المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب : أوراق أسقطها الإخوان المسلمون من تاريخ سيد قطب (ملف صحفي)


البحر المحيط
12-05-05, 09:49 PM
علي العميم

قضية في الثقافة

أوراق أسقطها الإخوان المسلمون من تاريخ سيد قطب

07/05/2005

*دأب الاخوان المسلمون ومن شايعهم من الباحثين في كتبهم التي أرخت لحياة سيد قطب وفي دراساتهم الجامعية الأكاديمية على تجاهل آراء نقدية بعينها، كالتي كتبها بعض معاصريه أمثال محمود محمد شاكر وبنت الشاطئ (1)وخليل هنداوي وشوقي ضيف وعز الدين اسماعيل عن بعض كتبه، ككتاب «التصوير الفني في القرآن»وكتاب «كتب وشخصيات» وكتاب «النقد الأدبي، أصوله ومناهجه» وكتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام».
وكان هذا التجاهل لآراء هؤلاء يتم بغرض طرحها واخفائها إلى الأبد، إذ انهم كانوا حرصاء على طمر واخفاء كل ما يعتقدون انه يمكن ان يمس من مكانة سيد قطب الأدبية والنقدية، أو ينال ـــ سواء أكان ذلك بطريقة دينية سلفية أم بطريقة علمية منهجية ـــ من مقامه في التنظير الاسلامي المعاصر.
ومثلما أرادوا لها أن تكون، فقد ظلت تلك الآراء مطمورة ومخفية لفترة من الزمن، رغم أن أصحابها كانوا أحياء يرزقون(2)، وكانوا يكتبون ويؤلفون ويلقون المحاضرات ورغم أنه يوجد من الأكاديميين والأدباء من كان يعلم بخبرها.ولعلنا حينما نضع القضية في سياقها الأيديولوجي وفي ظرفها الزمني وغير ذلك من الملابسات الأخرى التي في ظلها وعبرها وضمنها ومن خلالها تم التأريخ لسيد قطب، نتفهم ونستوعب حدوث أمر كهذا.
فتاريخ سيد قطب كتبه في البداية صحافيون وكتاب من جماعة الاخوان المسلمين، وشارك معهم في كتابته اسلاميون حركيون وآخرون من محبيه ومن مريديه ومن المفتونين بشخصه وبكتاباته الاسلامية كما ان الأطروحات الجامعية الأكاديمية التي أعدت بأكثر من لغة,كان السباق إليها من هذا الفريق، وفريق آخر يمكن وصفه بأنه من المتعاطفين مع أفكار جماعة الإخوان المسلمين ومع أفكار سيد قطب.
ولهذا السبب، وللسبب الذي قبله، أتيح لهم أن يديروا تاريخ سيد قطب كما يشاؤون.ويصرفون غيرهم عن الجهة التي يريدون أن تبقى معتمه ومحجوبة عن الأنظار.
ولا ننسى أن تاريخ سيد قطب في جانبه الاعلامي والدعائي وفي جانبه العلمي والأكاديمي، كتب في عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات الميلادية، وهذه السنوات كما نذكر، كان من أبرز ملامحها السياسية والأيديولوجية، تحالف عدد من الأنظمة السياسية العربية في مشرق العالم العربي وفي مغربه مع جماعة الإخوان المسلمين، لأسباب مختلفة وبدرجات متفاوتة.
ولا يقل عن هذا السبب أهمية، تعاظم نفوذ الاخوان المسلمين السياسي والاعلامي وتنامي وعي ديني عام وعارم كان يرى في الاخوان المسلمين ويرى في سيد قطب مثاله الديني في أنقى صورة وأبهى وجه.
كما لا يجب أن نغفل ناحية انسانية ضاغطة هي فوق هذه الأسباب وتقع قبلها، وهي النهاية المأسوية المؤسفة التي انتهت بها حياته، فالرجل قضى نحبه اعداماً وقبل ذلك سجن لسنوات عدة، أمضى شطراً منها في مصحة السجن يتداوى من علل كثيرة كانت تنهش في صحته وتقضم من عمره.
وهناك أسباب أخرى، يمكن اعتبارها عوامل مساعدة، هي:
ـــ ان تلك الآراء كانت منثورة في مجلات ثقافية وفي صحف يومية ولم يضمها أصحابها إلى أعمالهم المطبوعة في كتب. لهذا نجد أن باحثا كعبد الله الخباص في دراسته القيمة: «سيد قطب، الأديب والناقد» اضطر إلى ان يشير إلى رأي محمد النويهي، محاولا اضعافه، وذلك لأن هذا الرأي موجود في كتاب مطبوع له، وهو كتاب «ثقافة الناقد الأدبي».
ـ ان أصحاب تلك الآراء كانوا إما من المنتمين للتيار الديني بمعناه العريض والواسع، كمحمود شاكر وبنت الشاطئ وإما إلى توجه يتحاشى الاصطدام مع مقولات التيار الديني ويتلافى اغضابه، كشوقي ضيف وعز الدين اسماعيل، هذا مع الاخذ بعين الاعتبار، أنهما لم يكونا من التيار السياسي والفكري المعارض لتوجهات السادات ولا من المنتمين للتجربة الناصرية والمتحمسين للدفاع عنها وعن تاريخها.
ـــ ان من كان يعرف بخبر تلك الآراء كان من اتجاه سياسي وفكري يتعاطف بهذا القدر أو ذاك مع الإخوان المسلمين ومع الفترة الساداتية، وفي الوقت نفسه ساخط على جمال عبد الناصر وعلى فترة حكمه.
ـــ ان العلمانيين الذي لهم موقف سياسي وفكري مضاد من الاخوان المسلمين ومن سيد قطب كانوا معنيين بمناقشة وتحليل مفاهيم سيد قطب أكثر من عنايتهم بتدوين تاريخه، وقد اعتمدوا في الجانب الوثائقي والمعلوماتي على ما كتبه الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم عنه من دون فحص أو تمحيص.
تبعاً للملاحظة الأولى التي بدأنا بها حديثنا، يمكن ايراد ملاحظة أخرى شديدة الصلة بالأولى شكلا وموضوعاً.
هذه الملاحظة هي ان «الاخوان المسلمين»والباحثين القريبين منهم، كانوا يهمشون ناحية حساسه ودقيقة في مرحلته الأدبية والنقدية، ولا يولونها العناية المطلوبة.
هذه الناحية الحساسة والدقيقة، هي أن مشايخ الأدب واعلام الثقافة في جيله، كأستاذه العقاد وطه حسين والمازني وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات وغيرهم، لم يقرظوا شيئاً من أعماله الشعرية والقصصية والنقدية.مما كان له أثره السيئ عليه، إذ أورث هذا الأمر في نفسه مرارة دفينة واحباطا عميقا من صنعة الأدب وحرفة النقد.أومأ إليهما في إحدى رسائله الشخصية الى صديقه انور المعداوي عندما كان يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وأفصح عنهما في مقاله «إلى الاستاذ الدكتور أحمد أمين»الذي كتبه بمناسبة لفتة رقيقة جاءت متأخرة من أحمد أمين، في مقال كان عنوانه «ضيعة الأدب» قام بإهدائه إليه.
فهذه الناحية لم تكن مستترة ولا كانت هامشية، بل بارزة وتكاد تكون أساسية في تفسير اعتزاله الأدب والنقد وهجرته إلى الدعوة الإسلامية.
صحيح أن الخباص في دراسته «سيد قطب، الناقد والأديب»ألمح إلى هذه الناحية لكن الماحته كانت عرضية وعابرة وجاءت في سياق عتب على جيل الشيوخ، خاصة العقاد الذي كان سيد قطب يخوض مرافعات ومعارك، ولا يترك له كتابا الا ويقرظه ويثني عليه وكان سيد قطب في مرافعاته وفي معاركه من أجله وفي تقريظه لكتبه وثنائه عليها، يبالغ بتمجيده بطريقة تقدمه وكأنه مريد صغير له.
وبعد أن سلط سليمان فياض الضوء على هذه الناحية الحساسة والدقيقة في مقال له بعنوان «سيد قطب بين النقد الأدبي وجاهلية القرن العشرين»نشره في مجلة «الهلال» في شهر سبتمبر، سنة 1986، وأعيد نشره في احدى الصحف الأردنية.لم يجد الباحث الأردني صلاح عبد الفتاح الخالدي ـــ الذي خصص معظم أعماله عن سيد قطب ـــ مفراً في كتابه:«سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد»الصادر سنة 1989 من مجابهتها والحديث عنها.
ينقل سليمان فياض عن سيد قطب قوله له عن العقاد:«كنت له تلميذاً محباً، وكنت أقدم له كتبي، فيثني علي، ويقربني منه، حتى طلبت منه ذات يوم أن يكتب مقدمة لكتاب لي، يقدمني به للناس، فأبى ذلك على نفسه وعلي، وشعرت بالغيظ، حين آثر ان يقدم لكتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»لخليفة التونسي، ولا يقدم لكتابي، فجفوته، وجفاني، وهجرت مجلسه».
فيشكك الخالدي بهذه الرواية وينفيها، ويتهم سليمان فياض بالوهم فيها، ثم يرميه باختلاقها!
وقد اعتمد في تشكيكه ونفيه لهذه الرواية على منطق متضارب في رد الروايات الشفاهية وعلى كلام عاطفي لا يقدم ولا يؤخر في دفعها إذ انه توجد أكثر من قرينة تنهض بصحة الرواية وصدقها.
وفي موضع آخر من كتابه يعرض لهذه الناحية بسطرين، ويفسرها تفسيراً هو أقرب للتفسير العجائزي والعامي، فيقول:«إن كبار الأدباء نفسوا على سيد قطب مؤلفاته، وحسدوه على انتاجه الغزير، فلم يقرظوه ولم يثنوا عليه، بل تجاهلوا هذا النتاج الأدبي والفكري»!
ويبدو أن المرارة والاحباط اللذين كان يشعر بهما سيد قطب نتيجة لتجاهل شيوخ الأدب وأعلام الثقافة في جيله لأعماله، انتقلا الى المفتونين به في فترة تحوله إلى الاسلام الحركي، إذ نجد منهم من يعتبره من حيث القيمة موازيا لهؤلاء المشايخ والأعلام، ونصادف من يزعم أنه اجتمع له مناح تفوق كل واحد منهم، ونلقى من يدعي أنه بزهم مجتمعين!
ولا يخفى أن تهميشهم لهذه الناحية، كان يحركه عامل دعوي، فالوقوف عليها في نظرهم قد يفتح بابا لتأويل سلبي لقضية تحوله، فيفسر انه حين لم يتمكن من تحقيق ما يصبو الى مكانة سامقة تضعه جنباً إلى جنب مع مشايخ الأدب وأعلام الثقافة في جيله، تحول إلى الاتجاه الاسلامي الكامل وأوغل فيه.
ولا بد في هذا المقام بالتنويه بكتاب علي شلش:«التمرد على الأدب، دراسة في دراسة تجربة سيد قطب» الممتاز الذي استوفى هذه الناحية ونواحي أخرى عند سيد قطب، وذلك بما عرف عنه من دقة ورصانة وسمت هادئ وروح علمية وموضوعية.
في هذا العدد من «المجلة»نقدم ملفا يضم بعض الكتابات التي أهملها الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم، وهي حسب توالي نشرها:
ـــ مقال لعز الدين اسماعيل عن كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ـــ مقال لشوقي ضيف عن كتاب «النقد الأدبي» أصوله ومناهجه».
ـــ مقال لأحمد عباس صالح وردت فيه فقرة اشار فيها إلى سيد قطب وإلى كتابه:«العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ـــ معركة حول كتاب:«العدالة الاجتماعية في الاسلام»أطرافها.محمد رجب البيومي ومحمود محمد شاكر وعلي الطنطاوي وسيد قطب.

«العدالة الاجتماعية في الاسلام»:
تعريف عام به
يعد كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»للمنظر الاصولي الاول في العالم العربي، سيد قطب، كتابا بالغ الاهمية في مسيرة صاحبه وفي مسار جماعة الاخوان المسلمين والاسلام الحركي قاطبة، سنية وشيعية.
فهذا الكتاب الذي صدرت الطبعة الاولى منه عام 1949 ومؤلفه كان في بعثة مفتوحة في الولايات المتحدة الاميركية لدراسة اللغة الانجليزية وللتعرف على مناهج التربية والتعليم هناك، يعتبر اول مؤلف لصاحبه في مجال الدراسات الاسلامية.وكان قبل ان يؤلف هذا الكتاب، قد الف كتابين اخرين، هما ألصق بالدراسات الادبية والبلاغية منهما بالدراسات الاسلامية المقارنة.
الكتاب الاول كان «التصوير الفني في القرآن»والذي صدر عام 1945، وهو عبارة عن تطوير لمقالين كان قد نشرهما في مجلة «المقتطف» عام 1939.
والكتاب الآخر هو «مشاهد القيامة في القرآن»والذي صدر عام 1947، وهو تتمة للفكرة التي بدأها في كتابه الاول.
واذا كان تفسيره الشهير «في ظلال القرآن»الذي ظهر اول ما ظهر في سبع مقالات نشرها في مجلة «المسلمون»ـــ وهي مجلة تابعة لجماعة الاخوان المسلمين كان يملكها ويرأس تحريرها سعيد رمضان ـــ عام 1952، امتدادا من ناحية الشكل لدراستيه الادبيتين البلاغيتين، فانه من ناحية المضمون، كان يعبر عن الرؤية الراديكالية التي اهتدى اليها في كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام».فالكتاب ـــ بحق ـــ كان يمثل في مسيرة صاحبه لحظة الانعطاف الى فكر ديني متصلب ومتشدد.
ورغم ان الكتاب حين ألفه صاحبه لم يكن عضوا في جماعة الاخوان المسلمين، الا ان الجماعة احتفت بالكتاب احتفاء كبيرا، وانزلته منزلة كبرى، ذلك لانها شعرت انه اصاب عين الرؤية التي كانت تتطلع الى التعبير عنها من خلال ما كان يدعو اليه الشيخ حسن البنا ومن بعده منظروها الذين كان من ألمعهم الشيخ محمد الغزالي.
ومن دون ان يقصد سيد قطب او يسعى الى ذلك، حين انضم الى الجماعة رسميا، ازاح هؤلاء المنظرين وفي مقدمتهم الشيخ الغزالي عن موقع الصدارة، واحتلها هو من دون ان يكون له منافس يدانيه او يقترب من مكانته.وهذا كان سببا كافيا لان يضمر الشيخ الغزالي الضغينة التي استمر ناحيته يحملها معه طيلة حياته.
كذلك احتفى بالكتاب الاسلام الشيعي الحركي في شقه العربي وفي شقه الفارسي، لاسباب يشترك فيها مع الاسلاميين الحركيين السنة، وأخرى تخصه وحده.
السبب المشترك، هو انه قدم تصورا اسلاميا مثاليا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية مستخلصا من النظرية الاشتراكية من دون ان يقع في احبولة التسليم الضمني بجدارتها وتفوقها.وكانت الشيوعية في ذلك الوقت بتصوراتها لحل مشكلة الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي مصدر جاذبية واغراء لاعتناق معتقداتها السياسية والفكرية. اما السبب الخاص، فهو سبب مذهبي.فالكتاب اضافة لنقده لعثمان بن عفان والدولة الاموية كان يلح على دعوى مفادها ان الدولة الاسلامية لم تقم بعد.وغني عن البيان ان هذا جزء من المعتقد الاسلامي الشيعي.
ومن امارات حفاوة الشيعة بالكتاب في شقه الاخير، قيام علي خامنئي في وقت مبكر بترجمة الكتاب الى الفارسية.ومما تجدر الاشارة اليه ان هذا الكتاب ظل محتفظا بمكانته الاثيرة لدى اسلاميي السنة واسلاميي الشيعة، رغم صدور كتاب آخر، كان اشمل واعمق منه في المجال الذي تصدى له، وهو المجال الاجتماعي والاقتصادي في النظرية الاسلامية المعاصرة.هذا الكتاب هو كتاب «اقتصادنا»لمحمد باقر الصدر.وذلك لاكاديمية الكتاب الاخير وللسبب الخاص المذهبي الذي ألمعنا اليه عند الشيعة.

