شامل سفر
05-22-2005, 04:31 AM
هِيَ
كانت تختصرُ تاريخَ البشريةِ و تحنو عليه ... كانت تقرأ . بدا الكتابُ و قد استسلمتْ أركانُه القاسيةُ لراحتَيها ، فنامت دفّتاهُ برضىً و باحَ بمكنونه لم يُخْفِِ منه شيئاً . و أنّى له أن يخفي و قد استكان لتفهُّمِ عقلها و تعاطُف قلبها ، و لجمال تمتماتٍ تردد صداها الخافتُ في أرجاء عالمها الداخليِّ الوادع ، فانصاعَ المحيطُ الخارجي احتراماً . و كأنَّ السكونَ لم يفهم ما يدور هناك ، في أعماقها ، فأطبق عينيه إجلالاً لكَلِمٍ يُقرأ و فكرٍ يتجلّى .
و تجولت عيناها دونما خفرٍ على أسطرِ ذلك الطفل الكبير ... تقافزَ إشعاعُهما بين الكلمات مرَحاً ، و معاودةَ استيضاحٍ ، بل و معاودةَ إعجاب .كانت الكلمات تعيش أحلى أيام طفولتها في كنف قلبها الكبير ، تُشاغِبُ حيناً ، و تتجمّل حيناً ... قد تغضب أو تتشدد فلا يهدئ من روعها إلا صفاءُ التلقي الأنثويِّ الحاني المُتَفَهِّم ، فتعود إلى رشدها .
و حتى عندما كان ضجيجُ طفولةِ بعض المفردات يزداد عند مرور العينين عليها أكثر من مرة ، لحفظها أو تثبيت مؤداها ... كانت رحمةُ المودةِ تُسْكِنُها ، و الأملُ في أن تصير يوماً ما بعضاً من مفرداتها الخاصةِ يحدوها .
و أما تنهداتُ الصبرِ على الإطالة – على قِلِّتها – فقد جعلت الطفلَ الكبيرَ يرتعد مخافةَ أن تؤدي إحدى حماقاتُ استغراقِ الكاتبِ في السرد ، إلى تململٍ غير ذلك التململ اللطيف إذ تُغَيّر من طريقة جلستها .
كان الكتاب في رحاب طُهْرها قد سَكَن ، و بات في واحة هدوئها يتذكر رحلة صحرائه الشاقة من يد كاتبه المتعبة الشقية إذ تكبح جماحَ القلمِ عن البوح بزوائد عصارة الفكر ... إلى صرير القلم في الليالي الباردة ، و حتى جروح مشرط الرقابة الحاد ، وصولاً إلى تيه البحث عن ناشرٍ عادل ، ثم إلى النوم على غبار الرفوف الظالمة ... و قُلْ عن غربة الارتحال بين المعارض ما شِئت ... و هكذا حتى تلقفته يداها بحنان .
و بدأ يتذكر . عندما دخلتْ إلى جناح المعرض ، و بدأت تتوقف عند كتبٍ غيره حكمتْ ظروفُ الترتيبِ أن تجعلَهُ بعدَها ، كادت نارُ الغيرةِ أن تُسيل حبره ! ردهةُ الجناحِ ذاتُ اتساعٍ باردٍ مخيف يخلو إلا من بضع زائرين زادت جدّيتُهم وحشتَه . طال وقوفُها عند أحد الكتب ، و طال انتظارُه . ماذا ... ما الأمر ؟! أهي فريدةُ العصرِ هذي التي تطالعينها ؟! أنا هنا !
و ما إنْ بدأ عطرُها يقترب ، حتى بدأتْ آلافُ الشتائمِ التي نزلتْ على رؤوس كافة أنواع الجهابذة و ممتلكي نواصي اللغات و نواصيهم .. بالتلاشي . و لأول مرةٍ في حياته ، عرف معنى أن يكون للحضور الجميل طغيانٌ محبوب لا يُشتكى منه !
