِندمَا عجنتك واَستهجنتُكَ بعدما اَحتجنتُكَ، فلا حاجة لي في مُحاججتِك، وطُول زمجرةِ ممازجَتِك، قال: فبينا نحنُ نتنازعُ عُقارَ الشقاق، ونتضرج بوَخزِ هاتيك الدِّقَاقِ، ألفينَا الخادِمَ يَدورُ، والجلاوزِةُ حولَهُ تمورُ وشِواظُ الصُّراخ يَتّقِدُ، وعجَاجُ العِياطِ ينعقدُ، فما لَبِثَ أنْ نَقَبَ الجِدارَ، ونقَضَ الأحجار، ثُمَّ انسربَ خلفَ المحرابِ، بحُسام الحِيَلِ والحِرابِ، فتبِعْتُهُ وَرِيْفَ الغُلواءِ، وارفَ العُرواءِ، وبينَما نحنُ نَهربُ ونتكَفَّتُ، ونُهْرِبُ ونتلفّتُ، إذ زَلِقَتْ قَدَمهُ، فانفجرَ دَمُهُ، فقلتُ لَهُ: هذا عُنوانُ قصَاص يوم الوعيدِ، ذلكَ ما قدَّمَتْ يداكَ وأن اللهَ ليسَ بظلاّم للعَبيدِ، ثم احتملتُهُ بينَ العاتقِ والوريدِ، وجريتُ بهِ جَرْيَ خَيْلِ البريد، ولما استوى على عاتقي استواءَ الظاعنين، قالَ: سبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كناَ له مقرنينَ، فقلتُ لَهُ: أتهزأ بي والفِرَقُ خلفَكَ يتألبون، وللقيانِك يتقلّبونَ، وأنا إلى ربّنا لمنقلبونَ، ثم ألقيتُهُ فصاحَ، وسبَّ نفسهُ والفِصاحَ فغشيني يم رحمته، وأدركَنيُ مدركة مضر مرحمته، فاحتملتُهُ احتمال الأجواد، وأعدتُهُ إلى مكان النجادِ، فأنشدَ بعدَ ما صبَّ صيِّبَ صًبْرهِ صبّاً، وضممتُ إلى فِتْرِ رأفتي بُصماً وَرتْبا: الطويل:

تجملْ رعاكَ اللهُ لا تُظهرِ العَتبا ... ولا تُسكنِ الأحزانَ منْ صَدْرِكَ القَلْبا
ولا تلبس الأوجالَ إنْ لاحَ مكْسَبٌ ... فتُمسِي وقد أهْدَتْ إلى قلبِكَ القُلبا
فأفٍّ لليثٍ لا يعفِّر أنفَهُ ... بعِثْيَره حِرصاً إذا ساور السِربَا
وتُفٍّ لَه إنْ ضاقَ ذَرعاً وخِيْسهُ ... خَلِيٌّ من الأشلا إذا شاهدَ السَّربا
وليس بعار أنْ يبيتَ وجوعُهُ ... يضِبُّ وفيضُ الرزقِ قد يشبع الضبا
فما عزَّ من أمسى من الذّلِّ كاسياً ... ولا سادَ ذو ضَنٍّ على المالِ إذ ضبَّا

قال: فسِرت تحته سير الجليدِ، إلى تربةِ خالدِ بنِ الوليدِ، وقلتُ لهُ: أقسِمُ بمسخِّرِ الرِّيْح، وجابرِ القَلْبِ القريح، لَئِنْ لَمْ تجتوِ هذهِ الإحساءَ، لا صحبتُكَ أو يصحبَ صخرُ الخنساءَ، ويعتري النِقْرسُ النساءَ، ثم إنّي رقدتُ رِقدةَ الأجير، واضطجعَ لإدبارِ جيوش الهَجيرِ، فاستيقظتُ وقد ولَّتْ قنابل الوقودِ، فألفيتُهُ قد أرقَلَ إرقالَ القرودِ، فبتُّ وأنا منَ الكُرَبِ صادٍ، مِنَ الوجلِ على مِرْصاد، كأننَّي صريعُ فِرصادٍ، لا أنطقُ بحاءٍ وميمٍ وصادٍ.

حسن خليل
25-11-10, 12:14 PM
المقامةُ الثالثةُ والثلاثونَ الواسطيَّةُ


حكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: اتَّخذْتُ مدَّةً مِنَ الدهر الأدهم، والعصر المحلولكِ الأسحم، بالحبشةِ داراً، وقد قدَّني الملوانِ إِذعاراً، لا يرتضيها الضِّبعانُ غاراً، والثعْلُبانُ أَنَفَةً وعاراً، فحينَ كرِهْتُ مُعاقرةَ عروشها، ونَدِمْتُ على معاشرةِ أحبوشِها، اعروريتُ سنامَ العَيْسجورِ، وفَريْتُ إهابَ البحر المسْجورِ، ولم أزل أخِد بأقدام الفِرارِ، إلى مواطن القرارِ، وأجدُ مَعْ مكابرةِ البِكار، حرّ حَزِّ مرارةِ الإفتكار، إلى أنْ سَرَطَني سراطُ واسط، وأنا ما بينَ قابضٍ منَ القلقِ وباسط فأرَقْتُ كَؤوسَ النُّحوس، وفارقتُ لَبُوسَ الحَظِّ المَنْحوسِ وكسرتُ كؤوسَ الوُكوس، وهجرتُ عروسَ العُكوس، فلمّا عُمْتُ بمعارج أسواقها، وأقمتُ سُوقَ المَيْسُرةِ على ساقِها، ألفيتُها ذاتَ رُواءٍ وارفٍ، ولواءٍ وطارفٍ، يَصْبو إلى أركانها الوليدُ، ويَنْبو عَنْ مُناسمة سُكّانِها البَليدُ، فجعلتُ أقْصِدُ مُنادمةِ المدُاني، وأقصِدُ يدَ دِنانِ التداني، وكنتُ أيّامَ مُبادرةِ ثمارها، ومُذاكرة أذْمارها، أنْخرِطُ إلى حاكم المدينةِ، وأًلْتَقِطُ من نَثْر مآثرهِ المتينة، وكانَ مِمّنْ يَقْلِي لقاءَ البارح، ويقضِي بَيْنَ المُقيم والنازح، فبينما أنا عندَهُ في يوم مُسْهَوْهبِ الذَّائب، مُغْلَولبِ السَّحائبِ، إذ أقبلَ شَيْخ مُسْبل سِرارَ سَاجِه، مُرْهِف غِرارَ انزعاجه، نافضٌ رِفْلَ ثوبهِ العَمَرِ، قابضٌ غِلالةَ غلام كالقمرِ، فلمّا مثلا لدَى القاضي، ونثلا وفاضَ التغاضي، شهرَ الشيخُ لساناً كالِمخْصلِ الماضي، وقالَ: أيَّدَ اللهُ سُطَا سَيْفِكَ العمري، وشيدَ رَبْعَ عِزِّ عدلِك العُمَريِّ، ولا بَرحَ لِدانُ إنصافِك مُثقّفَ الأنابيب، وعنانُ انتصافِكَ مفوَّقَ الشآبيبِ، أنُهِي إلى وَلِيِّ إفضالِكَ، وجليِّ إجلالِكَ، أنَّني وَلدْتُ هذا الغلامَ، الماهرَ العُلامَ، وعَلَّمْتُهُ الكلام، وثقفتُهُ مُذْ قامَ حتَّى استقامَ، فحينَ شَبَّ في شِبابه ودبَّ لهَبُ هِبابه جَعَلَ يَحصِبُني بشَنيع مُنازعته، ويضرْبُني بقطيع مُقاطعتهِ، ويتحفني بامتنانهِ، ويَقْصِفُني بأهوية هَوانه، ويَخْذفُني بحصى حصانهِ، ويَحْذِفُني بعصا عِصيانهِ، ويُنشِقُني رياحَ عُقارِه، ويرشُقُني بقُذَذِ نقاره، ولم أزل مذ أتَّسقَ شفق بدره، وظهرَ ثَمَرُ نَدْرهِ، وراحَ للحِكمَ واشتغل، وفاح عَرفُ مَعْرفتهِ واشتلَ، وكَملَ شاربُهُ وبَقَلَ، ودَرَأَ دَرَنَ درايته ونقلَ، وصبا ركامُ ذِهْنهِ وصبَّ، واستيقظَ مِنْ سنَة وَهْنه وهبَّ، وعدنَ بدار الأدب وألب، وامتلأ صِدار صَدْرهِ بالدّرر واتلأب، أخِيط إذا طَرَّ، وألينُ إذا اقمطَرَّ، وأقترضُ إذا اضطرَّ، وأنقبضْ إذا اسبطرّ، وهو لا يَهْبِطُ عن ساحج عَجاجهِ، ولا يَعْدِلُ عن لاحب لَجاجه، ولَمْ يَكْفِهِ كُفْرُ فَيْض إفضالي، وطول مَدِّ طُلْيَةِ الطَّمَع إلى نضالي، حتّى عادَ يُطفِئُ وميضي، ويُرفئُ سفينةَ السَّرَقِ إلى قَريضي، وقَدْ تطرَّق هواهُ، وتدفَّق شرُّهُ وشَذَاهُ، إلى أنْ أفسدَ عليَّ بشاطئ هذا العبُور، شِعراً يُشابِكُ شناتِر الشِّعرى العَبورِ، فرفعَ منه ألفاظاً يسيرةً فأف لها سيرة، ووضَعَ عِوضها حقيرةً، فتُفٍّ لها جَريرةً، ولم يزلْ يا ذا الجُودِ، وفاطر الفَلَك الموجودِ، نسبةُ حَظِّي الموؤد، مع أمِّه الولود، نسبةَ الوالدِ إلى المولودِ، من طاعة هذا المولودِ، قالَ: فأقبلَ القاضي على فَتاهُ، وقالَ لهُ: إنِّي لأخالُهُ صادقاً فيما تَعيهِ، صابراً على ما يدَّعيهِ، فاتَّقِ اللهَ في مُناقشتهِ، واصبر على شدَّة شِرّةِ معاشرته، فقالَ له الغلام: أقسِم بِمَنْ أيَّدك بالعَلاءٍ، ورفَعها بعدد حروف الاستعلاء، وجعلَ بحارَ حِكَم الحكّام، في شامخ أحكام حِكَمِك كالرُّكام، أنَّني ما أطفأتُ وميضَهُ، ولا احتقرْتُ حَضِيضَهُ، ولا رفضتُ فريضَهُ، ولا انتحلتُ قَرِيْضَهُ وها هو مُدع أِّنَني ادعيت قصيده، وهدمت أبنية شعره ووصيده وليس الحال كما ادعاه وضمه وعاء سمعك ووعاه، وإنَّماَ سمح خاطري قبله، بشعر لو رآه الأخطل قبله، ولم أكنْ رفعتُ قَبْلُ قناعَهْا، ولا تدبَّرتُ اختراعها، فإنْ أحببت شيم شرر لددنا، وتبَلُّجَ صُبْح حَقَ أَحَدِنا، فمُرْنا بإيرادِ الدُّرَّتينِ، ليتضح لكَ اختلافُ كَلم الكلمتين، فقالَ لَهُ القاضي: تالله لقد وضعت محاسنَ سِراطِكَ وأنصفتَ برفع نَصيف أشراطِكَ، وهَرَفت بمدحِكَ على نشاطِكَ، وأرهفْتَ لهياج دَم ذمِّهِ شَباةَ مِشْراطِكَ فإن شِئْتَ أن تُجَلِّي فجلِّ، وإن رُمتَ أن تُصَلِّي فصَلِّ، فقالَ الغُلامُ أما عَلِمْتَ أنَّ البركة في الأكابرِ، ولا سيما المأخوذَةَ عن الكابرِ بَعْدَ الكابرِ، فقال الحَكمُ للشَّيْخ: أتْلُ شعْرَكَ لَدَيْهِ، وقَدْ خَصَّكَ بخلاص التقدّم عليهِ، فقالَ، وقد سعَّرَ لنزاله لهيبا، وجَرَّدَ لكفاحه لساناً مهيباً: الطويل:

متى أمتَري رَوْض النَّجاءِ قريباً ... ويُصبحُ حُر الوجْهِ فيَّ قشيبا
وأخْلُصُ من شدِّ الإرانِ وأنثني ... أخا حَنَفٍ يهوَى المُقامَ نصيبا
فوَيْل إذا أجني الرجاء، وأجتدي ... سليم نوالٍ في الأنام عَسيبا
فإن عُدّتُ منصوراً بجَونِ سعادةٍ ... أظلُّ لأعناق القطوع قضيبا
وإنِّي وإنْ صلَّيتُ في السَّبْتِ مدَّةًوأضحيتُ دَهْراً للترابِ نسيبا
وأمسيتُ عَنْ وَصْلِ الخَليلِ مقيَّداً ... يرى جَسدي بعد المسيح صليبا
لأعلَمُ حقًّاً سوفَ أحيا وأغتدي ... إلى يَوم عَرْض للحسابِ جذيبا
وأصبحُ بعدَ الفَن في لاجبِ البِلى ... أبا جَذَلٍ حُلْوَ الشبابِ حَبيا
فلا تحسبِ الإنسانَ إلا سحابةً ... تقشَّعُ من ريح المَماتِ قَريبا

فلمّا تحيَّرَ الحَكَمُ بإنشادها، وتَعَجَّبَ بمشيد شيدِ إرشادِها، قالَ للغُلام: أخرجْ يدَ برهانِكَ، مِنْ جَيْبِ غَمائم تهتانِكَ، وتَوَّقَ مواقعَ بُهتانِكَ، قبْلَ شُرْب شَراب امتهانك، فأنْشَدَ عندما أعادَ عُوْدَ حُرمتهِ لحيبا، وملأ حَضْرةَ الحَكَم نحيباً رحيباً: الطويل:

متى أرتعي روض النّجاءِ قريباً ... وأرسو بصبْر ظلَّ فيَّ قشيبا
وأفكرُ في شَدِّ الإُرانِ وأزدَري ... أبا حَنَفٍ يَرضَى المَلامَ نصيبا
فسحقاً إذا أجْنى الرَّجاء وأنثنى ... سَليمَ نِزالٍ ظَلْت فيه عَسيبا
فإن بِتُّ منصوراً بجَوْنِ سَحابةٍ ... مِنَ الحرْص أمسى بالعَنَاءِ قضيبا
ولو أنَّني صلَّيْتُ للسَّبتِ عامداً ... لأنشأتُ دَهْراً لا تضُم نسيبا
سأضرب بالعضب الخَليل مقوِّماً ... أخا صَعَر ظن المسيحَ صَليبا
وأحيا إذا أحيي من الجودِ جانباً ... ليمسي خصيباً للعُفاة جذيبا
فمن حب هذا الفنِّ تاللهِ لم أزلْ ... مقيماً لأصحاب السؤال حَبيبا
ولم أخفض الإنسانَ إلا تعفّفاً ... لئلا يَبيتَ العارُ فيّ قريبا

قال: فحين فَرَغَ من استجلاءِ عجائبه، وأفرغَ غَيْثَ غِمام غرائبه قالَ له القاضي: إنّهَا لأبياتُ أبيكَ، ولا أحابيكَ، ولم تُلْقِ سوى قيلٍ قليل فسلالا لكَ من سليلٍ، فقال الغلامُ: أقسمُ بمَنْ أتاحَ لنا قصدَ هذا الطريقِ، وأباحَ للمتمتع صيامَ أيام التَّشريق، إنَّها لفريدةُ نصاحي، ووليدةُ اجتراحي ونفيسةُ عفاصِي، وفريسة اقتناصي، غيرَ أن معنى ألفاظهما متغايرٌ، وغبار شدةِ مباينتهما متطايرٌ، وأنا - أعزَّكَ الله - أبيِّنُ حقيقةَ الحالِ، وأعيِّنُ عدمَ الانتحالِ، ثم إنُّه مضى في شرح القصيدتينِ، مُضِيَّ الفَرْقَدَيْن، فحينَ فتح أبوابَهُما، وأوضحَ أسبابَهما، قال القاضي للشيخ: ها هو قد بسطَ إليكَ عَشْرَهُ، وشرحَ لديكَ شِعرَهُ، فهل بقي بوفاضِكَ سِهام، أم تخلف بشهرَيْ ناجرِ احتجاجِكَ سَهام، فقالَ لهُ: اعلم - طَوَّلَ الله بِكَ ذَلاذِلَ الذيولِ القصار، وقلَّدَ عُنُقَ اقتداركَ بتقصار الانتصار - أنَّني جئتهُ حينَ تَمَّم إحكامَها، ونمَّر طخاريرَ الشكالة وركامَها فأنكرت عليهِ، ما أفضتِ القضيةُ إليهِ، وقلتُ لَهُ: تَعساً لك من سَروقٍ، وراكب عُجلزة عقوق، وتباً لكَ من ذي لَفْظ رخيم، وصاحبِ خيم وَخيم، أتهزأ - ويلك - بأشعاري، وترزأ بقواضب القِحةِ حلائلَ ابتكاري، ثُمَّ إنّهُ قَدْ حَصَل لك حال قُبْح هذِي الخِصال، واتِّصالِ خُمْصانَةِ هذا الوصال، مَعْ ما توخيتْ من جَودةِ هذا الارتفاقِ، صياغةُ الصِّناعةِ بالاتِّفاق، فكنتُ كمُشْتارٍ قَصدَ الصابَ، أو عابثٍ قذفَ حَجَراً فأصابَ، ثم إنِّي شَرَحْتُ لَهُ ما زعم أنَّهُ اقتضبَهُ، وقدحت في حدب قرا الجهْلِ الذي ارتكبَهُ، فحين حَذقَ ما شرحتهُ، وطفقَ يُتقن ما له أبَحتُهُ، قالَ لي: يا للعَجَبِ أتسبقُني لشرح ما به دَلَّهتُ، وتُناضِلُني بالكنائنِ التي بها تنبهت، فيا خيبة من يرجو روح أرواحكَ، والرجوعَ إلى مُراحكَ، والطيرورة بجناحك، وقد جرح بخناجر اطراحك، وها أنا قد أحضرتُهُ إليكَ، وعرضتُ عُروض انتحاله عليكَ، فنظر القاضي إلى الغلام وقال له: ما الذي تُجيبُ، وقد احتدَمَ بين حربكُما الوجيبُ، فقال له: إنْ كنتَ تُحِبّ بأنْ يُحَصْحِصَ لكَ الحقُّ ويَبينَ، ويلين لَدَيكَ الظالم ويستكينَ، فَمُرْهُ بأنْ نتساجلَ بالقَريض، أو بإغريض النثرِ الأريض، فقالَ له الحكمُ: قد سَمِعْتُ نظمكما، ووعيتُ وعظَكما، ولكِنْ تساجلا بنثرٍ يشاكلُ المنثورَ، ويشاكِهُ اللؤلؤَ المنثورَ، مشابهاً لهذي الصِّناعة، مماثلاً لها في عبارة البراعة، فلمّا سَمِعا كلامَهُ، وعلِما ما رامَهُ، تَلبَّبا وتناهزا، وتصلّبا وتبارزا، ثُمَّ شَحَذَ الشيخُ النِّصالَ الصِّقَالَ، وجالَ في حَلْبَةِ المُنافرةِ وقالَ: مُجانبة الجَنَفِ نجائبُ النَّجاء، فقالَ الغلام: ومجاورةُ النجَفِ مكاسبُ النّجاءِ، قالَ: طُوبَىْ لمن اصطبحَ في السماءِ، فقال: طُوبى ولو سبَّحَ في سماءِ السماءِ، قال: بئسَ الضّرَرُ بالبَدَن الحر، فقالَ: نَعَمْ ولكن لا يَضُرُّ الفَرَسَ الحَرُّ، قال: أولى الناس بالكرامة الحرُّ، فقال: وأحقُّ الأشياءِ بضربِ الكرامةِ الحُرُّ، قال: خَابَ مَنْ هَجَمَ عفافَه ولاطَ، فقال: وطابَ من هجم، أخلافَهُ ولاطَ، قالَ: السعيدُ مَنِ اعتبرَ بهزال الهلال، فقال: والجليدُ مَنْ ساورَ هلال الهِلالِ، وقالَ: لا تؤسِّد ذا اللَّبَنِ اللَّبِنَ، فقال: ولا تُعالج باللّبَنِ اللَّبِنَ، قَالَ: رَبحَ مَنْ تعلَّمَ خاءً وطاءً، فقال: وخَسِرَ من طلقه الأطيبان وطاء، قالَ: تَعِبَ مَنْ جوَّدَ ألفاً وباءَ، فقال: وأتعب مِن زَوَّدَ ألفاً وباءَ، قالَ: اعتيام البُكَرِ للغُرابِ، فقالَ: وقِوامُ القيام بالغراب، قالَ: الحظيُّ مَنْ كذَّبَ المسيحَ، فقال: والوفي مَنْ صَدَّقَ المسيحَ المسيح، قال: أسْوَغُ مشَروبنا الفَصيحُ، فقال: وأبلغُ أريبنا الفَصيحُ الفصيحُ، قالَ الراوي: فلمّا استدلّ القاضي بما استدعاهُ، وعَلَّ رحيقَ ما أبدعاهُ، قالَ لهما: لقد صحَّ عندي مُحالُ حكايَتِكما، وإبطالُ محاكمتِكما، فكلُّ منكما شَرٌّ من صاحبه، جارٌّ ذيلَ خَتْرِه على مساحبه، لكن أنا مِمَّنْ يُحْسِنُ الإيالة، ويستحسنُ لصَيْد الكرام الحِبالةَ، ثمَّ إنَّهُ قبضَ لهما قبضةَ منَ اللُجينِ، مُذْ وَجَدَهُما محوَجَينِ، وبتاج الفصاحة متوَجَيْن، وقالَ: تغمَّرا بهذي الإراقة، وتقنَّعا بهذِه المُراقةِ، واقصدا دُوركُما، واشْرَحا صدوركما، فعلَى الخُبْزِ كانت المقاتلةُ، وعندي يوجدُ الجَبْرُ لا المُقابلة، فتبسَّم الشّيْخُ وقالَ له: تالله ما قَصَدْتُ مَجْلسَكَ لشكاية، ولا لطَلب صلَةٍ ولا نكايةِ، ولمْ يَزَل الصَّلاح بَيْنَنا منظوماً، والاصطلاح عندنا مَسْجوماً، وما فتئتُ أهذِّبُ قلبَهُ المتعَبَ، وأَجَنَبُ لُبَّهُ عَنْ مَطامع أشْعَبَ وإنَّما جئناكً مَعْ معاملةِ الرِّئمانِ، لِتَذُمَّ لنا معانَدَةَ الزَّمانِ، فَرَّقَ لهُما الحَكَمُ ورقَّقَ، وتحرَّقَ لحُرقهما وحرَّقَ، ثمَّ انصرفا بعدَ ذلكَ الاختراع، مشكورَيْنِ بإجادة الافتراع قال القاسمُ بن جريال: فلمّا زهدَ في التقاطِ ذلكَ الشّيْلَم، وعامَ عَوْمَ الغَيلْم في العَيلم، وَقفت تجاهه، وشكرْت انتباهَهُ، فإذا به المصريُّ ذو الغرائبِ الغريبةِ، والعجائب العَجيبةِ، فقلت لَهُ: يا ما أُمَيْلح ما تناضلمتا، وأُحَيْسنَ ما تساجلتما، فلم حرَصْتَ راس حِرْصكَ وهَشَمْتَ، وغفْتَ غفَّةَ عُفَّة الحَكَم واحتشَمْتَ، فقال لي: يا بن جريال، دَعْني منَ العتابِ، ولومِكَ المُرتاب، فَقَدْ تُقْتُ إلى المَتابِ، وبَرقْتُ لرشق ذلكَ البَرتابِ، قالَ فجعلتُ أعجَبُ لدَرِّ ذلكَ الانصبابِ، وردّ ذيّالكَ البابِ، بعد الاعتجاب، باحتقارِ التِّجابِ، وقبض منْسأةِ التّجوابِ، بعدَ حُسنِ الجواب.بهذِه المُراقةِ، واقصدا دُوركُما، واشْرَحا صدوركما، فعلَى الخُبْزِ كانت المقاتلةُ، وعندي يوجدُ الجَبْرُ لا المُقابلة، فتبسَّم الشّيْخُ وقالَ له: تالله ما قَصَدْتُ مَجْلسَكَ لشكاية، ولا لطَلب صلَةٍ ولا نكايةِ، ولمْ يَزَل الصَّلاح بَيْنَنا منظوماً، والاصطلاح عندنا مَسْجوماً، وما فتئتُ أهذِّبُ قلبَهُ المتعَبَ، وأَجَنَبُ لُبَّهُ عَنْ مَطامع أشْعَبَ وإنَّما جئناكً مَعْ معاملةِ الرِّئمانِ، لِتَذُمَّ لنا معانَدَةَ الزَّمانِ، فَرَّقَ لهُما الحَكَمُ ورقَّقَ، وتحرَّقَ لحُرقهما وحرَّقَ، ثمَّ انصرفا بعدَ ذلكَ الاختراع، مشكورَيْنِ بإجادة الافتراع قال القاسمُ بن جريال: فلمّا زهدَ في التقاطِ ذلكَ الشّيْلَم، وعامَ عَوْمَ الغَيلْم في العَيلم، وَقفت تجاهه، وشكرْت انتباهَهُ، فإذا به المصريُّ ذو الغرائبِ الغريبةِ، والعجائب العَجيبةِ، فقلت لَهُ: يا ما أُمَيْلح ما تناضلمتا، وأُحَيْسنَ ما تساجلتما، فلم حرَصْتَ راس حِرْصكَ وهَشَمْتَ، وغفْتَ غفَّةَ عُفَّة الحَكَم واحتشَمْتَ، فقال لي: يا بن جريال، دَعْني منَ العتابِ، ولومِكَ المُرتاب، فَقَدْ تُقْتُ إلى المَتابِ، وبَرقْتُ لرشق ذلكَ البَرتابِ، قالَ فجعلتُ أعجَبُ لدَرِّ ذلكَ الانصبابِ، وردّ ذيّالكَ البابِ، بعد الاعتجاب، باحتقارِ التِّجابِ، وقبض منْسأةِ التّجوابِ، بعدَ حُسنِ الجواب.

حسن خليل
25-11-10, 12:35 PM
المقامةُ الرابعةُ والثلاثونَ الحَمَويَّةُ لابن دريد

حدّث القاسمُ بن جريالٍ، قالَ: شملني حينَ عصيتُ الاشتباهَ وأطعتُ الانتباهَ، وباينْتُ مياهَ مَاهَ، أحْويةُ حاضرِ حَمَاهَ، فجعلتُ بعدَ دَعِّ الباطل، ودَفْع الناطِلِ، ومخالطةِ القساطلِ، ومصادمةِ قُبِّ الأياطلِ، أَسْرحُ في نِعَم دائمةٍ، وهِمع داميةٍ، وسُوح سامية، وسروح سائمة فلمْ أزلْ أجود بمُجمَل الصحاح، وأستر تكملة الصلة فراراً من الإيضاح وأسمح لأرباب الأصول بجمل نهاية المحصول وأورد لطلاب المصالح، وأسود باصطحاب الجليس الصالح، إلى أن ذهب لجيني لحيني، ونضبَ ماء عينتي لعيني، ولمَّا ساءني مسامرة الانخفاض، وطيّرَ غربانَ فوري بُزاةُ الابيضاض، ورَبَضتْ بهُوةِ هالةِ هَواني، وقبضتُ توقيعَ العِزْلة منْ رواجبِ حواجبِ الغَواني، وألقتِ العذارى معاذيرَ بُغْضِها المُضاجِرِ، وجادت الجآذرُ بهَجر هجَّرَتْ بهِ هِجانُ الهواجرِ، وغطَّيْن عَنِّي الطُّلى بالمَعاجر، وفتحنَ أبوابَ القِلَى بعد سدِّ الكُوى بالمحاجر، أجريتُ دُرَّ دَمعي المَصُون، وبكيتُ بكاءَ الحمائم على الغصونِ، وكنتُ قبلَ انسدادِ بابٍ اقتداري، واحتدادِ نابِ الضّرر لانهدام دارِ مِقداري، مشعوفاً بجاريةِ شَرَيْتُها أيامَ الاقتدارِ، وجعلتُها عُدَّةً لكسرِ عساكر الأقدارِ، واعتقدتُ ديْنَ حبِّها عَيْنَ الاعتقادِ، وصيّرتُ أَهْجيراي لوصلِها هجر الرُّقادِ، فحينَ قضبَ قاضبَ الغِيَرِ أسبابُ الاكتسابِ، وكفر كافور الكِبَرِ إنابَ اشتدادِ الشبابِ، قوَّضَتْ خِيامَ طاعتي، ونَقَضَتْ جِدارَ مطاوعتي، فأمسيْتُ بعدَ مَسِّ سَمِّ إلحاحها الوحِيّ، وحَسِّ سَحِّ أعراضِها المَضرَحي، أنشد للشيب والفَلَس الرَديّ، بيتي ابن الحارث الكندي، وبَيْنا أنا في ظلِّ النَواعير، أتلقى زفيرَها تلقِّي العِيرِ، أضاهِي بأنيني أنينَها، وأحاكي بحنيني حنينَها ألفيتُ أبا نصرٍ المصريَّ معْ مِراحه الزخًّار، وحُلْوِ حديث مِسْحَلهِ السحّار يهتز هزة الأفنان، منطلقَ الاعتنان، وقد أبدَى نواجذَ أفراحه، وأردَى قبائل أتراحِه، فأقبلتُ إليه إقبالَ من سَجَر، وأهملتُ ما كانَ بينَنا شَجَر، وجعلْتُ أبُلّ بوصالِه النجَرَ، وأستلم يمينهُ استلامَ الحَجيج الحَجَرَ، فقال لي: يا ابنَ جريال ما الذي حمّلك أعباءَ المُحولِ، وحَملكَ على التحافِ هذه القُحولِ، فقلتُ لَهُ: طلوعُ طلائع المعاطبِ، وأفولُ وصال السُّرْعُوبةِ الكاعبِ، ثم انطلقت إلى أناسي، بعدَ سَمْلِ إنسانِ التَّناسِي، ولّما أبثَثْتُهُ حالي مع الرَّداح، وقاسمته مالي مقاسمةَ أبي الدحداح، أعرض عن الضخام والرِّشاق، وأَخَذَ في قَصِّ قَصص مصارع العشَاق، ليُسلَي حَبَّةَ قلبي المتبول، ويجلي بإخراجي من حبالِ تلكَ الحبول، ولم يزلْ يعدُني بفناءَ الليائل، ويُسْعِدُني بحديثِ عُشّاق الأوائلِ، ومع ذلك فمَسمعي شديدُ الرتاج، ومدمَعي زاخرُ الانثجاج، فلمَّا يئسَ من علاجي وأعضلَ داءُ الدّلَه وانزعاجي، وضربَ طبلُ رحيل النوم، وانسكب وبلُ وبيلِ اللَّوم، قالَ لي، وقد اسَحَنْكَكَ الغَسَقُ وعسا، وصَلبَ جَفن طولِ المجانبة وجسا: الكامل.

ما بالُ قلبك في الغَوايةِ غلَسا ... يا منْ تعلّلَ بالوصالِ وأبلسَا
رفهْ فؤادَكَ ما استطعتَ فإنَّما ... قَلبُ الذي يَحكي الغزالةَ قَدْ قَسا
واصبر ونَفسْ من همومِك ما نرى ... فعسَى يَرُقُّ فؤادُهُ القاسي عسَى
لا تطمعن فليسَ يبلغ قصدَهُ ... رجًلٌ يَبيتُ من الدراهم مفْلِسا
قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فشفعتُ زفراتي بالنحيبِ، حتّى ضاقتْ بأرجاءَ الجوِّ الرحيبِ، ثم إنَي استعدتُه فآلَ، واستزدتُهُ فقالَ: الكامل.

كيف الدّنو إلى حَبيبٍ دَأبُهُ ... طول الصدودِ وإنْ تدانىَ طلمسا
ملكَ الجمالَ بصارم من عِزَّةٍ ... قبلَ المِلاح وفي الملاحةِ عرّسا
فبوجهه صُبْحُ الصبَّاحة طالع ... وبشَعْرِه ليلُ القِلى قد عَسعَسا
وبفدِّهِ وحسامه من جفْنه ... قَدَّ القُدودَ وطاعنَ القلب الأسى
ولريقه ركعَ المدامُ وخالِه ... سجدَ الظلامُ وتابعَ الصبحُ المسا
فكأنَّهُ وكأنَّ حُمْرةَ خَدّه ... مِسْك علا ورداً وجالسَ نَرجسا
جَلَّ الذي هزَّ القوامَ وأرهفَ ... الطرفَ الكحيلَ إذا الحواجب قوسا
فاقَ الصِّباحَ لما الصَّباحُ بنُورهِ ... فاق المساءَ أخا المساءةِ إذ عسا

فجعلتُ أسكبُ وَسْميَّ المدامع، وأرسبُ في سَيْل سَحابِ الجَفنِ الدامع، وقلت لَهُ: أتحفتني بجَلْوةِ عروسِكَ رَسيسا، وسلبْتَ مني بالنَّفيس نَسيسا فأقرِن بَقرنِ ما قدّمتَهُ تخميسا، وإنْ عادَ وًجْدي بالخَميس خميسا فقالَ: الكامل.

يا مَنْ تجزَعَ بالكآبةِ أكؤوسَا
سَلِّ الفؤادَ مع التّباعُدٍ بالأسى
يا مَنْ تحمَّل في الصبابة أبؤسا
ما بالُ قلبِكَ في الغَوايةِ غلسا ... يا مَنْ تعلّلَ بالوصالِ وأبلسا
فَوِّضْ أمورّكَ للقضاءَ وسلِّما
وانصِبْ إلى رُتَب المعالي سُلّما
وَدَع الرجاءَ فما يفيدُكَ مَغْنَما
رفه فؤادك ما استطعتَ فإنَما ... قَلبُ الذي يَحْكي الغزالةَ قدْ قسا
متًع جفونكَ إن قَدَرْتَ على الكَرى
يا غاغلا سلبَ الفؤادَ وما دَرَى
لا تعتبن على الزمانِ وما جرى
واصبر ونفس مِن هُمومِكَ ما نرى ... فعسى يرِقُّ فؤاده القاسي عَسَى
يا باكيَاً تسقي المآقي خَدَّهُ
رِفقاً بقلبك كي يفيقَ وصُدهُ
يا هائمَاً يشكو الحَبيبَ وصَدَّهُ
لا تطمعن فليسَ يبلغُ قَصدَهُ ... رجلٌ يبيتُ مِنَ الدراهم مُفلسا
قالَ:. فَلَمْ تَزَل جيوشُ الوَجَلِ تجولُ، وليوثُ لَوثهِ الراحةِ تحولُ، حتّى كدت أكسِرُ بحَرِّ ماءَ الصُّراخ، سورةَ بحْرِ جَمِّ التَجلّد النُّقاخ، وما رأى أنْ قَدْ نشب شص الشجن واعتاصَ، وتحقق أنَّ الإخلاصَ مِنْ حِبالةِ الحَزَن ولا مناص، سترَ سره والعَلَنَ، وَعادل الظَّعَنَ وظَعَنَ، بَعْدَ أنْ تمنى لي الوَسَنَ، وأَجررتُهُ الرَّسن، وشكرتُ إحسانَهُ الحسنَ البَسن.

