المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مهور الفساد 1


شامل سفر
23-05-05, 02:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين
الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين ، و الصلاةُ و السلامُ على سيدنا محمدٍ المرسلِ رحمةً للعالمين أما بعدُ ، فليسَ كَفُّ نظرِ العقلِ في مسألةٍ كالجهلِ بحُكمها الشرعي . فالجاهلُ بحكمٍ شرعيٍّ ما ، لا يُحاسَب – فيما أَعلمُ – على مخالفته لذلك الحكم إلا بعد أن يَعلم أو يُعلم أو يتعلَّم أبعادَ ذلك الحكم و جوانبه و ما يَنْظمه من أوامرَ و نواهٍ إلهية . و أظن أن مما يُستثنى من ذلك ...، وجوبُ العلم بالعقيدة و العبادات و لزوم تعلّمهما ، كفرض عينٍ على كل مسلم ، بل إنَّ من واجبات المجتمع الإسلامي أن تضطلع فئةٌ من علماء الأمة بتعليم العقيدة و العبادات للمسلمين كافة . و أما عدمُ إعمالِ العقلِ أو التقصير في ذلك ، فقضيةٌ أخرى .
وعلى الرغم من أن اجتناب الذنوب و المخالفات صغائرها و كبائرها ، تقع من حيث التصنيف الأكاديمي، خارج حدود المساحة المركزية التي تشكلها أساسياتُ العقيدةِ و العبادات ، فإن العلم بتلك الذنوب و بما ينظمها من أوامرَ و نواهٍ إلهية ، و تعلُّم كيفية اجتنابها،كل تلك الأمور واجبةٌ أيضاً دون إلزامٍ للمسلم بالتبحر في التفاصيل التي يعرفها المختصون من أولي العلم . هذا و إن تعلُّم كيفية الاجتناب ، ذلك الموضوع الدعوي الأخطر ، إنما هو حجر أساسٍ لتكامل التزام العبدِ بنهج عبوديته و تعبُّدِه للواحد الأحد عَزَّ و جَلَّ .
ألا و إن نهج الإسلام واحدٌ لا يُجزَّأ . و إن ما قلتُ به من التصنيف الأكاديمي ، ما هو إلا تَجَلٍّ من تجليات طريقة نظرتنا نحن - بني الإنسان – إلى ذلك النهج الأشرف ، و شكل من أشكال محاولتنا لتبويب مفردات دراسته و عناوينه الكبرى ، حتى يَسْهُل علينا ترتيبها ضمن كتبٍ و دراسات، و تَيْسُرَ العودة إليها عند اللزوم . في حين أن العقيدة و العبادات و المعاملات و كل ما يمت إلى الشرع بصلة ، بل إن الدين كله ، نهجٌ واحدٌ متناغمٌ كامل تنسجم مفرداتُه فيما بينها من جهة ، و فيما بينها و بين طبيعة الإنسان من جهةٍ أُخرى ، انسجاماً هو عينُ الكمال في التشريع و تنظيم الحياة على هذا الكوكب .
هذا و إن الالتزام ليس محض معرفةٍ بالقاعدة ثم تطبيقها . و لو صَحَّ اعتبارُ الالتزامِ كذلك ، لكان بنو الإنسان أشبهَ بالآلات ، يُضغطُ على أزرارها فتتحرك كما يُرادُ لها ، و لَما كان للاستخلاف - ولا للتكليف - معنىً مفهوم . و ظاهرُ الأمرِ أن معرفة الإنسان بالحقائق الكبرى في هذا الكون ، لا سيما ما تعلق منها بالبعث و النشور و الحساب و بنعيم الجنة و عذاب النار الأبديَين ، كافٍ لانتظام الحياة البشرية ضمن سياقٍ رائعٍ يؤدي إلى النهاية السعيدة خصوصاً للملتزمين البانين التزامَهم على قاعدةٍ من المعرفة المذكورة .
و لو أجرينا استقصاءً للرأي في العالم الإسلامي ، لربما وجدنا أن الغالبية العظمى من المسلمين ، يعرفون الحقائق الكونية الكبرى معرفةً يقينية ، و يؤمنون بها إما نقلاً أو عقلاً ، و الحمد لله . و إذن فما بالُ المسلمين و قد آلت حالهم إلى ما هي عليه من الانحطاط و التخلف و قلة الهيبة أمام الأمم الأخرى ؟! هل القضيةُ قضيةَ عارفٍ غير ملتزم ؟! أم قضية ملتزمٍ غير عارف ؟!
و أظن أن القضيةَ قضيةُ تَوَزِّعِ الأمة بين عارفٍ غير ملتزم ، و هؤلاء يتناقصون و الحمد لله ، و يتزايد انضمامهم إلى فئة العارفين الملتزمين ، و بين عارفٍ ملتزمٍ مُقَصِّرٍ في إعمال عقله ، و أولئك كثير .
و على الرغم من تعدد الأمثلة التي يمكن سوقها على التقصير في إعمال العقل ، و التي يصلح كلٌّ منها كموضوعٍ خاص بدراسةٍ منفصلةٍ و مستفيضة ، إلا أن مدار هذا البحث مثالٌ واحدٌ من حيث العدد ... واحدٌ فقط ، إلا أن آثارَه و انعكاساتِه تطال جوانب عديدة من حياة الأمة الإسلامية ، على صعيد السلوك الأخلاقي المجتمعي . إن الآثار المذكورة تمتد لتصل إلى حدود بوادر تنذر بالانهيار العام الذي يتمنى كلُّ مسلمٍ ألا يعيش ليرى نتائجه أو يشهد حصوله ، و العياذ بالله .
