شامل سفر
22-05-05, 04:36 AM
كابوس
حدَّثنا قَصّاصُ بنُ فَهْمانَ اليَعرُبيّ، قال: سارتِ الرُكبان بخبرِ قومٍ من أكابر العربِ يُقالُ لهم ( مدراء القطاع الخاص )، قِيلَ فيهم من بديع منظومِ الورّاقينَ و نثرهم ما يُزيلُ الكربَ و الغُمَّة و يبعثُ في مِثْليَ الأملَ و يشحذُ الهِمَّة. فَمِنْ نعومة مَلبسٍ إلى ظُرْفٍ في الطبعِ بادٍ لكلِّ ذي حِجىً، إلى سِعَةِ عِلمٍ وفَهْم يُوغران صَدرَ ابنِ خلدونَ حسداً. و الناظرُ المتأمل في أحوال أولئك السادةِ الأشراف، إذ يَدورون على طنافسهم و يُديرون، أو يَدْعُون إلى الولائم أو يُدْعَون، لا يجد مناصاً من اتخاذِهِمُ قُدوة، و جَعْلِهِم في رؤى منامِه و يقظته مسموعينَ متبوعينَ يودُّ بشقِّ النفس لو ينالُ لدى أحدِهم مكانةً أو حُظوة. و لما تناهى إلى سمعيَ ذِكرُهم مما أفاض فيه الناسُ و زادوا، حاكَ في صدري أن أقصد السوقَ، علّي أرى بأمِّ عيني من حذاقتهم شيئاً أتعلَّمُه يكون لي على الأيام الكالحاتِ عوناً. ثم إن زوجتي المصون – وقاكم الله من كلِّ شرّ – لم تألُ جهداً في حثّي على تركِ برجيَ العاجيَّ الكائنِ في بلدةٍ بظاهر المدينة، و ما زالت بي حتى تركتُ بضاعتي الكاسدةَ من الكَلِمِ في زمنٍ ما عاد ينفعُ فيه أَسودُ مِسكٍ و لا أبيضُ عاج، و قلتُ للقلمِ : بارك الله لك بحبرِكَ و خطِّكَ و شطحاتِك، دُلَّني على السوق !
و جعلتُ أحدِّثُ نفسي في الطريق و أقولُ: و ما ينقصُكَ يا قصّاص؟! أَعِلْمٌ و قد قرأتَ ما أرهقَ كريمتَيكَ من علومِ الأولين و الآخِرين، أم لِسانُ الأعاجمِ و قد برعتَ فيه فأمِنتَ شرَّهُم؟! و ما اللطفُ و الظرافةُ ببعيدَين عنكَ و أنت من حَمَلِة القلم، فما بقي إلا أن تنظر ما يفعلون فتزيدَ عليه و تأتِ بما لم تأتِ به الأوائلُ .
و لما تعوَّذتُ و دخلتُ السوقَ، و صكَّ سمعيَ ضجيجُه، تراءى لي طيفُ أمّي الحبيبة، و أُقسِمُ أن صوتَها الطاهرَ قد فاقَ كلَّ صخبِ الدنيا و أتاني هادياً داعياً لي: فتحَ الله عليكَ يا ولدي. و ما أخرجني من حالِ الوَجدِ تلك إلا صوتُ تاجرٍ كنتُ قد تسمَّرتُ للحظاتٍ أنظرُ نحوَه و لا أراه و كأنني في عالمٍ آخَر. في صوتِه حنانٌ عجيب كأنَّه آتٍ من بعيد: ما وقوفُكَ يرحمك الله ؟ قلتُ: أتيتُ أطلبُ الرزق. قال: و ما صنعتُك؟ فاستحييتُ أن أقول له أنني أعتصِرُ الفِكَرَ لأصنع منها مسوخَ مشاعر ماثلةٍ على ورق ... و كدتُ أن أقول (كاتب)، بَيْدَ أنني بدأتُ أهذر بكلامٍ غير ذي معنى عن تخرجي من دار حكمةٍ جامعةٍ و عن فنون القول و لسان الفرنجة ، و عن أملٍ يحدوني في أن أصبح يوماً من المدراء الدوّارين على الطنافس. و يبدو أنه رثى لحالي، فقال: تعال تعال. و نادى على صبيِّه أنْ آتِنا بالشاي، و أجلسني بجانبه.