و لامسته يداها . كانتا ناعمتين لدرجة أنه - في تلك اللحظة - غَفَرَ لكل مَن ساهم في انتزاعه من أصوله الأفريقية ، عندما كان شجرةً، يوَم اختطفوه و عجنوه باسم الحضارة و حولوه إلى ورق ... و تساءلَ : هل ستشتريه فيصبح في عِدادِ خدمها الأوفياء ؟! أيسعده القدرُ و يعوّضه عن عبوديةٍ مستمرة عاشها بين اختطافٍ و عجنٍ و تبييضِ بشرةٍ ثم تلويثٍ بأيدي مَن يدّعون زركشةَ أبيض العاج بأسود المسك ؟! ما أحلى أن تكون سيدتَه . تتناوله عندما تريد و تضعه كما تضع عنها شالها الدافئ عندما يحلو لها ذلك . نعم ... هكذا العبودية الحقة ، لا كمثل الخنوع تحت رحمة أولئك المعقّدين أدعياء المعرفة .
يا للنبالة كم تحدّ من الأحلام ، بل كم تفسدها . لم ينغّص عليه رؤاهُ و أحلامَ يقظتِه ، طوال الطريق من المعرض إلى بيتها ، و لم يُنْسِهِ فرحتَه بشرائها إياه ، إلا تلك النواهي الداخليةُ التي تمنعه من أن يحلم ، دون أن يعرف لها مصدراً . أضميرُهُ حيٌّ إلى هذه الدرجة؟! ألا يحقّ له أن يفكر ، أن يفكر فقط و لو لقليلٍ من الوقت بمدى المكانة التي سيحتلها بين كتبها الأخرى ؟! هل ستصحبه معها إلى الحديقة و المكتب فقط ... أم هل يمكن أن تفكر مرةً بقراءته و هي مستلقية على سريرها ؟! ثم ماذا لو حالفه الحظُّ و داعب النعاسُ جفونها الجميلة ... هل ستنام و هو ما يزال بين يديها ؟!
بين يديها ... و هي مستلقية على الكرسي الطويل تقرأ فيه ، تقرؤه ، تجوب آفاقَه و هو راضٍ مطمئن ، تجتاح سكونَ بعض جنباتِه بطفولةٍ بدأ يكتشفها في عينيها هي .. بدت له القناعةُ كنزاً لا يفنيه إلا الاسترسالُ في الحلم . يكفيه الآن ، و ربما يكفيه للأبد ، أنها رضيت باصطحابه إلى غرفة الجلوس و احتضانه و فهمه .
و جاء المساء . كل كلام ضيوفها في السهرة لا يهمه في شيء . كان ينتظر أن تقول عنه شيئاً . ألم تقرأ فيه أكثر من خمسين صفحة ؟! ألا يستحق منها و لو كلمة ؟! تحدثوا في عشرات التفاهات التي حفظها عن ظهر قلب . كلهم هكذا . و بقي هو على طاولةٍ صغيرة ينتظر الفرج . لا بد و أنها تَضِنُّ على محدثيها بأسراره . بل إنها لا شك آخِذُتُهُ في آخر السهرة معها إلى غرفة النوم . ستقرؤه في هدأة الليل ، و لن يعكر صفوَ خلوتهما أحد . و لْيذهب إلى الجحيم ذلك المتأنقُ بالتجليد الأحمر الفاخر و القابعُ ببلاهة على رفّ مكتبتها ينظر إليه بغباء .
و منذ الساعة الثانية عشرة و الربع ليلاً ، و حتى طلع الصباح ، ظلَّ يبحث في داخله عن الفارق بين أسلوب الغبي الذي ألّفَهُ و أسلوب الغبي الآخر الذي ألّفَ ذلك المتأنق بالتجليد الأحمر الفاخر ... المتأنق الأبله إياه الذي قامت في آخر الليل ، هكذا و بكل بساطة ، و تناولته من على الرفّ ، و اصطحبته معها ... إلى غرفة النوم .
