البحر المحيط
12-05-05, 09:49 PM
علي العميم
قضية في الثقافة
أوراق أسقطها الإخوان المسلمون من تاريخ سيد قطب
07/05/2005
*دأب الاخوان المسلمون ومن شايعهم من الباحثين في كتبهم التي أرخت لحياة سيد قطب وفي دراساتهم الجامعية الأكاديمية على تجاهل آراء نقدية بعينها، كالتي كتبها بعض معاصريه أمثال محمود محمد شاكر وبنت الشاطئ (1)وخليل هنداوي وشوقي ضيف وعز الدين اسماعيل عن بعض كتبه، ككتاب «التصوير الفني في القرآن»وكتاب «كتب وشخصيات» وكتاب «النقد الأدبي، أصوله ومناهجه» وكتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام».
وكان هذا التجاهل لآراء هؤلاء يتم بغرض طرحها واخفائها إلى الأبد، إذ انهم كانوا حرصاء على طمر واخفاء كل ما يعتقدون انه يمكن ان يمس من مكانة سيد قطب الأدبية والنقدية، أو ينال ـــ سواء أكان ذلك بطريقة دينية سلفية أم بطريقة علمية منهجية ـــ من مقامه في التنظير الاسلامي المعاصر.
ومثلما أرادوا لها أن تكون، فقد ظلت تلك الآراء مطمورة ومخفية لفترة من الزمن، رغم أن أصحابها كانوا أحياء يرزقون(2)، وكانوا يكتبون ويؤلفون ويلقون المحاضرات ورغم أنه يوجد من الأكاديميين والأدباء من كان يعلم بخبرها.ولعلنا حينما نضع القضية في سياقها الأيديولوجي وفي ظرفها الزمني وغير ذلك من الملابسات الأخرى التي في ظلها وعبرها وضمنها ومن خلالها تم التأريخ لسيد قطب، نتفهم ونستوعب حدوث أمر كهذا.
فتاريخ سيد قطب كتبه في البداية صحافيون وكتاب من جماعة الاخوان المسلمين، وشارك معهم في كتابته اسلاميون حركيون وآخرون من محبيه ومن مريديه ومن المفتونين بشخصه وبكتاباته الاسلامية كما ان الأطروحات الجامعية الأكاديمية التي أعدت بأكثر من لغة,كان السباق إليها من هذا الفريق، وفريق آخر يمكن وصفه بأنه من المتعاطفين مع أفكار جماعة الإخوان المسلمين ومع أفكار سيد قطب.
ولهذا السبب، وللسبب الذي قبله، أتيح لهم أن يديروا تاريخ سيد قطب كما يشاؤون.ويصرفون غيرهم عن الجهة التي يريدون أن تبقى معتمه ومحجوبة عن الأنظار.
ولا ننسى أن تاريخ سيد قطب في جانبه الاعلامي والدعائي وفي جانبه العلمي والأكاديمي، كتب في عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات الميلادية، وهذه السنوات كما نذكر، كان من أبرز ملامحها السياسية والأيديولوجية، تحالف عدد من الأنظمة السياسية العربية في مشرق العالم العربي وفي مغربه مع جماعة الإخوان المسلمين، لأسباب مختلفة وبدرجات متفاوتة.
ولا يقل عن هذا السبب أهمية، تعاظم نفوذ الاخوان المسلمين السياسي والاعلامي وتنامي وعي ديني عام وعارم كان يرى في الاخوان المسلمين ويرى في سيد قطب مثاله الديني في أنقى صورة وأبهى وجه.
كما لا يجب أن نغفل ناحية انسانية ضاغطة هي فوق هذه الأسباب وتقع قبلها، وهي النهاية المأسوية المؤسفة التي انتهت بها حياته، فالرجل قضى نحبه اعداماً وقبل ذلك سجن لسنوات عدة، أمضى شطراً منها في مصحة السجن يتداوى من علل كثيرة كانت تنهش في صحته وتقضم من عمره.
وهناك أسباب أخرى، يمكن اعتبارها عوامل مساعدة، هي:
ـــ ان تلك الآراء كانت منثورة في مجلات ثقافية وفي صحف يومية ولم يضمها أصحابها إلى أعمالهم المطبوعة في كتب. لهذا نجد أن باحثا كعبد الله الخباص في دراسته القيمة: «سيد قطب، الأديب والناقد» اضطر إلى ان يشير إلى رأي محمد النويهي، محاولا اضعافه، وذلك لأن هذا الرأي موجود في كتاب مطبوع له، وهو كتاب «ثقافة الناقد الأدبي».
ـ ان أصحاب تلك الآراء كانوا إما من المنتمين للتيار الديني بمعناه العريض والواسع، كمحمود شاكر وبنت الشاطئ وإما إلى توجه يتحاشى الاصطدام مع مقولات التيار الديني ويتلافى اغضابه، كشوقي ضيف وعز الدين اسماعيل، هذا مع الاخذ بعين الاعتبار، أنهما لم يكونا من التيار السياسي والفكري المعارض لتوجهات السادات ولا من المنتمين للتجربة الناصرية والمتحمسين للدفاع عنها وعن تاريخها.
ـــ ان من كان يعرف بخبر تلك الآراء كان من اتجاه سياسي وفكري يتعاطف بهذا القدر أو ذاك مع الإخوان المسلمين ومع الفترة الساداتية، وفي الوقت نفسه ساخط على جمال عبد الناصر وعلى فترة حكمه.
ـــ ان العلمانيين الذي لهم موقف سياسي وفكري مضاد من الاخوان المسلمين ومن سيد قطب كانوا معنيين بمناقشة وتحليل مفاهيم سيد قطب أكثر من عنايتهم بتدوين تاريخه، وقد اعتمدوا في الجانب الوثائقي والمعلوماتي على ما كتبه الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم عنه من دون فحص أو تمحيص.
تبعاً للملاحظة الأولى التي بدأنا بها حديثنا، يمكن ايراد ملاحظة أخرى شديدة الصلة بالأولى شكلا وموضوعاً.
هذه الملاحظة هي ان «الاخوان المسلمين»والباحثين القريبين منهم، كانوا يهمشون ناحية حساسه ودقيقة في مرحلته الأدبية والنقدية، ولا يولونها العناية المطلوبة.
هذه الناحية الحساسة والدقيقة، هي أن مشايخ الأدب واعلام الثقافة في جيله، كأستاذه العقاد وطه حسين والمازني وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات وغيرهم، لم يقرظوا شيئاً من أعماله الشعرية والقصصية والنقدية.مما كان له أثره السيئ عليه، إذ أورث هذا الأمر في نفسه مرارة دفينة واحباطا عميقا من صنعة الأدب وحرفة النقد.أومأ إليهما في إحدى رسائله الشخصية الى صديقه انور المعداوي عندما كان يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وأفصح عنهما في مقاله «إلى الاستاذ الدكتور أحمد أمين»الذي كتبه بمناسبة لفتة رقيقة جاءت متأخرة من أحمد أمين، في مقال كان عنوانه «ضيعة الأدب» قام بإهدائه إليه.
فهذه الناحية لم تكن مستترة ولا كانت هامشية، بل بارزة وتكاد تكون أساسية في تفسير اعتزاله الأدب والنقد وهجرته إلى الدعوة الإسلامية.
صحيح أن الخباص في دراسته «سيد قطب، الناقد والأديب»ألمح إلى هذه الناحية لكن الماحته كانت عرضية وعابرة وجاءت في سياق عتب على جيل الشيوخ، خاصة العقاد الذي كان سيد قطب يخوض مرافعات ومعارك، ولا يترك له كتابا الا ويقرظه ويثني عليه وكان سيد قطب في مرافعاته وفي معاركه من أجله وفي تقريظه لكتبه وثنائه عليها، يبالغ بتمجيده بطريقة تقدمه وكأنه مريد صغير له.
وبعد أن سلط سليمان فياض الضوء على هذه الناحية الحساسة والدقيقة في مقال له بعنوان «سيد قطب بين النقد الأدبي وجاهلية القرن العشرين»نشره في مجلة «الهلال» في شهر سبتمبر، سنة 1986، وأعيد نشره في احدى الصحف الأردنية.لم يجد الباحث الأردني صلاح عبد الفتاح الخالدي ـــ الذي خصص معظم أعماله عن سيد قطب ـــ مفراً في كتابه:«سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد»الصادر سنة 1989 من مجابهتها والحديث عنها.
ينقل سليمان فياض عن سيد قطب قوله له عن العقاد:«كنت له تلميذاً محباً، وكنت أقدم له كتبي، فيثني علي، ويقربني منه، حتى طلبت منه ذات يوم أن يكتب مقدمة لكتاب لي، يقدمني به للناس، فأبى ذلك على نفسه وعلي، وشعرت بالغيظ، حين آثر ان يقدم لكتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»لخليفة التونسي، ولا يقدم لكتابي، فجفوته، وجفاني، وهجرت مجلسه».
فيشكك الخالدي بهذه الرواية وينفيها، ويتهم سليمان فياض بالوهم فيها، ثم يرميه باختلاقها!
وقد اعتمد في تشكيكه ونفيه لهذه الرواية على منطق متضارب في رد الروايات الشفاهية وعلى كلام عاطفي لا يقدم ولا يؤخر في دفعها إذ انه توجد أكثر من قرينة تنهض بصحة الرواية وصدقها.
وفي موضع آخر من كتابه يعرض لهذه الناحية بسطرين، ويفسرها تفسيراً هو أقرب للتفسير العجائزي والعامي، فيقول:«إن كبار الأدباء نفسوا على سيد قطب مؤلفاته، وحسدوه على انتاجه الغزير، فلم يقرظوه ولم يثنوا عليه، بل تجاهلوا هذا النتاج الأدبي والفكري»!
ويبدو أن المرارة والاحباط اللذين كان يشعر بهما سيد قطب نتيجة لتجاهل شيوخ الأدب وأعلام الثقافة في جيله لأعماله، انتقلا الى المفتونين به في فترة تحوله إلى الاسلام الحركي، إذ نجد منهم من يعتبره من حيث القيمة موازيا لهؤلاء المشايخ والأعلام، ونصادف من يزعم أنه اجتمع له مناح تفوق كل واحد منهم، ونلقى من يدعي أنه بزهم مجتمعين!
ولا يخفى أن تهميشهم لهذه الناحية، كان يحركه عامل دعوي، فالوقوف عليها في نظرهم قد يفتح بابا لتأويل سلبي لقضية تحوله، فيفسر انه حين لم يتمكن من تحقيق ما يصبو الى مكانة سامقة تضعه جنباً إلى جنب مع مشايخ الأدب وأعلام الثقافة في جيله، تحول إلى الاتجاه الاسلامي الكامل وأوغل فيه.
ولا بد في هذا المقام بالتنويه بكتاب علي شلش:«التمرد على الأدب، دراسة في دراسة تجربة سيد قطب» الممتاز الذي استوفى هذه الناحية ونواحي أخرى عند سيد قطب، وذلك بما عرف عنه من دقة ورصانة وسمت هادئ وروح علمية وموضوعية.
في هذا العدد من «المجلة»نقدم ملفا يضم بعض الكتابات التي أهملها الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم، وهي حسب توالي نشرها:
ـــ مقال لعز الدين اسماعيل عن كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ـــ مقال لشوقي ضيف عن كتاب «النقد الأدبي» أصوله ومناهجه».
ـــ مقال لأحمد عباس صالح وردت فيه فقرة اشار فيها إلى سيد قطب وإلى كتابه:«العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ـــ معركة حول كتاب:«العدالة الاجتماعية في الاسلام»أطرافها.محمد رجب البيومي ومحمود محمد شاكر وعلي الطنطاوي وسيد قطب.
«العدالة الاجتماعية في الاسلام»:
تعريف عام به
يعد كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»للمنظر الاصولي الاول في العالم العربي، سيد قطب، كتابا بالغ الاهمية في مسيرة صاحبه وفي مسار جماعة الاخوان المسلمين والاسلام الحركي قاطبة، سنية وشيعية.
فهذا الكتاب الذي صدرت الطبعة الاولى منه عام 1949 ومؤلفه كان في بعثة مفتوحة في الولايات المتحدة الاميركية لدراسة اللغة الانجليزية وللتعرف على مناهج التربية والتعليم هناك، يعتبر اول مؤلف لصاحبه في مجال الدراسات الاسلامية.وكان قبل ان يؤلف هذا الكتاب، قد الف كتابين اخرين، هما ألصق بالدراسات الادبية والبلاغية منهما بالدراسات الاسلامية المقارنة.
الكتاب الاول كان «التصوير الفني في القرآن»والذي صدر عام 1945، وهو عبارة عن تطوير لمقالين كان قد نشرهما في مجلة «المقتطف» عام 1939.
والكتاب الآخر هو «مشاهد القيامة في القرآن»والذي صدر عام 1947، وهو تتمة للفكرة التي بدأها في كتابه الاول.
واذا كان تفسيره الشهير «في ظلال القرآن»الذي ظهر اول ما ظهر في سبع مقالات نشرها في مجلة «المسلمون»ـــ وهي مجلة تابعة لجماعة الاخوان المسلمين كان يملكها ويرأس تحريرها سعيد رمضان ـــ عام 1952، امتدادا من ناحية الشكل لدراستيه الادبيتين البلاغيتين، فانه من ناحية المضمون، كان يعبر عن الرؤية الراديكالية التي اهتدى اليها في كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام».فالكتاب ـــ بحق ـــ كان يمثل في مسيرة صاحبه لحظة الانعطاف الى فكر ديني متصلب ومتشدد.
ورغم ان الكتاب حين ألفه صاحبه لم يكن عضوا في جماعة الاخوان المسلمين، الا ان الجماعة احتفت بالكتاب احتفاء كبيرا، وانزلته منزلة كبرى، ذلك لانها شعرت انه اصاب عين الرؤية التي كانت تتطلع الى التعبير عنها من خلال ما كان يدعو اليه الشيخ حسن البنا ومن بعده منظروها الذين كان من ألمعهم الشيخ محمد الغزالي.
ومن دون ان يقصد سيد قطب او يسعى الى ذلك، حين انضم الى الجماعة رسميا، ازاح هؤلاء المنظرين وفي مقدمتهم الشيخ الغزالي عن موقع الصدارة، واحتلها هو من دون ان يكون له منافس يدانيه او يقترب من مكانته.وهذا كان سببا كافيا لان يضمر الشيخ الغزالي الضغينة التي استمر ناحيته يحملها معه طيلة حياته.
كذلك احتفى بالكتاب الاسلام الشيعي الحركي في شقه العربي وفي شقه الفارسي، لاسباب يشترك فيها مع الاسلاميين الحركيين السنة، وأخرى تخصه وحده.
السبب المشترك، هو انه قدم تصورا اسلاميا مثاليا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية مستخلصا من النظرية الاشتراكية من دون ان يقع في احبولة التسليم الضمني بجدارتها وتفوقها.وكانت الشيوعية في ذلك الوقت بتصوراتها لحل مشكلة الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي مصدر جاذبية واغراء لاعتناق معتقداتها السياسية والفكرية. اما السبب الخاص، فهو سبب مذهبي.فالكتاب اضافة لنقده لعثمان بن عفان والدولة الاموية كان يلح على دعوى مفادها ان الدولة الاسلامية لم تقم بعد.وغني عن البيان ان هذا جزء من المعتقد الاسلامي الشيعي.
ومن امارات حفاوة الشيعة بالكتاب في شقه الاخير، قيام علي خامنئي في وقت مبكر بترجمة الكتاب الى الفارسية.ومما تجدر الاشارة اليه ان هذا الكتاب ظل محتفظا بمكانته الاثيرة لدى اسلاميي السنة واسلاميي الشيعة، رغم صدور كتاب آخر، كان اشمل واعمق منه في المجال الذي تصدى له، وهو المجال الاجتماعي والاقتصادي في النظرية الاسلامية المعاصرة.هذا الكتاب هو كتاب «اقتصادنا»لمحمد باقر الصدر.وذلك لاكاديمية الكتاب الاخير وللسبب الخاص المذهبي الذي ألمعنا اليه عند الشيعة.
عز الدين إسماعيل
وكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»
نشر عز الدين مقاله سنة 1952م في مجلة «الثقافة»بمناسبة صدور الطبعة الثانية من كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام».وكان لا يزال طالباً في مرحلة الدراسات العليا.
وقد انفرد حلمي النمنم، نائب رئيس تحرير مجلة «المصور»، بالاشارة الى هذا المقال في كتابه «سيد قطب وثورة يوليو»الصادر عن ميرت للنشر والمعلومات عام 1990، وأورد بعض فقرات منه في هذا الكتاب، واعلمنا ان مجلة «الثقافة»التي كان صاحب امتيازها، احمد امين انتهزت فرصة صدور طبعة جديدة من الكتاب، فنشرت نقد عز الدين اسماعيل له.
كما اورد في كتابه حوارا شفهيا دار بينه وبين عز الدين، حول ملابسات كتابة الأخير له، ننقله لكم كاملاً.
