زلزال
11-05-05, 01:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، خلق الموت والحياة للبلاء المبين ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء
قدير ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير من أطاعه دخل الجنة ومن
عصاه دخل النار وبئس المصير .
اللهم صلِّ وسلم وبارك على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى الذي لا ينطق عن الهوى إن
هو إلا وحي يوحى ، وعلى آله وأصحابه أهل الورع والتقى والتابعين لهم بالحسنى ومن سار
على نهجهم واقتفى وبهداهم اهتدى - هذه المقدمة مقتبسة - ؛ أما بعد :-
فما أظن الموضوع يوفي حقه إلا أهل العلم قال تعالى {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}
فاسمعوا معي أقوال أهل العلم :-
رسالة تحكيم القوانين ، للعلامة الثبت المحدث الثقة الفقيه الأصولي الشيخ / محمد بن إبراهيم
عبد اللطيف آل الشيخ /رحمه الله ، المفتي السابق للديار النجدية والحجازية ، المتوفىَّ سنة
1389هـ رحمه الله تعالى .
نص الرسالة ، يقول رحمه الله تعالى :
إن من الكفرِ الأكبرِ المستبينِ ، تنزيلُ القانونِ اللعينِ منزلةَ ما نَزَلَ به الروحُ الأمينُ على قلب
محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) ليكون من المنذرين ، بلسانٍ عربي مبينٍ ، في الحكم به بين
العالمين ، والرَدِّ إليه عند المتنازعين ، مناقضةً ومعاندةً لقولِ الله عز وجل :{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمانَ عن مَّنْ لم يُحَكِّموا النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما شَجَرَ
بينهم ، نفياً مؤكداً بتكرارِ أداةِ النفي وبالقسمِ ، قال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} ولم يكتفِ تعالى
وتقدَّس منهم بمجرد التحكيمِ للرسولِ (صلى الله عليه وسلم) ، حتى يضيفوا إلى ذلك عَدَمَ وجودِ
شيءٍ من الحرج في نفوسهم ، بقوله جل شأنه : {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} .
والحَرَجُ : الضِّيقُ . بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب .
ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين ، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقيادِ لحكمه
صلى الله عليه وسلم ، بحيث يتخلَّونَ ها هُنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ، ويسلموا ذلك إلى
الحكمِ الحقِّ أَتمَّ تسليم ، ذلك بالمصدر المؤكد ، وهو قوله جل شأنه : {تَسْلِيماً} المبين أنه لا
يُكْتَفى ها هنا بالتسليم .. بل لا بد من التسليم المُطْلَقِ .
وتأمل ما في الآية الأولى ، وهي قوله تعالى : {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} . كيف ذكر النكِرَةَ وهي قوله :
{شَيْءٍ} في سياق الشَرْطِ وهو قوله جل شأنه : {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} المفيد للعموم ، فيما يُتَصوَّرُ
التنازعُ فيه جنساً وقدراً .
ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطاً في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله : {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .
ثم قال جل شأنه : {ذلِكَ خَيْرٌ} فشيءٌ يُطْلقُ الله عليه أنه خيرٌ لا يتطرَّقُ إليه شرٌّ أبداً ، بل هو
خيرٌ محضٌ عاجلاً وآجلاً .
ثم قال :{وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي : عاقبةً في الدنيا والآخرة ، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول (صلى
الله عليه وسلم) عند التنازع شرٌ محضٌ وأسوأ عاقبة في الدنيا الآخرة .
عكس ما يقولُه المنافقون : {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} ، وقولهم : {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ،
ولهذا ردَّ الله عليهم قائلاً : {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} .
وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم
إليه وهذا سوءُ ظنّ صرْف بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومحضُ استنقاصٍ لبيان
الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع ، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن
هذا لازم لهم .
وتأمل أيضا ما في الآية الثانية من العموم ، وذلك في قوله تعالى {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} فإن اسم
الموصول مع صلته مع صيغ العموم والشمول هو من ناحية الأنجاس والأنواع ، كما أنه من
ناحية القدر فلا فرق هنا بين نوع ونوع ، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير وقد نفى الله الإيمان
عن من أراد التحاكم
إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين ، كما قال تعالى :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ
وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} .
فإن قوله عز وجل :{يَزْعُمُونَ} تكذيب له فيما ادعوه من الإيمان ، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى
غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا ، بل أحدهما ينافي
الآخر ، والطاغوت مشتق من الطغيان ، وهو : مجاوزة الحد . فكل من حكم بغير ما جاء به
الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى عير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم
بالطاغوت وحاكم إليه . وذلك أنه من حق كل أحد أن يكون حاكما بما جاء به النبي صلى الله
عليه وسلم فقط لا بخلافه.
كما إن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن حكم بخلافه أو
حاكم إلى خلافه فقد طغى ، وجاوزَ حَدَّه ، حُكْماً أو تحكيماً ، فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حَدَّه .
