المقتطف
08-04-05, 12:28 AM
مقدمة الكتاب
يقول الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في مقدمة الكتاب أن: (كل يذهب مذهبا في سبب الانحطاط و في ما هو الدواء. وحيث أنى قد تمحص عندي أن اصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي و دواءه دفعه بالشورى الدستورية . وقد استقر فكري على ذلك – كما أن لكل نبأ مستقر – بعد بحث ثلاثين عاما... بحثا أظنه كاد يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم الباحث عند النظرة الأولى انه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله , ولكن لا يلبث أن يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشيء . أو أن ذلك فرع الأصل , أو هو نتيجة لا وسيلة.
فالقائل مثلا : إن أصل الداء التهاون في الدين , لا يلبث أن يقف حائرا عندما يسأل نفسه لماذا تهاون الناس في الدين ؟ و القائل : إن الداء اختلاف الآراء , يقف مبهوتا عند تعليل سبب الاختلاف فان قال سببه الجهل يشكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أشد و أقوى .. و هكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها فيرجع إلى القول : هذا ما يريده الله بخلقه , غير مكترث بمنازعة عقله و دينه له بان الله حكيم عادل رحيم ...)
ما هو الاستبداد
و يقول الكواكبي في فصل ما هو الاستبداد معرفا ( لغة هو غرور المرء برأيه و الأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي و الحقوق المشتركة . و في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة و بلا خوف تبعة , وقد قد تطرأ مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة ( استبداد ) كلمات : استعباد, و تسلط , وتحكم . و في مقابلتها كلمات : مساواة , و حس مشترك , وسلطة عامة . و يستعملون في مقام صفة ( مستبد ) كلمات جبار طاغية , و حاكم بأمره , وحاكم مطلق . و في مقابلة ( حكومة مستبدة ) كلمات : عادلة , و مسؤولة , و مقيدة , و دستورية . و يستعملون في مقام وصف الرعية ( المستبد عليهم ) كلمات : أسرى , و مستصغرين , و بؤساء . و مستنبتين . و في مقابلتها : أحرار , و أباة . و أحياء , و أعزاء .
و أما تعريف الاستبداد بالوصف لا بالمترادفات و المتقابلات فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين .
..... و أشد انواع الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق , الوارث للعرش , القائد للجيش , الحائز على سلطة دينية. و لنا أن نقول كلما قلت وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحكم المنتخب المؤقت المسؤول فعلا .
و أورد الكواكبي شذرات مما : ( .. تكلم به بعض الحكماء لا سيما المتاخرون منهم في وصف الاستبداد و من هذه الجمل : / المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم و يحكم بهواه لا بشريعتهم , و يعلم من نفسه انه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق و التداعي لمطالبته /
// المستبد عدو الحق , عدو الحرية و قاتلها , و الحق أبو البشر و الحرية أمهم , و العوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا , والعلماء هم اخوتهم الراشدون , أن أيقظوهم هبوا و إن دعوهم لبوا و إلا فيتصل نومهم بالموت//
بعد المقدمة و فصل ما هو الاستبداد يدأب الكواكبي في كتابه على عرض العلاقة بين الاستبداد و كل من الدين , العلم , المجد , المال , الأخلاق , التربية و الترقي لينهي كتابه القيم بباب الاستبداد و التخلص منه ونجده يسهب و يشدد تركيزه على أبواب الاستبداد و الدين و الاستبداد و الأخلاق و مجهوده القيم في المبحثين على درجة فائقة من الإدراك العميق و الجرأة النادرة ( حتى بين معاصرينا ) و روح من الألم المتشرب في روحه العاشقة للحرية ليس عاطفيا و إنما عقليا قبل كل شيء و من الغيرة على مستقبل الأمة التي لا يجد لها مكانا تحت الشمس إلا بزوال الاستبداد السياسي وتفرعاته :
الاستبداد و الدين
في مبحث الاستبداد و الدين يشرح العلاقة النفعية المتبادلة غير الشريفة بين الاسنبداد الديني و الاستبداد السياسي مشيرا إلى : { تضافر أراء العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني , و البعض يقول إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان أبوهما التغلب و أمهما الرياسة , أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة إلى التعاون لتذليل الإنسان , و الفريقان مصيبان في حكمهما بالنظر إلى مغزى أساطير الأولين و القسم التاريخي من التوراة و الرسائل المضافة إلى الإنجيل , و مخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية فيهما , كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء مؤيدا للاستبداد السياسي , و ليس من العذر شيء أن يقولوا نحن لا ندرك دقائق القرآن نظرا لخفائها علينا في طي بلاغته ووراء العلم بأسباب نزول آياته , و إنما نبني نتيجتنا على مقدمات ما نشاهد عليه المسلمين منذ قرون إلى الآن من استعانة مستبديهم بالدين .