ـــ يقول حلمي النمنم:«سألت الناقد عز الدين عن هذا المقال وظروف كتابته، وهل طلبت منه ادارة المجلة وكلفته به؟ قال لي:كنت أكتب في المجلة باستمرار، وكان المقال ينشر دون حذف ودون اعتراض.ولم يكلفني احد من المجلة بالكتابة عن كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»ولكني كنت مستفزاً من الهالة الضخمة والدعاية حول سيد قطب بعد ثورة 23 يوليو، والادعاء بأن كتابه هذا هو الذي فجر الثورة وانه كان الوقود الفكري للضباط، وان هذا الكتاب هو الذي سيحرك الفكر الثوري في مصر..واخذ البعض يقارن سيد قطب بفولتير الذي حركت كتبه ثوار الثورة الفرنسية.فأردت ان اكتشف هذا الموضوع وقرأت الكتاب، فوجدت ان هناك مبالغات ضخمة حول هذا الكتاب وحول مؤلفه واردت ان اقول للناس يجب ان نتواضع فلا يمكن مقارنة سيد قطب بفولتير.وربما توافق المقال مع سياسة المجلة وهواها، فنشر على هذا النحو والحقيقة انه كان هناك احتفاء بالمقال، اذا نشر على صفحتين ونصف الصفحة بالمجلة، رغم ان باب «نقد الكتب» كان يعتمد على المقالات والعروض القصيرة التي قد لا تتجاوز نصف الصفحة».
وثمة ملاحظة على هذه الاشارة التي انفرد بها حلمي النمنم، من الضروري ابداؤها، وهي انه في موضع اخر من الكتاب ذكر أن أول من أشار إلى تأثر سيد قطب بآراء المودودي، كان عز الدين اسماعيل في مجلة «الثقافة» عدد ديسمبر سنة 1952.
والحقيقة ان هذا الزعم غير صحيح، فالناقد عز الدين اسماعيل، كما سيرى القارئ، ضمن مواد الملف، لم يشر الى شيء من هذا.وربما كان زعم النمنم جاء نتيجة سهو وغفلة أو أنه التبست عليه اشارة عز الدين اسماعيل الى تأثر سيد قطب بمولانا محمد علي وكتابه «الاسلام والنظام العالمي الجديد»فوهم أنه كان يشير إلى مولانا أبو الأعلى المودودي.ورغبة في استكمال الحوار الذي بدأه حلمي النمنم مع عز الدين اسماعيل هاتفناه وسألناه:لماذا سكت عن هذا المقال كل هذه السنوات ولماذا لم ينبه الباحثين اليه؟
فأجاب: سكت عنه لانه يرتبط في ذاكرتي بحادث بالغ السوء مر بي في حياتي، فبسبب المقال واجهت من جماعة الاخوان المسلمين، تهديدا ووعيدا، كان يمكن ان يعطل مسيرتي المهنية.وقد قام بإصلاح ذات البين، شخص كريم ما زال الى الآن حيا يرزق، وهو يعيش الآن في الكويت.
«لكن عز الدين اسماعيل رفض ان يذكر لنا اسم من قام باصلاح ذات البين بينه وبين الاخوان المسلمين او حتى يوافينا بتفصيلات اكثر، كما رفض فكرة اعادة نشر المقال.
ولا يجب ــ ونحن نقرأ المقال ــ أن يغيب عن بالنا أمر نراه جدير بالانتباه، وهو ان عز الدين اسماعيل من تلامذة امين الخولي الذي اختط منحى معينا في الدراسات الادبية والبلاغية والاسلامية.وعليه لنعتبر خلافه مع سيد قطب هو خلاف حول المنهج الذي ينبغي اتباعه في فهم الاسلام وفهم نصوصه وتاريخه بين مدرستين:مدرسة امين الخولي ومدرسة الاسلاميين الحركيين.
شوقي ضيف وكتاب
«النقد الأدبي، أصوله ومناهجه»
عرض شوقي ضيف لهذا الكتاب وكتابين اخرين صدرا معه في العام نفسه.هذان الكتابان كانا، «النقد المنهجي عند العرب»لمحمد مندور و«عالم الفلسفة»لأحمد فؤاد الاهواني.
وبرغم اختلافه مع مندور حول نواح تفصيلية وردت في كتابه إلا انه أثنى على كتابه وثمن ما بذل فيه من جهد.وأثنى على كتاب الأهواني ثناءً عاطراً.
أما كتاب سيد قطب، فقد قلل من أهميته إلى حد كبير وبخس من قيمته.
ومن سيقرأ كلامه ضمن مواد الملف، ويقارنه بإشارتين وردتا عنه في كتاب عبد الله الخباص:«سيد قطب، الاديب الناقد»، سيجد أن الصورة التي قدمها الخباص عن مقال شوقي ضيف غير دقيقة.فالخباص لطف كثيراً مما قاله شوقي ضيف، بل وحاول ان يصرفه إلى غير معناه.وذلك في معرض مناقشته لرأي محمد النويهي الذي سخر فيه من ولع سيد قطب بالحديث عن الأسس النظرية للنقد، ووضع المناهج النقدية، لأنه لا يتقن لغة اجنبية، وكل ثقافته في هذا المجال ـــ كما قال ـــ لا تتعدى قراءة المترجمات.
محمود محمد شاكر وسيد قطب
لا يجد الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم غضاضة في ايراد ما كان بين محمود محمد شاكر وسيد قطب من خصومة حول أدب الرافعي الذي كان الأول يقدره ويعلي من قيمته، وكان الأخير من منطلق تعصبه المغالي للعقاد,يسرف في الحط من شأنه.
لكنهم فيما يخص النقد الذي شنه محمود محمد شاكر في العدد الثالث من مجلة «المسلمون»سنة 1952 على كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، وذلك بمناسبة صدوره في طبعة ثانية، وما تبعه من ذيول معركة دارت في مجلة «الرسالة»، كانوا يتكتمون ويعتمون على هذه الواقعة لأكثر من اعتبار:الأول، أن موضوع النقد هو كتاب العدالة الاجتماعية والذي لملابسات اشرنا إليها في ما سبق، لا يريدون أن يمس الكتاب لا بطريقة دعوية ولا بطريقة علمية.الثاني، ان محتوى النقد كان محتوي دينياً سلفياً، وأي اشاره إليه لن تكون في صالحهم لأن إحياءه من جديد، سيتسبب بتشويش على استقامة رؤية سيد قطب العقدية والتاريخية من المنظور السني بشكل عام والسلفي بشكل خاص ويثير حولها الغبار.والثالث، أن محمود محمد شاكر، العالم والمحقق الكبير في التراث العربي والاسلامي، كان صاحب هذا النقد، فهو اضافة الى هذه المكانة الرفيعة المجمع عليها، له منزلة خاصة عند الإسلاميين بسبب مواقفه الصارمة والحازمة في عدائها لطه حسين ولويس عوض وعصر النهضة العربي، بعلمانييه وبمدرسته الدينية العقلانية وللمستشرقين والحداثة والتغريب.
ومما يجدر ذكره أن من عرفنا بنبأ نقد محمود محمد شاكر لكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»هم السلفيون الجاميون وذلك حين تفاقمت حربهم على الاخوان المسلمين وعلى السروريين في آخر سنتين من عقد الثمانينات فقد وزعوا بعض ما قاله شاكر في كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» على شكل منشور سري يتداول بين الايادي وأذاعوه في كتبهم عن الاخوان المسلمين والسروريين.
ولا يفوتنا هنا، بصدد معركة محمود محمد شاكر مع كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، أن نسجل ملاحظتين:الأولى، ان محمود محمد شاكر، بحسب ما ذكر محمد رجب البيومي لم يسم سيد قطب فيما نشره بمجلة «المسلمون»، وكذلك فعل في رديه على محمد رجب البيومي وفي رسالته التي وجهها إلى علي الطنطاوي، وهو ما ستطالعونه ضمن مواد الملف.
ولا شك ان محمود محمد شاكر اتبع هذا النهج، بنية التعالي على سيد قطب والتقليل من شأنه.ولا شك ان هذا النهج كان مزعجاً له، خاصة أنه كما عرف عنه، كان معتداً بذاته وفخوراً بنفسه.
الثانية:ان سيد قطب رغم أنه كان من هواة المعارك إلا أنه تحاشى الجدل مع محمود محمد شاكر في مجلة «المسلمون»، وفي مجلة «الرسالة»، لكن ، كما ستلاحظون في الأخيرة، اضطر أن يقول رأيه على مضض وباختصار في نقد شاكر له.
ولا نعلم سبباً لذلك، هل هو تحاش لموضوع النقد أم تحاش لصاحبه؟
فمما يذكر ان سيد قطب حين اثار معركة كبيرة حول الرافعي في اخر الثلاثينات الميلادية تحاشى ان يجابه محمود محمد شاكر عندما شارك في المعركة منتصراً للرافعي.
اليسار المصري وسيد قطب
كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام» كما هو معروف بين جمهرة من الباحثين، كان المستهدف فيه مباشرة الماركسية واليسار في مصر.وبرغم هذا لم يعلق عليه بشيء أحد من الماركسيين أو اليساريين المصريين. إلى أن اتى أحمد عباس صالح وقال رأيه فيه في وقت متأخر من تاريخ صدوره وذلك في افتتاحية مجلة «الكاتب» حينما كان رئيس تحريرها وقد أدرجنا ما كتبه ضمن مواد الملف، لأن وجهة نظره تعبر عن وجهة نظر اليسار المصري في الكتاب وفي كاتبه .
(1) للاطلاع على بعض الخفايا في علاقة
بنت الشاطئ وزوجها أمين الخولي بسيد قطب
راجع مقال «سيد قطب بين العقاد والخولي»
المنشور في مجلة «الثقافة» العدد، 53، فبراير 1978
(2) يستثنى من هذا التعجب خليل هنداوي
الذي توفي سنة 1976.
عدالة سيد قطب ونقده الأدبي من منظور نقدي
*نحن اليوم أمام أمشاج من الأفكار التي تدور حول العدالة وحول الاجتماع وحول الإسلام ولكنها لا يمكن أن تدور حول العدالة الاجتماعية في الإسلام.وإذا نحن تطوعنا ـ كيما نفيد من هذه الأفكار ـ بتنظيمها وترتيبها وتقسيمها لم نظفر آخر الأمر ببحث علمي دقيق في صميم العدالة الاجتماعية في الإسلام ولا الظلامة الاجتماعية في غيره من مذاهب وضعية.
ويجدر بي قبل أن أطيف بالقارئ في أرجاء هذا الكتاب أن أنبهه إلى خدعة كبارة، وهالة باطلة نسجها الإمحال في وقت من الأوقات حول شخصية المؤلف فأخذ مكانه بين الرعيل الثاني من المفكرين في مصر الحديثة.
إن أظهر ما تتسم به مؤلفات الأستاذ سيد قطب هو الضحالة والصحافية وصياغة أفكار الآخرين من جديد.
فأما عن ضحالته فتتبين في مدى استنتاجه من المقدمات التي يضعها او يجدها موضوعة من قبل، وسنرى لها الآن أمثلة من الكتاب المنقود.
وأما صحافيته فإنه يتناول كل موضوع على أنه مقالة في صحيفة يومية أو أسبوعية، وينسى أنه إنما يؤلف كتاباً، وأن الدراسة التي يصبها المؤلف في كتاب تختلف تماماً عن المقالات أولاً وقبل كل شيء في أنها دراسة.
وأما صياغة أفكار الآخرين فلعلي لا أثق من شيء ثقتي من هذه الصفة الجلية في كتابات الكاتب. وفي كتاب اليوم أمثلة كثيرة، وسنعرض لبعضها.وإن شئت فارجع إلى كتابه «النقد الأدبي أصوله ومناهجه»وهناك تستطيع أن تدرك تماماً أن الكاتب أعاد افكار أبركرمبي وتشارلتن ولانسون التي سبق أن ترجمت إلى العربية فإذا بحثت عن جديد يختص به المؤلف أعياك البحث دون جدوى.
والكتابان اللذان خدعنا بهما المؤلف وخيل إلينا أن فيهما من الأصالة ما ينفي عن المؤلف تلك الصفة وهما «التصوير الفني في القرآن»و«مشاهد القيامة في القرآن» ـ هذان الكتابان بكل أسف ليس فيهما من أصالة الفكرة شيء فقد تلقف الأستاذ سيد قطب أصل الفكرة من الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد وراح يضخمها حتى ظفر من هذه الضخامة بقدر يملأ كتاباً.
ولسنا هنا بسبيل ان نتتبع المؤلف في سائر مؤلفاته.وحسبنا كتابه الذي يحمل ذلك العنوان الضخم «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ونبدأ ببيان الصفة الأولى كما تتضح في هذا الكتاب.ومن امثلة ذلك أن المؤلف يريد أن يبين كيف أن الإسلام لا يعادي العلم كغيره من الأديان فيستشهد على ذلك بالآية الكريمة «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، ص 17.ولو أنه دقق لوجد أن الآية لا تعطيه هذه النتيجة التي انتهى إليها، ولو دقق لما كان في حاجة إلى أن أنبهه إلى الهدف التربوي الذي تهدف إليه الآية من دعوة العلماء إلى أن يتقوا الله في علمهم.وهذا مثال آخر يتبين لنا فيه كيف يعامل المؤلف المسائل الكبرى في تاريخ الإسلام ببساطة عجيبة حتى إنه ليردها إلى محض الصدفة.إنه يرى وجود الأمويين منذ معاوية صدفة، ويرى عمر بن عبد العزيز صدفة، ولا يكلف نفسه التغلغل في العوامل الاجتماعية والتيارات النفسية التي تعمل بقوة، سواء في المد الإسلامي وجزره لنقرأ له قوله ص 219«لم يكن توقف المد في الروح الإسلامي إذن ضعفا من هذا الروح عن الامتداد، وكذلك لم يكن قصورا عن مجاراة أطوار الحياة ـ وسنرى بعد قليل أن هذا الروح ما زال يعمل في كثير من مناحي الحياة وجوانب المجتمع ـ ولكنه كان ثمرة لمصادفة سيئة في وقت غير مناسب وما كادت المصادفة تسوق إلى الإسلام خليفة فيه بقية من روح الخلافة في شخص عمر بن عبد العزيز، حتى عاد المد الإسلامي إلى الظهور، وعادت الحكومة إسلامية حقيقية».
وأظن أن المؤلف قد جنب نفسه مشقات كثيرة بأن اعتمد على ما أنتجه عنصر المصادفة في تاريخ المد الاسلامي.وهو عند المسائل الكبرى في تاريخ هذا المد يمضي سريعاً إذا ما أحس معطلاً يقف دون فكرته التي يريد بطريق أو بآخر أن يقررها ويثبتها. لنقرأ له هذين السطرين في ص 171«فأما البيعة لعلي فقد ارتضاها قوم وأباها آخرون. فكانت الحرب للمرة الاولى بين المسلمين وأعقبتها الكوارث التي حاقت بروح الاسلام ومبادئه في الحكم والمال وفي غير الحكم والمال»ثم يمضي.ولست أدري لم أنف الكاتب أن يفيد في هذه المواطن من التحليل الرائع الذي نقرؤه والذي قرأه هو ولا شك في كتاب «عبقرية الإمام»للاستاذ العقاد.ولكن لعله يصدم هناك.
ولست أدري هذه الحملة التي توهمنا بأننا تنكبنا الإسلام في حياتنا ورحنا نقتبس من هؤلاء وهؤلاء النظم والقوانين لست أدري هل يصح ـ منطقياً على الأقل ـ أن أفترض فرضاً واهماً وأجهد نفسي في دفعه وأشغل الناس معي في هذا الدفع.ويعجبني منه أن يشير إلى شخصيتنا هذه الاشارة في ص 20«ولكننا ندعو إلى مراجعة الرصيد المذخور ومعرفة أسسه العامة واختبار قدرته على البقاء والصلاحية قبل أن نعمد إلى تقليد مبتسر، مفقود الأسس التاريخية في حياتنا، تضيع فيه شخصيتنا ونصبح معه ذيلاً للقافلة الإنسانية»، تعجبني هذه الإشارة لأن المؤلف لم يذكر من ذلك الواقع التاريخي الذي ملأ به ما يقرب من نصف الكتاب حالة واحدة أو واقعة واحدة من صميم حياة المصريين وواقعهم التاريخي.أترى تمثلت له الشخصية المصرية في واقع الشام التاريخي في القرنين الأول والثاني للهجرة؟ فمن هذا الواقع اقتبس وإليه دائماً كان يشير ولو أنه اهتم بموضوع الشخصية أكثر من هذا، ودرسه دراسة متعمقة مستأنية لرده ذلك إلى اعتبارات هي غاية في الاهمية عندما يكون المد الإسلامي في الشعوب المفتوحة موضوع بحثه.
ولا أظنني في حاجة إلى أن أكرر أن الدين الاسلامي حين اصطدم بشخصيات البلدان المفتوحة تمخض هذا الاصطدام عن صور تختلف في قربها من الصورة الأولى له قلة وكثرة، ولكنها تختلف على كل حال ولماذا نبعد وقد اختلفت هذه الصورة الاولى ولم يمض على الإسلام نصف قرن. لا أكرر هذا الذي سبقت إليه الدراسة وإلا شاركت المؤلف احدى صفاته.
ولدينا الهند الآن، وهي مثال حي، تبلور العقيدة الإسلامية بصورة تبرز فيها شخصية الهند.وكذلك نحن في مصر لنا هذه الشخصية.