و بما أن الأحكام الشرعية منظمةٌ لحياة البشر ، و لما كان معنى التأمل و النظر في الآفاق و الأنفس متضمناً الدعوة و الحثّ على إعمال العقل ، و بما أننا نجد الكثير من الآيات القرآنية تحثّ على التفكّر و التعقّل و التدبّر ، فإن من المنطقي و الضروري أن يُعمل المسلمُ عقلَه ناظراً في آفاق الحكم الشرعي ( آفاق الأمر الإلهي ) بما ينسجم مع نظره في نفسه ، لا أن يكتفي بالانكماش داخل الحدود الإجرائية لذلك الحكم من حيث تطبيق : ( افعل ) و ( لا تفعل ) و حسب .ومن ذلك الحكم بتحريم الزنا بلفظ ( لا تقربوا ) الآية ، ثم النظر في ( كيفية و مقدمات ) كون الزنا فاحشة وسبيلاً سيئاً ، الأمر الذي ننوي تبيانه ضمن هذه الرسالة .
و لئن كانت العلاقات الجنسية الجارية خارج حدود المؤسسة الزوجية ، فاحشةً من حيث النتيجة ، و سبيلاً سيئاً لطمأنة الغريزة التي يروج دعاةُ الغزو الفكري و منظِّروه أنها لا تُطمأن ، فإن من الواجب ، بل من الضروري ضرورةً قصوى البحث ُ في المقدمات و الظروف المهيئة و المبرِّرِة لحصول تلك الفاحشة و الممهِّدة لانحراف المرء إلى سلوك ذلك السبيل السيء . أقولُ بدايةً : لو أن الفاحشة و السبيل السيء كانا مجرد نتيجة لفعل الزنا ، (أو لشيوعه) ، إذن لرأينا النص القرآني يشير إشارةً واضحة إلى كونهما نتيجة ، في حين أن النص يؤكد : ( لا تقربوا ) . و أفهمُ من ذلك : لا تقربوا الزنا و لا مقدماته من نظرٍ و تَفَكُّرٍ و استثارةٍ ذاتية للاشتهاء و تركٍ للوساوس تفعل فعلها في استهلاك قوة الجوارح على الانصياع للأمر الإلهي ، ... إلى آخر ما هنالك من أفكارٍ و مشاعرَ متدرجة يعرفها كلُّ ذي عقلٍ ممن أدركوا سنَّ البلوغ . و يتضح ضمن المنظور السابق ، مدى كون المقدمات المذكورة ( و مقدمات الزنا عموماً ) فعّالةً باتجاه الوقوع في مطبّ الفحش و سلوك السبيل السيء .
ثم ماذا عن الضمير في ( إنّه ) ؟! و ما هي عائديّته ؟ هل المعنى : لا تقربوا الزنا ، إن ( الزنا ) كان فاحشةً و ساء سبيلاً ، أم أن المقصود : يا أيها الناس لا تقربوا الزنا .. إن ( فعل مقاربتكم .. مجرد المقاربة مهما كان شكلها ) كان فاحشةً و ساء سبيلاً ؟!
إن التأمل الأعمق في ( لا تقربوا ) ، لربما أفضى بنا إلى تحذيرٍ إلهيٍّ أبعد غوراً من مجرد التوجيه السلوكي الفردي ، بل ربما إلى توجيهٍ منهجيٍّ اجتماعيٍّ عام يخاطب ، فيمن يخاطب ، الشباب و الكهول و المراهقين و الناضجين و الأبناء و الآباء ، و يخاطب المجتمع بأكمله كهيكلٍ إنسانيٍّ متكامل ، لا الفردَ وحدَه كإنسانٍ يُقالُ له ما ينبغي له أن يعمل . إن واو الجماعة في الفعل (تقربوا) ذاتُ دلالةٍ أعمق من مجرد تعميم النهي على المسلمين كافة . إذ لا يُعقَل أن ينسحب النهيُ عن (ممارسة الحرام) على مَن بلغوا من العمر مرحلةً لا يقدرون معها على ممارسة فعل الجماع حلالاً كان أو حراماً ، أو على مَن أُصيبوا بعاهاتٍ تمنعهم عن ممارسته ، على سبيل المثال .
لكن واو الجماعة تبقى مع ذلك دالّةً على عموم المُخاطَبين ، فما الأمر إذن ؟! و كيف يأمر اللهُ عزَّ و جلّ عبداً غير مؤهلٍ (لسببٍ ما) لإتيان فعلٍ ما ، بألا يأتي ذلك الفعل ؟! لا بد و أن حل هذه المسألة كامنٌ في طبيعة التعميم ، أي في كونه متعلقاً ، لا بممارسة الجنس الحرام فقط ، بل بأي فعلٍ من أي شكلٍ كان ، من شأنه تمهيد الطريق لمسلمٍ كي يقع في الزنا ، سواءٌ أكان ذلك الإنسان الذي نَدَّ عنه الفعلُ الممهِّد المذكور قادراً على فعل الزنا أو غير قادر . أي أن التعميم يشمل الجميع . و كلُّ أفراد المجتمع مسؤولٌ ، فكيف ؟! .. و تأمَّلْ معي، عافاك اللهُ و المسلمين ، حالَ امرأةٍ بلغت من العمر عتيّاً فما عادت محطَّ أنظار الرجال و شهواتهم ، و تخَّيلْ معي أن تلك المرأة تعمل في مهنة القِوادة مثلاً . أفلا ( تقرب ) هذه الزنا ؟! أليست مسؤولةً عن فعل مقاربتها ذاك و مُساءَلةً عنه يوم القيامة ؟!