يقول هؤلاء المحررون إن التعاليم الدينية و منها الكتب السماوية تدعوا البشر إلي خشية قوة عظيمة هائلة لا تدرك العقول كنهها قوة تتهدد الإنسان بكل مصيبة - في الحياة فقط - عند البوذية و اليهودية , أو في الحياة و بعد الممات كما عند النصارى و الإسلام , تهديدا ترتعد منه الفرائص فتخور القوى و تذهل العقول فتستسلم للخبل و الخمول , ثم تفتح هذه التعاليم أبوابا للنجاة وراءها نعيم مقيم , و لكن على تلك الأبواب حجاب من البراهمة و الكهنة و القسوس و أمثالهم الذين لا يأذنون للناس بالدخول ما لم يعظموهم مع التذليل و الصغار و يرزقوهم باسم نذر أو قربان أو ثمن غفران . .. و هؤلاء المهيمنون على الأديان كم يرهبون الناس من غضب الله و ينذرونهم بحلول مصائبه و عذابه عليهم ثم يرشدونهم إلي ...
و يقولون إن السياسيين يبنون كذلك استبدادهم على أساس من هذا القبيل , فهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي و التشامخ الحسي , و يذلونهم بالقهر و القوة و سلب الأموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم يتمتعون بهم كأنهم نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها و يأكلون لحومها و يركبون ظهورها و بها يتفاخرون ( كخطاب : إلى شعبنا العظيم ,,,)
و يرون أن هذا التشاكل في بناء و نتائج الاستبداديين الديني و السياسي جعلهما في مثل فرنسا مشتركين في العمل كأنهما يدان متعاونتان , و في روسيا مشتبكين في الوظيفة كاللوح و القلم يسجلان الشقاء على الأمم (طبعا يتكلم عن العصر الذي عايشه – نهاية القرن التاسع عشر ) .
و يقررون أن هذا التشاكل بين القوتين ينجر بعوام البشر و هم السواد الأعظم إلى نقطة يلتبس عليهم الفرق بين الإله المعبود بحق و بين المستبد المطاع بالقهر , فيختلطان في مضائق أذهانهم من حيث التشابه في استحقاق مزيد التعظيم , و الرفعة عن السؤال و عدم المواخذة على الأفعال بناء عليه لا يرون لأنفسهم حقا في مراقبة المستبد لانتفاء النسبة بين عظمته و دناءتهم , وبعبارة أخرى يجد العوام معبودهم و جبارهم مشتركين في كثير من من الحالات و الأسماء والصفات فلا يفرقوا بين ( المنعم ) و ولي النعمة , وبين ( جل شأنه ) و جليل الشأن , بناء عليه يعظمون الجبابرة تعظيمهم لله , و يزيدون تعظيمهم على التعظيم لله لأنه حليم كريم و لأن عذابه آجل غائب , و أما انتقام الجبار فعاجل حاضر .
و يعللون أن قيام المستبدين من أمثال ( أبناء داود ) و ( قسطنطين ) في نشر الدين بين رعاياهم , و انتصار مثل ( فيليب الثاني ) الإسباني و ( هنري الثامن ) الانكليزي للدين حتى بتشكيل محاكم التفتيش , و قيام الحاكم الفاطمي و السلاطين الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصوفية و بنائهم لهم التكايا ( كما شاهدنا من خلال رائعة يوسف شاهين – المصير) لم يكن إلا بقصد الاستعانة بمسوخ الدين و ببعض أهله المغفلين على ظلم المساكين .