كانت تختصرُ تاريخَ البشريةِ و تحنو عليه ... كانت تقرأ . بدا الكتابُ و قد استسلمتْ أركانُه القاسيةُ لراحتَيها ، فنامت دفّتاهُ برضىً و باحَ بمكنونه لم يُخْفِِ منه شيئاً . و أنّى له أن يخفي و قد استكان لتفهُّمِ عقلها و تعاطُف قلبها ، و لجمال تمتماتٍ تردد صداها الخافتُ في أرجاء عالمها الداخليِّ الوادع ، فانصاعَ المحيطُ الخارجي احتراماً . و كأنَّ السكونَ لم يفهم ما يدور هناك ، في أعماقها ، فأطبق عينيه إجلالاً لكَلِمٍ يُقرأ و فكرٍ يتجلّى .
و تجولت عيناها دونما خفرٍ على أسطرِ ذلك الطفل الكبير ... تقافزَ إشعاعُهما بين الكلمات مرَحاً ، و معاودةَ استيضاحٍ ، بل و معاودةَ إعجاب .كانت الكلمات تعيش أحلى أيام طفولتها في كنف قلبها الكبير ، تُشاغِبُ حيناً ، و تتجمّل حيناً ... قد تغضب أو تتشدد فلا يهدئ من روعها إلا صفاءُ التلقي الأنثويِّ الحاني المُتَفَهِّم ، فتعود إلى رشدها .
و حتى عندما كان ضجيجُ طفولةِ بعض المفردات يزداد عند مرور العينين عليها أكثر من مرة ، لحفظها أو تثبيت مؤداها ... كانت رحمةُ المودةِ تُسْكِنُها ، و الأملُ في أن تصير يوماً ما بعضاً من مفرداتها الخاصةِ يحدوها .
و أما تنهداتُ الصبرِ على الإطالة – على قِلِّتها – فقد جعلت الطفلَ الكبيرَ يرتعد مخافةَ أن تؤدي إحدى حماقاتُ استغراقِ الكاتبِ في السرد ، إلى تململٍ غير ذلك التململ اللطيف إذ تُغَيّر من طريقة جلستها .
كان الكتاب في رحاب طُهْرها قد سَكَن ، و بات في واحة هدوئها يتذكر رحلة صحرائه الشاقة من يد كاتبه المتعبة الشقية إذ تكبح جماحَ القلمِ عن البوح بزوائد عصارة الفكر ... إلى صرير القلم في الليالي الباردة ، و حتى جروح مشرط الرقابة الحاد ، وصولاً إلى تيه البحث عن ناشرٍ عادل ، ثم إلى النوم على غبار الرفوف الظالمة ... و قُلْ عن غربة الارتحال بين المعارض ما شِئت ... و هكذا حتى تلقفته يداها بحنان .
و بدأ يتذكر . عندما دخلتْ إلى جناح المعرض ، و بدأت تتوقف عند كتبٍ غيره حكمتْ ظروفُ الترتيبِ أن تجعلَهُ بعدَها ، كادت نارُ الغيرةِ أن تُسيل حبره ! ردهةُ الجناحِ ذاتُ اتساعٍ باردٍ مخيف يخلو إلا من بضع زائرين زادت جدّيتُهم وحشتَه . طال وقوفُها عند أحد الكتب ، و طال انتظارُه . ماذا ... ما الأمر ؟! أهي فريدةُ العصرِ هذي التي تطالعينها ؟! أنا هنا !
و ما إنْ بدأ عطرُها يقترب ، حتى بدأتْ آلافُ الشتائمِ التي نزلتْ على رؤوس كافة أنواع الجهابذة و ممتلكي نواصي اللغات و نواصيهم .. بالتلاشي . و لأول مرةٍ في حياته ، عرف معنى أن يكون للحضور الجميل طغيانٌ محبوب لا يُشتكى منه !