وتأمل قوله عز وجل : {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} تعرفْ منه معاندة القوانين ، وإرادتهم خلافَ
مرادِ الله منهم حولَ هذا الصددِ ، فالمرادُ منهم شرعاً والذي تُعُبّدوا به هو : الكفرُ بالطاغوتِ لا
تحكيمُهُ ، {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} .
ثم تأملْ قوله : {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ} كيف دَلَّ على أن ذلك ضلالٌ ، وهؤلاء القانونيون
يرونه من الهُدَى ، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان ، عكس ما يتصورُ القانونيون من
بُعدِهم من الشيطان ، وأنَّ فيه مصلحة الإنسان ، فتكونُ على زعمهم مراداتُ الشيطان هي
صلاح الإنسان ، ومرادَ الرحمن .
وما بُعث به سيدُ ولد عدنانٍ معزولاً من هذا الوصف ، ومُنَحى عن هذا الشأنِ.
وقد قال تعالى مُنكراً على هذا الضرب من الناس ، ومقرراً ابتغاءَهم أحكام الجاهلية ، موضحاً
أنه لا حكمَ أحسن من حُكمهِ : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
فتأملْ هذه الآيةَ الكريمةَ وكيف دلتْ على أن قِسْمةَ الحكم ثنائيةٌ ، وأنه ليس بعد حكمِ الله تعالى
إلا حكم الجاهلية ، الموضِّح أنَّ القانونيين في زمرةِ أهل الجاهلية ، شاءوا أم أبوا ، بل هم أسوءُ
منهم حالاً ، وأكذبُ منهم مقالاً ، بل أنَّ أهلَ الجاهليةِ لا تَنَاقُضَ لديهم حولَ هذا الصددِ .
وأما القانونيون فمتناقضون ، حيثُ يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم)
، ويتناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء : {أُوْلَـئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على
القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم ، ونحاتة أفكارهم ، بقوله عز وجل :{وَمَنْ أَحْسَنُ
مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .
قال الحافظ بن كثير في تفسير الآية : ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحْكَمِ المشتمل
على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ،
التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من
الضلالات والجهالات ، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات
الملكية المأخوذة عن ملكهم ((جنكيز خان)) الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام قد اقتبسها
من شرائع شتى من اليهودية ، والنصرانية ، والملة الإسلامية ، وغيرها .
وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا مُتَّبَعاً يقدمونها
على الحكم بكتاب الله ، وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب
قتالُهُ ، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يُحكِّمُ سواه في قليل ولا كثير . قال تعالى :
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي : يبتغون ويريدون ، وعن حكم الله يَعدلون . {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي : ومن أعدل من الله في حكمِهِ ، لمن عَقَل عن الله شرعَه وآمن به وأيقن
، وعلم أن الله أحكمُ الحاكمين ، وأرحم بخلقِهِ من الوالدة بولها ، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء ،
القادر على كل شيء ، العادل في كل شيء . - انتهى قول الحافظ بن كثير -
وقد قال عز شأنه قبل ذلك مخاطباً نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) : {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} .
وقال تعالى : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ
مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} .
وقال تعالى مخبراً نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ، بين الحكم بين اليهود والإعراض عنهم
وإن جاءوه لذلك : {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ
شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} والقسط هو : العدل . ولا عدل حقا
إلا حكم الله ورسوله ، والحكم بخلافه هو الجور ، والظلم والضلال والكفر ، والفسوق ، ولهذا
قال تعالى بعد ذلك : {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
فانظر كيف سَجَّلَ تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق ، ومن المُمْتَنِع
أن يُسَمِّي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنز الله كافراً ولا يكون كافراً ، بل هو كافر مطلقا ، إما كفر
عمل وإما كفر اعتقاد ، وما جاء عن بن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية
طاووس وغيره يدل على أن الحكم بغير ما أنزل الله كافر : إما كفرُ اعتقاد ناقل عن الملة ، وإما
كفر عمل لا ينقل عن الملة .
> أما الأول : وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع :-
- أحدها : أن يجحد الحاكم ُ بغير ما أنزل الله أحقيَّة حكم الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ،
وهو معنى ما رُوي عن بن عباس ، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم
الشرعي ، وهذا مالا نزاعَ فيه بين أهل العلم ، فإن الأصول المتقرِّرةَ المتفق عليها بينهم أن من
جحد أصلاً من أصول الدين أو فَرْعاً مُجْمَعاً عليه ، أو أنكر حرْفاً مما جاء به الرسول (صلى الله
عليه وسلم) قَطعيَّاً ، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة .
- الثاني : أن لا يجحد الحاكمُ بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقّاً ، لكن اعتقد أن حكم
غير الرسول (صلى الله عليه وسلم) أحسنُ من حكمِهِ ، وأتمُّ وأشملُ لما يحتاجُهُ الناسُ من الحكمِ
بينهم عند التنازع ، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجدَّ من الحوادث ، التي نشأتْ عن تطور
الزمان وتغيُّر الأحوال ، وهذا أيضا لا ريب أنه كفرٌ ، لتفضيلِهِ أحكام المخلوقين التي هي
محض زبالة الأذهان وصِرْفُ حُثَالةِ الأفكار على حُكم الحكيم الحميد .