و يحكمون بأن بين الاستبدادين السياسي و الديني مقارنة لا تنفك متى وجد أحدهما في أمة جر الآخر إليه أو متى زال زال رفيقه , و إن صلح ضعف أحدهما صلح ضعف الثاني , و يبرهنون على أن الدين أقوى تأثيرا من السياسة إن إصلاحا أو إفسادا , و يمثلون بالسكسون أي الإنكليز و الهولنديين و الأمريكان و الألمان الذين قبلوا البروتستنتية , فأثر التحرير الديني في الإصلاح السياسي و الأخلاق أكثر من تأثير الحرية المطلقة السياسية في جمهور اللتين أي الفرنسيين و الطليان و الأسبان و البرتغال. و قد أجمع الكتاب السياسيون المدققون , بالإستاد على التاريخ و الاستقراء , من أن ما من أمة أو عائلة أو شخص تنطع في الدين أي تشدد إلا و اختل نظام دنياه و خسر أولاه و عقباه .
و الحاصل أن كل المدققين السياسيين يرون أن السياسة و الدين يمشيان متكاتفين , و يعتبرون أن إصلاح الدين هو أسهل و أقوى و أقرب طريق للإصلاح السياسي .
و ربما كان أول من سلك هذا المسلك أي أستخدم الدين في الإصلاح السياسي هم حكماء اليونان , حيث تحيلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على قبول الأشتراك في السياسة بإحياء عقيدة الاشتراك في الألوهية , أخذوها عن الآشوريين و مزجوها بأساطير بصورة تخصيص العدالة بإله و الحرب بإله و الأمطار بإله إلى غير ذلك من التوزيع و جعلوا لإله الآلهة حق النظارة عليهم , و حق الترجيح عند وقوع الاختلاف بينهم . ثم بعد تمكن هذه العقيدة في الأذهان لما ألبست من جلال المظاهر و سحر البيان سهل على أولئك الحكماء دفعهم الناس مطالبة حكامهم الجبابرة بالنزول إلي مقام الانفراد , و بأن تكون إرادة الأرض كإرادة السماء فأنصاع ملوكهم مكرهين . و هذه هي الوسيلة العظمى التي مكنت اليونان من إقامة جمهوريات أثينا و إسبارطة .و كذلك فعل الرومان , و هذا الأصل لم يزل المثال القديم لأصول توزيع الإدارات في الحكومات الملكية و الجمهوريات على أنواعها إلى هذا العهد .
ثم يذكر كيف أن { عقيدة التشريك عدا كونها باطلة في ذاتها ... فإنها انتشرت و عمت و جندت جيشا عرمرما يخدم المستبدين كنمرود إبراهيم و فرعون موسى و البرهمي و البادري و الصوفي .. و قد جاءت التوراة لترفع عقيدة التشريك مستبدلة مثلا أسماء الآلهة المتعددة بالملائكة و لكن لم يرض ملوك ال كوهين بالتوحيد فأفسدوه بالاستبداد ثم جاء الإنجيل بسلسبيل الدعة و الحلم فصادف أفئدة محروقة بنار القساوة و الاستبداد و كان أيضا مؤيدا لناموس التوحيد و لكن لم يقوى دعاته الأولون على تفهيم تلك الأقوام المنحطة( المنهكة من الاستبداد ) , الذين بادروا لقبول النصرانية قبل الأمم المترقية . . ثم لما انتشرت النصرانية و دخلها أقوام مختلفون , تلبست ثوبا غير ثوبها , كما هو شأن الأديان التي سبقتها فامتزجت بأزياء و شعائر الإسرائيليين و أشياء من الأساطير و غيرها و أشياء من مظاهر الملوك و نحوها , و هكذا صارت تعظم رجال الكهنوت إلى درجة اعتقاد النيابة عن الله و العصمة عن الخطأ و قوة التشريع, مما رفضه البروتستانت أي الراجعون في الأحكام لأصل الإنجيل ..
ثم جاء الإسلام مهذبا لليهودية و النصرانية مؤسسا على الحكمة و العزم هادما للشرك , و محكما لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الأرستقراطية و الديموقراطية فأسس التوحيد و نزع كل سلطة دينية أو تغليبية تتحكم بالنفوس , و أوجد مدينة فطرية سامية} .