و لامسته يداها . كانتا ناعمتين لدرجة أنه - في تلك اللحظة - غَفَرَ لكل مَن ساهم في انتزاعه من أصوله الأفريقية ، عندما كان شجرةً، يوَم اختطفوه و عجنوه باسم الحضارة و حولوه إلى ورق ... و تساءلَ : هل ستشتريه فيصبح في عِدادِ خدمها الأوفياء ؟! أيسعده القدرُ و يعوّضه عن عبوديةٍ مستمرة عاشها بين اختطافٍ و عجنٍ و تبييضِ بشرةٍ ثم تلويثٍ بأيدي مَن يدّعون زركشةَ أبيض العاج بأسود المسك ؟! ما أحلى أن تكون سيدتَه . تتناوله عندما تريد و تضعه كما تضع عنها شالها الدافئ عندما يحلو لها ذلك . نعم ... هكذا العبودية الحقة ، لا كمثل الخنوع تحت رحمة أولئك المعقّدين أدعياء المعرفة .
يا للنبالة كم تحدّ من الأحلام ، بل كم تفسدها . لم ينغّص عليه رؤاهُ و أحلامَ يقظتِه ، طوال الطريق من المعرض إلى بيتها ، و لم يُنْسِهِ فرحتَه بشرائها إياه ، إلا تلك النواهي الداخليةُ التي تمنعه من أن يحلم ، دون أن يعرف لها مصدراً . أضميرُهُ حيٌّ إلى هذه الدرجة؟! ألا يحقّ له أن يفكر ، أن يفكر فقط و لو لقليلٍ من الوقت بمدى المكانة التي سيحتلها بين كتبها الأخرى ؟! هل ستصحبه معها إلى الحديقة و المكتب فقط ... أم هل يمكن أن تفكر مرةً بقراءته و هي مستلقية على سريرها ؟! ثم ماذا لو حالفه الحظُّ و داعب النعاسُ جفونها الجميلة ... هل ستنام و هو ما يزال بين يديها ؟!
بين يديها ... و هي مستلقية على الكرسي الطويل تقرأ فيه ، تقرؤه ، تجوب آفاقَه و هو راضٍ مطمئن ، تجتاح سكونَ بعض جنباتِه بطفولةٍ بدأ يكتشفها في عينيها هي .. بدت له القناعةُ كنزاً لا يفنيه إلا الاسترسالُ في الحلم . يكفيه الآن ، و ربما يكفيه للأبد ، أنها رضيت باصطحابه إلى غرفة الجلوس و احتضانه و فهمه .
و جاء المساء . كل كلام ضيوفها في السهرة لا يهمه في شيء . كان ينتظر أن تقول عنه شيئاً . ألم تقرأ فيه أكثر من خمسين صفحة ؟! ألا يستحق منها و لو كلمة ؟! تحدثوا في عشرات التفاهات التي حفظها عن ظهر قلب . كلهم هكذا . و بقي هو على طاولةٍ صغيرة ينتظر الفرج . لا بد و أنها تَضِنُّ على محدثيها بأسراره . بل إنها لا شك آخِذُتُهُ في آخر السهرة معها إلى غرفة النوم . ستقرؤه في هدأة الليل ، و لن يعكر صفوَ خلوتهما أحد . و لْيذهب إلى الجحيم ذلك المتأنقُ بالتجليد الأحمر الفاخر و القابعُ ببلاهة على رفّ مكتبتها ينظر إليه بغباء .
و منذ الساعة الثانية عشرة و الربع ليلاً ، و حتى طلع الصباح ، ظلَّ يبحث في داخله عن الفارق بين أسلوب الغبي الذي ألّفَهُ و أسلوب الغبي الآخر الذي ألّفَ ذلك المتأنق بالتجليد الأحمر الفاخر ... المتأنق الأبله إياه الذي قامت في آخر الليل ، هكذا و بكل بساطة ، و تناولته من على الرفّ ، و اصطحبته معها ... إلى غرفة النوم .