وحكم الله ورسولِهِ لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ،
فإنه ما من قضيةٍ كائنةٍ ما كانتْ إلا وحكمُها في كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله (صلى الله عليه
وسلم) ، نصّا أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك ، عَلِمَ ذلك من عَلِمَه وجَهِلَه من جَهِله .
وليس معنى ما ذكره العلماءُ من تغيّرِ الفَتْوى بتغيُّر الأحوال ما ظنه من قلَّ نصيبُهم أو عدِمَ من
معرفة مدارك الأحكام وعِلَلها ، حيث ظنوا أنَّ معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية
البهيمية ، وأعراضَهَم الدنيوية وتصوراتهم ، الخاطئة الوبية ، ولهذا تجدهم يحامون عليها ،
ويجعلون النصوصَ تابعة لها منقادة إليها ، مهما أمكنهم فيحرفون لذلك الكلم عن مواضِعِه .
وحينئذ معنى تغيرُّ الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مرادُ العلماء منه: ما كان مُسْتَصْحَبة فيه
الأصول الشرعية ، والعلل المرعية ، والمصالح التي جِنْسُها مرادٌ لله تعالى ، ورسوله (صلى
الله عليه وسلم) ، ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل ، وأنهم لا يقولون
إلا على ما يلائم مراداتِهم ، كائنة ما كانت ، والواقع أصدق شاهد.
- الثالث : أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ، لكن اعتقد أنه مثله ، فهذا كالنوعين
اللذين قبله ، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة ، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق
، والمناقضة والمعاندة لقوله عز وجل : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونحوها من الآيات الكريمة ، الدالة
على تفرد الرب بالكمال ، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين ، في الذات والصفات والأفعال ،
والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه .
- الرابع : أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله ، فضلا عن
أن يعتقد كونه أحسن منه ، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ، فهذا كالذي قبله
يَصْدُقُ عليه ما يصدق عليه ، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة
تحريمه .
- الخامس : وهو أعظمُها وأشملُها وأظهرُها معاندةً للشرع ، ومكابرة لأحكامه ، وشاقة لله
ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا ، وتفريعا وتشكيلا
وتنويعا وحكما وإلزاما ، ومراجع ومستندات.
فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات ، مرجعُها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلى
الله عليه وسلم) فلهذه المحاكم مراجع ، هي : القانون الملفق من شرائع شتى ، وقوانين كثيرة ،
كالقانون الفرنسي ،كالقانون الأمريكي ، كالقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين ومن مذاهب
بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك .
- فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأةٌ مكملةٌ ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها
أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب ، من أحكام ذلك القانون
، تُلْزمُهُم به ، وتقرهم عليه ، وتحتِّمُه عليهم . فأي كفر فوق هذا الكفر ، وأي مناقضة للشهادة
بأن محمد رسول الله بعد هذه المناقضة .
وذِكْرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البَسْط معلومة معروفة ، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع .
فيا معشر العقلاء ! ويا جماعات الأذكياء وأولى النها ! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام
أمثالكم ، وأفكار أشباهكم ، أو من هم دونكم ، ممن يجوز عليهم الخطأ ، بل خطأهم أكثر من
صوابهم بكثير ، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله ، نصاً أو
استنباطاً ، تَدَعُونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم ، وأعراضكم وفي أهاليكم من
أزواجكم وذراريكم ، وفي أموالكم وسائر حقوقِكم ، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم
اله ورسوله ، الذي لا يتطرق إليه الخطأ ،ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد . وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى
ليعبدوه ، فكما لا يسجد الخلق إلا لله ، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق ، فكذلك يجب أن
لا يرضخون ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد ، الرءوف الرحيم ، دون
حكم المخلوق ، الظلوم الجهول ، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات ، واستولت على
قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات .
فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه ، لما فيه من الاستبعاد لهم ، والتحكم فيهم بالأهواء
والأغراض ، والأغلاط والأخطاء ، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
- السادس : ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر ، والقبائل من البوادي ونحوهم ، من حكايات
آبائهم وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها ((سلومهم)) ، يتوارثون ذلك منهم ، ويحكمون به
ويحصلون على التحاكم إليه عند النزاع ، بقاءاَ على أحكام الجاهلية ، وأعراضا ورغبة عن
حكم الله ورسوله ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
> وأما القسم الثاني : من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله ، وهو الذي لا يُخْرِجُ من الملة فقد
تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل {} قد شَمَلَ ذلك القسم ، وذلك في
قوله رضي الله عنه في الآية : ((كفر دون كفر)) وقوله أيضا ((ليس بالكفر الذي تذهبون
إليه))إ.هـ.
وذلك أن تَحْمِلَه شهوتُهُ وهَواه على الحكم في القضية ، بغير ما أنزل الله ، مع اعتقاده أن حكمَ
الله ورسوله هو الحق ، واعترافه على نفسه بالخطأ ، ومجانبة الهدى .