حسن خليل
25-11-10, 02:08 PM
المقامةُ الخامسةُ والثلاثونَ السَّروجيّة

أخبر القاسمُ بنُ جريال، قالَ: سكنتُ سَروجَ أحيانَ ممازجةِ الرِّحابِ، ومجالسةِ الأنجاب، ومُجانبةِ المِنجاب، ومشاهدة الشادنِ المُجاب، فباشرتُها مباشرةَ البَشيرِ، وعاشرتهَا معاشرةَ العشيرِ المَستشيرِ، وكنتُ يومئذٍ لَهِجاً بحبِّ المُدْلَجِيّات، مبتهجاً بامتطاء الأعوجياتِ، أشتريها ولا أماكسُ، وأبالغ في أثمانِها وأنافس، فتواصينا ذات يوم للسِّباقِ، على متونِ العِتاقِ، فخرَجنا مصحوبينَ بالسَّبَقِ، على عدد حروفِ النَّسَق، فنشِطْنا نشاطَ مَنْ شارفَ الشَّبقَ، وشرطنَا السبقَ لمَن سَبَقَ، ولمّا قُمنا بعدَ قِصَرِ الحِينِ، ورُمنَا المسابقةَ بينَ السَّراحينِ، أقبلَ ذو سابح نَحيفٍ، جانح من الوَصَبِ ضعيفٍ، يسحبُ أرساغهُ لكلالهِ، ويخضِبُ عُرقوبَهُ من صككِ هُزالهِ، يبينُ عاتقُ شِمالهِ، من تَحتِ عنقِ أسمالهِ، ويَلوحُ بياضُ ثغامتِهِ، من بَيْن أدوارِ عمامتهِ، فحينَ وَصَلَ إلينا، وبزغَ قمرُ قُربهِ علينَا، قالَ أسعدَ اللهُ العِصابةَ السَّروجيَّةَ، وجدَّدَ أيامَ إنعامَها اليلنجوجِيَّةَ، فقُلْنا لهُ: حُيِّيْتَ يا ذا اللسانِ الطليقِ، واللِّثام الوَثيقِ، ثم شرعَ معهُ بعضُ الجماعةِ، في نوع من الخَلاعةِ، وقالَ لهُ: هَلْ لكَ يا ذا الشارةِ، في أنْ تسابقَ على هذهِ الفارةِ، فقال له: أنَّى أسابقُ بما لو سابقَ الدَّبا لدَبا، أو أزدفرَ زبالَ الكَبا لكبا، شازباً لو انتُدِبَ لسباقَ الصَّبا لصَبا، أو أمِرَ بمصادمةِ الرُّبا لربَا، لكن أسابقُ على رَبوةِ يفاع، بصَهوةِ صافِن صِفاع، لو خامر عُبابَ القَفا لقفا، أو جاورَ كدرَ أصحاب الصفا لصَفَا، فَمَنْ شاءَ فليبرُزْ لابِسَ لامةٍ، ومَنْ شاء فلينصرِفْ عنِّي لا بسلامةٍ، قالَ: فلّما تألقَ قمرُ فَلَكِ فُكاهتِهِ، وتعلَّق بنانُ مُداعبتنا بأَهدابِ مُفاكهته، قلنا تالله لنُرْجيَنَّ السِّباقَ، ولنرخيُنَّ لهذا الشيخ الشباقَ، فإنَّ ساعات الدُعابة بعده تموتُ، وطيبَ أوقات المسابقة متجدِّدةٌ لا تفوتُ، فتجرّدوا عن السَّوابح، وإنْ كان في خلاعتهِ عينَ الرابح، فنزلَ كلٌّ عن صَاهلهِ، وجذبَ بجلابيبِ كاهلهِ، رغبةً في عذوبةِ تأهِلهِ، وودودِ حَلاوةِ مناهلهِ، فحينَ عاين ميلنا إليه، وعَلِمَ ما نجد من المَسرَّةِ لديهِ، ألقَى رداءهُ على منكبيهِ، ثم نكصَ على عَقبيهِ، فاَعتلَقَ كل بعنانه، ومنعناهُ عن استيفاءِ مَيدانه، وقلنا لهُ: قسماً بمَنْ سخَّرَ الإعصارَ، وخفف بأيد أيدي نصرهِ الآصار، لا نفارقُك ولو لغايةِ عامِنا، أو ترتعَ في رياض طعامنا، فلمَّا سمِعَ كلامنا، وحمِدَ إلمامَنا، قال إلينا واَنضَوى، بعدَ أنْ نوى ذلكَ الهوى وهوى، فجَعَلَ كلّ مِنَّا يَجْذبُهُ إليهِ، ويتوّكأ لاستخراج نُخَبهِ عليهِ، فحينَ شاهدَ قشوفَنَا لكَشفِ أهلّةِ هالاتهِ، وتأففنَا لقلّةِ قلّةِ مُبالاتهِ، وتأثفنا حولَ مَلة ملة عُزّى لَعبهِ وَلاتهِ، قال: إنْ شِئْتُم قعدتُ بالقرعة، وإن أحببتُمْ ربضتُ بازاءِ هذا القَرعةِ، وأَومأ إليَّ، وضحِكَ ضَحِكَ المفتضِح عليَّ، وقالَ: أأقعدُ بجنْبِ هذا المولى الفاخرِ، السيّد الأجَلِ الحُرِّ المفاخرِ، فَقُهقَتُ إلى أن فحصتُ بأخمصَي، وسقطَتْ مهابةُ تقمصي، وقلتُ لهم: أتدرونَ إذْ لطَّفَ المقالَ ماذا قالَ، فقالوا: ما الذي قالَ، ألهمَهُ اللهُ القِيلَ والقالَ، وقلّدَهُ النِّقالَ، وحمَّلَهُ السحابَ الثقال، وألبَسُهُ مِنَ المَنحَسَةِ إزاراً، وجعلَ عنفقتَهُ لقَلْبِ قلبِ أخي موسى مزاراً، فقلت: قالَ اقعدُ إلى جَنبِ هَذا العبدِ الفاجرِ، التيس الكلبِ الحيةِ المفاجرِ، فلصقوا به لصوقَ العَنونةِ باللِّصاقِ، وصافحوا بينَ يدِ وجههِ وأناملِ البُصاق، ثم التفتَ إليهِ مَنْ عَنْ يميني، ومَنْ في حَلْبةِ المُلَح يَليني، وقالَ لهُ: مِن أي الأمكنةِ الشَّيَيخُ، القَذِرُ الضُّحكَةُ الوُسَيْخُ، فقالَ لَهُ: أنا مِنْ بُقْعَةٍ تَرْقُصُ بِهَا غانياتُ نَتْفِ سِبالِكَ، على إيقاع كَفِّي وقَذَالِكَ، ويُحلقُ حِينَ تحجها شعر رأسِكَ، بحدِّ حسم موسى مَداسِكَ، فقالَ لَهُ الذي يليهِ: فما أنتَ عدَاكَ العِيُ، أيهَّا اللَّوذَرِعي، فقال طبيب يُضارعُ بقراطَ، ومن وطئ بقدم قُدرتهِ هذا البِساطَ، فمتى انحرف مِزاجُك، وتعذَّرَ عِلاجُك، أسقِكَ ما يمنع سلاسةَ مسعاكً، ويقطعُ جداولَ مِعَاكَ، فلا حرسَكَ ربّكَ ولا رعاكَ فقال له الذي يليهِ: ما تقولُ وقيتَ مَصارعَ الحِذَاءِ، في الرياضةِ بعَيْدَ الغذاءِ، فقال: تُخرج طعامك غير نضيج، وتُوقعُ رقابَ مرابِضكَ في صَفْع منَ السُّددِ مَريج، وتفتقِر في قهر هذهِ الأعلالِ، إلى شُرْبِ شَرابِ أصولِ النِّعالِ، ثم أنَّهُ عَطَفَ إليهِمْ وقالَ: تاللهِ إنكم لكمن عرَّضَ قفَاهُ لنَعْلهِ الخَصيفِ، وسألَ الفاجرةَ إلقاءَ النّصيفِ، واستبزلَ قَذَرَ كَنيفه الرصيف أيامَ شَبَا شِدَّة المَصيفِ، فأفٍّ لكم من أسافلةٍ، وشُموس في عينِ حَمْأةِ الحماقة آفلة، قال القاسمُ بنُ جريالٍ فعجبوا لِعَوَج مَطاه، وعدم عِوَج ما تعاطاه، وأحبوا كَشْفِ لِثامهِ فامتنعَ، ورَضِيَ بمقَةِ مُقاطعتهِم واقتنعَ، فكشفتُهُ حِرصاً على عِرفَتهِ، بعدَ اختبارِ خُرافتهِ، فألفيتُهُ عندَ كَشْفهِ، ونَهْلِ شَمول شُهدهِ ورشْفهِ، أبا نصر المصريَّ ذا الفنونِ الفائقةِ، والشُّجون الشائقةِ، فقلتُ له: إلامَ تَجْنَعُ للّهُي، وتهزأ بذوي النهي، وتسخر بالبدور والسهى، وتَجْمَعُ بينَ مَجْدَل المجادلة والرهى، ثم إنِّي أثنيتُ على شيءٍ من صفاتهِ، وأخذت في وصفِ صحُف مُنصفاتِهِ، فقالَ لي: يا بنَ جريالٍ خَلِّني من مَلَقك، وانهضْ لاكتسابِ سَبقكُ، فنهضَ كل لأمرهِ، وجَمَعَ بينَ نابِ المطاوعةِ وَعمرهِ، ولمَّا امتطينا السوابقَ، لنسبرَ الفِسكلَ والسابقَ، جَلَّى صاحبُ مُلمْلَم مَحبوكٍ، كعمودِ إنابٍ مَسبوك، خالِصٍ قَرونٍ وقرونٍ، وخُصَل كالخَصْلِ غير قرونٍ، يُضارعُ الزّعزعَ في اعتراضِها، والثواقبَ في اَنقضاضِها، صُلْبِ الحوافر، سليل زاد المُسافر لا يعبأ بوُحولهِ ولا يكترثُ بعُورِ النَّصَبِ وحُولهِ، يُطيعُ فارسَهُ، ويَعصِي فوارسَهُ، يجوعُ لشبَعهِ النَّسيبُ ويَحكِي قِصَرَ غُرمولهِ العسيبُ، فاَستحسنَ القومُ حُسْنَ هِمَّتهِ وهامتهِ، وشَرعوا في رفع شُرُع شُكْرِ شَهامتهِ، واقترحوا بأن يَصِفَهُ كل بقصيدةٍ، وارفةِ الفصاحة مجيدةٍ، قالَ: فأجابتِ القرائحُ، وتبيَّن المُكدي والمائحُ، وبرزت المفاتحُ، وتُحَقِّقَ المُجبل والماتحُ، فكنت مِمَّنْ أجبلتْ قَحَتُهُ، وأكدتْ قريحتُهُ ونضَب عُبابهُ، وانقصبَ لبابهُ، فلمّا رأى أبو نصر حلوك عاهتي، وحفولَ آهتي، قال لي: يا بن جريال لِمَ تعجَلُ لدَىَ حُمْسكَ بعض خَمسك، وتخجلُ لكُسوفِ شمسِك، وقد جُرِّبَتْ. منك الشجاعةُ بأمسِكَ، فإن شِئْتَ سقيتكُ مِن قلالي، إلى وقتِ إقلالي، وأقرضتُكَ من حبالي إلى حين إحبالي، فقلتُ لَهُ: أعلى اللهُ حشاكَ، ذاك إلى مرؤتكَ وحاشاكَ، وإنِّي لمفتقرٌ إلى فِقركَ السنيَاتِ، افتقارَ الكناياتِ إلى النيّاتِ، فقالَ: سأجمع بين لباءِ لُبانتكَ والمجيع، وأسجعُ لكَ قصيدةً تخنسُ لها أسودُ الأساجيع، أذكر لك فيها من ملاحةِ مِدَح تَصطفيها ومن طمّني بهذَا المُطير، عشرينَ اسماً من الطير،، يشهدُ بفضلِها البليغُ العادل، وتُطرِّبُ بطيبِ إفصاحِها العنادلُ، فلّما سمعت ما نطق بهِ، ومنطقَ بذهبهِ، قلتَ لهُ: الحمدُ للهِ الذي نَصرني، بعدما حصرني، ورحمني حين أفحمَني، فجدْني بإنجاز وعْدِكَ وأنجِدني بصواعقِ رعْدِكَ، فأومأ إيماءَ البَيسريّ، ذي الشرفِ القعسَرِيِّ واهتزّ لذلكَ الجوهريّ، اهتزازَ السمهريِّ، وقالَ: الكامل: له الذي يليهِ: ما تقولُ وقيتَ مَصارعَ الحِذَاءِ، في الرياضةِ بعَيْدَ الغذاءِ، فقال: تُخرج طعامك غير نضيج، وتُوقعُ رقابَ مرابِضكَ في صَفْع منَ السُّددِ مَريج، وتفتقِر في قهر هذهِ الأعلالِ، إلى شُرْبِ شَرابِ أصولِ النِّعالِ، ثم أنَّهُ عَطَفَ إليهِمْ وقالَ: تاللهِ إنكم لكمن عرَّضَ قفَاهُ لنَعْلهِ الخَصيفِ، وسألَ الفاجرةَ إلقاءَ النّصيفِ، واستبزلَ قَذَرَ كَنيفه الرصيف أيامَ شَبَا شِدَّة المَصيفِ، فأفٍّ لكم من أسافلةٍ، وشُموس في عينِ حَمْأةِ الحماقة آفلة، قال القاسمُ بنُ جريالٍ فعجبوا لِعَوَج مَطاه، وعدم عِوَج ما تعاطاه، وأحبوا كَشْفِ لِثامهِ فامتنعَ، ورَضِيَ بمقَةِ مُقاطعتهِم واقتنعَ، فكشفتُهُ حِرصاً على عِرفَتهِ، بعدَ اختبارِ خُرافتهِ، فألفيتُهُ عندَ كَشْفهِ، ونَهْلِ شَمول شُهدهِ ورشْفهِ، أبا نصر المصريَّ ذا الفنونِ الفائقةِ، والشُّجون الشائقةِ، فقلتُ له: إلامَ تَجْنَعُ للّهُي، وتهزأ بذوي النهي، وتسخر بالبدور والسهى، وتَجْمَعُ بينَ مَجْدَل المجادلة والرهى، ثم إنِّي أثنيتُ على شيءٍ من صفاتهِ، وأخذت في وصفِ صحُف مُنصفاتِهِ، فقالَ لي: يا بنَ جريالٍ خَلِّني من مَلَقك، وانهضْ لاكتسابِ سَبقكُ، فنهضَ كل لأمرهِ، وجَمَعَ بينَ نابِ المطاوعةِ وَعمرهِ، ولمَّا امتطينا السوابقَ، لنسبرَ الفِسكلَ والسابقَ، جَلَّى صاحبُ مُلمْلَم مَحبوكٍ، كعمودِ إنابٍ مَسبوك، خالِصٍ قَرونٍ وقرونٍ، وخُصَل كالخَصْلِ غير قرونٍ، يُضارعُ الزّعزعَ في اعتراضِها، والثواقبَ في اَنقضاضِها، صُلْبِ الحوافر، سليل زاد المُسافر لا يعبأ بوُحولهِ ولا يكترثُ بعُورِ النَّصَبِ وحُولهِ، يُطيعُ فارسَهُ، ويَعصِي فوارسَهُ، يجوعُ لشبَعهِ النَّسيبُ ويَحكِي قِصَرَ غُرمولهِ العسيبُ، فاَستحسنَ القومُ حُسْنَ هِمَّتهِ وهامتهِ، وشَرعوا في رفع شُرُع شُكْرِ شَهامتهِ، واقترحوا بأن يَصِفَهُ كل بقصيدةٍ، وارفةِ الفصاحة مجيدةٍ، قالَ: فأجابتِ القرائحُ، وتبيَّن المُكدي والمائحُ، وبرزت المفاتحُ، وتُحَقِّقَ المُجبل والماتحُ، فكنت مِمَّنْ أجبلتْ قَحَتُهُ، وأكدتْ قريحتُهُ ونضَب عُبابهُ، وانقصبَ لبابهُ، فلمّا رأى أبو نصر حلوك عاهتي، وحفولَ آهتي، قال لي: يا بن جريال لِمَ تعجَلُ لدَىَ حُمْسكَ بعض خَمسك، وتخجلُ لكُسوفِ شمسِك، وقد جُرِّبَتْ. منك الشجاعةُ بأمسِكَ، فإن شِئْتَ سقيتكُ مِن قلالي، إلى وقتِ إقلالي، وأقرضتُكَ من حبالي إلى حين إحبالي، فقلتُ لَهُ: أعلى اللهُ حشاكَ، ذاك إلى مرؤتكَ وحاشاكَ، وإنِّي لمفتقرٌ إلى فِقركَ السنيَاتِ، افتقارَ الكناياتِ إلى النيّاتِ، فقالَ: سأجمع بين لباءِ لُبانتكَ والمجيع، وأسجعُ لكَ قصيدةً تخنسُ لها أسودُ الأساجيع، أذكر لك فيها من ملاحةِ مِدَح تَصطفيها ومن طمّني بهذَا المُطير، عشرينَ اسماً من الطير،، يشهدُ بفضلِها البليغُ العادل، وتُطرِّبُ بطيبِ إفصاحِها العنادلُ، فلّما سمعت ما نطق بهِ، ومنطقَ بذهبهِ، قلتَ لهُ: الحمدُ للهِ الذي نَصرني، بعدما حصرني، ورحمني حين أفحمَني، فجدْني بإنجاز وعْدِكَ وأنجِدني بصواعقِ رعْدِكَ، فأومأ إيماءَ البَيسريّ، ذي الشرفِ القعسَرِيِّ واهتزّ لذلكَ الجوهريّ، اهتزازَ السمهريِّ، وقالَ: الكامل:

ومطهم عال شديدِ نَعامةٍ ... ضَاهى النعامةَ في العَراءِ تقدُّما
حسنَتُ سُماناه وأحكمِ دِيكهُ ... في هامةٍ تحكى السنامَ تسنما
وسَمَتْ سَمامتهُ وسُوِّدَ نَسْرُه ... بسواد لَوْنِ سَرارهِ وتطهَّمَا
وجَفَتْ دَجاجتهُ وحيَّر صَقرُهُ ... بعد الصُّفوفِ مُكافحاً ومسوَّما
وأضاءَ صلصلهُ وكُمّلَ فرخُهُ ... وحَلاَ المديحُ لحُسنهِ فتَعظمّا
وحكَى اللُجينَ برأسهِ عُصفورُهُ ... لمّا سَما عندَ السباقِ وتمما
وتلألأ الخَرَبُ المجاوزُ حَجْبَهُ ... لمّا استدارَ لدىَ الغُرابِ وتمِّما
واحلولكَ الحرُّ الحَميدُ وحملَقَتْ ... لقطاتهِ أهلُ الزمانِ تفخُّما
وتخطّفَ الخُطّافُ أبصار الوَرَى ... بوَميض بارقِ حُسنهِ لما طما
وصفا مِنَ الصرَد المتين نفاسةً ... وعلا بحدأته التليلُ وأفْعِما
وامتازَ منه الناهضانِ ضخَامةً ... والقر تحكى في القُنُوءَ العَنْدَما
لو ظلَّ أعوجُ في المضيِّ يَرومُهُ ... لكبَا بمَهْمه هَمِّهِ لما هَمى

قال الراوي: فحينَ تحيَّرتِ الجماعة بحذاقته، وحمِدَت طيب لذاذةِ مَذاقَتهِ، قبَلت قرا قدميهِ، وأقبلتُ بتُحَفِ اعتذارِهم إليهِ، وجعَلُوا يثنونَ على فَصاحتِهِ، وَينثنون إلى استحضار نُضارِ راحتهِ، فقلت لهم: تاللهِ ما خصَّكُم بصُبابةٍ منِ فُنونهِ، ولا بَعشر عُشْرِ العُشْرِ من مَكنونهِ، فحذارِ مِنْ أنْ تستخفّوا بانخفاض نجاده، وسَحْقِ نِجاده وبجادهِ، وهُزالِ جَوادهِ، وطُولِ جودِهِ، وجواده، فإنَه صبورٌ على مجاعتهِ، مشكورٌ على شَجاعتهِ، ولو اَمتطى طِرْفاً يَرتضيهِ، ويَميل إلى مراضيه، لرأيتم العجب، والجحفل اللّجِب، ولعلمتم أنَّ اللهَ قد منحَهُ مع هذهِ المِنة بجَودةِ التُّلنّةِ، ومكافحةِ ملاعبِ الأسنة، فلما وعَى صاحبُ الفرس ما ذكرتُهُ، وسعَى في مَدارج ما تذكّرتهُ، قالَ: إنِّي لأحبُّ أنْ ابصِرَ ركوبهُ، وأشاهدَ كأسَ ركضهِ وكُوبَه، أفتأذَنُ لي بأن أسلِّمَهُ إليهِ، قلتُ لهُ: إنَّ وعَن سلَّمْت الغزالةُ عليهِ، فناولُهُ عِنانَهُ، وأباحَ له امتحانَهُ، فلّما استوى بثَجَج قَطاتهِ، وتذكّرتُ قبائحَ وَرَطاتهِ، وندمْتُ على ما فرّطتُ، ولبِستُ سربالَ السَّدَم إذ تورّطْتُ، ثم إنَّ أبا نصر قَبَضَ لِدانَهُ، واَستقبلَ مَيدانَهُ، وجعلَ يعرِضُ علينا اَنثيالَ سُرحوبهِ، وينشرُ لدينا حُلَلَ حُروبهِ، ويُظهِرُ ضوءَ ظهيرةِ اَرتكاضهِ، وطُلاوة طِوال ضَرَبِ ضُروبهِ وعِراضهِ، إلى أن اقتنصَ قلوبَ الحاضرينَ، وملأ للملأ إشرارةَ جريهِ والجرين، وبينما هو يتفنّنُ في استنانهِ وَيَتَبخْتَر بمحاسنِ سِنانهِ، وَيتقلّبُ على سراتهِ ساحباً سرابيلَ مسرَّاته، إذ صرخَ صرخةَ المُماصِع، فخرجَ بهِ كالبرقِ القاصع، فلم نر سوى عَجاجه، بين خروقِ فجَاجِهِ، فلما رأى إباقهُ، واصطباحَهُ في الحِيلِ واغتباقَهُ، بادرَ إلى شَقِّ مُلاءتهِ، أسفاً على شَرخ شبابِ حُضره وعُلالتهِ، ثُمَّ لم يَمْضِ قَدْرُ قَطع كراع، أو خَلع يَلْمَق قِراع، حتى أقبلَ علينا رجلٌ، أشيبُ، يضع بهُ مُهر أشهب، متأبط عُكّازَةً، فدفعَ إلينا جُزازةً، وقالَ لنا: إنّ رجلاً من البادية، عَلى فرَس وافرِ الهادية، كالنخلةِ المتهاديةِ، مرَّ بي عجلانَ، مترنحاً من المَرَح جذلانَ، فأعطانيها، وقال لي: إذا مررْتَ بأولئكَ القعودِ، مؤسسي أُسَّ السيادةِ والعُقود، فانبذِ الورقة إليهم، وأحسِنِ التحيةَ عليهم، بعد أن تُقبِّلَ لديهم السّلامَ، وتقول لهم: صاحب القاسم يُقْرِيكُمُ السَّلامَ، قال القاسم بن جريال: ففضضناها بعدَ أن فضّضناها، وقبلناها قبيلَ أن قلبناها، رجاء أن يكونَ قدِ اَنخرط في نِصاح مزاحهِ مَعْ تقاصرِ أمَدِ انتزاحهِ، إذ كُلٌّ بصارم مَكْرهِ مشطورٌ، فإذا فيها مسطور: الكامل:

بسروج أسرجتُ الصباحَ سوابحا ... من حيلتي قد تخرِقَْ الأفهاما
عاشرتُهم عندَ الغَداةِ وقد غَدَتْ ... تعدو بأدهَمَ لا يَرى الإحْجاما
سام سما السِّرحانَ أيطلُ بَطنهِ ... وحكَى السحابَ مع المَدى إقداما
حتًّى إذا انبسطوا وجالَ حديثُهم ... في صهوةِ المَزْح المُباح وحاما
قنصَتهُ كفّ الحادثاتِ بكفّتي ... لّما تسامىَ في السِّباقِ وعاما
فأمنحهُم منّى السَّلام وقُلْ لَهُمْ ... مِلْتُم فَنِلْتُم بالكلام كِلاما
فاستنجدوا بأبي زُيَيدٍ إنّهُ ... مِمَّن يراني للحِمام حِماما

قال: فلّما بهَرنا بتسجيلهِ، وأمطرنا حجارةَ سجّيلهِ، حَمَلني رَب الفَرَس إلى الوالي، في قاربِ مَدِّ دمعه المتوالي، وكنتُ لا أملِكُ مِنَ النُّضار، سوى خُمْسَي ألفٍ مع الإنظارِ، فأحلتهُ بها على الغَريم، وانسلخَتُ منها انسلاخَ صَريم الصّريم، بعد أن أعريتُ البنين، ورهنْتُ الظاهر والجنينَ، وادّرعتُ العِلَلُ والأنينَ، وضارعتُ يوسف في السجنِ، بضعَ سنينَ.

حسن خليل
25-11-10, 05:20 PM
المقامةُ السادسةُ والثلاثون السَّمنانيَّة الطبيّةُ

روى القاسمُ بنُ جريال، قالَ: ألبَّ بي إبّانَ بُدُوِّ الهياج، وسَعَةِ سَلامةِ المِنهاج، واحتمال الزِّجاج، وشَمِّ أفواهِ الزَّجاج، خيولُ وَخَم لا يخيمُ، يشيب لشربِ شَرابه الرَّشأ الرَّخيمُ، مشفوعاً بجيوش دَنف فادح، وزِناد كَمَدٍ في كَبد المكابدةِ قادح، فلمّا أرسيتُ للسَّقَم الوَبيلِ، ونسيتُ فَوح نسيم السلسبَيلِ، وجمعتُ في بُوس الجَسَدِ المريض، بين ضُرِّ المَرَض ومرارةِ التمريض جعلتُ أنظرُ في شِدَّةِ السدرِ، وأفكرُ في كَرِّ كتائب الكَدر، وأمخض وطَابَ الفِكَر، لإماطةِ سُكْر ذلك السكَرِ، عَسى أن تظفرَ يمينُ ميمنتي، بمن يُعيدُ عِيدَ مُنّتي، أو يُبيِّضُ صحائفَ تَعِلتي، حالَ حلول عرام عِلَّتي، بعد أنْ أقمتُ قريحتي مَقامَ سمسارِها، وأربابَ الجِدَةِ مكانَ تِجّارها، وطفِقتُ أطوفُ بطَرفَي المكلوم، وأعرضُ عليهم أمتعةَ العلوم، فألفيتُ إقبالَهُم كالخُشُبِ المسندةِ، وإدبارهم كالصوارم المهندة، يفضِّلون على الفِصاح الفَصيحَ، ولا يؤثرونَ على الصِّحاح، الصَّحيح فحينَ شارفتُ مشاهدةَ الحَنوط، وجدعت رجائي بحدِّ قاضبِ القُنوطِ أخذت في إصلاح ما بي، وقَطْع نِصاح طولِ اضطرابي، فإنصرم كالظلام من صباحه، والسليط من مصباحه، فحمدتُ اللهَ تعالى على ما غاضَ لديَّ، وأفاضَ من حياض التلطفِ عليَّ، ثم إنِّي شرعتُ بعدَ معاودةِ القسام، ومفارقة فِرَق فَرَف قَسام السَّقام، في تثريب قرونتي، على ما فرّطتُ أيام مُنة مؤونتي، وعظَم ماعونِ معونتي، في جَنبِ حِفْظِ صحةِ الإنسان، وحيلةِ البُرءَ وتقويم الأَبدانِ، لعلمي أنَّ علمَها شريفٌ، والاكتسابَ بها وريفٌ وريف، ولظنِّي أنَّ مَنْ فسدتْ مَعِدَتُه، لا تنفعُه عُمدتُه، ومن استحكمت ذبحتُهُ، لا تصلِحهَ مُلْحَتُهُ، ومن تنصرت جراحُهُ لا يبرئها إيضاحهُ، ومن نشبت نصوله، لا يُخرِجُها مَحصولُه، ومن تألمتْ أحشاؤهُ، لا يُنْعِشُه إنشاؤه، ومَنِ انكسرَ عظمه لا يجبرهُ نظمهُ، ومن ظهرَ بَثْرهُ، لا يسترُه نَثْرهُ، ومَنْ اضطرب عقلُهُ، لا يقنعهُ نقْلُهُ، ومن بَطَلَ جماعهُ، لا يعملُه إجماعه، ومَنْ تأكَّلَتْ أضراسُهُ، لا يسعدُهُ قياسُه، قالَ: فلمَّا استقامَ قوامُ الجسَدِ الناس، وبَرَزَ بحيرَ النَّظَر من صومعةِ الحواسِّ، وحُسِدْتُ لنتاج ولَدِ الرفاهة الرِّبعيّ، ومراجعةِ حلائل حلاوةِ النوم الطبيعي، بادرتُ لهذِه الخِيرَةِ، إلى استصحاب الذَّخيرةِ، واقتنعتُ بالإقناع، بعد كَشف القِناع، واخترتُ الجوامعَ والمختارَ، مَعْمن اصطفاهما واختارَ، عَلَّ أنْ أحظَى بطبيبٍ مُعالج، ولو بإنفاقِ عددِ رملِ عالج، لأجدِّدَ ما اخلولق من بَدني واختلَّ، وأبدِّدَ لتحصيلِه جُلَّ جُملِ ما اعظوظَم وقلَّ، فبينا أنا أطأ الهالكَ، وأقطعُ المهالك، وأحذو السالكَ، وأخترِقَ المسالكَ، ألفيتُ راكبَ شِملَّةٍ، يَمْرَحُ بينَ حُسام وألةٍ، فرجوتُ أنْ أرافقَهُ، وألتمِسَ مرافقَهُ، فمِلْتُ إليه، مسلِّماً عليهِ، وعرَّضْتُ له بموافقتي، وشكوتُ إليه ألمَ مفارقتي، فقالَ لي: كيفَ تَصْبِرُ على مرافقةِ الجانِّ، أم كيفَ تَقْدِرُ على مُواهقةِ الجَنوبِ ذي المِجانِّ، فعالِ عن نَسْج هذا الصَّفيقِ، وعليكَ بُمرافقةِ الرفيقِ الرفيق، قالَ: فلمّا تحَسّيت حازِرَ إنذارهِ، وتخشَّيتُ شدَّةَ شَرَرِ انتهارهِ، أخذتُ أتردَّدُ بينَ مُصاحبتِه والهُجوع، وأجمعُ خِلافاً لبقراطَ بين التعبِ والجوع، ولم أزلْ مع الحِسِّ الحريز والإشرافِ على تثلّم الإفريز، ألِجُ بالفِجاج، ولوجَ المُقَلِ في الحِجاج، إلى أن قتلتُ الحِرمانَ، وأهزلتُ السمانَ، وكففتُ الاستنان وحققْت بحَوذانَ المناسمةِ سَمنانَ، وحينَ بزلْتُ دَنَّ وُدِّها الدَّاني، ونزلتُ لقَطفِ ثَمَرِ لُطفها المتداني، أقبلتُ أرتقبُ حَلْقَةً ألِجُها، لا خَلِفَةً استنتجُها، وفائدةً أحصرُها، لا مائدةً أحضرُها، ولما خَلَعتُ خِلافةَ الخَوَرِ ونَبَذْتُ، واطّرحْتُ نَشْوةَ سكر السَّهر بعدما انتبذْتُ، جعلتُ أتجلَّل جوادَ مجالساتِها، أتحلل بطيبِ طيبِ مؤانساتها، وأبيتُ ببيتِ مبَرّاتها، وأدوفُ مسِكَ التَّمسّك بأمراس مسرَّاتها، وأنظر إلى رُواء رزانتها، وأسبُرُ سَبْقَ نَبْلِ نُبْلِها وزانتها، فألفيتُهم ممِّنْ ارتضعوا حبَبَ المحامدِ، وازدرعوا حَبَّاتِ المحبَّةِ في قلوبِ الأماجدِ، وعرضوا عُروضَ أعراضهم على المُشيرِ، وقبضوا بديوانِ مَشْرق الشرفِ مناشيرَ التَّباشير: البسيط:
قوم لهم سُورة في المَجْدِ جامعةٌ ... آياتِ فَخْرٍ مَدَى الأيام تُسْتَطَرُ
ما إنْ لهم أبداً في نَسْخِها أرَبٌ ... مر الدُّهور ولا في طَيِّها وَطَرُ
قال: فبينما أنا ذاتَ ليلةٍ بمجلس رَضيٍّ، مَعْ مُجالس مَرضيٍّ، ذي حَضْرةٍ حاضرة، ومُحاضرةٍ ناضرةٍ، إذا التفتَ إليَّ التفاتَ العاتبِ، ونظر نحوي نظرَ المعاتبِ، وقال لي: أراكَ غزيرَ التّقلْقُل عازماً على التنقُّلِ، كأنكَ سَبُعَةٌ مُشْبلةٌ، أو سحابةٌ مُسْبلةٌ، فاتّخذْني لسِرِّكَ خِزانةً، ولسِهام مَشورتِكَ كِنانةً، وأشركني فيما أصابك، لأدرأ أوصابكَ، وفيما هالَكَ، لأدفع أهوالكَ، فقلتُ لهُ: ليسَ بي ما يفتقرُ إلى تطول، أو يتوقَّف على إعانةِ متطوِّلٍ، ولا انطويتُ على ما يحتاجُ إلى كِتمانٍ، ويضطر إلى معاونةِ مِعْوانٍ، ولكنَّني أعرِّفُكَ ما لَهُ غَرَبْتُ، ولجرِّ جلابيبه تغرَّبْتُ، ثمَّ قلت له: اعلم أنَّني مِمَّنْ زَهِدَ في الغِيلِ، ورغبَ في الإرقالِ والتبغيل، وفارقَ النقادَ، وانقادَ للأدبِ مَعْ مَنْ انقادَ، وسايرَ الركائبَ، وبارز الكتائبَ، وجانبَ من غَمَطَ واعترَّ، وواصلَ مُنْ قَنعَ واعترَّ، حتى وُصِفت بنفاقٍ الأَلمعيَّةِ وإنفاقِ المَعمَعيّةِ، وعُرِفْتُ بينَ الرعيةِ، بهذِه اللوذعيَّةِ، وكنتُ معْ هذا الصّيتِ الصادحِ، والمثابرةِ على ثِنْي ثنايا المادح، كثيرَ المواكلِ، قليلَ التحفُظِ في المآكلِ، أبالغُ في مناهبةِ بيضةٍ، ولا أحذرُ من أذى حُمةِ هَيْضَةٍ، إلى أن صرتُ ذا جسدٍ مِمْراض، ممنو بنصال أمراض عِراض، يُعْجزُ جالينوسَ إخراجها، ويعسُرُ على اسقليبيوس إنضاجُها، أعِد فيها لمصائبِ الأوصاب، صنوفَ العصائبِ والعِصابِ فحينَ أحلولك يَقَقُ الِحيل وحالَ، واعجوجلَ وَجَلُ الَجللِ وجَالَ، جرَعْتُ ماءَ لسان حمل الجُمل فما رَدَعَ، وبلعت بنادق بزور البراعةِ فما نَقَعَ وسَرِطْتُ حَبَّ أيارج الأوارج فما اندفعَ، وسفِفْتُ سفوف سِرِّ الصناعةِ فما رجَعَ، وشربِتُ شرابَ فاكهةِ المفاكهةِ فما نَجَعَ، فعاهدتُ اللهَ أنَّهُ متى كفاني، وكفَّ بهذه الكِفَّةِ كُفوفَ أكفاني، أتركُ التغزُّلَ بدعدٍ وليلى، وأهجرُ لنَدمانِه منادمةَ أمِّ ليلى، فكمَّلَ إحسانَهُ، وقَصَّرَ أعنَّةَ السَّقَم وأرسانَهُ، وها أنا ساع إلى تحصيله وإيصالِ ضُحى محافظته بأصيلهِ، فقالَ لي: تالله لقد وردتَ إلى رُبى أربِكَ، وبردْتَ عينَ طلبِ مطلبِكَ، وفُزْتَ بنتاج ما أحبلت، وحُزْتَ حلاوة فَتح تاج الغَرَض وما أجبلْت، ولا ريب أنَّ بهذا البلدِ مَنْ يتيهُ على سُقراطهِ،ويستهلك قِنْطارُ بقُراطه، في غواربِ قيراطه، وأنا عندَهُ عينُ الوَجيهِ، وستظفرُ بما تؤمله وترتجيه، وفي غد تزورُهُ وتراهُ، وتصافحُ قدمُكَ ذُرى دَاره وذراهُ، فاقنَ لديهِ الانخضاعَ، واشكر ضَرْعَ مواظبتهِ والارتضاعَ، واعلَمْ بأن ذلكَ الإيضاعَ ما ضاع، قال الراوي: فشكرتُ وعدَهُ، وحمِدْتُ برقَ أنعامه ورعدَه، وبِت أترنَّحُ في حلل الاستماع، وأتمايَحُ من سُكْرَي سَكرنا والاجتماع، حتى كدت أطيرُ بقوادم العِقبانِ، إلى نَشْقِ نَشُوقِ فَيْض فضله واللَّبانِ، ولما نَشرَ ميتَ الانتشار، وانتشرَ جَناحُ الاستبشار، بادر مَعْ مَعْددتهِ، إلى إنجاز ريح أعجاز عِدتهِ، وذهبَ بي إلى عَطَنه، واقتادني بربقةِ لُطْفه وشَطَنِهِ، وحينَ أولجني وولَجَ، وحازَ حظِّي ذلك البلجَ وفَلَجَ، ألفيتُهُ المصريّ ذا العارفةِ، والفنونِ الوارفةِ، فقبّلتُ حَجَرَ مصاحبتهِ، وأقبلتُ على تقبيل راحتهِ، فلمَّا قمَّصني بصرَهُ، وبصُرَ بانصبابه مَنْ أبصرَهُ، بش كمن بُشِّرَ بأحبّائهِ، وتُقبّلتْ منائحُ حِبائه، وحِينَ جَلَتْ صِحابُه، وخَلَتْ رِحابه وأماطَ احتشامَهُ، وسَلَّ حُسامَ المُلَح وشامه، قالَ لي: يا بنَ جريال أَأنسيتَ مسابقة الأعْوَجيّةِ، بين ألالِكَ السَّروجيَّةِ، فقلتُ له: خلِّ ذكرَ ما أنقدَّ ولو قدَّ، ودَعْ حديثَ ما انهدَّ ولو هدَّ، وتسلَّ عمّا مضَى وقد نضا، وعد عمّا انقضى ولو قضى، فالكريمُ مَنْ عَفا ولو عفا، والحُلاحِلُ من طفا ولو انطَفا، ولما وقفَ على جليَّة مرادي، وعرَف طلوع أشعةِ أرآدي، قال لي: قسماً بمَنْ مَنَّ بالزلالِ الباردِ، ومَنَّ حَبْل الحَذَرِ عن فؤادِ الحَذِرِ الفاردِ، لقد استوكفتَ النُّغَبَ من حَبابها، والزُّبَدَ من عُبابها، وأتيت المعيشةَ من بابها، وحيثُ ترجو أن تعومَهُ ويذوقَ لسانُ إرادتِك طعومَهُ، فلأجعلنّكَ جالينوسَ الأوانِ، وأربياسيّوس دَست هذا الإوانِ، ليحسدَك كلُّ مَنْ يعيشُ، وينوشَكَ كلَّما تعيشُ المعيشُ، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ، فحمِدْتُهُ حَمْدَ منِ اعترفَ لَهُ، وشكرَ شِنْشَنَتَهُ ونبلَهُ، ثم إنِّي أخذتُ في إبعادِ كؤوسي، وإتقان دروسي، وشُكر ذلك الطّابع، والسهرِ المتتابع، إلى أنْ ضارعتُه بذلك النشب، مضارعةَ هاءِ التأنيثِ ياءَ النسبِ، وحينَ تكوثر مُجاجي، وتجوهر زُجاجي، قال لي: جَلَّ مَنْ جعلَكَ في نظام المحافظةِ نظيماً، وألبسَكَ مهابةً وتعظيماً، وعلَّمَكَ ما لم تكنْ تعلم وكانَ فضلُ اللهِ عليكَ عظيماً، فعندما طمَّني ذلك المزيدُ، ودعاني يزيد يوم بالزّبدِ يزيد، ترفقْتُ بعَودي فشحَّ، بعد أنْ شَجَّ جبين تصبُّرهَ فسحَّ، ثم إني سألته فاستجابَ، وجذَّذَ جِلبابَ مخالفتِه والحِجابَ، ولمّا قضى أرب جلْدَةِ الحركةِ إذ أحِكَّت، وفَصَل فِصالَ مواصلته بعدما امتكَّتْ، وحَسَمَ حبالَ محالفته من حيثُ ركَّتْ، نهضتُ إلى أشطانِ الإقامة فجذذتُها وبسطتُ له أناملَ المسألةِ ومددتُها، وسألتُه بأن يزوِّدَني، بوصيةٍ يتبلّجُ لها سراطي، ويعِف عند أرْي سأبِ اكتسابها استراطي، فلما سَمِعَ، ذلكَ المقالَ، اقتربَ منِّي وقالَ: الطويل:تعيشُ المعيشُ، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ، فحمِدْتُهُ حَمْدَ منِ اعترفَ لَهُ، وشكرَ شِنْشَنَتَهُ ونبلَهُ، ثم إنِّي أخذتُ في إبعادِ كؤوسي، وإتقان دروسي، وشُكر ذلك الطّابع، والسهرِ المتتابع، إلى أنْ ضارعتُه بذلك النشب، مضارعةَ هاءِ التأنيثِ ياءَ النسبِ، وحينَ تكوثر مُجاجي، وتجوهر زُجاجي، قال لي: جَلَّ مَنْ جعلَكَ في نظام المحافظةِ نظيماً، وألبسَكَ مهابةً وتعظيماً، وعلَّمَكَ ما لم تكنْ تعلم وكانَ فضلُ اللهِ عليكَ عظيماً، فعندما طمَّني ذلك المزيدُ، ودعاني يزيد يوم بالزّبدِ يزيد، ترفقْتُ بعَودي فشحَّ، بعد أنْ شَجَّ جبين تصبُّرهَ فسحَّ، ثم إني سألته فاستجابَ، وجذَّذَ جِلبابَ مخالفتِه والحِجابَ، ولمّا قضى أرب جلْدَةِ الحركةِ إذ أحِكَّت، وفَصَل فِصالَ مواصلته بعدما امتكَّتْ، وحَسَمَ حبالَ محالفته من حيثُ ركَّتْ، نهضتُ إلى أشطانِ الإقامة فجذذتُها وبسطتُ له أناملَ المسألةِ ومددتُها، وسألتُه بأن يزوِّدَني، بوصيةٍ يتبلّجُ لها سراطي، ويعِف عند أرْي سأبِ اكتسابها استراطي، فلما سَمِعَ، ذلكَ المقالَ، اقتربَ منِّي وقالَ: الطويل:

عليك رعاكَ اللهُ بالدينِ والتقى ... فليسَ أخو أمِنِ كمن باتَ يتقى
ولا تفضح المرضَى وقد بِتَّ خازِناً ... لأسرارِها والطبُّ بالفَضْح ما ارتقى
ولا ترفع الإلحاظَ في دار مَنْ لَهُ ... إلى طِبِّك المختار مَيْلٌ فتتّقى
ولا ترُج في الدنيا على الطبِ نائلاً ... وكُنْ واثقاً فالرزقُ آتٍ مَدَى البقا
ولا تمنع المسكينَ ظُلماً وتنثني ... إلىِّ كل جَبَّارِ جَنى المجد طَلَّقا
وكن في شديدِ البأس للناس رحمةً ... أعفَّ نطاسيٍّ يرى الفسْقَ موبقا
ولا تُعطِ في الداءٍ الدواء ولم تكنْ ... بإحكامه حَبْراً حكيماً محققا
فهذا الذي وصَّيتُ أوصي بمثلهِ ... أبقراطُ إذ أضحى لذا الشأوِ مَشْرِقا
قال: فلمّا وعيتُ من وصيتِه ما وعيتُ، وأوعيتُ من دُرَرِ درايته ما أوعيتُ، بكيتُ لفراقِهِ ما بكيتُ، وحكيتُ من حِكمََ محكماتِه ما حكيتُ.

