المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سراب الغابة


غالية طرابيشي
07-04-10, 08:50 PM
سراب الغابة
تسألني كل مرة لماذا في بيت عربي ولماذا تلك الشجرة, ولم أعرف ماذا أقول لها, فلقد انتقلنا مجدداً إلى هنا إلى منزل وسط الشام القديمة, التي طالما تمنى والدي أن نسكن فيها, لأنه كان يفضل الأشياء الطبيعية الحقيقية, فقالت إذاً هكذا يريد الأمر, قلت أجل وهذه الليلة سيحضر والدي شجرة جميلة جداً, كما قال, ليزرعها بيده تعبيراً عن فرحته بالسكن الجديد, ولم يشعر أبداً بما كان يوجد ويسكن في هذه الشجرة, وفي الصباح استيقظت لأذهب إلى مدرستي, ونظرت من نافذة غرفتي إلى الشجرة, وألقيت التحية عليها, وقلت ما شاء الله, لقد نمت بسرعة كبيرة, فقالت أجل أنا أكبر بسرعة لا حدود لها, شعرت بشيء ما ليس على ما يرام, ثم نزلت بسرعة للأسفل وسألت أمي, هل كنت تتحدثين معي أو مع أحد غيري, المهم هل كنت تتحدثين, فقالت لما لا تلقي التحية أولاً, فقلت لها ليس وقت ذلك الآن, وحتى أني لم أودعها أيضاً, وخرجت وأنا أفكر بما سمعته ومن يكون قد قاله, ومساء كنت وحدي في البيت فقد خرج أهلي إلى حفلة عائلية, وأنا لا أحب الحفلات كثيراً, وكان عندي دراسة, وبينما كنت أدرس سمعت صوت ضجيج قادم من الأسفل, فنظرت بهدوء فإذ برجلين غريبان يدخلان مكتب والدي, يا إلهي إنهما لصان فخفت كثيراً, ولم أعرف ماذا أفعل, لكن كيف أتركهم يأخذون مال والدي, من المؤكد أنه سيحزن ويمرض وسيضع اللوم علي رغم أن لا حول ولا قوة لي, وبعد تفكير طويل قررت أن أنزل وأصرخ بكل قوتي حتى يخافا ويهربا, وعندما وصلت باب المكتب لم أسمع صوت الرجلين, بل كنت أسمع صوت قلبي الذي كان يدق كما تدق أجراس العيد, ولم أضطر للصراخ كي يخافا, بل بعدما دخلت المكتب ولم أجد إلا جثتيهما والدماء تغطيها, صرخت من هول ما رأيت, وبسرعة اتصلت بوالدي الذي اتصل بالشرطة, التي كانت أسئلتها كثيرة جداً ولم أعرف ماذا أقول, وبعد هذه الحادثة أنا التي مرضت وبقيت طريحة الفراش لأسبوع, لأن صورة الحادثة لا تريد أن تفارقني, ليس لما رأيته فقط بل لتفكيري المستمر بمن يكون قد فعل ذلك, ولم أكن أستطيع استحالة أن أصل لأي جواب, فتركت الأمر برمته رغم أن مدة نسياني له طالت جداً, وعدت لدراستي وعوضت ما ضاع علي من دروس, وهذا الصباح استيقظت بكل نشاط وحضرت نفسي للذهاب للمدرسة, ثم سرقت نظرة سريعة نحو الشجرة, وخفت كثيراً فلم تكن بهذه الوضعية بالأمس, يا إلهي ماذا أفعل هل أخبر والدي وأشغل باله, وربما قد يضحك علي, فتخليت عن الأمر, ونزلت سلمت على أمي وخرجت مباشرة دون أي كلمة أخرى, وهذه الليلة كان عندنا حفلة من جديد, ورفضت أمي بقائي في البيت هذه المرة, وأجبرتني على الذهاب معهم, وبعدما ارتديت ملابسي وأنا لا أريد ذلك, نظرت من جديد للشجرة, كانت هادئة جداً رغم نسمة الهواء اللطيفة التي كانت تمر بين أوراقها, ثم لمحت شيء ما داخلها, وكأنه صورة فتاة نائمة, فضحكت وقلت يا لي من غبية, ثم خانتني نظراتي مجدداً وعمقت رؤيتها نحوها, حتى فتحت عيونها