و لقد أثارت فيَّ واوُ الجماعة ، و كذا نظري في الأعداد الغفيرة من المستمسكين بالعروة الوثقى ، ممن لا يؤثر بهم أي نوعٍ من أنواع المغريات ، رغبةً في بحث هذا التعميم وسببه . هذا طبعاً مع شعوري بأن التعميم المذكور يتجاوز حدود (استمرارية) التنبيه حتى لأولئك الملتزمين فعلاً ، إذ لا يأمن على نفسه مكرَ الشيطانِ عابدٌ و لا زاهد . صحيحٌ أن الاستمرارية جانبٌ واضحٌ في المسألة ، لكن الأمر يتجاوز ذلك الجانب إلى ما هو أبعد .
إن النص (لا تقربوا) يتضمن ، حسبَ رأيّ الشخصي ، نهياً عن إتيان أي فعلٍ أو ممارسةٍ أو سلوكٍ ، من قِبل الفرد (و) من قِبل المجتمع ، ممهِّدٍ أو مُيَسِرٍ لحصولٍ حالاتٍ فردية متناثرة هنا وهناك من المخالفات ضمن المجال موضوع بحثنا ، أو لشيوع تلك الممارسات الشاذة بشكلٍ يودي بالمجتمع بأكمله إلى ما لا تُحمد عقباه.
و عندما أقول ( سلوك اجتماعي ) ، إنما أعني ، فيما أعني ، منظومةً متكاملة من العادات والتقاليد و الأعراف الشائعة ضمن المجتمع ، بل و أساليب من التصرفات التي باتت ، لكثرة أعداد الممارسين لها ، قواعدَ مُتعارف عليها ، مُتناقلة شفهياً و مُتوارثة . و من ذلك ما يشيع في مجتمعاتنا الإسلامية من تعقيدات شكلية إجرائية للزواج ، و مبالغةٍ في الشكليات و العراقيل ، لا مبررَ لها سوى التفاخر و التباهي الفارغَين، و مغالاةٍ في المهور تجعل الراغبَ في الزواج راغباً عنه في نهاية الأمر .
و قد يتبادر للذهن ، للوهلة الأولى ، أن الأمر أبسط بكثير من أن يُجرى حوله بحثٌ ، أو أن تُكتب عنه مقالةٌ ينطلق كاتبها من قضيةٍ بالغة الحساسية كإعمال العقل و النظر في الآفاق و الأنفس ، إلا أن الأمر جدُّ خطير . و مَن يعمل في مجالٍ له علاقة ما بجيل الشباب ، ككاتب هذه السطور ، يعلم تماماً مدى شيوع ظاهرة اللقاءات الجنسية خارج حدود المؤسسة الزوجية ، بشكلٍ جدّ منذرٍ بالخطر . و لربما لم يَفُتْ القارئَ الكريم أنني قلت : خارج حدود المؤسسة الزوجية ، و لم أقل : بين غير المتزوجين ، و المعنى واضح.
ومع أن تراثنا الإسلامي مليءٌ جداً بما يحضُّنا على تجاوز الشكليات وتيسير الزواج بما في ذلك ، بل في مقدمته ، أحاديث نبوية شريفة ، أكادُ أشعر أن أصداء صوتِ قائلها عليه أفضل الصلاة و السلام ، لا زالت تتردد بين جنبات عالمنا الحاضر ، ..... فإن جنوحنا إلى ترديد لفظ النصوص ، ثم العمل بغير مقتضاها ، بل واختلاق المبررات و التأويلات ، قد أصبح سلوكاً اجتماعياً لا يمارسه جيلُ الشباب و حسب ، بل و جيل الآباء أيضاً للأسف ، الأمر الذي يحتاج إلى علاج ، و إلا وصلنا إلى ما وصلتْ إليه أوروبا في سبعينيات القرن الماضي ، أيام ما عُرِفَ بالثورة الجنسية.
( لا تقربوا ) أيها السادة الأفاضل و أيتها السيدات الكريمات ، تعني حسبما أفهم : لا تقربوا (كلَّ) ما يمكن أن يؤدي إلى الزنا ، فما بالكم بما تعلمون علمَ اليقين أنه ، أي تعقيد الزواج ، طريقٌ شبه وحيد إلى الزنا ؟! و ( إنه ) أي إن ما نُهيتم عنه (كله) ، مقدماتٍِ و نتائج ، فاحشةٌ و سبيل سيء ، لا أمام الفرد وحده ، بل سبيل سيء يودي بالمجتمع إلى التعفُّن .
و أدَّعي أنني في هذا البحث ، أَدُقُّ ناقوساً للخطر تَفَنَّنَ المجتمع بأكمله في إبعاد أمثالي عن الحديث عنه ، و في حظر اقترابي من محرابه ، حتى نظل نستمتع بالارتياح للمسات التدليك التي يمررها التناسي و التغاضي على ضمائرنا .
و على الرغم من أنني سأنطلق من أرقامٍ بسيطة الدلالة ، فإن أبعاد الخطر الداهم المستتر وراء بساطة تلك الأرقام ، تطال حتى نُظُمَنا الاقتصادية و سلوكَنا الذي يزداد استهلاكيةً يوماً بعد يوم ، بل و تطال حتى هويتَنا ، ... هويتنا التي ما عاد إلا القلة القليلة يتذكرون أنها إسلامية عربية شرقية ، لا عربيةً فقط كما يظنُّ أناسٌ أننا نجنح للاصطباغ بصبغتها بفعل مخططات الغزو الفكري ، و لا منعدمة كما يُخَطَّطُ لها أن تكون ، مِن قِبَلْ مَن يتمنون أن نصبح يوماً مِن عديمي الهوية ... و العقل ... و للحديث بقيةٌ و أيُّ بقية .