حسن خليل
28-11-10, 06:17 PM
المقامةُ السابعةُ والثلاثونَ البُزاعيّة

حكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: أيقنتُ غِبَّ غلَب الجهالةِ، والنزولِ بمهمهِ هذهِ الهالةِ، ومناجاةِ النحولِ، ومفاجأةِ النُّوبِ الحُولِ، ومشاركةِ الشقاشق، ومشابكة الأشَر الراشقَ، أنَّ ثمارَ الشَّرَف أشرفُ ثمار والتقاط الطُرَف أطرَفُ نثارٍ، واستماعَ الجَهَلِ أفضحُ عُوارِ، وادِّراع الكسَلِ أقبحُ شِعارٍ وعارٍ، فجعلتُ أهيمُ هَيَمانَ المُراهقِ، وأعومُ عوْمَ المُواهق، وأسهب في اعتلاءِ الشاهق وأطنِب في اجتلاءِ النّخب الشواهقِ، فبيَنا أنا أجوب جَوْبَ الوَقور، وأمور خوْفَ العَقورِ، بأخامص التَّيقور، ألفيتُ وأنا على أضالع النَّاب، بَيْنَ مزَارع بزاعة والباب، ركباً يَضع وضعَ الجنائبِ، بَأزمّةِ النجائبِ، ويَخضع لوطئِه صُم الصَّخْرِ الراسب، بينَ السَّباسب، فسلّمتُ عليهم سَلاَم مَنْ ظَفِرَ بنَدىً، أو وجدَ على نارِ طُورِ مطْلَبَهِ هُدىً، فحينَ بصرُوا بأثقالي، وشكرُوا مواقعَ أرقالي، قالوا لي: حييت يا أخا الفَدافَدِ، والسَّيْر المُخافِدِ، فَمِنْ أيِّ المَشارقِ طُلوعُكَ، وبأيِّ المَغاربِ تحطُّ قُلوعُكَ، وما الذَي تَتَوخى بجَذْبِ سِفاركَ، مَعْ مُلازمةِ أسفارِك، فقلتُ لَهُم: أمّا مَسْقِطُ لِبدتي فبابُ جيْرونَ بلدتي، وأما مالَ إسراعي، واعتقالُ رماح المَرَح وإشراعِي، فإلى بَلْدَةٍ أضعُ بها بَلْدَة هَذهِ الرَّكوبةِ، وأرضعُ كؤوسَ أكوابِ التفقة المَسْكوبةِ، وها أنا ما بَيْنَ سَيْرِ وسُهاد، ووَطءِ هَوادٍ ووهادٍ، عًلّ أنْ يظفِرَ إسآدَي، بمَنْ يظفِّرُني بُمرادي، أو يُثِمِرُ رُقادِي، لأعْطِف عِطْفَ التّعَطّفِ على نِقادِي، فقالوا: يا لهذَا العُجاب، وضَيْعَةِ ضَيْعَةِ هذا الجوابِ، أتشكو وَيْكَ شِدَّةِ الصَّدَى، ومُمارسة الرَدى، وأنتَ بالقُرْبِ من ذَوي الشّراةِ، والبَحْر الفُراتِ، ثُمَّ أومأ إلى بَلْدةٍ كثيرةِ الاشتغالِ، قليلةِ المِغَال، ضَيّقَةِ الوَجَارِ، جَزيلةِ الأحجارِ، وقالوا لي: يا هذا إنْ كنتَ صادقاً في مقالكَ، واثقاً من مُدَاومةِ إرقالكَ، فعليكَ بالوقوفِ عليها، وليَ ليتِ هامةِ اهتمامك إليها، لتعودَ سِباخُ فهْمِك مزروعة، وسرر أسرة سُروركَ مرفوعة، فإنْ أنتَ سَبَرْتَ أرْىَ هذهِ الخَلّيةِ المُشتارةِ، وتدبَّرتَ صُحُفَ صحة هذهِ الإشارةِ، حَمِدْتَ عاقبةَ إسراعِك، وفارقْتَ ضُروبَ مَضَضِ إيضاعِك، قالَ: فلما سعَيْتُ لمَقالِهم، وأثنيتُ على صفاءِ قالِهم، ونَظَرْتُ في مرآةِ التدبيرْ، ورشفْتُ شِهادَ إرشادهم بالكأس الكبيرِ، امتطيتُ الثّلوثَ وأرخيتُ الزِّمامُ المُثلوثَ، ثم مِلْتُ إلى التّرحالِ، ومواصلةِ الارتحالِ، ميلَ الكليتين إلى الطِّحالِ، ولم أزلْ ما بينَ شِقِّ تبغيل، وشَقّ غِيْلِ بعدَ غِيْلِ، وخَوْض بِرْغيل أمام بِرْغيلِ، أذيبُ بنَارِ السَّموم سنامَها، وأتركُ الرِّقْدة لمَنْ نامها، إلى أنْ أتيْتُ بدَّايةَ، وأضويتُ الجِنجَنَ والدايةَ، فواللهِ ما نَضبَ اضطرابُ الأرجاب، ولا خَضَبَ ذوائبَ الغَزالةِ حنَّاءُ الحجَابِ، أو وَلَجْتُها ولوجَ من ضَمَّرَ الآطالَ، وقصَّرَ سِرْبالَ بُوسهِ بَعْدَ ما طالَ، وبَيْنا أنا أتخيّرُ مبيتي، وأعْطِفُ لتحصيل عَلَفِ العيْرانةِ ليتي، ألفيتُ الهِزَبْرَ الِهبرزي، أبا نصر المِصريَّ، فحَيَّاني تحيةَ المُلتاح، وألقَى إليَّ ساعدَ مفتاح حَرَمهِ المُمتاح، ثمَّ قالَ لي: إلامَ تعيشُ عَيْش الأجُراءِ، وترغبُ عن مناظرةِ النُّظراء ويُصافحُ عُنُقُكَ نِجادَكَ وعَنقك أنجادكَ فقلتُ لَهُ: إلى أنْ يَنْصُلَ هذا الخِضابُ، ويجتمِعَ النّينانُ والضِّبابُ، فانثنى بي إلى مثَواهُ، وثَنَى جيدَ جَدِّ الجَدَد هيلمةُ هَواهُ، ثم قالَ لي: قَدْ رفَضْتُ لِكلالكَ السَّمرَ، وإنْ غَلَبُ السَّهرُ وقَمرَ، لعلمي أن لَيْثَ نَوْمكَ قدْ هَمَرَ، وغَيْثَ تَهْويمك قد انهمر، فَنَمْ آمِناً مِنْ نَفاقِ نفقتكَ، ونُفوق ناقتك، فأنَّهما في أماني، وبَيْنَ ظَهرانَي أعُبدي وغلماني، قال فأسلتُ لسِلمه سَليلَي وأملْتُ خَوْفَ سَلمهِ تَليلي، ثم إنّهُ أمرَ بإحضارِ زادِه، واقتداح زِنادهِ، وشىِّ شَائهِ، وإلحاق دَلْو جُودهِ برشائه، ولمّا نَزَعْنا النِّزاعَ، وحَلَّت سيولُ سلمِنا الأجزاعَ، أحلَّني من ظلًّه المَمدودِ، ورطْبِ مفاكهتهِ المَحْشُوِّ بالدُّودِ، فيما ألهاني برصْفه النّاصع، عن طِيْب أوتار المَناصع، ثُمَّ قالَ لي إنّي لأكرَهُ هَمْهَمْةَ اهتمامك وأعجب لملازمة زمم زمامك، وأنا راج بأن يزول رهبك، ويبوخ لهبك، فإلى أين مذهبك، وبأي المذاهب ذهب ذهبك، فقلت له: أما ذهاب ذهبي، ففي توقد لهبي، وأما غاية مذهبي فإلى حيثُ أتقن مذهبي، فقالَ لي: تالله لقد استريت ثروة ثوابك، وامتطيت صهوة صوابك، وجَريْتَ إلى الغاية وما ونيت، وحويت أعنّة المعاني وما وَهَيْتَ، وحفرتَ بئارَ الغرض وما أكديتَ، وأصبْتَ إذ نصبت هذهِ الكِفةَ فاكتفيْتَ، لتفخر بفنونِكَ الحِسَانِ، وتجمعَ بينَ القَبَاءِ والطيلسانِ، ومّعَ هذا الرأي الرزينِ، ووجْهِ هذهِ الوجهة الحَسَنِ التَّزيين، فمِنْ أينَ تروُم تحصيلهُ، وتَّضُمّ إلى حَبِّ هذي المحبةِ قصيلَهُ، وتَزُمّ إلى حِقِّ هذه الحركة فصيلَهُ، فذكرتُ لَهُ البلدةَ التي نَصَّ الركب عليها، وأشار بالتوجُّهِ إلى إليها، فالتفتَ إلي التفاتَ منْ رمُي ببُهتان، أو كُلّفَ كفَّ كَفّ تَّهْتان، ثم فَحَّ فَحيحَ العرْبَدِّ، وزمَجَرَ زَمْجَرةَ السِّلغَدِّ، وقال لي: قَسَماَّ بمَنْ دَبَّرَ أحكامَ الفُرقانِ، وقَدَّرَ التحامَ الأذقان، لقد كنتُ أراكَ ذا عقلٍ وارف، وفَضْل مُتضاعف، وحَزْم مستثير وفهمٍ كثيرٍ بثير، أو ما بلَغَك أنَّ بها منْ يَميلُ عن الأتَيّ، ويتعظَّم تعظّمُ الملك الأبيّ، ويتبجَّحُ بحَطِّ حقوقِ الجَحاجح، ويهرأ لقَنْص نَقْصهِ بالفصيح الراجح، ويتثَبّتُ لنَحْتِ الأصولِ العَليّةِ، تشبُّثَ أقْطيقُوسَ بالأعضاءِ الأصليّةِ، ومتى حلَلْت بَحَوْمةِ هذا الانهمارِ، ألفيتُهم مَعْ خِبْثَةِ خَاثر دِخْلتِهم والسِّمارِ، سَواسية كأسنانِ الحمارِ ما بهرَبهم ذو براعةٍ، ولاَ اَشتهر لهم أخو شَجاعةٍ، ولا طفح لهم مسيلُ وادٍ، ولا عَرِقَ لَهُم في جهادٍ، مُذ مَرَّ أذُن جوادٍ، وسَلْ يَوْمَ بها نُنيخُ تَنْطِقْ بصحة ما قُلتهُ التواريخُ، فارجعْ فأنا بهم عَيْنُ الخَبيرِ، وحَذارِ من نزولِ هذهِ البِيْرِ، وتَمْر اقترنَ بإبر هذي الزَّنابيرِ، ثم إنهُ سَفّهَ ذلكَ المَقال، وأشارَ بأناملهِ وقال: الطويل:طِقْ بصحة ما قُلتهُ التواريخُ، فارجعْ فأنا بهم عَيْنُ الخَبيرِ، وحَذارِ من نزولِ هذهِ البِيْرِ، وتَمْر اقترنَ بإبر هذي الزَّنابيرِ، ثم إنهُ سَفّهَ ذلكَ المَقال، وأشارَ بأناملهِ وقال: الطويل:

ألا إنَّ عيشَ الحُرِّ بينَ الأراقم ... أحَبُّ وصالاً مِنْ وصالِ المُصارم
وأهْوَنُ مِنْ هُون الهُمام ووَهْنهَ ... مُصافحة الأعناقِ بِيْضَ الصَّوارم
وأصعَبُ مِن كَوْرِ الكُروبِ وحَورِها ... محاورةٌ تُؤذي قُلوبَ الأكارِمَ
وأفظع مِنْ ضَرْبِ النُّحورِ وأسْرها ... مجاورة تؤذي رجالَ المكارم
فتُبّاً لِذمْرِ باتَ في الذّلِ رافلاَ ... يَجُرُّ رداءَ الهَمِّ بينَ الزَّراقمَ
وسحُقاً لمنْ يَهْوي المُقَامَ ببلدةٍ ... يَرَى الرِّزَقَ فيها في شُدوقِ الأراقم
فما ذاك إلا طالب فظ ضامرٍ ... ضَليع لدى لَيْثٍ ضَليع ضبارم
يُزاحِمهُ حِرْصاً على عَلِّ فَظِّه ... فَيهوي صريعاً بينَ ضَبْعَى الضبارِمَ
فويلٌ لمن أضحَى حَليفَ معُاندٍ ... ولو باتَ تَحميهِ صدورُ السَلاجِم
وويحٌ لحُرٍّ حَالَف الحُرَّ حُرُّهُ ... وحَقَّقَ أنّ الحُرَّ حامي المحاجِم
وويب لمفْضال يبيتُ مُزَاحَماً ... ويُمسْي بذّياكَ المَحَلِّ المُزاحِم
ووٌيس لمسكين يُساقُ سَفَاهةً ... إلى سُوق فسّاق حُسُول أساحم
وتعساً لمنْ لاهت عليهِ مذلَّةٌ ... تعانِقُها العِقبان فوقَ الغَمائِم
فلا خيرَ في رَبْعٍ تَظَلُّ نعالهُ ... بأقدام أهْلِ العِيِّ فَوْقَ العَمائم
فلا تَرُجُ من جِنِّ التّعدِّي فاقَةً ... وبادِرْ إلى التأخير خَيْر التمائِم
فأفٍّ لفذٍّ صَيَّرَ السَّيْرَ سُلّماً ... إلى كلِّ يقْظان الفَظاظةِ نائم
وتف لمغرورٍ بأزهارِ دِمْنَةٍ ... يُنادمُهُ فيها رَجيعُ البَهائم
فإن كنتَ ذا رأي فقوضْ مقُهقَرا ... تَعِشْ في محًلٍّ راجح غيْرَ هائم
وإنْ كنتَ ذا عَزْم عَلَى الحَثِّ جازماً ... فكُنْ بينَهم ما دُمْتَ عَينَ المُسالم
وأعلم لو أيِّدْتَ بالقُبِّ والقَنَا ... لما أبْتَ إلاّ سادِماً غيرَ سالم

قال: فلمّا قَطعً قَرْنَ أبياتهِ، ورَدَعَ أضواءَ أياةِ آياتهِ، قلتُ لَهُ: أفَكّلهم يفئونَ لهذا الضَّلال، ويتفيّئون يَحموم هذِي الظِّلالَ، فقالَ: لا ومَنْ سخّرَ الأفلاكَ، وقدّرَ رزقَك وفَلاكَ، بلْ بَها الحَلاحلُ، ومَن لفَضْلِه تُقطَعُ المراحلُ، وبها الأفاضلُ والتَّناضُلُ، ومَن له المُناضلُ ينُاضلُ وبها التناثلُ والناثلُ، ومَنْ له الأماثلُ لا تُماثل: الكامل.

فهمُ البدورُ إذا البدور تَكّورَتْ ... وهمُ الدُّرورُ إذا الدَّرورُ ترنَّقا
وهمُ البحورُ إذا البحورُ تكدَّرت ... وهمُ الحُبورُ إذا الحُبورُ تفَّرقَا
وهمُ الثُّغورُ إذا الثغورُ تهدَّمَتْ ... وهمُ السُرور إذا السرورُ تَمَزَّقَا

قال الراوي: فلمّا جَفَّ جُف ذلكَ الواسقِ، وانكفَ كَفّ ذيّالك الخاسق، قلتُ له: أنا مِمَّنْ يَحْملُ بُكاءَ المَطَر، لانتظارِ ضَحِكَ الزَّهَر، ويدخل تحتَ عبءٍ هذا الحَذَرِ، لعَلِّ عُبابِ هذا النَّهَرِ، فهل لكَ في المرافقةِ إليهَا، وخَلْع خِلَع هذهِ المُصاحبةِ عليها، فقال اذهَبْ رُزْقتَ منَ القَبولِ أجَلّهُ، وطيبِ نَسيم هذِي المسايرةِ أحلَّهُ، ولا تولني سَح إلحاحِكَ وطَلَّهُ، واتركني تركَ ظُبِيّ ظِلّهُ فحينَ قَنْطِتُ من مصاحبتهِ، وعلمتُ أنْ لا طمعَ في معاقرتهِ، استنهضتُ ولَدَهُ، لنصرٍ جرَّتي، وثقب بِلج نجوم مجرَّتي، فقال لي: الآنَ وقعتُ في حِبالتك، وتبعتُ جَرّ جرير حيلَتِكَ، وها أنا قَدِ امتريتُ مُرَّ أمركَ بَعْدَ المَناهي، وخَلَعْتُ بَيْعةَ الإباءَ المُباهي، فستذكرون ما أقولُ لكم وأفوِّضُ أمري إلى الله، ثم إنَّهُ أخذَ في المسير، بَعد بُعْد انقيادِهٍ العَسير، إلى أنْ رضخْنا بحُسنِ الاتفاقِ، وأنخنَا بها كَلاكَل النِّياق، ولمّا مالَ ابنهُ لمَا أمّلَهُ، واَسترألَ لتحصيل ما تأمّلَهُ، واندرأتْ فوائدُهُ تنثالُ، ووجبَ لأوامرهِ الامتثالُ، وضُربَتْ بفضْلِه الأمثالُ، رَضِعْنا مرارةَ أليمِها وطعِمْنا حرارةَ مُليمها، وسمِعْنا من نَجاسةِ وخَيمها ما يَشْهَدُ بخَساسةِ خيمها، فأبرقَ لذلك وأرعدَ، وسَحَّ مُسْبِلُ حُرَقِهِ وأرعدَ، وحَرَّقَ آرِمَه وشدَّدَ، وخرَّقَ صيدارَ تصبُّرهِ وأنشدَ: الكامل.

ساعِدْ سَليلَك إنْ سَقَط ... بَيْنَ الأسافِل والسَّقَطْ
واحرسْ حِمَاهُ ولا تكُنْ ... ممَّنْ يذِلُّ إذا قنط
واركبْ ليوم قتالهِ ... قُبّاً تَشُن إذا هبط
وكُنِ الرَّبيط فإنّما ... يحمي الحقيقةَ مِنْ رَبط
وابغ الكفاحَ لنَصْرهِ ... إنْ شاط ظلماً بالشطط
وذَرِ الظُّلامَةَ هَلْ تَرَى ... نالَ السَّلامةَ منْ سَقَطْ
ودَع الطِّماحَ فما نَرَى ... دَعَّ المطَامع مَنْ سَقَط
فأحفظ فديتُكَ حِكْمةً ... تُربي على دُرِّ السَّفَط
لولا التكرُّم والنُّهي ... حسَدَ المُفضّلَ مَنْ غبط
فالفذ مَنْ وَجَدَ العُلى ... سلْكاً يسُوِّدُ فانخرطْ

ثم إنَه تخمّطَ في غَضَبهِ ورَفَلَ، وتقمط بحمالةِ غَضَبهِ وقَفلَ، وقَدَعني وأفَلَ، وودَعَني بها ومَا احتفلَ.

حسن خليل
28-11-10, 06:21 PM
المقامةُ الثامنةُ والثلاثونُ المَوْصليَّةُ

حدَّثَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: لمَّا احتنكْتني يَدُ الانبعاثِ، واستهوتْني شَياطينُ الرعاثِ، وأنساني حُبُّ الأَثاثِ، لَذاذةَ الحِثاثِ، وأغراني طَلَبُ الإحراثِ، لإثارةِ الاحتراثِ، كَلفْتُ بمُقاناة الأقلام، ومُعاطاةِ الأعلام، ومُكاسرةِ الكُتّابِ، ومُعاقرةِ الزَبربَ المُرتابِ، فلم أزلْ أتًّشِحُ بوشاح المنافع، واطَّرحُ معرفة الخافض والرافع، حتى ضمَّني نِمْنمة هذي الرَّباوة، وَزمَّني زمزمةُ هذي الشَّقاوةِ، إلى مُراودةِ الرُّودِ، والتَّخلّقِ بأخلاقِ ذي الجَمل الشَّروب، فما نزلتُ عَنْ هذِه الزَّفوفِ، إلاَّ عند مناهزة سِنِّ الوقوفِ، وما خلعتُ خِلافةَ الخفوفِ، إلاَّ عند سَحق استبرق الشرهِ والشَّفوفِ، فحينَ فارقَ فَمَ الفكرة قبحُ هذا القُلاع، وانتشرَ نَشْرُ إنابِ الإنابةِ والإقلاع، وقلَّ عِبءُ ذلك الأَوْقِ، وجلَّ عنُق عَمْروِ عبارتي عن الطَّوقِ، ملتُ ميلَ النجوم، لذلك الجموم، واحتملتُ مكابدةَ العُلكوم، لاكتسابِ الأدب المركوم، إلى أنْ رفضتُ الجَهْلَ رفضَ السقيم بأسَهُ، والقَسيمَ التباسَهُ، فلمّا تذكّرتُ ما تذكّرتُ، وشكرْتُ على ما تدبَّرتُ، أقبلتَ مَعْ مقاطعةِ المُسْطار، ومصاحبةِ الأسطارِ، أطورُ بالأقطار واحداً بينَ وُحْدان المَحامد والقِطار، فبينما أنا أرتضعُ عُقارَ التَّناهُدِ، وأفترعُ عُذْرَ هذه الناهد، إذْ رمَتْني نَشْوةُ هذهِ الأَراءِ، بَعْدَ مُباعدةِ الِمراءِ، مَعْ جماعةٍ من الأدباء إلى المَوْصل الحدْباءِ، فوردْتُها وأنا من مُفارقةِ الصِّحاب، ومحاربةِ الانتحابِ، باكٍ غيرُ متباكٍ، وبطلبِ الزُّبَدِ كاس لا باحتساء كاس، مُنقَّباً عن أعلامهِ، مُنكِّباً عن مِيمَى اللَمِم ولامهِ، فحينَ حلت عن حَببي، وحُلْتُ في متن ما أنْسى سُرَى خَببي: البسيط:

طَفِقْتُ أطْرِفُ طَرْفي مِنْ طرائِفها ... وأَصطفي خالصَ الإخوانِ ذي النُّخَبِ
وأشكرُ الدَّهرَ والأيامَ إذْ وَخَدتْ ... بِيَ النَّجائبُ نَحْوَ السَّادةِ النُجُبِ

قال: فجعلْتُ أسحُ بين المسارح، وأصولُ في صَهْوةِ ذلكَ القارح، وأحْمَدُ وخْدَ هاتيكَ المَطارح، حتى رُميتُ إلى مَحْفل يُعافُ عندَهُ قُسُّ البراعةِ ويناف، وتطاف فيه لطائمُ المباحثة وتُسافُ، فَنَشَبْتُ في ذلكَ الإكليل، بالكَلِم الكَليلِ، ونُسِبْتُ في ذاكَ النَّقيلِ، إلى قصر القيلِ، فما بَرحوا يَسْرحُونَ بِبَرِّ الجَدَلِ ويَمرحونَ، ويَسْبحونَ ببَحْرِ حلوِ المُلَح ويمتحونَ، إلى أنْ اتَّصل بذلكَ القراع، ذِكرُ صناعةِ الرِّقاع، التي أسْهَرتِ الحَيْص بَيْصَ، فوقعوا لِوَقع السَّدَرِ في مصايدِ حَيصَ بيصَ فقال قائلٌ: تاللهِ لَقَدِ اقتادَ بكفِّ فكرته أجيادَ الإجادةِ، وانقادَ لقدِّ مقدرته جيدُ أجنادِ هذه الإفادةِ، وقالَ قائلٌ: إنَّ وإنَّهُ حَلَبَ براحةِ قريحته أثداء البدائع، وأذابَ أفئدة أضداده بذَوب ضَرَب إبداعه الذائع، وقالَ قائل: إيْ وربِّ الكعبة، ومذلَلِ الصياصي الصّعبة، ولذلكَ أمعنَ بطلب بعقوبا، وضارعَ بانسحابِ جَللِ أحزانه بعقوبا، قال الراوي: وكنتُ حينَ أخذْتُ مكاني في المكانِ، وعُمْتُ خَلْفَ سَيْبِ سُكانِ تلك السادةِ السُّكّانِ، لحظتُ شيخاً مَسْدولَ الحاجبينِ، توذِنُ بغروبهِ غِربانُ البَيْني، يترجمُ تُرجمانُ جُفونه، عن جزالةِ فنونِه، وينبئ ابيضاضُ عًثنونه، بإسراع عساكر مُنونه، فلمّا عَرَفَ ما عرَفَ، ووقفَ بما وقَفَ وثَبَ وثوبَ العَنْكَبوت، وأومأ إلي بالسكوت، فألفيتهُ الدَبيب النافثَ، والعَنْدليبَ المُنافثَ، أبا نصر العَقوقَ، معلِّم قاضي البهائم العُقوقَ فطِبْتُ نفساً بقدومه، وضَمَمْتُ مِنْشارَ شِدةِ الفَرَح إلى قدومه، ثم إنَّه حَسْبَلَ وبرشم، وسبحل وجرشم، وقالَ: يا أولي الأواصر الباصرة، والعناصر الناصرة، أتبالغونَ غاية المُبالغةِ، وتُلغونَ ذا البلاغة البالغةِ، تُبًّا لِمَنْ يَمْتَهنُ النّزيلَ، ويَسْتَسْمِنُ الهِزيلَ، ثم أشار بيده إلي، وقال: ادْن لديّ، بحياةِ عيني، وأمْلِ عليهم من ضُروب رقاعِكَ، ما يعطرُ نواحي بقاعك، كي لا تَفتخر بعدَها بالرفاتِ، وتحتقرَ فِقرَ الكفاةِ، فقلتُ له: أتستنجدُ بالجدْجُدِ على السباع، وترومُ جرَّ المجرةِ بيدِ القصير الباع، وتستمطرُ عرمض معينه، ويغلث غث رث اختراعه بسمينه، فكيفَ تُقْدمُ على الأسود الشاءُ ويُقدمُ على الحِجاج الخشاءُ، أم كيفَ يُستسقى صاحبُ البَغَر، ويُرامُ سدُ الثّغر، بمخالبِ النُّغَر، أو ما سمِعْتَ المثل بينَ الورى، أطرِقْ كرا، إن النعام في القرى، فأبرُزْ بسيبكَ الرابي على الذّرى، فكلُّ الصيدِ في جَوفِ الفَرا، فقال لي: أما تعلمُ أنَّني مِمَن يثرُدُ لجياعه، ولا يَسْكبُ إلاَّ عندَ طَلَبِ انتجاعه فإن استوكفوني وكَفْتُ، وإن استوقفوني وقفْتُ، فقال بَعْضُ مَنْ حضرَه وقدِ استباح من ظَنَه ما حَظَرَهُ يا ذا إنْ فَرَيت بريحك شراعي ورَعيتَ أنُفَ هذي المراعي، علمنا أنَّك النَّضيرُ السَّامِقُ والأخيرُ السابقُ، والمُستمِدُّ من عطْرِ ريح هذا النافح، كاستمدادِ السَّبْسَبِ من سَيْب السَّحاب السافح، وقد كنتُ هَمَمْتُ عند ادّعائك، على كَشْفِ وعائك، وكَسْر يراعِكَ، لو لم أراعكَ، فانظرْ إلى مصيرِكَ، واسْترْ معاصمَ تقصيرك، فالأريبُ من اشتغل بغَوايته، وحَجَبَ وجه غادة غباوته، وعَلِمَ أنَّ لُبْسَ صَموتِ الصُّموتِ أسلمُ، ومَنْ تسنّمَ مَراقي هذه السلَّم قلَّما يَسْلَمُ، وأنت بقرونتِك أعلم، وإيَّاكَ وادِّعاءَ ما لا تعْلَمُ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فرمقَهُ بعدَ سائرهم، وقَدْ سَبَرَ نُطْقَ خَضلهم وبائرهم، وقالَ لَهُ: تاللهِ لقد سألتَ السَّلاسلَ النِّصاحَ، والبحر الزاخرَ الضَّحْضاح، والصارمَ الجراح، والضبارمَ الاجتراح، ثُمَّ إنًّهُ مالَ إلى اليَراع، لقَطعْ النِّزاع، وصال على الرِّقاع، لنثْر الرِّقاع، فحينَ أحكم ما اجترحَ، وتحكَّم فيما اقترح، حملقَ نحوَهُم حَمْلقةَ الضِّرغام، المعفِّر أنفَ الفريسةِ بالرَّغام، وقالَ: دونَكُم وما تَظَنّيتموهُ فضولا، فإنّه أفصحُ فُصولا، وأكملُ حُصُولا، وهذه الرقعةُ.

الأولى
لم أرجُ يَمَ يُمْنِ العواطفِ العصاميةِ، وانحُ وصيدَ المواقف الإماميَّةِ، إلاَّ بقلاص مدح حثها سائقُ أملِ استنجعَ من غمائم الكَرَم، صَوْب هَتُونِ اندفق من غمائم النعم، راجياً أنْ يطبِّقَ بُطنانَ بطاح عِزِّه الذي انقرضَ، متوخيًّا عمارة عِزٍّ انهدمَ بمعْول مَتْربتهِ وانتقضَ، لا انصرمَ ظِلّها ولا انقبضَ، ولا انجزَم فِعْلُ أمْرِها ولا أنخفضَ.

الثانية
إنّ أمامَ أيْنُق الثَّناءِ، ويَمْنَةَ مَيْسَرَة السَّناءِ، قائدَ رجاءٍ نَزَع سِرْبالَ سَدَم نَهكَ أعضاءَ أدبه فأضواه، وفارسَ أمْلٍ أشرعَ عاملَ عزمهِ لقَتْلِ قُنوطِ مَطْلبه فأصماه، ومداعسَ عزيمة أسرع لطعن كبِدِ التردُّدِ فأرداهُ، والأجدر بالجَنَاب العالي، والعِزْم الرابي على العوالي، إناخة رِكابِ احتملَتْ دُرَّ بَحْرِ صَدْرِ نُمِّق بحالك حِبْر حَبر عُرض على خَيْرِ وتر مَنحَ مِنَحَ حكمه حُسْنَ السَّنا، واستثمرَ من مطائب إعطائهِ طيب الجنى، وشَرَى بَعْدَ دعِّ ضُرِّ الضّنا، بسوق مُدَّاح حَضْرته حُلْوَ المديح اللّذْ عنا.

الثالثة
لمّا ارتدَى مُصلَي حَلْبةِ الأَدبِ بَعْدَ مُجلِّيه، رداءَ حرمان رَفَلَ كُلٌّ منهما فيه، ظَهَرَ مِنْ سيلِ غَضَب المُسلِّي ما يُعجزُ طُوفانُ طافيه، فاستخرج قلمُ دُويِّ الحِكَم، دُرَرَ الكَلَم، من غَوص بحارِ فيهِ، وحينَ فاقا فِلْقَ كل نافثٍ وضاقا بالنجهِ ذَرْعاً عززْناهما بثالث.

الرابعة
لم أقصد إلا بصِدْقِ ولاء ملأَ البَراحَ، وصْفاَ فساح وعطر ثناءٍ ضَوع الضرّاح عَرْفاً ففاحَ، وشيمِ غَمام وَدَقَ انسكابُه فأفاح الفلاح، وخُلوص طَويةِ زَخرَ حُسنُ ظنها ففاضَ، نكوصً ياس انكسرَ ساقُ مسابقةِ أمله وإنهاضَ، والإيالة الشريفة، والولاية الوريفة، أولى بهَطل النّدَى وأندى، ورأيها العلي السني أسْمى وأسْدى.


يتبع

حسن خليل
28-11-10, 06:23 PM
يتبع المقامة الثامنة والثلاثون الموصلية

الخامسة
ما بالُ رَنْدةِ يَدِ الطالب، عز نِتاجُها وانطمسَ سراط طِيبِ المطالبِ فاقمطر رتاجُها، وتَقَلصتْ بيداءُ المآربِ فضاقتْ فِجاجها، فعلامَ أدَع عن حياض الرغائبِ، وأدرأ عن بياض وجوه المواهب، وأنْتَ مِعْوان المَعاركِ، وعَنان الجَدب العاركِ، وغياثُ الآملِ، وثِمالُ الأراملِ، فعجل بدَرِّكَ الطمِّ، وبَرّكَ الرم، وجودِكَ اليَمَ، وجَوْدك الخِضَم، فَقَدِ انتجع مَنْ أصبح بنخَبهِ محبوباً، بباب لُباب خلائفِ الخلافة بعقوبا، ولو نَثرَ مِنْ نثار هذا المَددِ لديهِ، وَجَبَ تسليمُ زمام راس العراقين عليه إليه، فرام من الطافح الطافحَ الماتحً، وقَنعَ لِحَدَب مَطَا الأزمنة بالناقص الراجح، فَرمْت بالفرائدِ المكنونة، والقلائدِ المصونة، مِنْ منائح الكَرَم قرية الجصلونة، فأنت اسمح باذل، وأرجح صائل، وأنا أصفحُ سائل، وأفْصَحُ قائل.

السادسة
إلام تشام سحائبُ اليأس، وتسامُ ركائبُ الكُرَب في سباسب الوَسواس، وترمى كنانة خضر الرَجاءِ، وتدمى أفئِدة الفكر بينَ المدائح والهجاء، وأرفل في مطارفِ الهَوان، وأرقلُ بأيانق الطمع في مهامه الامتهان، والأحسنُ بفلكِ العوائدِ الطّافيةِ، والموارد الصافية الضافية، إدامة نظر الإحسان، وإقامة عَمَدِ الامتنانِ، والرأي فيما تَراهُ المراحم الفاخرة والمكارم الزاخرة، أيدَ اللهُ ظِلِّها الأكملَ، وفضلَها الأطول، ما نَدَبَ وجنة الخَدَ الخد، ووجَبَ على احتساء مُحرماتِ الحَدِّ الحَدُ.

السابعة
أرسلتُها سابعَةَ لتستلم رواجب الجلالِ،كالمؤمَل تؤمِّل تَسَنمَ غارب الإجلال، مُسْتَنجِعَة سبائب سيبكَ المِفضال، مِنْ عماية عَماية الإفضال، والرِّفْعة الجَلية الرّامِقَة، والعِزَّة العليةُ السامقَة، أجدر بتشييد المقاصدِ للقاصدِ، وأقدَرُ برَفْع بُنيان القواعد للقاعدِ، مَجدَ اللهُ مراتبَ أركانها، وبَدَّدَ رواتب سُلطانها، ما سَرحَ الصِّوارُ، ونفَح الصُّوارُ، وأضمرَ الليلَ الليلُ، وأظهرَ النهارَ النهارُ.