*وهذا وأن لم يخرجْه كفرُه عن الملةِ ، فإنه معصيةٌ عظمى أكبرُ من الكبائر ، كالزِّنا وشرب
الخمر ، والسرقةِ واليمين الغموس ، وغيرها فإن معصيةً سماها الله في كتابه : كفراً ، أعظمُ من
معصيةٍ لم يسمِّها كُفْراً .
نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكُم إلى كتابِهِ ، انقياداً ورِضاءاً ، إنه وليُّ ذلك والقادر
عَلَيهِ .
إ.هـ .
الحمد لله رحمك الله يا شيخنا الفاضل ، وأذكر بقول الرسول محمد بن عبد الله (صلى الله عليه
وسلم) وعندما مرت عليه جنازتين وقد ذكرت الأولى بالشر والثانية بالخير وقد قال (صلى الله
عليه وسلم) في كل واحدة وجبت وجبت وجبت ، وعندما سأل عن ذلك قال (صلى الله عليه
وسلم) [ذكرتم الأولى بالشر فوجبت له النار وذكرتم الثانية بالخير فوجبت له الجنة ، أنتم شهداء
الله في أرضه] أو كما قال عليه الصلاة والسلام - تجده كاملا في البخاري فراجعه - اللهم إنا
نشهد بأن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قد أدى ما عنده وأبلغ بالنصح وما نقل لنا عنه من
الثقات إلا كل خير ، اللهم وجمعنا به في دار كرامتك ومستقر رحمتك وعلى حوض نبيك
(صلى الله عليه وسلم) آمين آمين .
وبعد إخواني هل بقي شيء يقال ما أعظم هذه الحجة وما أوضح كلام الله لمن أراد أن يتدبره
ويتعلم منه فلا حجة أقيمت على البشر أقوى من هذه الحجة فهل يشك مسلم بأن من صرف شيء
من العبادات لغير الله من سجود أو ركوع أو دعاء أو ذبح .. وغيرها بأنه مشرك بالله وضال
عن طرق الإسلام وتارك له ، فإن من الأوضح والأظهر أن صرف شيء من الحكم أو التحاكم
لغير الله ورسوله ممثل بكتابه وسنة نبيه فهو أبين من الأول ، كفرا وإلحادا وبعدا عن الإسلام
وأهله ، قال تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ} ، هدانا الله إلى الحق وجعلنا من أهله.
ثم أن الحكم على الإنسان بالظاهر هو الذي نملكه ونستطيعه ، فلو أظهر الإنسان شيء نحكم
عليه من خلاله ومن خلال أقواله وأفعاله وليس لنا ما في جوفه وما أبطن في قلبه إنه لله تبارك
وتعالى ، ولقد أخبر النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) بأن لنا شهادة في الأرض يحكم من
خلالها على الشخص من خلال ما ظهر لأهل الأرض من أقوال وأفعال ، فلو شتم فلان صديقه
فإنا نحكم عليه بأنه شتمه فلو أظهر الإعتذار نحكم بأنه إعتذر ولو أظهر التوبة بأي فعل يدل
على ذلك نحكم بأنه تاب ، ولو أنه أبطن ذلك كله نشهد عليه بأنه شتم ، ولم يعتذر ، ولم يتب ،
وإذا اقتضت الحاجة الشرعية لذكر هذه الشهادة نذكرها استبراء للدين وتوضيحا للحق ودفعا
للباطل ، وليس لنا أن نبحث في جوف الشخص عن قصده فلو أن قصده ظهر أو هو حاول أن
يظهره أو كان هناك أي شيء يظهر مقصده من هذا الفعل وإلا وقع عليه الحكم وهو الملوم لعدم
إظهار مقصده بعد وقوعه بالفعل ، فلو مات نحكم على الرجل -الحكم المطلوب منا أهل
الأرض- على مجمل أفعاله فإن كان الأغلب الصلاح شهدنا له بذلك وإن كان هناك الفساد شهدنا
له بذلك والعياذ بالله ، ولو ظهر لنا بعد كل هذا مقصد من مقاصده تدفع عنه الحكم نشهد بما
ظهر لنا .
اللهم رد المسلمين إليك ردا جميلا ، وهدهم إلى الحق
وعلمهم وزده إليك قربا ، اللهم أقد دولة الدين واعل رايتها خفاقة فوق أرضك يا رب العالمين
اللهم أعد فينا الخلافة وجعلنا من خير أهلها ، اللهم أقم علم الجهاد ، اللهم أقم علم الجهاد ، اللهم
أقم علم الجهاد ، اللهم اجعلنا من جندك المخلصين وجعل كل ذرة من أجسامنا في سبيلك يا رب
العالمين اللهم وثبت أقدامنا يوم اللقاء وانصرنا ونصر بنا أهل دينك الذين تحبهم ويحبونك
واجعلنا منهم يا قدير يا عليم آمين آمين آمين .