وأفضل الآن أن أنتقل إلى الصفة الثانية وهي صفة الصحافية.
والصحافية تتمثل عند المؤلف لا في هذا الكتاب بل في سائر كتبه.فهو لا يقرأ الأصول التي تفيده في موضوعه وإنما يقف عند الكتب الثانوية دائماً.لا يجهد نفسه في المصادر الأولى وإنما يكتفي بما يلتقطه من كتب الدرجة الثانية في نظر الدراسة العلمية.ووقفة قصيرة عند المراجع التي ذيل بها المؤلف الكتاب تؤكد لنا هذه الظاهرة.
ولعلي ذكرت في مستهل حديثي أن الكتاب أمشاج من الأفكار.وأعود الآن لأكرر هذه الملاحظة التي تبرز في المؤلف طابع الصحافية.فهذه الأفكار التي يتلقفها من قراءاته السريعة لتلك الكتب يسردها سرداً لا ضابط له ولا نظام فيه.بعبارة أخرى فأنت لا تحس أن الكتاب كانت له خطة في نفس المؤلف قبل أن يبدأ كتابته.وكلما مضيت في قراءة الكتاب هالك التفكك بين تلك الأفكار.ونلاحظ أن المؤلف يريد أن يثبت فكرة من الأفكار قبل أن يبحث هذه الفكرة.وهذا خطأ منهجي، لأن اثبات الأفكار القبلية Apriori يورط الباحث دائماً في التغافل عن الجوانب المضادة، وتخطي المزالق التي تعترض الطريق.
والمؤلف حين يتورط في هذه المزالق نراه يصطنع بالضرورة تلك الأساليب الخطابية والعبارات الطنانة، وقد يتجاوز ذلك إلى الاتهام والتحامل.نقرأ له في ص 20:«إن المجتمع الإسلامي لم يضعف ولم يتخلف عن ركب البشرية وهو يستمسك بالإسلام، إنما ضعف وتخلف بعد أن تخلى عن هذا الإسلام.وتقرير هذه الحقيقة يفيدنا في تزييف التهم الباطلة التي يلقيها الغربيون على هذا الدين ويستشهدون عليها بواقع المسلمين، والتي يتلقفها بعض المخدوعين هنا وبعض المأجورين فيلوكونها وقد يسودون بها مئات الصفحات مدعين حرية الفكر ودقة البحث، وهي باطل..إلخ».ولست أدري هل هذا الأسلوب هو الذي يمثل حرية البحث!وهل يلزم أن أتورط في العيب الذي آخذه على الناس!
وفي ص 20 يقول:«ولكنه الجهل بحقيقة هذا الدين والكسل العقلي والنفسي عن مراجعة الرصيد القديم، والتقليد المضحك للاتجاه الأوروبي في فصل الدين عن الحياة.. إلخ».
هذه نماذج من أسلوب المؤلف في خطابياته وحملاته.وهي إن صلحت فإنها تصلح في مقال بالصحف ولا تصلح في كتاب يستهدف البحث العلمي السليم.
ولعل من صور اضطراب البحث في يد الكاتب أن تجده يقف بك أمام المشكلة في جوهرها ثم إذا به يحيلك على ما سيأتي.حتى إذا مضيت قليلاً فقد نسيت المشكلة ونسيت ما كان مفروضاً أن سيأتي، لأنك تدخل في شيء آخر جديد.
يقف في ص 19 ليضع هذه المشكلة الجوهرية، هل لا يزال في الإسلام عناصر صالحة للتطبيق في العصر الحديث؟ ثم يقول:«هذا سؤال في الصميم ولذلك لن يكون من المستطاع الإجابة الوافية عنه في هذا الموضوع فسنجيب عنه تفصيلاً وتطبيقاً فيما بعد».حتى إذا بلغت ص 216 وجدت إجابة باهتة.
ونكتفي بهذا لنقف وقفة أخيرة عند الصفة الثالثة التي تتضح من هذا الكتاب وهي فقدان الأصالة عند الكاتب فيما يسوق من أفكار.
وأنا لا تروعني المراجع التي بلغت أربعة وثلاثين والتي ذيل بها المؤلف الكتاب فقد قرأت الكتاب ذهاباً وجيئة وعرضت تماماً مدى إفادته من هذه المراجع ورغم أنها جميعاً (فيما عدا كتب الدين)تعد مراجع ثانوية فإن المؤلف قد أخفى افادته من بعضها بحيث لم يشر إليها غير مرة في أثناء البحث، وأعني بذلك كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد» لمولاي محمد علي.
وأود أن أضع أمام القارئ أمثلة لكيفية إفادة المؤلف من هذه المراجع، فإنه ينقل عنها نقولاً تطول إلى حد أن تكون وحدها الأساس في البناء.
من أمثلة ذلك نقوله عن الأستاذ عبد الحليم الجندي في كتابه (أبو حنيفة، بطل التسامح والحرية في الإسلام)، فقد نقل عنه صفحات كاملة هي التي تمثلت عنده في صفحات 155 و156 ثم 158 و159.
وينقل عن الأستاذ أحمد زكي صفوت من ص 191 إلى ص 194.وينقل أيضاً من ص 223 إلى ص 226 عن كتاب «الإسلام على مفترق الطرق»ترجمة عمر فروخ.ثم ينقل عنه أيضاً من ص 232 إلى ص 234، وهكذا.
هذه الصفحات بكاملها تكون وحدها جزءاً كبيراً من بناء الكتاب، يظهر قرب نهايته، عندما كان الأسلوب الخطابي قد شغل القدر الوفير من الكتاب في أجزائه الأولى هذه الصفحات تزيد وضوحاً في نفس القارئ إذا هو حاول أن يتبينها في كتابات المؤلف عامة، وفي هذا الكتاب خاصة.ولعلنا في حل من أن نعيد النظر في قيمة رصيدنا لا القديم ولكن ذلك الرصيد الذي خدعنا وما زلنا نخدع فيه، رصيد المحدثين .
نشر المقال في مجلة الثقافة، العدد الثامن، شهر سبتمبر سنة 1952
*وهذا كتاب آخر هو كتاب «النقد الأدبي:أصوله ومناهجه»لسيد قطب حاول به ـ في رأيه ـ ان يصف اصول النقد الادبي ومناهجه.وقد استمد هذا الوصف في الاعم الاغلب من كتابات نقادنا المحدثين وما ترجم من اللغات الاجنبية مثل كتاب قواعد النقد تأليف لاسيل ابر كرومبي، وترجمة الدكتور محمد عوض، وكتاب منهج البحث في الادب واللغة، تأليف لانسون وماييه، وترجمة الدكتور محمد مندور، وكتاب فنون الادب، تأليف هـ.ب.تشارلتن، وترجمة الدكتور زكي نجيب محمود.وكل من قرأ هذه الكتب الثلاثة المترجمة يعرف مدى ما يشيع فيها من حديث عن قيمة اللفظة في الادب وما تشعه في العبارة وما تكسبها من ظلال واصداء.وقد استعان المؤلف بهذا كله في تأليف كتابه، فحدثنا حديثا طويلا عن القيم الشعورية والتعبيرية في الادب، وعرج على ما يقال هنا وهناك من مناهج نفسية في درس الادب او مناهج جمالية، وتأثر ابلغ التأثر بما كتب في مجلة علم النفس.
والكتاب بسبب ذلك كله يعتبر تأثرا مباشرا لكل هذه الكتابات وما جاء في اثنائها من الفاظ وحديث عن القيم في الادب.ولسنا ننكر التأثر من حيث هو، ولكن يظهر ان الفاظا من الفاظ هذه الكتب سيطرت على المؤلف اكثر مما ينبغي، حتى اصبح الكتاب ميدانا لالفاظ الظلال والاصداء ورصيد الشعور والتجربة الشعورية والصور اللفظية والتصوير المعبر الموحي والطابع الشخصي والعوالم الشعورية الحية والايقاع القوي المنسق والطاقة الشعورية المتضخمة والافكار المجردة والتجارب الذهنية والسبحات والسرحات واللحظات الملاء الوضاء والمواقف الصغيرة واللحظات الجزئية والآباد الخالدة والرمز والايحاء والجو المجرد من الظلال والشيات والدلالة المعنوية والتصويرية والايقاعية وارواح الالفاظ والطبيعة الفنية والوجدان المنفعل بالاضواء والاصداء والمساحة النفسية (*).
وفي اثناء ذلك نجد من حين الى حين توهينا للشعر العربي وشعرائه، فأبو العلاء والمتنبي وابن الرومي عوالمهم الفنية صغيرة لا تبلغ عوالم طاغور وتوماس هاردي وامثالهما، فناقدنا المجدد لا يعجبه شعرنا ولا شعراؤنا.انه يقول في مقدمة كتابه، انه سيرتد الى المقياس الفني الخالص في الحكم على الشعراء، ولو انه صنع لاعتد بالتعبير الفني في لغتنا، كما اعتد به فيما قرأه مترجما عن طاغور وتوماس هاردي.
اما شوقي فكان سيئ الحظ، لأنه قال في قصر انس الوجود وآثاره الغارقة عند الشلال:
قف بتلك القصور في اليم غرقى
ممسكا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى اخفين في الماء بضا
سابحات به وابدين بضا
فلا تناسق بين البيتين في رأي المؤلف، لأن في البيت الثاني ظلا لا يتسق مع الظل الاول.هي صورة لفظية لا رصيد لها من الشعور، وايضا فقد كان ابو تمام سيئ الحظ، لأنه قال في الرثاء والعزاء في عظيم:
ان ريب الزمان يحسن ان يهدي
الرزايا الى ذوي الاحساب
فلهذا يجف بعد اخضرار
قبل روض الوهاد روض الروابي
ويكرر المؤلف فكرة الظلال بشكل آخر فيقول: هنا الفاظ عارية من الظلال والايقاع مجردة من الرمز والايحاء.
وانت لا تجد عند المؤلف بعد ذلك إلا حديثا عن العقاد وطه حسين واحمد امين وطرقهم في درس الادب العربي، ثم كلاما عن القصة والتراجم وبيان طريقة شفيق غربال في كتابه «محمد علي» المشهور.
هذا والكتاب لم يصور مناهج النقد المختلفة، كما يفهمها الاوروبيون، فقد رأى ان لا يعجب ببعضها كالمنهج الجمالي، وايضا فإنه صورها في كتابات نقادنا ولم يصورها مستقلة.
ولقد قال المؤلف في مقدمة الكتاب ان المناهج التي سيتحدث عنها هي المنهج الفني والمنهج التاريخي والمنهج النفسي والمنهج التكاملي، وقال ان المنهج الاخير، هو المنهج الذي يختاره، وكنا نطمع ان يفيض المؤلف في هذا المنهج المختار، لكنه تحدث عنه حديثا قصيرا .
نشر المقال في مجلة «الكتاب» يناير 1949
(*)يرى علي شلش أن شوقي ضيف «بالغ في هذا السرد لأن بعضه لاعلاقة له بمجلة علم النفس، مثل «أرواح الالفاظ» وهو مصطلح مشتق من نظير له عند جي. دي.موباسان، أورده الزيات في كتابه «دفاع عن البلاغة» أنظر التمرد على الأدب، دراسة في تجربة سيد قطب، ص 94
*عقب بدء الخطة الخمسية الثانية واعلان بداية التصنيع الثقيل، لوحظ ان خطة استعمارية شاملة دخلت في مرحلة التنفيذ، ترمي الى هدف سياسي هو عزل الجمهورية العربية عن الوطن العربي.وصاحب هذه الفترة اكتشاف الوثائق البريطانية التي خططت للسيطرة على العالم العربي، كما بدأت المؤامرات تنشط في كل مكان تقريبا، واستغلت قضية اليمن لاستنزاف الموارد المصرية.
وكانت الخطة تهدف اساسا الى منع التقدم الصناعي في الجمهورية العربية المتحدة بالضغط عليها سياسيا واقتصاديا في كل المجالات الممكنة.
وكانت معركة القمح من المعارك المهمة التي قصد بها ارغام الجمهورية العربية المتحدة على تحويل جزء كبير من ارصدتها من العملة الصعبة لاستيراد القمح، وبالتالي الى شل حركة التصنيع في الخطة الخمسية الثانية.
ولم يبق من الخطة الاستعمارية إلا ضرب الثورة العربية في مصر من الداخل، بنفس التوقيت الذي بدأت فيه الخطة الاستعمارية الشاملة.
وقد استطاعت القيادة الثورية في مصر، ان تواجه كل الضربات، وان تفسد آثارها، بل وان تكسب مواقع جديدة، وانتهت المعركة باتفاق جدة الاخير الذي افسد جزءا مهما من الخطة الاستعمارية، ثم برحلتي الصداقة والسلام الى الاتحاد السوفيتي ويوجوسلافيا.
وتكفل الحلف المركزي ـ حلف بغداد ـ بالتدبير لمؤامرة انقلابية داخل الجمهورية العربية المتحدة عن طريق الاغتيال والارهاب ونشر الفوضى، وكانت وسيلة الحلف الاستعماري الى تحقيق غايته هي الاستعانة بعناصر الاخوان المسلمين داخل الجمهورية وخارجها لتدبير الانقلاب.
وبدأت الاموال والاسلحة والمفرقعات تتدفق على التنظيم الاخير، كما ظهر ان عناصر من الرجعية العربية كانت تسهل عمل التنظيم ليصل الى غايته.
ولم يكن صدفة ان نرى في قيادة التنظيم الارهابي رجلا مثل سيد قطب لفت انظار الاستعمار منذ وقت مبكر بكتاباته المناوئة للاشتراكية بدعوى ان الاسلام والاشتراكية متناقضان، فدعي الى الولايات المتحدة الامريكية وامضى اكثر من عام، عاد بعدها لينشر كتابا مليئا بالمغالطات ضد العدل الاجتماعي وضد الفكرة الاشتراكية تحت ستار الدعوة الاسلامية، وكأن الاسلام ضد العدل الاجتماعي وضد الحرية، ومع الاستعمار الامريكي والحلف المركزي!.
لم يكن صدفة اذن ان يعيد الاستعمار والرجعية العربية اتصالهما بالرجال الذين اعدوهم فكريا لتقبل كل المفاهيم الرجعية والاستعمارية، وان يبدأ العمل على تنظيم صفوفهم لضربة سريعة ضمن مخطط شامل ان لم تقض على الجمهورية العربية، فإنها تشل حركتها، وتعطل ظهور القاعدة الصناعية الرئيسية التي ستنشأ في الوطن العربي.
فمعنى بداية التصنيع الثقيل في الجمهورية العربية المتحدة تحت قيادة ثورية صلبة هو احكام قبضة الامة العربية على مصيرها والافلات تماما من الربقة الاستعمارية مهما تكن صورها.
وفي الوقت الذي بدأ تنظيم الاخوان المسلمين يعمل، ظهرت الشائعات، والهجوم على القطاع العام:والمضاربة على السلع واختفائها من الاسواق، وليس هذا كله إلا الجو الذي تخلقه الرجعية لتنفث فيه ارهابها.
إلا ان المخطط الاستعماري الشامل اخفق كله.اخفق خارج الجمهورية وداخلها، وانكشف تنظيم الاخوان ومن ورائه قوى استعمارية اجنبية، وقوى رجعية عربية، ومضى تيار التقدم في طريقه مستفيدا من تلك المعارك قوة فوق قوته.
والثورة الاشتراكية لا تعتقد ان الاستعمار والصهيونية والرجعية ستقف مكتوفة الايدي امام التحول الاشتراكي الخطير الذي يحدث في الجمهورية العربية، وهي لا تفاجأ ان يستغل الاستعمار الدين وان يلجأ الى كل الوسائل لضرب الثورة او النيل منها.لذلك فالمعركة لها اكثر من وجه وتقع في اكثر من مجال، لكن هدف الاستعمار والرجعية واحد مهما تعددت اليه الطرق.هو القضاء على العدل الاجتماعي، ومجتمع الرفاهية وتكافؤ الفرص.
والثورة العربية بحكم الظروف التاريخية ليست ثورة محدودة بالتغيير الاجتماعي، بل هي وثبة امة ذات مواهب وطاقات طال كبتها، وامتحنت الصراعات والخلافات حتى وقعت تحت السيطرة الاستعمارية ومنعت بالقهر والتمزيق عن الاسهام في بناء عالم انساني يقوم على السلام والحرية والعدل.وانفجار الثورة في مصر واندفاعاتها المنتصرة الموفقة ليس في الواقع إلا تعبيرا عن تحرك هذا الكيان العربي الضخم ليشترك بفكر جديد وقوة جديدة في حل مشاكل المجتمع البشري بأسره.والنجاحات التي تحققها الثورة العربية في مصر لها دلالاتها، فرغم القوى الاستعمارية وقوى التخلف بشكل عام، ورغم نشاط هذه القوى وسعيها المتصل لوأد هذه الثورة، ورغم كل الخبرات الاستعمارية في تمزيق رباط الامة الواحدة..رغم هذا كله، فإن الثورة العربية تنتصر..ذلك لأن وثبة الامة العربية تطور حتمي تفرضه قوانين التطور ولا تملك القوى المناوئة إلا ان تحاول تحديده وتضييق آثاره في احسن الفروض بالنسبة لها.