قال الراوي: فلمّا وقفَ ما وقَف، ووكف وتجنَّبَ الوكَف، وخَصَّهُمْ بريق ذلكَ العَريق، وحصَّهم بإبريق ذيّالك البَريق، مدحوا لسانَهُ الأقصل، وذَمُّوا زمانهُ الأعصل، وقالوا: أف لعَصْرٍ يضوعُ به ملابُ لُبابك، وتضيعُ بَيْنَ أصحابه صُنوفُ انصبابِك، وتُزْجى لكَ الأذى وتسوقُ، وتَعْلو على رؤوس إفصاحك السّوقُ، ثُم إنَّهم مالوا إلى أنامله مقبِّلين، وانثالوا إليهِ بالتّحَفِ مُقبلين، واستقبحوا قَوْلَ ذاك القرين، واستفتحُوا بابَ ربْع معرِفتِه والعرين، فَرَبَّطَ ذلك النَّوال، وتأبّطَ حُسامَهُ وقال، بَعْدَ أن عادَ غَللُ صَبْرهِ بلَلا، وبَلَلُ دَمْعهِ غَلَلاً: البسيط:

بمصْرَ داري فلا واللهِ مُذْ رُفِعَتْ ... عنِّي التمائمُ ما أَوليتُها مَلَلا
أظلُّ إنْ ذُكِرَتْ مصر وزينتُها ... أفيضُ دَمْعاً من العينين مُنْهَمِلا
دار بها يُصْبحُ الموتورُ ذا مرح ... ويُبْرئ التُّرْبُ إنْ عَزَّ الدّوا المُقُلا
تَبيتُ مَنْ أصبحت فيها جَناجِنُهُ ... مملؤةً تَرَحاً مملؤة جَذَلا
فمذْ طلَعْتُ بجسمي والفؤاد بها ... ألفيْتُ قلبي من خَوْض الفَلا أفلا
لولا الحياءُ ولولا عِفَّةٌ وتُقًى ... لكنْتُ أول مَنْ حَوْياءهُ قَتَلا

ثم إنَّه خَبَّ خَببَ الخِرْياقِ، وحَبَّ حَبَبَ مُناوحةِ النِّياقِ، بَعْدَ أنْ سَدا بمسيرهِ، وشَدا لتَشْميره، ودَرَّ مِنْ مَدِّ مَدْمعي الدَّما، وفارقني عندما أراقَ مِنْ مُقْلَتِه عَنْدما.

حسن خليل
28-11-10, 06:27 PM
المقامةُ التاسعةُ والثلاثونَ الرهاويّة

أخبرَ القاسمُ بن جريالٍ، قالَ: شُعِفْتُ حالَ مناوحةِ البِعادِ، ومصافحةِ الأبعادِ، ومُضارعةِ الصِّعَادِ، ومُصارعةِ الأصعادِ، باعتلاء الأعوجياتِ، واشتراءِ الشَّدْقَميَّات، واجتباءِ السَّمْهريَّاتِ، واجتناءِ ثمارِ الرّدينيَّاتِ، حتَّى خوَّفني الزَّمانُ، والتُمِسَ من شدة شدتي الأمانُ، فصرت قسورة القتام، وطاعِنَ مقاتِل الأقوام، وهَتاك كلِّ أريكةٍ وابنَ نَجْدَةِ كِلِّ عَريكةٍ، ونَضناضَ كلِّ وقيعة، وخَوّاضُ كُلِّ سَراب بقَيْعَةٍ، لا يَسْتخفُّني هُوف، ولا تلفني هُوِفٌ لَفوفٌ، ولا يسلُبُ المبارزُ رباشي، ولا تعلَقُ أظفارُ المُضافرةِ بجاشي، فحِيْنَ قدَّر القَدَرُ ثِقافي، وجَمَعَ بينَ غَينِ عينَيْ وقاني، آليتُ ألاّ أفارقَ الصَّفَينِ، أو يُسمعَ اسمُ في صَميِم العرَب على حَرفينِ، ولمّا خُضْتُ خضارة الخَطْبِ المَهيلِ، وصحبتُ أصحابَ الصَّلصلةِ والصَّهيل، مِلْتُ عن المدارس وأهَيْلهَا، وعدلْتُ إلى شَمسْ سماء المُداعسة وسُهَيلِها، أرباً أن أجمعَ بينَ الرياستين، وأحظَى بوصلِ تَيْنِ المهاتين، فبينما أنا بمجلسِ والي الرهى، وقَدْ قَرَنَ بينَ قَرَنِ النَّباهة والنُّهى، إذْ وَقَفَ بديوانِ ولايته، وإوانِ عَدْلهِ ورعايتهِ، شَيْخٌ قد قاربتْ قَرونَهُ المَنونُ، وفارنتْ قمرَ إلفِ قَدِّهِ النونُ، تَشْتمه شَيْخة ظاهرةُ الجُرأةِ، بارزةُ الذُّراةِ، قدِ اَحقوقفَ ظهرُها وارتهشتْ، ونَقَشتْ رواهِشَها وامتهشَتْ، وهو يَجْذبُها وتَهِرُّ، وبقربِّها وتَفِرُّ، فأنَّ الشيخُ أنَّةَ الثكول، وازبأرَّ لذلكَ النُّكولِ، وقالَ: الكامل.

يا عادلاً بعِداتهِ وعُداته ... أغنَى العُفاةَ وضيَّفَ الضبعانا
إنِّي حَمَلْتُ مِنَ الزمانِ متاعباً ... لمَّا تحكَّم في المَعَانِ وعَانا

فقالَ لهُ الوالي: ما شأنُكَ أيها الفَصيح، ومَنْ بشُكر إفصاحهِ الفصاحة تصيحُ، فقالَ لهُ: اعلم ثَبَّتَ اللهُ سنابكَ سنائك، وألبسَكَ ملابسَ وفائكَ، وضَوّعَ عبيرَ عَلائكَ، وقوَّمَ صَعَرَ خُدودِ عدوِ أعدائِكَ، أنَّني مَمّن إذا قصد صَدَقَ، وبَرقَ ربق، وسَلبَ لَسَب، وكَسَبَ سَكَبَ، أميلُ عن الإسراف، ولا أعلم ما مذاقةٌ الإشراف، وأسعَى لِمَنْ صَفْوَهُ اصطفَى، بَيْنَ مَروةِ المُروءةِ والصَفَا، فلماّ انكسرتْ الرؤوسُ، واسْتوَى الرئيسُ والمرؤوسُ، وكلَّ الحاذُّ، وتقطعت البُطون والأفخاذُ، وتشتتتِ الجَلَبةُ، وخانت الحَجَبةُ، وتَمزّقَ المِعناق، وتَتَعْتَعت الأعناقُ، وقل الاحتمالُ وتَشَذَّرتِ الشِّمالُ، أصبحتُ لإلحافي، وعَدَم التحافي، ألينُ، لنحافِي، واستوهبُ الأحذية مِنَ الحافي: الطويل.

فيا ليتني لم أحيَ في الناسِ بَعْدَما ... تَنَاءتْ جُموعُ الجَدّ عنِّي وولَّتِ
ويا ليتني لمّا امْتطَي قِتبُ صِبْيتي ... مَطيَّ الطّوَى وسِّدْت في الترْبِ تربَتي
فلا خيرَ في عيش أبيتُ موسَّداً بهِ ... جَمر جَانٍ إنْ توالت تَولتِ
ثم إنَّهُ اضطربَ اضطرابَ المزؤود، وتنَفّسَ تَنَفسَّ المؤودِ، فقالَ له الوالي: تاللهِ لقد عرَقني غِزارُ غَرامك، وغرّقني طُوفانُ اضطرامكَ، فأخبرْنِي ما وراءَ صمامِك، ولأيِّ مأربٍ اتَّصلَّ بنا سَبَبُ اَنضمامِكَ، فقالَ له: اصِخْ فَدَيتُك إليَّ وأنخْ نُوقَ إنصافِك لديَّ، وأنّني لمّا هَجَرَ آلي، وأمقرَ زُلالي، وانهزمَتْ قبائلُ مالِي، وانصرمت حَبائلُ آمالي، ونفقت جِمالُ إجمالي، وبَرَقت رمالُ إرمالي، هممتُ بأنْ أتزوجَ بمَنْ تحن إلى عِيالي، وتَجِن جُيوشَ أعلالي، وتَحْتَمِلُ إرقالي، وتَحمِلُ ثِقالَ أثقالي، فاستشرتُ بمَنْ هو لسِّري مَعَان، لعلمي أنَّ المستشارَ مؤتمنٌ، والمستشيرُ معان، فزُفَّتْ إلي هذهِ العَجوزُ، التي رأسُها في جرابِ كلِّ مُجادلةٍ يَجوزُ، فأسقَمني وصلُها الذعانف، وجَزعتُ معَهَا ما بعضَهُ الحر يَعافُ، وقد أحضرتُها إليكَ، وَعَرَضْتُ عُروضَ إعراضِها عليكَ، لتُثقِّفَ أسَلَ مَنْهجِها، وتُهذِّبَ جُمَلَ لُجَج لَجِجِها، قال: فلمّا سَمِعَ الوالي حكايتَهُ، وفَهِمَ شكايتَهُ، قالَ لها: لحاك اللَهُ كيفَ تُخفرينَ عهدَهُ، وتكفرينَ رَفْدَهُ، وتُنكرينَ خَيْرَهُ، وتحتقرينَ مَيرَهُ، فقالت: إنَّهُ ومَنْ حرَّمَ أطباءَ البراطيلِ، ونَهَى عن مظالم المَطيل، لأكذُبُ من الصبح المستطيلِ، فقالَ لها الشَّيخُ: قَبَّحَكِ اللهُ بل أنتِ ومَنْ طَيرَ النّحام، وحبّبَ إلى الحَمير الزِّحامَ، أكذب من غَمامةِ مَصيفٍ، وأتْفَلُ مِنْ غَيايةِ كنيف، وأوسخُ من سِروَالِ كنّاس وأزفرُ من سربال رآس، وكيفَ لا يذمك من يدمُّكِ، وَيَصُّمكِ مَنْ يَضمُّك وقد ألفاكِ يومَ قَفَّاكِ أنْجَسُ مِن كَلْبٍ، وأنفسُ من دَرْب، وأسفقُ من رَبابةٍ، وأفَسق من زبابة، وهي أعزّكَ الله مَعْ كَثَرةِ جُرافِها، وغَزارةِ انحرافِها، إنْ غلبَت عَلَبتْ، أو جلبَتْ خلبت، أو شرقَتْ سَرقَتُ، أو حنقْت حبقَتْ، تأكل منَ الحَماةِ حِمْلين، وتنهَلُ من القَيء قُلّتَين، وتَغْتَسِلُ بُصَيِّب العَيْن، وتَكْحل أسود العَيْنِ، بأسود العيْنِ، فلا أعاذها اللهُ مِنَ العَيْن، فقالتْ له: فضحَك اللهُ يا أقفر من خَرابٍ، وأكذبَ من سَرابٍ، بل أنتَ واللهِ أنْصبُ من بُحيس، وأشأمُ مِنْ طُوَيْس، وأخَس مِنْ جَاجَةٍ، وأنَم مِنْ زُجَاجَةٍ، وأرْقَعُ مَسْبُوع، وأخْدَع مِنْ يَرْبُوع، وأرْجَسُ مَنِ أطْرَحَ العَصَا، وبَاتَ في أَهْلِهِ صُلْبَ العصا، وتجللَ سَكاب المَعاصي والعَصَا، وقال: أنا خيرُ من تفاريق العَصَا وعَصَا، فتّباً لكَ منْ هائع لائع، وجائع نائع، وماطع راطع، وقاطع لاطع ناطع، يا أخْبَثَ مَنِ اختارَ على الصادِ الميمَ، والوهادَ التسنيمَ، وفاضَ بالحججُ الجائرة، واعتاضَ عن المثلثِ بالدائرةِ، فكساكَ حلّةَ حُرافِي، ورماكَ بثالثة الأثافِي، وعزز فن سابحِ سِبالِك بالتاءِ، وقَبَّضَ لقِذالِك قلبَ شقيق بلوطِ الشتاء، لأنَّكَ إن رحلتَ خبطتَ، أو حللتَ ربطتَ، أو سألتَ قَنِطْتَ، أو سَعَلْتَ ضَرِطْتَ، فأفٍّ لما لَقيْتُ وما ألْقَى، وتُفٍّ لخسيس أنسِكَ وسُحقاً، فقالَ لهما الوالي: أخزاكما اللهُ أما تخجلانِ من سَحِّ هذهِ الدِّيمةِ، وقُبْح هذهِ الأفعالِ الذَّميمةِ، فقالتْ: قَسَماً بِمَنْ أنعَمَ على المسافر بالقَصْرِ وأنزلَ على سَيّدِ الرُّسل سُورةَ النّصْرِ، لولا احترامُكَ لأقرأت حصييهَ سورة العَصْر، ولولا الحَياءُ من أمور اشتهرتْ، وأحوال بينَ الوَرى ظهَرت، لتلَتْ لحيتهُ إذا النجومُ انتَثَرتْ، فالتفَت الوَاَلي إليه، وقالَ له: يا ذا لَمَ لا تَزْهَدُ في صَدْرِ هذهِ الوُصْلة والمَغابنِ، وترحلُ عن وَطَنِ سورة التَّغابُنِ، فقال: لأنِّي لا أملكُ في الإقامة والانطلاق، ما أتوصلُ بهِ إلى قرية سورةِ الطلاقِ، فقهقهَ الوالي واستطرفهَ، واستملحَ قولَهُ واستظرَفهُ، وقالَ له: كَمْ صَداقُها عليكَ، لأحضَرهُ إليكَ، فقالَ: مائتا درهم لا يشوبُ كمالها نَقْصٌ، ولا يَعيبُ ثوبَ إكمالِها قَص، فسلّم المبلغ إليها، وقالَ: أحلفُ الآنَ عليها، فقالَ: هي طالقُ بعدِدِ عُشرِ شهرِ تشرينَ، وأربعةَ أجذارِ خمسةٍ وعشرينَ، قال القاسمُ بنُ جريالِ: فالتفتَ حينَ حَملق الضُّبعان، وحيّرَ الخِرَقَ حرَّ ذلكَ الطِّعانِ، وطالَ بينَهما المِصاعُ، وخصَّ كلَّ واحدٍ منهما ذلك الصَّاعُ، أبا نصر المصريّ صاحبَ ذاك الاقتصاص، وحالبَ هاتيكَ القِلاص، فتركتُهُ إلى أن انفصلَ عَقْدُ ذيّاكَ العِقَال، ونصلَ خِضابُ ذَّيالكَ المَقالِ، وانصرفَ يَتَغَطْرَفُ لحوْكه وَيتَخَنْدَفُ بزوكه، ولم يبقَ معَهُ من البَريّةِ، سوى ثُلثِ تسع سِهام الأكدريةِ، ثم لصقتُ به لصوقَ الحَسْدل بالمواشي، وجعلتُ أعاتبهُ، ولا أحاشي، فقَال لي: أتظُنها ربيبةَ داري، لا ومَنْ رفعَ في سُلَّم الفَصاحةِ قدمَ مِقْدارِي، وإنَّما هي امرأةُ قَمّام، أجيرِ حَمّام، استأجرتُها بحبتين، لأقتنصَ بفخِّها المائتينِ، فقلتُ لَهُ، أفلا تضربُ لي معكما بنصيبٍ، لأكونَ في نثلِ كنانتِكما ثالثَ مُصيبٍ، فقالَ لي: إنَّكَ ومَنْ فَضَّلَ ركبانَ الحرم على مُشاتهِ، وبغَّضَ إلى الوالي سعايةَ وشاتهِ، لأطمعُ من عرِس أشعبَ وشاتهِ، ثم إنّهُ انخرطَ في رشاءِ فِرقَهِ، فَرحاً بفَلّ فَلّ فرَقهِ، وبقيتُ مذ ضمَّني الرُّهاء، وطمّنِي ذلك الدّهاءُ، تُريني فعلتَهُ في المَنام الأحلامَ، وتعتَريني هَزّةُ من هَزَّهُ المُدامُ، وعزَّهُ الإعدامُ، وردَّهُ السِّلامُ والسلاّم.قتصاص، وحالبَ هاتيكَ القِلاص، فتركتُهُ إلى أن انفصلَ عَقْدُ ذيّاكَ العِقَال، ونصلَ خِضابُ ذَّيالكَ المَقالِ، وانصرفَ يَتَغَطْرَفُ لحوْكه وَيتَخَنْدَفُ بزوكه، ولم يبقَ معَهُ من البَريّةِ، سوى ثُلثِ تسع سِهام الأكدريةِ، ثم لصقتُ به لصوقَ الحَسْدل بالمواشي، وجعلتُ أعاتبهُ، ولا أحاشي، فقَال لي: أتظُنها ربيبةَ داري، لا ومَنْ رفعَ في سُلَّم الفَصاحةِ قدمَ مِقْدارِي، وإنَّما هي امرأةُ قَمّام، أجيرِ حَمّام، استأجرتُها بحبتين، لأقتنصَ بفخِّها المائتينِ، فقلتُ لَهُ، أفلا تضربُ لي معكما بنصيبٍ، لأكونَ في نثلِ كنانتِكما ثالثَ مُصيبٍ، فقالَ لي: إنَّكَ ومَنْ فَضَّلَ ركبانَ الحرم على مُشاتهِ، وبغَّضَ إلى الوالي سعايةَ وشاتهِ، لأطمعُ من عرِس أشعبَ وشاتهِ، ثم إنّهُ انخرطَ في رشاءِ فِرقَهِ، فَرحاً بفَلّ فَلّ فرَقهِ، وبقيتُ مذ ضمَّني الرُّهاء، وطمّنِي ذلك الدّهاءُ، تُريني فعلتَهُ في المَنام الأحلامَ، وتعتَريني هَزّةُ من هَزَّهُ المُدامُ، وعزَّهُ الإعدامُ، وردَّهُ السِّلامُ والسلاّم.

حسن خليل
29-11-10, 02:22 PM
المقامة الأربعون الأهوازيّةُ

روَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قال: أولَجني الدَّهْرُ ذو الإعجاز، الحَرجُ المَجازِ، إلى جامع الأهواز، ظاهرَ الاحترازِ، متظاهرَ الاهتزازِ، فائقَ الامتيازِ، في فيلق من الإعزَاز. راصدَ كواكبِ النجاز، قاصدَ مناكبِ الحِجازِ، فبينا أنَا أنفضُ الشفوفَ لِهوفها، وأخفِضُ جناح ذلِّ النظر بين صُفوفِها، مائساً بالقدِّ الرّطيب، مائلاً إلى استخراج نخَب الخَطيب، ألفيتُ شيخَاً آخذاً بِزَنْد عجوزِ، تِلَو خِشْفٍ أبوز، أذكَى مِن فراخ الحَجَلِ، لا يكترثُ بطولِ شِمراخ الحجَلِ، فحينَ اتّصلوا بالأعيانِ، وحَصَلوا على عِنانِ العِيان، أبرزَتِ العَجوزُ جماناً كالهتَّانِ، وجَناناً كالجَنان وقالت: الخفيف.

أيها الناظرون رِقةً حالِي ... واَحتيالِي على الحُطام الحقيرِ
واشتهاري لدَى الرجال وهَمّي ... بعدَ وهمي وكَسْرِ قلبي العَقير
واصفراري وطُولِ ليلي ووَيْلي ... واَرْتضاعِي ثُدِىَّ صدرِ النقيرِ
وأجاجِي وبُوسَ عيشي وطَيشي ... بعدَ رَهْطِي أولى المشيب الوَقيرِ
واَعوجاجي وذلِّ نَجْلي ورجْلِي ... بعدَ شيخي أبي الفقيرِ الوقيرِ
وافتضاحي لَدَى الصفوفِ وعُسْري ... بعدَ يُسري مِنَ الكثيرِ الوقيرِ
واتّقاحي على الوقوفِ وضرّي ... بعد ضرِّي وضَعْفِ ظَهري الوقيِر
بعدَ أنْ كنتُ في الخُدور بخَيْرٍ ... بينَ قَدْر وقَادر وقَدير
واصلوني ولو بسَحْقِ خِمَارٍ ... أو إزارٍ لبَعْلِ بَعْلي القديرِ

فلمّا اغترفوا زُبَدِ عبارتها، ووقفُوا على بدائع إشارتِها، شَهَرَ شُوَيْدنُها لسانَهُ، ورفعَ إليهم بَنانه، وقال: الخفيف.

واعطفوا لي مِنْ بَعْدِ أمِّي لأِّمي ... إنَّ أمي كضَعفِ أمِّ غَرير
واسمحُوا لي بخاثرٍ ومَخيض ... وطعام مِنَ اللطيفِ غَزيرِ
وارشَحُوا لي بحُلّةٍ وحذاءٍ ... مَعْ رداءٍ مِنَ الشفوفِ حَريرِ
وارفدوني برفْدِكُمْ ففؤادِي ... ذو جَريرٍ إلى الوِجار جَريرِ
وأجبروني بجُبّةٍ وبِجاد ... مَعْ جذاذ، مِنَ النَّضير نضيرِ
وانصروني بصُرَّةٍ وصِدار ... مَعْ وَصيفٍ مَعَ النَّصير نَصيرِ

قال: ثمَّ إنَّهم مكثُوا ليُحَلَّ لهم وكاء، أو يَنْهَلَّ عليهم وعاءٌ، فما ألبَّ بهمَ لُبابه، ولا انصبَّ منْ صَوْبهم صُبابةٌ، فلمّا رأى الشَّيْخُ أنْ قد أورقَ شَجَرُ إخفاقهم، وأورقَ صائد تملّق إملاقهم، وأنْ قد أوأبتْ راحُ كفوفِهم، وأبَت وأوكبت نار معروفِهَم وكَبَتْ، وأنَّ عيونَ إعطائهم مقطوعةُ الإهراق، ومَلّة مِلَل مَلَلهم حاميةُ الإحراقِ، ومذاهب ذَهَبِهم مسدورةُ الإشراقِ، وكرْمَ كَرَمَ مكارمهم مُسْقوقطُ الأوراقِ، انسلَّ سَراب قلقهِ الرَّقَراق، وسلّ سيوفَ السَّدَمِ لهَمْهَمَةِ هَمّهِ المُهراقِ، وقال: يا أعنّةَ العطايا، وأسنَّةَ الهدايا، وأخدانَ اللِبانِ وإخوانَ الخِوانِ، وحسادَ الآَكل وآسادَ المآكلِ، وعِبادَ الرياس، وعُبادَ الأكياس: هلا تنظرون بعين طالما اكتحَلت بأثْمِدِ الغوايةِ، وتَسْمعونَ باُذُنِ قلمّا امتلأتْ بماعونِ التلاوة، فترشحونَ لشيخٍ اشتغلَ بإفالهِ عن احتفالهِ، وبحَزق احتيالهِ عن مخادنةِ اختياله وعن كثرةِ عيالهِ، بتتابع أعوالهِ، فأصبحَ بعدَ اَمتطاءِ المُطَهّماتِ، واقتناءِ الصرَرِ المدَرهَماتِ، يصافح المصائبَ. ويكافحُ سَهْمَ السَّقَم الصائبَ، فحين عَمِرَ الفَناء، وصفرَ الإناءُ، وبَعُدَ الهَناء. ونفدَ الهناءُ، واربدَّ يِقَقُ الأملِ واشتدَ، وارتدَّ مؤمنُ بابِ السعادةِ واستد، ونبَا المصاحَبُ وكظَ، ورَبِا مجلِس الفَلس واكتظَّ، ومالَ بيتُ التجمُل وانقض، وحال حالُ التحيلِ وانفضَّ، تكدَّرَ الصافِي، وتغيّرَ الصديقُ المُصَافي، وتضيقَ الضافِي وتَخلًفَ الخليلُ المُضافِي، فليتنَا وافينا الوفاةَ، ولم يعْجُمْ نابُ صَفونا هَذِي الصَفاةِ. قالَ الراوي: ثم إنَّه أقلعَ إقلاعَ البَعاع، وانخرطَ بين الرعاع، وذَمَ الجمعَ الذي أمهُ واستصحبَ البويذقَ وأمَّهُ، ولم يحضرني ما أسمحُ لَهُ به، وأبيِّضَ وَجهَ جدار مَطلبهِ، وأحببت أنْ أتحقّقَ دَوحَ أيكته، وبأيِّ البُقع انصدَعتْ مُتُون تريكتهِ، فأخذتُ أقَفو إثْرهُ لأعرفَ عرينَهُ، وأصْرِفَ له ما يملأ يمينَهُ، فألفيتُهُ بعدَما أجبلَ، وافترع عاتقَ الحيل وأحبل، أبا نصر المصري ذا المناص وقانصَ الأسد القّناص، فقلتُ له: سّحقاً لكَ من باذلِ ماءِ وجنتيه، لاكتسابِ نَماء راحتيهِ، فهلا تستعينُ بحِرْفةِ تَصُونك عن السؤال. وتعيُنكَ على الخروج من مدارج السؤال، كي لا تستكف، وتنتقدَ المحافل وتستشف. فأترع أوعية قلقه. وأمجدَ وتأهب لأهب الهلع وأنشد: اّلمتقارب.

لسعْى السّباع على عاقلِ ... وقَنص العداةِ ونَقصُ العَدَدْ
ولَس القَتاد وحس الفؤادِ ... ولبس السَوادِ وجَلسُ المَدد
وحقدُ الرَداح وفَقدُ النجاح ... وقَد السَماح ووَقدُ الرمَدْ
وحسم الصلاة وطسم الفلاة ... ووهم الولاة وهم الكمد
وسلب الحبور وخب البحور ... وجب النحور وحب الحسد
وخَتلُ الخَدين وشَل المدِينِ ... وسل العدين وسل الجسد
ونَهْلُ الحميم وعَلُّ الحَميم ... وغَل الحَميم وفَل السبد
وسيرُ الهوىَ وضَيْرُ الهَوى ... وجَوْر الوَليِّ ومُورْ السند
وظعْنُ الرباب وطَعْنُ الرباب ... وضن الرباب ووَهنُ الخُلَد
وشَقُّ الجَنانِ وحَرْقُ الجنان ... وخَرْقُ الجَنان ومَحق الجَلَد
أقلُّ مصابَا، على عَائل ... يَروم القيامَ بجدَ قعد

قال: ثم إنَه أفلَي وأفليتُ: وقطعتُ رأس الفِتن وفَليتُ وفَلَيتُ من نُقودِ شعْرهِ ما فَلَيْتُ، بعدَ أن شَفت مُلَحُة الغُرامَ، وسَفَتْ ريح حَنَقهِ الدَاءَ الغرام،َ وناقشني مُناقشة مَن غَامَ، واحلولكَ يومُ ودهَ وغَام، وأوحشني ذَلكَ العامَ، مذ غرق قاربَ التقَربِ وعام.

حسن خليل
29-11-10, 02:24 PM
المقامةُ الحاديةُ والأربعونَ الحنفيّةُ الكِيشيّةُ

حكى القاسمُ بنُ جِريالِ، قالَ: حَمَلَني صَفْوُ الزمَنِ الباهرِ، المبيِّضِّ الأباهرِ، وحُبُّ الليلِ الساهر، لمنادمةِ النديم الماهر، فلم أزلْ أزعجُ النَفور وأجاورُ الكفورَ، وأقري العالمَ، واستقرى المعَالمَ، وأُسامرُ الأعوجيَّ، وأُصادُم اللُجِّيَّ، إلى أنْ نزلتُ بساحل قيسَ، وقد ضارعت ابنَ الملوح قيس، وسئمت الهيسَ، وأنضيتُ السوابحَ والحَيسَ، فوردْتُها وأنا خفيفٌ ذفيفٌ، وارفُ الإفادة عفيفٌ، أردُ مواردَ الموداتِ، وأشهدُ مواسمَ المشاهداتِ، وأُوقدُ مصباحَ المَرَح، وأُخمدُ أنفَاس أفراس التَّرح، وأمرجُ بانسكابِ مكسبٍ هام، وأجمَحُ بأقدام إقدام مقدرة وهام، وأرفُل في بُلهنية شهيّة، وأسبلُ ثوبَ رفهنيةٍ هَنيّة، فبينما أنا أنوس لجَدِّ جُدودِ الدِّبار، وأَبوسُ بأخمص الخَبَب خدودَ حدود الديار، عَلّ أن أظفرَ بكُوع كرمٍ وساعد، أو نديم على سَدَر السَهَرِ مُساعِد، لأطَفئَ من ضَرَم الضرَرِ ما التهبَ، وأردّ إلٌى شرخِ شبيبةِ النشبِ ما اشتهب، ألفيتُ فتًى يسيرُ سيرِ السَيلِ السَائح، ويترّنّحُ ترنّحَ النزيفِ المتمائح، ينطِقُ بالفضلِ إنعطافه، وتهزأ بأعطاف الحدائق أعطافُهُ، فملْتُ إليهِ مَيْلَ الشيِّقِ إلى الوصالِ، والأجيرِ إلى راحةِ الأوصال بالآصال وقلتُ له: هل لكَ يا ذا الوجهِ الوَضيِّ، والجَدِّ الحَظي، في أن تُعرفَني مخرجَ أغصانِكَ، ومدرج صبيانِك، لأكونَ خادماً لحوائك، أو منادماً تحت ذوائبِ لوائكَ، فإنّني مِمَّنْ يتجمّلُ بالتعاليلِ، ويتحمَّل مِنَّة عَلِّ هذه اليعاليل، فقالَ لي: أمَّا المَدَرة فهذِي، وأما العِتْرَةُ فَكُلُّ فَذٍّ غير هاذي، وأَّما مرام المواصلةِ فإليكَ، وزمامُ هذه المصاحبة ففي يديكَ، قالَ: فصلَّيْتُ تِلوَهٌ وجلّى، وتمليت بما تمنيتُهُ إذْ تجَلى، ولمّا وصلَ بي إلى فِنائهِ، وأدهشني بشيد بناءه، أحضر منْ أصحابه المعارفِ، أولي السُّؤدد والعوارفِ، عدد ما لا ينصرف في النكراتِ والمعارفِ، تَتيهُ على المُبادَر بالنَوادرِ، وتنصبُ بالصَّوْبِ الصادرِ، نصْبَ المصادرِ، ثُمَّ إنَّهُ أومأ برأسه لإحضارِ نبراسِهِ وإلى إمائهِ، بتبريدِ مائه، وإلى أنماطهِ، بإظهارِ سِماطهِ، فمِلْنا إلى أطعمتهِ، وشكرْنا سوابغَ نعمتهِ، حيْنَ سالتِ المسائل، وأدالتِ الدلائلُ، ألفيتُهم مِمَّنْ يُوصفونَ، إذ للمنح، يعصفون وتطور بهم المزَاهرُ فلا يعزفونَ، وتدورُ عليهم كؤوسُ مناسمة لا يِصدعون عنها ولا ينزفون: البسيط.

نهدي وتَهدِي جُماناً منْ تهذُّبهم ... وحسنِ مذهبهم خَلقْاً إلى الرَّشد
كأنهم شُهبٌ في الأفُقِ طالعةٌ ... تَسْري الأنامُ بها للمنهج الجَدَدِ