عز الدين إسماعيل
وكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»
نشر عز الدين مقاله سنة 1952م في مجلة «الثقافة»بمناسبة صدور الطبعة الثانية من كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام».وكان لا يزال طالباً في مرحلة الدراسات العليا.
وقد انفرد حلمي النمنم، نائب رئيس تحرير مجلة «المصور»، بالاشارة الى هذا المقال في كتابه «سيد قطب وثورة يوليو»الصادر عن ميرت للنشر والمعلومات عام 1990، وأورد بعض فقرات منه في هذا الكتاب، واعلمنا ان مجلة «الثقافة»التي كان صاحب امتيازها، احمد امين انتهزت فرصة صدور طبعة جديدة من الكتاب، فنشرت نقد عز الدين اسماعيل له.
كما اورد في كتابه حوارا شفهيا دار بينه وبين عز الدين، حول ملابسات كتابة الأخير له، ننقله لكم كاملاً.
ـــ يقول حلمي النمنم:«سألت الناقد عز الدين عن هذا المقال وظروف كتابته، وهل طلبت منه ادارة المجلة وكلفته به؟ قال لي:كنت أكتب في المجلة باستمرار، وكان المقال ينشر دون حذف ودون اعتراض.ولم يكلفني احد من المجلة بالكتابة عن كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»ولكني كنت مستفزاً من الهالة الضخمة والدعاية حول سيد قطب بعد ثورة 23 يوليو، والادعاء بأن كتابه هذا هو الذي فجر الثورة وانه كان الوقود الفكري للضباط، وان هذا الكتاب هو الذي سيحرك الفكر الثوري في مصر..واخذ البعض يقارن سيد قطب بفولتير الذي حركت كتبه ثوار الثورة الفرنسية.فأردت ان اكتشف هذا الموضوع وقرأت الكتاب، فوجدت ان هناك مبالغات ضخمة حول هذا الكتاب وحول مؤلفه واردت ان اقول للناس يجب ان نتواضع فلا يمكن مقارنة سيد قطب بفولتير.وربما توافق المقال مع سياسة المجلة وهواها، فنشر على هذا النحو والحقيقة انه كان هناك احتفاء بالمقال، اذا نشر على صفحتين ونصف الصفحة بالمجلة، رغم ان باب «نقد الكتب» كان يعتمد على المقالات والعروض القصيرة التي قد لا تتجاوز نصف الصفحة».
وثمة ملاحظة على هذه الاشارة التي انفرد بها حلمي النمنم، من الضروري ابداؤها، وهي انه في موضع اخر من الكتاب ذكر أن أول من أشار إلى تأثر سيد قطب بآراء المودودي، كان عز الدين اسماعيل في مجلة «الثقافة» عدد ديسمبر سنة 1952.
والحقيقة ان هذا الزعم غير صحيح، فالناقد عز الدين اسماعيل، كما سيرى القارئ، ضمن مواد الملف، لم يشر الى شيء من هذا.وربما كان زعم النمنم جاء نتيجة سهو وغفلة أو أنه التبست عليه اشارة عز الدين اسماعيل الى تأثر سيد قطب بمولانا محمد علي وكتابه «الاسلام والنظام العالمي الجديد»فوهم أنه كان يشير إلى مولانا أبو الأعلى المودودي.ورغبة في استكمال الحوار الذي بدأه حلمي النمنم مع عز الدين اسماعيل هاتفناه وسألناه:لماذا سكت عن هذا المقال كل هذه السنوات ولماذا لم ينبه الباحثين اليه؟
فأجاب: سكت عنه لانه يرتبط في ذاكرتي بحادث بالغ السوء مر بي في حياتي، فبسبب المقال واجهت من جماعة الاخوان المسلمين، تهديدا ووعيدا، كان يمكن ان يعطل مسيرتي المهنية.وقد قام بإصلاح ذات البين، شخص كريم ما زال الى الآن حيا يرزق، وهو يعيش الآن في الكويت.
«لكن عز الدين اسماعيل رفض ان يذكر لنا اسم من قام باصلاح ذات البين بينه وبين الاخوان المسلمين او حتى يوافينا بتفصيلات اكثر، كما رفض فكرة اعادة نشر المقال.
ولا يجب ــ ونحن نقرأ المقال ــ أن يغيب عن بالنا أمر نراه جدير بالانتباه، وهو ان عز الدين اسماعيل من تلامذة امين الخولي الذي اختط منحى معينا في الدراسات الادبية والبلاغية والاسلامية.وعليه لنعتبر خلافه مع سيد قطب هو خلاف حول المنهج الذي ينبغي اتباعه في فهم الاسلام وفهم نصوصه وتاريخه بين مدرستين:مدرسة امين الخولي ومدرسة الاسلاميين الحركيين.

شوقي ضيف وكتاب
«النقد الأدبي، أصوله ومناهجه»
عرض شوقي ضيف لهذا الكتاب وكتابين اخرين صدرا معه في العام نفسه.هذان الكتابان كانا، «النقد المنهجي عند العرب»لمحمد مندور و«عالم الفلسفة»لأحمد فؤاد الاهواني.
وبرغم اختلافه مع مندور حول نواح تفصيلية وردت في كتابه إلا انه أثنى على كتابه وثمن ما بذل فيه من جهد.وأثنى على كتاب الأهواني ثناءً عاطراً.
أما كتاب سيد قطب، فقد قلل من أهميته إلى حد كبير وبخس من قيمته.
ومن سيقرأ كلامه ضمن مواد الملف، ويقارنه بإشارتين وردتا عنه في كتاب عبد الله الخباص:«سيد قطب، الاديب الناقد»، سيجد أن الصورة التي قدمها الخباص عن مقال شوقي ضيف غير دقيقة.فالخباص لطف كثيراً مما قاله شوقي ضيف، بل وحاول ان يصرفه إلى غير معناه.وذلك في معرض مناقشته لرأي محمد النويهي الذي سخر فيه من ولع سيد قطب بالحديث عن الأسس النظرية للنقد، ووضع المناهج النقدية، لأنه لا يتقن لغة اجنبية، وكل ثقافته في هذا المجال ـــ كما قال ـــ لا تتعدى قراءة المترجمات.

محمود محمد شاكر وسيد قطب
لا يجد الاخوان المسلمون والباحثون القريبون منهم غضاضة في ايراد ما كان بين محمود محمد شاكر وسيد قطب من خصومة حول أدب الرافعي الذي كان الأول يقدره ويعلي من قيمته، وكان الأخير من منطلق تعصبه المغالي للعقاد,يسرف في الحط من شأنه.
لكنهم فيما يخص النقد الذي شنه محمود محمد شاكر في العدد الثالث من مجلة «المسلمون»سنة 1952 على كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، وذلك بمناسبة صدوره في طبعة ثانية، وما تبعه من ذيول معركة دارت في مجلة «الرسالة»، كانوا يتكتمون ويعتمون على هذه الواقعة لأكثر من اعتبار:الأول، أن موضوع النقد هو كتاب العدالة الاجتماعية والذي لملابسات اشرنا إليها في ما سبق، لا يريدون أن يمس الكتاب لا بطريقة دعوية ولا بطريقة علمية.الثاني، ان محتوى النقد كان محتوي دينياً سلفياً، وأي اشاره إليه لن تكون في صالحهم لأن إحياءه من جديد، سيتسبب بتشويش على استقامة رؤية سيد قطب العقدية والتاريخية من المنظور السني بشكل عام والسلفي بشكل خاص ويثير حولها الغبار.والثالث، أن محمود محمد شاكر، العالم والمحقق الكبير في التراث العربي والاسلامي، كان صاحب هذا النقد، فهو اضافة الى هذه المكانة الرفيعة المجمع عليها، له منزلة خاصة عند الإسلاميين بسبب مواقفه الصارمة والحازمة في عدائها لطه حسين ولويس عوض وعصر النهضة العربي، بعلمانييه وبمدرسته الدينية العقلانية وللمستشرقين والحداثة والتغريب.
ومما يجدر ذكره أن من عرفنا بنبأ نقد محمود محمد شاكر لكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»هم السلفيون الجاميون وذلك حين تفاقمت حربهم على الاخوان المسلمين وعلى السروريين في آخر سنتين من عقد الثمانينات فقد وزعوا بعض ما قاله شاكر في كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» على شكل منشور سري يتداول بين الايادي وأذاعوه في كتبهم عن الاخوان المسلمين والسروريين.
ولا يفوتنا هنا، بصدد معركة محمود محمد شاكر مع كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، أن نسجل ملاحظتين:الأولى، ان محمود محمد شاكر، بحسب ما ذكر محمد رجب البيومي لم يسم سيد قطب فيما نشره بمجلة «المسلمون»، وكذلك فعل في رديه على محمد رجب البيومي وفي رسالته التي وجهها إلى علي الطنطاوي، وهو ما ستطالعونه ضمن مواد الملف.
ولا شك ان محمود محمد شاكر اتبع هذا النهج، بنية التعالي على سيد قطب والتقليل من شأنه.ولا شك ان هذا النهج كان مزعجاً له، خاصة أنه كما عرف عنه، كان معتداً بذاته وفخوراً بنفسه.
الثانية:ان سيد قطب رغم أنه كان من هواة المعارك إلا أنه تحاشى الجدل مع محمود محمد شاكر في مجلة «المسلمون»، وفي مجلة «الرسالة»، لكن ، كما ستلاحظون في الأخيرة، اضطر أن يقول رأيه على مضض وباختصار في نقد شاكر له.
ولا نعلم سبباً لذلك، هل هو تحاش لموضوع النقد أم تحاش لصاحبه؟
فمما يذكر ان سيد قطب حين اثار معركة كبيرة حول الرافعي في اخر الثلاثينات الميلادية تحاشى ان يجابه محمود محمد شاكر عندما شارك في المعركة منتصراً للرافعي.

اليسار المصري وسيد قطب
كتاب «العدالة الاجتماعية في الاسلام» كما هو معروف بين جمهرة من الباحثين، كان المستهدف فيه مباشرة الماركسية واليسار في مصر.وبرغم هذا لم يعلق عليه بشيء أحد من الماركسيين أو اليساريين المصريين. إلى أن اتى أحمد عباس صالح وقال رأيه فيه في وقت متأخر من تاريخ صدوره وذلك في افتتاحية مجلة «الكاتب» حينما كان رئيس تحريرها وقد أدرجنا ما كتبه ضمن مواد الملف، لأن وجهة نظره تعبر عن وجهة نظر اليسار المصري في الكتاب وفي كاتبه .
(1) للاطلاع على بعض الخفايا في علاقة
بنت الشاطئ وزوجها أمين الخولي بسيد قطب
راجع مقال «سيد قطب بين العقاد والخولي»
المنشور في مجلة «الثقافة» العدد، 53، فبراير 1978
(2) يستثنى من هذا التعجب خليل هنداوي
الذي توفي سنة 1976.