قال الحكيمُ: اسمع يا بُنَيَّ و اعِ. لي في هذه الدكان الصغيرة التي ترى أكثر من أربعين عاماً، خَبِرْتُ فيها الناسَ أكثر مما ربحتُ من مال، و تعلّمتُ برحمة ربِّكَ ما لا تجدُه في كتبكَ من حكمةٍ هي خيرٌ مما يجمعون. و أولئك الذين تُمنّي نفسك بأن تصبح واحداً منهم، ليسوا بأهمّ من ذاك الغلام الذي أحضر لك الشاي، بل هو عندي يفوقهم و يبزُّهم جميعاً لأن ظاهره طابقَ باطِنَه. أفهذه مكانتُك؟! أَوَتظنُّهم إلا فاعلينَ ما يُؤمرون لا يملكون أن يزيدوا عليه شيئاً؟! و ذاك الذي تتمناه من العمل لدى وجهٍ من وجوه القوم، تبدي له رأياً فيأخذ به و يرتفع عنده شأنُك أو يقرِّبك و يخلع عليك، أو تصلح من شأن تجارته فتنال بذلك بعضاً من ربحه، ما هو إلا أضغاثُ أحلامٍ بينها و واقعِ الحال بونٌ بعيد. و أولئك القوم يا بنيّ، بعضٌ من زينة التجارة يقلِّدُ بها التاجرُ ما يفعله الأجانب من جعلِ رجلٍ على الحسبة، و آخر على أمور الدعوات و الولائم، و ثالثٍ يطبِّل ليلَ نهار بأخبار بضائع أتت من السند و الهند و ينفخ في بوق الكذب أنْ هذه أفضل بضاعةٍ في المعمورة. و و اللهِ لا يملك واحدٌ من هؤلاء أن يجاوز أوامر سيده قيد أنملة، و لو فعل لنغَّصَ وليُّ نعمتِه عليه حياتَه. ألا و إنَّ ما تراه عليهم من أثر النعمة، و من فاخر اللباس و الطعام، ما هو إلا بهرجٌ كاذبٌ و مكلف يذهب بمعظم ما يتقاضونه من أجر، و يشترونه كارهين، و لو تركوه لطردهم صاحب العمل. و أقسم لك بالله العظيم أنني سمعتُ من أحدهم أن المرة الوحيدة التي جاد بها عليه سيدُه بمالٍ غير أجره، إنما كان ذلك لحثِّه على فعل الموبقات في بلدٍ رافقه في السفر إليها ... كانوا يتسامرون مع تجارٍ أجانب احتفالاً ببضاعةٍ ابتاعوها منهم، و ساء صاحبُ التجارة ألا يجاريه صَبيُّه في ما يفعل و يفعلون، و كره أن يكون بصحبته نديمٌ ثقيل الظل. بل إن بعضهم يصرّون على أن يأتي الأجيرُ إلى احتفالاتهم بصحبة زوجته.
قال قصّاص: و ما عدتُ أذكر إلامَ انتهى بنا الحديث، و لا كيف عدتُ إلى بيتي. و كلُّ ما أذكره صوتُ أمِّ العيال توقظني من كابوسي و تتمتم بآياتٍ من الذكر الحكيم. و مع أن سنين طويلة مرت على ذهابي إلى ذلك السوق، إلا أن زوجتي لم تخبرني حتى الساعة بما كنتُ أهذي به تحت وطأة الكابوس، و لم تعد إلى حديث العمل (معهم) ... أبداً.