ثم نرى الكواكبي مترحما على ذاك { الطراز السامي من الرياسة و هو الطراز النبوي المحمدي لم يخلفه فيه حقا غير آبي بكر ثم عمر ثم اخذ بالتناقص , وصارت الأمة تطلبه و تبكيه من عهد عثمان إلي الآن , و سيدوم بكائها إلى يوم الدين إذا لم تنتبه بتعويضه بطراز سياسي شوري , ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب التي لربما يصح أن نقول , إنها قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاد منه المسلمون .
و هذا القرآن الكريم مشحون بتعاليم إماتة الاستبداد و إحياء العدل و التساوي حتى في القصص منه ,و من جملتها قول بلقيس ملكة سبأ من عرب تبَع تخاطب أشراف قومه : (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة و أولو بأس شديد , و الأمر إليك فأنظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أهلها أذلة و كذلك يفعلون ) .
فهذه القصة تعلم كيف ينبغي:
أن يستشير الملوك الملأ أي أشراف الرعية , و أن لا يقطعوا أمرا إلا برأيهم
و تشير إلى لزوم أن تحفظ القوة و البأس في يد الرعية ,
و أن يخص الملوك بالتنفيذ فقط , و أن يكرموا بنسبة الأمر إليهم تكريما ,
و تقبح شأن الملوك المستبدين .
و من هذا الباب ما ورد في قصة موسى عليه السلام مع فرعون في قوله تعالى : ( و قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ) أي قال الأشراف بعضهم لبعض : ماذا رأيكم ؟ ( قالوا ) خطابا لفرعون و هو قرارهم : (أرجه و أخاه و أرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم ) ثم وصف مذكراتهم بقوله تعالى : ( فتنازعوا أمرهم ) أي رأيهم ( بينهم و أسروا النجوى ) أي أفضت مذكراتهم العلنية إلى النزاع فأجروا مذاكرة سرية طبق ما يجري الآن في المجالس العمومية} .
ثم ينكب الكواكبي على إدراج أمثلة في تأيد وتأكيد معاني المشاركة و المشاورة و يتهم علماء الاستبداد بتحريف الكلم عن موضعه ثم يستنتج عدم وجوب طاعة الظالمين و إن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعا للفتنة التي تحصد أمثالهم حصدا .
ويستغرب الكواكبي: { جعل للفظة العدل معنى عرفي و هو الحكم بمقتضى ما قاله الفقهاء حتى أصبحت لا تدل على غير هذا المعنى , مع إن العدل لغة تعني التسوية .
و قد عدد الفقهاء من لا تقبل شهادتهم لسقوط عدالتهم فذكروا حتى من يأكل ماشيا في الأسواق , ولكن شيطان الاستبداد أنساهم أن يفسقوا الأمراء الظالمين فيردوا شهادتهم , و ما عذرهم في تحويل معنى الآية : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ) إلى أن هذا الفرض هو فرض كفاية لا فرض عين ؟؟ و المراد هنا سيطرة أفراد المسلمين بعضهم على بعض , لا إقامة فئة تسيطر على حكامهم كما اهتدت إلى ذلك الأمم الموفقة للخير , فخصصت منها جماعات باسم مجالس نواب , فتخلصوا من شآمة الاستبداد. أليست هذه السيطرة و هذا الاحتساب بأهم من السيطرة و الاحتساب على الأفراد ؟ و من يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا , و أوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا , و عدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين ؟؟؟
الهم إن المستبدين و شركائهم قد جعلوا دينك غير الدين الذي أنزلت فلا حول ولا قوة إلا بك .
نعم , لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب , حيث أرسل لهم رسولا من أنفسهم أسس لهم أفضل حكومة أسست في الناس , جعل قاعدتها قوله {كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته } أي كل منكم سلطان عام و مسؤول عن الأمة . و هذه الجملة هي أسمى و أبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين و الآخرين , فجاء من المنافقين من حرف المعنى عن ظاهره و عموميته إلى أن المسلم راعٍ على عائلته و مسؤول عن عائلته فقط . كما حرفوا معنى الآية : {المؤمنون بعضهم أولياء بعض } إلى ولاية الشهادة دون الولاية العامة . و هكذا غيروا مفهوم اللغة , و بدلوا الدين , و طمسوا العقول حتى جعلوا الناس ينسون لذة الاستقلال , و عزة الحرية , بل جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر .
وكأن المسلمين لم يسمعوا بقول الرسول عليه السلام : (( الناس سواسية كأسنان المشط ,
لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى )). و هذا الحديث من أصح الأحاديث لمطابقته للحكمة و مجيئه مفسرا الآية { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فإن الله عز وجل شأنه ساوى بين عباده مؤمنين و كافرين في المكرمة بقوله { وكرمنا بني آدم } ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين فقط . و معنى التقوى لغة ليس كثرة العبادة كما صار ذلك حقيقة عرفية غرسها علماء الاستبداد القائلين في تفسير ( عند الله ) أي في الآخرة دون الدنيا بل التقوى لغة هي الاتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازاً من عقوبة الله . فقوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم كقوله إن أفضل الناس أكثرهم ابتعادا عن الآثام و سوء عواقبها }.
و يسهب الكواكبي في شرح و تفصيل: { ان الإسلامية مؤسسة على أصول الحرية برفعها كل سيطرة و تحكم , بأمرها بالعدل و المساواة و القسط والإخاء .. وقد جعلت أصول حكومتها الشورى "الأرستقراطية " أي شورى أهل الحل و العقد في الأمة بعقولهم لا بسيوفهم . ..و من المعلوم أنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقا في غير مسائل إقامة الشعائر ومنها القواعد العامة التشريعية التي لا تبلغ مائة قاعدة و حكم } .. إلى أن يتأسف على هذا الدين: { الحر , الحكيم , السهل , المسح , الذي رفع الإصر و الأغلال , و أباد الميزة و الاستبداد , الدين الذي فقد الأنصار الأبرار و الحكماء الأخيار فسطا عليه المستبدون و المرشحون للاستبداد , و اتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة و تقسيم الأمة , و جعلوه آلة لأهوائهم السياسية فضيعوا مزاياه و حيروا أهله بالتفريغ و التوسيع , و التشديد و التشويش , و إدخال ما ليس فبه ...
و بهذا التشديد الذي أدخله على الدين منافسو المجوس ,انفتح على الآمة باب التلوم على النفس , و اعتقاد التقصير المطلق } .
يقول الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في مقدمة الكتاب أن: (كل يذهب مذهبا في سبب الانحطاط و في ما هو الدواء. وحيث أنى قد تمحص عندي أن اصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي و دواءه دفعه بالشورى الدستورية . وقد استقر فكري على ذلك – كما أن لكل نبأ مستقر – بعد بحث ثلاثين عاما... بحثا أظنه كاد يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم الباحث عند النظرة الأولى انه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله , ولكن لا يلبث أن يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشيء . أو أن ذلك فرع الأصل , أو هو نتيجة لا وسيلة.
فالقائل مثلا : إن أصل الداء التهاون في الدين , لا يلبث أن يقف حائرا عندما يسأل نفسه لماذا تهاون الناس في الدين ؟ و القائل : إن الداء اختلاف الآراء , يقف مبهوتا عند تعليل سبب الاختلاف فان قال سببه الجهل يشكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أشد و أقوى .. و هكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها فيرجع إلى القول : هذا ما يريده الله بخلقه , غير مكترث بمنازعة عقله و دينه له بان الله حكيم عادل رحيم ...)
ما هو الاستبداد
و يقول الكواكبي في فصل ما هو الاستبداد معرفا ( لغة هو غرور المرء برأيه و الأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي و الحقوق المشتركة . و في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة و بلا خوف تبعة , وقد قد تطرأ مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة ( استبداد ) كلمات : استعباد, و تسلط , وتحكم . و في مقابلتها كلمات : مساواة , و حس مشترك , وسلطة عامة . و يستعملون في مقام صفة ( مستبد ) كلمات جبار طاغية , و حاكم بأمره , وحاكم مطلق . و في مقابلة ( حكومة مستبدة ) كلمات : عادلة , و مسؤولة , و مقيدة , و دستورية . و يستعملون في مقام وصف الرعية ( المستبد عليهم ) كلمات : أسرى , و مستصغرين , و بؤساء . و مستنبتين . و في مقابلتها : أحرار , و أباة . و أحياء , و أعزاء .