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، خلق الموت والحياة للبلاء المبين ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء
قدير ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير من أطاعه دخل الجنة ومن
عصاه دخل النار وبئس المصير .
اللهم صلِّ وسلم وبارك على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى الذي لا ينطق عن الهوى إن
هو إلا وحي يوحى ، وعلى آله وأصحابه أهل الورع والتقى والتابعين لهم بالحسنى ومن سار
على نهجهم واقتفى وبهداهم اهتدى - هذه المقدمة مقتبسة - ؛ أما بعد :-
فما أظن الموضوع يوفي حقه إلا أهل العلم قال تعالى {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}
فاسمعوا معي أقوال أهل العلم :-
رسالة تحكيم القوانين ، للعلامة الثبت المحدث الثقة الفقيه الأصولي الشيخ / محمد بن إبراهيم
عبد اللطيف آل الشيخ /رحمه الله ، المفتي السابق للديار النجدية والحجازية ، المتوفىَّ سنة
1389هـ رحمه الله تعالى .
نص الرسالة ، يقول رحمه الله تعالى :
إن من الكفرِ الأكبرِ المستبينِ ، تنزيلُ القانونِ اللعينِ منزلةَ ما نَزَلَ به الروحُ الأمينُ على قلب
محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) ليكون من المنذرين ، بلسانٍ عربي مبينٍ ، في الحكم به بين
العالمين ، والرَدِّ إليه عند المتنازعين ، مناقضةً ومعاندةً لقولِ الله عز وجل :{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمانَ عن مَّنْ لم يُحَكِّموا النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما شَجَرَ
بينهم ، نفياً مؤكداً بتكرارِ أداةِ النفي وبالقسمِ ، قال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} ولم يكتفِ تعالى
وتقدَّس منهم بمجرد التحكيمِ للرسولِ (صلى الله عليه وسلم) ، حتى يضيفوا إلى ذلك عَدَمَ وجودِ
شيءٍ من الحرج في نفوسهم ، بقوله جل شأنه : {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} .
والحَرَجُ : الضِّيقُ . بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب .
ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين ، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقيادِ لحكمه
صلى الله عليه وسلم ، بحيث يتخلَّونَ ها هُنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ، ويسلموا ذلك إلى
الحكمِ الحقِّ أَتمَّ تسليم ، ذلك بالمصدر المؤكد ، وهو قوله جل شأنه : {تَسْلِيماً} المبين أنه لا
يُكْتَفى ها هنا بالتسليم .. بل لا بد من التسليم المُطْلَقِ .
وتأمل ما في الآية الأولى ، وهي قوله تعالى : {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} . كيف ذكر النكِرَةَ وهي قوله :
{شَيْءٍ} في سياق الشَرْطِ وهو قوله جل شأنه : {فَإِن تَنَازَعْتُمْ} المفيد للعموم ، فيما يُتَصوَّرُ
التنازعُ فيه جنساً وقدراً .
ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطاً في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله : {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .
ثم قال جل شأنه : {ذلِكَ خَيْرٌ} فشيءٌ يُطْلقُ الله عليه أنه خيرٌ لا يتطرَّقُ إليه شرٌّ أبداً ، بل هو
خيرٌ محضٌ عاجلاً وآجلاً .
ثم قال :{وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي : عاقبةً في الدنيا والآخرة ، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول (صلى
الله عليه وسلم) عند التنازع شرٌ محضٌ وأسوأ عاقبة في الدنيا الآخرة .
عكس ما يقولُه المنافقون : {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} ، وقولهم : {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ،
ولهذا ردَّ الله عليهم قائلاً : {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} .
وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم
إليه وهذا سوءُ ظنّ صرْف بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومحضُ استنقاصٍ لبيان
الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع ، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن
هذا لازم لهم .
وتأمل أيضا ما في الآية الثانية من العموم ، وذلك في قوله تعالى {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} فإن اسم
الموصول مع صلته مع صيغ العموم والشمول هو من ناحية الأنجاس والأنواع ، كما أنه من
ناحية القدر فلا فرق هنا بين نوع ونوع ، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير وقد نفى الله الإيمان
عن من أراد التحاكم
إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين ، كما قال تعالى :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ
وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} .
فإن قوله عز وجل :{يَزْعُمُونَ} تكذيب له فيما ادعوه من الإيمان ، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى
غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا ، بل أحدهما ينافي
الآخر ، والطاغوت مشتق من الطغيان ، وهو : مجاوزة الحد . فكل من حكم بغير ما جاء به
الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى عير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم
بالطاغوت وحاكم إليه . وذلك أنه من حق كل أحد أن يكون حاكما بما جاء به النبي صلى الله
عليه وسلم فقط لا بخلافه.
كما إن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن حكم بخلافه أو
حاكم إلى خلافه فقد طغى ، وجاوزَ حَدَّه ، حُكْماً أو تحكيماً ، فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حَدَّه .