بسرعة كبيرة, وبقيت تنظر لي وأنظر إليها, وأنا أشعر بشيء ما تحرك في عروقي, وبأن قدمي التصقتا بالأرض بقوة, ولولا نداء أمي لما تحركت من مكاني, ونزلت للأسفل وأنا أرتجف فقلقت أمي علي, وقالت لوالدي أن يلغي المشوار هذه الليلة, فقلت لا أنا بخير, لنخرج من هنا فقط, لم تكن هذه الحفلة كباقي الحفلات, بل مجرد اجتماع عائلي وعشاء مع العائلة, لكن مكان العشاء كان كبير جداً, يشبه الفندق لكن حجمه كان يناسب عائلتنا وحدها, وكان فيه صالة للسينما ومقهى صغير بل وجميل جداً, لذا طلبت من أمي أن نجلس فيه, ثم جاء أفراد العائلة ليسلموا علينا, وبعدما تناولنا بعض المقبلات ذهب والدي مع إخوته, وأمي دخلت صالة السينما مع بنات عمومي, وبقيت وحدي في المقهى كالعادة, ثم فجأة أتى شاب غريب, ليس من العائلة, وجلس معي رغم أني نظرت له بعتب كي لا يجلس, ولا أن يفكر بذلك حتى, لكنه جلس وبدأ يتحدث بكلام لم أفهمه لكني ارتحت له, ولا أعرف ما الذي دفعني كي أخبره عما رأيته في تلك الشجرة الغريبة التي في دارنا, وكيف أن والدي قرر فجأة أن يقطعها ولم أفهم ما السبب, فقد كان يحبها كثيراً وقد زرعها بيده, وبعدما أحببتها أراد قطعها لماذا..؟؟ وقبل ساعة من قدومنا هنا بعدما شعرت أمي إني خائفة من الشجرة, لمحت لوالدي بذلك فحملها ورماها خارجاً, بينما أنا وأمي صعدنا في السيارة بانتظاره, ومن تلك اللحظة وأنا أبحث عنها كالمجنونة, وأسأل عنها الجميع في الطرقات, وفي كل مكان, حتى أني سألت عنها رجل كنت أعمل عنده في يوم من الأيام وقد مات, وعندما سألت جاره أين ذهب السيد فلان, نظر إلي باستغراب وقال لا أعرف متى يعود, وكأنه كان يسخر مني, فالرجل ميت منذ سنين وهو وأنا نعلم ذلك, وتركته ورحلت ولم أعرف ما علي فعله, واشتد عندي الأمر لدرجة أني بدأت أنتظر كل شجرة لتصبح فتاة, وأنتظر كل فتاة لتصبح شجرة, وكل غابة لتكون سراب ووهم في عقلي, فقاطعني الشاب وقال عن ماذا كنت تبحثين, قلت عن تلك الفتاة, وقال من جديد لقد حيرتني شجرة أم فتاة لم أفهمك, هل تخبريني قصة خيالية من خيالك, هل تسخرين مني, فتركني غاضباً واختفى فجأة من الباب الخلفي للمقهى, حيث الآلات ومكبات القمامة, ولم يخطر ببالي أن أسأله عن اسمه ومن يكون, وبينما كنت غارقة في الحديث مع نفسي, سمعت أصوات قادمة من صالة السينما, كانت أصوات أفلام وضحكات الموجودين فيها, دخلت الصالة كانت أمي مع البقية يشاهدون فيلم ديني, بينما كان يظهر على الشاشة نساء يرقصن بزي أحمر, وبينما كنت منسجمة فيما أراه, صرخت ابنة عمي متألمة, وضعت أمي يدها على جبينها كانت حرارته مرتفعة جداً, فطلبت مني أن أحضر من حقيبتها دواء مسكن وخافض حرارة, كانت تحمله معها دائماً, وعندما عدت المقهى حيث تركت أغراضنا, كان أولاد عمومي الصغار يلعبون بالحقائب, وقد فتحوها ووقع كل شيء كان فيها, فجمعتها بسرعة وعدت عند أمي, وقلت لها لم أجد الدواء, لكن كانت قد أعطتها الدواء منذ برهة, فقد كان في جيبها ونسيت ذلك, ولم أسألها كثيراً عن الأمر, المهم أن ابنة عمي تحسنت وعادت الأمور