فلم نزلْ نَحْضُرُ بجامع اجتماعِه، ونشكرُ عَرْفَ عرائس اَستماعه، إلى أن دخل ذاتَ يوم بعضُ وصفائِه، وقد أحدقَتْ به عيونُ أصفيائهِ، وقالَ: أراك متثبطاً عن عيادةِ خطيبكم، المُظهرِ ما يفوقُ نفحاتِ رطيبِ طيبكُم، فقالَ له: تاللهِ لقد استدعيتَ بكاءَ الثواكلِ، وهديْتَ الضيفنَ إلى مهيع المآكلِ، وطلبتَ القُبَلَ من العاشقِ، وسكبتَ الغالية لدَى الناشقِ، ثم قالَ لهم: هَلْ لكم في اقتناءَ هذه المندوية واجتناءَ ثمارِ هذهِ المثوبةِ، فقالوا له: قَسَماً إنَّكَ لَكَمَنْ سألَ النارَ الوقودَ، والفُهودَ الرقودَ، والحُمام الحِمامَ وإلْفَ طِيْبِ مَوطنه الحَمامَ، فقلتُ لهم: أتأذنونَ لي يا أولي الضِّمار، أَنْ أكون فِسْكَلَ هذا المِضمار فقالوا: بل إنْ هويتَ اهتمامنا، فكن إلى إمامِنا أمامَنا، فتقدَّمَ إذ ذاك قلبي مَعْ وفاقه، خالياً مِنْ نفاقهِ، تقدُّمَ النَّعْتِ على رفاقِه، ولما خَرَجْنَا لجَلْهةِ الأدَبِ وواديه، وولجْنا مِنَى أَياديهِ، مَعَ التيمُّنِ بيُمْنِ مُنَى مناديهِ، ألفيتُ المشارَ إليه، والمشتارَ منْ ضُرُوب الضَّرَبِ لدَيه، الليثَ المِدْرَهِيّ، أبا نصرِ المصريَّ، فمِلْنَا إلى إعمالِ واجبه، واستلام رواجبه، والقعودِ بإذْنِ حاجبِ حاجبهِ، وحينَ احتلسْنا بِساطَهُ، وحَمِدْنَا محاسنَ سَمْتِهِ وسراطه، جعل يلحظ طلاوة تلافينا، ويُقلِّبُ كَفَّيْ وكْف طَرَفهِ فينَا، ثمَّ قالَ لي: يا ابن جريالَ جَرعتُ جريال الجَرَض المبرّح، ولَقِمْتُ لقَمَ نِقَم المَرَض المُقَرِّح، وأنا ْبسلع لسع السقم مقيم، وأنتَ بهذه البقعة مقيمٌ مستقيمٌ، ثم إنَّه تتابع أناُنهُ، وتهافت ذُنانُهَ، فقلتُ لهُ: لم أشعُرْ بدائِكَ، لعدمِ ندائكَ، وها أنا بحذائِكَ، لحملِ حذائكَ، فعليَّ ما تشاءُ، وعليكَ الإجابةُ فيها أشاءُ، ثمَّ إنّي عَمَدْتُ إلى نَبْضِهِ الخَفوقِ، فوجدته مشتملاً على الطولِ والعَرْضِ والشُّهوقِ، فعلمْتُ بفِطْنَةٍ فاردةٍ، أنَّهُ عن حاجةٍ داعيةٍ، وآلةٍ مساعدةٍ، فقلتُ له: ما صنعتَ في حُمّاكَ، جُعِلْتَ من حُمة هذه الحمى حِماكَ، فقالَ لي: أرقْتَ من دَم الباسليقِ، ما أشرفَ بي على مفارقةٍ الفَريق، مع معرفتي بإسعافِ المُنَّةِ والسّنِّ، والوقتِ الصائف وصحة الذهنِ، واستعمالِ الملائِم أيام البحارين، وإهمال لطيفِ الأغذيةِ والمتين، وتناول المتوسطِ من الغَذاء، لحِفْظِ القهوةِ ووقوف الداء، فقلتُ له: بِمَ يساعدُكَ النّطاسي، وبطولِ ساعدِ يمينِ علاجك تشهدُ الأناسي، وفي غدٍ تتسنّمُ معارجَ منبرِكَ، وتترنَّمُ البَشَرُ بإنشادِ لذيذِ مَخْبرِكَ قالَ القاسمُ بنُ جِريال: فَلم يمض يومانِ، حتى واصلَ كواعبَ الأمانِ، وفارقَ شرة نَدمانِ ذلكَ الإدمانِ، ومُصِحَ عَرَضُ حُميّا حَمْوهِ فحالَ، ومُسحَ حَمَمُ مُحيا حاله فاَستحال، واعتدلَتْ عَضَلُ أعضائهِ الموؤفَةِ، وعدلَتْ إليهِ الأعراضُ المناسبةُ بعدَ المخوفةِ، غيرَ أنَّ الحُمَّى غادرتْ بشفتيهِ بَثْراً يَشُقُّ بهِ تحريكهما عليهِ فحمِدتُ اللهَ تعالى على نزع أغلالِ أعلالهِ، وَحيْعَلةِ أذان بِلالِ إبلالهِ، وقلتُ لَهُ: تالله لقد أحسنتَ في التدبيرِ، وعرفت صَوْبَ القبيلِ والدَّبيرِ، فلذا نجوتُ من غيابةِ هذه البيرِ، فقالَ لي: هذا نماءُ عافية من عِلاجكَ بَذْرُهُ، وانتماءُ سُمُوِّ سلامة من سماء انعياجِكَ بَدْرهُ، قالَ: فبينما نحن نتفاوضُ، ونذكرُ النّخُبَ ونتقارضُ، إذ برزتْ دعاةُ الجُمعَةِ بإعلامِها، متبرجةً ما بينَ أعلامِها، فقلتُ لَهُ: إنَّ وقْتَ الخطابةِ قد أطلّ، وانتظر صيِّبَ لُبابِكَ والطَّلَّ، ولا بدَّ للجمعة من صَلاةٍ، كما لا بدَّ للموصولاتِ من صِلات، فكيفَ تستطيعُ تحريكَ شفتيكَ، لأداء دُرَرِ خطبتيكَ، فقالَ لي: أنشِئُ خطبةً حنيفيّةً، ناصعةَ الفصاحةِ صفيّةً، يعجزُ عن عديدِ وصفِها الحاسبونَ، وتخضَع لوصيد باب خطبها الخاطبونَ، تسكنُ بحركةِ فَم قائلها الشِفاهُ، ويجدُ بها سليمُ أساوه الشظَف شِفَاهُ، لا يمرُّ شُهدها بدَنفٍ إلاّ شَفَاهُ، ولو أشفَى على جِزْع وادي الجَزَع وشَفاهُ ثم نهضَ يتبرنَس، يتدربسُ ويتبهنس، إلى أن صعدَ منبرهُ، وخَمَرَ قَرنَ قوّته وسَبَرهُ، فقامَ لإعلانها، بعدَ إكمال أذانها، وقالَ: شَكر لساني الصادقَ القديرَ، القاهرَ النصيرَ، الرازقَ الخلاقَ الخالقَ الرزاقَ، العزيزَ الحنّانَ، العادل الديّانَ، قاسر سِقَاط الساقطينَ، كاسرَ عساكر القاسطينَ، ساطحَ هالةِ الهدايةِ، ناشرَ راية الدرايةِ، ناسخ آيةِ الغيابةِ، ناحض داحض الإيالةِ، قارضَ عارض الجَهالةِ هاديَ العهد الهاطل، أهل العدل الآهلِ، ذا الظلِّ الظليلِ، العالي الجَدِّ الأثيلِ، الذي شَرعَ الصلاةَ، إذ ذللَ لآياتِ آياتهِ اللات، أرسل جَدّ الحسنين، عارياً عن الشَّين، عالماً على النيّرين، نذيراً إلى الثقلين، جادعاً عرنينَ العنادِ، رادعاً إرعادَ الأندادِ، طالعاً كاهلَ الشَّدادِ، قاطعاً أعناقَ الأضدادِ، نازعاً أسنَّةَ الاختلالِ، قادعاً نِضالَ آلِ الضَلال، صلّى عليهِ صلاةً رائجةً لا انقضاءَ لرشَدِها، غاديةً لا انتهاء لعددها، خاليةً لاَ انحلال لحلالِ حَلالِها، عاليةً لا اَعتلالَ لجلائلِ جَلالِها، خدينَ الخِداع ذا الخِتلِ الخدَّاع، تذكَّرْ هِزّة الرحيلِ، حالَ ارتحالِ الجسدِ النحيل، حالَ صكَّةِ القَلَقِ، حال شِدَّةِ الشرَق، حالَ شَدِّ الخِناقِ، حالَ اعتناقِ خَيْلِ الانخِناقِ، آهاً عليكَ، أرسلتَ رائدَ الدَّنَسِ لديك، هَلاّ تدثرتَ صاهلَ صلاحكَ، هل انتجعتَ غَيْثَ إغاثة إصلاحكَ، هلاّ نتقت جانحَ جناحِك، هَلا حَدَجْتَ ساجحَ نجاحِك، لترِدَ السَّاهرةَ عريّاً عَنِ الدينِ، خليََّ الأخدَعَينِ، أيَّدَك لإهداءَ هَدْي هذي الشريعةِ، لا لنَحْرِ حِقِّ حَقِّ هذه الشيعةِ، قالَ الراوي: فحينَ تخلَّى مِنْ نَشْرِ صُحُفِ فَصاحته، وتَحَلَّى مَنْ تَحَلَّى بحَلْي حُسْنِ مُناوحتهِ، أخذَ بِرُدْنِي أخذَ المُباهِي، وقالَ: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغُوا من فَضل اللهِ، فأقمتُ عندَهُ تتمةَ نهاره، راتعاً في خمائلِ أزهاره، ثم استأذنتُه في ذهابي إلى مصاحبةِ صِحابي فقالَ لِي: قُمْ يا نُصيِّفَ أدبهِ، ووصيِّفَ قبقبه، الراغبَ في خَبَبه، الزاهدَ في نُخَبهِ، عبدَ الطعام عندَ المطعام، السائرَ إلى الأنعام بأكارع النَّعام، فانهَضْ نهوضَ مَنْ حاذرَ الغَبَنَ، واَضطغَنَ ضفْثَ ضغنه واضطبنَ، الصيفَ ضيعتِ اللبَن، ثم أنشدَ: الطويل:ّانَ، العادل الديّانَ، قاسر سِقَاط الساقطينَ، كاسرَ عساكر القاسطينَ، ساطحَ هالةِ الهدايةِ، ناشرَ راية الدرايةِ، ناسخ آيةِ الغيابةِ، ناحض داحض الإيالةِ، قارضَ عارض الجَهالةِ هاديَ العهد الهاطل، أهل العدل الآهلِ، ذا الظلِّ الظليلِ، العالي الجَدِّ الأثيلِ، الذي شَرعَ الصلاةَ، إذ ذللَ لآياتِ آياتهِ اللات، أرسل جَدّ الحسنين، عارياً عن الشَّين، عالماً على النيّرين، نذيراً إلى الثقلين، جادعاً عرنينَ العنادِ، رادعاً إرعادَ الأندادِ، طالعاً كاهلَ الشَّدادِ، قاطعاً أعناقَ الأضدادِ، نازعاً أسنَّةَ الاختلالِ، قادعاً نِضالَ آلِ الضَلال، صلّى عليهِ صلاةً رائجةً لا انقضاءَ لرشَدِها، غاديةً لا انتهاء لعددها، خاليةً لاَ انحلال لحلالِ حَلالِها، عاليةً لا اَعتلالَ لجلائلِ جَلالِها، خدينَ الخِداع ذا الخِتلِ الخدَّاع، تذكَّرْ هِزّة الرحيلِ، حالَ ارتحالِ الجسدِ النحيل، حالَ صكَّةِ القَلَقِ، حال شِدَّةِ الشرَق، حالَ شَدِّ الخِناقِ، حالَ اعتناقِ خَيْلِ الانخِناقِ، آهاً عليكَ، أرسلتَ رائدَ الدَّنَسِ لديك، هَلاّ تدثرتَ صاهلَ صلاحكَ، هل انتجعتَ غَيْثَ إغاثة إصلاحكَ، هلاّ نتقت جانحَ جناحِك، هَلا حَدَجْتَ ساجحَ نجاحِك، لترِدَ السَّاهرةَ عريّاً عَنِ الدينِ، خليََّ الأخدَعَينِ، أيَّدَك لإهداءَ هَدْي هذي الشريعةِ، لا لنَحْرِ حِقِّ حَقِّ هذه الشيعةِ، قالَ الراوي: فحينَ تخلَّى مِنْ نَشْرِ صُحُفِ فَصاحته، وتَحَلَّى مَنْ تَحَلَّى بحَلْي حُسْنِ مُناوحتهِ، أخذَ بِرُدْنِي أخذَ المُباهِي، وقالَ: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغُوا من فَضل اللهِ، فأقمتُ عندَهُ تتمةَ نهاره، راتعاً في خمائلِ أزهاره، ثم استأذنتُه في ذهابي إلى مصاحبةِ صِحابي فقالَ لِي: قُمْ يا نُصيِّفَ أدبهِ، ووصيِّفَ قبقبه، الراغبَ في خَبَبه، الزاهدَ في نُخَبهِ، عبدَ الطعام عندَ المطعام، السائرَ إلى الأنعام بأكارع النَّعام، فانهَضْ نهوضَ مَنْ حاذرَ الغَبَنَ، واَضطغَنَ ضفْثَ ضغنه واضطبنَ، الصيفَ ضيعتِ اللبَن، ثم أنشدَ: الطويل:

تركنا لكَ الترحالَ حينَ تركتَنا ... على قلَق عاري الأضالع عائرِ
ترّكناكَ لا ترجعْ إلينا لأنَّنا ... عهدناكَ خِدْناً للقِصاع الصغائرِ

قالَ: فشُدهتُ بإنشادِ البيتينِ، العريَّيْنِ من تحرُّكِ الشفَتينِ، وأقبلتُ بعدَ انحرافهِ، على تقبيلِ أطرافهِ، إلى أنْ سكَّنَ هَمَّهُ وسكَنَ ما أهمّهُ، وجعلتُ أكتفي بكؤوس مُضْحكاته، وأَصطَفي من لَبُوسِ حِكاياته، ما نسيتُ بهِ مغازلةَ الأوانس، وهويْتُ فيهِ مجانبةَ الموانس، حتى أمالني، إلى الغُوطةِ شَطَنُ شَيطانِ التشيُّط المَريدِ، واستمالَني نَيْرِبُ نَيْربِ بابِ البريدِ، فعرّضت بمعاودةِ العَطَنِ، وتخفيف أثقالِ فَقَارهِ والقَطَن، فقالَ لي: إنْ كنتَ تطمَع في المسيرِ، وتقنعُ مِن مصاحبتي باليسير، فأطعْ إرادتَكَ ودَعْني، ومَنِّني بطِيبِ عَوْدِ عَوْدِكَ وعِدْنِي، ثمَّ أَمَرَ بإحضار أصحابي، بعد تتابُع انتحابي، وسردَ عليهم سورةَ العويلِ، وعرضَ لديهم زنجيَّة ذلكَ التعويل، فأظهروا كنوزَ بكائهم، وأبرزوا مكنوز برحائهم، وهطلَتْ مدامع ذلكَ العبقريِّ، وجَرَى الوادي فطمَّ على القَري ولما مضّهُمْ ضَيْمُ ذلكَ الرُّداع، وتفاءَل كلٌّ بقَلْب ذاكَ الوَداع، أقالَ وقالَ وهَجّرْتُ بالهواجر وقالَ: الطويل:

أفارِقُهُ والنفسُ ليسَ تُفارق ... وأصدُقُهُ الصَّفْوَ الذي هو صادقُ
وأصْفِي له ودِّي وإنْ ظلًّ ظاعناً ... تُسامِرهُ دونَ الرِّفاقِ الأيانق
وأغضِي على لَذْع الرحيلِ وأنثنِي ... على طُور ذا التَّفريقِ والقَلْبُ صاعِق
وإنِّي وإنْ عزَّ اللقاءُ وأترِعَتْ ... بحارُ الجَفَا راج جَنَى العَوْدِ واثقُ

قالَ: فرثيتُ لُهزالِ ذاكَ السمينِ، وإظهارِ جَيْش ذيَّاك الكمينٍ، وأذريتُ لآلئ الدمع الثمين، وفارقتُهُ مفارقَةَ النكاح مِلْكَ اليمينِ.

حسن خليل
29-11-10, 02:29 PM
المقامةُ الثانيةُ والأربعونَ الصوفيّةُ الأرز نكانيّة

حَدَّثَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: سَمَتْ بي قَدَمُ الذِّمَم الوفيَّةِ، والهمَم الصَّفيَّة والعفَّةِ المصطفيّةِ، إلى مصاحبةِ الصوفِيّةِ لأكتَسَي صَوت صُماتِهم، وأكتسبَ حُسْن سمتهم وسِماتِهم، فدخلتُ الحمّامَ لأبيدَ الوَسَخَ، وأعيدَ من سُوَر التنظُفِ مَا انتسخَ وحِيْنَ حَلَقْتُ لمَّتي، وأرقتُ ماءَ مُلَمّتي، زَهِدْتُ في عُنْصرِ الصَّخَب وخَصْلهِ، وصدفِ كِيس المكاسب وخَضْلهِ، الطويل.

وقلتُ على اسم الله هذا بفضله ... فلا زلتُ مشمولاً بفَضْفاض ذا الفَضُل
فما أسعدَ الإنسانَ إنْ باتَ خاليَاً ... خليّاً من الإخوان والمالِ والأهل
فما الذي أغنَى الملوكَ وقد ثوتْ ... تحيت الثَرَى رغماً علَى فرش المُهْل
وماذا الذي أبقَى الزَّمانُ وصَرْفُهُ ... على مَنْ مضَى قُدْماً مِنَ الكُثْرِ والقل
فكم مَزَّقَ التفريقُ قُمْصاً على أمرئ ... وكَمْ خَدَّد الإخوانُ خَدَّاً على خَلِّ
فلا تَحْسُدِ الحرِّيصَ يوماً لوَبْلِهِ ... فكم وابلٍ أمسى أقلَّ مِنَ الِّطل
وكم رَبِّ بُخْلٍ حامَ في حَوْمةِ الشّقا ... وكَمْ رَبِّ ظلِّ ظَلَّ في ناضر الظل
وكمِّ طامع ألقاهُ في الهُونِ حِرْصُه ... فأضحىَ سَليبَ العِزِّ في كِفِّة الذُلِّ
فأفٍّ على أفٍّ لِمَنْ باتَ قَلْبُهُ ... حليفَ مُنىً رهْنَ المَطامع في قُفْلِ

قال: فلم أزلْ ألامسُ أربابَ هذي الطريقةِ وألابسُ، وأجالسُ أزهارَ هذِه الحديقةِ وأمارسُ، وأجوبُ كلَّ فجٍّ عَميقٍ، وأشوبُ الدَّعَةَ بكلِّ قُطرِ سحيقٍ، إلى أنْ مجَّني فم حُلقوم القَدَرِ المرقوم، إلى مدائنِ الروم، معْ معاقرةِ القُروم، فجعلتُ أجتَبي بَلدة تصلحُ لطلبي، ولا تفضحُ ستورَ مُتَقَلبي، ففرَّحني لفِكرُ المدقِّقُ، وسَّرحَني الحِسُّ المحقِّقُ، إلى استحلاس أرزنكانَ، وقد كانَ مِن شدةِ المحافظةِ ما كانَ، فدخلتُها فَرِحاً باهتزازٍ، دخولَ مَنْ حَظِيَ بركازٍ أو مُنِح بقبض توقيع اعتزاز، فبينَا أَنا أطوي المَناهجَ، واسْتَنْشرُ المعارجَ، واسترشدُ الساكنَ والمارجَ ألفيتُ صُوفيَة صَفَتْ صِفتُهم صَفاء الزلالِ، وضَفَتْ مودَّتُهم المائلةُ عنِ المَلالِ. وأنحفهُم محالفةُ الاجتهاد، وأسكَرهُم كأسُ سُلافِ السُّهادِ، فسَلّمْتُ عليهم تسليمَ مَنْ وَلَجَ في مَضيقهم، وصبرَ على صبر ضُرِّ ضيقِهم، فانثالُوا إلى مصافحِتي، وانهالُوا للالتحافِ بلِحافِ ملاحفتِي، فاَبتهجتُ بتعييدِهِم، وأكرموني إكرامَ عميدهِم، وأنا مَعَ إجادةِ تُؤدتِهم، وحسَنِ مودتهم، أعجبُ لجَودةِ اَرتباطِهم، ولا أعلم مَنْ زعيمُ رِباطِهم، لإنفاقِهم من ذلكَ الإلمام، واتفاقِهم في السَّحْلِ والإبرام، وحينَ شرعَ البَشرُ في الصِّياح، وانتشرَ ريشُ جؤجؤ الفَلَق والجَناح، أخذتُ بعد نَهْلِ نعيمِهم، في استعلام خبرِ زعيمهم، قالوا: اَعلمْ لا زلتَ عينَ العزيزِ، مضاعفَ التعزيز، أنَّهُ درجَ منذُ أيام قلائلَ، فشققنا لفراقه الغَلائلَ، أنفقنا لتجهيزهِ الجلائلَ، وطُفْنا بعدَ دَفْنهِ القبائلَ، فلم نرَ مَنْ يَليقُ لمَسْنَدهِ، ولا مَنْ يُطيقُ قَبْضَ قائم مُسْنَدهِ، وأمَّا الآن فقد مَنَّ اللهُ علينا، بقدوم قدمِكَ إلينا، ونَحنُ نَمُدُّ إلى سماء إحسانِكَ أكفَّنَا، لتحسمَ نظرنَا عن غير زعامتِكَ وتكفّنا، لِمَا شاهدْناهُ من شَرَفِ شِمالِكَ، وعَدَم جَنُوبِك في المُجانبة وشَمالِكَ، ففي قَبولكَ أنفسُ مسرَّةِ، وفي ضمَّنا إليكَ أعظمُ مبرّةٍ، فقلتُ لَهُم: أنَّى تُظلّلُ الدّوْحَ الأجارعُ، وتعلو على رؤوس السادةِ الأكارعُ، أم كيفَ يرتاحُ مَعَ الخليَ النازعُ، وتنقادُ بِرَسَنِ يدِ النَّسيم الزعازعُ، وأنىِّ لِما ذكرتُمُوهُ وَجومٌ، فَكَمْ صرَع هجومٌاً هجوم، وما أمّلتموهُ فملومٌ، وما منّا إلاّ لَهُ مَقامٌ معلومٌ، فقالوا: قد رأْينا قربَكَ نعيماً، ورضيناكَ لرَهْطِنَا زعيماً، فأجِبْ لِنُسعدَ بد، ونكتسبَ عقودَ أدبِك، قالَ: فأجبتُ إلى ما سألوهُ، وبذلتُ لَهم مِنْ خِزانةِ الإجابةِ ما اَستبذلوهُ، وبينما أنا ذاتَ ليلةٍ أطْرِفُ. بِما أقولُ، ونَشُولُ عَلَى ألسنة أسِنّة السَّهرِ بما نقولُ، إذ قرعَ حلقةَ البابِ، مع انسكابِ الرَّبابِ ضيف اعتادَ الطروقَ، واَتّخذَ مصباحَهُ البُروقَ، وقالَ: يا قضَاةَ القُضاةِ، وأساةَ الأساةِ، وفرسانَ التجمُّلِ، وإخوانَ التّململِ، هل لكُم في إيواء غَرْيب سائح، وزهيدٍ نازح، وفقيرِ طائح، ووقيرٍ نائحٍ، قد أذلَّتُهُ حنادسُ لونها الحَمَمُ يَسودُ، وأضّلته ضِباعٌ المَضْيعةِ، والأسودُ، وهو مَعْ صَعَرِ اللِّيتِ، وصَفَر الحَميْتِ، مستغن عن البِيْتِ، مفتقر إلى المَبِيْتِ، قال القاسمُ بنُ جريالِ: فلمّا نبأتْنَا بوارقُ غَمامهِ بما سيطفحُ من سيولِ إلمامهِ، وعرَّفَنا عَرْفُ عباراتهِ، بما سيتوقَّدُ من حرارةِ محاوراتهِ، أيقْنا أنَّهُ مِمَّنْ يثابرُ على مناظراتهِ، ويبادرُ إلى حلِّ حلاوةِ حُلْوِ محاضراتهِ، ولمَّا ردَى نحونا وردينا، وطالعَ صبحُ صَباحةِ قربهِ فاهتدينا، ألفينا عليهِ شعارَ الزهَّادِ، واستشعارَ العُبَّادِ، وإماراتِ الجوع، وإشاراتِ الخشوع، فاستحضرنا نفاضة الزبيلِ، وملنا إلى غَمْزِ يدهِ أو التقبيل معتذرينَ لذلكَ القَبيل، فأعرضَ عن النفاضةِ، وعرَّضَ بدُخولهِ في الريَاضةِ، ثم أقبلَ يُسمعُنا من لمحاتِ حقائقهِ، ما يُغنِي عَنْ نفحاتِ حدائقهِ، ويَنْشُرُ من لَطيفِ طرائقهِ، ما اَنطوَى عَنْ بهجةِ نُضَارِ النَّضَارةِ ورائقهِ، حتَّى اقتنصَ بمَخْلبِ بَراعتهِ حبّاتِ البصائرِ، وقَنَصَ عينَ عقولِنا بطوال عرائسه القَصائرِ، ونَقَصَ قطرُنَا عندَ سُحُوح سَحائبهِ، ورقَصَ حَبَبُ إفصاحهِ، على رؤوس كؤوس سبائبهِ، فشُغْلنا بذلكَ الشِّهادِ، عن مراجعةِ الجِهاد، واشتغلْنا بذلكَ الإروادِ، عن مُراودةِ الأورادِ ولمّا فَرّتْ جَحافلُ جهادِنا، وكرَّتْ كتائبُ رقادِنَا، انكفأَ كلٌّ إلى مرقدهِ، وقد شُدِهَ بأسودِ إرشاده ونقدهِ، فانطلقتُ بهِ إلى مَخْدَع شاغرٍ، وأنا بمدح فضائلهِ أفضلُ فاغر، فتهلَّلَ لمفارقتهِ، واستقبلَ قنابلَ قبلتهِ، وباتَ محتجباً عن الرِباطِ. لا تلجُ مقلتُهُ بينَ خلَلِ الرقدةِ والرباط، حتى أويْنا لطولِ قيامهِ، ورثينا لأفولُ منامِهِ، وأخذْنا نعجَبُ من بَدائع عاداتهِ، وعظمَ طلائع عبادته، ونقول: حينَ حسمَ حبالَ التهويم، وأعجزنا بوسيم ذلكَ التسويم، وأخرس الألسنَ بنثرِ نثرهِ النِظيم، يختصُّ برحمتهِ مَنْ يشاء واللهُ ذو الفضلِ العظيم، قالَ: وكنتُ لمّا ندَّد بمعانيهِ، وبرَّدَ بينَنا لطائفَ ما يعانيهِ، أَظُنُّ أنَّ أبا نصرِ جالبُ هذهِ الآياتِ، وناصبَ قَصَبِ هذهِ الراياتِ، وأنا فلا أتمَكّنُ من تدقيق النظر فيهِ، لاَزدحام حِزَقِ معتفيهِ، فلمَّا استبَاحَ مِنْ حلائلِ سَحَرهِ ما استباحَ، وهَزَمَ معسكرَ الصباح المصباحَ، ألفيتُ مَعَ صَيِّب نَصْرِنا، صاحبَ نَصْرِنا أبا نَصرِنَا، فأقبلتُ إليهِ إقبال العِشْرِ الشاربِ، على طيب مَشَارع المَشاربِ، فقالَ لِي: أراكَ عدْلتَ عن مَبْيَع المُجْتدي، واَعتدلتَ عند اعوجاج المعتدي، فقلتُ له: كيف لا وسيبُ سيرتك أجتدِي، وبسَبَب سَنَنِكَ أقتدِي، ومن يهَدِي اللهُ فهو المهتدي فقالَ: الحمدُ للهِ الذي اطلعَ في خضراء عِفتِك: غمائم جابتِهِ، ورفع على جباهِ معرفتِك عمائمَ إجابتهِ، وندَبَك إلى طريقِ طاعتهِ، وضرَبَكَ في قالبِ أهْل إطاعتهِ، فطوبَى لِمَنْ أخلصَ في قِصاصهِ، وتذكّرَ يومَ قِصاصهِ وفَكّر في خَلاصهِ، لإتقانِ إخلاصهِ، ثم إنه شكَرَ ذلكَ القال، وشَهَرَ شَبا مشرفيِّ قيلهٍ وقال: الوافر:



لقد ضَل أمرؤ أمسَى عكوفاً ... على رَاح الجَهالةِ والشموع
يبيتُ وطَرفُهُ سام طَموحٌ ... إلى خَوْدِ المطامع والشّموع
ويُصبحُ قلبُهُ في حَصْرِ حِرْص ... قَنيصَ نقيصَةٍ صِنوَ الوُلوع
ويمسي هَمهُ كَسْبَ المساوى ... بسُوقِ فسوقِهِ السَّاهي الوَلوع
ويَبرقُ عقلُهُ منَ برقِ تَوْقٍ ... إلى الرَّاووقِ مَمْقوت اللموع
ويْرفلُ تائهَاً في رِفْل ثَوْبٍ ... يَثوبُ بذمِّهِ الدَّنَس اللَّموع
وتجْذِبُ لُبَّهُ بُرةُ الأماني ... بكَفِّ رَجائهِ الوافي القُنُوع
فيا نُعْمَى لَهُ لو ظلَّ يَوماً ... بظِلِّ قَنوطِهِ عَيْنَ القَنوع


قال الراوي: فازددتُ بأبياتهِ حماسةً ونُسكا، وقَنِعْتُ بما يكون للرَّمْقِ مُراقَة ومسكاً ولمّا أسنَّ إنسانُ ليلنا، ومَنَّ المَلَلُ سِنانَ مَيْلِنا، أحضرْنا ما تخلَّفَ مِنْ خِواننا، وأظهرْنَا لَهُ ما استتَر في صِواننا، فأخرجَ مَريساً مِن جِرابهِ، الذي اضطبنهَ وجرى بهِ، وقالَ لنا: مُذْ طلّقتُها كرهتُ بَنيهَا، وكلفت بتَرْكِ مواكليها، فقالوا لَهُ: فخوّلْنَا ممّا لديك، لتحلَّ البركةُ بحلولِ يديكَ، فقَدّمَ لنَا وعاء مريسهِ، ولَمْ ندر أنهُ شَابَ حلاوةَ مريسهِ، بمرِّ مرمريسهِ، وحين حصلَ بالمِعَدِ، وشَمَل كُلَّ العَددِ، إنصرعَ كلٌّ علَى مُصلاهُ، واَرتفعَ قَطَنُ فقارهِ وصلاهُ، فمالَ إلى كَسواتنا، وتركنا بانحسار سوءاتنا، ثمَّ انسابَ بالبابِ انسيابَ الذُّباب، فكنتُ أَوَلَ مَنْ غُمِط حقُهُ، وقَصِدَ مَحْقُهُ، وأطربَهُ فِلْقُهُ، وصَحبَهُ دِلْقُهُ.

حسن خليل
29-11-10, 02:37 PM
المقامة الثالثة والأربعون الدمشقية لابن دريد

أخبر القاسمُ بن جريال، قالَ: جَنَحْتُ حينَ جُنوح النَّوائب، وسُحوح أَنُوح الركائبِ، ونُكوص شُصُوص المَصائبِ، وخُصُوص خلوصَ الرَّغائب، إلى مُحادثةِ الحبائبِ، ومُناوحةِ هذي السَّحائبِ، فألقيتُ مِنْسَأَةَ الارتحالاتِ، واتَّقيتُ أراقمَ الانتقالاتِ، وأقبلتُ أروضَ الذِّعبليّاتِ، وأتوسَّدُ الحشيّاتِ بالعَشيّاتِ، وأهزُّ أغصانَ المُصاهرةِ، وأبُزُّ لها أثوابَ المُثابرةِ، وأَمْرَحُ بحُلَلِ الأرْيحيَّةِ، بين حدائقِ الصالحيّةِ، يُساعدني مُساهرةُ القمرين، ومحاضرةُ الأحمرين، ومسامرةُ الأسمرين، فبينما أنا قافلٌ من مَغَارةِ الدَّم، رافلٌ بالخَدْين المُخدَّم، أترنَّحُ ترنُّحَ المِزْهَري، بالرِّيح العنبريِّ، على شاطئ السَّريِّ، بالطِّرْفِ العَبْهرى، إذْ لحظتُ بالطَّرفِ البَريِّ، فُرَيْخَ أبي نصرٍ المِصريَ، وهو يلتوي لغَيْثِ غَرَثِهِ، ويَرْعَوي لِعَيْث شعَثهِ، ويَنْضَوي لفَيْض قَضَفهِ، وينطوي لنَشْرِ شَظَفه، فاَلتفتَ إليَّ اَلتفاتَ العاتب، ورمقَني بحُسْن لَحْظهِ المُعاتبِ، وقال لي: شغلكَ عنِّي ببابِ البريد، طُلاوةُ دَثركَ الرَّبيد، وألهاك كثرةُ الثريد، عَنْ حفْظ ودنا الرَّثيد، وحجبَكَ عَدَمُ عَقْلك الرِشيدِ، عن إسعافِ الشَّادنِ الشَّريدِ، وأعجبكَ مكاثرةُ العَبيدِ، إنَّكَ لفي تِيه تيهِكَ البعيدِ، فقلتُ له: معاذَ اللهِ أنْ أَكفَّ وَكْفَ هذهِ الدِّيمةِ، أو أتناسىَ سَحَّ عهدِ العهودِ القديمةِ، ثمَّ إنِّي أحللتُهُ قَريعة قراري، وأجللتُهُ بتجديدِ وَكيرةِ داري، ونفحتُهُ بجبّةٍ وحظيّةٍ وعمامةٍ قاضويّةٍ، وأمرْتُ بإحضارِ الأَطعماتِ، والجِفانِ المُطعِمَاتٍ، وبقيتُ مدّةَ مُقامهِ لا أسألهُ عن نوازل الزمن واَنتقامه، إلى أن ذكر لي أن سببَ كسرِ ساعدهِ، اَنزعاجٌ حصلَ بينَهُ ووالدهِ، فقلتُ له: إنِّي لأرى المبادرةَ إلى الاصطلاح، عَيْنَ الصَّلاح، والمسابقةَ إلى سبيل هذا الفلاح، أولى من تقبيل فَم قُبح هذا القُلاح فالصوابُ أنْ تَنْصَبَّ إلى منْ يكْثِرُ خُبوُب خوابيْكَ، ويملأ جيوبَ جَوابيكَ وتَخْلَعَ شِعارَ تَغابيكَ، وَتخْفِضَ جَناحَ المذلَّةِ لأبيك ومتى خالفتَهُ وعصيت، وأسرَرْتَ عقوقَهُ وتعاصيتَ، قلَّ نيلُكَ، وكثُرَ مَيْلُكَ، وطالَ ويلك، وقصر ذيلك، فمِثلك منْ أكرمَ والدَه وبر، وأبحرَ إلى حِواءَ إحسانِه وأبر، قالَ: فجعلَ قُبَلَ عَروس وَصيَّتي قَبولاً، وفتحَ لَهُ مِنْ رِيْح حُسْن قَبولهِ صبَاً وقبولاً، قال القاسمُ بن جريالِ: وكنتُ أنشأتُ مدّةَ مَدِّ الطّوائلِ، وإدبارِ أَدبار الغَوائلِ، داراً دارتْ في فَلكِ الفِخارِ، وأدارتْ دِرَر تَسْنيم نَسيمها الزخَّار، وحَسَدَ فِردوسُها سَنَا سَعَدِها المكينِ، وسَجَدَ لآدم دُمَى أركانها ملائكةُ التمكين، بينما نحنُ ذات يوم نتتبَّع بدائعَ المُداعباتِ، ونتوقعُ ذخائرَ المخاطباتِ، إذْ دخلَ عليَّ وصيف، بكتابٍ ما رُفعَ لَهُ نَصيفٌ فكسرْتُ صِمامَهُ، وشكرتُ اهتمامَهُ، فإذا هو مِنْ أبيهِ، ذي الفَضْلِ النبيهِ تتضمَّن دُرَرَ ألفاظهِ المُجيدةٍ، تهنيئةً بنزولِ الدارِ الجديدةِ، لا يُعيبُ ذوائبَ عروسِها قَطَطٌ، ولا يَشُوبُ شمولَ شُمولِ إنشائها نُقَ، وهي: أطالَ اللهُ طِوالَ الطَّوْدِ الأَطولِ، والمالكِ الأكملِ، وأدام دُولَ آدهِ ووطَّدَهَا، وعدَّلَ دعامَ عُلوها وأسعدَها، وحرسَ سوامَ سُموِّها وسرمدهَا، وحسمَ حسودَ حولِها وأكدها، وألهمَ كحْلَ حِكمهِ كحْلَ سوداء، سِرِّهَا ومِرْوَدَها، وأمرَ عَددَها وعُددَها وأمرَّ كأسَ أعداءَ عَمْرِها وأوعدَهَا، وسدَّدَ أراء سَعْدِها ومَعْدَدِها، المملوكُ أصدَره حاملَ دُرِّ مِدَح لا ساحلَ لمدَدِ مَدِّهَا، ولا حاسمَ لحللِ حَدِّ حَمْدِها، ولا صارمَ لعرمرِم عِهادِ عهدِها، ولا طاسم لحَدَ دُورِ درورِ وُدِّها، ولا هادمَ لأسس سُؤْددٍ سَرْدِها، ومادحَ حِوَاءَ حُرِّرَ للعطاء والكَرَمِ، وأهِّلَ لصُعُود صعودِ السماحِ والهِمم، أمدَّهُ اللّهُ مَدَد الدُّهورِ والأَعوام، وأحلَّه مَحَلَّ الصارِم الصَّمصام، لا الطّالحَ الكَهام: الكاملَ:

دارٍ سمَا سَعْدَ السُّعودِ سماؤها ... وسُموُّها وسَلا اللَّعا حُسَّادُها
دامَ السرورُ مَعَ السعودِ وحَلِّها ... وأسالَ سَحَّ سَدادِها إسعادُها
عطّر اللهُ صدورَ صلاحِها المُحسَّد، وكرَّم مكارمَ كَرَمِها المحمَّدِ، وما دار عاطلٌ، وأطلَّ هاطلٌ، وعطل آهِلٌ، وسرحَ صاهلٌ، وسطَا سامُه وسمَا سامهُ وَسامُهُ، وسَلَّ حُسامَهُ إسلامُه، وإكرامهُ لمحمَّدٍ وآلهِ وسلامُه.

قالَ: فأقبلتُ أفكرُ في حلاوة رُضابها، وَنضارةِ اقتضابها، وإجَادَةِ حَثْلِها، والعَجْز عن رَدِّ جواب مِثْلِها، فقالَ لي اَبنهُ: أرى حَلَّتْ بحُلولي الألوكة ركائبُ افتكارِكَ، ونزلتْ بنزولِ هذهِ الرسالة مقانبُ اصفرارِكَ، فهلْ لكَ في أَن تعرِّفَني فَحوَى هذا المسطورِ، أو تشنفَني بما اَحتَوى عليه صَدْرُ هذهِ السُّطور، فقلتُ لَه: ليسَ بها ما يُوهِنُ، ولا اشتملَ عُنوانُها على ما يُحزِنُ، وإنَّما هي مالكةُ أبيكَ اليمِّ، الفائض الخضم، تترجم عن ذيت وذيت، لا عما ارتديت من سوء سفهك واحتذيت فسبَبُ هُمومي وتَلاطمُ وجُومي، عَدَمُ رَدِّ الجَوابِ بالصفةِ، والاعترافِ بالتقصيرِ من جملةِ المعرفةِ، فقالَ لي: أتهتمُّ وعندَكَ المطَرُ الخارجُ من غَمامِها، والثمرُ البارز من كِمامِها، والشِّبْلُ المستنجلُ من أَسَدِها، والظلّ المِستخرجُ من مُسْتاسَدِها، فلمَّا سمِعْتُ تقريد أليفاظه، وشكرتُ شَيْمَ شرر شُواظهِ، ألقيتُ إليه الكتابَ، وقَدِ ازدحَمَ جحْفَلُ الخَجَلِ وانتابَ، فحينَ فهم مضمونَهُ، وفَقهَ ما تَقِفُ الأفهامُ دونَهُ، دَفع إليَّ دواتَهُ، ووضع بمنجنيقْ الفِكرِ مِرداتهُ، وقالَ: اكتبْ: وردَ الصَّادرُ الأكرمُ، والوارد المكرَّمُ، أدامَ اللهُ سُعود مُرسِلهِ ومَدَاهُ، ودلَّه لأعلام المحامدِ وحَدَاهُ، ودَلَّهَ عدو حَولهِ وحِمَاهُ، وأمَدَّ سموَّ سماء سَعدِه وحمَاهُ، ومهَّدَ مِهادَ عدلهِ وهداهُ، وطول طَولِ طوله وهُداهُ، وصَرَمَ عِصَمَ هَمِّهِ وعدَاهُ، وطمس صورَ حسَّادهِ وعِدَاه ورودا أمطرَ رُكامُ وصولهِ دُرَرَ الكَلمِ، وأصدرَ دأماء حُصولهِ سَحَّ سِحْرِ حَلال الحكم ودَحَا مُراحَ المَرح سِوادُها، ومَحا سُوَرَ عُكاِمس السَّدَرِ أرْآدُها الكامل:

ما الدّرُّ الدَّرورُ وسحه ... لمّا عَلاَ صَدْرَ الطّروسِ مِدادُها
ملا الصُّدورَ سرورُ حُلْوِ حلولها ... وسما وما حُرِمَ السَّما روَّادُها

عَمَرَ اللهُ معالم إرعادهِ، وعمر عساكر إسعادِهِ، وأهلَّهُ لصلاحِ مَعَادهِ، ومَدَّ دَوَّ وِدادِهِ وعَراهُ، وأسعدَ ساعداً أم أمَّهُ وعَراهُ، وأحْكَمَ وِعَاء عَلاءَ عِلْمهِ وعُرَاهُ، وكَساهُ دُروع عُلُوِّ عملهِ ولاَ أعراه، وألْهمَ هِمَمَ مملوكهِ، وحامدَ لألّ لؤلؤ ألوكهِ، حَمْدَ ما لو اَسطَاعَ هداء روحه ما أسَدَاهُ، وكمل لحم كرمه وسداه، لما أداه ما كلم الإكآم، واحلولك الركام وعمر الإسلام، ووصل السلام والسلام.

قال الراوي: فعجبتُ من مَلاحةِ وشائهما، وفصاحة إنشائهما، واشتباه نصاحهما، وانتباه إفصاحِهما، وقلتُ، عندَ انصبابِ ذاك الهباب، وانسكاب ذيالك الإلباب يُؤتى الحكمةَ مَنْ يشاء ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب..