عدالة سيد قطب ونقده الأدبي من منظور نقدي
*نحن اليوم أمام أمشاج من الأفكار التي تدور حول العدالة وحول الاجتماع وحول الإسلام ولكنها لا يمكن أن تدور حول العدالة الاجتماعية في الإسلام.وإذا نحن تطوعنا ـ كيما نفيد من هذه الأفكار ـ بتنظيمها وترتيبها وتقسيمها لم نظفر آخر الأمر ببحث علمي دقيق في صميم العدالة الاجتماعية في الإسلام ولا الظلامة الاجتماعية في غيره من مذاهب وضعية.
ويجدر بي قبل أن أطيف بالقارئ في أرجاء هذا الكتاب أن أنبهه إلى خدعة كبارة، وهالة باطلة نسجها الإمحال في وقت من الأوقات حول شخصية المؤلف فأخذ مكانه بين الرعيل الثاني من المفكرين في مصر الحديثة.
إن أظهر ما تتسم به مؤلفات الأستاذ سيد قطب هو الضحالة والصحافية وصياغة أفكار الآخرين من جديد.
فأما عن ضحالته فتتبين في مدى استنتاجه من المقدمات التي يضعها او يجدها موضوعة من قبل، وسنرى لها الآن أمثلة من الكتاب المنقود.
وأما صحافيته فإنه يتناول كل موضوع على أنه مقالة في صحيفة يومية أو أسبوعية، وينسى أنه إنما يؤلف كتاباً، وأن الدراسة التي يصبها المؤلف في كتاب تختلف تماماً عن المقالات أولاً وقبل كل شيء في أنها دراسة.
وأما صياغة أفكار الآخرين فلعلي لا أثق من شيء ثقتي من هذه الصفة الجلية في كتابات الكاتب. وفي كتاب اليوم أمثلة كثيرة، وسنعرض لبعضها.وإن شئت فارجع إلى كتابه «النقد الأدبي أصوله ومناهجه»وهناك تستطيع أن تدرك تماماً أن الكاتب أعاد افكار أبركرمبي وتشارلتن ولانسون التي سبق أن ترجمت إلى العربية فإذا بحثت عن جديد يختص به المؤلف أعياك البحث دون جدوى.
والكتابان اللذان خدعنا بهما المؤلف وخيل إلينا أن فيهما من الأصالة ما ينفي عن المؤلف تلك الصفة وهما «التصوير الفني في القرآن»و«مشاهد القيامة في القرآن» ـ هذان الكتابان بكل أسف ليس فيهما من أصالة الفكرة شيء فقد تلقف الأستاذ سيد قطب أصل الفكرة من الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد وراح يضخمها حتى ظفر من هذه الضخامة بقدر يملأ كتاباً.
ولسنا هنا بسبيل ان نتتبع المؤلف في سائر مؤلفاته.وحسبنا كتابه الذي يحمل ذلك العنوان الضخم «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
ونبدأ ببيان الصفة الأولى كما تتضح في هذا الكتاب.ومن امثلة ذلك أن المؤلف يريد أن يبين كيف أن الإسلام لا يعادي العلم كغيره من الأديان فيستشهد على ذلك بالآية الكريمة «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، ص 17.ولو أنه دقق لوجد أن الآية لا تعطيه هذه النتيجة التي انتهى إليها، ولو دقق لما كان في حاجة إلى أن أنبهه إلى الهدف التربوي الذي تهدف إليه الآية من دعوة العلماء إلى أن يتقوا الله في علمهم.وهذا مثال آخر يتبين لنا فيه كيف يعامل المؤلف المسائل الكبرى في تاريخ الإسلام ببساطة عجيبة حتى إنه ليردها إلى محض الصدفة.إنه يرى وجود الأمويين منذ معاوية صدفة، ويرى عمر بن عبد العزيز صدفة، ولا يكلف نفسه التغلغل في العوامل الاجتماعية والتيارات النفسية التي تعمل بقوة، سواء في المد الإسلامي وجزره لنقرأ له قوله ص 219«لم يكن توقف المد في الروح الإسلامي إذن ضعفا من هذا الروح عن الامتداد، وكذلك لم يكن قصورا عن مجاراة أطوار الحياة ـ وسنرى بعد قليل أن هذا الروح ما زال يعمل في كثير من مناحي الحياة وجوانب المجتمع ـ ولكنه كان ثمرة لمصادفة سيئة في وقت غير مناسب وما كادت المصادفة تسوق إلى الإسلام خليفة فيه بقية من روح الخلافة في شخص عمر بن عبد العزيز، حتى عاد المد الإسلامي إلى الظهور، وعادت الحكومة إسلامية حقيقية».
وأظن أن المؤلف قد جنب نفسه مشقات كثيرة بأن اعتمد على ما أنتجه عنصر المصادفة في تاريخ المد الاسلامي.وهو عند المسائل الكبرى في تاريخ هذا المد يمضي سريعاً إذا ما أحس معطلاً يقف دون فكرته التي يريد بطريق أو بآخر أن يقررها ويثبتها. لنقرأ له هذين السطرين في ص 171«فأما البيعة لعلي فقد ارتضاها قوم وأباها آخرون. فكانت الحرب للمرة الاولى بين المسلمين وأعقبتها الكوارث التي حاقت بروح الاسلام ومبادئه في الحكم والمال وفي غير الحكم والمال»ثم يمضي.ولست أدري لم أنف الكاتب أن يفيد في هذه المواطن من التحليل الرائع الذي نقرؤه والذي قرأه هو ولا شك في كتاب «عبقرية الإمام»للاستاذ العقاد.ولكن لعله يصدم هناك.
ولست أدري هذه الحملة التي توهمنا بأننا تنكبنا الإسلام في حياتنا ورحنا نقتبس من هؤلاء وهؤلاء النظم والقوانين لست أدري هل يصح ـ منطقياً على الأقل ـ أن أفترض فرضاً واهماً وأجهد نفسي في دفعه وأشغل الناس معي في هذا الدفع.ويعجبني منه أن يشير إلى شخصيتنا هذه الاشارة في ص 20«ولكننا ندعو إلى مراجعة الرصيد المذخور ومعرفة أسسه العامة واختبار قدرته على البقاء والصلاحية قبل أن نعمد إلى تقليد مبتسر، مفقود الأسس التاريخية في حياتنا، تضيع فيه شخصيتنا ونصبح معه ذيلاً للقافلة الإنسانية»، تعجبني هذه الإشارة لأن المؤلف لم يذكر من ذلك الواقع التاريخي الذي ملأ به ما يقرب من نصف الكتاب حالة واحدة أو واقعة واحدة من صميم حياة المصريين وواقعهم التاريخي.أترى تمثلت له الشخصية المصرية في واقع الشام التاريخي في القرنين الأول والثاني للهجرة؟ فمن هذا الواقع اقتبس وإليه دائماً كان يشير ولو أنه اهتم بموضوع الشخصية أكثر من هذا، ودرسه دراسة متعمقة مستأنية لرده ذلك إلى اعتبارات هي غاية في الاهمية عندما يكون المد الإسلامي في الشعوب المفتوحة موضوع بحثه.
ولا أظنني في حاجة إلى أن أكرر أن الدين الاسلامي حين اصطدم بشخصيات البلدان المفتوحة تمخض هذا الاصطدام عن صور تختلف في قربها من الصورة الأولى له قلة وكثرة، ولكنها تختلف على كل حال ولماذا نبعد وقد اختلفت هذه الصورة الاولى ولم يمض على الإسلام نصف قرن. لا أكرر هذا الذي سبقت إليه الدراسة وإلا شاركت المؤلف احدى صفاته.
ولدينا الهند الآن، وهي مثال حي، تبلور العقيدة الإسلامية بصورة تبرز فيها شخصية الهند.وكذلك نحن في مصر لنا هذه الشخصية.
وأفضل الآن أن أنتقل إلى الصفة الثانية وهي صفة الصحافية.
والصحافية تتمثل عند المؤلف لا في هذا الكتاب بل في سائر كتبه.فهو لا يقرأ الأصول التي تفيده في موضوعه وإنما يقف عند الكتب الثانوية دائماً.لا يجهد نفسه في المصادر الأولى وإنما يكتفي بما يلتقطه من كتب الدرجة الثانية في نظر الدراسة العلمية.ووقفة قصيرة عند المراجع التي ذيل بها المؤلف الكتاب تؤكد لنا هذه الظاهرة.
ولعلي ذكرت في مستهل حديثي أن الكتاب أمشاج من الأفكار.وأعود الآن لأكرر هذه الملاحظة التي تبرز في المؤلف طابع الصحافية.فهذه الأفكار التي يتلقفها من قراءاته السريعة لتلك الكتب يسردها سرداً لا ضابط له ولا نظام فيه.بعبارة أخرى فأنت لا تحس أن الكتاب كانت له خطة في نفس المؤلف قبل أن يبدأ كتابته.وكلما مضيت في قراءة الكتاب هالك التفكك بين تلك الأفكار.ونلاحظ أن المؤلف يريد أن يثبت فكرة من الأفكار قبل أن يبحث هذه الفكرة.وهذا خطأ منهجي، لأن اثبات الأفكار القبلية Apriori يورط الباحث دائماً في التغافل عن الجوانب المضادة، وتخطي المزالق التي تعترض الطريق.
والمؤلف حين يتورط في هذه المزالق نراه يصطنع بالضرورة تلك الأساليب الخطابية والعبارات الطنانة، وقد يتجاوز ذلك إلى الاتهام والتحامل.نقرأ له في ص 20:«إن المجتمع الإسلامي لم يضعف ولم يتخلف عن ركب البشرية وهو يستمسك بالإسلام، إنما ضعف وتخلف بعد أن تخلى عن هذا الإسلام.وتقرير هذه الحقيقة يفيدنا في تزييف التهم الباطلة التي يلقيها الغربيون على هذا الدين ويستشهدون عليها بواقع المسلمين، والتي يتلقفها بعض المخدوعين هنا وبعض المأجورين فيلوكونها وقد يسودون بها مئات الصفحات مدعين حرية الفكر ودقة البحث، وهي باطل..إلخ».ولست أدري هل هذا الأسلوب هو الذي يمثل حرية البحث!وهل يلزم أن أتورط في العيب الذي آخذه على الناس!
وفي ص 20 يقول:«ولكنه الجهل بحقيقة هذا الدين والكسل العقلي والنفسي عن مراجعة الرصيد القديم، والتقليد المضحك للاتجاه الأوروبي في فصل الدين عن الحياة.. إلخ».
هذه نماذج من أسلوب المؤلف في خطابياته وحملاته.وهي إن صلحت فإنها تصلح في مقال بالصحف ولا تصلح في كتاب يستهدف البحث العلمي السليم.
ولعل من صور اضطراب البحث في يد الكاتب أن تجده يقف بك أمام المشكلة في جوهرها ثم إذا به يحيلك على ما سيأتي.حتى إذا مضيت قليلاً فقد نسيت المشكلة ونسيت ما كان مفروضاً أن سيأتي، لأنك تدخل في شيء آخر جديد.
يقف في ص 19 ليضع هذه المشكلة الجوهرية، هل لا يزال في الإسلام عناصر صالحة للتطبيق في العصر الحديث؟ ثم يقول:«هذا سؤال في الصميم ولذلك لن يكون من المستطاع الإجابة الوافية عنه في هذا الموضوع فسنجيب عنه تفصيلاً وتطبيقاً فيما بعد».حتى إذا بلغت ص 216 وجدت إجابة باهتة.
ونكتفي بهذا لنقف وقفة أخيرة عند الصفة الثالثة التي تتضح من هذا الكتاب وهي فقدان الأصالة عند الكاتب فيما يسوق من أفكار.
وأنا لا تروعني المراجع التي بلغت أربعة وثلاثين والتي ذيل بها المؤلف الكتاب فقد قرأت الكتاب ذهاباً وجيئة وعرضت تماماً مدى إفادته من هذه المراجع ورغم أنها جميعاً (فيما عدا كتب الدين)تعد مراجع ثانوية فإن المؤلف قد أخفى افادته من بعضها بحيث لم يشر إليها غير مرة في أثناء البحث، وأعني بذلك كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد» لمولاي محمد علي.
وأود أن أضع أمام القارئ أمثلة لكيفية إفادة المؤلف من هذه المراجع، فإنه ينقل عنها نقولاً تطول إلى حد أن تكون وحدها الأساس في البناء.
من أمثلة ذلك نقوله عن الأستاذ عبد الحليم الجندي في كتابه (أبو حنيفة، بطل التسامح والحرية في الإسلام)، فقد نقل عنه صفحات كاملة هي التي تمثلت عنده في صفحات 155 و156 ثم 158 و159.
وينقل عن الأستاذ أحمد زكي صفوت من ص 191 إلى ص 194.وينقل أيضاً من ص 223 إلى ص 226 عن كتاب «الإسلام على مفترق الطرق»ترجمة عمر فروخ.ثم ينقل عنه أيضاً من ص 232 إلى ص 234، وهكذا.
هذه الصفحات بكاملها تكون وحدها جزءاً كبيراً من بناء الكتاب، يظهر قرب نهايته، عندما كان الأسلوب الخطابي قد شغل القدر الوفير من الكتاب في أجزائه الأولى هذه الصفحات تزيد وضوحاً في نفس القارئ إذا هو حاول أن يتبينها في كتابات المؤلف عامة، وفي هذا الكتاب خاصة.ولعلنا في حل من أن نعيد النظر في قيمة رصيدنا لا القديم ولكن ذلك الرصيد الذي خدعنا وما زلنا نخدع فيه، رصيد المحدثين .

نشر المقال في مجلة الثقافة، العدد الثامن، شهر سبتمبر سنة 1952
*وهذا كتاب آخر هو كتاب «النقد الأدبي:أصوله ومناهجه»لسيد قطب حاول به ـ في رأيه ـ ان يصف اصول النقد الادبي ومناهجه.وقد استمد هذا الوصف في الاعم الاغلب من كتابات نقادنا المحدثين وما ترجم من اللغات الاجنبية مثل كتاب قواعد النقد تأليف لاسيل ابر كرومبي، وترجمة الدكتور محمد عوض، وكتاب منهج البحث في الادب واللغة، تأليف لانسون وماييه، وترجمة الدكتور محمد مندور، وكتاب فنون الادب، تأليف هـ.ب.تشارلتن، وترجمة الدكتور زكي نجيب محمود.وكل من قرأ هذه الكتب الثلاثة المترجمة يعرف مدى ما يشيع فيها من حديث عن قيمة اللفظة في الادب وما تشعه في العبارة وما تكسبها من ظلال واصداء.وقد استعان المؤلف بهذا كله في تأليف كتابه، فحدثنا حديثا طويلا عن القيم الشعورية والتعبيرية في الادب، وعرج على ما يقال هنا وهناك من مناهج نفسية في درس الادب او مناهج جمالية، وتأثر ابلغ التأثر بما كتب في مجلة علم النفس.
والكتاب بسبب ذلك كله يعتبر تأثرا مباشرا لكل هذه الكتابات وما جاء في اثنائها من الفاظ وحديث عن القيم في الادب.ولسنا ننكر التأثر من حيث هو، ولكن يظهر ان الفاظا من الفاظ هذه الكتب سيطرت على المؤلف اكثر مما ينبغي، حتى اصبح الكتاب ميدانا لالفاظ الظلال والاصداء ورصيد الشعور والتجربة الشعورية والصور اللفظية والتصوير المعبر الموحي والطابع الشخصي والعوالم الشعورية الحية والايقاع القوي المنسق والطاقة الشعورية المتضخمة والافكار المجردة والتجارب الذهنية والسبحات والسرحات واللحظات الملاء الوضاء والمواقف الصغيرة واللحظات الجزئية والآباد الخالدة والرمز والايحاء والجو المجرد من الظلال والشيات والدلالة المعنوية والتصويرية والايقاعية وارواح الالفاظ والطبيعة الفنية والوجدان المنفعل بالاضواء والاصداء والمساحة النفسية (*).
وفي اثناء ذلك نجد من حين الى حين توهينا للشعر العربي وشعرائه، فأبو العلاء والمتنبي وابن الرومي عوالمهم الفنية صغيرة لا تبلغ عوالم طاغور وتوماس هاردي وامثالهما، فناقدنا المجدد لا يعجبه شعرنا ولا شعراؤنا.انه يقول في مقدمة كتابه، انه سيرتد الى المقياس الفني الخالص في الحكم على الشعراء، ولو انه صنع لاعتد بالتعبير الفني في لغتنا، كما اعتد به فيما قرأه مترجما عن طاغور وتوماس هاردي.
اما شوقي فكان سيئ الحظ، لأنه قال في قصر انس الوجود وآثاره الغارقة عند الشلال:
قف بتلك القصور في اليم غرقى
ممسكا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى اخفين في الماء بضا
سابحات به وابدين بضا
فلا تناسق بين البيتين في رأي المؤلف، لأن في البيت الثاني ظلا لا يتسق مع الظل الاول.هي صورة لفظية لا رصيد لها من الشعور، وايضا فقد كان ابو تمام سيئ الحظ، لأنه قال في الرثاء والعزاء في عظيم:
ان ريب الزمان يحسن ان يهدي
الرزايا الى ذوي الاحساب
فلهذا يجف بعد اخضرار
قبل روض الوهاد روض الروابي
ويكرر المؤلف فكرة الظلال بشكل آخر فيقول: هنا الفاظ عارية من الظلال والايقاع مجردة من الرمز والايحاء.
وانت لا تجد عند المؤلف بعد ذلك إلا حديثا عن العقاد وطه حسين واحمد امين وطرقهم في درس الادب العربي، ثم كلاما عن القصة والتراجم وبيان طريقة شفيق غربال في كتابه «محمد علي» المشهور.
هذا والكتاب لم يصور مناهج النقد المختلفة، كما يفهمها الاوروبيون، فقد رأى ان لا يعجب ببعضها كالمنهج الجمالي، وايضا فإنه صورها في كتابات نقادنا ولم يصورها مستقلة.
ولقد قال المؤلف في مقدمة الكتاب ان المناهج التي سيتحدث عنها هي المنهج الفني والمنهج التاريخي والمنهج النفسي والمنهج التكاملي، وقال ان المنهج الاخير، هو المنهج الذي يختاره، وكنا نطمع ان يفيض المؤلف في هذا المنهج المختار، لكنه تحدث عنه حديثا قصيرا .