وتأمل قوله عز وجل : {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} تعرفْ منه معاندة القوانين ، وإرادتهم خلافَ
مرادِ الله منهم حولَ هذا الصددِ ، فالمرادُ منهم شرعاً والذي تُعُبّدوا به هو : الكفرُ بالطاغوتِ لا
تحكيمُهُ ، {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} .
ثم تأملْ قوله : {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ} كيف دَلَّ على أن ذلك ضلالٌ ، وهؤلاء القانونيون
يرونه من الهُدَى ، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان ، عكس ما يتصورُ القانونيون من
بُعدِهم من الشيطان ، وأنَّ فيه مصلحة الإنسان ، فتكونُ على زعمهم مراداتُ الشيطان هي
صلاح الإنسان ، ومرادَ الرحمن .
وما بُعث به سيدُ ولد عدنانٍ معزولاً من هذا الوصف ، ومُنَحى عن هذا الشأنِ.
وقد قال تعالى مُنكراً على هذا الضرب من الناس ، ومقرراً ابتغاءَهم أحكام الجاهلية ، موضحاً
أنه لا حكمَ أحسن من حُكمهِ : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
فتأملْ هذه الآيةَ الكريمةَ وكيف دلتْ على أن قِسْمةَ الحكم ثنائيةٌ ، وأنه ليس بعد حكمِ الله تعالى
إلا حكم الجاهلية ، الموضِّح أنَّ القانونيين في زمرةِ أهل الجاهلية ، شاءوا أم أبوا ، بل هم أسوءُ
منهم حالاً ، وأكذبُ منهم مقالاً ، بل أنَّ أهلَ الجاهليةِ لا تَنَاقُضَ لديهم حولَ هذا الصددِ .
وأما القانونيون فمتناقضون ، حيثُ يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم)
، ويتناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء : {أُوْلَـئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على
القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم ، ونحاتة أفكارهم ، بقوله عز وجل :{وَمَنْ أَحْسَنُ
مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .
قال الحافظ بن كثير في تفسير الآية : ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحْكَمِ المشتمل
على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ،
التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من
الضلالات والجهالات ، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات
الملكية المأخوذة عن ملكهم ((جنكيز خان)) الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام قد اقتبسها
من شرائع شتى من اليهودية ، والنصرانية ، والملة الإسلامية ، وغيرها .
وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا مُتَّبَعاً يقدمونها
على الحكم بكتاب الله ، وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب
قتالُهُ ، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يُحكِّمُ سواه في قليل ولا كثير . قال تعالى :
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي : يبتغون ويريدون ، وعن حكم الله يَعدلون . {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي : ومن أعدل من الله في حكمِهِ ، لمن عَقَل عن الله شرعَه وآمن به وأيقن
، وعلم أن الله أحكمُ الحاكمين ، وأرحم بخلقِهِ من الوالدة بولها ، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء ،
القادر على كل شيء ، العادل في كل شيء . - انتهى قول الحافظ بن كثير -
وقد قال عز شأنه قبل ذلك مخاطباً نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) : {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} .
وقال تعالى : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ
مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} .
وقال تعالى مخبراً نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ، بين الحكم بين اليهود والإعراض عنهم
وإن جاءوه لذلك : {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ
شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} والقسط هو : العدل . ولا عدل حقا
إلا حكم الله ورسوله ، والحكم بخلافه هو الجور ، والظلم والضلال والكفر ، والفسوق ، ولهذا
قال تعالى بعد ذلك : {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
فانظر كيف سَجَّلَ تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق ، ومن المُمْتَنِع
أن يُسَمِّي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنز الله كافراً ولا يكون كافراً ، بل هو كافر مطلقا ، إما كفر
عمل وإما كفر اعتقاد ، وما جاء عن بن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية
طاووس وغيره يدل على أن الحكم بغير ما أنزل الله كافر : إما كفرُ اعتقاد ناقل عن الملة ، وإما
كفر عمل لا ينقل عن الملة .
> أما الأول : وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع :-
- أحدها : أن يجحد الحاكم ُ بغير ما أنزل الله أحقيَّة حكم الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ،
وهو معنى ما رُوي عن بن عباس ، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم
الشرعي ، وهذا مالا نزاعَ فيه بين أهل العلم ، فإن الأصول المتقرِّرةَ المتفق عليها بينهم أن من
جحد أصلاً من أصول الدين أو فَرْعاً مُجْمَعاً عليه ، أو أنكر حرْفاً مما جاء به الرسول (صلى الله
عليه وسلم) قَطعيَّاً ، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة .
- الثاني : أن لا يجحد الحاكمُ بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقّاً ، لكن اعتقد أن حكم
غير الرسول (صلى الله عليه وسلم) أحسنُ من حكمِهِ ، وأتمُّ وأشملُ لما يحتاجُهُ الناسُ من الحكمِ
بينهم عند التنازع ، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجدَّ من الحوادث ، التي نشأتْ عن تطور
الزمان وتغيُّر الأحوال ، وهذا أيضا لا ريب أنه كفرٌ ، لتفضيلِهِ أحكام المخلوقين التي هي
محض زبالة الأذهان وصِرْفُ حُثَالةِ الأفكار على حُكم الحكيم الحميد .