لحالها, ونسي الجميع مشاهدة الفيلم, وعدت للمقهى متعبة مستاءة, ووجدت الصغار من جديد يلعبون بالحقائب فغضبت عليهم وطردتهم, وجلست وحدي كالعادة, ومرت الساعات ولم أشعر بها, وسألت نفسي هل أتيت الحفلة لأجلس وحدي, كنت بقيت في البيت كان أفضل, ومرت لحظات سريعة ربما غفوت أو شردت فيها, ولم أسمع بعدها إلا صوت العصافير والمطر الذي أحبه كثيراً, كان يأتي من ذلك الباب الذي خرج منه ذلك الشاب, ولا أعرف لما ركضت بسرعة نحوه فلم يكن هناك داعي للعجلة, فتحت الباب وخرجت وأنا كنت أظن أن المكان مجرد خرابه ومكب نفايات للمقهى, بل كان شيء آخر بمنتهى الجمال, كان غابة لا بداية ولا نهاية لها, ثم وجدت درج طويل جداً لا نهاية له, وبينما كنت أنزل درجاته حصل انفجار قوي جداً في المكان الذي كنت فيه, ولم أجرؤ أبداً على النظر للوراء, حتى أني لم أجد الوقت لذلك, لأني سقطت من مكان مرتفع جداً, بعدما كان الدرج قد اختفى كما اختفى الشاب منذ لحظات, وصرخت خائفة بكل قوتي وأنا أقع للأسفل, حتى أنقذتني يديها وهي تشع نور قوي وحنون, وضعتني على أرض أخرى بسلام, وغادرت وكأنها لم تأتي ولم تذهب, كانت تلك الشجرة أو الفتاة التي كانت تسكن الشجرة, بصراحة لم أعد أعرف ما الذي أقوله, وضحكت على نفسي في غمرة ألمي وخوفي, وبعد ضحك طويل نهضت وعدت البيت وحدي, ولم أجد أحد فيه ولم أعد أتذكر ما الذي حدث, وكأني حتى لم أذهب ولم أعود, وكل ما تذكرته ذلك الضوء ورائحة الحب والمطر وصوت العصافير وأرض طرية جداً وعشبية رطبة, , ولم أعد أدري ولا أشعر بالأيام القادمة فربما غفوت من جديد, أو ربما استيقظت مجدداً على شيء جديد وحدي كالعادة, أجل استيقظت على صوت أمي وهي تناديني لأنزل وأتناول الفطور, وكم تمنيت بعد ذلك أن أراها ولم أعد أراها, لم أعد أراها أبداً, وعدت وحدي كالعادة ... كانت امرأة رائعة رحمها الله تعالى كم كنت أحب زيارتها كل حين كانت تملك بيت عربي كبير وتسكن فيه وحدها ويا إلهي كم كانت تحب الاعتناء بالنباتات وزراعتها وكانت كلما انتهت من سقايتها تجلس قرب البحرة وفي يدها البيضاء الناعمة فنجان القهوة يكاد يختفي من رقة وسكينة هدوءها, وتنظر للنباتات تلك النظرة العاشقة الشاردة وعندها كم كنت أتمنى أن أدخل عقلها لأعرف بماذا تفكر وهي تنظر للنبات بتلك النظرة الساحرة الهادئة, حتى تخيلت الوحدة من صدى ضحكتها فأيقنت أن الوحدة ربما تكون أحيانا نعمة, فرسمت منها هذه الصورة من إحدى تخيلات الشعور بالوحدة, وذات يوم أتيت لزيارتها كالعادة, قرعت الجرس بلا مجيب, طرقت بيدي بقوة أيضاً لا مجيب, ثم خرجت الجارة لتقول لي بحزن شديد أن في الأمس دخل بيتها لصين وعندما علمت بوجودهما أصابتها جلطة قلبية, فقد كانت وحدها فخافت كثيراً, ونزل علي هذا الخبر كالصاعقة المقيتة, وتألمت بشدة ومرضت وبقيت طريحة الفراش مدة طويلة, وتأكدت بعدما حدث معها أن الوحدة ليست نعمة, بل هي أكثر من نقمة, وشعور الفرح في الوحدة ما هو إلا شعور مزيف وغير حقيقي أبداً, (a21)(a21)(a21)

ابو هجر
05-05-10, 09:10 AM
دائما مبدعة

تحياتي