نشر المقال في مجلة «الكتاب» يناير 1949
(*)يرى علي شلش أن شوقي ضيف «بالغ في هذا السرد لأن بعضه لاعلاقة له بمجلة علم النفس، مثل «أرواح الالفاظ» وهو مصطلح مشتق من نظير له عند جي. دي.موباسان، أورده الزيات في كتابه «دفاع عن البلاغة» أنظر التمرد على الأدب، دراسة في تجربة سيد قطب، ص 94
*عقب بدء الخطة الخمسية الثانية واعلان بداية التصنيع الثقيل، لوحظ ان خطة استعمارية شاملة دخلت في مرحلة التنفيذ، ترمي الى هدف سياسي هو عزل الجمهورية العربية عن الوطن العربي.وصاحب هذه الفترة اكتشاف الوثائق البريطانية التي خططت للسيطرة على العالم العربي، كما بدأت المؤامرات تنشط في كل مكان تقريبا، واستغلت قضية اليمن لاستنزاف الموارد المصرية.
وكانت الخطة تهدف اساسا الى منع التقدم الصناعي في الجمهورية العربية المتحدة بالضغط عليها سياسيا واقتصاديا في كل المجالات الممكنة.
وكانت معركة القمح من المعارك المهمة التي قصد بها ارغام الجمهورية العربية المتحدة على تحويل جزء كبير من ارصدتها من العملة الصعبة لاستيراد القمح، وبالتالي الى شل حركة التصنيع في الخطة الخمسية الثانية.
ولم يبق من الخطة الاستعمارية إلا ضرب الثورة العربية في مصر من الداخل، بنفس التوقيت الذي بدأت فيه الخطة الاستعمارية الشاملة.
وقد استطاعت القيادة الثورية في مصر، ان تواجه كل الضربات، وان تفسد آثارها، بل وان تكسب مواقع جديدة، وانتهت المعركة باتفاق جدة الاخير الذي افسد جزءا مهما من الخطة الاستعمارية، ثم برحلتي الصداقة والسلام الى الاتحاد السوفيتي ويوجوسلافيا.
وتكفل الحلف المركزي ـ حلف بغداد ـ بالتدبير لمؤامرة انقلابية داخل الجمهورية العربية المتحدة عن طريق الاغتيال والارهاب ونشر الفوضى، وكانت وسيلة الحلف الاستعماري الى تحقيق غايته هي الاستعانة بعناصر الاخوان المسلمين داخل الجمهورية وخارجها لتدبير الانقلاب.
وبدأت الاموال والاسلحة والمفرقعات تتدفق على التنظيم الاخير، كما ظهر ان عناصر من الرجعية العربية كانت تسهل عمل التنظيم ليصل الى غايته.
ولم يكن صدفة ان نرى في قيادة التنظيم الارهابي رجلا مثل سيد قطب لفت انظار الاستعمار منذ وقت مبكر بكتاباته المناوئة للاشتراكية بدعوى ان الاسلام والاشتراكية متناقضان، فدعي الى الولايات المتحدة الامريكية وامضى اكثر من عام، عاد بعدها لينشر كتابا مليئا بالمغالطات ضد العدل الاجتماعي وضد الفكرة الاشتراكية تحت ستار الدعوة الاسلامية، وكأن الاسلام ضد العدل الاجتماعي وضد الحرية، ومع الاستعمار الامريكي والحلف المركزي!.
لم يكن صدفة اذن ان يعيد الاستعمار والرجعية العربية اتصالهما بالرجال الذين اعدوهم فكريا لتقبل كل المفاهيم الرجعية والاستعمارية، وان يبدأ العمل على تنظيم صفوفهم لضربة سريعة ضمن مخطط شامل ان لم تقض على الجمهورية العربية، فإنها تشل حركتها، وتعطل ظهور القاعدة الصناعية الرئيسية التي ستنشأ في الوطن العربي.
فمعنى بداية التصنيع الثقيل في الجمهورية العربية المتحدة تحت قيادة ثورية صلبة هو احكام قبضة الامة العربية على مصيرها والافلات تماما من الربقة الاستعمارية مهما تكن صورها.
وفي الوقت الذي بدأ تنظيم الاخوان المسلمين يعمل، ظهرت الشائعات، والهجوم على القطاع العام:والمضاربة على السلع واختفائها من الاسواق، وليس هذا كله إلا الجو الذي تخلقه الرجعية لتنفث فيه ارهابها.
إلا ان المخطط الاستعماري الشامل اخفق كله.اخفق خارج الجمهورية وداخلها، وانكشف تنظيم الاخوان ومن ورائه قوى استعمارية اجنبية، وقوى رجعية عربية، ومضى تيار التقدم في طريقه مستفيدا من تلك المعارك قوة فوق قوته.
والثورة الاشتراكية لا تعتقد ان الاستعمار والصهيونية والرجعية ستقف مكتوفة الايدي امام التحول الاشتراكي الخطير الذي يحدث في الجمهورية العربية، وهي لا تفاجأ ان يستغل الاستعمار الدين وان يلجأ الى كل الوسائل لضرب الثورة او النيل منها.لذلك فالمعركة لها اكثر من وجه وتقع في اكثر من مجال، لكن هدف الاستعمار والرجعية واحد مهما تعددت اليه الطرق.هو القضاء على العدل الاجتماعي، ومجتمع الرفاهية وتكافؤ الفرص.
والثورة العربية بحكم الظروف التاريخية ليست ثورة محدودة بالتغيير الاجتماعي، بل هي وثبة امة ذات مواهب وطاقات طال كبتها، وامتحنت الصراعات والخلافات حتى وقعت تحت السيطرة الاستعمارية ومنعت بالقهر والتمزيق عن الاسهام في بناء عالم انساني يقوم على السلام والحرية والعدل.وانفجار الثورة في مصر واندفاعاتها المنتصرة الموفقة ليس في الواقع إلا تعبيرا عن تحرك هذا الكيان العربي الضخم ليشترك بفكر جديد وقوة جديدة في حل مشاكل المجتمع البشري بأسره.والنجاحات التي تحققها الثورة العربية في مصر لها دلالاتها، فرغم القوى الاستعمارية وقوى التخلف بشكل عام، ورغم نشاط هذه القوى وسعيها المتصل لوأد هذه الثورة، ورغم كل الخبرات الاستعمارية في تمزيق رباط الامة الواحدة..رغم هذا كله، فإن الثورة العربية تنتصر..ذلك لأن وثبة الامة العربية تطور حتمي تفرضه قوانين التطور ولا تملك القوى المناوئة إلا ان تحاول تحديده وتضييق آثاره في احسن الفروض بالنسبة لها.
ومن الطبيعي ان تخطئ العناصر الرجعية الرؤية الصحيحة، وذلك لأنها تفتقر الى النظرة العلمية والمنهج العلمي..فنجاح ثورة ما لا يتأتى بمجرد حيازتها لقوة ضاربة معينة مهما تكن هذه القوة، ولا لاستيلائها على السلطة، بل لتوافق مضمونها الثوري مع مرحلة التطور التي يجتازها المجتمع ولتعبيرها بشكل مباشر عن اماني الجماهير العريضة ورغباتها.
واسقاط الثورة الشعبية عمل مستحيل، لأنه يتساوى مع ابطال قانون طبيعي.فالمؤامرات التي حيكت للثورة العربية في مصر سقطت واحدة اثر الاخرى، رغم الاعداد الطويل والخبرة الاستعمارية والاموال المتدفقة.
وقد انطلقت الثورة العربية بكل قواها الكامنة، ولا تستطيع القوى الرجعية ان تحد من انطلاقها، الا اذا استطاعت ان تقضي على جماهير الامة العربية كلها:لأن الثورة هي الجماهير، ولأن الجماهير قد امسكت بعد نضال مرير بمقدراتها وآمالها واحلامها، ولا يمكن لاي قوة ان تنتزع منها ثمرة هذا النضال.
وكل المحاولات التي يبذلها الاستعمار والصهيونية والرجعية ليس إلا نتيجة واحدة، هي انكشاف جيوب جديدة تصفيها الثورة الشعبية.
فالثورة في اندفاعها البناء تتجاوز عن كثير من هذه العناصر وتتسامح معها مؤملة ان التغيير الثوري سيهز الضمائر ويوقظها، وكأنها تعطي بذلك كل الفرص الانسانية لمن بقي فيه ذرة من حب للعدل والحرية.الا ان الرجعية يستفزها ان ينتصر العدل، وان تتحقق الكرامة لجموع المحرومين والمضطهدين، وان تنهض دولة الاشتراكية، وهكذا يفلت الزمام وينكشف التآمر، وتصفي الثورة اعداءها .

نشرت هذه الافتتاحية في مجلة «الكاتب» سبتمبر 1965
«خناقة» على عدالة سيد قطب في «الرسالة»
* للأستاذ محمود محمد شاكر منزلة كبيرة لدي، فأنا أعهده كاتبا قوي الأسلوب، رصين العبارة، وأعرفه أبيا مخلصا يتدفق غيرة على الاسلام، وتعصبا لأفذاذه الأبطال، لذلك أقبل على قراءة ما يدبجه يراعه المؤمن في شوق واهتمام.وقد طالعت أخيرا ما كتبه بمجلة (المسلمون ـ العدد الثالث ص 38 جمادى الأولى سنة 1371)تحت عنوان لا تسبوا أصحابي، فوجدت المجال واسعا للخلاف بيني وبينه، ولم أشأ ان اطوي ما دار بخلدي عن القراء، فرأيت ان اناقش الكاتب الكبير فيما سطره راجيا ان يحق الله الحق بكلمته، فالحق وحده هدف الكرام الكاتبين، وفي طليعتهم الاستاذ الجليل.
ولعل من الأوفق ان أبدأ بتلخيص الفكرة التي يدور حولها مقال الاستاذ شاكر، فأعلن أن الكاتب الفاضل ينحى باللائمة على المجاهد الداعية الاستاذ سيد قطب ـ وان لم يصرح باسمه ـ اذ تعرض في كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام» الى اناس عدهم الاستاذ شاكر من أفاضل الصحابة، وقد خصهم صاحب الكتاب بما لا يليق في مذهب الاستاذ شاكر من النقد والتجريح، وهو بذلك يخالف ما اجتمع عليه الرأي السائد من تقديس أصحاب الرسول «إذ لا سبيل لأحد من أهل الأرض ماضيهم وحاضرهم أن يلحق أقل أصحاب محمد، مهما عهد في عبادته ومهما تورع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سره وعلانيته، كما قال الاستاذ الجليل.
وقد بدأ الاستاذ شاكر مقاله بحديث الرسول «لا تسبوا اصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو ان احدكم انفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»واندفع في سياق منبري في سرد الأدلة الخطابية، ويستثير النوازع العاطفية، ويستشهد قول الرسول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» كما ذكر حديثاً يدور حول هذا المعنى، محاولاً ان يؤيد بذلك كله دعواه الخطيرة الى تقديس أناس بعدوا عن الحق فيما سجله عليهم التاريخ من أعمال.ومما نحمد الله عليه أن الحق ـ في هذه الناحية ـ واضح ابلج لا يحتاج الى برهان.
وقبل ان نعرض ما ذكره الاستاذ قطب في شأن معاوية واصحابه، نذكر ان الاستاذ شاكر قد اثار هذه العاصفة وحجته الوحيدة، ان كل صحابي رأى الرسول وسمع عنه قد اكتسب مكانة تحرم على كل انسان ان ينقد اخطاءه أو يظهر أغلاطه، «فإذا اخطأ احدهم فليس يحل لهم ولا لأحد ممن بعدهم ان يجعل الخطأ ذريعة الى الطعن عليهم»... كما ذكر الكاتب وحسما للنزاع من أقرب طرقه، نبدأ بتحديد معنى الصحابي، وهو ـ في أبسط حدوده ـ يطلق على كل انسان حصلت له رؤية الرسول أو مجالسته، فجميع من سعدوا بمشاهدته صلى الله عليه وسلم في حياته بعد الاسلام صحابة يشرفون بهذه الصفة المباركة، حتى عبد الله بن أبي رأس النفاق بالمدينة، فقد قال الرسول لمن هم بقتله: «معاذ الله ان يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، فعبد الله من اصحاب محمد كما ينطق الحديث، فليت شعري أينطبق الحديث القائل لا تسبوا اصحابي على جميع من سعد بالصحبة، أم يخص من باعوا أرواحهم وأموالهم لله من المؤمنين الصادقين؟ لا بد ان تكون الطائفة الأخيرة هي المقصودة دون أدنى تردد أو نزاع، فكل من تمسك بأخلاق الاسلام من اصحاب الرسول وشهد تاريخه بمروءته وصدقه فهو موضع التجلة والتبجيل، ولا يجوز لمسلم يدين بالاسلام أن ينتقصه في شيء، وكل من حامت الشبهات فوق تاريخه فهو موضع الملامة والنقد لأن الناس سواسية أمام الاسلام، ولا فضل لعربي على أعجمي بغير تقواه، والاسلام لا يقدس غير البررة المخلصين.