و أما تعريف الاستبداد بالوصف لا بالمترادفات و المتقابلات فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين .
..... و أشد انواع الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق , الوارث للعرش , القائد للجيش , الحائز على سلطة دينية. و لنا أن نقول كلما قلت وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحكم المنتخب المؤقت المسؤول فعلا .
و أورد الكواكبي شذرات مما : ( .. تكلم به بعض الحكماء لا سيما المتاخرون منهم في وصف الاستبداد و من هذه الجمل : / المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم و يحكم بهواه لا بشريعتهم , و يعلم من نفسه انه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق و التداعي لمطالبته /
// المستبد عدو الحق , عدو الحرية و قاتلها , و الحق أبو البشر و الحرية أمهم , و العوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا , والعلماء هم اخوتهم الراشدون , أن أيقظوهم هبوا و إن دعوهم لبوا و إلا فيتصل نومهم بالموت//
بعد المقدمة و فصل ما هو الاستبداد يدأب الكواكبي في كتابه على عرض العلاقة بين الاستبداد و كل من الدين , العلم , المجد , المال , الأخلاق , التربية و الترقي لينهي كتابه القيم بباب الاستبداد و التخلص منه ونجده يسهب و يشدد تركيزه على أبواب الاستبداد و الدين و الاستبداد و الأخلاق و مجهوده القيم في المبحثين على درجة فائقة من الإدراك العميق و الجرأة النادرة ( حتى بين معاصرينا ) و روح من الألم المتشرب في روحه العاشقة للحرية ليس عاطفيا و إنما عقليا قبل كل شيء و من الغيرة على مستقبل الأمة التي لا يجد لها مكانا تحت الشمس إلا بزوال الاستبداد السياسي وتفرعاته :
الاستبداد و الدين
في مبحث الاستبداد و الدين يشرح العلاقة النفعية المتبادلة غير الشريفة بين الاسنبداد الديني و الاستبداد السياسي مشيرا إلى : { تضافر أراء العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني , و البعض يقول إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان أبوهما التغلب و أمهما الرياسة , أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة إلى التعاون لتذليل الإنسان , و الفريقان مصيبان في حكمهما بالنظر إلى مغزى أساطير الأولين و القسم التاريخي من التوراة و الرسائل المضافة إلى الإنجيل , و مخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية فيهما , كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء مؤيدا للاستبداد السياسي , و ليس من العذر شيء أن يقولوا نحن لا ندرك دقائق القرآن نظرا لخفائها علينا في طي بلاغته ووراء العلم بأسباب نزول آياته , و إنما نبني نتيجتنا على مقدمات ما نشاهد عليه المسلمين منذ قرون إلى الآن من استعانة مستبديهم بالدين .
يقول هؤلاء المحررون إن التعاليم الدينية و منها الكتب السماوية تدعوا البشر إلي خشية قوة عظيمة هائلة لا تدرك العقول كنهها قوة تتهدد الإنسان بكل مصيبة - في الحياة فقط - عند البوذية و اليهودية , أو في الحياة و بعد الممات كما عند النصارى و الإسلام , تهديدا ترتعد منه الفرائص فتخور القوى و تذهل العقول فتستسلم للخبل و الخمول , ثم تفتح هذه التعاليم أبوابا للنجاة وراءها نعيم مقيم , و لكن على تلك الأبواب حجاب من البراهمة و الكهنة و القسوس و أمثالهم الذين لا يأذنون للناس بالدخول ما لم يعظموهم مع التذليل و الصغار و يرزقوهم باسم نذر أو قربان أو ثمن غفران . .. و هؤلاء المهيمنون على الأديان كم يرهبون الناس من غضب الله و ينذرونهم بحلول مصائبه و عذابه عليهم ثم يرشدونهم إلي ...