وحكم الله ورسولِهِ لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ،
فإنه ما من قضيةٍ كائنةٍ ما كانتْ إلا وحكمُها في كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله (صلى الله عليه
وسلم) ، نصّا أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك ، عَلِمَ ذلك من عَلِمَه وجَهِلَه من جَهِله .
وليس معنى ما ذكره العلماءُ من تغيّرِ الفَتْوى بتغيُّر الأحوال ما ظنه من قلَّ نصيبُهم أو عدِمَ من
معرفة مدارك الأحكام وعِلَلها ، حيث ظنوا أنَّ معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية
البهيمية ، وأعراضَهَم الدنيوية وتصوراتهم ، الخاطئة الوبية ، ولهذا تجدهم يحامون عليها ،
ويجعلون النصوصَ تابعة لها منقادة إليها ، مهما أمكنهم فيحرفون لذلك الكلم عن مواضِعِه .
وحينئذ معنى تغيرُّ الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مرادُ العلماء منه: ما كان مُسْتَصْحَبة فيه
الأصول الشرعية ، والعلل المرعية ، والمصالح التي جِنْسُها مرادٌ لله تعالى ، ورسوله (صلى
الله عليه وسلم) ، ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل ، وأنهم لا يقولون
إلا على ما يلائم مراداتِهم ، كائنة ما كانت ، والواقع أصدق شاهد.
- الثالث : أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ، لكن اعتقد أنه مثله ، فهذا كالنوعين
اللذين قبله ، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة ، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق
، والمناقضة والمعاندة لقوله عز وجل : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونحوها من الآيات الكريمة ، الدالة
على تفرد الرب بالكمال ، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين ، في الذات والصفات والأفعال ،
والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه .
- الرابع : أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله ، فضلا عن
أن يعتقد كونه أحسن منه ، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ، فهذا كالذي قبله
يَصْدُقُ عليه ما يصدق عليه ، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة
تحريمه .
- الخامس : وهو أعظمُها وأشملُها وأظهرُها معاندةً للشرع ، ومكابرة لأحكامه ، وشاقة لله
ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا ، وتفريعا وتشكيلا
وتنويعا وحكما وإلزاما ، ومراجع ومستندات.
فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات ، مرجعُها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلى
الله عليه وسلم) فلهذه المحاكم مراجع ، هي : القانون الملفق من شرائع شتى ، وقوانين كثيرة ،
كالقانون الفرنسي ،كالقانون الأمريكي ، كالقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين ومن مذاهب
بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك .
- فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأةٌ مكملةٌ ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها
أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب ، من أحكام ذلك القانون
، تُلْزمُهُم به ، وتقرهم عليه ، وتحتِّمُه عليهم . فأي كفر فوق هذا الكفر ، وأي مناقضة للشهادة
بأن محمد رسول الله بعد هذه المناقضة .
وذِكْرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البَسْط معلومة معروفة ، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع .
فيا معشر العقلاء ! ويا جماعات الأذكياء وأولى النها ! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام
أمثالكم ، وأفكار أشباهكم ، أو من هم دونكم ، ممن يجوز عليهم الخطأ ، بل خطأهم أكثر من
صوابهم بكثير ، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله ، نصاً أو
استنباطاً ، تَدَعُونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم ، وأعراضكم وفي أهاليكم من
أزواجكم وذراريكم ، وفي أموالكم وسائر حقوقِكم ، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم
اله ورسوله ، الذي لا يتطرق إليه الخطأ ،ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد . وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى
ليعبدوه ، فكما لا يسجد الخلق إلا لله ، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق ، فكذلك يجب أن
لا يرضخون ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد ، الرءوف الرحيم ، دون
حكم المخلوق ، الظلوم الجهول ، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات ، واستولت على
قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات .
فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه ، لما فيه من الاستبعاد لهم ، والتحكم فيهم بالأهواء
والأغراض ، والأغلاط والأخطاء ، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
- السادس : ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر ، والقبائل من البوادي ونحوهم ، من حكايات
آبائهم وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها ((سلومهم)) ، يتوارثون ذلك منهم ، ويحكمون به
ويحصلون على التحاكم إليه عند النزاع ، بقاءاَ على أحكام الجاهلية ، وأعراضا ورغبة عن
حكم الله ورسوله ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
> وأما القسم الثاني : من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله ، وهو الذي لا يُخْرِجُ من الملة فقد
تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل {} قد شَمَلَ ذلك القسم ، وذلك في
قوله رضي الله عنه في الآية : ((كفر دون كفر)) وقوله أيضا ((ليس بالكفر الذي تذهبون
إليه))إ.هـ.
وذلك أن تَحْمِلَه شهوتُهُ وهَواه على الحكم في القضية ، بغير ما أنزل الله ، مع اعتقاده أن حكمَ
الله ورسوله هو الحق ، واعترافه على نفسه بالخطأ ، ومجانبة الهدى .