ومعلوم ان الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا من الدين والجهاد بمنزلة واحدة، ففيهم من اسلم في فجر الدعوة منذ أعلنها الرسول وقطع السنوات المتتابعة في الجهاد والجلاد، وفيهم من أسلم قبيل الفتح أو بعده والسيف مصلت على رأسه، وفيهم من بذل الكثير من الدم والمال وادخر القليل، وفيهم من تقاعس ولم يبذل شيئاً من دمه وماله، ومن الظلم البين ان نرتفع بهؤلاء جميعاً الى منزلة واحدة، بل على التاريخ أن يهيئ لكل انسان منزلته وفق ما أسلف من أعمال «لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وانفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلاًّ وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما» 95 النساء.
واذا كان الاستاذ شاكر يرى أنه لا يجوز لأحد من الناس أو من الصحابة أن يجعل الخطأ ذريعة الى الطعن في المخطئين، فماذا يفعل في الصحابة اذ أحلوا لأنفسهم ما حرمه عليهم الآن، فخطأ بعضهم بعضاً، وطعن فريق منهم على فريق آخر يناوئه، أفيكونون بذلك قد خالفوا الحديث النبوي كما فهمه الاستاذ شاكر..أم عرفوا ان الصحبة وحدها لا تعصم من النقد والملام؟
لقد اتضح بجلاء ان الحديث الذي عنون به الاستاذ مقاله لا يندرج على جميع من سعد بالصحبة، بل يختص الطائفة المناضلة التي لم تترك أخلاق القرآن في موقف، أو تنبذ روح النبوة في صنيع، وجميع من سار على النهج القويم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود موضع القدوة والاحتذاء من المسلمين، وحرام على كل مؤمن ان يحوم على احد منهم بطعن أو تجريح، أما الذين تأخر بهم الركب عن اللحاق بالاسلام في مشرق شمسه، فيجب ان ننظر الى صحف اعمالهم ومواقفهم في الحياة ثم نحكم عليها في ضوء القرآن والنبوة، وهذا ما فعله الاستاذ سيد قطب، فقد نظر الى أعمال معاوية وطائفة من بني أمية نظرة اسلامية صادقة، فوجد خليفة المسلمين قد بعد عن روح الاسلام في اكثر اعماله، وساعده في هذا السبيل فريق باع آخرته بدنياه، فرأى ان يقول كلمة الحق في أناس تجاوزوا حدود الله في أعمالهم، والاستاذ قطب لم يرد بكتابه ان يكون مؤرخاً راوياً، فالرسالة التي يضطلع بها الآن اعظم من ان تنحصر في حدود التاريخ، ولكنه ينادي بالرجوع الى احكام القرآن، وهدي النبوة، وتعاليم الاسلام، وقد عرف ان الخلافة الاسلامية قد فقدت معناها الديني بعد مصرع علي، وجاء من الخلفاء من أحالها الى ملك عضوض، تبعد عنه روح الاسلام في أكثر نواحيه، وقد ظن كثير من الناس أن هؤلاء الخلفاء الرسميين من لدن معاوية يمثلون الخلافة الدينية التي تتقيد بالقرآن وتهتدي بالسماء، ورأوا من جرائرهم الخلقية، وترفهم المقيت، ولهوهم الماجن ما يبغضهم في الخلافة والاسلام، فقام الاستاذ سيد قطب يدافع عن دينه، ويبين ان الاسلام لا يعترف بخلافة بعد علي، وقد نطق بالحق المؤيد بالتاريخ حين اعلن ان معاوية اول خليفة تحلل من قيود الاسلام، افنقول له بعد ذلك لقد تهجمت على اصحاب الرسول وخالفت هدي النبوة، أم يريد الاستاذ شاكر ان يفهم الناس ان معاوية وأشياعه يمثلون الاسلام بما ارتكبوه من رشوة وخداع وممالأة؟ لو ان الامر كذلك لبعد الناس عن الاسلام، ولبرئ المسلمون من دين يبيح لخلفائه الخديعة والمكر والارهاب واقامة القصور واحتكار الأموال والضياع؟
ولقد كان الاحرى بالاستاذ شاكر ان ينقد ما ذكره الاستاذ قطب عن معاوية نقداً تاريخيا فيبين ان الوقائع التي ذكرها في كتابه الخالد غير صحيحة، ولكنه لا يستطيع ان يفعل شيئاً من ذلك، اذ ان الاستاذ قطب قد نقل وقائعه عن كتب التاريخ ولم يخترعها من عنده اختراعاً، وهي ـ رغم ثورة الاستاذ شاكر ـ معروفة لدى الكبير والصغير.
فمن ذا الذي ينكر ان معاوية حين سير الخلافة ملكا عضوضاً في بني أمية لم يكن ذلك من وحي الاسلام، انما كان من وحي الجاهلية.
ومن الذي ينكر أن أمية بصفة عامة لم يعمر الإيمان قلوبها وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات!!وهذا باستثناء عمر بن عبد العزيز الذي احاطه الاستاذ قطب في كتابه بسياج من المحبة والاجلال، وجعل عهده بقية من عهود الخلافة الراشدة، واشعاعة مضيئة تنير الطريق، وقد بسط الكلام، عن هذا الخليفة العظيم في أربع صفحات طوال!!
ومن الذي ينكر ان يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعاً الى ذلك بدافع لا يعرفه الاسلام؟
ومن الذي ينكر ان معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع علي وفي سيرته في الحكم بعد ذلك اقصاء كاملاً لأول مرة في تاريخ الاسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة.فجعله للرشوة واللهو وشراء الضمائر في البيعة ليزيد بجانب مطالب الدولة والفتوح بطبيعة الحال.
هذه وأمثالها أمور مسلمة في التاريخ لا يستطيع الاستاذ شاكر ان ينكرها بحال.ونحن نعجب كثيراً حين نجده في مقاله يلبس مسوح الوعظ والارشاد فيقول:«يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم.يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا».«ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا».أفبهذه الآيات وأمثالها يستطيع الاستاذ شاكر ان يسكت لسان التاريخ؟
كنا ننتظر من الاستاذ ان ينقد هذه الحوادث التاريخية نقداً موضوعيا يحدد على ضوئه موقف معاوية من تعاليم الإسلام! ولكن الاستاذ لا يستطيع ان يأتي لمعاوية بتاريخ جديد فذهب يدافع عنه من باب آخر، فنقل عدة روايات تدل على أنه حسن الصلاة!!وأنه أوتر بواحدة!فقال ابن عباس إنه فقيه!!وأن الرسول قد قال:اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب!!وسار في هذا المضمار خطوات اتعبته كثيراً.والعجيب انه يجعل ما ذكره الاستاذ قطب عن تاريخ معاوية روايات متلقفة من أطراف الكتب!وهي ما تنطق به جميع كتب التاريخ، أما ما ذكره الآن من فضائل معاوية فليس من قبيل الروايات المصنوعة، وإن اصطيد من مجمع الزوائد وأمثاله من مراجع الاستاذ، أفهذا منطق يقنع الباحثين!
وقد تعجبت كثيرا وأنا أرقأ قول الاستاذ شاكر عن قطب «إن كان يعلم أنه أحسن نظرا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولى يزيد بن أبي سفيان وهو من بني أمية، وأنه أنفذ بصرا من عمر حين ولى معاوية فهو ما علم!»كأن تولية عمر لمعاوية كافية لأن تمحو أخطاءه فلا يأخذه مؤرخ بملام!ونحن نقر أن معاوية كان حسن السيرة على عهد عمر فولاه أعمال دمشق، ولكنه قلب المجن للتعاليم الاسلامية بعد مصرع عثمان فلم تنفعه تزكية الفاروق في شيء، وعمر رضي الله عنه لا يعلم الغيب حتى تكون تزكيته لإنسان ما في عهده ممتدة الى جميع أعماله مدى الحياة!.
هذا هو معاوية، أما أبو سفيان وهند زوجته وعمرو بن العاص فلا أعلم أن الاستاذ قطب قد تجاوز الحق فيما كتب عنهم من تاريخ!!فجميع المسلمين يعرفون ان أبا سفيان حارب الاسلام حربا لا هوادة فيها، ولم يدخل في حظيرته إلا بعد أن تقررت غلبة الإسلام!وأن زوجته هند قد ولغت في الدم حين أخذت كبد حمزة بين فكيها، ولاكتها لتأكلها فلم تستطع، وأنها قالت عن زوجها حين أسلم:اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم ودافعتم عن أموالكم، ثم أسلمت بعد ذلك ايضاً!!وان ابن العاص قد عاون معاوية في خصامه مع علي جرياً وراء مآرب يدخرها لنفسه دون نظر الى صالح الاسلام والمسلمين!!هذا كله ما ذكرته كتب التاريخ، أفيلام الاستاذ قطب اذا ذكره في معرض الدفاع عن الاسلام وتبرئته من آثام المذنبين، أم يريد الاستاذ شاكر أن يؤخذ الاسلام بجرم أبنائه ومدعيه، حين يحتضن اناساً لم يتمسكوا بأهدابه وقواعده، ما يكون لنا أن نتكلم بهذا في ذلك الشأن.
ولقد تعمدت ان أكون واضحاً صريحاً حين تكلمت عن المراد «بالصحابي»فتحدثت عما يفهم من مادة الكلمة دون نظر الى ما دار حولها من اختلاف لدى الأصوليين، اذ هم يذكرون عدة تعاريف تتقارب وتتباعد دون ان نلتقي في ناحية واحدة، ولو تمسك كل انسان بتعريف معين لتضارب القول، واتسعت شقة الخلاف!على ان الصحبة بمدلولها اللغوي تدل على الملازمة، فصاحبك هو الذي يطيل المكث معك أكثر من سواه، وصحابة الرسول بالمعنى الشرعي واللغوي معاً هم أكثر الناس ملازمة له، وليس منهم معاوية وأبوه وأمه ونجله على أي حال، ولن اطيل هنا القول فيما ذكره المحدثون في قول الرسول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»ـ وقد سبق في صدر هذا المقال ـ اذ أن مفسري الحديث قد اجمعوا على ان العبرة بالمجموع لا بالجميع، فقد يوجد في القرن العشرين من هم أفضل بكثير من بعض من عاصروا الرسول العظيم وإذن فليس للأستاذ شاكر ان يتمسك ـ بهذا وأمثاله ـ كدليل يستند اليه في دعواه، وهو من البداهة بمكان لا يحتمل الترديد والاسهاب.
إن من القسوة العنيفة ان يقول قائل عن الاستاذ سيد قطب انه قد بعد في كتابه عن منهج الاسلام، وهو الداعية البصير الذي تشرب روح الاسلام، وفهم دقائق التشريع، ورسم خطوطاً واضحة يترسمها الشباب المتوثب للنهوض والعزة في ظلال الدين الحنيف، وكان بجهاده الميمون رائد جيل، ومنقد نفوس، وداعية اصلاح.
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولاً .

(((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((( ((يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــع)))))))) )))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))))) ))

البحر المحيط
12-05-05, 09:51 PM
نشر بمجلة «الرسالة»، العدد 973، سنة 1952
*لولا اني اكره خلائق السوء، لما حملت هذا القلم لأرد به على هذا الذي تكلف مؤونة الجدال عن صاحبه، ولولا انه كتب ما كتب في الرسالة، وهي مألف قديم يحن إليه هذا القلم، لما غلبني على ما أدبت به نفسي من هجر صغائر الأمور، ومن خلائق السوء عندي ان يجهد كاتب قلمه في نقد ما أكتب، ثم أغفل رده الى الحق ان اخطأ، أو متابعته على الصواب اذا اصاب.ومهما يكن رأيي فيما كتب الاستاذ، فإني اجد الحق يلزمني ان اعود اليه بالتذكير والإبانة، غير متلجلج في استنقاذه مما تورط فيه، ولا مستنكف ان يكون في بعض كلامي هذا تكرار لما قلت، مما ارجو ان يكون انما غفل عنه غير متعمد ان شاء الله.
وأنا أقدم بين يدي الاستاذ الفاضل، معذرتي في أن اسامحه فيما وصف به ما كتبت، وما وقر في نفسه وأبان عنه بقوله اني اندفعت في سياق منبري، أسرد الأدلة الخطابية، وأستثير النوازع العاطفية.وكان خليقاً به قبل ان يقول ما قال، ان يعرف اسلوبي فيما اكتب، ثم ينظر اليّ بعيني مبصر يتحقق:أصحيح اني ألجأ الى الخطب المنبرية، والأدلة الخطابية، والنوازع العاطفية، أم الحق أني اتحرى أمراً أنا مسؤول عنه بين يدي ربي، أو على الأقل:أعتقد أنا اني مسؤول عنه بين يديه سبحانه؟!واذا كان كثير من الناس قد نسوا انهم محاسبون يوم القيامة، فإني لم أنس بعد، وأسأل الله ان يعينني على أن لا أنسى، وان عد الاستاذ الفاضل هذا الكلام ايضاً خطبة منبرية، أو استثارة عاطفية!ولعل قراء الرسالة، لم يقرأوا ما كتبت في مجلة «المسلمون»ولست احب ان اعيد عليهم ما كتبت هناك، ولكني احب ان ابين لهم عن أصل هذا النزاع الذي نازعنيه الاستاذ الفاضل.وذلك اني رأيت كاتباً بسط لسانه بسطاً عريضاً في دين جماعة صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم:معاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، وأمه هند بنت عتبة، وعمرو بن العاص، ثم ادخل معهم سائر بني أمية.وزعمت في هذه المقالة أيضاً اني لن أناقش منهجه التاريخي:«لأن كل مدع يستطيع ان يقول هذا منهجي، وهذه دراستي» وقلت:«وايضاً فإني لن أحقق في هذه الكلمة فساد ما بنى عليه الحكم التاريخي العجيب، الذي استحدثه لنا هذا الكاتب، بل أدعه الى حينه»وقلت:«بل غاية ما أنا فاعل:أن أنظر كيف كان أهل هذا الدين، ينظرون الى هؤلاء الأربعة بأعيانهم، وكيف كانوا ـ هؤلاء الأربعة ـ عند من عاصرهم ومن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم».
وأظن أني بهذه الكلمات قد حددت كل التحديد غايتي فيما أكتب.أظن ذلك، وأظن ايضاً ان لكل كاتب بعض الحرية!!في أن يحدد ما يريد لنفسه في سياق ما يريد ان يكتب.وبخاصة اذا كان يريد أن يعرف الناس بشيء هم قد غفلوا عنه، وبخاصة في زمن أصبح العلم فيه لجاجات تكتب كما تكتب مقالات الصحف اليومية في المنازعات الحزبية! وبخاصة في أمر فيه نذير شديد من الله سبحانه!وبخاصة اذا كان هذا الكاتب يؤمن بأن الانسان مسؤول بين يدي ربه عن كل ما يقول وكل ما يكتب وكل ما يفعل!
بيد ان الاستاذ الفاضل ظن انه كان يجب عليّ أولاً غير هذا اذ ظن ان صاحبه نقد معاوية نقداً تاريخيا، فطالبني ان أبين الوقائع التي ذكرها في كتابه غير صحيحة، ثم زاد شيئاً آخر عجل اليه فزعم اني لا استطيع ان أفعل شيئاً من ذلك، لأن صاحبه نقلها من كتب التاريخ ولم يخترعها اختراعاً، ولأنها معروفة لدى الصغير والكبير؟! فأظن انا ايضاً اني بينت عن طريقي في الكلمات التي نقلتها آنفاً، وأني سوف اترك هذا الى حينه، فلست ادري لم يعجل الاستاذ الفاضل كل هذه العجلة على امرئ مثلي، فيضربه بالعجز عن ذلك قبل ان يبين عن حجته؟ فهذه العجلة هي التي انكرها على صاحبه، وانكر ان تكون ادباً يتأدب به العالم أو المتعلم، ومن الحق على كل عاقل ان ينهى نفسه عنها، وان ينهى من يرتكبها، لأنها مخالفة لكل أصل من أصول العلم والتعلم، ولأنها تورث مرتكبها نفس الداء الذي اتى منه صاحبه الذي تهجم على ضمائر خلق الله، فكاد يقطع قطعاً جازماً بنفاق معاوية وأبي سفيان وهند وعمرو بن العاص وسائر بني أمية!من أين يعلم اني عجزت أو اني سوف أعجز؟ لا أدري!
ومثل هذا في الجراءة ما أتبعه من اسئلة اذ يقول:
«من الذي ينكر ان معاوية حين سير الخلافة ملكا عضوضاً لم يكن ذلك من وحي الاسلام، إنما كان من وحي الجاهلية؟.
«ومن الذي ينكر أن أمية بصفة عامة لم يعمر الايمان قلوبها، وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات؟...
«ومن الذي ينكر ان يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعاً الى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؟
«ومن الذي ينكر ان معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع علي، وفي سيرته في الحكم بعد ذلك اقصاء كاملا لأول مرة في تاريخ الاسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة، فجعله للرشوة واللهو وشراء الضمائر في البيعة ليزيد؟
«هذه وأمثالها أمور مسلمة في التاريخ، لا يستطيع الاستاذ شاكر ان ينكرها بحال.ونحن نعجب كثيراً حين نجده في مقاله يلبس مسوح الوعظ والارشاد...».
نعم يا سيدي الشيخ!نعم!فإني لمحدثك عمن ينكرها:أنا انكر هذا كله وينكره المؤمنون من قبلي، واذا كنت أنت وصاحبك تسلمان بها، فأنا لا استطيع ان اسلم بها.وتقول: هذه دعوى ليس عليها بينة!فأقول:نعم، هي في هذا السياق وليس عليها بينة، إلا أن آتيك بالدليل على بطلان ما ذهب اليه صاحبك الذي توليت الدفاع عنه.بيد انك أسأت حين عجلت الى شيء لم تعرف ماذا أقول فيه، وكيف استطيع ان اتناوله بالنقد والتمحيص.ولو انت صبرت حتى تعرف لأتاك البيان عما أنكرت وما عرفت من أخبار صاحبك، التي وصفتها بأنها متلقفة من اطراف الكتب، لا أقول بلا تمحيص وحسب، بل أقول ايضا بالحرص الشديد على تتبع المثالب القبيحة، وبالحرص المتلهف على اجتناب المناقب الفاضلة، وبالغلو الأرعن في سياق المثالب وفي تفسيرها، وفي تجليتها، وفي استخراج النتائج من مقدمات لا تنتجها، كما يقول أصحاب المنطق.
وأنا احب ان اخلع معك مسوح الوعظ والارشاد خلعا لا رجعة بعده!فتعال أيها الشيخ الى غير واعظ ولا مرشد!تعال حدثني وأحدثك، ودعني ودعك من:«قال الله تعالى» و«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»فإنهما في زماننا هذا ـ من مسوح المتدينين بلا دين!دعنا نعرف الكتب التي بين أيدينا لا نرفع بعضاً ولا نضع بعضاً، لأن هذه كتب تاريخ لا يوثق بها، ولأن هذه كتب اصحاب دين ووعظ وارشاد يوثق بها!ثم ننظر بعدئذ بالعقل المجرد ماذا يكون؟!
ودعني أيها السيد أعيد عليك ما قلت في مقالك:«ونحن نقر أن معاوية كان حسن السيرة على عهد عمر، فولاه أعمال دمشق، ولكنه قلب المجن للتعاليم الاسلامية بعد مصرع عثمان...»ولا أسألك من أين علمت أنه كان حسن السيرة على عهد عمر؟ ولكني أسألك:ألست تعلم أنه قد نشب الخلاف بينه وبين علي؟ فتقول:نعم ولا بد.ثم أسألك: ألست تعلم أنه كان لهذا شيعة ولذاك شيعة؟ فتقول:نعم، ولا بد.فأسألك:ألست تعلم أن كل شيعة قد غلت في صاحبها وتعصبت له؟ فتقول نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم ان الأمر حين انتهى الى معاوية واجتمع عليه الناس في عام الجماعة اذ أسلم إليه الحسن أمر الخلافة.لم تزل شيعة علي باقية في الناس كشيعة معاوية؟ فتقول:نعم ولا بد. فأسألك:ألست تعلم أن الخلاف بين الشيعتين ظل مستمراً مدة بقاء معاوية ومن بعده؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم ان الحسين بن علي قتل في عهد يزيد بن معاوية؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم ان مقتل الحسين وما تبعه من الحوادث في عهد يزيد بن معاوية قد أوقد نار العداوة بين شيعة علي وشيعة معاوية؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم أن شيعة كل منهما قد انتشرت في الناس بما بينهما من العداوة؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم ان من هاتين الشيعتين العالم والجاهل؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم ان كل عالم أو جاهل كان يحدث عن خبر شيعته وخبر شيعة عدوه؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك الست تعلم ان هذه الأخبار ربما كان فيها الصحيح والسقيم والصادق والمكذوب كما يكون في كل شيعتين متنابزتين؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسلك:ألست تعلم ان الأمر سار على ذلك الى ما بعد انقضاء دولة بني أمية؟ فتقول:نعم ولا بد، فأسألك:ألست تعلم انها استمرت اذن على ذلك منذ سنة 40 من الهجرة الى وقت تدوين الكتب، أي في أواخر القرن الأول؟ فتقول:نعم ولا بد. فأسألك:ألست تعلم أنه ليس في أيدي الناس كتاب مكتوب قبل ذلك العهد؟ فتقول:نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم ان طريق القوم كان هو الرواية فحسب؟ فتقول: نعلم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم عندئذ ان العقل يوجب ان تعرف راوي كل خبر حتى تتبين من أي الشيعتين هو؟ فتقول: نعم ولا بد.فأسألك:ألست تعلم أنه ظلم قبيح أن تأخذ الخبر لا تدري من رواه، فتطعن به في أحد الرجلين، معاوية أو علي، وأنت لا تأمن ان يكون كذبا صرفا؟ فتقول: نعم ولا بد.
فإذا صح كل هذا عندك ولم تشغب عليّ فيه، فإني أراك رجلاً صالحا، فهل تظن، ولا أقول هل تحقق عندك، أن هذا الطعان في معاوية وأهله، قد ميز هذا كله قبل ان يكتب ما كتب؟ فإن كان قد صح لك، فأنا احب ان أعلم كيف صح لك، حتى اتبعك على الحق.وان لم يكن صح عندك، وهو لم يصح عندي بعد، فدعني عند قولي لك:أنا انكر هذا كله وينكره المؤمنون من قبلي، واذكرني دائماً بأني لا اعد امثال هذه الروايات المجردة من رواتها، وفي مثل هذا الموضع المشتبه من العداوات، شيء يمكن ان اسلم به.فإني لا احب ان استهلك عقلي في العبث والجهالات.واعلم اني لا انقاد لما لا بينة عليه، وان للعقل شرفاً لا يرضى معه بالتدهور في مواطن «الغفلة وسوء الأدب.ولو أنت لم تعجل لكان البيان آتيك بعد قليل عن الذي استطيعه من ذلك وما لا استطيعه، غفر الله لك، أقولها خالصة من قلبي، بلا مسوح وعظ وارشاد!.
وأنا اخذتك من أهون المآخذ في طريق العقل، فهناك طرق اخرى أشق وأصعب في تمييز هذا العبث لم أدفعك اليها، وارجو ان تصبر حتى تعرفها يوما، أو ان تحاول انت ان تصل اليها بما اوتيت من حسن العقل، فإن المحاولة خليقة ان تفضي بك اليها.ولكن شرطها ان تدع العصبية لآراء الرجال، وبخاصة اذا كان هؤلاء الرجال ممن يبنون أقوالهم على الغلو والتسرع وسوء الفهم، وقبح المقصد، ومعاندة الحق لهوى في النفوس يعلمه الله وحده، ولكن يدل مطلعه على أنه هوى.فإذا فعلت استطعت أن توفر على نفسك مطالبتي بنقد الحوادث التاريخية التي رواها صاحبك «نقداً موضوعيا»!ومع ذلك فسأفعل حيث كتبت كلامي ما يرضيك.ولكن على شرط ان اجد عندك ما احب لك من حسن الظن فيك:أن تعرف ان النقد الموضوعي الذي زعمت، ينبغي ان يسبقه التحقق من صحة هذه الحوادث تحققاً ينفي كل ظنه.واستطيع أن اظن اني قدمت لك في هذه الكلمة ما يجعلك تقف من هذه الروايات التاريخية!موقف المتردد على الأقل، أنفة لعقلك وأدبك ان يزلا حيث زل من دافعت عنه.
أما الموضوع الذي نصبت له كلامي في مجلة «المسلمون»فهو سب الصحابة، وأظن أن الاستاذ يوافقني على أن كلام صاحبك خرج أولاً عن أن يكون تخطئة لمعاوية، ثم خرج عن ان يكون طعناً فيه، ثم خرج عن ان يكون سبا.خرج من هذه المراتب الثلاث الى مرتبة رابعة، هي أن معاوية بريء من الاسلام، والاسلام بريء منه.فأدنى مراتب هذا القول ان يكون منافقاً، وآخرها ان يكون كافراً بما جاء به الرجل الذي آمن به المسلمون وأمروا ان يسموه «رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ومن العسير ان اكتب في هذا الموضوع الآن دون ان أتوشح بذيل من ذيول «مسوح الوعظ والإرشاد»، فليأذن لي الاستاذ قليلا ان ارد فضلة من الثوب الذي خلعت حتى أستطيع ان اوضح له:
زعمت يا سيدي ان لي رأياً، فقلت اني اثرت هذه العاصفة وحجتي الوحيدة:«أن كل صحابي رأى الرسول وسمع عنه قد اكتسب مكانة تحرم على كل انسان ان ينقد اخطاءه أو يظهر اغلاطه».ويلك!انسبت اليّ شيئاً لم أقله قط كما ستعلم بعد، فلا تنس اذن ان مثل هذا جائز ايضاً ان يكون وقع من مثلك قديما، فنسب الى معاوية شيئاً لم يقله كما نسبت انت اليَّ شيئاً لم أقله، ولكني كنت أحسن حظا من معاوية رضي الله عنه، فإن كلامي مكتوب منشور، اما معاوية، فقد روى الناس عنه شيئا ذهب اصله، لانه لم يكتبه كما كتبت.صدقني، فلست ادري من اين فهمت هذا الكلام الذي ترجمته؟ ولكن عذرك باد ظاهر، فإن دفاعك عن صاحبك دليل على انك على الاقل تفكر كما يفكر، وهذه الطريقة هي نفسها طريقته التي ادعوك الى فراقها حتى لا تهلك عقلك فيما لا يجدي.والذي قلته بعد الخطبة المنبرية التي زعمتها، والتي بدأتها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا اصحابي..»هذا نصه:«وليس معنى هذا ان اصحاب محمد رسول الله معصومون عصمة الانبياء، ولا انهم لم يخطئوا قط ولم يسيئوا، فهم لم يدعوا هذا، وليس يدعيه أحد لهم.فهم يخطئون ويصيبون، ولكن الله فضلهم بصحبة رسوله، فتأدبوا بما ادبهم به، وحرصوا على ان يأتوا من الحق ما استطاعوا، وذلك حسبهم، وهو الذي امروا به، وكانوا بعد توابين اوابين كما وصفهم في محكم كتابه.فاذا اخطأ احدهم، فليس يحل لهم، ولا لأحد ممن بعدهم، ان يجعل الخطأ ذريعة الى سبهم والطعن عليهم. هذا مجمل ما ادبنا به الله ورسوله.بيد ان هذا المجمل اصبح مجهولا مطروحا عند اكثر من يتصدى لكتابة تاريخ الاسلام من اهل زماننا، فاذا قرأ احدهم شيئا فيه مطعن على رجل من اصحاب رسول الله سارع الى التوغل في الطعن والسب بلا تقوى ولا ورع، كلا بل تراهم ينسون ما تقضي به الفطرة من التثبت من الاخبار المروية، على كثرة ما يحيط بها من الريب والشكوك ومن الاسباب الداعية الى الكذب في الاخبار ومن العلل الدافعة الى وضع الاحاديث المكذوبة على هؤلاء الصحابة (مجلة المسلمون عدد 3 ص 247).
وانا اكره ان انقل كلاما لي من مكان الى مكان، ولكنك استكرهتني على نقله، حتى لا يقع في عقل أحد من قراء الرسالة، اني مستطيع ان اقول هذه المقالة المنكرة القبيحة بكل مسلم:ان للصحابة مكانة تحرم على كل انسان ان ينقد اخطاءهم او يظهر اغلاطهم، هذه يا سيدي كلمة قبيحة جدا، واقبح منها ان تجعلها ترجمة لكلام مكتوب باللغة العربية التي تكتب بها وتقرأ فيما اظن، ثم تنسبها الى امرئ يعرف حق الكلام ويلتزم مقاطعه ومطالعه وحدوده، وما يوجبه اللفظ من المعاني، وما يتناوله من دقيق الاستنباط.وانا اشهد كل قارئ اني لم اقل ما قولتنيه وأدع له حق الحكم بيني وبينك ان يكون في كلامي حرف واحد يدل على اني اردت بعض هذا المعنى الذي ترجمته كما ترجم صاحبك تاريخ معاوية ومن معه من الصحابة وتاريخ سائر بني امية. افتظن ان قولي انه لا يحل لأحد ان يجعل «خطأهم» ذريعة الى سبهم والطعن فيهم معناه انهم لا يخطئون او ان اخطاءهم لا تنقد؟ واين ذهب عمري اذن، اذا كنت لا اعلم ان الصحابة اخطأوا، وان علماءنا رضي الله عنهم قد بينوا اخطاءهم حتى فيما هو من امور دينهم؟ ولكن فرقا كبيرا بين ان تذكر عمل الصحابي او قوله، وتأتي بالبرهان على انه مما اخطأ فيه، وبين ان تجاوز ذلك الى الطعن فيه، ثم الى سبه، ثم الى اخراجه عن الدين، كما فعل صاحبك وهذا فرق ليس بالخفي فيما اظن، ولا اظنك الا تورطت فيه من شدة اثر صاحبك عليك، حتى خدعك عما انت خليق ان تكون من اهله.هذه واحدة ارجو ان تكون راجعا عنها منتفيا من سوء اثر صاحبك عليك فيها.
واخرى تبين فيها سوء اثر صاحبك عليك:وهي تحديدك، فيما تزعم، لمعنى «الصحابي»واستدلالك بالكلمة التي جاءت في الخبر عن عبد الله بن ابي «معاذ الله ان يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه».فهذه كلمة ذكرها، يخشى ان تدور على ألسنة المشركين الذين لا يميزون مؤمنا عن منافق، وكلهم عندهم من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لا ان رسول الله يسمي المنافقين اصحابا له!!وكيف وقد نزل عليه من ربه نفاقهم وكفرهم، ونهاه ان يصلي عليهم، وبينهم له بأعيانهم، فمعاذ الله ان يسمي رسول الله أحدا من المنافقين الذين يعلمهم «صاحبا».فمن سوء الادب ان يقول مسلم:«فعبد الله بن ابي من اصحاب محمد كما ينطق الحديث»، ومن قلة المعرفة بالعربية ان يقولها قائل، ومن التسرع البغيض ان يلجأ اليها باحث، ومن ضعف المنطق والفهم ان يحتج بها محتج.فهي حكاية قول يخشى ان يقولوه، لا تسمية له باسم الصحبة.اعوذ بالله من الخطل!ورحم الله العرب ولسانهم!
اما ما حاول الاستاذ ان يجعله تحديدا لمعنى الصحابي، وهو ثلاثة ارباع مقاله، فأظنني لم افهمه، ولم ادر ماذا كان يريد ان يقول ثم اخطأه، واظن انه اراد ان يقول في كل ما كتب:ان الصحابي هو الذي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه وآمن به ولازمه ومات على ايمانه ولم يرتد ولم يشهد له رسول الله بنفاق او لم يذكر فيه حكم خاص من رسول الله وهذا حق، الا ان الاستاذ ادخل شرط الملازمة، وهو باطل من وجوه كثيرة، لا اطيل بذكرها، ومع ذلك فإني أؤكد ان معاوية ممن صاحب رسول الله منذ رمضان سنة ثماني من الهجرة الى ان توفي بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من السنة الثانية عشرة من مهاجره الى المدينة.واما ابوه ابو سفيان فقد ولاه صلى الله عليه وسلم نجران وصدقات الطائف ورسول الله لا يولي منافقا!!واما عمرو بن العاص، فلا اظن الاستاذ يستطيع ان ينكر هجرته ومصاحبته وبلاءه في الاسلام واما هند فأسلمت يوم اسلم زوجها او بعده بيوم في سنة ثماني من الهجرة. وهجران الاستاذ لمعرفة تاريخ هؤلاء الاربعة، عادة اكتسبها من الكتب التي يقرؤها، كتب تكتب بلا بينة ولا حذر ولا معرفة.
ولا اظن اني قرأت كلاما لم افهمه، كالذي قرأته في مسألة الصحابة، وان كان الاستاذ بالطبع يظن بكلامه غير ما اظن، ولكني انصحه مرة اخرى ان يلتمس العلم في كتب من يلتمس عندهم العلم.واذا كان يخشى على دينه ـ ومعذرة ارتداء مسوح الوعظ والارشاد ـ فليأخذ امر دينه عن ثقة في تمييز الصحيح من الزيف والحق من الباطل وليدع اصحاب الاهواء حيث رضوا لانفسهم منازلهم من مزالق الهوى وليستغفر ربه من الكلمة الكبيرة التي قالها حمية لصاحبه وغضبا انه «قد يوجد في القرن العشرين من اهم افضل بكثير من بعض من عاصروا الرسول العظيم».والظاهر ان الاستاذ لا يعيش في هذا القرن العشرين عيشة العارف البصير، والظاهر ايضا انه يحتاج الى معرفة كثير مما خفي عليه من شؤون اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن امر دين الله الذي اكمله للمؤمنين، واتم عليهم نعمته ورضيه لهم ولنا دينا، ونصيحة اخرى الى الاستاذ ان يضع عن يده عبء القلم، فإنه ثقيل ثقيل. ولولا الحياء من ان اترك كلامه ومنطقه في الكتابة، بلا مجيب، لخفت عنه ثقل الكتابة وثقل الفكر وثقل القلم جميعا، بالصمت عما جاء به ودهوره في امور قلت معرفته بها، ويعجز فكره عن معاناتها والسلام >