ومن الطبيعي ان تخطئ العناصر الرجعية الرؤية الصحيحة، وذلك لأنها تفتقر الى النظرة العلمية والمنهج العلمي..فنجاح ثورة ما لا يتأتى بمجرد حيازتها لقوة ضاربة معينة مهما تكن هذه القوة، ولا لاستيلائها على السلطة، بل لتوافق مضمونها الثوري مع مرحلة التطور التي يجتازها المجتمع ولتعبيرها بشكل مباشر عن اماني الجماهير العريضة ورغباتها.
واسقاط الثورة الشعبية عمل مستحيل، لأنه يتساوى مع ابطال قانون طبيعي.فالمؤامرات التي حيكت للثورة العربية في مصر سقطت واحدة اثر الاخرى، رغم الاعداد الطويل والخبرة الاستعمارية والاموال المتدفقة.
وقد انطلقت الثورة العربية بكل قواها الكامنة، ولا تستطيع القوى الرجعية ان تحد من انطلاقها، الا اذا استطاعت ان تقضي على جماهير الامة العربية كلها:لأن الثورة هي الجماهير، ولأن الجماهير قد امسكت بعد نضال مرير بمقدراتها وآمالها واحلامها، ولا يمكن لاي قوة ان تنتزع منها ثمرة هذا النضال.
وكل المحاولات التي يبذلها الاستعمار والصهيونية والرجعية ليس إلا نتيجة واحدة، هي انكشاف جيوب جديدة تصفيها الثورة الشعبية.
فالثورة في اندفاعها البناء تتجاوز عن كثير من هذه العناصر وتتسامح معها مؤملة ان التغيير الثوري سيهز الضمائر ويوقظها، وكأنها تعطي بذلك كل الفرص الانسانية لمن بقي فيه ذرة من حب للعدل والحرية.الا ان الرجعية يستفزها ان ينتصر العدل، وان تتحقق الكرامة لجموع المحرومين والمضطهدين، وان تنهض دولة الاشتراكية، وهكذا يفلت الزمام وينكشف التآمر، وتصفي الثورة اعداءها .
نشرت هذه الافتتاحية في مجلة «الكاتب» سبتمبر 1965
«خناقة» على عدالة سيد قطب في «الرسالة»
* للأستاذ محمود محمد شاكر منزلة كبيرة لدي، فأنا أعهده كاتبا قوي الأسلوب، رصين العبارة، وأعرفه أبيا مخلصا يتدفق غيرة على الاسلام، وتعصبا لأفذاذه الأبطال، لذلك أقبل على قراءة ما يدبجه يراعه المؤمن في شوق واهتمام.وقد طالعت أخيرا ما كتبه بمجلة (المسلمون ـ العدد الثالث ص 38 جمادى الأولى سنة 1371)تحت عنوان لا تسبوا أصحابي، فوجدت المجال واسعا للخلاف بيني وبينه، ولم أشأ ان اطوي ما دار بخلدي عن القراء، فرأيت ان اناقش الكاتب الكبير فيما سطره راجيا ان يحق الله الحق بكلمته، فالحق وحده هدف الكرام الكاتبين، وفي طليعتهم الاستاذ الجليل.
ولعل من الأوفق ان أبدأ بتلخيص الفكرة التي يدور حولها مقال الاستاذ شاكر، فأعلن أن الكاتب الفاضل ينحى باللائمة على المجاهد الداعية الاستاذ سيد قطب ـ وان لم يصرح باسمه ـ اذ تعرض في كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام» الى اناس عدهم الاستاذ شاكر من أفاضل الصحابة، وقد خصهم صاحب الكتاب بما لا يليق في مذهب الاستاذ شاكر من النقد والتجريح، وهو بذلك يخالف ما اجتمع عليه الرأي السائد من تقديس أصحاب الرسول «إذ لا سبيل لأحد من أهل الأرض ماضيهم وحاضرهم أن يلحق أقل أصحاب محمد، مهما عهد في عبادته ومهما تورع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سره وعلانيته، كما قال الاستاذ الجليل.
وقد بدأ الاستاذ شاكر مقاله بحديث الرسول «لا تسبوا اصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو ان احدكم انفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»واندفع في سياق منبري في سرد الأدلة الخطابية، ويستثير النوازع العاطفية، ويستشهد قول الرسول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» كما ذكر حديثاً يدور حول هذا المعنى، محاولاً ان يؤيد بذلك كله دعواه الخطيرة الى تقديس أناس بعدوا عن الحق فيما سجله عليهم التاريخ من أعمال.ومما نحمد الله عليه أن الحق ـ في هذه الناحية ـ واضح ابلج لا يحتاج الى برهان.
وقبل ان نعرض ما ذكره الاستاذ قطب في شأن معاوية واصحابه، نذكر ان الاستاذ شاكر قد اثار هذه العاصفة وحجته الوحيدة، ان كل صحابي رأى الرسول وسمع عنه قد اكتسب مكانة تحرم على كل انسان ان ينقد اخطاءه أو يظهر أغلاطه، «فإذا اخطأ احدهم فليس يحل لهم ولا لأحد ممن بعدهم ان يجعل الخطأ ذريعة الى الطعن عليهم»... كما ذكر الكاتب وحسما للنزاع من أقرب طرقه، نبدأ بتحديد معنى الصحابي، وهو ـ في أبسط حدوده ـ يطلق على كل انسان حصلت له رؤية الرسول أو مجالسته، فجميع من سعدوا بمشاهدته صلى الله عليه وسلم في حياته بعد الاسلام صحابة يشرفون بهذه الصفة المباركة، حتى عبد الله بن أبي رأس النفاق بالمدينة، فقد قال الرسول لمن هم بقتله: «معاذ الله ان يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، فعبد الله من اصحاب محمد كما ينطق الحديث، فليت شعري أينطبق الحديث القائل لا تسبوا اصحابي على جميع من سعد بالصحبة، أم يخص من باعوا أرواحهم وأموالهم لله من المؤمنين الصادقين؟ لا بد ان تكون الطائفة الأخيرة هي المقصودة دون أدنى تردد أو نزاع، فكل من تمسك بأخلاق الاسلام من اصحاب الرسول وشهد تاريخه بمروءته وصدقه فهو موضع التجلة والتبجيل، ولا يجوز لمسلم يدين بالاسلام أن ينتقصه في شيء، وكل من حامت الشبهات فوق تاريخه فهو موضع الملامة والنقد لأن الناس سواسية أمام الاسلام، ولا فضل لعربي على أعجمي بغير تقواه، والاسلام لا يقدس غير البررة المخلصين.
ومعلوم ان الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا من الدين والجهاد بمنزلة واحدة، ففيهم من اسلم في فجر الدعوة منذ أعلنها الرسول وقطع السنوات المتتابعة في الجهاد والجلاد، وفيهم من أسلم قبيل الفتح أو بعده والسيف مصلت على رأسه، وفيهم من بذل الكثير من الدم والمال وادخر القليل، وفيهم من تقاعس ولم يبذل شيئاً من دمه وماله، ومن الظلم البين ان نرتفع بهؤلاء جميعاً الى منزلة واحدة، بل على التاريخ أن يهيئ لكل انسان منزلته وفق ما أسلف من أعمال «لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وانفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلاًّ وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما» 95 النساء.
واذا كان الاستاذ شاكر يرى أنه لا يجوز لأحد من الناس أو من الصحابة أن يجعل الخطأ ذريعة الى الطعن في المخطئين، فماذا يفعل في الصحابة اذ أحلوا لأنفسهم ما حرمه عليهم الآن، فخطأ بعضهم بعضاً، وطعن فريق منهم على فريق آخر يناوئه، أفيكونون بذلك قد خالفوا الحديث النبوي كما فهمه الاستاذ شاكر..أم عرفوا ان الصحبة وحدها لا تعصم من النقد والملام؟
لقد اتضح بجلاء ان الحديث الذي عنون به الاستاذ مقاله لا يندرج على جميع من سعد بالصحبة، بل يختص الطائفة المناضلة التي لم تترك أخلاق القرآن في موقف، أو تنبذ روح النبوة في صنيع، وجميع من سار على النهج القويم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود موضع القدوة والاحتذاء من المسلمين، وحرام على كل مؤمن ان يحوم على احد منهم بطعن أو تجريح، أما الذين تأخر بهم الركب عن اللحاق بالاسلام في مشرق شمسه، فيجب ان ننظر الى صحف اعمالهم ومواقفهم في الحياة ثم نحكم عليها في ضوء القرآن والنبوة، وهذا ما فعله الاستاذ سيد قطب، فقد نظر الى أعمال معاوية وطائفة من بني أمية نظرة اسلامية صادقة، فوجد خليفة المسلمين قد بعد عن روح الاسلام في اكثر اعماله، وساعده في هذا السبيل فريق باع آخرته بدنياه، فرأى ان يقول كلمة الحق في أناس تجاوزوا حدود الله في أعمالهم، والاستاذ قطب لم يرد بكتابه ان يكون مؤرخاً راوياً، فالرسالة التي يضطلع بها الآن اعظم من ان تنحصر في حدود التاريخ، ولكنه ينادي بالرجوع الى احكام القرآن، وهدي النبوة، وتعاليم الاسلام، وقد عرف ان الخلافة الاسلامية قد فقدت معناها الديني بعد مصرع علي، وجاء من الخلفاء من أحالها الى ملك عضوض، تبعد عنه روح الاسلام في أكثر نواحيه، وقد ظن كثير من الناس أن هؤلاء الخلفاء الرسميين من لدن معاوية يمثلون الخلافة الدينية التي تتقيد بالقرآن وتهتدي بالسماء، ورأوا من جرائرهم الخلقية، وترفهم المقيت، ولهوهم الماجن ما يبغضهم في الخلافة والاسلام، فقام الاستاذ سيد قطب يدافع عن دينه، ويبين ان الاسلام لا يعترف بخلافة بعد علي، وقد نطق بالحق المؤيد بالتاريخ حين اعلن ان معاوية اول خليفة تحلل من قيود الاسلام، افنقول له بعد ذلك لقد تهجمت على اصحاب الرسول وخالفت هدي النبوة، أم يريد الاستاذ شاكر ان يفهم الناس ان معاوية وأشياعه يمثلون الاسلام بما ارتكبوه من رشوة وخداع وممالأة؟ لو ان الامر كذلك لبعد الناس عن الاسلام، ولبرئ المسلمون من دين يبيح لخلفائه الخديعة والمكر والارهاب واقامة القصور واحتكار الأموال والضياع؟
ولقد كان الاحرى بالاستاذ شاكر ان ينقد ما ذكره الاستاذ قطب عن معاوية نقداً تاريخيا فيبين ان الوقائع التي ذكرها في كتابه الخالد غير صحيحة، ولكنه لا يستطيع ان يفعل شيئاً من ذلك، اذ ان الاستاذ قطب قد نقل وقائعه عن كتب التاريخ ولم يخترعها من عنده اختراعاً، وهي ـ رغم ثورة الاستاذ شاكر ـ معروفة لدى الكبير والصغير.
فمن ذا الذي ينكر ان معاوية حين سير الخلافة ملكا عضوضاً في بني أمية لم يكن ذلك من وحي الاسلام، انما كان من وحي الجاهلية.
ومن الذي ينكر أن أمية بصفة عامة لم يعمر الإيمان قلوبها وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات!!وهذا باستثناء عمر بن عبد العزيز الذي احاطه الاستاذ قطب في كتابه بسياج من المحبة والاجلال، وجعل عهده بقية من عهود الخلافة الراشدة، واشعاعة مضيئة تنير الطريق، وقد بسط الكلام، عن هذا الخليفة العظيم في أربع صفحات طوال!!
ومن الذي ينكر ان يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعاً الى ذلك بدافع لا يعرفه الاسلام؟
ومن الذي ينكر ان معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع علي وفي سيرته في الحكم بعد ذلك اقصاء كاملاً لأول مرة في تاريخ الاسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة.فجعله للرشوة واللهو وشراء الضمائر في البيعة ليزيد بجانب مطالب الدولة والفتوح بطبيعة الحال.
هذه وأمثالها أمور مسلمة في التاريخ لا يستطيع الاستاذ شاكر ان ينكرها بحال.ونحن نعجب كثيراً حين نجده في مقاله يلبس مسوح الوعظ والارشاد فيقول:«يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم.يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا».«ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا».أفبهذه الآيات وأمثالها يستطيع الاستاذ شاكر ان يسكت لسان التاريخ؟
كنا ننتظر من الاستاذ ان ينقد هذه الحوادث التاريخية نقداً موضوعيا يحدد على ضوئه موقف معاوية من تعاليم الإسلام! ولكن الاستاذ لا يستطيع ان يأتي لمعاوية بتاريخ جديد فذهب يدافع عنه من باب آخر، فنقل عدة روايات تدل على أنه حسن الصلاة!!وأنه أوتر بواحدة!فقال ابن عباس إنه فقيه!!وأن الرسول قد قال:اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب!!وسار في هذا المضمار خطوات اتعبته كثيراً.والعجيب انه يجعل ما ذكره الاستاذ قطب عن تاريخ معاوية روايات متلقفة من أطراف الكتب!وهي ما تنطق به جميع كتب التاريخ، أما ما ذكره الآن من فضائل معاوية فليس من قبيل الروايات المصنوعة، وإن اصطيد من مجمع الزوائد وأمثاله من مراجع الاستاذ، أفهذا منطق يقنع الباحثين!
وقد تعجبت كثيرا وأنا أرقأ قول الاستاذ شاكر عن قطب «إن كان يعلم أنه أحسن نظرا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولى يزيد بن أبي سفيان وهو من بني أمية، وأنه أنفذ بصرا من عمر حين ولى معاوية فهو ما علم!»كأن تولية عمر لمعاوية كافية لأن تمحو أخطاءه فلا يأخذه مؤرخ بملام!ونحن نقر أن معاوية كان حسن السيرة على عهد عمر فولاه أعمال دمشق، ولكنه قلب المجن للتعاليم الاسلامية بعد مصرع عثمان فلم تنفعه تزكية الفاروق في شيء، وعمر رضي الله عنه لا يعلم الغيب حتى تكون تزكيته لإنسان ما في عهده ممتدة الى جميع أعماله مدى الحياة!.
هذا هو معاوية، أما أبو سفيان وهند زوجته وعمرو بن العاص فلا أعلم أن الاستاذ قطب قد تجاوز الحق فيما كتب عنهم من تاريخ!!فجميع المسلمين يعرفون ان أبا سفيان حارب الاسلام حربا لا هوادة فيها، ولم يدخل في حظيرته إلا بعد أن تقررت غلبة الإسلام!وأن زوجته هند قد ولغت في الدم حين أخذت كبد حمزة بين فكيها، ولاكتها لتأكلها فلم تستطع، وأنها قالت عن زوجها حين أسلم:اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم ودافعتم عن أموالكم، ثم أسلمت بعد ذلك ايضاً!!وان ابن العاص قد عاون معاوية في خصامه مع علي جرياً وراء مآرب يدخرها لنفسه دون نظر الى صالح الاسلام والمسلمين!!هذا كله ما ذكرته كتب التاريخ، أفيلام الاستاذ قطب اذا ذكره في معرض الدفاع عن الاسلام وتبرئته من آثام المذنبين، أم يريد الاستاذ شاكر أن يؤخذ الاسلام بجرم أبنائه ومدعيه، حين يحتضن اناساً لم يتمسكوا بأهدابه وقواعده، ما يكون لنا أن نتكلم بهذا في ذلك الشأن.
ولقد تعمدت ان أكون واضحاً صريحاً حين تكلمت عن المراد «بالصحابي»فتحدثت عما يفهم من مادة الكلمة دون نظر الى ما دار حولها من اختلاف لدى الأصوليين، اذ هم يذكرون عدة تعاريف تتقارب وتتباعد دون ان نلتقي في ناحية واحدة، ولو تمسك كل انسان بتعريف معين لتضارب القول، واتسعت شقة الخلاف!على ان الصحبة بمدلولها اللغوي تدل على الملازمة، فصاحبك هو الذي يطيل المكث معك أكثر من سواه، وصحابة الرسول بالمعنى الشرعي واللغوي معاً هم أكثر الناس ملازمة له، وليس منهم معاوية وأبوه وأمه ونجله على أي حال، ولن اطيل هنا القول فيما ذكره المحدثون في قول الرسول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»ـ وقد سبق في صدر هذا المقال ـ اذ أن مفسري الحديث قد اجمعوا على ان العبرة بالمجموع لا بالجميع، فقد يوجد في القرن العشرين من هم أفضل بكثير من بعض من عاصروا الرسول العظيم وإذن فليس للأستاذ شاكر ان يتمسك ـ بهذا وأمثاله ـ كدليل يستند اليه في دعواه، وهو من البداهة بمكان لا يحتمل الترديد والاسهاب.
إن من القسوة العنيفة ان يقول قائل عن الاستاذ سيد قطب انه قد بعد في كتابه عن منهج الاسلام، وهو الداعية البصير الذي تشرب روح الاسلام، وفهم دقائق التشريع، ورسم خطوطاً واضحة يترسمها الشباب المتوثب للنهوض والعزة في ظلال الدين الحنيف، وكان بجهاده الميمون رائد جيل، ومنقد نفوس، وداعية اصلاح.
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولاً .
(((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((( ((يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــع)))))))) )))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))) ))
قضية في الثقافة
أوراق أسقطها الإخوان المسلمون من تاريخ سيد قطب
07/05/2005
*دأب الاخوان المسلمون ومن شايعهم من الباحثين في كتبهم التي أرخت لحياة سيد قطب وفي دراساتهم الجامعية الأكاديمية على تجاهل آراء نقدية بعينها، كالتي كتبها بعض معاصريه أمثال محمود محمد شاكر وبنت الشاطئ (1)وخليل هنداوي وشوقي ضيف وعز الدين اسماعيل عن بعض كتبه، ككتاب «التصوير الفني في القرآن»وكتاب «كتب وشخصيات» وكتاب «النقد الأدبي، أصوله ومناهجه» وكتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام».
وكان هذا التجاهل لآراء هؤلاء يتم بغرض طرحها واخفائها إلى الأبد، إذ انهم كانوا حرصاء على طمر واخفاء كل ما يعتقدون انه يمكن ان يمس من مكانة سيد قطب الأدبية والنقدية، أو ينال ـــ سواء أكان ذلك بطريقة دينية سلفية أم بطريقة علمية منهجية ـــ من مقامه في التنظير الاسلامي المعاصر.
ومثلما أرادوا لها أن تكون، فقد ظلت تلك الآراء مطمورة ومخفية لفترة من الزمن، رغم أن أصحابها كانوا أحياء يرزقون(2)، وكانوا يكتبون ويؤلفون ويلقون المحاضرات ورغم أنه يوجد من الأكاديميين والأدباء من كان يعلم بخبرها.ولعلنا حينما نضع القضية في سياقها الأيديولوجي وفي ظرفها الزمني وغير ذلك من الملابسات الأخرى التي في ظلها وعبرها وضمنها ومن خلالها تم التأريخ لسيد قطب، نتفهم ونستوعب حدوث أمر كهذا.
فتاريخ سيد قطب كتبه في البداية صحافيون وكتاب من جماعة الاخوان المسلمين، وشارك معهم في كتابته اسلاميون حركيون وآخرون من محبيه ومن مريديه ومن المفتونين بشخصه وبكتاباته الاسلامية كما ان الأطروحات الجامعية الأكاديمية التي أعدت بأكثر من لغة,كان السباق إليها من هذا الفريق، وفريق آخر يمكن وصفه بأنه من المتعاطفين مع أفكار جماعة الإخوان المسلمين ومع أفكار سيد قطب.
ولهذا السبب، وللسبب الذي قبله، أتيح لهم أن يديروا تاريخ سيد قطب كما يشاؤون.ويصرفون غيرهم عن الجهة التي يريدون أن تبقى معتمه ومحجوبة عن الأنظار.
ولا ننسى أن تاريخ سيد قطب في جانبه الاعلامي والدعائي وفي جانبه العلمي والأكاديمي، كتب في عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات الميلادية، وهذه السنوات كما نذكر، كان من أبرز ملامحها السياسية والأيديولوجية، تحالف عدد من الأنظمة السياسية العربية في مشرق العالم العربي وفي مغربه مع جماعة الإخوان المسلمين، لأسباب مختلفة وبدرجات متفاوتة.
ولا يقل عن هذا السبب أهمية، تعاظم نفوذ الاخوان المسلمين السياسي والاعلامي وتنامي وعي ديني عام وعارم كان يرى في الاخوان المسلمين ويرى في سيد قطب مثاله الديني في أنقى صورة وأبهى وجه.
كما لا يجب أن نغفل ناحية انسانية ضاغطة هي فوق هذه الأسباب وتقع قبلها، وهي النهاية المأسوية المؤسفة التي انتهت بها حياته، فالرجل قضى نحبه اعداماً وقبل ذلك سجن لسنوات عدة، أمضى شطراً منها في مصحة السجن يتداوى من علل كثيرة كانت تنهش في صحته وتقضم من عمره.
وهناك أسباب أخرى، يمكن اعتبارها عوامل مساعدة، هي:
ـــ ان تلك الآراء كانت منثورة في مجلات ثقافية وفي صحف يومية ولم يضمها أصحابها إلى أعمالهم المطبوعة في كتب. لهذا نجد أن باحثا كعبد الله الخباص في دراسته القيمة: «سيد قطب، الأديب والناقد» اضطر إلى ان يشير إلى رأي محمد النويهي، محاولا اضعافه، وذلك لأن هذا الرأي موجود في كتاب مطبوع له، وهو كتاب «ثقافة الناقد الأدبي».
ـ ان أصحاب تلك الآراء كانوا إما من المنتمين للتيار الديني بمعناه العريض والواسع، كمحمود شاكر وبنت الشاطئ وإما إلى توجه يتحاشى الاصطدام مع مقولات التيار الديني ويتلافى اغضابه، كشوقي ضيف وعز الدين اسماعيل، هذا مع الاخذ بعين الاعتبار، أنهما لم يكونا من التيار السياسي والفكري المعارض لتوجهات السادات ولا من المنتمين للتجربة الناصرية والمتحمسين للدفاع عنها وعن تاريخها.
ـــ ان من كان يعرف بخبر تلك الآراء كان من اتجاه سياسي وفكري يتعاطف بهذا القدر أو ذاك مع الإخوان المسلمين ومع الفترة الساداتية، وفي الوقت نفسه ساخط على جمال عبد الناصر وعلى فترة حكمه.
ـــ ان العلمانيين الذي لهم موقف سياسي وفكري مضاد من الاخوان المسلمين ومن سيد قطب كانوا معنيين بمناقشة وتحليل مفاهيم سيد قطب أكثر من عنايتهم بتدوين تاريخه، وقد اعتمدوا في الجانب الوثائقي والمعلوماتي على ما كتبه الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم عنه من دون فحص أو تمحيص.
تبعاً للملاحظة الأولى التي بدأنا بها حديثنا، يمكن ايراد ملاحظة أخرى شديدة الصلة بالأولى شكلا وموضوعاً.
هذه الملاحظة هي ان «الاخوان المسلمين»والباحثين القريبين منهم، كانوا يهمشون ناحية حساسه ودقيقة في مرحلته الأدبية والنقدية، ولا يولونها العناية المطلوبة.
هذه الناحية الحساسة والدقيقة، هي أن مشايخ الأدب واعلام الثقافة في جيله، كأستاذه العقاد وطه حسين والمازني وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات وغيرهم، لم يقرظوا شيئاً من أعماله الشعرية والقصصية والنقدية.مما كان له أثره السيئ عليه، إذ أورث هذا الأمر في نفسه مرارة دفينة واحباطا عميقا من صنعة الأدب وحرفة النقد.أومأ إليهما في إحدى رسائله الشخصية الى صديقه انور المعداوي عندما كان يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وأفصح عنهما في مقاله «إلى الاستاذ الدكتور أحمد أمين»الذي كتبه بمناسبة لفتة رقيقة جاءت متأخرة من أحمد أمين، في مقال كان عنوانه «ضيعة الأدب» قام بإهدائه إليه.
فهذه الناحية لم تكن مستترة ولا كانت هامشية، بل بارزة وتكاد تكون أساسية في تفسير اعتزاله الأدب والنقد وهجرته إلى الدعوة الإسلامية.
صحيح أن الخباص في دراسته «سيد قطب، الناقد والأديب»ألمح إلى هذه الناحية لكن الماحته كانت عرضية وعابرة وجاءت في سياق عتب على جيل الشيوخ، خاصة العقاد الذي كان سيد قطب يخوض مرافعات ومعارك، ولا يترك له كتابا الا ويقرظه ويثني عليه وكان سيد قطب في مرافعاته وفي معاركه من أجله وفي تقريظه لكتبه وثنائه عليها، يبالغ بتمجيده بطريقة تقدمه وكأنه مريد صغير له.
وبعد أن سلط سليمان فياض الضوء على هذه الناحية الحساسة والدقيقة في مقال له بعنوان «سيد قطب بين النقد الأدبي وجاهلية القرن العشرين»نشره في مجلة «الهلال» في شهر سبتمبر، سنة 1986، وأعيد نشره في احدى الصحف الأردنية.لم يجد الباحث الأردني صلاح عبد الفتاح الخالدي ـــ الذي خصص معظم أعماله عن سيد قطب ـــ مفراً في كتابه:«سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد»الصادر سنة 1989 من مجابهتها والحديث عنها.
ينقل سليمان فياض عن سيد قطب قوله له عن العقاد:«كنت له تلميذاً محباً، وكنت أقدم له كتبي، فيثني علي، ويقربني منه، حتى طلبت منه ذات يوم أن يكتب مقدمة لكتاب لي، يقدمني به للناس، فأبى ذلك على نفسه وعلي، وشعرت بالغيظ، حين آثر ان يقدم لكتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»لخليفة التونسي، ولا يقدم لكتابي، فجفوته، وجفاني، وهجرت مجلسه».
فيشكك الخالدي بهذه الرواية وينفيها، ويتهم سليمان فياض بالوهم فيها، ثم يرميه باختلاقها!
وقد اعتمد في تشكيكه ونفيه لهذه الرواية على منطق متضارب في رد الروايات الشفاهية وعلى كلام عاطفي لا يقدم ولا يؤخر في دفعها إذ انه توجد أكثر من قرينة تنهض بصحة الرواية وصدقها.
وفي موضع آخر من كتابه يعرض لهذه الناحية بسطرين، ويفسرها تفسيراً هو أقرب للتفسير العجائزي والعامي، فيقول:«إن كبار الأدباء نفسوا على سيد قطب مؤلفاته، وحسدوه على انتاجه الغزير، فلم يقرظوه ولم يثنوا عليه، بل تجاهلوا هذا النتاج الأدبي والفكري»!
ويبدو أن المرارة والاحباط اللذين كان يشعر بهما سيد قطب نتيجة لتجاهل شيوخ الأدب وأعلام الثقافة في جيله لأعماله، انتقلا الى المفتونين به في فترة تحوله إلى الاسلام الحركي، إذ نجد منهم من يعتبره من حيث القيمة موازيا لهؤلاء المشايخ والأعلام، ونصادف من يزعم أنه اجتمع له مناح تفوق كل واحد منهم، ونلقى من يدعي أنه بزهم مجتمعين!
ولا يخفى أن تهميشهم لهذه الناحية، كان يحركه عامل دعوي، فالوقوف عليها في نظرهم قد يفتح بابا لتأويل سلبي لقضية تحوله، فيفسر انه حين لم يتمكن من تحقيق ما يصبو الى مكانة سامقة تضعه جنباً إلى جنب مع مشايخ الأدب وأعلام الثقافة في جيله، تحول إلى الاتجاه الاسلامي الكامل وأوغل فيه.
ولا بد في هذا المقام بالتنويه بكتاب علي شلش:«التمرد على الأدب، دراسة في دراسة تجربة سيد قطب» الممتاز الذي استوفى هذه الناحية ونواحي أخرى عند سيد قطب، وذلك بما عرف عنه من دقة ورصانة وسمت هادئ وروح علمية وموضوعية.
في هذا العدد من «المجلة»نقدم ملفا يضم بعض الكتابات التي أهملها الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم، وهي حسب توالي نشرها:
ـــ مقال لعز الدين اسماعيل عن كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ـــ مقال لشوقي ضيف عن كتاب «النقد الأدبي» أصوله ومناهجه».
ـــ مقال لأحمد عباس صالح وردت فيه فقرة اشار فيها إلى سيد قطب وإلى كتابه:«العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ـــ معركة حول كتاب:«العدالة الاجتماعية في الاسلام»أطرافها.محمد رجب البيومي ومحمود محمد شاكر وعلي الطنطاوي وسيد قطب.
«العدالة الاجتماعية في الاسلام»:
تعريف عام به
يعد كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»للمنظر الاصولي الاول في العالم العربي، سيد قطب، كتابا بالغ الاهمية في مسيرة صاحبه وفي مسار جماعة الاخوان المسلمين والاسلام الحركي قاطبة، سنية وشيعية.
فهذا الكتاب الذي صدرت الطبعة الاولى منه عام 1949 ومؤلفه كان في بعثة مفتوحة في الولايات المتحدة الاميركية لدراسة اللغة الانجليزية وللتعرف على مناهج التربية والتعليم هناك، يعتبر اول مؤلف لصاحبه في مجال الدراسات الاسلامية.وكان قبل ان يؤلف هذا الكتاب، قد الف كتابين اخرين، هما ألصق بالدراسات الادبية والبلاغية منهما بالدراسات الاسلامية المقارنة.
الكتاب الاول كان «التصوير الفني في القرآن»والذي صدر عام 1945، وهو عبارة عن تطوير لمقالين كان قد نشرهما في مجلة «المقتطف» عام 1939.
والكتاب الآخر هو «مشاهد القيامة في القرآن»والذي صدر عام 1947، وهو تتمة للفكرة التي بدأها في كتابه الاول.
واذا كان تفسيره الشهير «في ظلال القرآن»الذي ظهر اول ما ظهر في سبع مقالات نشرها في مجلة «المسلمون»ـــ وهي مجلة تابعة لجماعة الاخوان المسلمين كان يملكها ويرأس تحريرها سعيد رمضان ـــ عام 1952، امتدادا من ناحية الشكل لدراستيه الادبيتين البلاغيتين، فانه من ناحية المضمون، كان يعبر عن الرؤية الراديكالية التي اهتدى اليها في كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام».فالكتاب ـــ بحق ـــ كان يمثل في مسيرة صاحبه لحظة الانعطاف الى فكر ديني متصلب ومتشدد.
ورغم ان الكتاب حين ألفه صاحبه لم يكن عضوا في جماعة الاخوان المسلمين، الا ان الجماعة احتفت بالكتاب احتفاء كبيرا، وانزلته منزلة كبرى، ذلك لانها شعرت انه اصاب عين الرؤية التي كانت تتطلع الى التعبير عنها من خلال ما كان يدعو اليه الشيخ حسن البنا ومن بعده منظروها الذين كان من ألمعهم الشيخ محمد الغزالي.
ومن دون ان يقصد سيد قطب او يسعى الى ذلك، حين انضم الى الجماعة رسميا، ازاح هؤلاء المنظرين وفي مقدمتهم الشيخ الغزالي عن موقع الصدارة، واحتلها هو من دون ان يكون له منافس يدانيه او يقترب من مكانته.وهذا كان سببا كافيا لان يضمر الشيخ الغزالي الضغينة التي استمر ناحيته يحملها معه طيلة حياته.
كذلك احتفى بالكتاب الاسلام الشيعي الحركي في شقه العربي وفي شقه الفارسي، لاسباب يشترك فيها مع الاسلاميين الحركيين السنة، وأخرى تخصه وحده.
السبب المشترك، هو انه قدم تصورا اسلاميا مثاليا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية مستخلصا من النظرية الاشتراكية من دون ان يقع في احبولة التسليم الضمني بجدارتها وتفوقها.وكانت الشيوعية في ذلك الوقت بتصوراتها لحل مشكلة الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي مصدر جاذبية واغراء لاعتناق معتقداتها السياسية والفكرية. اما السبب الخاص، فهو سبب مذهبي.فالكتاب اضافة لنقده لعثمان بن عفان والدولة الاموية كان يلح على دعوى مفادها ان الدولة الاسلامية لم تقم بعد.وغني عن البيان ان هذا جزء من المعتقد الاسلامي الشيعي.
ومن امارات حفاوة الشيعة بالكتاب في شقه الاخير، قيام علي خامنئي في وقت مبكر بترجمة الكتاب الى الفارسية.ومما تجدر الاشارة اليه ان هذا الكتاب ظل محتفظا بمكانته الاثيرة لدى اسلاميي السنة واسلاميي الشيعة، رغم صدور كتاب آخر، كان اشمل واعمق منه في المجال الذي تصدى له، وهو المجال الاجتماعي والاقتصادي في النظرية الاسلامية المعاصرة.هذا الكتاب هو كتاب «اقتصادنا»لمحمد باقر الصدر.وذلك لاكاديمية الكتاب الاخير وللسبب الخاص المذهبي الذي ألمعنا اليه عند الشيعة.
عز الدين إسماعيل
وكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»
نشر عز الدين مقاله سنة 1952م في مجلة «الثقافة»بمناسبة صدور الطبعة الثانية من كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام».وكان لا يزال طالباً في مرحلة الدراسات العليا.
وقد انفرد حلمي النمنم، نائب رئيس تحرير مجلة «المصور»، بالاشارة الى هذا المقال في كتابه «سيد قطب وثورة يوليو»الصادر عن ميرت للنشر والمعلومات عام 1990، وأورد بعض فقرات منه في هذا الكتاب، واعلمنا ان مجلة «الثقافة»التي كان صاحب امتيازها، احمد امين انتهزت فرصة صدور طبعة جديدة من الكتاب، فنشرت نقد عز الدين اسماعيل له.
كما اورد في كتابه حوارا شفهيا دار بينه وبين عز الدين، حول ملابسات كتابة الأخير له، ننقله لكم كاملاً.