حسن خليل
29-11-10, 03:06 PM
المقامة الرابعة والأربعون التجنيسية القَزْوينية

روَى القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: ما فتئتُ مُذْ حَرَصْتُ على النَّضَارة والنضَالِ، وخلصتُ مِنْ قِسيّ الجهالةِ والنِّصالِ، واَعتليْتُ قُنَّةَ الإقبالِ، واَحتذيتُ قبائلَ الأقتالِ، وقَلَلتُ قُلَلَ الجَنَفِ والاحتيالِ، وخلعتُ خاتِمَ خِنْصِرِ الخديعةِ والاختيالِ، أتوخَّى قليلاً لا يَحتذي لاحبَ خيانةٍ، ولا يحتذِي رَواحب جنايةٍ، ولا يَجْحَدُ لي إيالةً، ولا أحمِلَ من ثِقَل إبَّائه إبالةً، إلى أن ظَفِرْتُ بخلٍّ مُخْضَرِّ النعال، غير مُتَقَلْقِلٍ لمفارقةِ البِعالِ، ذي جَنان مِزْحَمٍ، ولسانٍ مِرْجَم، يسبحُ العائمُ في لُبَابهِ، ويركع إيوانُ كسرى لِبابهِ، لا يميلُ عنْ حِبابهِ، ولا يستنجعُ محارِمَ جَنابهِ، ولا يَفْري بغَابهِ، عِرْضَ منَ اتَّشحَ بعَابهِ: الطويل:
فكانَ على أزْم الخَنا وخِطابهِ ... أخا خَفَرٍ لا يَخْتَلي غيرَ طابهِ
وكانَ على رَشْفٍ الشرى ورُضابهِ ... أبا سَفرٍ لا يَجْتلي ضَيْمَ ظَابهِ

فلم أزلْ منذُ أحسن وَربي، وخوَّلني رُخالاً ورُبِّي أشكرُ شَيْمَ تلك الخلالِ، وأسكنُ في وَسيم ذاكَ الحِلالِ، وألتحِفُ بشف تِيْكَ الشِّمالِ، وأتصف بسَف سَفوفِ نَسيم الشمالِ، إلى أنْ مجَّنا فَمُّ قَزوينَ بعدَ طُولِ النَّقلِ، واَحتمالِ الصَّارم الثقيلِ، فولجتُها بقَلْبٍ قلّبَ ما نَضبَ وَدرَّ، وقلّبٍ جرَّبَ ما غَرَبَ وذَرَّ، لنكتَسِبَ ضَرَبَ زُبدِها، ونَخْتَبرَ شَرَفَ رُبَدِها، فحين طافتْ علينا طوائفُ إبداعِهم، واَصطافَتْ أسماعُنا في طرائف إيداعهم، ألفيتُهم سِّن يفضِّلونَ أصواتَ الجُدَاةِ، على طِيبِ نَغَماتِ الحُداةِ، لا تَنسى بمناسمةِ وسنانِها، مصادمةَ عاملِ الغيِرَ وسِنانِها، ولا تَسْتُرُ مَرأى عيانِها، مخافةَ انتجاع عَنانها: الكامل:

فَهُمُ السحائبُ إنْ تعذَّرَ هاطل ... يوماً وأقلعَتِ السماءُ وشحَّتِ
ومَتى ترنَّقَتِ المواردُ أو خَلتْ ... جادتِ بثجَّاج النَّوالِ وسحَّتِ
وإذا تزاحمتِ الحروبُ وحَمْلَقَت ... قامَتْ على قمَم القُبول وشَجّتِ
وإذا تهتكتِ السُّتورُ ومُزِّقَتْ ... سدَّتْ كُوى بِدَع الهَناتِ وسَجَّتِ

قال القاسمُ بن جريالِ: ثم لم نزلْ نرتعُ في حِمَى حِوارهِم، ونَرْبعُ حَجرَ حِجْرِ جودةِ جوارِهم، ونَشْتارُ مِنْ شهْدَةِ نشاطهم، ونَمتارُ من زُبْدَةِ سَعَةِ بساطهم، حتَّى بُهتنا بَهتونِ هباتهم، وشُدِهْنا بشيْم شآبيبِ هيئاتِهم، ولمَّا حانَ حِيْنُ الارتحالِ وطابتْ بوصفهِم جلائلُ الارتجالِ، عَرَضَ لَهُ دِقٌّ اندقَّتْ فيهِ صِعادُ صَبره وبارتْ، وهاجَتْ بهِ هُوجُ ريْح تَباريحهِ وثَارَتْ، واَنجزلَتْ حِبالُ حِدَّتهِ وحارَتْ، وانخزَلَتْ جِبالُ جدَّتهِ وخَارتْ، فلمَّا عالَ عَناؤهُ، واستطالَ عياؤهُ، وتغيَّرت سحناؤهُ، وكرَّتْ من كَمينِ الكُرَبِ شحناؤهُ، واَنشقَّ مِنْ مشقَّةِ المَرَض شقَّاهُ، وسَقاهُ كأسُ السَّقَم ما سقاهُ، وعَزاهُ إلى الرِّمَم ما عَزَاهُ، وغَزاهُ مِنْ غُزاةِ الرَّزايا ما غَزاهُ، طاحتْ عليهِ رَحاَ الحِمام، وناحَتْ على آدابهِ وُرْقُ الحَمام، فبادرتُ إلى إحضارِ، حنوطهِ وغِسْلهِ وتنظيفِ رداءَ دَفْنهِ وغسْلهِ، ولمّا ضمَّهُ بُهرة لَحَدِهِ والحوافي، وأنبتَ الأسف عُوجَ قوادم الجَزَع والخوَافي، حَضرَ واعظٌ قَدْ لوَّحَتْ حَرورُ الهَرَم وجوهَ قطَنهِ، وصوَّحتْ رياحُ الحِكَم حدائقَ فِطَنهِ، فقعدَ من حيثُ نرقُبُه ونرَاهُ، وقد تَبعَ قَرَنَ المقاربةِ وتَراهُ، فلمّا قطعَ القارئُ ألحانَهُ وقُرانَهُ، وحسَمَ وضَين تَرجيعهِ وقرانه، حمِدَ اللهَ تعالى وشكرَ، بعدَ أنْ جَدَّ سُيولَ انسجامهِ وسكر، ثم قالَ: صدقَ اللهُ العظيمُ.

الحفيّ الكريم، الخفيُّ رازق الأنام، وغافرُ الآثام، رافع الجرباء، وساطحُ الحزباء، الوافر الحياء، المتضاعف الحباء. مُخَدِّدُ الخدودِ، الواضحُ الحدود، ذو الجدِّ الفاصل، والحدِّ القاصل، والمِنَنِ الظاهرةِ، والسُّنَن الطاهرةِ، الذي أوعدَ أربابَ الفُجورِ، وأرعدَ لتَرْك زَكاةِ الفجور، وتَعْتَعَ المساكنَ وذمَّر، وزعزعَ الأماكنَ ودمَّرَ، أحمدُهُ على تكاملِ نِعمِهِ، وتَزايُدِ نَعَمِهِ، وإفضالهِ المعروفِ، ونَوالهِ الغامرِ المَغروفِ، وأشفعهُ بالصَلاةِ على خيرِ مَنْ خَلَقَ، وعَجَّ بتَطوافهِ إذ حلَقَ، عِبادَ اللهِ ما لكُم أهملتُم الخُشوعَ، وأعملتُم الأملَ الجَشوعَ، وغفلتُم عَن انجذاب زمامِكم، وأَغفلتُم ذكرَ مكاسرةِ رِمامِكُمْ وسُحْتُم، إلى جِفانِ الجَهْلِ واغتذيتم، ورحتُم بارتياح راح الحَنَقِ واَغتديتُم، طالما ذكَرتُم حلاوةَ منافستِكُم، ونسيتُمْ مرارةَ مناقشتكُم، وقلَّما نَفِدَ أعياؤكُم، أو خفَّتْ أعباؤكم، لا تتَّعظونَ بمالكٍ غَبرَ، ولا تعتبرون بهالكٍ عَبر، ولا تكترثونَ بمصادمةِ المآتم، ولا تحترثونَ لحَصْدِ مُنافثَةِ المآتم، همّكم أَكْلُ القاترِ، ومحاضرةُ الطَّرْفِ الفاترِ، ومَنْعُ الإعانةِ والأَعطيةِ، وهَتْكِ سُتورِ الفواحش والأَغطيةِ. هًلاّ ادكرتُمْ السَّيْبَ الذي نَقَضَ جُدُد جُدودكُم وحَطَّ، والشَّيْب الذي وخَطَ بعَرْض عَارضَيْ خُدودِكُم وخَطَّ، والسَّهو الذي مَقَلَ مَقْلَ عقولِكم وغَطّ، والمَهْوَ الذي نَقَلَ نُقَلَ قَمَر اقتداركم وعطَّ، فإلامَ تختالونَ، وعلى حَقير الحُطام تَحتالونَ، أفٍّ لما تتركونَ، وتُفً لعَطنِ عُطلةِ بهِ تَبركونَ، وتَبّاً لِمَا تجلُبونَ، وعُسِّ سَفهٍ بهِ خِلْفَ المخالفةِ تَحلبونَ، إنكم لفي بحرٍ من الحِيَلِ سابحون وَبرٍّ من عَدَم حُسن بِرِّكم سائحون، ثُمَّ أنشدَ: الكامل:

يا مَن تروَّح بالمُنى ثم اغتدَى ... وبدايَتَيهِ ببغْيهِ لمّا اَعتدَى
إنْ كنتَ مغروراً بتنقيس المَدى ... فَلعَنْ قريب تَرتوي منكَ المُدَى
ببنانٍ حَينِكَ إنْ تراهُ قد سدا ... حتّى تَصيرَ بعَرْقِها العاسي سدا

فحينَ قَضبَ جريرَ جرَّتهِ، ونَضَبَ ماءُ مَسيلِ حرَّتهِ، وأَلجم أسَد وعظهِ القَضْقاض، وألجمَ سَدا فضلهِ الفَضْفَاض، وقدَّ قميصَ يُوسُف عِظتهِ وقَصّ، وسدّ ما انسجمَ من سَحَ سحابهِ وفصَّ، قالَ: أًلهمكُم اللهُ الصبرَ الجميلَ، وأتبعَ في دَعَ سَيْلِ مصابكم الحًميلِ، وجعلَ هذا الرُّزء فِسْكِل أتراحِكم والهموم، وآخِرَ ذَمّة أحزانِكم والهموم. ونفَحكُم بأَجْرٍ تضيقُ بهِ متونُ العَراءَ، ويَصْغُرُ في جَنبه كبَرُ هذا العزاءَ، بطولهِ السابغ الذُّيولِ، ودَوح إحسانهِ المنَّزهِ عَنِ الذّبولِ، قال الراوي: فلمّا غَبَطُوا جودَةَ فيضه النجيبِ، وأغبطوا الأنفسَ حَلَّ نظام لآلئ النحيبِ، جَبرُوه عندما خَبرُوهُ، وشبروه بعدما سبروهُ، فكنتُ أولَ مَن حضرَهُ وحيّاهُ، وحل بمحضره حباه وحباهُ، وكنتُ أرجَي حينَ سكرتُ من سلافةِ شموله وشكرْتُ تألقَ ضياءَ شُمولهِ، مَعْ ما أمارسُ مِن مُزاحمةِ العَمِّ، وسَورةِ سُكْر مزاحمة الغَمِّ، حصولَ معرفتهِ، وما الذي حَصَلَ برفع غَوْرِ مِغْرفَتِهِ، لأعرفَ من أي سحاب انسكب سيبُهُ، وفي أيَ شِعْب شَعْبِ انتشرَ شَيبهُ، فم أستطِعْ للجَلبةِ إبصارَهُ فما ثلت بالأثنيةِ أنصارهُ، وأمهلتُه إلى أنْ قرَّ المجلسُ وتَسَعْسعَ، ورقَّ قَرْقَفُ المطاللةِ وتشعشعَ، وتَقَهْقرَ النهارُ ويرَفع وجهَ الغزالةِ البَهارُ، ولم يبقَ معه من الخَلْق، سوى سدس عددِ أحرفِ الحَلْق، فألفيتُهُ النّهْشلَ الشريَّ، والسَّميدعَ السريَّ، ذا الفضل المضري، أبا نصر المصريّ، صاحب البطش الضرّيَ، وعاشقَ الدَرهم الصريَ، فأقبلتْ أمورُ مَوْرَ الخائم، وأتردّدُ تردد الحائم، إلى أنْ سلّمْتُ عليهِ تسليمَ مَن ظفَرَ برجائهِ، وقرن هُوجَ هَجُوم جَذَلهِ برُخائه، وقلتُ لهُ: إلامَ معْ سَعَةِ سأوكَ، وشَرَف شِنْشنَةِ شأوك، وتطاولِ سِنِّكَ، وتضاؤل شَنِّكَ، تُظْمئُ وتعُلُّ، وتَسرِق وتَغُلُّ، وتَنْقُصُ وتَحيس، وتنقضُ وتخيسُ، وتزهدُ في نديك، وتُزعجُ أوابدَ بديِّكَ، وتَروضُ ضُبارماً وعامراً، وتخوضُ عامراً وغامراً، وتَلبِسُ أسماطكَ والأسمالَ، وتستأصِلُ الباكورةَ والأشمال، وتلتقمُ التقام الناهِش، وتتأوّد تأوّدَ النزيفِ الباهش وتجيء بالصُقْرِ والبُقْرِ، وتهزأ بالأسودِ والبَقرِ، فحينَ جُرحَ بحسام سام مَعْتَبتهِ، وعُقِرَ بعُقارِ قارِ مَعْيَبَتِهِ، نظرَ إليَّ نظر الأسدِ الباسلِ، وانهمرَ كالسيلِ الناسل، وزفَر زفرةَ المُعل، ونفثَ نفثةَ الأفعوانِ المُغِل، وقال لي: خَلَني من نِمْنَمَةِ فُصولكَ، وحلِّني بحلْي قَضْبِ فائض فُضُولِكَ، واذهب بداءَ غُلِّكَ واكفني غَلْغلَةَ غَلَلِ غِلّكَ، فلستَ لي بصاحبِ ظريفِِ، ولا باذلِ تالدِ ولا طريفٍ، وحيثُ لا تُعِينُ، ولا تسامح ولا تغِين، فأنتَ أولُ مَنْ مَنَّ ودَّهُ وجَبَّ، وكسرَ ساعدَ مساعدتهِ وخبَّ، فلا خيرَ في مساترتِك، وخساسةِ مُسايرتِكَ، ومعَ لَسْع سِفّ سَفائكَ، وطُولِ طِيَلِ شُقَّةِ شَقائكَ، لو مَنَحتني من تكملةِ إفصاحِكَ سطرينِ، لجعلتُ صِلَة هذهِ الموعظةِ بيننا شطرينِ، فالَ: فكأنه نَدِمَ على كَلامه، فطفق يداوي مواضع كلامهِ، فألقاهما إلي وسكع ونسأ بعيرَ عزمه وشكعَ، وقال لي: إلى كَم بالغرامة أغطِّيك، فتارة آخذ منك وتارةً أعطيكَ ثم إنَهُ جالَ جَولَ المقاطعةِ وحامَ، وأحجمَ عن خيول المخاتلةِ وخامَ فتظنيته أقتنصَ بحبائلِ الحِن، أو احتُنِك بأناملِ جحافلِ الجن.

حسن خليل
01-12-10, 09:24 AM
المقامةُ الخامسةُ والأربعون الفرضيّة

حكَى القاسمُ بنُ جريال، قال: مُنيتُ حِينَ عَرَضَ عارضي، واعترضَ فِي عنَان المعارضةِ مُعارضي، بحُبِّ حِب حَوَى الحمرة والبياض، وملأ قَرِيَّ قُرى مقاطعتهِ والحياض، وكنتُ يومئذٍ ذا نُصرة خارجةٍ وحَسْرَةٍ والجةٍ، وعتبةٍ واهيةٍ، ومَعتَبَةٍ هاويةٍ، أتقلقلُ تقلقُلَ المغلوبِ، وأنشِدُ على هذا الأسلوبِ: الوافر:

نَقِي الخَدِّ ليسَ بهِ اجتماع ... ولا بياض مَجْلسهِ الأنيقِ
يُسَعِّرُ مهجَتي مَرَحاً وسِحْراً ... بحُمرةِ وَجْنةٍ شِبْهِ العَقيق
إذا رمْتُ الوصالَ يقولُ عَجِّلْ ... بقَبْض داخلٍ قَبْلَ الطريقِ

فحينَ تحَسّيت مفاضَة الإيلام، من أنامل يدِ الملام، ومارستُ معْ عَدَم صِرام المَرام، خَيْلِ خَبْلِ عُرام الغَرام، وهَطَلَ سَفّاحُ عبرتي المستورُ، وبَطَلَ بَطَلُ صِيْتِ نُصْرتي المنصورُ، وأدخلني الخِدْنُ فيَنْ يمونُ، ورقَّ لي الخِلُّ الأمينُ والمأمونُ، تَضاءلتُ لذلكَ الاجِتزاءِ، ومَضِّ ضمِّ خَصْرِ الزَّهقةِ العجْزاءِ، تضاؤلَ ضرب الأجزاءِ في الأجزاءِ، فلَّما تضرَّرتُ بتضيقِ المَدارج، تضرُّر الأم مع الأخوينِ وأبِ الدارج، ركضتُ ضامرَ غيْرةِ القرونِ، وأمطتُ الدّرنَ عن صهوةِ الوطَرِ القَرونِ، وأبتعتُ مطية صبوراً على الإرانِ، لا تعلمُ ما مرارةُ العِرانِ، لا تَحِنُّ إلى حُوارٍ رضيع، ولا تئنّ لسرف فادح فظيعٍ تَردي على خبَبِ المِزاج، ولا تدرِي ما زعازعُ الإزعاج، شريتُها بدرهمينِ، وَتِخْذُتها عُدّةً ليوم البَينِ الخفيف:

تَلْعقَ الصبر في مَضيقي ... وتَصْبِرُ أيامَ بؤسي وضيقي
فَهيَ محمودة على الرُحْبِ عندي ... وهي مشكورة على التضييقِ
تبذلُ الجُهدَ كلّما جُبْتَ فَجّاً ... بعدَ فَجٍّ من المكانِ السَّحيقِ

قال القاسمُ بنُ جريال: ثم أقبلتُ ارتقبُ رُفقةً تَحْدج للرِّحلةِ نِياقاً، لأجعل قربهُم لداءِ ذلكَ الدَّله دِرْياقاً، إلى أنْ فزتُ برفاقِ تفوقُ أَصحابَ الرَّقيم، على عددِ أسماءِ الخطِّ المستقيم، يتناضلون بسهام مَقتهم، ويمتطون حِقاقَ موافقتهم، يقصُرُ بمصاحبتِهم الطريقُ، وتَروقُ سحائبُ سرْوهم وتريقُ، فخفّ لخَطْفِ الأرقِ بارقي، وثَقُلَ بسحِّ سُحْبِ إحسانِهم عاتقي: الكامل:

فكأنّهم شُهبُ السَّماءِ ولفظُهم ... دُرّ تساقَط من نُحورِ عَواتق
يمضونَ في الخَطْبِ الخطيرِ بهمة ... أمضَى مِن العَضْبِ الخشيب الفاتق

قال: فلم نزلْ نساورُ عوابسَ البراري، ونحالِسُ حَنادسَ الليلِ الساري، ونَسْتنْتِجُ مواعيدَ الأملِ اليتربية، ونستنشقُ ريحَ رياحينِ الرياح اليثربيةِ، حتى حَلْلنَا طيبة الرسولِ بعدَ حطم المكناتِ والحسول، فقلتُ عندَ لِمّ جناني الجَريح، وضمِّ ضَريح ذلكَ الصَّريح: الطويل:

حِماكَ إلهي من ضَريح وُجِّدَدتْ ... يَدُ المَجْد في ذاكَ الجَلال الممحد
ضريح عَلا هامَ الضّراح مُحَلهُ ... شريفٍ منيف بالعَلاءِ مُعَمدِ
سأجعلُ قُربانِي إلى اللهِ حُبَّهُ ... وحُبَّ بنيهِ الطّهرِ آلِ محمد
قالَ: وحينَ حَمِدْنَا محاسنَ الظّفَرِ، وكَسرْنا مِنساةَ سَموم السَّفرِ، جعلنا نجولُ لضَربِ ضروبِها، ونحومُ بمسلولِ الفصاحةِ ومقروبِها، إلى أنْ انتهى بنا آخرُ النّقَل، وقطعُ السُّهولةِ والنَقَلِ، إلى مدرسةٍ متدَفِّقة البَهاءِ، مُفْهَقةٍ بمقاولِ الفقهاءِ، قد اَرتفعَ نقْعُ مباحثتِهم، وطلعَ نفعُ طلْع مطارحتِهم، تُجاه مدرِّس مطلّس، ظاهرِ المناظرةِ، قملس، تسجدُ دروسُ الدرايةِ لدروسهِ، وتغربُ شُموسُ البلاغةِ لشَّموس شُموسهِ، فتأملْتُهُ بالنظرِ الصّفيِّ، تأملَ الصَّيرفيِّ، فإذا هو الدِّهانُ المتلوِّنُ، والسرحانُ المتفنِّن، والفَذ القيصريُّ، أبو نصرٍ المِصْريُّ، فأحجمتُ إلى أنْ شام سيوفَ درسهِ، وسردَ ما سدّدَ من ثمارِ جَرْسِهِ، ثم سلّمَتُ عليهِ، وجثَمْتُ بين يديهِ، وقلتُ لَهُ: جلَ مَنْ جَلَّلَكَ بجليلِ التّدريس، وخلّصُكَ من دراسةِ التدليس، وخصَّكَ بربْع البَراعةِ والمربَع، اختصاص الأترجِّ بالطبائع الأربع، ثم إنّهُ اَنطلقَ بي إلى طِرافهِ، مترنِّحاً بملاحةِ أطرافه، فبسطَ ساعِدَهْ وحَسّرَ، وأحضرَ ما كانَ عندَه تيسَّرَ، ولّما سكنَ مَوْرهُ، وظعنَ زَورهُ، ألبسني جُبّةَ أجادَها كفُّ إسكافِها، وكثرُ جوَابُ سؤالِ ميمِها وكافها، ثُمّ قال لي: يا بنَ جِريالٍ ما الذي سلكَكَ في سلوك المفاليسِ، وأدخلَكَ في خَللِ غَليس هذا التغليس، وقتلكَ بثقلِ هذهِ المِرْداةِ، ونقلك إلى مجالس الساداتِ، فقْفِنِي على خبر ابتداءِ ارتحالكَ، وخَفْضِ نَصبِ تَمييزِ حُسْن حالِكَ، قال: فأخبرتُهُ بما تمَّ، وما سفك من دَم الثروةِ ثَمَ، وعرّفتُهُ صورةَ النّزالِ، في وقيعةِ ذيّاكَ الغَزالِ، فجبذني متظارفاً، ونبذَني متلاطفاً، وقالَ لي: أراكَ هَويت الهُوِيَّ بعدَ الهَوِيِّ، وهوَيْتَ إلى الواوِ الساكنةِ قبلَ حرفِ التّرويِّ، وجررْتَ في المَخازي المُروطَ، وأولجْتَ في الدائرةِ المخروطَ، فأطعَم الله رهطَ لوط البلّوطَ وسقاهم من نهرِ قَلّوطَ، ثم قالَ لي: غِبَّ نَثْلِ جَعْبَتهِ، وطيب ظلِّ أثْلِ مداعبتِه، تالله لقد بِت أسعدَ أولادِ سام وسامٍ، وأطهرَ أولادِ حَام وَحام، فَوَمَنْ شرّف بكّةَ، وأخرسَ اللُسُنَ لكَ وبَكَّتَ، لقد حللْتَ بكِناسكَ، ونزلْت بمَنْ لم يُناسِكَ، ونزعتَ سرابيلَ باسِكَ، وخلعْتَ جلابيبَ التباسِكَ، فقلت لَهُ: الحمدُ للهِ الذي سلَّمني من المَدانس، وخلّصني من حِبالةِ المناحس، وقَلَسَ عَنِّي ثيابَ الثُّبورِ، وقمسَ قلبي في بحورِ الحُبورِ، ثم إنِّي أقمتُ في قَرائع دَارهِ، سابحاً في سحائبِ إدرارهِ، يُتحِفُني بالهدايا، ويزورني بالعَشايا والغَدايا، ويمنحُني السِمانَ والدِّقاقَ، ويشاركُني مشاركتَها في مصدرِ الفَعْلِ الرِقاقَ، حتى حُسِدْتُ لكثرةِ سوادي، واتّحادِ وسادهِ ووسادِي، وعُدْتُ بعدَ طولِ مصاحبتهِ، وتطاولِ مناوحتهِ، سنانَ غِرارهِ، وصِوانَ أسرارهِ، ونبالَ سَطوتهِ، وبِلالِ دَعوتهِ، وحَسّانَ ثنائه، وسلماَنَ فنائه، فبينما نحن ذاتَ يوم نخترفُ ثمُرَ المثابرة، ونحترفُ بأسواق تِجّارِ المجاورةِ، ونختلفَ إلى معاهدِ المنادلةِ، ونَجْتَلف وجوهَ جذالةِ المجادلة، إذ وقفَ بنا جماعةٌ يستفتونَ، وعلى تركةِ مَيْتٍ يتهافتونَ، فناولوهُ رقعةَ لا يفارقُ قَلْبَ مقلِّب حِبرِهَا حُبورٌ، فإذا فيها مزبور: الخفيف:

يا فقيهاً علا على الثقلين ... وإماماً سَما بعِلْم لِذَين
نَبِّنا وأفصِحَنَّ عمَّا عَرانا ... في مُصَابٍ أجْرَى عيونَ العين
مَيِّتٌ طُمَّ عن ثَلاثِ بَنَاتٍ ... مُحصنَاتٍ مِنْ غيرِ رَيْبٍ ومَين
فَحَوَتْ إرثَها الكبيرةُ ثُمناً ... غيرَ بَخْس مِنْ كُلِّ عَرْض وعين
وغدت أختها برُبْع صحيح ... بعد ثمن وربعهِ مرتين
مثلما حازَتِ الصغيرةُ فاعلم ... يا خَلياً مِنْ كُلِّ غشّ وشين
ثمَ ماتَتْ صُغْرى البناتِ بجَمْع ... عَنْ نصابَيْنِ عَسْجدٍ ولُجين
فمَضَتْ أختُها التي حازتِ الثُمْنَ ... بخمسى تُراثِها النقدين
وأغتدَتْ أختُها بباقيهِ قهراً ... تُتْحِفُ النَقْصَ أختَها كرّتين
فاَرض تساؤلنا بحُسْنِ جَوابٍ ... مِنْ صوابٍ فلستَ فينا بهين
قال: فهَوَى إلى الرقعةِ وأطالَ، واستوَى لطَلَبِ الرفعةِ وقَال: الخفيف:
أَيها السائلي عَنِ الحالتينِ ... والنبيهُ الفقيهُ يَفْقَهُ تين
إنَّ مَنْ حازتِ الفريضةَ ثُمناً ... ابنةُ المَيْتِ يا وخيَّ وعيني
من سفَاح زُفَّتْ إليه حلالاً ... بوليٍّ وحضرتي عَدْلَينِ
ثم ألقت بعدَ الدخول ولاء ... مِنهُ بنتينِ أيّما بِنْتَيْن
فسَقَى زوجها الزمانُ كؤوساً ... مُترعاتٍ مِنْ بَعْد حينٍ بحَينِ
فجَبَتْ بنتُهُ بحَق جلي ... ما ذكرتُم من غَيرِ نَهْب وبيْنِ
وكذا ضمَّتِ الصغيرة شرعاً ... بَعْدَ ثُمن لامِّها نِصْفَينِ
فلهذا موتَ الصغيرة حازت ... حَقّها الأم خالصاً خُمْسَيْنِ
وحَوَتْ أخْتُها بفرض ورد ... باقيَ المالِ في كِلا المأتمينِ
فاجْزِ زيديّةً بنثر ثناء ... شبه دُرّ يَحكي دُرور العينِ

قال الراوي: فلم أعجبْ من فرضه العجاب، الوارف الإعجاب، بأوفى من موافقة عددِ أبياتِ سؤالِهِ والجواب، فرضي كل بحضور العالمين، وقضي بينهم بالحق وقيل: الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ.

حسن خليل
01-12-10, 09:25 AM
المقامةُ السادسةُ والأربعونَ الحصكفيّةُ الرقطَاءُ

حدّثَ القاسمُ بن جريال: قال: صحِبت وقيت اقتراب المزَارِ، واسودادِ الإزار ومباعدة الأسدار، ومساعدة الأقدار، ركْباً من الحصَكفيّة أولى الفَصاحة الصفيّةِ، والصباحةِ المصطفيَّة، لا يسبقون في سنن مساجلة، ولا يلحقون في جدد حنى معالجة، ولا يندهون عن قارب مقاربة ولا يبدهون في مشورة شرة محاربة، فحملني نشر معاشرتهم الشهية، على أن أشزر معهم شملة السنة السنية، فعدلت إليهم عدول من ألف بمحبوب، أو كَلِفَ بمداومةِ إثمٍ وحُوْبٍ، حتى صِرْتُ منهمِ صيرورةَ البَطَل من الذِّمارِ، والغَيرةِ من الأذمارِ، والزِّمارِ من فَم المِزمارِ فلم أزل أجُث العريّةَ، وأحُث الداعرية، وأحاربُ بياسرة سفْنِ السهرِ الجسيمةِ، وألاعبُ أسنةَ عساكرِ المسرَّةِ الوسيمةِ، حتى ولجتُها في اليوم النَطوفِ بالقَلْبِ العَطوفِ، محسوداً على يَدِ يَدٍ لا تضامُ، وألفَ عينِ عينِ لا تنامُ، ولَمّا اَسبطرت جداولُ الجُدودِ وحفَّتْ بنا أوراقُ المجدِ المجدود اندرأت إلى تصفيفِ العَقَارِ، والتذفيف على الوَقَارِ، وشمِّ أنفاس القارِ، من أفواهِ العُقَار: الطويل:

فما زِلتُ أحسُو الراحَ فيها وأنثني ... على كُورِ لذَّاتِ الفُكاهةِ والرَّقْص
وأركبُ أثياجَ التفكُّهِ في الدجَى ... إلى كلِّ فتَّان أميناً مِنَ الوَقْص
وأسعَى بساقِ السكرِ في كل ساعة ... إلى كُل مِفْضاَل بَريٍء مِنَ النقص
وأسحَب رِفلاً في الإخاء مضَوّعاً ... بعِطر ولاء يُدنَّسُ بالقَصِّ

قال: فما زِلتُ أصبو إلى ذلكَ المَنَارِ، وأعشو إلى جُلِّ نارِ ذلكَ الجلَنار، وأترَنَّحُ بذلكَ الشَفير، وأتنقّل بقبَلِ أفواهِ اليعافير، إلى أنْ ظعنَ الذهبُ وبانَ، وظهرَ فَلَقُ القَلَقِ واستبانَ، فلما لَبِست رثيثَ خِلافِي، وخلعتُ بيعةَ خِلافةِ اختلافي، أقسمتُ ألاّ أفارقَ الصيانةَ، وجذذتُها جذَّ العَيرِ الصِّليَّانةَ، فبينَا أنا أنظرُ في مَضاضةَ الإفلاس، وحقارةِ الأحلاس، والالتحافِ بالدريس، والإياب إلى باب الفراديس، ألفيتُ أبا نصر المصريَّ يرفلُ في ثياب ثروتهِ، لعدَ إحرامهِ من يلملم إلمام مترَبتهِ، فهويتُ إليهِ هوىّ الأجدلِ المطلِّ، وأحببتُ بأنَّ أعْرِفَ موارد ذلكَ الطلِّ، ولمّا انطلقَ بي إلى جُدرانهِ وأطلقَ يدِي في عِنان ماعُونهِ وعِرانهِ، قال لي: إيَّاكَ وأنْ ترغبَ في قرابِكَ، أو تزهدَ في اَرتشافِ شرابكَ وعلي ما يمونك في احتلابك، إلى وقتِ اَقتراب انقلابك، فأنا الخليلُ لذي لا يتسربلُ بيأسهِ، والكريمُ الذي لا يَخْنُقُ حُلَوقَ أكياسهِ، ثُمَّ إنّهُ أخذَ يَسبأ السُّلافةَ ويَستريها، ويعبأ لنا طِيبَ المصائب ويشتريها، وتسحَبُ في الدساكرِ العبقريّةِ، ويُوصلُ بالغَبوق الجاشريّةِ، وأنا معَ العَوْم في مياهِ مئنَاتهِ، وفَلِّ شَبَا الشَّتْوَة بِشَبا شِيناتِه، لا أسألهُ عن انتقائه، ولا مِنْ أيِّ ركيَّةٍ امتلأتْ غصونُ سِقائهِ، فبينما نحنُ في طُلاوةِ الأصحابِ، على مصاطبِ الاصطحابِ، نترنَّحُ معَ الإفضالِ، ونتناضلُ بالمُلَح تناضلَ المِفضَالِ، وإذ اقترنَ بمذاكرةِ تيك الكرماءِ، ذِكْرُ رسائلِ القدماءِ، فقالَ بعضُ مَنْ ابتهج ببهجة ندوتِنا، وأولجَ بمغربِ فَمِهِ نجوم قَهوتنا: أقسمُ بمَنْ سَتُرَ الإخطاءَ، وأسبَغَ الإعطاء، لا أحبُّ مِمّا سَبَقَ سِمْعُهُ الخيَطاءَ، سِوى كلِّ مكاتبةِ رقطاء، فهي التي تَشهَدُ لشُهدِها شِفاهُ الشِّهادِ، وتهمدُ لنُورها نارُ أزنادِ الاجتهادِ، ويتشَبّهُ لقسرِهَا القسَورةُ بالقُرادِ، ويُقْرِدُ لقراعِها إقرادَ الأقرادِ، فلمّا سَمِعَ أبو نصرٍ ما نطَقَ بهِ، ومنطقَ بذهبهِ، مِنْ حُسْن مذهبهِ، قالَ لَهُ: أتحِبٌ يا ذا الفضل الفائض، والظِّلّ الخائض، ومَنْ خَضَعَ لإفصاحه الفريدُ، بأن أنشئ لكَ مِنْ ضروبهِ ما تُريد، فقال لَهُ: تاللهِ إنْ ذا لريعٌ انجدم، وربَعُ انهدمَ، وفضَلٌ نُكِسَ، وعِلم وكِسَ وَعَلَمٌ درسَ، ومَعلَمٌ اَندرسَ، فخلِّني من خِضابِ عملٍ يَنْصُلُ، ولا تُولني سَحُّ ولَيِّ ولايةٍ أمل لا تحصلُ، فاللبيبُ مَنْ عَرَفَ نفسهُ، وشكر أمسَهُ، ولَمْ يرسلْ لسَبُع هذهِ المَسْبعةِ نِمسَهُ، فقالَ لَهُ: وأيمنُ الله لو نظرتَ ببصرِ توفيقكَ، وتحقَّقتَ نَصاحةَ رفيقكَ وميزَّتَ بينَ صيفِكَ وخريفِكَ، وحلوِكَ، وحِّريفكَ، لوجدتَ كُلاًّ كَلاًّ على حَريفِكَ، فقالَ لَهُ: إنْ كنتَ ممّنْ يقلعُ قُلَلَ هذي القِلاع، ولا يهْلَعُ لِهَوْلِ هَمْهَمَةِ هذا الهزْلاع، فبَيِّنْ حيَّكَ مِنْ رميمِكَ، ونُقاخَكَ مِنْ حَميمِك، وغَثّكَ مِنْ سمينِكَ وأبرُزْ بزُبَدِ ثمينِكَ، لأقبِّلَ رواجبَ يمينِكَ، ولتكُنْ جواباً عن مراسلة قادمةٍ، بلسان البراعة ناسلةٍ، يتمطَّقُ بعذبِها العليمُ، وبتمنْطَقُ بُدرِّ دَرِّها الدرُّ النظيمُ فقالَ لَهُ: أيمُ اللهِ لَقَدِ استهديتَ الجدايةَ من القانص، والجُمانةَ منِ الغائص والصُبايةَ من السحِّاح، والصَّبايةَ من الوضّاح، ثم إنَّهُ عدل عن عتابهِ ومالَ، وعدَّل جَلْفَةَ يراعهِ وأمال، وقالَ لَهُ: أنكرْتَ قِرواحَ قريحتي فجُبْ، وأسأتَ لدي الأدبَ فَتُبْ، واستقْبِلْ بكفَّيْ فكرِكَ النُخَبَ واكتبْ: وَفَدَتْ صنوفُ كتابِكَ، بل جميلُ ضرَبَ انصبابكَ، شَرَّفَهُ جِدٌّ بَرَقَ، وفَرْقُ لُب أشرق، وبلِ شوبِ منح فرى، وجمّ فلق سَيرِ فْلق رَبا، فحضَرَ بهِ بلاغُ إنابٍ هَجَمَ، بَلْبَلَ بوَبْلِ نَاضر تَهتانهِ فانسجَمَ: الطويل:

فلي مِنْه بُسْتَانُ صفا ضوءِ بَعْضهِ ... يسيرُ بهِ نَدٌّ نَدِيٌّ ونَرجسُ
فَعَنَّ لنا فوْزٌ وقدْ جابَ طَيُّهُ ... غلائلَ تَوْق مِنْ حِبابكَ تُلْبَسُ

فلبابُكَ نديم شَهِيٌّ، وبابُكَ قديمٌ بَهَيٌّ، وشَرَفُك خليلٌ ذَكيٌّ، وترفُكَ قليلٌ بَكيٌّ، وجَلْبُكَ جابر زكيٌّ، وخِلْبُك ناظِرٌ ذكيٌّ، ويكبُكَ جائلٌ ثَرِيّ، ونَسبكَ شائغٌ جَلِيٌّ، وخَطبُكَ جازمٌ يَحُف، وخُطبُكَ جلائلُ تَهِفُّ، وفَرْشُكَ تكتسبُ، وفُرْشُكَ تُرتَهِبُ، ونَهيُكَ يلتهبُ، ونهبُكَ يستلِبُ، ويَمُّ يُمنِكَ يَرُبُّ، وَزَعْزعُ تُحفِكَ تَهُبُّ، ويديمُ شِدّتكَ يكُبّ وَضلِيعُ شَدّتِكَ يَعُبَّ، وضرْبُ سُيوفِكَ يعترِقُ، وضَرْبُ عُناتِكَ يَحترقُ، وجميلُ فَلذكَ يُصَب، وجَليلُ خُلقُك زاخر يحب، ويعقوب حبك يرج، ويعبوب رِفدِ يديَك يُمَج، وبطشك نافع ضَري، وجأشكَ شافعٌ قَوِيّ، وجؤجؤُ قِرْنِكَ غًلَى، وبرُّ برِّ قُربِكَ فَلا: الطويل.