نشر المقال بمجلة «الرسالة»، العدد 974، سنة 1952
*حين يكتب القارئ نقدا لمقال قرأه، يود من اعماق نفسه ان يصل الى الحقيقة على ضوء ما يعقب المقال من حوار وحديث وواجب المنقود ان يواجه الحقائق سافرة واضحة، ثم يجيب عنها واحدة واحدة، اذ ان القراء يتتبعون النقاش فقرة..فقرة، ويوازنون بين الطيب والخبيث في دقة بالغة، ويصدرون الرأي عن ثقة واقتناع.
وقد ناقشت الاستاذ شاكر، بما لا استطيع ان احيد عنه من الادب والذوق، راجيا ان اجد لديه الاجابة الشافية المقنعة، فماذا وجدت؟!وجدت ان الاستاذ المهذب قد خصني بكثير من الزراية والجهل وقلة المعرفة وضعف المنطق وسوء الادب، وليته وقف عندي بشتائمه وسبابه، بل انتقل الى الاستاذ الكبير سيد قطب، فرماه ظالما بسوء الفهم وولج الى ضميره، فاتهمه بقبح المقصد وخبث الطوية ومعاندة الحق لهوى في النفوس يعلمه الله، وبالحرص على تتبع المثالب القبيحة واجتناب المناقب الفاضلة وبالغلو الارعن في سياق المثالب وتفسيرها، ثم ينضح اناؤه بهذه التهم الجاحدة ملقيا بها في عنف وحدة الى قراء الرسالة، وهم جميعا يعرفون فضائل قطب فأين ذهبت عنه الحصافة والاتزان؟
وقد حاولت ان اجد لدى الاستاذ في رده الطويل العريض شيئا يقنع المنصفين، فما وجدت غير التنقص والسباب!!وقد دعوته في مقالي السالف الى هجر الوعظ والارشاد في الجدل العلمي، فصاح يقول على رؤوس الاشهاد «من العسير ان اكتب في هذا الموضوع دون ان اتوشح بذيل من ذيول الوعظ والارشاد»، والدفع مع ذيوله الضافية الى ابعد مدى واقصاء، وهكذا ضاعت الحقائق التاريخية لدى كاتب يزهي بنفسه، فيقول انه (يعرف حق الكلام، ويلتزم مقاطعه ومطالعه وحدوده، وان للعقل شرفا لا يرضى معه بالتدهور في مواطئ الغفلة وسوء الادب والخوض في العبث والجهالات).
ولا اريد ان اكيل للاستاذ صاعا بصاع، ضنا بكرامتي، ولكني احاول ان اجمع من مقاله العريض فقرات مبعثرة مضطربة في انحائه، ساقها مساقا مهلهلا لا يعرف الدقة والحدود!لأستطيع دحضها بالرأي الموجز الصريح، جزعا على الحقيقة العلمية من الغرق في اطناب المنابر واسهاب الخطباء.
لقد سطر الكاتب خمسين سطرا من مقاله تبدأ من قوله «دعني أيها السيد اعيد عليك، الى قوله خالصة من قلبي بلا مسوح وعظ وارشاد»!سطر هذه السطور ليقول «ان اخبار معاوية وعلي جاءت عن طريق الرواية فحسب، ولكلا الرجلين شيعته التي تنسج الحوادث وتلفق الاخبار» وقد كنت اقرأ سطوره الطويلة وانا اسأل نفسي اذلك نقاش ام مجرد كلام؟ ولو كانت النتيجة التي وصل اليها الكاتب صحيحة لعذرناه وسكتنا عنه، ولكنها باطلة كل البطلان ولو جاز لانسان ان يأخذ بها في شيء لمزقنا جميع صحف التاريخ الاسلامي من اول عام في حياته الى مائة عام أتت عليه، فلا نتكلم عن ابي بكر وعمر وعلي ومعاوية ويزيد والحسين وعمر بن عبد العزيز!!حتى يعرف الاستاذ شاكر، اسم الراوي وأباه وأمه، ولحسن الحظ ان كتاب التاريخ ورواته لم يستمعوا لهذه الضجة وقدموا الينا مددا وفيرا من الاحداث التاريخية!!ولم تسجل حوادث معاوية واضرابه عند مؤرخ واحد حتى يتهمه الاستاذ بالافتراء والهوى ولكنها انباء متواترة، رواها جميع المؤرخين دون استثناء ولو ان شيعة علي وحدهم الذين اختلقوا مثالب معاوية، لسكت عنها بعض المؤرخين، ولكن هيهات..هيهات!
فهل وجد من المؤرخين من أنكر ان معاوية قد احال الخلافة الى ملك عضوض مخالفا بذلك تعاليم الاسلام؟ وهل وجد من المؤرخين من أنكر ان يزيد بن معاوية قد فرضه ابوه مدفوعا الى ذلك بداع لا يعرفه الاسلام؟ وهل وجد من المؤرخين من أنكر ان معاوية قد جعل جزءا من بيت المال للرشوة وشراء الضمائر في بيعة يزيد.
لم يوجد من أنكر ذلك من المؤرخين، ولكن الاستاذ شاكر ينكره ويدعي ان المؤمنين قبله قد انكروه، وهو بحمد الله لم يكن مؤرخا، ولا نعلم انه خط كتابا في التاريخ، فلم ينسب نفسه الى قوم ليس معهم؟
ويدعي الاستاذ انه لم يفهم شيئا مما كتبته في تحديد معنى الصحابي، فاذا وجدني استدل بحيث الرسول عن عبد الله بن ابي لجأ الى مخرج ينقذه مما واجهته به فذكر ان الرسول قال معاذ الله ان يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه، خشية ان تدور على ألسنة المشركين الذين لا يميزون مؤمنا عن منافق، وكلهم عندهم من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم!!وانا اقول للاستاذ ان المشركين كانوا يميزون المؤمن عن المنافق، ويعرفون نفاق ابن ابي كما يعرفه المؤمنون سواء بسواء، بل انه تعاهد معهم على التنكيل بالدعوة المحمدية ولمسوا من نفاقه ما شجعهم على التعاون معه، وكان اذا خلا اليهم يقول «انا معكم انما نحن مستهزئون»فليس هناك مشركون لا يميزون مؤمنا عن منافق، وعلى الاستاذ ان يبحث له عن مخرج آخر، لو يستطيع!!
واذا كان الاستاذ يصمني بالجهل وسوء الفهم وقلة المعرفة، ثم ينقل فقرات طويلة من مقاله ليبين لقراء الرسالة حقيقة ما قال، ومن هذه الفقرات قوله «فاذا اخطأ احدهم فليس يحل لهم ولا لأحد من بعدهم ان يجعل الخطأ ذريعة الى سبهم والطعن عليهم»اذا كان الاستاذ ينقل ذلك، فلم لم يجب عما وجهته اليه بشأن هذه الفقرة، فقد قلت ان الصحابة قد طعن بعضهم بعضا واستباحوا ما حرمه عليهم، افيكونون بذلك قد خرجوا عن منهج الاسلام أم ان الاستاذ شاكر يرسل كلامه في الهواء فاذا ناقشه كاتب متواضع مثلي لجأ الى الشتائم والسباب!!
ولقد دعوت الاستاذ الى النقد الموضوعي فقال في الرد على ذلك «ان النقد الموضوعي ينبغي ان يسبقه التحقق من صحة هذه الاحداث تحققا ينفي كل ظنة»وانا اقول له ما دمت تنكر هذه الاحداث المتواترة لدى المؤرخين، فلن تقدم للقارئ ما يقنعه ويشفيه، وانا اعلم ان الطعن في رواية الآثار الفردية سائغ ومقبول، اما الوقوف في وجه التاريخ وتفنيد ما اجمع عليه المؤرخون بلا دليل، فلم يجد من يصغي اليه في كثير او قليل.
ولقد نصحني الاستاذ شاكر ان اضع عن يدي عبء القلم، فإنه ثقيل..ثقيل، وذكر ان الحياء يمنعه ان يترك كلامي بلا مجيب!!وانا اعجب للحياء الذي يمنع صاحبه من الصمت المريح، ثم يدفعه الى السب المقذع والطعن الجارح في كاتب كبير كالاستاذ سيد قطب!!فضلا عما وجهه اليَّ من قذائف ظالمة، ثم ما الفرق بيني وبينه حتى يطلب اليَّ ان اكف عن الكتابة، وما هي مؤلفاته التي تبيح له ان يتقدم اليّ بمثل هذا الامر، لأحفظ له حقه في الارشاد والتوجيه؟!اخشى ان يكون استياؤه المفزع من نشاط الاستاذ قطب وانتاجه قد دفعه الى الهجوم عليَّ بألفاظه الحداد!!واني لاستغفر الله له رغم ما اصابني من كلوم .

نشر المقال بمجلة «الرسالة»، العدد 975 سنة 1952
*أكتب هذه الكلمة محزون النفس لشيء اجترحته، كان اولى بي ان اصبر حتى لا ازل عليه.وذلك اني قرأت كلمة في بعض المجلات يقول فيها كاتبها:«فإذا منع الفقير حقه، فله ان يقاتل عليه، لأن الله يأمر بقتال الباغين».«وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله».ولا شك ان مانع الحق باغ، فاحتملتني العجلة وسوء الظن، ان ارى الكاتب قد استدل بالآية في غير مكان الاستدلال بها، فساء قولي في الرجل بين جماعات من الناس، اذ لم يقع لي الا ان الآية في اقتتال طائفتين من المؤمنين، ثم بغي احدى الطائفتين على الاخرى.ولماذا سكن بي الليل أمس (السبت 12 جمادى الآخرة سنة 1371هـ)حاك في قلبي شيء لم ادر ما هو وألح عليَّ ان اكتسبت في ايامي هذه اثما اخشى ان لا افلت من عقابه وارتفعت لعيني هذه الآية بختامها «ان الله يحب المقسطين»فرأيت من العدل والقسط ان ارجع الى تفسيرها والى اقوال الائمة في قتال اهل البغي، فعرفت ما لم اكن اعرف، ان بعضهم قد استدل بها في مثل ما استدل عليه الكاتب الفاضل وان كان لطريقة الاستدلال عندهم نهج غير نهجه وقيد فيما اطلقه.واذا انا قد ظلمته ظلما لا ينبغي، فلم ازل منذ تلك الساعة استغفر الله لما فرط مني وما جرى من لساني من الكلم السيئ، واستغفرت له بما اسأت اليه بظهر الغيب.
فلما قرأت الرسالة في صباح ليلتي (الأحد 12 جمادى الآخرة)، كنت اوشك ان لا احمل القلم مرة اخرى للرد على الكاتب الفاضل في مقاله:«أجل..ذو العقل يشقى».ولكني وجدت السبيل قد تيسر لي ان اعتذر من سيئة اكتسبتها في الاساءة الى رجل بظهر الغيب، لنفس الداء الذي نهيت الاستاذ عنه، وهو العجلة، وانا لم اقصد نهيه الا لما فيه خير له ولي ان شاء الله.
وقد تبين لي بعد قراءة كلمته اني اخطأت ايضا في الذي كتبت به اليه، فوقعت بما كتبت في نفس ما نهيته عنه وما كان اغناني عن هذه الخصلة السيئة التي تجلب عليَّ غضب استاذ فاضل، لم اسمع به ولم اعرفه ولا اظنه يعرفني والاستاذ الفاضل بلا ريب هو عندي أكبر مما ظن في نفسه، واذا كان هو قادرا على ان يضن بكرامته، فالواجب عليَّ انا من قبله ان اضن بكرامته واذا كانت كرامته تأبى ان تنزل منزلة يوجه اليه من أجلها شيء يقدح فيها، فأنا ايضا انزهه عما ظن في كلامي من «الشتائم والتنقص والسباب» واذا كان كلامي الطويل العريض، كما وصف ليس فيه شيء يقنع المنصفين وليس هو الا فقرات مبعثرة مضطربة اسوقها مساقا مهلهلا لا يعرف الدقة ولا الحدود واذا كان كل ما اقوله لا ابغي منه الا ارسال الكلام في الهواء واذا كنت عنده لست مؤرخا ولم اخط كتابا في التاريخ واني ادخلت نفسي في قوم لست منهم، فأظن ان واجبه على الاقل ان يلغي كل ما اقول بمرة فإن من الشقاء له ان يتعقب كلام كاتب هذا شأنه.
وانا لا استطيع صادقا ان افهم الاستاذ الفاضل شيئا مما اقول، فقد عرفت هذا بالتجربة، واذا كان مما يرضيه ان اقول له اني مخطئ في كل ما قلت قديما، وما اقوله الآن، وما سوف اقوله الى ان يكف لساني وقلمي عن اللجاجة وارسال الكلام، فأنا اقول له: اني اخطأت وسوف اخطئ ولن يسمع مني الا ما انا مقر على نفسي بأنه خطأ محض، وازيده اني عاجز كل العجز عن مقاومة حجته وعن دفع براهينه وعن التصدي لما يحسنه من العلم.وبيد اني اعود فأسأله ان يتغمد سوء ادبي بفضله، واذا كان قد استخرج من كلامي سبابا وشتائم، فأنا اعيذه ان يكون غرضا لها، واعتذر اليه، واستغفر الله مما ازلفت اليه من اساءة وله احسن الاسوة في اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن بعض السفهاء لم يتورعوا قط عن سبهم والطعن فيهم بأقبح اللفظ.فأين يقع مثلي من هؤلاء فأنا مهما ملكت من السباب والشتائم والبذاءة وسوء الادب فلن ابلغ بعض ما بلغوا من هؤلاء الصحابة، فلا عليه مني ومن سبابي وشتائمي.وليعلم الأستاذ الفاضل إن كان لايعلم، أن هؤلاء السفهاء في الدنيا كثير، فإذا كان يغضب لكل سفاهة من سفيه، فإن شقاءه سيطول بغضبه، فدع السفهاء وليقولوا ماشاؤوا، وكن انت ضنيناً بكرامتك، فإنها أعز واغلى من أن تبذل على الألسنة. وتقبل إن تفضلت عذري وشكري واحترامي وتقديري، وعجزي عن مخالفتك، وحبي لرضاك، وقد بلغت مني في مقالك ماشئت، وناصيتي بيدك، وفي المثل:«ملكت فأسجح».فافعل مؤيداً منصورا، والسلام .