ـــ يقول حلمي النمنم:«سألت الناقد عز الدين عن هذا المقال وظروف كتابته، وهل طلبت منه ادارة المجلة وكلفته به؟ قال لي:كنت أكتب في المجلة باستمرار، وكان المقال ينشر دون حذف ودون اعتراض.ولم يكلفني احد من المجلة بالكتابة عن كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»ولكني كنت مستفزاً من الهالة الضخمة والدعاية حول سيد قطب بعد ثورة 23 يوليو، والادعاء بأن كتابه هذا هو الذي فجر الثورة وانه كان الوقود الفكري للضباط، وان هذا الكتاب هو الذي سيحرك الفكر الثوري في مصر..واخذ البعض يقارن سيد قطب بفولتير الذي حركت كتبه ثوار الثورة الفرنسية.فأردت ان اكتشف هذا الموضوع وقرأت الكتاب، فوجدت ان هناك مبالغات ضخمة حول هذا الكتاب وحول مؤلفه واردت ان اقول للناس يجب ان نتواضع فلا يمكن مقارنة سيد قطب بفولتير.وربما توافق المقال مع سياسة المجلة وهواها، فنشر على هذا النحو والحقيقة انه كان هناك احتفاء بالمقال، اذا نشر على صفحتين ونصف الصفحة بالمجلة، رغم ان باب «نقد الكتب» كان يعتمد على المقالات والعروض القصيرة التي قد لا تتجاوز نصف الصفحة».
وثمة ملاحظة على هذه الاشارة التي انفرد بها حلمي النمنم، من الضروري ابداؤها، وهي انه في موضع اخر من الكتاب ذكر أن أول من أشار إلى تأثر سيد قطب بآراء المودودي، كان عز الدين اسماعيل في مجلة «الثقافة» عدد ديسمبر سنة 1952.
والحقيقة ان هذا الزعم غير صحيح، فالناقد عز الدين اسماعيل، كما سيرى القارئ، ضمن مواد الملف، لم يشر الى شيء من هذا.وربما كان زعم النمنم جاء نتيجة سهو وغفلة أو أنه التبست عليه اشارة عز الدين اسماعيل الى تأثر سيد قطب بمولانا محمد علي وكتابه «الاسلام والنظام العالمي الجديد»فوهم أنه كان يشير إلى مولانا أبو الأعلى المودودي.ورغبة في استكمال الحوار الذي بدأه حلمي النمنم مع عز الدين اسماعيل هاتفناه وسألناه:لماذا سكت عن هذا المقال كل هذه السنوات ولماذا لم ينبه الباحثين اليه؟
فأجاب: سكت عنه لانه يرتبط في ذاكرتي بحادث بالغ السوء مر بي في حياتي، فبسبب المقال واجهت من جماعة الاخوان المسلمين، تهديدا ووعيدا، كان يمكن ان يعطل مسيرتي المهنية.وقد قام بإصلاح ذات البين، شخص كريم ما زال الى الآن حيا يرزق، وهو يعيش الآن في الكويت.
«لكن عز الدين اسماعيل رفض ان يذكر لنا اسم من قام باصلاح ذات البين بينه وبين الاخوان المسلمين او حتى يوافينا بتفصيلات اكثر، كما رفض فكرة اعادة نشر المقال.
ولا يجب ــ ونحن نقرأ المقال ــ أن يغيب عن بالنا أمر نراه جدير بالانتباه، وهو ان عز الدين اسماعيل من تلامذة امين الخولي الذي اختط منحى معينا في الدراسات الادبية والبلاغية والاسلامية.وعليه لنعتبر خلافه مع سيد قطب هو خلاف حول المنهج الذي ينبغي اتباعه في فهم الاسلام وفهم نصوصه وتاريخه بين مدرستين:مدرسة امين الخولي ومدرسة الاسلاميين الحركيين.
شوقي ضيف وكتاب
«النقد الأدبي، أصوله ومناهجه»
عرض شوقي ضيف لهذا الكتاب وكتابين اخرين صدرا معه في العام نفسه.هذان الكتابان كانا، «النقد المنهجي عند العرب»لمحمد مندور و«عالم الفلسفة»لأحمد فؤاد الاهواني.
وبرغم اختلافه مع مندور حول نواح تفصيلية وردت في كتابه إلا انه أثنى على كتابه وثمن ما بذل فيه من جهد.وأثنى على كتاب الأهواني ثناءً عاطراً.
أما كتاب سيد قطب، فقد قلل من أهميته إلى حد كبير وبخس من قيمته.
ومن سيقرأ كلامه ضمن مواد الملف، ويقارنه بإشارتين وردتا عنه في كتاب عبد الله الخباص:«سيد قطب، الاديب الناقد»، سيجد أن الصورة التي قدمها الخباص عن مقال شوقي ضيف غير دقيقة.فالخباص لطف كثيراً مما قاله شوقي ضيف، بل وحاول ان يصرفه إلى غير معناه.وذلك في معرض مناقشته لرأي محمد النويهي الذي سخر فيه من ولع سيد قطب بالحديث عن الأسس النظرية للنقد، ووضع المناهج النقدية، لأنه لا يتقن لغة اجنبية، وكل ثقافته في هذا المجال ـــ كما قال ـــ لا تتعدى قراءة المترجمات.
محمود محمد شاكر وسيد قطب
لا يجد الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم غضاضة في ايراد ما كان بين محمود محمد شاكر وسيد قطب من خصومة حول أدب الرافعي الذي كان الأول يقدره ويعلي من قيمته، وكان الأخير من منطلق تعصبه المغالي للعقاد,يسرف في الحط من شأنه.
لكنهم فيما يخص النقد الذي شنه محمود محمد شاكر في العدد الثالث من مجلة «المسلمون»سنة 1952 على كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، وذلك بمناسبة صدوره في طبعة ثانية، وما تبعه من ذيول معركة دارت في مجلة «الرسالة»، كانوا يتكتمون ويعتمون على هذه الواقعة لأكثر من اعتبار:الأول، أن موضوع النقد هو كتاب العدالة الاجتماعية والذي لملابسات اشرنا إليها في ما سبق، لا يريدون أن يمس الكتاب لا بطريقة دعوية ولا بطريقة علمية.الثاني، ان محتوى النقد كان محتوي دينياً سلفياً، وأي اشاره إليه لن تكون في صالحهم لأن إحياءه من جديد، سيتسبب بتشويش على استقامة رؤية سيد قطب العقدية والتاريخية من المنظور السني بشكل عام والسلفي بشكل خاص ويثير حولها الغبار.والثالث، أن محمود محمد شاكر، العالم والمحقق الكبير في التراث العربي والاسلامي، كان صاحب هذا النقد، فهو اضافة الى هذه المكانة الرفيعة المجمع عليها، له منزلة خاصة عند الإسلاميين بسبب مواقفه الصارمة والحازمة في عدائها لطه حسين ولويس عوض وعصر النهضة العربي، بعلمانييه وبمدرسته الدينية العقلانية وللمستشرقين والحداثة والتغريب.
ومما يجدر ذكره أن من عرفنا بنبأ نقد محمود محمد شاكر لكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»هم السلفيون الجاميون وذلك حين تفاقمت حربهم على الاخوان المسلمين وعلى السروريين في آخر سنتين من عقد الثمانينات فقد وزعوا بعض ما قاله شاكر في كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» على شكل منشور سري يتداول بين الايادي وأذاعوه في كتبهم عن الاخوان المسلمين والسروريين.
ولا يفوتنا هنا، بصدد معركة محمود محمد شاكر مع كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، أن نسجل ملاحظتين:الأولى، ان محمود محمد شاكر، بحسب ما ذكر محمد رجب البيومي لم يسم سيد قطب فيما نشره بمجلة «المسلمون»، وكذلك فعل في رديه على محمد رجب البيومي وفي رسالته التي وجهها إلى علي الطنطاوي، وهو ما ستطالعونه ضمن مواد الملف.
ولا شك ان محمود محمد شاكر اتبع هذا النهج، بنية التعالي على سيد قطب والتقليل من شأنه.ولا شك ان هذا النهج كان مزعجاً له، خاصة أنه كما عرف عنه، كان معتداً بذاته وفخوراً بنفسه.
الثانية:ان سيد قطب رغم أنه كان من هواة المعارك إلا أنه تحاشى الجدل مع محمود محمد شاكر في مجلة «المسلمون»، وفي مجلة «الرسالة»، لكن ، كما ستلاحظون في الأخيرة، اضطر أن يقول رأيه على مضض وباختصار في نقد شاكر له.
ولا نعلم سبباً لذلك، هل هو تحاش لموضوع النقد أم تحاش لصاحبه؟
فمما يذكر ان سيد قطب حين اثار معركة كبيرة حول الرافعي في اخر الثلاثينات الميلادية تحاشى ان يجابه محمود محمد شاكر عندما شارك في المعركة منتصراً للرافعي.
اليسار المصري وسيد قطب
كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام» كما هو معروف بين جمهرة من الباحثين، كان المستهدف فيه مباشرة الماركسية واليسار في مصر.وبرغم هذا لم يعلق عليه بشيء أحد من الماركسيين أو اليساريين المصريين. إلى أن اتى أحمد عباس صالح وقال رأيه فيه في وقت متأخر من تاريخ صدوره وذلك في افتتاحية مجلة «الكاتب» حينما كان رئيس تحريرها وقد أدرجنا ما كتبه ضمن مواد الملف، لأن وجهة نظره تعبر عن وجهة نظر اليسار المصري في الكتاب وفي كاتبه .
(1) للاطلاع على بعض الخفايا في علاقة
بنت الشاطئ وزوجها أمين الخولي بسيد قطب
راجع مقال «سيد قطب بين العقاد والخولي»
المنشور في مجلة «الثقافة» العدد، 53، فبراير 1978
(2) يستثنى من هذا التعجب خليل هنداوي
الذي توفي سنة 1976.
عدالة سيد قطب ونقده الأدبي من منظور نقدي
*نحن اليوم أمام أمشاج من الأفكار التي تدور حول العدالة وحول الاجتماع وحول الإسلام ولكنها لا يمكن أن تدور حول العدالة الاجتماعية في الإسلام.وإذا نحن تطوعنا ـ كيما نفيد من هذه الأفكار ـ بتنظيمها وترتيبها وتقسيمها لم نظفر آخر الأمر ببحث علمي دقيق في صميم العدالة الاجتماعية في الإسلام ولا الظلامة الاجتماعية في غيره من مذاهب وضعية.
ويجدر بي قبل أن أطيف بالقارئ في أرجاء هذا الكتاب أن أنبهه إلى خدعة كبارة، وهالة باطلة نسجها الإمحال في وقت من الأوقات حول شخصية المؤلف فأخذ مكانه بين الرعيل الثاني من المفكرين في مصر الحديثة.
إن أظهر ما تتسم به مؤلفات الأستاذ سيد قطب هو الضحالة والصحافية وصياغة أفكار الآخرين من جديد.
فأما عن ضحالته فتتبين في مدى استنتاجه من المقدمات التي يضعها او يجدها موضوعة من قبل، وسنرى لها الآن أمثلة من الكتاب المنقود.
وأما صحافيته فإنه يتناول كل موضوع على أنه مقالة في صحيفة يومية أو أسبوعية، وينسى أنه إنما يؤلف كتاباً، وأن الدراسة التي يصبها المؤلف في كتاب تختلف تماماً عن المقالات أولاً وقبل كل شيء في أنها دراسة.
وأما صياغة أفكار الآخرين فلعلي لا أثق من شيء ثقتي من هذه الصفة الجلية في كتابات الكاتب. وفي كتاب اليوم أمثلة كثيرة، وسنعرض لبعضها.وإن شئت فارجع إلى كتابه «النقد الأدبي أصوله ومناهجه»وهناك تستطيع أن تدرك تماماً أن الكاتب أعاد افكار أبركرمبي وتشارلتن ولانسون التي سبق أن ترجمت إلى العربية فإذا بحثت عن جديد يختص به المؤلف أعياك البحث دون جدوى.
والكتابان اللذان خدعنا بهما المؤلف وخيل إلينا أن فيهما من الأصالة ما ينفي عن المؤلف تلك الصفة وهما «التصوير الفني في القرآن»و«مشاهد القيامة في القرآن» ـ هذان الكتابان بكل أسف ليس فيهما من أصالة الفكرة شيء فقد تلقف الأستاذ سيد قطب أصل الفكرة من الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد وراح يضخمها حتى ظفر من هذه الضخامة بقدر يملأ كتاباً.
ولسنا هنا بسبيل ان نتتبع المؤلف في سائر مؤلفاته.وحسبنا كتابه الذي يحمل ذلك العنوان الضخم «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ونبدأ ببيان الصفة الأولى كما تتضح في هذا الكتاب.ومن امثلة ذلك أن المؤلف يريد أن يبين كيف أن الإسلام لا يعادي العلم كغيره من الأديان فيستشهد على ذلك بالآية الكريمة «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، ص 17.ولو أنه دقق لوجد أن الآية لا تعطيه هذه النتيجة التي انتهى إليها، ولو دقق لما كان في حاجة إلى أن أنبهه إلى الهدف التربوي الذي تهدف إليه الآية من دعوة العلماء إلى أن يتقوا الله في علمهم.وهذا مثال آخر يتبين لنا فيه كيف يعامل المؤلف المسائل الكبرى في تاريخ الإسلام ببساطة عجيبة حتى إنه ليردها إلى محض الصدفة.إنه يرى وجود الأمويين منذ معاوية صدفة، ويرى عمر بن عبد العزيز صدفة، ولا يكلف نفسه التغلغل في العوامل الاجتماعية والتيارات النفسية التي تعمل بقوة، سواء في المد الإسلامي وجزره لنقرأ له قوله ص 219«لم يكن توقف المد في الروح الإسلامي إذن ضعفا من هذا الروح عن الامتداد، وكذلك لم يكن قصورا عن مجاراة أطوار الحياة ـ وسنرى بعد قليل أن هذا الروح ما زال يعمل في كثير من مناحي الحياة وجوانب المجتمع ـ ولكنه كان ثمرة لمصادفة سيئة في وقت غير مناسب وما كادت المصادفة تسوق إلى الإسلام خليفة فيه بقية من روح الخلافة في شخص عمر بن عبد العزيز، حتى عاد المد الإسلامي إلى الظهور، وعادت الحكومة إسلامية حقيقية».
وأظن أن المؤلف قد جنب نفسه مشقات كثيرة بأن اعتمد على ما أنتجه عنصر المصادفة في تاريخ المد الاسلامي.وهو عند المسائل الكبرى في تاريخ هذا المد يمضي سريعاً إذا ما أحس معطلاً يقف دون فكرته التي يريد بطريق أو بآخر أن يقررها ويثبتها. لنقرأ له هذين السطرين في ص 171«فأما البيعة لعلي فقد ارتضاها قوم وأباها آخرون. فكانت الحرب للمرة الاولى بين المسلمين وأعقبتها الكوارث التي حاقت بروح الاسلام ومبادئه في الحكم والمال وفي غير الحكم والمال»ثم يمضي.ولست أدري لم أنف الكاتب أن يفيد في هذه المواطن من التحليل الرائع الذي نقرؤه والذي قرأه هو ولا شك في كتاب «عبقرية الإمام»للاستاذ العقاد.ولكن لعله يصدم هناك.
ولست أدري هذه الحملة التي توهمنا بأننا تنكبنا الإسلام في حياتنا ورحنا نقتبس من هؤلاء وهؤلاء النظم والقوانين لست أدري هل يصح ـ منطقياً على الأقل ـ أن أفترض فرضاً واهماً وأجهد نفسي في دفعه وأشغل الناس معي في هذا الدفع.ويعجبني منه أن يشير إلى شخصيتنا هذه الاشارة في ص 20«ولكننا ندعو إلى مراجعة الرصيد المذخور ومعرفة أسسه العامة واختبار قدرته على البقاء والصلاحية قبل أن نعمد إلى تقليد مبتسر، مفقود الأسس التاريخية في حياتنا، تضيع فيه شخصيتنا ونصبح معه ذيلاً للقافلة الإنسانية»، تعجبني هذه الإشارة لأن المؤلف لم يذكر من ذلك الواقع التاريخي الذي ملأ به ما يقرب من نصف الكتاب حالة واحدة أو واقعة واحدة من صميم حياة المصريين وواقعهم التاريخي.أترى تمثلت له الشخصية المصرية في واقع الشام التاريخي في القرنين الأول والثاني للهجرة؟ فمن هذا الواقع اقتبس وإليه دائماً كان يشير ولو أنه اهتم بموضوع الشخصية أكثر من هذا، ودرسه دراسة متعمقة مستأنية لرده ذلك إلى اعتبارات هي غاية في الاهمية عندما يكون المد الإسلامي في الشعوب المفتوحة موضوع بحثه.
ولا أظنني في حاجة إلى أن أكرر أن الدين الاسلامي حين اصطدم بشخصيات البلدان المفتوحة تمخض هذا الاصطدام عن صور تختلف في قربها من الصورة الأولى له قلة وكثرة، ولكنها تختلف على كل حال ولماذا نبعد وقد اختلفت هذه الصورة الاولى ولم يمض على الإسلام نصف قرن. لا أكرر هذا الذي سبقت إليه الدراسة وإلا شاركت المؤلف احدى صفاته.
ولدينا الهند الآن، وهي مثال حي، تبلور العقيدة الإسلامية بصورة تبرز فيها شخصية الهند.وكذلك نحن في مصر لنا هذه الشخصية.