قلم بلا قيود
23-05-05, 03:18 AM
لا فض فوك أجدت والله وتفننت بالشرح والإيضاح


عارفٍ غير ملتزم - ملتزمٍ غير عارف - عارفٍ ملتزمٍ مُقَصِّرٍ في إعمال عقله -عارفٍ ملتزمٍ يعمل بعقله وفق الشرع


بارك الله فيك ويعطيك العافيه

حفظك المولى عز وجل

هجران
23-05-05, 03:41 AM
بارك الله هذا الطرح أخي شامل سفر وأسأل الله ان ينفع به
.

sham
26-05-05, 10:19 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك اخي الكريم شامل سفر .. مجهود رائع سلمت يداك



..... فإن جنوحنا إلى ترديد لفظ النصوص ، ثم العمل بغير مقتضاها ، بل واختلاق المبررات و التأويلات ، قد أصبح سلوكاً اجتماعياً لا يمارسه جيلُ الشباب و حسب ، بل و جيل الآباء أيضاً للأسف


هل القضيةُ قضيةَ عارفٍ غير ملتزم ؟! أم قضية ملتزمٍ غير عارف ؟!



هذا هو الداء ياأخي .............. وسبب والمشكلة

اسال الله ان نجد الدواء ........... ... وضحت حضرتك الامور بارك الله فيك

اخي الكريم جزاك الله كل خير