*وهذا وأن لم يخرجْه كفرُه عن الملةِ ، فإنه معصيةٌ عظمى أكبرُ من الكبائر ، كالزِّنا وشرب
الخمر ، والسرقةِ واليمين الغموس ، وغيرها فإن معصيةً سماها الله في كتابه : كفراً ، أعظمُ من
معصيةٍ لم يسمِّها كُفْراً .
نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكُم إلى كتابِهِ ، انقياداً ورِضاءاً ، إنه وليُّ ذلك والقادر
عَلَيهِ .
إ.هـ .
الحمد لله رحمك الله يا شيخنا الفاضل ، وأذكر بقول الرسول محمد بن عبد الله (صلى الله عليه
وسلم) وعندما مرت عليه جنازتين وقد ذكرت الأولى بالشر والثانية بالخير وقد قال (صلى الله
عليه وسلم) في كل واحدة وجبت وجبت وجبت ، وعندما سأل عن ذلك قال (صلى الله عليه
وسلم) [ذكرتم الأولى بالشر فوجبت له النار وذكرتم الثانية بالخير فوجبت له الجنة ، أنتم شهداء
الله في أرضه] أو كما قال عليه الصلاة والسلام - تجده كاملا في البخاري فراجعه - اللهم إنا
نشهد بأن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قد أدى ما عنده وأبلغ بالنصح وما نقل لنا عنه من
الثقات إلا كل خير ، اللهم وجمعنا به في دار كرامتك ومستقر رحمتك وعلى حوض نبيك
(صلى الله عليه وسلم) آمين آمين .
وبعد إخواني هل بقي شيء يقال ما أعظم هذه الحجة وما أوضح كلام الله لمن أراد أن يتدبره
ويتعلم منه فلا حجة أقيمت على البشر أقوى من هذه الحجة فهل يشك مسلم بأن من صرف شيء
من العبادات لغير الله من سجود أو ركوع أو دعاء أو ذبح .. وغيرها بأنه مشرك بالله وضال
عن طرق الإسلام وتارك له ، فإن من الأوضح والأظهر أن صرف شيء من الحكم أو التحاكم
لغير الله ورسوله ممثل بكتابه وسنة نبيه فهو أبين من الأول ، كفرا وإلحادا وبعدا عن الإسلام
وأهله ، قال تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ} ، هدانا الله إلى الحق وجعلنا من أهله.
ثم أن الحكم على الإنسان بالظاهر هو الذي نملكه ونستطيعه ، فلو أظهر الإنسان شيء نحكم
عليه من خلاله ومن خلال أقواله وأفعاله وليس لنا ما في جوفه وما أبطن في قلبه إنه لله تبارك
وتعالى ، ولقد أخبر النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) بأن لنا شهادة في الأرض يحكم من
خلالها على الشخص من خلال ما ظهر لأهل الأرض من أقوال وأفعال ، فلو شتم فلان صديقه
فإنا نحكم عليه بأنه شتمه فلو أظهر الإعتذار نحكم بأنه إعتذر ولو أظهر التوبة بأي فعل يدل
على ذلك نحكم بأنه تاب ، ولو أنه أبطن ذلك كله نشهد عليه بأنه شتم ، ولم يعتذر ، ولم يتب ،
وإذا اقتضت الحاجة الشرعية لذكر هذه الشهادة نذكرها استبراء للدين وتوضيحا للحق ودفعا
للباطل ، وليس لنا أن نبحث في جوف الشخص عن قصده فلو أن قصده ظهر أو هو حاول أن
يظهره أو كان هناك أي شيء يظهر مقصده من هذا الفعل وإلا وقع عليه الحكم وهو الملوم لعدم
إظهار مقصده بعد وقوعه بالفعل ، فلو مات نحكم على الرجل -الحكم المطلوب منا أهل
الأرض- على مجمل أفعاله فإن كان الأغلب الصلاح شهدنا له بذلك وإن كان هناك الفساد شهدنا
له بذلك والعياذ بالله ، ولو ظهر لنا بعد كل هذا مقصد من مقاصده تدفع عنه الحكم نشهد بما
ظهر لنا .
اللهم رد المسلمين إليك ردا جميلا ، وهدهم إلى الحق
وعلمهم وزده إليك قربا ، اللهم أقد دولة الدين واعل رايتها خفاقة فوق أرضك يا رب العالمين
اللهم أعد فينا الخلافة وجعلنا من خير أهلها ، اللهم أقم علم الجهاد ، اللهم أقم علم الجهاد ، اللهم
أقم علم الجهاد ، اللهم اجعلنا من جندك المخلصين وجعل كل ذرة من أجسامنا في سبيلك يا رب
العالمين اللهم وثبت أقدامنا يوم اللقاء وانصرنا ونصر بنا أهل دينك الذين تحبهم ويحبونك
واجعلنا منهم يا قدير يا عليم آمين آمين آمين .
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}