وأفضل الآن أن أنتقل إلى الصفة الثانية وهي صفة الصحافية.
والصحافية تتمثل عند المؤلف لا في هذا الكتاب بل في سائر كتبه.فهو لا يقرأ الأصول التي تفيده في موضوعه وإنما يقف عند الكتب الثانوية دائماً.لا يجهد نفسه في المصادر الأولى وإنما يكتفي بما يلتقطه من كتب الدرجة الثانية في نظر الدراسة العلمية.ووقفة قصيرة عند المراجع التي ذيل بها المؤلف الكتاب تؤكد لنا هذه الظاهرة.
ولعلي ذكرت في مستهل حديثي أن الكتاب أمشاج من الأفكار.وأعود الآن لأكرر هذه الملاحظة التي تبرز في المؤلف طابع الصحافية.فهذه الأفكار التي يتلقفها من قراءاته السريعة لتلك الكتب يسردها سرداً لا ضابط له ولا نظام فيه.بعبارة أخرى فأنت لا تحس أن الكتاب كانت له خطة في نفس المؤلف قبل أن يبدأ كتابته.وكلما مضيت في قراءة الكتاب هالك التفكك بين تلك الأفكار.ونلاحظ أن المؤلف يريد أن يثبت فكرة من الأفكار قبل أن يبحث هذه الفكرة.وهذا خطأ منهجي، لأن اثبات الأفكار القبلية Apriori يورط الباحث دائماً في التغافل عن الجوانب المضادة، وتخطي المزالق التي تعترض الطريق.
والمؤلف حين يتورط في هذه المزالق نراه يصطنع بالضرورة تلك الأساليب الخطابية والعبارات الطنانة، وقد يتجاوز ذلك إلى الاتهام والتحامل.نقرأ له في ص 20:«إن المجتمع الإسلامي لم يضعف ولم يتخلف عن ركب البشرية وهو يستمسك بالإسلام، إنما ضعف وتخلف بعد أن تخلى عن هذا الإسلام.وتقرير هذه الحقيقة يفيدنا في تزييف التهم الباطلة التي يلقيها الغربيون على هذا الدين ويستشهدون عليها بواقع المسلمين، والتي يتلقفها بعض المخدوعين هنا وبعض المأجورين فيلوكونها وقد يسودون بها مئات الصفحات مدعين حرية الفكر ودقة البحث، وهي باطل..إلخ».ولست أدري هل هذا الأسلوب هو الذي يمثل حرية البحث!وهل يلزم أن أتورط في العيب الذي آخذه على الناس!
وفي ص 20 يقول:«ولكنه الجهل بحقيقة هذا الدين والكسل العقلي والنفسي عن مراجعة الرصيد القديم، والتقليد المضحك للاتجاه الأوروبي في فصل الدين عن الحياة.. إلخ».
هذه نماذج من أسلوب المؤلف في خطابياته وحملاته.وهي إن صلحت فإنها تصلح في مقال بالصحف ولا تصلح في كتاب يستهدف البحث العلمي السليم.
ولعل من صور اضطراب البحث في يد الكاتب أن تجده يقف بك أمام المشكلة في جوهرها ثم إذا به يحيلك على ما سيأتي.حتى إذا مضيت قليلاً فقد نسيت المشكلة ونسيت ما كان مفروضاً أن سيأتي، لأنك تدخل في شيء آخر جديد.
يقف في ص 19 ليضع هذه المشكلة الجوهرية، هل لا يزال في الإسلام عناصر صالحة للتطبيق في العصر الحديث؟ ثم يقول:«هذا سؤال في الصميم ولذلك لن يكون من المستطاع الإجابة الوافية عنه في هذا الموضوع فسنجيب عنه تفصيلاً وتطبيقاً فيما بعد».حتى إذا بلغت ص 216 وجدت إجابة باهتة.
ونكتفي بهذا لنقف وقفة أخيرة عند الصفة الثالثة التي تتضح من هذا الكتاب وهي فقدان الأصالة عند الكاتب فيما يسوق من أفكار.
وأنا لا تروعني المراجع التي بلغت أربعة وثلاثين والتي ذيل بها المؤلف الكتاب فقد قرأت الكتاب ذهاباً وجيئة وعرضت تماماً مدى إفادته من هذه المراجع ورغم أنها جميعاً (فيما عدا كتب الدين)تعد مراجع ثانوية فإن المؤلف قد أخفى افادته من بعضها بحيث لم يشر إليها غير مرة في أثناء البحث، وأعني بذلك كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد» لمولاي محمد علي.
وأود أن أضع أمام القارئ أمثلة لكيفية إفادة المؤلف من هذه المراجع، فإنه ينقل عنها نقولاً تطول إلى حد أن تكون وحدها الأساس في البناء.
من أمثلة ذلك نقوله عن الأستاذ عبد الحليم الجندي في كتابه (أبو حنيفة، بطل التسامح والحرية في الإسلام)، فقد نقل عنه صفحات كاملة هي التي تمثلت عنده في صفحات 155 و156 ثم 158 و159.
وينقل عن الأستاذ أحمد زكي صفوت من ص 191 إلى ص 194.وينقل أيضاً من ص 223 إلى ص 226 عن كتاب «الإسلام على مفترق الطرق»ترجمة عمر فروخ.ثم ينقل عنه أيضاً من ص 232 إلى ص 234، وهكذا.
هذه الصفحات بكاملها تكون وحدها جزءاً كبيراً من بناء الكتاب، يظهر قرب نهايته، عندما كان الأسلوب الخطابي قد شغل القدر الوفير من الكتاب في أجزائه الأولى هذه الصفحات تزيد وضوحاً في نفس القارئ إذا هو حاول أن يتبينها في كتابات المؤلف عامة، وفي هذا الكتاب خاصة.ولعلنا في حل من أن نعيد النظر في قيمة رصيدنا لا القديم ولكن ذلك الرصيد الذي خدعنا وما زلنا نخدع فيه، رصيد المحدثين .
نشر المقال في مجلة الثقافة، العدد الثامن، شهر سبتمبر سنة 1952
*وهذا كتاب آخر هو كتاب «النقد الأدبي:أصوله ومناهجه»لسيد قطب حاول به ـ في رأيه ـ ان يصف اصول النقد الادبي ومناهجه.وقد استمد هذا الوصف في الاعم الاغلب من كتابات نقادنا المحدثين وما ترجم من اللغات الاجنبية مثل كتاب قواعد النقد تأليف لاسيل ابر كرومبي، وترجمة الدكتور محمد عوض، وكتاب منهج البحث في الادب واللغة، تأليف لانسون وماييه، وترجمة الدكتور محمد مندور، وكتاب فنون الادب، تأليف هـ.ب.تشارلتن، وترجمة الدكتور زكي نجيب محمود.وكل من قرأ هذه الكتب الثلاثة المترجمة يعرف مدى ما يشيع فيها من حديث عن قيمة اللفظة في الادب وما تشعه في العبارة وما تكسبها من ظلال واصداء.وقد استعان المؤلف بهذا كله في تأليف كتابه، فحدثنا حديثا طويلا عن القيم الشعورية والتعبيرية في الادب، وعرج على ما يقال هنا وهناك من مناهج نفسية في درس الادب او مناهج جمالية، وتأثر ابلغ التأثر بما كتب في مجلة علم النفس.
والكتاب بسبب ذلك كله يعتبر تأثرا مباشرا لكل هذه الكتابات وما جاء في اثنائها من الفاظ وحديث عن القيم في الادب.ولسنا ننكر التأثر من حيث هو، ولكن يظهر ان الفاظا من الفاظ هذه الكتب سيطرت على المؤلف اكثر مما ينبغي، حتى اصبح الكتاب ميدانا لالفاظ الظلال والاصداء ورصيد الشعور والتجربة الشعورية والصور اللفظية والتصوير المعبر الموحي والطابع الشخصي والعوالم الشعورية الحية والايقاع القوي المنسق والطاقة الشعورية المتضخمة والافكار المجردة والتجارب الذهنية والسبحات والسرحات واللحظات الملاء الوضاء والمواقف الصغيرة واللحظات الجزئية والآباد الخالدة والرمز والايحاء والجو المجرد من الظلال والشيات والدلالة المعنوية والتصويرية والايقاعية وارواح الالفاظ والطبيعة الفنية والوجدان المنفعل بالاضواء والاصداء والمساحة النفسية (*).
وفي اثناء ذلك نجد من حين الى حين توهينا للشعر العربي وشعرائه، فأبو العلاء والمتنبي وابن الرومي عوالمهم الفنية صغيرة لا تبلغ عوالم طاغور وتوماس هاردي وامثالهما، فناقدنا المجدد لا يعجبه شعرنا ولا شعراؤنا.انه يقول في مقدمة كتابه، انه سيرتد الى المقياس الفني الخالص في الحكم على الشعراء، ولو انه صنع لاعتد بالتعبير الفني في لغتنا، كما اعتد به فيما قرأه مترجما عن طاغور وتوماس هاردي.
اما شوقي فكان سيئ الحظ، لأنه قال في قصر انس الوجود وآثاره الغارقة عند الشلال:
قف بتلك القصور في اليم غرقى
ممسكا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى اخفين في الماء بضا
سابحات به وابدين بضا
فلا تناسق بين البيتين في رأي المؤلف، لأن في البيت الثاني ظلا لا يتسق مع الظل الاول.هي صورة لفظية لا رصيد لها من الشعور، وايضا فقد كان ابو تمام سيئ الحظ، لأنه قال في الرثاء والعزاء في عظيم:
ان ريب الزمان يحسن ان يهدي
الرزايا الى ذوي الاحساب
فلهذا يجف بعد اخضرار
قبل روض الوهاد روض الروابي
ويكرر المؤلف فكرة الظلال بشكل آخر فيقول: هنا الفاظ عارية من الظلال والايقاع مجردة من الرمز والايحاء.
وانت لا تجد عند المؤلف بعد ذلك إلا حديثا عن العقاد وطه حسين واحمد امين وطرقهم في درس الادب العربي، ثم كلاما عن القصة والتراجم وبيان طريقة شفيق غربال في كتابه «محمد علي» المشهور.
هذا والكتاب لم يصور مناهج النقد المختلفة، كما يفهمها الاوروبيون، فقد رأى ان لا يعجب ببعضها كالمنهج الجمالي، وايضا فإنه صورها في كتابات نقادنا ولم يصورها مستقلة.
ولقد قال المؤلف في مقدمة الكتاب ان المناهج التي سيتحدث عنها هي المنهج الفني والمنهج التاريخي والمنهج النفسي والمنهج التكاملي، وقال ان المنهج الاخير، هو المنهج الذي يختاره، وكنا نطمع ان يفيض المؤلف في هذا المنهج المختار، لكنه تحدث عنه حديثا قصيرا .
نشر المقال في مجلة «الكتاب» يناير 1949
(*)يرى علي شلش أن شوقي ضيف «بالغ في هذا السرد لأن بعضه لاعلاقة له بمجلة علم النفس، مثل «أرواح الالفاظ» وهو مصطلح مشتق من نظير له عند جي. دي.موباسان، أورده الزيات في كتابه «دفاع عن البلاغة» أنظر التمرد على الأدب، دراسة في تجربة سيد قطب، ص 94
*عقب بدء الخطة الخمسية الثانية واعلان بداية التصنيع الثقيل، لوحظ ان خطة استعمارية شاملة دخلت في مرحلة التنفيذ، ترمي الى هدف سياسي هو عزل الجمهورية العربية عن الوطن العربي.وصاحب هذه الفترة اكتشاف الوثائق البريطانية التي خططت للسيطرة على العالم العربي، كما بدأت المؤامرات تنشط في كل مكان تقريبا، واستغلت قضية اليمن لاستنزاف الموارد المصرية.
وكانت الخطة تهدف اساسا الى منع التقدم الصناعي في الجمهورية العربية المتحدة بالضغط عليها سياسيا واقتصاديا في كل المجالات الممكنة.
وكانت معركة القمح من المعارك المهمة التي قصد بها ارغام الجمهورية العربية المتحدة على تحويل جزء كبير من ارصدتها من العملة الصعبة لاستيراد القمح، وبالتالي الى شل حركة التصنيع في الخطة الخمسية الثانية.
ولم يبق من الخطة الاستعمارية إلا ضرب الثورة العربية في مصر من الداخل، بنفس التوقيت الذي بدأت فيه الخطة الاستعمارية الشاملة.
وقد استطاعت القيادة الثورية في مصر، ان تواجه كل الضربات، وان تفسد آثارها، بل وان تكسب مواقع جديدة، وانتهت المعركة باتفاق جدة الاخير الذي افسد جزءا مهما من الخطة الاستعمارية، ثم برحلتي الصداقة والسلام الى الاتحاد السوفيتي ويوجوسلافيا.
وتكفل الحلف المركزي ـ حلف بغداد ـ بالتدبير لمؤامرة انقلابية داخل الجمهورية العربية المتحدة عن طريق الاغتيال والارهاب ونشر الفوضى، وكانت وسيلة الحلف الاستعماري الى تحقيق غايته هي الاستعانة بعناصر الاخوان المسلمين داخل الجمهورية وخارجها لتدبير الانقلاب.
وبدأت الاموال والاسلحة والمفرقعات تتدفق على التنظيم الاخير، كما ظهر ان عناصر من الرجعية العربية كانت تسهل عمل التنظيم ليصل الى غايته.
ولم يكن صدفة ان نرى في قيادة التنظيم الارهابي رجلا مثل سيد قطب لفت انظار الاستعمار منذ وقت مبكر بكتاباته المناوئة للاشتراكية بدعوى ان الاسلام والاشتراكية متناقضان، فدعي الى الولايات المتحدة الامريكية وامضى اكثر من عام، عاد بعدها لينشر كتابا مليئا بالمغالطات ضد العدل الاجتماعي وضد الفكرة الاشتراكية تحت ستار الدعوة الاسلامية، وكأن الاسلام ضد العدل الاجتماعي وضد الحرية، ومع الاستعمار الامريكي والحلف المركزي!.
لم يكن صدفة اذن ان يعيد الاستعمار والرجعية العربية اتصالهما بالرجال الذين اعدوهم فكريا لتقبل كل المفاهيم الرجعية والاستعمارية، وان يبدأ العمل على تنظيم صفوفهم لضربة سريعة ضمن مخطط شامل ان لم تقض على الجمهورية العربية، فإنها تشل حركتها، وتعطل ظهور القاعدة الصناعية الرئيسية التي ستنشأ في الوطن العربي.
فمعنى بداية التصنيع الثقيل في الجمهورية العربية المتحدة تحت قيادة ثورية صلبة هو احكام قبضة الامة العربية على مصيرها والافلات تماما من الربقة الاستعمارية مهما تكن صورها.
وفي الوقت الذي بدأ تنظيم الاخوان المسلمين يعمل، ظهرت الشائعات، والهجوم على القطاع العام:والمضاربة على السلع واختفائها من الاسواق، وليس هذا كله إلا الجو الذي تخلقه الرجعية لتنفث فيه ارهابها.
إلا ان المخطط الاستعماري الشامل اخفق كله.اخفق خارج الجمهورية وداخلها، وانكشف تنظيم الاخوان ومن ورائه قوى استعمارية اجنبية، وقوى رجعية عربية، ومضى تيار التقدم في طريقه مستفيدا من تلك المعارك قوة فوق قوته.
والثورة الاشتراكية لا تعتقد ان الاستعمار والصهيونية والرجعية ستقف مكتوفة الايدي امام التحول الاشتراكي الخطير الذي يحدث في الجمهورية العربية، وهي لا تفاجأ ان يستغل الاستعمار الدين وان يلجأ الى كل الوسائل لضرب الثورة او النيل منها.لذلك فالمعركة لها اكثر من وجه وتقع في اكثر من مجال، لكن هدف الاستعمار والرجعية واحد مهما تعددت اليه الطرق.هو القضاء على العدل الاجتماعي، ومجتمع الرفاهية وتكافؤ الفرص.
والثورة العربية بحكم الظروف التاريخية ليست ثورة محدودة بالتغيير الاجتماعي، بل هي وثبة امة ذات مواهب وطاقات طال كبتها، وامتحنت الصراعات والخلافات حتى وقعت تحت السيطرة الاستعمارية ومنعت بالقهر والتمزيق عن الاسهام في بناء عالم انساني يقوم على السلام والحرية والعدل.وانفجار الثورة في مصر واندفاعاتها المنتصرة الموفقة ليس في الواقع إلا تعبيرا عن تحرك هذا الكيان العربي الضخم ليشترك بفكر جديد وقوة جديدة في حل مشاكل المجتمع البشري بأسره.والنجاحات التي تحققها الثورة العربية في مصر لها دلالاتها، فرغم القوى الاستعمارية وقوى التخلف بشكل عام، ورغم نشاط هذه القوى وسعيها المتصل لوأد هذه الثورة، ورغم كل الخبرات الاستعمارية في تمزيق رباط الامة الواحدة..رغم هذا كله، فإن الثورة العربية تنتصر..ذلك لأن وثبة الامة العربية تطور حتمي تفرضه قوانين التطور ولا تملك القوى المناوئة إلا ان تحاول تحديده وتضييق آثاره في احسن الفروض بالنسبة لها.