و كتب قصّاص بن فهمان ...
حدَّثنا قَصّاصُ بنُ فَهْمانَ اليَعرُبيّ، قال: سارتِ الرُكبان بخبرِ قومٍ من أكابر العربِ يُقالُ لهم ( مدراء القطاع الخاص )، قِيلَ فيهم من بديع منظومِ الورّاقينَ و نثرهم ما يُزيلُ الكربَ و الغُمَّة و يبعثُ في مِثْليَ الأملَ و يشحذُ الهِمَّة. فَمِنْ نعومة مَلبسٍ إلى ظُرْفٍ في الطبعِ بادٍ لكلِّ ذي حِجىً، إلى سِعَةِ عِلمٍ وفَهْم يُوغران صَدرَ ابنِ خلدونَ حسداً. و الناظرُ المتأمل في أحوال أولئك السادةِ الأشراف، إذ يَدورون على طنافسهم و يُديرون، أو يَدْعُون إلى الولائم أو يُدْعَون، لا يجد مناصاً من اتخاذِهِمُ قُدوة، و جَعْلِهِم في رؤى منامِه و يقظته مسموعينَ متبوعينَ يودُّ بشقِّ النفس لو ينالُ لدى أحدِهم مكانةً أو حُظوة. و لما تناهى إلى سمعيَ ذِكرُهم مما أفاض فيه الناسُ و زادوا، حاكَ في صدري أن أقصد السوقَ، علّي أرى بأمِّ عيني من حذاقتهم شيئاً أتعلَّمُه يكون لي على الأيام الكالحاتِ عوناً. ثم إن زوجتي المصون – وقاكم الله من كلِّ شرّ – لم تألُ جهداً في حثّي على تركِ برجيَ العاجيَّ الكائنِ في بلدةٍ بظاهر المدينة، و ما زالت بي حتى تركتُ بضاعتي الكاسدةَ من الكَلِمِ في زمنٍ ما عاد ينفعُ فيه أَسودُ مِسكٍ و لا أبيضُ عاج، و قلتُ للقلمِ : بارك الله لك بحبرِكَ و خطِّكَ و شطحاتِك، دُلَّني على السوق !
و جعلتُ أحدِّثُ نفسي في الطريق و أقولُ: و ما ينقصُكَ يا قصّاص؟! أَعِلْمٌ و قد قرأتَ ما أرهقَ كريمتَيكَ من علومِ الأولين و الآخِرين، أم لِسانُ الأعاجمِ و قد برعتَ فيه فأمِنتَ شرَّهُم؟! و ما اللطفُ و الظرافةُ ببعيدَين عنكَ و أنت من حَمَلِة القلم، فما بقي إلا أن تنظر ما يفعلون فتزيدَ عليه و تأتِ بما لم تأتِ به الأوائلُ .
و لما تعوَّذتُ و دخلتُ السوقَ، و صكَّ سمعيَ ضجيجُه، تراءى لي طيفُ أمّي الحبيبة، و أُقسِمُ أن صوتَها الطاهرَ قد فاقَ كلَّ صخبِ الدنيا و أتاني هادياً داعياً لي: فتحَ الله عليكَ يا ولدي. و ما أخرجني من حالِ الوَجدِ تلك إلا صوتُ تاجرٍ كنتُ قد تسمَّرتُ للحظاتٍ أنظرُ نحوَه و لا أراه و كأنني في عالمٍ آخَر. في صوتِه حنانٌ عجيب كأنَّه آتٍ من بعيد: ما وقوفُكَ يرحمك الله ؟ قلتُ: أتيتُ أطلبُ الرزق. قال: و ما صنعتُك؟ فاستحييتُ أن أقول له أنني أعتصِرُ الفِكَرَ لأصنع منها مسوخَ مشاعر ماثلةٍ على ورق ... و كدتُ أن أقول (كاتب)، بَيْدَ أنني بدأتُ أهذر بكلامٍ غير ذي معنى عن تخرجي من دار حكمةٍ جامعةٍ و عن فنون القول و لسان الفرنجة ، و عن أملٍ يحدوني في أن أصبح يوماً من المدراء الدوّارين على الطنافس. و يبدو أنه رثى لحالي، فقال: تعال تعال. و نادى على صبيِّه أنْ آتِنا بالشاي، و أجلسني بجانبه.