فَمِنْ أيّ وجهٍ جاءَ نُطْقُكَ جلْتُهُ ... جَرِيَّ عُبابٍ من صفاتك يَطفَح
فلا زلْتَ أبهى من سنا بَرْفِ مُجْلِف ... لتُصْبحَ تَرْفُو قَلْبَ مِثلي وتَمنَح

فليكفِ عبدَ نهىُ مِزِّكَ، ثمَّ بَلَجَ مشرق عِزِّكَ، بأنَّهُ باءَ بعتابكَ، ذو توَّج وناءَ بعُبابِكَ، بسناءٍ بَلَّج، وشَرَقٍ لَجْلَجَ، وقَلَقِ أخدجَ وشَرٍّ غاضَ، وضَرٍّ جاض وتصبّر خَرَّ، ثم شديدِ شَوْق اشمخَرَّ، فمثلُ شمَّخ آياتِكَ تُحَجُّ، وبصفا زمْزَم باب هباتِكَ يُعَجُّ، وبمنكب لَجِّ إبائكَ نطيرُ بلْ بمَجْرِ نَوْءِ نكُتَ آبائِكَ نسيرُ، فَلَتْ عِترتُك فمجِّدَتْ، وفلّتْ رفعتُكَ فعُظِّمَتْ، لتمنحَ جَوْنَ مُشرِّفاتِكَ، قَلِقاً ترنَّحَ بريْح بان لُباناتِكَ، قالَ الراوي: فلمّا طرَّب بطيبِ رسالته وجدَّل المجادِلَ بجِدالةِ مجادلتهِ، قالوا لهُ: تاللهِ لقد تسوَّرْتَ من الفصاحةِ أعلاها وسُدْتَ مَنْ تسنَّمَ البراعةَ واعتلاها، وفُقْتَ بإخراج المستطابِ، من طاب هذهِ الوِطاب وميَّزَ رندُكَ عن الأَحطابِ، بإجادة هذا الاحتطاب، ولعمرُكَ إنَّها لمخيلة ممن البلغاءُ قلَّة في ماء دجلته، وبقلَةٌ بازاء رقلته فما أحسنَ لك أنْ تجمعَ بين طرَفِ فطَنِكَ، وتعريفِ نكرةِ وطنكِ، فقال: طاعاً لأمرِكَ المُطاع، وإن آلَ بنا إلى الانقطاع، ثم إنَّه أراقَ مِنْ مقلتيهِ القِلالِ، وأرهفَ قواضبَ المقالِ، وقالَ: الكامل:

ربعي يشرف أن يُعابَ بمنطق ... أو أنْ يُدَنسَ في الزمانِ بمقْوَلِ
فحسابُ أحرفهِ النفيسة تسعةٌ ... في تسعةٍ شبهُ الصباح المنجلي
مَعْ أربع في خَمْسةٍ في ستَّةٍ ... مَعْ واحدٍ في واحدٍ لم يشكلِ
بعدَ المربَّع مِنْ ثَماني مَرَّةً ... وكذاك أخرى في الحسابِ المجملِ
ها قْدْ رفعْتُ لكَ الحجابَ فَعُدّها ... عَدَّ العليم على حروفِ الجملِ

قال: ثم إنَّه ودعهُم غِبَّ اكتسابه، وأودَعهُم سجونَ انتسابهِ، وغادرَهُم يخبِطونَ في حسابه، بعد أنْ عطفَ عُنُقَهُ إليَّ، وذرفَ لؤلؤَ عبرَته عليَّ، وقالَ لي: يا بنَ جريالٍ توق جرّ حبلِ بُرَحَيْنِك، وجَرَّ حَرورِ بَرِّحَيْنِك، فقدْ آن دنو بيني وبينِك، وهذا فِراقُ بَيْني وبينِكَ، فاتركني تركَ رؤوفٍ، وسرِّحْ سِرْيَاحَ عزمتي بمعروفٍ، لأنَّ مخالبَ خيانتي ورواجبَ جنايتي، جَنَتْ بأرزنَ جنايةَ يشبُ لها فَوْدُ الفَطيم، وتغيب لها شجاعةُ شُجعانِ الحطيم، فالأريبُ مَنْ خرجَ قبلَ إسفار صباحه ودَرَجَ قُبَيل إشراقِ افتضاحه، فما الشرفُ بالتقام طُعم المصايد، إلا بالتخلصِ من حِبالة الصايدِ، ثم إنَّه لوى جانبَ اللِّيتِ، ومضَى مُضَيِّ المَصاليتِ وعانقني عند لوب الأماليت، وأقلقني قَلَقَ قلوب المقاليت.

the lonely girl
02-12-10, 01:21 AM
مجهود جبّار ..


حسن خليل كل الشكر لك ..

دمت بخير ..

حسن خليل
15-12-10, 12:22 PM
مجهود جبّار ..


حسن خليل كل الشكر لك ..

دمت بخير ..


الشكر لونلي على تشريفها للموضوع.

دُمتِ بحفظ الله ورعايته.

حسن خليل
15-12-10, 12:24 PM
المقامةُ السابعةُ والأربعونَ الضَّبْطاء

أخبرَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: عَزَمْتُ زيارَةَ الحَسَنِ والحسينِ، معَ صَحابة مِنَ الحَسَن والحسينِ، تنتمي بعدَ طيِّئٍ إلى شَعبان، في غَرّةِ المعظَّم شعبان، ما وهى حِلمُهم ولا وَجَبَ، ولا سُتِرَ وجه شكرِ جودِهِمْ مذْ وَجَبَ، ولا هُجِرَ وصلُهم ولا من، ولا عُرف أن مَلَّ معروفهم ولا مَن يُريقُ سحابُ سروهم الحَسَنُ، ويحتقرُ في جنب حصَاةِ حصاتهم الحَسَنُ، ما فيهم إلاَّ مَنْ أمهى مهْوَ المهابةِ، وسَن، وأفاض على وجهه ماءَ المرؤةِ وسن، ومزَج كأسَ كَيْسهِ. وشَنَّ وأغارَ على فوارس فارس السَّفاهةِ وشَنَّ: الطويل:

فلولا هُمُ ما زِلْتُ نِضْوَ كآبة ... حليفَ الأذى صِنْوَ الشَّقاوةِ في الخَلِّ
ولولا اعتقادي أنْ أسيرَ مكرَّماً ... لما مال ليتي للمسيرِ مَعَ الخَلِّ
ولولا اعتمادي في الرحيلِ عليهِمِ ... لعُدْتُ سليبَ العقلِ في صورةِ الخَلِّ
ولولا اجتهادي حِينَ مِلْتُ إليهِم ... لكنْتُ شَبيهَ الدُّودِ في جَمَّةِ الخَلِّ
ولولا اتَّحادي بالأَمونِ إليهِمَ ... لمزَّقْتُ جلبابي القَشيبِ معَ الخَلِّ
ولو أنَّني خُلِّفْتُ في الربع بعدَهُمْ ... لأعجزَني الضرُّ الشديد عن الخَلِّ
وَبِعْتُ سِلاحي والقلوصَ وكُورَها ... وأتبعْتُها السَّقْبَ السنيَّ أخا الخَلّ

قال: فَلَمْ أزلْ بينَ تلكَ الصناديدِ، آمناً من صَرْفِ صروفِ الصناديدِ، متوسِّداً هودج القضيبِ، متقلداً بحمالةِ القضيب، نوجِف إيجافَ الآجالِ، ونقطِفُ جَنَى الجَزَع من غصون الآجال، ونزعج سواكنَ الأوابدِ، ولا نَلِجُ مساكنَ الأوابدِ، ونُخَبُّ في صَبَبِ الوصبِ ونكرعُ، ونصبّ مياهَ مُرِّ النَّصب ونكرَعُ، فبينا نحنُ نُقَلْقِلُ قُلَل الأقتابِ، ولا نَخْشى تقلقلَ مقانب الأقتابِ، ألفينا حّياً من الخزرَج والأوسِ، غَزِيْرَ الفصاحةِ والأوس، وبه فتى شريفُ السِّيَرِ والساقِ، نظيف إزارِ زورقيِّ القوم والسَّاق، يرفل مَع كثرة هبابه وعَقلهِ، بينَ بُرْدَي شبابه وعَقْلهِ، فانطلقَ بنا إلى فنائه وكَسره، وأعرض عن لُفاظاتِ زاده وكسره، ولمّا شكَرَ شُهدَ سَوادِ سَعينا والبياض، وقَرَنَ قَرَن أحد أحمريهِ بالمحاضرةِ والبياض، أسرعنا إليه إسراعَ الحَمام، وجَمَعنا بينَ أرشية الشَرَهِ وبطون الحَمام، وحينَ أفعوعَمتْ حقائبُ المَصير، وحُمِدَ غُبَّر ذياك المصيرِ، وتُحقِّقتِ المذاهبُ، واغلولقتِ المذاهبُ، سمِعْتُ صوتاً يكسدُ عندَهُ عرف عبير القُطامي، وتطيرُ إليه أقدامُ القادم بقوادم القُطامي، فأقبل القومُ لطيب ذلكَ الطِّلاء، مجبوذَينَ ببُرَةِ طول ذيالك الطِّلاءِ، تسرَحُ في حُلَلِ أحلام نائم،لم تدر ما حلاوةُ حلواءَ نائم، فكنت مِمَّنْ نحَا نحوَه، واستمعَ مَع عِظَم عظتهِ نحوَهُ، فسمعْتُهُ عندما جثَمَ الغائرُ والجالسُ، وازدحَمَ القائمُ والجالسُ، ووسقَ سُفُنَ مجلسهِ، وشَحَنَ وطَرد طِرْفَ ملاطفةِ طرَفِه وشَحنَ يقولُ: الحمدُ لله ناشر الخَلْقِ، وقاهر الخلْقِ، مُفْهِقِ أوشال الذِّمام ومورقِ أغصان دَوح الذِّمام، مُزَيِّن النحور بالعقودِ، ومحسِّن الوقورِ بحفظ العقودِ، ومخرج تَهْتانِ نَصْره، ومتوّج الإسلامَ بتاج إجلالِ نَصْرهِ، ذي العظمةِ والجدِّ، المنزهِ عن الوَلَدِ والوالدِ والجَدِّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، شهادةَ مَنْ بحواءِ أمانهِ حَلَّ، وعقدَ منشورَ لواءِ إيمانهِ وما حَلَّ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه المبعوثُ إلى الأمم الغابرةِ، المحثوثُ الإنذار بمصارع الرِّمَم الغابرةِ، فَنَشَرَ ذوائبَ الأعلام، ونسر حافرُ انتصاره صَياصَي الأعلام، ووعَد عليه أفضلُ السَّلام، بحلول دارة دار السَّلام، صلَّى اللهُ عليهِ صلاةً لا يعارِضُها فَنَاءٌ، ولا يفارقُها مدَى تفنُّن الأفنيةِ فناء، وعلى آله وصحبهِ ما كرُمَ قصَر عَسيب، وثبتَتْ قواعدُ عسيب، ونفعَ حمل قريب، وردعَ سلُّ سيفِ رقيب قريب: عبادَ الله إلام تُكرمونَ أولي المكانةِ والخَفْض وتُحرمونَ ذوي الديانة والخفض، وتغالونَ بطولِ مرحِكم والعَرْض، وتُلغونَ حديث ترحِكُم حالَ المناقشةِ والعَرْض، وحتَّامَ نراكُم قادرين وأنتم لإطعام القرِم غيرُ قادرينَ، وتمسون بالحرم محرمينَ، وأنتم بكسبِ السّحُت شرُّ محرمين، طالما تطاللتم لِحُبِّ الرِّباع، وتطاولتم لهتكِ كواعب الرِّباع، وقد آل بِكُم درُّ خَلِفَةِ المخالفة والمصباح، وانطفاء نبراس الرياسة والمصباح، إلى أن غفلتم عَنِ الحِسانِ، وعقلتُم أيانقَ الإحسانِ بأبوابِ الحسان، وسلكتُم مسلكَ مَنْ ألحمَ بالسفهِ وسَدَّى، وجعلَ بينَهُ وبينَ الورع خندقاً وسدّا، فهلا أفضتُم مِنَ العيوب، ما يفوقُ تدفُّقَ العيونِ، وسكبتُم من مسايلِ الجفون، ما تغرق به محاملُ الجُفونِ، فيا ويلَ مَنْ ملأ بالشَّحناءِ ربوعَ قلبه، وعَلِمَ أنَّهُ لم يبقَ مِنْ قَمَرِ قُربه غيرُ قليلِ قلبه، ثم أنشد مترنّحاً بحسن الهديل، باكياً بكاءَ الحمائم على الهديلِ، بعد أنْ هُدْنا وتُبْنا وقلنا لمِثْلكَ المدارسُ تُجْنَى وتُبْنَى: الخفيف:

كم حَجَلْنا حَوْلَ الحُطام ولُبْنا ... وسبَتْنا أعلامُ سَلْع ولُبْنا
واعتكفنا على اللّهى وانتبهنا ... ثم ثُبْنَا بعدَ الأذى وانتبهنا
واستلبنا بِكَر المُنى وافترعْنا ... ثم جُزنا بابَ الخَنا وافترَعْنا
وارتحلْنا مَتْنَ الأسى وافتقرنا ... منذُ حُرنا إلى الثَّرى وافتقرنا
واحتملْنا سُمْرَ القنا واعتقلْنا ... حينَ دُسْنا بُسطَ الهَوى واعتقلنا
واجْتذبْنا رأس العُلى واحتنكنا ... ثَم صِرْنا إلى البلَى واحتنكنا

قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ: فحينَ حبَّرَ محكماتِ فيهُ، وحيَّرُ بحِبَرِ بَحْرِ حذاقةٍ مُدِحَ فيهِ، وأرضى اللهَ والمَلَكَ، واطَّرحَ الزادَ والملَكَ واقتنصَ القلوبَ وملكَ، وأحكمَ عَجْنَ مُعجزاتهِ ومَلَكَ، أطاعوا مواعظَهُ إطاعة ثواب، وانصاعوا لَهُ بأوفرِ ثوابِ، فصرفَ صِلتَهم صَرْفَ شاكر، وانصرفَ إلى شَعْبِ بني شاكر، ولما سحَّ الرجلُ وارتجلَ، ورجعَ الرجلُ بالجلائلِ وارتجلَ، جعلتُ أعلِّلُ وقلبي بليت وعلَّ، لأعلم أَنَّى نَهِلَ أبْحُرَ الحِيَلِ وعَلَّ، فألفيتُها صنوفَ أبي نَصْر الصلِّ، صاحب صِلّ الفصاحة الصِّلّ، فقلتُ لَهُ: إلامَ تدوسُ متونَ المَشيبِ والحرِّ، وتقوَّمُ صَعَرَ عنق المعاندِ والحُرِّ، وتُصْلِحُ بوعظِكَ العَرَبَ، وتمنحُ منكَ العَرَب العَربَ، فقال لي: يا جريالٍ: إنْ كانَ أعجبكَ سيبي وشوبي وحَجَبَكَ قبحُ شيبي وشوْبي، وأطربَكَ طيب صبّي وصوبي، وإلاَّ فدَعْني وعليَّ خَطَئي وصَوْبي، ثم إنَّهُ حاولَ المَفَرَّ وفرًّ، وافترَّ إذ فغر فَمَ براعتهِ وفَرَّ، وجرَّ عني ما أخشوشَن ومَرَّ، وخَلفني حِلفَ حومة الفكَرِ ومرَّ.

حسن خليل
15-12-10, 12:26 PM
المقامةُ الثامنةُ والأربعونَ الجماليةُ الجوينيّةُ

روَى القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: آليتُ مذ صَفرَ صابي، وظَفِرَ نصابي، وصهَرَ اغتصابي، واشتهرَ في التصابي انتصابي، أنْ احتلسَ بساطَ المكاسرةِ، واختلسَ انبساطَ المكاشرةِ، وأميلَ إلى المجالس وأستميلَ، رضى المُجالس، وأمارسَ الأقتارَ، وأجالسَ الأوتارَ، فلم أَزَل أستلِبُ سرابيلَ الإسفارِ وأنقلبُ بزمام سفار السَفار، إلى أنْ فارقتُ الأَيْنَ، ورافقتُ الهَيْنَ، وقمرتُ البَيْن، ورمقتُ بمُقْلة المِقَةِ جوين، فولجتُها بجوادِ جِدةٍ لا يعتورُه عِثَارٌ، ونِجادِ تجملّ لا يهتصرُه إعسار، حائلاً في سناسِن السعادةِ، جائلاً في دنادن السيادةِ، فأقبلتُ أكافحُ رِماحَ المراح، وأناوحُ رياح الرياح، يمنحني وصالُ الملاح، ويصافحني راح كُفوفِ الفَلاح، أجيرُ مِنْ جَلَلِ الجُناح، وأطيرُ بجَناح النّجاح، وأصبو معْ إجالةِ القداح، وإدارةِ الأقداح، إلى عضِّ غَضّ الكاعبِ الرَّداح، فما فتئتُ بعدما نضحَ نَضَحُ المرح فسرى، ووضحَ وضَحُ الوضَح وانسرَى: الطويل:

أغازلُ غزلانا وألثمُ لؤلؤاً ... وأقبضُ رُمَّاناً وأرشُفُ سُكرّا
وأصحَبُ أغصاناً وألحظُ ربرباً ... وأغمِزُ عُنَّاباً وأنشقُ عَنْبَرا
وأركب كثباناً وأقرصُ عنْدَماً ... وأنظرُ بستاناً وأمسَحُ عَبْهَرا

قال: فحينَ حللتُ بالعِيم، ونزلتُ بالسادةِ البراعيم، كنتُ كَمَنْ حلَّ في النعيم، وحلَّ بعدَ إحرامه من التنعيم: الطويل:

وكنتُ كَمَنْ أمسَى يَسوفُ بأنفهِ ... سحيق إناب في شُعورِ العواتق
وكنتُ كَمَنْ أضحَى يصافحُ طَرْفُهُ ... وبيصُ صُوارٍ في صوارٍ معانق
ولما انسلكتُ في نِصاح مصاحبتهم، وسلكتُ سبيلَ مراح مناوحتِهم، أقبلتُ أشكرُ طولَ مروطِ طَوْلهم وأطولُ، وأذكرُ ذكورَ ذكيِّ إفصاحهم وأقول: الخفيف:

أبِّدوا أيِّدوا بزفِّ يرِفّ ... واستروا واشتروا بشَفٍّ يَشِف
فجرُهُمْ فخرُهم وحالوا وجالوا ... عيدُهُم عندَهُم بصفٍّ يُصَفُّ
حَدَّهُم جَدّهُم وعَالوا وغَالوا ... وافتدوا واقتدوا بعفٍّ يعِفّ
جبرهم حَبرُهُم جلالُ خِلال ... صدهم ضِدهم بذف يدِف
حزمُهُم جَزْمهم نِزاع يراع ... عابثٍ عائثٍ بكفٍّ تُكَف

وحينَ جَذَبني جَرُّ هذا العِنانِ، وبهظَني حَرُّ حَمْلِ ذَيَّاكَ العَنَانِ، واستنتجت قريحَتي المِتأم، واستخرجْتُ جلائلَ تيجانِهِم هذهِ التُّواءم عَزَمتُ على قَدِّ هذا الوثاقِ، وسَدًّ سيولِ سَحِّ ذلك الانبثاقِ وكنتُ قبلَ أن مِلْتُ لرَشْفِ المُدامةِ وعدلتُ عَنْ منازلةِ لامَة الملامةِ، وسدا صَفْوُ الصافنِ والقريع، وشِدا فم القريع بالتقريع، وصَبَأْتُ نيوبَ أنوقِ الأملاقِ، وأصبأتْ بدورُ مبادرةِ الانطلاقِ أسائِلُ الأظعانَ، ومَنْ مارسَ المَعْمَعانَ، عن ذي الفضلِ الرَضِيِّ، أبي نصر المصريَ لأفترس أوابدَ إفاداته، وأفترشَ وسائدَ مودَّاته، وأفوزَ بعقيانِ مناسمته الأنيقةِ وأجوز لبستانِ منادمته الوريقةِ، فبينما أنا أجمحُ على غواربِ السرَّاءِ، وأخطرُ في الحُلّةِ السيراء، ألفيتهُ بعيالهِ الخِماص، على قِلاص القماص، وهو يكتنِف الكِسَرَ بأردانهِ، في ميدانِ رَدَيانهِ، ويشابك الكُرَبَ ببنانهِ، بعدَ ارتفاع يفاع بنيانهِ، فأرخيتَ إليهِ خِشاش التقريبِ، وأويتُ لاستقائه من ذلِكَ القَليب، وتأفَفْتُ لاختلاقِه، وخساسةِ أخلاقهِ، وانخراق نُعَيْلَتهِ وإحراقِ نار عُرام عيْلَته، فأسفرَ صباحُ مسرَّتهِ وجأرَ بهُجْرِ هَجْرِ هِجرته، وقالَ لي: يا بنَ جريالَ ما الذي سلَبَ بِزَّةَ جِدَّتِكَ، وقضبَ عِزَّة حِدَّتِك، فقلتُ لهُ: مجاورةُ الجِنانِ، وفَضُّ خِتام الدِّنانِ، وإنفاقُ الحمولِ، ومشاهدةُ الشمائلٍ والشَّمول، فقالَ: وما الذي عزمتَ أنْ تصنع بإنفاقِكَ لنفاقِك، وبإملاقك لو لم ألاقِك، فقلت له: ألجُ في مجاري مجالِكَ، وأدلُج في مخازي مُحالِكَ، وأحذفُ الحياةَ بين نأي وكسرةٍ، حذفَ الواوِ الواقعةِ بين ياءِ وكسرةٍ، فقالَ لي: تالله إنك لَكَمَنْ ضَيَّع نفيع شرابه، وتتبّعَ لموعَ سَرَابِه، أو ما علمتَ أنَّ مَنْ مالَ عَنِ المال مالَ، ومَنْ حالَ في صهوةِ المحال حالَ، فليسَ لكلِّ رائدِ يساعدُ القَدَرُ، ولا لِكُلِّ صائدٍ يضافرُ الظَّفرُ، وليس المتغترِفُ كالمتملّقِ، ولا المتعلِّقِ كالمتأنق لكنْ أنا أسعى لما يُفْقِدُ وبال صِباحِكَ، ويوقِدُ ذبالَ مِصباحِك، ويُظهِرُ أضواء اجتراحِكَ، ويُمْطِرُ غَيْثَ الإغاثةِ براحِك، فارتقبني بُكْرَة غدٍ بدار الأحكام، وَبدَار بدارِ إلى مدارِ الأحكام، لأجعل ندى عيشك بَحْراً، وسُهى معيشتِك بَدْراً، فأصلحُ صحبكَ مَنْ إذا قعدتَ قام، وأحضرَ الالتقامَ وإن غانَ دهرُكَ وعانَ، ازدلفَ لنفعِكَ وأعانَ، وحمدَ لكَ الامتحانَ وحانَ، ولو خفض لكَ الدُّخَانَ وخَانَ، ثُمَّ إنَّهُ سابقَ صريمه، وقَصدَ حريمه وريمَهُ، وحينَ شرَق الفَلَقُ فلاحَ، وكرَّر المحيعِلُ الفلاحَ، بادرت إلى إشارته، رافلاً في شمالِ الشَرَهِ وشارته ثم إنِّي تأخرْتُ إلى أن تقدَّمَ الحاكمُ، وازدحمَ المحاكِمُ، وطلعَ سِنِّ سَيْلِ القساماتِ ودلعَ لسانُ سُهيلِ المخاصماتِ ولمّا انفصلَ عصامُ الخصام، ونصلَ عُصْمُ مِعْصم مخاصمة الأعصام، أقبلَ يُرقلُ إلى المعاش، بمُشاش الارتعاش، تلوَ خَوْدٍ كالزبرقانِ في تِمّهِ، معتلقةٍ بعروةِ كعبةِ كُمِّهَ، فَشَغَلَني عن طولِ طَمَع هِمَّتي العلياءِ، عَرْضُ بهاءِ بهجة نعجتهِ الألياء، ولمّا جَلا جحفلُ الالتحام، وانجلا صدأ حسام حام الاقتحام انغضت البنام، وأيقظت منَ رَقَدَ عن المحاكمةِ ونامَ، ثم إنها حالَتْ في ثَبَج القلق وجالَتْ، وسَلَّتْ سيوفَ إذلالها وذالتْ، وأسالتْ أوديةَ إدلالها وقالتْ: ضوعِف فيض القاضي، المِخْضل الراضي، الخَضِلِ التراضي، الضابثِ المرَاضي، المُضابثِ المُراضي، الفائض الجرواض، النابض الفياض، الجاهض الضِّرغام، الناهض الإضرام، العَريض الأحفاض، الغريض الأحماض، الخضرِم الفضفاض، الضيغَم النضناض، حضَار خضراءِ القُضاةِ، ضبارمةِ غوامض المُعضلات، مُقْرِض النَضِّ، ومبغض البَضِّ، ومُفَيّض الناضبِ، ومغيض القاضب، ومُضِيفِ القراضبِ ومُضيف القراضب، ضيعةِ الاضطرارِ، خَيْضَعةِ الإضرار، خَضَبَتْ ضرائبهُ ففاضَتْ ونَضَبتْ ضغائنهُ فغاضَتْ وضَفَتْ فرائضُهُ فراضتْ، وقَضَتْ أقضيتُه فهاضَتْ، ونضدَ فضلَهُ فأرَّضَ وخَضَدَ مخضلَّهُ فتأرَّضَ، وخَضَعَ لنصالِه المناضِلُ، وتَضَعْضَعَ لضنئه الأفاضل، ونَحض لقضائه الضَّليعُ، ونهضَ لإمضائه التضليع: الخفيف:

فائضٌ قابضٌ رضِيٌّ ضَرِيّ ... صابطٌ ضامر وضيٌّ رِضَام
فاضلٌ ناضِلٌ حضين خضمّ ... خائضُ الضَّبح والضرامُ ضرام
غض رضا وفاضَ فضلاً وضرًّاً ... ضمَّرَ الضُرَّ فاقتضاهُ انهضام
قاضبُ الضَّيرِ والضَّريرِ هَضيمٌ ... هاضمُ الضَّيم والهضيمُ يُضاف

يتبع

حسن خليل
15-12-10, 12:28 PM
حياضُ فضائلِه تفيضُ، ورياضُ فواضلهِ تستفيضُ، وضيفانُه تُضيفُ، وإضغانه تضيفُ، ومعارضتُهُ عريضة، ورياضته أريضة، وحاضرةُ حضرتهِ، ومحاضرةُ خضرة نظرته، خُضُلَّةُ الخُضَعَةِ الخاضم، الضجعَةِ الحاضرِ الجُراضم، أحضرتُهُ لضفف خضعني وقضف قضعني وعرض عضبني ومضض أغضبني، وضر غضضني وضر قرضني وضر خفضني وأبض رضني وبرض مضني وقرض حضني، وفرض أضني ومرض أمرض، وعرض أعرض، وغرَض أنغضَ، وغضارةٍ انقرضَتْ، وغضارة انخفضتْ، وفيض نَضَب، وقَبَض انقَضبَ، وضَرب ضربَتْ، وعَضُدٍ ضَرب اضطربَتْ، فانْقُضْ بقضائك ضيمَهُ، وأرحضْ هُضَيمَهُ، فمحاضرته ناحِضةٌ، ومضاجرتُهُ واضِحةٌ، فلضِغنهِ نَفَضت قاضِمتُهُ، وانفَضَتْ ناهضتُهُ، ومضَى أنْضَادُهُ وأنضادهُ، وانقضى عِضادهُ وأعضادهُ، وانخفَضَ نَحْضُه ومَحْضُهُ، وانقرضَ ومخَضَهُ، خفضُه ومخضُه، وانقبضَ عرضُه وعِرْضُه، وانتفض عِرضُهُ وعَرضه، وفاضَ مُهيضهُ ومهْيضُهُ، وجاضَ إغريضُهُ وإحريضهُ وضيَّع بضاعتَهُ وبضاعتي، وضَوّع ضَراعتهُ وضراعتي، وقَضَمَ بضِرْس قرْضبته مَخَاضي، وخَضَمَ بخَضخْضَة ماضغيه خضاضي، وقرضَ بمقراضَيْ رَفْضِه إرفضاضي، وتعرَّضَ بانقراض قراضي لانقراضي الطويل:

وفضَّ نضاري واضمحلَّ وضَرني ... بضرَةِ ضَرٍّ مَضَّ ضَيْري ببغضِها
وهاضَ اتِّضاحي وافتضاحي ورضَّني ... ضرائبُ ضَيْم ضاق ضبعي ببعضها

قالَ: فلما روَّقَ غَسَقُ قضيّتِها، وتروّق قَرْقَفُ ضُروبِ ضأديّتِها وختمتْ بديغَْ ماذيِّها، واَنْحَسَمَتْ ذوائب أواذِبِّها، وقتلَتْ بردفها الضخم وتقتَّلَتْ بنُطقها الفَخْم، قال له: ما تقولُ فيما عطبولتُك تقولُ فإني لأظنها منَ الصادقينَ، فكُنْ فيما تقولُهُ منَ المتقينَ، قبلَ أنْ أتلو تلاوةَ الفاغرينَ، ولئن لم يفعلْ ما آمرُه ليسجنَنَّ، وليكونا من الصاغرينْ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فأرهف سنانَ انزعاجه، وثقّفَ خِرصانَ انعياجه، وكثَّفَ عِثْيَرِ عجاجهِ، وهَدَّفَ درر احتجاجهِ، بعد أنْ أنَّ وانتحبَ، وهنَّ وانتخَبَ، وقال: حَفِظَكَ للظالع الظليم، وأيقظَكَ العظيمُ لتعظيم التعظيم، وبَهَظَ بمظاهرتكَ الظالم ودلظَ بظبىَ مناظرتِك المظالمَ، وأظهرَ لَظى تيقُّظكَ الواظبِ، واستظهرَ ظَرْفُ تحفّظِكَ المواظبِ، وظفَّرَكَ لمحافظةِ العظاتِ، وأنظركَ لملاحظةِ الظُّلاماتِ، ونظرَ ظليفُ ظلالِكَ، ونظَرَ ظليفُ ظِلالكَ الظاهرَ، وشظمَ إيقاظَك المتظاهرِ، ظفِرَتْ ظرافتُك فتكظكظتْ، وظَهَرَتْ نظافتُكَ فَتَدَلْظتْ، ونَظَرَ ظِلّكَ فعظَّم، وحظِي حَظلك فتعظم، فانظرْ لحظل أَظَرَّ بتمظيغ ظعينةٍ غليظة، شاظِفَةٍ وشيظة، حَظَرَتْ حظ حَظِّها وتفظّعَتْ وفظَّعَتْ فظاظة ظأبها ومَظّعَتْ، وتشظَّى لحظِّها الظَّلِفُ والشَّظيفُ، وظعنَتِ الوظائفُ والوظيفُ، وأفاظَ الطلفُ والأظَلُّ، وأظلَّ حَنْظَلُ الحفيظةِ وظَلَّ، وظهرَ المظاهرُ وفاظَ، وظفرَ ظُفْرُ عَظِّ العظيمةِ وغاظَ، وجُعِظَتْ الظَهرة والمظهرونَ، وأُجْعِظَتِ الظواهرُ والمستظهرون، فلعظم عَظْعظَةِ أَلظاظها، تعظَّلتْ غِلاظُ إِغلاظِها، وتدلَّظَتْ عظائمُ أوشاظِها، وما ظَظتْ بفَظاظِها لِظَعْن ظِعان حفاظِها، وأحفظَها قَيْظ شِواظها، لظهار انعاظِ شِظاظِها، ووظِرَتْ عكاظُ تعَظُّمِها، بظهور ظُرَر تظلُّمها، وتظاهرَتْ بظَلَفها، لِشَيْظَم شِنْظير شظَفِها، فلظلظَني غِلَظ لَفْظ نظمها، وغاظني عِظَمُ ظُلْم ظَلمها: الخفيف:

ظَلَمْتَني وظلّمتني فحظّي ... مُظْلِمٌ عِظْلِمٌ عظيمُ الظَّلام
كظّني الكَظْمُ والكُظومُ فغَنْظي ... جاحِظٌ باهظ فظيعُ النظام
فادْلُظِ الظُلم والكِظاظ فظهري ... ظاهرُ الظُرِّ غنْظُبِيِّ العِظام

فحينَ شَنّفَ بشُنوفِ ظائيتهِ، وشرَّفَ بانسحابِ سحابِ سحبانيتهِ، وحسَمَ مادَّةَ غضبه، وطسمَ عيونَ عيونِ صَخَبهِ، وقفلَتْ سمائمُ سُمومهِ، وأفلَتْ غمائمُ غُمومهِ، قالَ له القاضي: اصبر لحظِّكَ الفاركِ، وحِقِّ حِقِّكَ الباركِ، واتَّخِذْها صِفوة المباركِ، واعلَمْ أنَّ الإنجاب أولادُ الفواركِ ثم ما الذي تشكو لأزيلَ شكواكَ، وأعطِفَ عُنُقَ الإعانة لعدواكَ، وأستعطفَ لك قلبَ أمِّ مثواكَ، فقال: لستُ أشكو إلاَّ منَّها ومَنَّها، وحُبَّها لا لا إنَّها ولأنَّها، الخفيف:

جَذذتني بجَيْش جَذٍّ فجذي ... غِبّ بَغَضيْْ يَجزّ خفظيَ بخفضي
تتجنَّى بغُنْج جَفْن فجفني ... نَشَجٌ ثجَّ بَيْنَ قَضٍّ فغَض
تتثنى فتنثني بقضيبٍ ... قضف يجتني تبيغ غضي
ضيفتني بفيض غيظ بغيض ... خشِب نيفٍ بضيفنِ بغض
شنفتني بشنفِ شِف فبثي ... بث فذ يبيت ضيف تقضي
شتتني ففتتني فقضني ... في ضجيج يبتز بضي بفض
شيَّبتني فشيْبُ شيبي بشغْب ... غَيْثِ نَقْض يَقضي تَشَظي نُقْضي

قال: فلمّا حَسَرَ وجوهَ عُقودِ جُماناتِه، وكَسَرَ سَوْرَة وقودِ وقودِ أنَّاتهِ، وشرَقَ قَمَرُ مشارقِ آياته، وتُحقّق عدمُ عَدَم نَقْطِ حروفِ أبياتهِ، بكى الحاكمُ والحاضرون، وشكا له من نوازلِ الزمنِ المحاضرون، وحين فاحَ فائحُ فلاحه، ولاحَ كوكبُ صُبح صَلاحهِ، وأجنَتْ شجراتُ آمالهِ، وأينعَتْ ثمراتُ إعمالهِ، تألَمتْ لميلِ الحكم إليهِ، بعدَ أنْ كانَ مائلاً مع الزمان عليهِ، ثم إنَّها نظرتْ نظرَ اللبيبِ، وشَرَقتْ شمسُ شِقْشِقَتها والنزيبِ، وصكَّتْ بكفّها الخَضيبِ، ديباجةَ خدِّها الرطيبِ الخصيبِ، ولمَّا انهمَّ سَمُّ ذلك الجام، وهمَّ جَمُّ جَحْفلِ حَجَّتِها بالإحجام، ضارعَتْ سَحَّ ذلكَ الانسجام، بأبياتٍ عاريةٍ عن الاعجام وقالت: البسيط:

كم حكَّمَ الدهرُ حُكّاماً وعلّمهم ... مَعالمَ الحُكمِ والإحكامِ والحِكمِ
وكم هَوَوا وهَوُوا أهواءَ واطَّرحوا ... أوامرَ الرُّسْل والإسراءِ والحَكَم
وكم سَعَوا لطِماح طالح وسَدَوا ... لحاصلِ الحرْص كالمِرْسالةِ السَّدِم
وكم سَهَوا وسطَوا عمداً وطَحْطَحَهم ... معسكرُ السَّامِ والأرماس والسدَم
وكم علوا معهداً عَدْواً وما عَدَلوا ... وطالما عَدَلوا للحِرْم والحَرَمِ
وكم واصلوا مَطْمعاً حِرْصاً وكم ... حَرموا وصارموا رحم المحرومِ والحُرم
لو حاولوا عَذْلَهُم ما آل حالُهم ... حالَ المَعادِ لِهَصْرِ الرأس واللِمم
آهاً لهم لو رأوا ما سرَّ مسلكُهم ... لهلمموا هادماً للّوم واللَّمَم

قال الراوي: فانهمرَ غينُ عينِ الحكم وعبَرَ، واعتبرَ بمَنْ عبرَ واستعبرَ، ورَثى كلٌّ لحالِهما، ولم يشعُرْ أحد بمُحالهما، ثم إنَّه جَثَا جُثوة النّصَّار، وحثالهما حفنة من النّضَار، فخرصَتْ ذيّالكَ المعينَ، فكانَ سبعةَ أتساع تسعةٍ وسبعين، ثم إنّه غاص في لجَّةِ الحِزَقِ وحاص، وحاصَ عن مهيع المعاهدةِ واعتصاصَ، فحثَّني الحِرصُ على تعنيفه، وضَمِّ رفيق مرافقه إلى عنيفه، فامتطيتُ عَوْداً عَجمْتُ عودَ إقدامه، واستعجمتُ عن جوابِ مستامهِ، وأقبلتُ أتلوهُ كاليعفورِ المعفَّر، إلى أنْ آن اجتلاءُ الجونة في المُعَصْفَرِ، فألفيتُهُ عند عواءِ الوحوش، بخانٍ خالٍ منَ الحروش، خاو على العروش، فنزلتُ بالقلب الهالع، نزولَ الهوالع، وبرداءةِ الطالع عن أضالع الظالع، ثم بادرْتُ إلى تأنيبه، وذمّه على مَيْنهِ وتأويبه، وقلتُ لهُ: تَاللهِ لا أنتجعُ هتونَ اتّهابكَ، ولا أجتمعُ بعدها بكَ، أو يصيد السوذقَ ساقُ حرّ، ويُفيدُ الاختلاعُ برقبةِ مَنْ تحتَ حُرٍّ، ويوافق المهذب الوسيط ويُغَذِّي المركبَ البسيطُ، وتشرَبُ الوكنات بالمُغارف فقال لي: يا بنَ جريالٍ كيفَ يحظَى بحاجته، مَنْ لَمْ يفِدْ بإجابتهِ، أم كيف يظفَرُ بتجابته، مَنْ لم يَصِدْ بنجابتهِ، فأنَّى تطمعُ أنْ تكون في المغارم، كالمحلِّل الغانم لا الغارم، فدعْني مِنْ هذا السَّفَاءِ، وسِفِّ فَم فعلكَ الفأفاءِ، فإنِّي مختصٌّ معَ الكاعب اللفَّاء، بشطْرِ هذا اللفاءِ، اختصاص جوابِ الجَحدِ بملازمةِ الفاءِ، ثم إنَّه لبّق قلبي واستمالَ، وحبَّقَ خُلقانَه والشمالَ، ولَبَقَ قلبَهُ والمقالَ، وحَبَق بي مستهزئاً وقالَ: البسيط:

احذر فديتكَ أنْ تُلفى أخا طَمَع ... يُلقيْكَ في طَبَع ناهيكَ من طبع
والبس مِنَ اليأس سِرْبا لا تُزانُ بهِ ... فالعِزُّ في اليأس والإذلالُ في الطَّمَع

قال: فانثنيتُ عارياً منْ وبيلِ مننهِ، كاسياً من سرابيلِ سُنَنهِ، بعدَ أنْ فَرَرْتُ من عوالي نَكْر نُكْرهِ إذ عوى لي، فرارَ الصَّلَع من الدوالي، لعلمي أنَّ سِلْمَهُ مِنْ أنفعَ الدوالي.