نشر المقال بمجلة «الرسالة» العدد، 976، سنة 1952
*السلام عليكم ورحمة الله وبعد، فإنني لم ارد ان ادخل بينك وبين الاستاذ شاكر فيما شجر بينكما من خلاف، حتى ينتهي الى غايته، كما انتهى.ذلك انني كنت حريصا على ان ادعك ورأيك، وألا ابدأ تعارفي بك في زحمة الجدل، وان ظن اخونا شاكر ان بيننا صحبة وثيقة هي التي تدفعك الى رد تهجمه او تقحمه، حتى لقد انذرنا معا عداوة يوم القيامة:«الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو»، لأن مألوف الناس قد جرى في هذا الزمن الصغير، على ان الحق وحده، او الرأي وحده، لا يكفي لأن يدفع كاتبا فيكتب، دون هوى من صداقة او علاقة!
ولو كانت بيننا معرفة سابقة، ولو استشرتني قبل ان تدخل مع صاحبنا في جدل، حول ما اثاره من صخب، وما نفضه من غبار، لأشرت عليك ألا تدخل، ولآثرت لك ما آثرته لنفسي من اغضاء واغفال..ذلك انني لم استشعر في هذا الصخب الصاخب اثرا من صفاء نية ولا رغبة في تجلية حقيقة، ولو استشعرت شيئا من هذا ما تركت صاحبي دون ان اجيبه ـ على الاقل من باب الادب واللياقة ـ ولكنني اطلعت على اشياء، ما كان يسرني والله ان اطلع عليها في نفس رجل ربطتني به مودة اصفيتها له في نفسي، بعدما كان بيننا من جدل قديم يعرفه قراء الرسالة عام 1938، وما ازال ارجو ان اكون مخطئا فيما احسست به، وان تبقى لي عقيدتي في ضمائر الناس، وفي الخير الذي تحتويه فطرتهم.
ولو كانت الحقائق هي المقصودة، لما احتاج الكاتب الفاضل الى اصطناع مثل هذا الاسلوب الصاخب المقرقع، ولما لجأ منذ مقاله الاول في «المسلمون»الى الشتم والسب والاتهام بسوء النية وسوء الخلق والنفاق والافتراء والسفاهة والرعونة..الى آخر ما خاضه ـــ ويغفر الله له فيه ـــ فدون هذا وتعالج امور النقد العلمي، وبغير هذا الاسلوب يمكن تمحيص الحقائق.
انه لا معاوية ولا يزيد، ولا احد من ملوك بني امية قد اغتصب مال أبي او جدي، او قدم الى شخصي مساءة ولا الى احد من عشيرتي الاقربين او الابعدين..فاذا انا سلكت في بيان خطة معاوية في سياسة الحكم وسياسة المال، وخطة الملوك من بعده (فيما عدا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه)مسلكا غير الذي سلكته في بيان خطة ابي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم جميعا ـ فليس اول ما يتبادر الى الذهن المستقيم، والنية السليمة، ان ما بي هو سب صحابة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا عن خطأ ولكن عن رغبة قاصدة في افساد الاسلام، وسوء نية في تدنيس المسلمين!!
وكتاب العدالة الاجتماعية مطبوع متداول منذ اربع سنوات، وطبعته الثالثة في المطبعة، والصخب حوله الآن فقط، قد يشي بشيء لا ارضاه للصديق.وقد قرأه الناس في انحاء العالم الاسلامي، فلم يستشعر احد من موضوعه ولا من سياقه، ان النية السيئة المبيتة لهذا الاسلام واهله هي التي تعمر سطوره!
انما احس الالوف الذين قرأوه ـ او على الاقل المئات الذين أبدوا رأيهم فيه ـ ان كل ما كان يعنيني هو ان ابرئ الاسلام من تهمة يلصقها به اعداؤه، وشبهة تحيك في نفوس اصدقائه.اذ يحسبون ان سياسة بني أمية في الحكم وسياستهم في المال، تحسب على الاسلام، والاسلام بريء من هذا الاتهام.
روى سعيد بن جمهان عن سفينة ـ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك. ثم قال سفينة:امسك خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي..فوجدناها ثلاثين سنة..قال سعيد:قلت له:ان بني أمية يزعمون ان الخلافة فيهم.قال كذبوا بنو الزرقا!بل هم ملوك من شر الملوك ـ رواه اصحاب السنن بسند حسن.واحسب لقد كان بنفسي ـ وانا اعرض النظام الاجتماعي في الاسلام ـ ان اقول شيئا كالذي قاله مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ لا عداء شخصيا لبني امية، ولكن تبرئة للاسلام من ان تحسب عليه سياسة لا يعرفها، لا في الحكم ولا في المال.والاسلام منها بريء، فيجب ان يعرف الناس براءته، وان يعرض عليهم في صورته التي عرفتها الخلافة السمحة، وان ينفي عنه ما لحقه في عهود الظلام والاستبداد.
وما كان لي بعد هذا، وانا مالك زمام اعصابي، مطمئن الى الحق الذي احاوله، ان القي بالا الى صخب مفتعل، وتشنج مصطنع..وما كان لي إلا ان ادعو الله لصديقنا شاكر بالشفاء والعافية والراحة مما يعاني، والله لطيف بعباده الاشقياء.
اما انا فما احب ان يكون لي مع قوم خرجوا على خليفة رسول الله، وقتلوا ابن بنت رسول الله، ورموا وحرقوا بيت الله، وساءوا في سياسة الحكم وفي سياسة المال على غير هدى الله..ادب ارفع من ادب مولى رسول الله، الذي أدبه ورباه .

نشر المقال في باب «البريد الادبي» بمجلة «الرسالة»
العدد 977، سنة 1952
*لما كانت المعركة الاولى (سنة 1938)كنت مع الاستاذ شاكر على الاستاذ سيد قطب، فكيف اكون الآن مع قطب على شاكر؟ ذلك لأني دائما مع ما ارى انه الحق. والاستاذ شاكر صديق من ربع قرن، والاستاذ قطب رفيقي على مقاعد الدرس في دار العلوم من ربع قرن. وليس بي الآن مدح ولا هجاء، ولا اغضاب ولا ارضاء، ولكن بيان الحق الذي اراه، ولعلي مخطئ في ما ارى.
وانا اعلم ان للصحابة منزلة لا يدنو منها احد منا، واننا مهما سعى الصالحون منا فإنهم لا يلحقون غبار احدهم، فضلا عن ان يحاذوه او يسبقوه.وان لبني أمية في نشر الاسلام وفي فتح الفتوح فضلا لا ينكره احد، وانه كان منهم عظماء حقا ان عد عظماء الرجال، ولكن هل كانت دولة بني أمية دولة اسلامية؟
لقد هدم معاوية اكبر ركن في صرح الدولة الاسلامية حين ابطل الانتخاب الصحيح، وجعله انتخابا شكليا مزيفا، وترك الشورى، وعطل الكفايات.وسن هذه السنن السيئة، بل هذه الجناية التي جرت اكثر البلايا، والطامات التي تملأ تاريخنا السياسي، فهل نقول لمعاوية:احسنت في هذا؟ بل اني لأسأل، هل يقول هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان حيا؟ ان معاوية صحابي جليل، وله مناقبه وفضائله، ولكن حكم الدين على الجميع، ومقاييس الاسلام يقاس بها كل كبير، فهل كان معاوية في عمله هذا متبعا احكام الاسلام؟ هذه واحدة وان كانت بألف.
وهذا الاستبداد، والحكم الفردي، الذي سار عليه ملوك بني أمية، وتحكيم آرائهم وشهواتهم في مصلحة الامة، ودماء افرادها واموالهم، دون تقيد بكتاب او سنة، او رجوع الى علم أو فقه، هل هو من الاسلام؟ واختيارهم شر الولاة، من الطغاة الظالمين وتحكيمهم في رقاب الناس، هل هو من الاسلام؟ هل يقر الاسلام تولية مثل الحجاج على رجولته وعظمة نفسه، وخالد القسري، وامثالهما من الجبارين؟
واثارتهم العصابات والخلافات، بين القبائل وبين الشعراء وتمهيدهم سبيل اللهو والاستهتار، لانفسهم وللناس، لا سيما جيران بيت الله، واهل مدينة رسول الله؟
وعدوانهم على الحريات، وعلى المقدسات، وقتلهم العلماء من امثال الحسين وسعيد بن جبير، وايذاؤهم سعيد بن المسيب، وضربهم الكعبة بالحجارة وبالنار، هل هو من الاسلام؟
ان هذه كلها اشياء ثابتة، لم يفترها عدو، ولم يضعها خصم، وهذه كلها تناقض الاسلام اشد التناقض، بل ان بعضها لم تأت بمثله الجاهلية الاولى.
وما كان عليه العباسيون ومن جاء بعدهم، من الطغيان والعدوان على الانفس والاموال، واتباع غير سبيل الهدى، كل ذلك يسأل عنه بنو أمية، لأن من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة.
وانا اكبر بني امية، وامجد آثارهم، وارفع اقدارهم، لكن لا استطيع ان اقول ان دولتهم كانت دولة اسلامية، لأني اكون قد مدحتهم بذم الاسلام، والاسلام احب اليّ واعز عليّ من بني أمية، وبني هاشم، واهل الارض جميعا .

نشر التعليق في باب «البريد الادبي»
بمجلة «الرسالة»، العدد 978، سنة 1952
*سلام عليك، يقال في المثلكرها تركب الابل السفر).وقد استطعت انت ان تكره العلم الى ما اردت ان انزهه عنه.
فلولا ما اضمرت من قديم المودة لك، ولولا ما عرفت من صدقك، ولولا انني اجلك عن ان تكون عجولا الى غير صواب، ولولا اني اكره ان تأخذ عني شيئا لم اقله بلساني، لولا ذلك كله، لكان ابغض شيء اليّ ان استكره نفسي على غير ما رأيت انه اجمل بي واصون.وانك لتعلم، ايها الصديق القديم، اني اكره ان ازداد من الشر، او ان اتزود من لجاجة الباطل، والكتابة في زماننا هذا شر مستحكم، وباطل لجوج متوقح.وقد اقتحم وعرها من لا يحسن المشي في سهولها، وتشهاها من لو انصف نفسه لحال بينها وبين ما تشتهي، واتخذها صداعة من لو عقل لأعفى نفسه من مزاولتها، ولكن هكذا كان، ورحم الله الطائي اذ يقول لمحمد بن عبد الملك الزيات:
اجعفر، ان الجهالة أمها
ولود، وأم العلم جذاء حائل
ارى الحشو والدهماء اضحوا كأنهم
شعوب تلاقت دوننا وقبائل
غدوا، وكأن الجهل يجمعهم به
أب، وذو الآداب فيهم نواقل
وانت تعلم ان من انصب النصب، ان تتصدى لافهام من لا يفهم عنك، فاذا بلغ الامر ان تراه يتصعب لجدالك، فاذكر قول من قال:اذا اردت ان تفحم عالما فأحضره جاهلا. وقد لقيت انا من شر ذلك ما لقيت، فآثرت ان اسلك سبيلي لا يشغلني عنه بأذيالي، ارادة ان يصرفني عن الوجه الذي اردت.
ولقد قرأت كلمتك في الرسالة، فأسفت اشد الاسف، لأني عرفت منها انك لم تقرأ ما كتبته في مجلة «المسلمون» وفي اربعة اعداد منها.ولو كنت قرأتها لما كتبت ما كتبت، لأني لا اشك في ذكائك وحسن فهمك.فأنا لم اتعرض في شيء منها لبني أمية او بني العباس، ولا لحكمهم، ولا لسياستهم، فعجبت اشد العجب كيف يمكن ان تكون معي او علي في امر لم اقل فيه كلمة، ولا يعلم احد ممن كتب رأيي فيه، ولا كيف اقول اذا انا تعرضت للبيان عنه؟ فمن اجل ذلك عجبت، لأنك لم تنصف على عادتك من الانصاف.وانا محدثك باختصار عن هذا الذي كتبته.اصل ذلك كله اني رأيت من كتب المحدثين في شأن تاريخ الماضين من اسلافنا، يكتب او يتحدث بأسلوب اقل ما يقال فيه انه مشوب بالحماقة الشديدة، مختلط بالجهالة المتراكبة، في معرفة اصول التاريخ، مغموس في حمأة من الافتراء والتطاول، مستنقع في اهواء سيئة ورديئة.وزعمت ان للناس ادبا واسلوبا في كتابة التاريخ، وان للمسلمين خاصة ادبا واسلوبا في التاريخ ينبع من اصل دينهم، في العدل، وفي حسن النظر، وفي الاناة في طلب الحق، وفي كف اللسان عن التهجم بالقول السيئ على عباد الله بلا بينة، وفي التناهي عن اقتفاء المرء ما ليس له به علم، وفي التثبت من الاخبار قبل تصديقها، وهو ادب كما تعلم كان قديما في كتبنا.
ولكن حضارة هذا القرن قد نشرت وباء شديد الفتك، ذهب بأكثر هذا الادب، واخذت في طريقي اضرب المثل على هذا بكاتب رأيته لم يتورع عن سلب الناس دينهم، ولم يخش الله في نفي الاسلام عن بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تصوير اعمالهم بصورة اعمال المنافقين، وفي اخذ الروايات الباطلة وجعلها دليلا على الغميزة في ايمانهم، وفي رد الروايات الثابتة الصادقة بروايات كاذبة ادعاها مدع من الرافضة، الى غير ذلك مما سأبينه فيما اكتب في مجلة «المسلمون»وزعمت ان هذا ليس ديدن هذا الكاتب وحده، بل صار ديدنا لاكثر من يكتب الآن في شيء من تاريخ هذه الامة المسلمة، حتى صار الطعن في صحابة رسول الله امرا مرتكبا بلا حذر.
وما دمت لم ازد في كلامي على هذا، فلست ادري بعد ما الذي يحملك على ان تخذلني او تنصرني في امر لم انطق بعد فيه بكلمة!
نعم!قد يكون رأيي فيما ابديت انت فيه رأيك، مخالفا لك، ولكني لم اتكلم بعد فتعرف حجتي فيه.بل لعلي اذا كنت لك مخالفا، ثم عرضت عليك خلافي لك، ان تكون اسرع الى موافقتي منك الى الخلاف علي، حين ترى في ما اقول صوابا يرضيك.
أليس هذا جائزا، وممكنا ايضا؟ فاذا رأيتني بلغت في سياق مقالاتي في «المسلمون»الى ذكر دول الاسلام، فعندئذ فقل، فأنا اقبل منك ما تقول.واعلم اني لا آنف ان اصير الى الحق اذا عرفته.ولقد عشت على هذه الارض زمانا طويلا، واعتقدت منذ عقلت آراء كثيرة، ثم تبين لي ان الحق في خلافها، فرجعت عنها جملة، ولم ابال بما كنت ارى. ولعلك انت خاصة تعلم من ذلك ما لا يعلمه غيرك.
وانا احب ان ترجع الى ما كتبته في مجلة «المسلمون»ولا تأخذ كلام اهل اللجاجة، فإنهم اوهموك، فيما اظن، اني قلت شيئا، والحقيقة اني لم اقل بعد فيما تناولته انت شيئا، وانا اعيذك ان تتورط في هذا الشر الذي نجاهد جميعا في دفع الناس عنه، وهو اخذ الاقوال بلا بينة، وبلا حجة، وبلا برهان، ولك مني تحية كنت احب ان تبلغك، على غير هذه الراحلة المكرهة على ارتكاب طريق دنسته الاقدام، والسلام

نشر بمجلة «الرسالة» العدد 979 سنة 1952
*صدقت والله، اني لم اقرأ ما كتبت في (المسلمون)ولقد فهمت مما قرأت في الرسالة ان الخلاف على دولة بني أمية، فقلت الكلمة التي لا ازال اراها حقا، وانا اعتذر ان كنت قد اخطأت الفهم، او اسرعت في الحكم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

نشر بمجلة «الرسالة» العدد 981 سنة 1952.

alraeed
19-05-05, 12:23 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خير

حامي الحمى
21-05-05, 11:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله بك اخي ... معلومات قيمة ... رغم اني حتى الآن لم اقرأها كاملة ...
جزيت خيرا على مجهودك

فجر
05-06-05, 11:46 AM
لا حول ولا قوة الا بالله

وبعدين معاكم اتركو الاخوان في حالهم

الاخوان هم احسن جماعه عرفها التاريخ السياسي

سالم خطاب
15-02-07, 08:14 PM
جزاك الله خيرا

حسن خليل
17-02-07, 07:04 PM
بارك الله فيك أخي البحر المحيط وجزاك الله خيراً

كاتم الونة
18-02-07, 06:56 PM
بارك الله فيك يالحبيب