قال الحكيمُ: اسمع يا بُنَيَّ و اعِ. لي في هذه الدكان الصغيرة التي ترى أكثر من أربعين عاماً، خَبِرْتُ فيها الناسَ أكثر مما ربحتُ من مال، و تعلّمتُ برحمة ربِّكَ ما لا تجدُه في كتبكَ من حكمةٍ هي خيرٌ مما يجمعون. و أولئك الذين تُمنّي نفسك بأن تصبح واحداً منهم، ليسوا بأهمّ من ذاك الغلام الذي أحضر لك الشاي، بل هو عندي يفوقهم و يبزُّهم جميعاً لأن ظاهره طابقَ باطِنَه. أفهذه مكانتُك؟! أَوَتظنُّهم إلا فاعلينَ ما يُؤمرون لا يملكون أن يزيدوا عليه شيئاً؟! و ذاك الذي تتمناه من العمل لدى وجهٍ من وجوه القوم، تبدي له رأياً فيأخذ به و يرتفع عنده شأنُك أو يقرِّبك و يخلع عليك، أو تصلح من شأن تجارته فتنال بذلك بعضاً من ربحه، ما هو إلا أضغاثُ أحلامٍ بينها و واقعِ الحال بونٌ بعيد. و أولئك القوم يا بنيّ، بعضٌ من زينة التجارة يقلِّدُ بها التاجرُ ما يفعله الأجانب من جعلِ رجلٍ على الحسبة، و آخر على أمور الدعوات و الولائم، و ثالثٍ يطبِّل ليلَ نهار بأخبار بضائع أتت من السند و الهند و ينفخ في بوق الكذب أنْ هذه أفضل بضاعةٍ في المعمورة. و و اللهِ لا يملك واحدٌ من هؤلاء أن يجاوز أوامر سيده قيد أنملة، و لو فعل لنغَّصَ وليُّ نعمتِه عليه حياتَه. ألا و إنَّ ما تراه عليهم من أثر النعمة، و من فاخر اللباس و الطعام، ما هو إلا بهرجٌ كاذبٌ و مكلف يذهب بمعظم ما يتقاضونه من أجر، و يشترونه كارهين، و لو تركوه لطردهم صاحب العمل. و أقسم لك بالله العظيم أنني سمعتُ من أحدهم أن المرة الوحيدة التي جاد بها عليه سيدُه بمالٍ غير أجره، إنما كان ذلك لحثِّه على فعل الموبقات في بلدٍ رافقه في السفر إليها ... كانوا يتسامرون مع تجارٍ أجانب احتفالاً ببضاعةٍ ابتاعوها منهم، و ساء صاحبُ التجارة ألا يجاريه صَبيُّه في ما يفعل و يفعلون، و كره أن يكون بصحبته نديمٌ ثقيل الظل. بل إن بعضهم يصرّون على أن يأتي الأجيرُ إلى احتفالاتهم بصحبة زوجته.
قال قصّاص: و ما عدتُ أذكر إلامَ انتهى بنا الحديث، و لا كيف عدتُ إلى بيتي. و كلُّ ما أذكره صوتُ أمِّ العيال توقظني من كابوسي و تتمتم بآياتٍ من الذكر الحكيم. و مع أن سنين طويلة مرت على ذهابي إلى ذلك السوق، إلا أن زوجتي لم تخبرني حتى الساعة بما كنتُ أهذي به تحت وطأة الكابوس، و لم تعد إلى حديث العمل (معهم) ... أبداً.
و كتب قصّاص بن فهمان ...