حسن خليل
15-12-10, 12:33 PM
المقامةُ التاسعةُ والأربعونَ الجزيريّةُ

حكَى القاسمُ بنُ جريال، قالَ: اجتويتُ جيرونَ عاماً لا عِلّةَ بهِ قَطّ، ولا جبذَ زِمامَ نوقِ مَنْ أحِبُّ بهِ الشَّحْط، وأنا في شَرْخ شَبَابٍ ما شابَه الوَخطُ، ولا خالطَ خطَّ عِذاري شَكْلُ البياض ولا النَّقْطُ، فخَرَجْتُ بقلبٍ منَ الجَوى وَجِل، ومَنسْم إلى الوَجىَ عَجِل، لا أتشوَّق إلى مرافق، ولا أتوقَّفُ على قَرقفِ موافقةِ موافق، فحينَ ظَهَرَتْ ثنيةُ العُقاب، وعَقَرَتْ بفَم الرِّحلَةِ ثنية الأعقابِ، أقبلتُ أتقلّدُ قلائدَ الدموع، وأتردَّدُ في ركوبِ رَكوبةِ الرجوع، ولم أزل أتذكّرُ نوائبَ السَّلفِ، وأتوقَّعُ توقيعَ ديوانِ وقائع التلَفِ، إلى أنْ شاهدْتُ المُناخ واتخْتُ الشَّدنيَّةَ مَعْ من أناخَ، فقُمْتُ حينَ رقَدَ التوقّدُ وباخَ، وتسنّمَتْ سُلامي النسيم السباخَ، لأصطفي صديقاً يُعادلني، أو أرتادَ رقيقاً لا يجادلني، فألقيتُ أبا نصر المصريَّ ينتجعُ شآبيب المعادلة، ويختلعُ رعابيبَ الخاتلةِ، فجنحتُ إليهِ جنوحَ مَنْ حظِيَ بربح نجائهِ، ووقَفَ مِنَ الأملِ على أرجائهِ، وأيقنتُ أنْ قَدْ فُزْتُ بلقائه، وإنْ كنتُ لأجِدُ ريحَ يوسفِ الحَذَرِ من تلقائه، فلمّا ألبسَني حُقل حِمْلاقِه، وألبستُ بَصَري قميصَ إملاقه، مالَ إلى مصافحتي، وأذكرَني أيام مناوحتي، ثم قالَ لي: إلامَ تركبُ التلاتلَ، وتصحبُ المخاتلَ، وتقلقُ المَقاتلَ، وتقلقلُ المُقاتلَ، فقلتُ لهُ: إلى أنْ ينشرَ مَيْتُ إفاقتي، وتُطوى من أجزاع الجزَع دروعُ فاقتي، ومعَ مفارقةِ منْ ضمَّهُ صيْرُكَ، وعمَّهُ عصيرُكَ، فإلى أينَ مصيرُكَ، وبأيّ البُقع يستجمُ قصيرُكَ، فقال لي: بلغَني ما تعطّرتْ بذكره الأكنافُ، وتشوَّفت بصنوفِ أوصافه الأصنافُ، وتشنَّفَتْ به الأسماعُ، وامتدَّتْ إلى طِيْبِ طيبهِ الأطماعُ، من وصفِ الجزيرةِ العمريّةِ، وأرجَ أخلاقِ قومها الشِمَّرية، وما حوَتْ منَ الصفاتِ، والأحكام المنصفاتِ، فحملَني الشوقُ الشديدُ الشامخُ، والتَّوْقُ المَشيدُ المتشامخُ، على أن اتضمَّخَ بصعيدِها، وأتشرَّفَ بوصيدها وصِيْدِها، علَّ أنْ أستخرجَ من عُباِبهم جمُانةً، أو أضَّمَ إلى سَفَطِ ما جَمَعْتُهُ مرجانةً، فقلتُ له: متى تخِذَتِ المجرّةُ للكرم جسورا واتَّخذَتِ الخُنسَُّ خوفَ الجلَل سُورا، وقَلّدَتِ الصفائحُ بالمِنَح نحوراً، وضمت الجزائرُ بحوراً وحوراً، فقال لي: سُبحان مَنْ سَلَب سَنا حِسِّكَ السليم، وألجأِ عوج حَدْسِكَ إلى العتابِ الأليم، وأحوجَ عَوَجَ نفسِكَ إلى ثقافة التعليم، ذلك تقديرُ العزيز العليم، ثم قال لي: هل لكَ في الموافقة إليها، وكثرةِ نثارِ هذه الأثنية عليها، لأنسيك مُرَّ انقطاع الرضاع، بحلاوةِ ارتضاع هذا الإيضاع، فقلتُ: من لي بأنْ أحمل ترابَ شراكِكَ، ولو نشِبتُ في شَطنِ إشراكِكَ، وأنسلكَ في علاط عيالكَ ولو رميتُ بسِلاطِ اغتيالك، ثمّ لَمْ نزل نَسري لسَرْوها الرائق بينَ الطرائقِ، ونقطعُ عُرَى العلائقِ، خوفَ العُذْرِ العائقِ، إلى أَنْ قبَّلَ فَمُ فِرسن الدرفسة سقلانَ وتقبَّل أرْيُ المرافقة ذلكً الجُلجلان، وحين ابتهجنا بمفارَقةَ اليَهماء، وولجْنا بابَ سورها السامي على السماءِ: البسيط:

ألفيُتها بَحْرةً بالبحرُِمحْدقَةً ... كأنَّها دُرَّةٌ في لُجِّ مُنْهمر
أو جَوْنةً قُلِّدَتْ بالشهب لَبَّتُها ... لتجتلا بالعُلى يوماً على قَمَر

ثم أخذنا بعدَ تحصيل الغَريفِ، ومدح دَوْحِها الورَيفِ، وحمد زيارةِ جودِّيها الشريفِ، نسبرُ مُرَسَ مراسِها، وشرفَ لِباس باسها، وعدم أدناس ناسِها، فلم نرَ إلاّ مَنْ يطيرُ بالقوادِم، لإسعافِ القادم، ويصافحُ بالعقلِ الثاقبِ، أناملَ الثواقبِ، ويُبرمُ قوى الأمراس، ليوم المِراس، ويُخمدُ أنفاسَ الخَرّاص، بالرُمح العرّاص، لا يلحقُون بحلبةِ محادثةٍ ولا يبرقونَ لحدوثِ حادثةَ محادثة، همهم إرغام المناخر، وإنعاشُ الرميم الناخر، وكسب المفاخر، وفتُّ فؤاد المفاخرِ، يُخْجِلُ نورُ إحكامَهَا القمرينِ، ويعدل عدِلُ حُكّامِها العُمرين، لا تنظرُ سوى أندية بالمناظرة موصوفةٍ، أو نمارِق حِكمٍ فوقَ قُرشُ المنافرةِ مصفوفةِ: البسيط:

كأنَّها جَنّةُ المأوَى وساكنُها ... حُوْرٌ حَوَتْ حُسْنَ أحكام وإحكام
لا يخفِضُونَ نزيعاً حل رَبْعهُمُ ... بل ينصبون بأنعام وإنعام
فيها الأذانُ وفيها للطِعانِ مَعاً ... مذ يُعرفون بأعلام وإعلام
لا يسبقون إلى العلياءِ إذ سَبَقوا ... كلَّ الأنام بأقدامٍ وإقدام

قالَ: فطفقتُ تدورُ لدينا فواكِهُ مفاكهاتِهم، وتسيرُ إلينا مناسمُ مناسماتِهم، ونحنُ نمرج في مروج افتنانِهم ونمرحُ، ونسرجُ عناجيجَ المَرَح، بلا حبِ إحسانِهم ونسرحُ، حتى صرنا مِنهم كاللازم من الملزوم، واتصلْنا بِهم اتصالَ الحازم بالحيزوم، وبينما نحنُ نشمخُ بشامخَ ذاك الحُدورِ، ونسمحُ بكاملِ بدورِتِيكَ الخدورِ، إذ عنَّ للخواطرِ، الطلوعُ بالعطر الماطر إلى الظواهر، بالقصفِ الظاهرِ، مشفوعاً بالقناني، والرحيق القاني، ولمّا بركتْ بنا أيانقُ القعودِ، وزمجرتْ علينا أسودُ الرعودِ، وأخذتِ السماءُ في الانتقابِ، وجعلت الشمسُ تنظرُ من خِلال النقاب، وسلّتْ سيوفُ السحبِ على مَدَرِها، فسالت أوديةٌ بقدرِها، أقبلتُ أفكِّرُ في الدرانكِ السُندسيّةِ، والطنافس السونيّةِ، ومدائنِ المنادمةِ مفتّحةَ الحصونِ، والطيرُ يشدو لرَقْص أعطافِ الغُصون، والغلائلُ تعبَثُ بها أيدي النسيمِ، والزهرُ قد عَمَّمِ رؤوسَ التسنيمِ، والبهارُ كالعاشقِ في انتظاره، والعبهر يبهر بلجينه ونضاره، والجسد فوق زلال مائه، كالعلم الراقي على ملائه، والسفنُ ترقُصُ على تصفيقِ الماءِ، رقص الغواني في إيقاع الغناءِ، والبقعةُ مع لُطفِ جَهْرِها والسِّوادِ، كالعروس المجلوةِ في السّوادِ: البسيط:

كأنّها مِزْهَرٌ في حِجْر غانيةٍ ... موصوفةٍ بغناءِ طائل الطَرَب
أو غاده لَبسَتْ غِربيب حُلّتِها ... من غير ما حَزنٍ منْها ولا حرَب

يتبع

حسن خليل
15-12-10, 12:35 PM
المقامةُ التاسعةُ والأربعونَ الجزيريّةُ/تتمة

قالَ: فلمّا بلونا سبائكَ بَهارِها، وجَلَوْنا وجوهَ عرائس أزهارِها، تخيرنا وهدةً لزَفْنِ القيانِ، وروضةً لإدارةِ العقيانِ، تجاه جماعةٍ التحفوا بريطِ المطارحةِ، وأتزّروا بإزارِ المناوحةِ، يتدفَقُ حُلْو رحيق تحقيقهِم، ويترقرقُ برقُ جُلِّْ جَزلِهم ورقيقهم، ولما مارتْ أكوابُ مُسطارهم، وحَمِدوا سحائبَ أمطارهِم أحببنا استنشاقَ ألنجوجهم، واختبارَ نطقِ حَبرهم وعُلوجِهم، فقلنا لهم: هل لكم في ارتشاف شمطائنا، والانعطافِ لقطافِ زهرِ وطائنا، فقالوا لنا: تاللهِ لقد رقشتُم بأقلام أوفاضِنا، ورشقْتُم بسيِّ قِسيِّ وفاضنا، واعتقلتم رماح مستفاضنا، واعتلقتُم بقُوى أسبابِ أغراضنا، ثم إنَهم نهضوا من حالهم مرتاحين بحلاوةِ ارتحالِهم، فذكرَ كلّ حديثِ قديماً، وقبل كلّ نديم نديماً، وحل حَلَلنا محلَّ شِقهم وأقبَلنا عَلى نقلِ نُقْلهِم وزقِّهم، ملنا إلى شيِّ الكبابِ، وغيِّ الحَبابِ، ونشر الحِبابِ، وطَيِّ الضِّباب، حتى نصفنا المدامةَ، وعَرَفنا باقلَ القوم من قدامةَ، ولما ثارتْ زَعازعُ نزاعِهمِ، وأثارَتْ هُوج المناظرةِ خرائدَ اختراعِهم، تململ منْ بينهم أتيّ، ظاهرُ الفصاحةِ فتي، وقالَ: يمين اللهِ لقد غُلّتْ يدُ البلاغةِ بعد النواخر واعتلّت أجسامُ المفاخرةِ بين الأواخر، وعادتِ الدرَرُ إلى أصدافهاِ وزاحمَتِ البهائمُ الدُولَ بأَكتافِها، حتَّى لم نَرَ مَنْ يفوهُ بألوكة غريبِةِ، أو يَتِيهُ بوشي صناعةٍ غربيبة، قالَ: فلمّا طافت علينا سُقاة قاله، وتجافتْ جنوبنا عن مضاجع صِقالهِ، وذَوَتْ بُستانُ مسرّتنا الخضراءِ، وانزوِت أرجاءُ أرض نضرتِنا الغضراءِ، أقدم أبو نصر للحديثِ المسحَنفِر، كالغيثِ المثعنَجِر، وقال لَهُ: يا ذا المقْوَلِ الضَاربِ، والمخضَل المُضَاربِ، هلاّ ردعْتَ طلائعَ بدعِك وقد وقدعت بعيضَ عارض سَرعك، لئلا تسير بمنعكَ، سيرَ واخد، وتسوق الورى بقطيع واحدٍ أو ما علمتَ أنَّ بحضرتك، وحوزةِ محاضرتكَ، مَنْ تُزَفُّ عليه أبكارُ البدائع، وتَزِفّ إليهِ حمولةُ حسنِ الثناءِ الذائع، وتمنحهُ الفِكرُ بحسانِها، وتنقادُ لَهُ الزُّبَدُ بأرسانِها، إن قامَ لمعنىً بهرَ، أو أقامَ بمغنىً اشتهر، وأن تلفّظَ بقريضِه، فضحَ الأفاضلَ بإغريضهِ، أو ترنَّمَ باختراعهِ، بلبل البلابلَ بأسجاعهِ، ثم إنّه أدار نظرَهُ عليَّ، وغمزَ بحاجبهِ إليَّ، وقالَ: ها هو بازائكم، والمُجالسُ على مُزّائِكمَ فإن شئتُم أن تبصُروا لؤلؤَ فِصاحهِ، فسارعوا إلى معرفةِ إفصاحهِ أو تَخبروا قِرواحَ قِراحهِ، فبادروا إلى حلِّ حقيبةِ اقتراحهِ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فأقبلتُ عليهِ، وأقتلتُ مِمَا أشارَ إليهِ، وقلتُ لهم: قَسَماً بمَنْ حَرَم الحَظ المنيحَ، وحرَّمَ على الشحيح المديحَ، إنّهُ لمدرج هذهِ الجبوبِ، ومخرجُ هِتِهِ الريح الجَنوبِ، ومستخرجُ نُقودِ النُخبَ مِنْ هذي الجُيوبِ، الذي أدهشَ بنفائس حوبائهِ، واحتوشَ الحِكمَ إلى حَرمَ حِوائهِ، وترك كلاً يصبو إلى وشائه ويحشو بعرَ شائه بإنشائه، وأننِّي لدى تبره الخالص، وبحرهِ الغائص، كالدرهم الردي، والدرِع النّدي، وأنّهُ مِمَّن يقتلُ، ولا يدِي، ويصيدُ الأفاعي على يدي، فإيّاكَ وأن تصطلي بنارهِ، أو تبتلى غَواربَ تيّارهِ، فإنّه إنْ شَربَ شَربِ خابيةً، وإنما أخذ أخذ أخذةً رابيةً، فقال لَهُم: أرى كلاً شاهداً لرفيقهِ، قاصراً عن صعودِ عَقَبةِ فِيقه، عاجزاً عن مدِّ شعر أفيقهِ، قال: فزجرَهُ القومُ على مسيلِ ثقاله، وفكِّ عقالهِ في مقالهِ، وقالوا له: أنت يا هذا قدمْتَ بالأمس، بعد مفارقةِ الخْمس، ولم تعرف الضبارمة من النمْس، فكيفَ تَحاربُ العقاربُ السودَ، ويضارع السَّيد المسودَ فأخضعْ لفيضَ فضيلهما، ولا تمتر في إصابةِ نَبْلِ نَيْلِ نُيلهَما، قال: فأنه اكتأبَ لفَرَطاته، فعطفِ ليتَه إلى قَطاتهِ، وجعل يفكرُ في وَرطاته، بعد أنْ عظُمَ عليهِ وشقَّ، وقدَّ قميصَ يوسفِ سرورهِ فانشقّ فلمّا عرَفَ أبو نصر ضيقَ صَدرهِ، وطلوعَ غمائم غَمْغَمَةِ فِكرهِ، أخذَ في تغميزِ قَدَمه، وتمزيقِ زيقِ ندمهِ، وقالَ لهُ: أدنُ بحياتِكَ إليَّ، واقترحُ بما تحبُّه عليَّ، لئلا يعُمَّ صفوَ صحونا نَغَصٌ ولا يَضُمَّ شحرور انشراح قلبِنَا قَفَصٌ، ولتعلم أنَّ كل فصيح إلى وصيدِ إفصاحي يَصيرُ، وكلَّ بليغ تحتَ ألويةِ جيوش بإنشائي يسيرُ، فقال له:
أحبُّ أن تَبْتَدِعَ رسالةً تثقِّف مَيْلَ ظنِّ كُلِّ مائلٍ، وتُمزّقَ لسان لسانِ كلِّ قائِلِ، يكون آخرُ حرف من اللفظةِ الماضيةِ، كأولِ حرف من اللفظة التالية، لا يشوب شرابها لمعُ سراب، ولا يصوب بصوابِها إنصاب صاب معربة عن أشواق صادحة، وأتواق فادحة، وأشجان طافحة، وأحزان لافحة فقال: حباً لأمرك الكريم وحرم أربك المنزه الحريم، ثم إنه وقف قيس تعريس أو حلب ثعل عنتريس وقال له: أكتب: جدد دوام مجلس سيدنا العالم. ملك كرماء الزمان. نافع علماء الأوان. ناقد درَر رواءِ البيان نظام مَجرة هالة هذا البرهان ناسف فناء السفاء، الواسع عداء العَطاءِ السماء الخنذيذ ذا الرداء الجذيذ. ذو وجب بحضرته هناءْ النمو. وانسكب بها امتداد دأماء الدنوِّ وهطل لنا أنواء أحياء الحنوَ، وعرب بطلوع عز زهوهِا اعتداء العدُو. وأغرب بمدحِها ألسن نماء السموُ، ولالاهَ هَم معادِ دعَيِ، يانعٍِ عرواء أعضاءِ البطش شقي، يرفضُ ضياء بإحسانها المحذو ويكفر رَفَدَ دوم مدد دَرُها المرجو. والخادمْ مملوك كرمِها أصدَرَ رسالته هذه هادمة هُوةَ هفوتهِ. هاتمة هامة هامة هِزلاع عثرتهِ. هارب بخطا الخطاء إليك كاسر رديني يدداء الزَلل لديكَ: الطويل:بُّ أن تَبْتَدِعَ رسالةً تثقِّف مَيْلَ ظنِّ كُلِّ مائلٍ، وتُمزّقَ لسان لسانِ كلِّ قائِلِ، يكون آخرُ حرف من اللفظةِ الماضيةِ، كأولِ حرف من اللفظة التالية، لا يشوب شرابها لمعُ سراب، ولا يصوب بصوابِها إنصاب صاب معربة عن أشواق صادحة، وأتواق فادحة، وأشجان طافحة، وأحزان لافحة فقال: حباً لأمرك الكريم وحرم أربك المنزه الحريم، ثم إنه وقف قيس تعريس أو حلب ثعل عنتريس وقال له: أكتب: جدد دوام مجلس سيدنا العالم. ملك كرماء الزمان. نافع علماء الأوان. ناقد درَر رواءِ البيان نظام مَجرة هالة هذا البرهان ناسف فناء السفاء، الواسع عداء العَطاءِ السماء الخنذيذ ذا الرداء الجذيذ. ذو وجب بحضرته هناءْ النمو. وانسكب بها امتداد دأماء الدنوِّ وهطل لنا أنواء أحياء الحنوَ، وعرب بطلوع عز زهوهِا اعتداء العدُو. وأغرب بمدحِها ألسن نماء السموُ، ولالاهَ هَم معادِ دعَيِ، يانعٍِ عرواء أعضاءِ البطش شقي، يرفضُ ضياء بإحسانها المحذو ويكفر رَفَدَ دوم مدد دَرُها المرجو. والخادمْ مملوك كرمِها أصدَرَ رسالته هذه هادمة هُوةَ هفوتهِ. هاتمة هامة هامة هِزلاع عثرتهِ. هارب بخطا الخطاء إليك كاسر رديني يدداء الزَلل لديكَ: الطويل:

كئيب به هم مقيم مقلقل ... له هدة هالت تلاتلها البشر
رسا أسها أيام مارس سمها ... أخو وله هاو وحقك كالأثر

رهبانية هفواته هامية. هِزة همهمة همومه هائلة. هدد دلالك كلام مغناه هَزه هوان نهنهه هِجاء الصلف فما أغناه. هبر رئته هلال لواء الاغتراف فأضحى يرقب ببصيرة هدايته هلالاً لألأ لأواء الاعتراف: الطويل:

فها أنا أرجو وسع عَفوك كلما ... أسا الحلم ما أهفو وصفحكَ كافل
ليجمعنا إلٌ له همة هَمَت ... تلألأ، لا لاغ غلامك كامل

لو واصلني يوسفْ فتاءِ العِلاء، لأتيتْ تائباً ألتمس سناء العْلو والعفو. وأضرب بهذا اللقاء أقفاء الهفو والسهو والسلام: قال الراوي: فحين زَفَ عرائسَ الإرادة. وحفَ وحفْ أفنان، الإفادة، وضم تليل الشرفِ إلى دسيعه، ومَنَ بدرياق الملاطفةِ على لسيعهِ. وعلمَ من لفظ ماذي فضله المذاب. إشارته إلى تساوي الرؤوس والأذناب. أفعم وعاء علمه ثناء. وسماءُ سنى مسرته سناءَ. وثبتَ ثَبتْ براعته لديهم، وعكفت راح راح عبارته عليهم، ولما آن حِينُ الذهابِ، وحانَ حلولُ الفاحم الإهابِ، رفلَ في رداءِ ظرْفهِ واستدعاني بكفِّ كَفِّ طَرْفهِ، وقالَ: اعلم أنَّني عازمٌ تَرْكَ هذا الملحوب، وفَرْك سَراة شَرَاةِ سُرحوبِ هذا الحُوبِ، بعدَ أنْ أقلبَ له العَنْبرَ، وأقصدَ بَلْعَنْبَر، لأمر عَناني فإنْ كنتَ تُحِبُّ محالفتي وترومُ، فأنا مِمَّنْ يضمُّ شَمْلَهُ الرُّومُ، ثم إنَّهُ اَنخرطَ بسناسنه العُوج، بينَ المروج، انخراطَ البهلولْ والأرقط الزّهلولِ، وخلّفني ألاّ أذُمَّ ألفَهُ، وخلَّفني خَلْفَه، كفصيلٍ فارقَ خِلْفَهُ، فكنتُ كَمَنْ أودَعَ قلبَهُ السِهام وخِلبهُ السُهامَ، وأسبلَ ثجَّاجَ دمعه والرِّهَامَ، وخَرَجَ مِنَ الجنَّةِ وهَامَ.

حسن خليل
15-12-10, 12:38 PM
المقامة الخمسونَ اليَمنيَّة

حدَّثَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: صَلفْتُ حين واجهتني شَوائبُ المشيبِ، وشافهتني شِفاه الغدائر الشّيْبِ، وقاطعتني شمائلُ الشبيبِ، وواصلتني عقائلُ الهرم القَشيبِ، مجاولةَ السَّلاهبِ، ومحاولة الأصاهب، واجتلاء العواتكِ، وابتلاء الرواتكِ، والتئامَ الدساكرِ، والتحامَ العساكرِ، وأنا ذو رفاهيةِ، وفراهيةِ غير متناهيةٍ، أسوفُ إنابَ الملاعبِ، وأطوفُ بكعبةِ بيتِ الكواعبِ، أظَلُّ بين سِدْرِ المُساهرةِ وسيالها، وأملأ ذنوبَ المسرةِ إلى أسبالِها، فقلتُ حينَ رهنت النُّخَبَ في رهاني، وأرهنتُ النظرَ فيما ازدهاني: الوافر:

رعاكَ اللهُ منْ شَيْبٍ نَهاني ... عن اللّهوِ المزهرهِ والهوان
وألهمني الهداية بعدَ عَشرِ ... وتِسْع في ثمانٍ مَعْ ثمان
وأنساني التدهدُه في الدواهي ... وإدمانَ الدنادن للدنان
وعوّضني عن الكاساتِ كَيْساً ... وتجويدِ المثاني بالمثاني
وأغناني عن الغادات رَغْما ... وتغريد المعاني بالمغاني
وحوَّلني خلائقَ لم أخلها ... تُخامرُ خّلِتي خَلْفَ الخِتانِ
ثم إنَي رجوتُ نشورَ الطَّاع، وقبضتُ منشورَ الإقطاع بالانقطاع، وأخذتُ أزحلُ عن المحدوج، وأرحلُ واحداً عن الحُدوج، علىَّ أن أظفَر بعد هياج الخَبَبِ والخُبوبِ، والقيام على ساقِ السَفَه والظُنبوبِ بمَنْ زهِدَ في الحُطام، وعَبِدَ من عبادة ذلك الالتطام، وطلَّقَ الدنيا وأشاحَ، وأعرضَ عن عَرَضِها والتاجَ، لأجعلَهُ جَوْنا لِظُلَم المتشابهاتِ، وعَوْنا لقَدْع شهواتِ الشبهاتِ، وبُراقاً لميدانِ الغايةِ، ودرياقاً لأفعوان الغوايةِ، فبينما أنا أمور مورَ الذعالب، وأغورُ غورَ الثعالب، ألفيتُ سريّة تسوحُ بأسنتها، وتروح ريح ريح المرَح بأعنتها، قد صرموا مصارم الرياس، وحصرموا أوتارَ القياس، منكبين عن الغزارةِ، متلببين للإغارةِ، تحكي المجادِلَ في ركوبها، والجنادلَ في كروبها، والبوارقَ في ذهوبها، والزعازعَ في هبوبها، فحينَ شاهدتْ غُباري، وشارفت غواربَ إغباري، بادرتُ إلى كفِّ مرامي، وكسفِ اجترامي لاَجترامي، ولم يبقَ سوى اللزوم، والأخذِ في الحُزوم على الحيزوم، فجعلتُ أنبسطُ وانقبضُ، وأرتفعُ وأنخفضُ، إلى أن ركضَني رئيسهم الأليسُ وهمامُهم الأهيسُ بسَاقه، وجمعَ بين وجوهِ الهربِ وبُساقه فانتقدتُه باللحظِ الصفيِّ، انتقادَ الصيرفيِّ، فإذا هو الغيثُ الغضنفريّ، أبو نصر المصريّ، فخبا عند ذلك حريقي، واغدودق بريقي وريقي، ثم قلت له: بفم مَنْ بلطفه استدلَّ، ورَفَلَ في ذلاذل المذلَّةِ وذل أما يعِظُكَ واعِظُ الهرَم، ويزجُركَ مؤدِّبُ النَّدم، وتوهنك خلائقُ الاختلاق، ويحزنك فزع يوم التلاقِ، فإلامَ تقطَر الكَميَّ، وتكدِّرُ الزاخر والسُّمِيًّ، وتنسكبُ انسكابَ سكابٍ، وتكتسب اكتسابَ كسابِ، وتلسعُ بسَلْع كبرك والِحدثان، آمناً من محادثة الحَدَثانِ، حتّى كأنَّك عينُ العاصم، أو أميرُ القدرِ القاصم، فَأفٍّ لشيبٍ لا تشيبُ أطماعُهُ ولا تحولُ لطولِ طُوَلِ التطاولِ طباعُهُ، قالَ: فذرفَتْ شآبيبُ أجفانِه، ووكفَتْ غرابيبُ عرفانهِ، وانسجمَ بلَبانهِ ما رخص محْمَلُ جُرُبَّانهِ، مَضَّني بإقناعه، وحضَّني حسنُ حَطِّ قناعهِ، قلتُ له: إنَّهُ الهازمُ بجيش سَعْدهِ، واللازمُ بزمام عبدِه، فعسى اللهُ أن يأتيَ بالفتح أو أمر من عنده، فقال لّي: إنِّي لأظنُّها ومَنْ زيّنَ الغَرَبَ وشرف العَربَ، وحرَّمَ الحَربَ، عنيّةً تشفي الجَرَب، ثم إنَّهُ ذَمَّ ورْدَهُ والجناح، وأورد وَرْدهَ وِرْدَ الصَّدَر وناحَ، فلبستُ سرابيلَ الانسلات، وطعمتُ حلاوة صلاتِ الانصلاتِ، بصُبْرٍ أطولَ مِنْ ظِلِّ القناةِ، وصَبْر أقصرُ من إبهام القطاةِ، ولم أزلْ بعد ما جرَعَ قلبي الجَزع، وقطعَ جَرَع الوَجَلِ وجَزع، ما بين ذلك اللاب، ومقاتلةِ الانقلابِ، أمزّقُ بنائقَ الارتفاقِ، وأشقِّقُ شقاشِقَ الإشفاقِ، وأهجرُ إلف الراقدِ، وأسيرُ سيرَ الفراقدِ، وألثم بشناتر الأخمصين، مواقعَ براثن أبي الحُصين، إلى أن رشَقَتْ سحنتي سهامُ السمائم وبَرَقَتْ مقلتي لسحِّ تلك الغمائم، فحينَ قهرْتُ الضَّنى والظلامَ، وهجرتُ المَها والمنامَ وقيل: لو تُركَ القَطا لنامَ، عطفتُ إلى معاقل اليَمَنِ، وأتحفتُ الزمنَ بالثناء الحَسَنِ، لأمتِّعَ البَصَرَ بكشْفِ نصيفُها، وأخيِّمَ بزخاريفِ ريفها، لعلمي أنَّ المقامَ بريفِها لذيذُ المذاقةِ كتصحيفها، قالَ القاسمُ بنُ جريال: فوالذي فصَّل إحكام القرآن، وفَضَّلَ الإفرادَ على القران، أسقيت مقلتي حِثاثا، ولا ألقيت عني رثاثا، أو أقبلَ أبو نصر في ثياب بذلته، بعد طِرفه المطهَّم وبدلتهِ، يفوجُ لديهِ جَنَى عيادةِ العبادةِ، ويلوحُ عليهِ سناسهم سعادةِ السعادةِ فقلتُ لهُ: ما الذي ألهمكَ مع امتطاء القطوفِ، الموصوفِ بالتحافِ الصوفِ المخصوفِ، فقال لي: يا بنَ جريال دَعْ فنيقَ المنافقةِ، واردَعْ شياطينَ الموافقةِ، عسى أن تشقِّق بهذه الرِّقاق شقَقَ الشِّقاقِ، ونخرجَ من نافقاءِ النِّفاق، إلى قاصعاء الاتفاقِ، فقلتُ له: لا مُدَّت يدُ مَنْ عليك يبغي، ذلك ما كُنَّا نبغي، ولمّا انطلق بي إلى رَحْل قُتوته ومَحْل قنوته وقُوتهِ، أقبلتُ أفكرُ في ارتداعه، وإقلاعه عن ربَض الدنسَ وقلاعه، فقال لي: أنا أمنحك علمَ ما حرصتَ عليه، ونصصت جيد انجذابك إليه ثم قال: اعلم أنني بت ليلة فراقكَ على قلق من أباقك، لمقاطعة رفاقك. ومواصلة اندفاقكَ ثملاً من خمر عِظاتكَ، متململاً لخوض خمر عِضواتِك، فلمَا رنقَ السهر بأطنابه، وروق السحَر بأطنابه، وأخذَت مقلتي في الاغتماض. ورؤيا رقدتي في الأحماض، وجعلت جحافلُ البَخبَخة تعول، وحلائلْ الحلحَلة تحول، سمعتْ قائلاً يقول: الوافر:مر عِضواتِك، فلمَا رنقَ السهر بأطنابه، وروق السحَر بأطنابه، وأخذَت مقلتي في الاغتماض. ورؤيا رقدتي في الأحماض، وجعلت جحافلُ البَخبَخة تعول، وحلائلْ الحلحَلة تحول، سمعتْ قائلاً يقول: الوافر:

أتجمح بالجهالة في المراح ... وتسر بينَ إلحاح المراح
وتحمل بارتياح واتَقاح ... إلى الشحناء أرماحَ الجماح
وتصحَبْ كُل حين بعدَ حين ... إلى الحانات أقداحَ القداح
وتركب كلَ يوم في المَعاصي ... مدى الأزمان أحراح السفاح
وتسبأ بعد شيبكَ للمساوي ... من الإصباح أرواح الرياح
وتنسى ما ينوشك من رماح ... بباح الحين والراح المتاح
ستلقى ما ستلقى وقت تلقى ... إلى الأجداث من راح الصفاح

قال أبو نصر: فاستيقظتُ مرعوبَاً بفوارس الأحلام، مرهوباً بنشْر أعلام ذلك الإعلام، تمطرُني سحائب الشؤون، وتزجرُني شوائبُ الشجون، فضارعت بوعظِك الرَّقوبَ، وفارقت الفرقَ فراقَ القائبةِ القوبَ، واقتريتُ ملابسَ الاستنان، واقتريت إثرك مسلوبَ الاعتنان، يروقني راووق الهزال، ويسوقني وَقْعُ هادية هدايةِ الاعتزال قال الراوي: فقلتُ له: الحمدُ لله الذي أخرجكَ من هوةِ الهلكةِ، وتوجك بتاج هذه المملكة، واستجابَ ما أمّلتهُ من الاعتراءِ، وقناعة الارتعاءَ وترك ركوبة الكبيرة الفدعاء، إنَ ربي لسميع الدعاءِ، ثم إننا أقبلنا نرتحل رواحلَ التعبد ونحتمل ألوية جيوش التهجدِ، وأبو نصر لا يرقأ وَدْقُ تهتان جفونه، ولا يُرْفأ خرق خفقان شجونه، مجل بزهدهِ العَديم، مصل في حَلبة التقديم حتى عادَ كالعُرجون القديم، فانثنت له ورثيت، وأويت إلى بيت عذله وأويتُ، وقلتُ له: استبق بعض طلعِك، وارقَ على ظلعكَ فقالَ لي: يا بنَ جريالِ، أما علمتَ أن أجمل المعتبة أوجزها. وأفضلُ الأعمال أحمزُها، فمن صدقَتْ همَّتُهُ وصفَتْ وصِفت ومن برقت مقلته وغفت وغفت، ومَنْ سلكَ سبيلَ تسبيحه، فازَ بكسر كسر قبيح قبيحه، ومن انسلكَ في سفينة نوح نوحِه، ظفر بسكينة روح روحه، ومن استصبح ببوح بوحه أمن من عثار بوح بوحه، ثم إنه ولج إلى مخدعهِ وأنَّ، ودَلج في سَنن نُسكهِ واستَنَّ، وأعلن بالشهيق، وأمعنَ في ملازمة تلك الأزاهيق فلما سلَّم مَن سجوده، وسَلمَ من مفارقةِ وجوده، حاولَ الانتقالَ، وأرهفَ قواضبَ مقالهِ وقالَ: الوافر:

لحاك اللهُ من عُمَرِ عَميم ... تقضَّى بالدَّميم وبالدّميم
وإزعاجي الأوابد بالفيافي ... وشربي للذميم من الذميم
وتقريع القريع متى لحاني ... وتَجْريع الحَميم من الحَميم
وإظهار المساوي للمُساوي ... وإيصال الرسَيم إلى الرسيم
وإتحافي المزايا بالرزايا ... وإلحاق الَكليم إلى الكليم
وخَوضي للمَناهي والملاهي ... وفتكي في الظليم مع الظليم
فعيثي مثلُ غيثي لاحتراثي ... قبيحٌ والحكيم مِنَ الحكيم
سأسعى للحِسابِ وليسَ عندي ... سِوى ثوبي الكريم إلى الكريم

وقال: فما فتئ يتذكّرُ سوسَ سيئاتِه، ويكْرِّرُ شَوس شموس أبياتهِ، حتى شهَقَ شهقة فماتَ، والتحقَ بمن فاتَ، فأمسيتُ بعدَ إسهاب جزلهِ ووجيزه، ولباب حاوي ملَحهِ وتَعجيزه، كإوانٍ هَوَتْ عَروسُ خِدره، أو بستان ذَوَتْ غُروسُ ثمره، مُحَولقاً لمحاقِ مِزِّه، متحرّقا لفراقِ حُلوه ومُزِّه، مفتوناً بحرارةِ عَزائه، محزوناً بحزازة نزول معزائه، ولما سامرَ وريدَهُ الدُّودُ، وخامرَ خدَّهُ الأخدودُ، وثُلّتْ عليَّ معالي الأمورِ، وبُلَّتْ ضفائرُ خرائد نُخبه بالخمورِ، قلتُ والقومُ لمصابهم متوجِّعون، ولصَوب أوصابهم مسترجعون، ولانصباب صابهم متجرعون، كل شيءٍ هالكٌ إلاَّ وَجْهُهُ، لهُ الحكمُ وإليه ترجعون.

حسن خليل
15-12-10, 12:39 PM
وبهذا نكون قد انتهينا من نصوص مقامات ابن دريد.