ومن الطبيعي ان تخطئ العناصر الرجعية الرؤية الصحيحة، وذلك لأنها تفتقر الى النظرة العلمية والمنهج العلمي..فنجاح ثورة ما لا يتأتى بمجرد حيازتها لقوة ضاربة معينة مهما تكن هذه القوة، ولا لاستيلائها على السلطة، بل لتوافق مضمونها الثوري مع مرحلة التطور التي يجتازها المجتمع ولتعبيرها بشكل مباشر عن اماني الجماهير العريضة ورغباتها.
واسقاط الثورة الشعبية عمل مستحيل، لأنه يتساوى مع ابطال قانون طبيعي.فالمؤامرات التي حيكت للثورة العربية في مصر سقطت واحدة اثر الاخرى، رغم الاعداد الطويل والخبرة الاستعمارية والاموال المتدفقة.
وقد انطلقت الثورة العربية بكل قواها الكامنة، ولا تستطيع القوى الرجعية ان تحد من انطلاقها، الا اذا استطاعت ان تقضي على جماهير الامة العربية كلها:لأن الثورة هي الجماهير، ولأن الجماهير قد امسكت بعد نضال مرير بمقدراتها وآمالها واحلامها، ولا يمكن لاي قوة ان تنتزع منها ثمرة هذا النضال.
وكل المحاولات التي يبذلها الاستعمار والصهيونية والرجعية ليس إلا نتيجة واحدة، هي انكشاف جيوب جديدة تصفيها الثورة الشعبية.
فالثورة في اندفاعها البناء تتجاوز عن كثير من هذه العناصر وتتسامح معها مؤملة ان التغيير الثوري سيهز الضمائر ويوقظها، وكأنها تعطي بذلك كل الفرص الانسانية لمن بقي فيه ذرة من حب للعدل والحرية.الا ان الرجعية يستفزها ان ينتصر العدل، وان تتحقق الكرامة لجموع المحرومين والمضطهدين، وان تنهض دولة الاشتراكية، وهكذا يفلت الزمام وينكشف التآمر، وتصفي الثورة اعداءها .
نشرت هذه الافتتاحية في مجلة «الكاتب» سبتمبر 1965
«خناقة» على عدالة سيد قطب في «الرسالة»
* للأستاذ محمود محمد شاكر منزلة كبيرة لدي، فأنا أعهده كاتبا قوي الأسلوب، رصين العبارة، وأعرفه أبيا مخلصا يتدفق غيرة على الاسلام، وتعصبا لأفذاذه الأبطال، لذلك أقبل على قراءة ما يدبجه يراعه المؤمن في شوق واهتمام.وقد طالعت أخيرا ما كتبه بمجلة (المسلمون ـ العدد الثالث ص 38 جمادى الأولى سنة 1371)تحت عنوان لا تسبوا أصحابي، فوجدت المجال واسعا للخلاف بيني وبينه، ولم أشأ ان اطوي ما دار بخلدي عن القراء، فرأيت ان اناقش الكاتب الكبير فيما سطره راجيا ان يحق الله الحق بكلمته، فالحق وحده هدف الكرام الكاتبين، وفي طليعتهم الاستاذ الجليل.
ولعل من الأوفق ان أبدأ بتلخيص الفكرة التي يدور حولها مقال الاستاذ شاكر، فأعلن أن الكاتب الفاضل ينحى باللائمة على المجاهد الداعية الاستاذ سيد قطب ـ وان لم يصرح باسمه ـ اذ تعرض في كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام» الى اناس عدهم الاستاذ شاكر من أفاضل الصحابة، وقد خصهم صاحب الكتاب بما لا يليق في مذهب الاستاذ شاكر من النقد والتجريح، وهو بذلك يخالف ما اجتمع عليه الرأي السائد من تقديس أصحاب الرسول «إذ لا سبيل لأحد من أهل الأرض ماضيهم وحاضرهم أن يلحق أقل أصحاب محمد، مهما عهد في عبادته ومهما تورع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سره وعلانيته، كما قال الاستاذ الجليل.
وقد بدأ الاستاذ شاكر مقاله بحديث الرسول «لا تسبوا اصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو ان احدكم انفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»واندفع في سياق منبري في سرد الأدلة الخطابية، ويستثير النوازع العاطفية، ويستشهد قول الرسول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» كما ذكر حديثاً يدور حول هذا المعنى، محاولاً ان يؤيد بذلك كله دعواه الخطيرة الى تقديس أناس بعدوا عن الحق فيما سجله عليهم التاريخ من أعمال.ومما نحمد الله عليه أن الحق ـ في هذه الناحية ـ واضح ابلج لا يحتاج الى برهان.
وقبل ان نعرض ما ذكره الاستاذ قطب في شأن معاوية واصحابه، نذكر ان الاستاذ شاكر قد اثار هذه العاصفة وحجته الوحيدة، ان كل صحابي رأى الرسول وسمع عنه قد اكتسب مكانة تحرم على كل انسان ان ينقد اخطاءه أو يظهر أغلاطه، «فإذا اخطأ احدهم فليس يحل لهم ولا لأحد ممن بعدهم ان يجعل الخطأ ذريعة الى الطعن عليهم»... كما ذكر الكاتب وحسما للنزاع من أقرب طرقه، نبدأ بتحديد معنى الصحابي، وهو ـ في أبسط حدوده ـ يطلق على كل انسان حصلت له رؤية الرسول أو مجالسته، فجميع من سعدوا بمشاهدته صلى الله عليه وسلم في حياته بعد الاسلام صحابة يشرفون بهذه الصفة المباركة، حتى عبد الله بن أبي رأس النفاق بالمدينة، فقد قال الرسول لمن هم بقتله: «معاذ الله ان يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، فعبد الله من اصحاب محمد كما ينطق الحديث، فليت شعري أينطبق الحديث القائل لا تسبوا اصحابي على جميع من سعد بالصحبة، أم يخص من باعوا أرواحهم وأموالهم لله من المؤمنين الصادقين؟ لا بد ان تكون الطائفة الأخيرة هي المقصودة دون أدنى تردد أو نزاع، فكل من تمسك بأخلاق الاسلام من اصحاب الرسول وشهد تاريخه بمروءته وصدقه فهو موضع التجلة والتبجيل، ولا يجوز لمسلم يدين بالاسلام أن ينتقصه في شيء، وكل من حامت الشبهات فوق تاريخه فهو موضع الملامة والنقد لأن الناس سواسية أمام الاسلام، ولا فضل لعربي على أعجمي بغير تقواه، والاسلام لا يقدس غير البررة المخلصين.
ومعلوم ان الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا من الدين والجهاد بمنزلة واحدة، ففيهم من اسلم في فجر الدعوة منذ أعلنها الرسول وقطع السنوات المتتابعة في الجهاد والجلاد، وفيهم من أسلم قبيل الفتح أو بعده والسيف مصلت على رأسه، وفيهم من بذل الكثير من الدم والمال وادخر القليل، وفيهم من تقاعس ولم يبذل شيئاً من دمه وماله، ومن الظلم البين ان نرتفع بهؤلاء جميعاً الى منزلة واحدة، بل على التاريخ أن يهيئ لكل انسان منزلته وفق ما أسلف من أعمال «لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وانفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلاًّ وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما» 95 النساء.
واذا كان الاستاذ شاكر يرى أنه لا يجوز لأحد من الناس أو من الصحابة أن يجعل الخطأ ذريعة الى الطعن في المخطئين، فماذا يفعل في الصحابة اذ أحلوا لأنفسهم ما حرمه عليهم الآن، فخطأ بعضهم بعضاً، وطعن فريق منهم على فريق آخر يناوئه، أفيكونون بذلك قد خالفوا الحديث النبوي كما فهمه الاستاذ شاكر..أم عرفوا ان الصحبة وحدها لا تعصم من النقد والملام؟
لقد اتضح بجلاء ان الحديث الذي عنون به الاستاذ مقاله لا يندرج على جميع من سعد بالصحبة، بل يختص الطائفة المناضلة التي لم تترك أخلاق القرآن في موقف، أو تنبذ روح النبوة في صنيع، وجميع من سار على النهج القويم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود موضع القدوة والاحتذاء من المسلمين، وحرام على كل مؤمن ان يحوم على احد منهم بطعن أو تجريح، أما الذين تأخر بهم الركب عن اللحاق بالاسلام في مشرق شمسه، فيجب ان ننظر الى صحف اعمالهم ومواقفهم في الحياة ثم نحكم عليها في ضوء القرآن والنبوة، وهذا ما فعله الاستاذ سيد قطب، فقد نظر الى أعمال معاوية وطائفة من بني أمية نظرة اسلامية صادقة، فوجد خليفة المسلمين قد بعد عن روح الاسلام في اكثر اعماله، وساعده في هذا السبيل فريق باع آخرته بدنياه، فرأى ان يقول كلمة الحق في أناس تجاوزوا حدود الله في أعمالهم، والاستاذ قطب لم يرد بكتابه ان يكون مؤرخاً راوياً، فالرسالة التي يضطلع بها الآن اعظم من ان تنحصر في حدود التاريخ، ولكنه ينادي بالرجوع الى احكام القرآن، وهدي النبوة، وتعاليم الاسلام، وقد عرف ان الخلافة الاسلامية قد فقدت معناها الديني بعد مصرع علي، وجاء من الخلفاء من أحالها الى ملك عضوض، تبعد عنه روح الاسلام في أكثر نواحيه، وقد ظن كثير من الناس أن هؤلاء الخلفاء الرسميين من لدن معاوية يمثلون الخلافة الدينية التي تتقيد بالقرآن وتهتدي بالسماء، ورأوا من جرائرهم الخلقية، وترفهم المقيت، ولهوهم الماجن ما يبغضهم في الخلافة والاسلام، فقام الاستاذ سيد قطب يدافع عن دينه، ويبين ان الاسلام لا يعترف بخلافة بعد علي، وقد نطق بالحق المؤيد بالتاريخ حين اعلن ان معاوية اول خليفة تحلل من قيود الاسلام، افنقول له بعد ذلك لقد تهجمت على اصحاب الرسول وخالفت هدي النبوة، أم يريد الاستاذ شاكر ان يفهم الناس ان معاوية وأشياعه يمثلون الاسلام بما ارتكبوه من رشوة وخداع وممالأة؟ لو ان الامر كذلك لبعد الناس عن الاسلام، ولبرئ المسلمون من دين يبيح لخلفائه الخديعة والمكر والارهاب واقامة القصور واحتكار الأموال والضياع؟
ولقد كان الاحرى بالاستاذ شاكر ان ينقد ما ذكره الاستاذ قطب عن معاوية نقداً تاريخيا فيبين ان الوقائع التي ذكرها في كتابه الخالد غير صحيحة، ولكنه لا يستطيع ان يفعل شيئاً من ذلك، اذ ان الاستاذ قطب قد نقل وقائعه عن كتب التاريخ ولم يخترعها من عنده اختراعاً، وهي ـ رغم ثورة الاستاذ شاكر ـ معروفة لدى الكبير والصغير.
فمن ذا الذي ينكر ان معاوية حين سير الخلافة ملكا عضوضاً في بني أمية لم يكن ذلك من وحي الاسلام، انما كان من وحي الجاهلية.
ومن الذي ينكر أن أمية بصفة عامة لم يعمر الإيمان قلوبها وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات!!وهذا باستثناء عمر بن عبد العزيز الذي احاطه الاستاذ قطب في كتابه بسياج من المحبة والاجلال، وجعل عهده بقية من عهود الخلافة الراشدة، واشعاعة مضيئة تنير الطريق، وقد بسط الكلام، عن هذا الخليفة العظيم في أربع صفحات طوال!!
ومن الذي ينكر ان يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعاً الى ذلك بدافع لا يعرفه الاسلام؟
ومن الذي ينكر ان معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع علي وفي سيرته في الحكم بعد ذلك اقصاء كاملاً لأول مرة في تاريخ الاسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة.فجعله للرشوة واللهو وشراء الضمائر في البيعة ليزيد بجانب مطالب الدولة والفتوح بطبيعة الحال.
هذه وأمثالها أمور مسلمة في التاريخ لا يستطيع الاستاذ شاكر ان ينكرها بحال.ونحن نعجب كثيراً حين نجده في مقاله يلبس مسوح الوعظ والارشاد فيقول:«يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم.يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا».«ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا».أفبهذه الآيات وأمثالها يستطيع الاستاذ شاكر ان يسكت لسان التاريخ؟
كنا ننتظر من الاستاذ ان ينقد هذه الحوادث التاريخية نقداً موضوعيا يحدد على ضوئه موقف معاوية من تعاليم الإسلام! ولكن الاستاذ لا يستطيع ان يأتي لمعاوية بتاريخ جديد فذهب يدافع عنه من باب آخر، فنقل عدة روايات تدل على أنه حسن الصلاة!!وأنه أوتر بواحدة!فقال ابن عباس إنه فقيه!!وأن الرسول قد قال:اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب!!وسار في هذا المضمار خطوات اتعبته كثيراً.والعجيب انه يجعل ما ذكره الاستاذ قطب عن تاريخ معاوية روايات متلقفة من أطراف الكتب!وهي ما تنطق به جميع كتب التاريخ، أما ما ذكره الآن من فضائل معاوية فليس من قبيل الروايات المصنوعة، وإن اصطيد من مجمع الزوائد وأمثاله من مراجع الاستاذ، أفهذا منطق يقنع الباحثين!
وقد تعجبت كثيرا وأنا أرقأ قول الاستاذ شاكر عن قطب «إن كان يعلم أنه أحسن نظرا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولى يزيد بن أبي سفيان وهو من بني أمية، وأنه أنفذ بصرا من عمر حين ولى معاوية فهو ما علم!»كأن تولية عمر لمعاوية كافية لأن تمحو أخطاءه فلا يأخذه مؤرخ بملام!ونحن نقر أن معاوية كان حسن السيرة على عهد عمر فولاه أعمال دمشق، ولكنه قلب المجن للتعاليم الاسلامية بعد مصرع عثمان فلم تنفعه تزكية الفاروق في شيء، وعمر رضي الله عنه لا يعلم الغيب حتى تكون تزكيته لإنسان ما في عهده ممتدة الى جميع أعماله مدى الحياة!.
هذا هو معاوية، أما أبو سفيان وهند زوجته وعمرو بن العاص فلا أعلم أن الاستاذ قطب قد تجاوز الحق فيما كتب عنهم من تاريخ!!فجميع المسلمين يعرفون ان أبا سفيان حارب الاسلام حربا لا هوادة فيها، ولم يدخل في حظيرته إلا بعد أن تقررت غلبة الإسلام!وأن زوجته هند قد ولغت في الدم حين أخذت كبد حمزة بين فكيها، ولاكتها لتأكلها فلم تستطع، وأنها قالت عن زوجها حين أسلم:اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم ودافعتم عن أموالكم، ثم أسلمت بعد ذلك ايضاً!!وان ابن العاص قد عاون معاوية في خصامه مع علي جرياً وراء مآرب يدخرها لنفسه دون نظر الى صالح الاسلام والمسلمين!!هذا كله ما ذكرته كتب التاريخ، أفيلام الاستاذ قطب اذا ذكره في معرض الدفاع عن الاسلام وتبرئته من آثام المذنبين، أم يريد الاستاذ شاكر أن يؤخذ الاسلام بجرم أبنائه ومدعيه، حين يحتضن اناساً لم يتمسكوا بأهدابه وقواعده، ما يكون لنا أن نتكلم بهذا في ذلك الشأن.
ولقد تعمدت ان أكون واضحاً صريحاً حين تكلمت عن المراد «بالصحابي»فتحدثت عما يفهم من مادة الكلمة دون نظر الى ما دار حولها من اختلاف لدى الأصوليين، اذ هم يذكرون عدة تعاريف تتقارب وتتباعد دون ان نلتقي في ناحية واحدة، ولو تمسك كل انسان بتعريف معين لتضارب القول، واتسعت شقة الخلاف!على ان الصحبة بمدلولها اللغوي تدل على الملازمة، فصاحبك هو الذي يطيل المكث معك أكثر من سواه، وصحابة الرسول بالمعنى الشرعي واللغوي معاً هم أكثر الناس ملازمة له، وليس منهم معاوية وأبوه وأمه ونجله على أي حال، ولن اطيل هنا القول فيما ذكره المحدثون في قول الرسول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»ـ وقد سبق في صدر هذا المقال ـ اذ أن مفسري الحديث قد اجمعوا على ان العبرة بالمجموع لا بالجميع، فقد يوجد في القرن العشرين من هم أفضل بكثير من بعض من عاصروا الرسول العظيم وإذن فليس للأستاذ شاكر ان يتمسك ـ بهذا وأمثاله ـ كدليل يستند اليه في دعواه، وهو من البداهة بمكان لا يحتمل الترديد والاسهاب.
إن من القسوة العنيفة ان يقول قائل عن الاستاذ سيد قطب انه قد بعد في كتابه عن منهج الاسلام، وهو الداعية البصير الذي تشرب روح الاسلام، وفهم دقائق التشريع، ورسم خطوطاً واضحة يترسمها الشباب المتوثب للنهوض والعزة في ظلال الدين الحنيف، وكان بجهاده الميمون رائد جيل، ومنقد نفوس، وداعية اصلاح.
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولاً .
(((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((( ((يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــع)))))))) )))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))) ))