و يقولون إن السياسيين يبنون كذلك استبدادهم على أساس من هذا القبيل , فهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي و التشامخ الحسي , و يذلونهم بالقهر و القوة و سلب الأموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم يتمتعون بهم كأنهم نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها و يأكلون لحومها و يركبون ظهورها و بها يتفاخرون ( كخطاب : إلى شعبنا العظيم ,,,)
و يرون أن هذا التشاكل في بناء و نتائج الاستبداديين الديني و السياسي جعلهما في مثل فرنسا مشتركين في العمل كأنهما يدان متعاونتان , و في روسيا مشتبكين في الوظيفة كاللوح و القلم يسجلان الشقاء على الأمم (طبعا يتكلم عن العصر الذي عايشه – نهاية القرن التاسع عشر ) .
و يقررون أن هذا التشاكل بين القوتين ينجر بعوام البشر و هم السواد الأعظم إلى نقطة يلتبس عليهم الفرق بين الإله المعبود بحق و بين المستبد المطاع بالقهر , فيختلطان في مضائق أذهانهم من حيث التشابه في استحقاق مزيد التعظيم , و الرفعة عن السؤال و عدم المواخذة على الأفعال بناء عليه لا يرون لأنفسهم حقا في مراقبة المستبد لانتفاء النسبة بين عظمته و دناءتهم , وبعبارة أخرى يجد العوام معبودهم و جبارهم مشتركين في كثير من من الحالات و الأسماء والصفات فلا يفرقوا بين ( المنعم ) و ولي النعمة , وبين ( جل شأنه ) و جليل الشأن , بناء عليه يعظمون الجبابرة تعظيمهم لله , و يزيدون تعظيمهم على التعظيم لله لأنه حليم كريم و لأن عذابه آجل غائب , و أما انتقام الجبار فعاجل حاضر .
و يعللون أن قيام المستبدين من أمثال ( أبناء داود ) و ( قسطنطين ) في نشر الدين بين رعاياهم , و انتصار مثل ( فيليب الثاني ) الإسباني و ( هنري الثامن ) الانكليزي للدين حتى بتشكيل محاكم التفتيش , و قيام الحاكم الفاطمي و السلاطين الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصوفية و بنائهم لهم التكايا ( كما شاهدنا من خلال رائعة يوسف شاهين – المصير) لم يكن إلا بقصد الاستعانة بمسوخ الدين و ببعض أهله المغفلين على ظلم المساكين .
و يحكمون بأن بين الاستبدادين السياسي و الديني مقارنة لا تنفك متى وجد أحدهما في أمة جر الآخر إليه أو متى زال زال رفيقه , و إن صلح ضعف أحدهما صلح ضعف الثاني , و يبرهنون على أن الدين أقوى تأثيرا من السياسة إن إصلاحا أو إفسادا , و يمثلون بالسكسون أي الإنكليز و الهولنديين و الأمريكان و الألمان الذين قبلوا البروتستنتية , فأثر التحرير الديني في الإصلاح السياسي و الأخلاق أكثر من تأثير الحرية المطلقة السياسية في جمهور اللتين أي الفرنسيين و الطليان و الأسبان و البرتغال. و قد أجمع الكتاب السياسيون المدققون , بالإستاد على التاريخ و الاستقراء , من أن ما من أمة أو عائلة أو شخص تنطع في الدين أي تشدد إلا و اختل نظام دنياه و خسر أولاه و عقباه .
و الحاصل أن كل المدققين السياسيين يرون أن السياسة و الدين يمشيان متكاتفين , و يعتبرون أن إصلاح الدين هو أسهل و أقوى و أقرب طريق للإصلاح السياسي .
و ربما كان أول من سلك هذا المسلك أي أستخدم الدين في الإصلاح السياسي هم حكماء اليونان , حيث تحيلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على قبول الأشتراك في السياسة بإحياء عقيدة الاشتراك في الألوهية , أخذوها عن الآشوريين و مزجوها بأساطير بصورة تخصيص العدالة بإله و الحرب بإله و الأمطار بإله إلى غير ذلك من التوزيع و جعلوا لإله الآلهة حق النظارة عليهم , و حق الترجيح عند وقوع الاختلاف بينهم . ثم بعد تمكن هذه العقيدة في الأذهان لما ألبست من جلال المظاهر و سحر البيان سهل على أولئك الحكماء دفعهم الناس مطالبة حكامهم الجبابرة بالنزول إلي مقام الانفراد , و بأن تكون إرادة الأرض كإرادة السماء فأنصاع ملوكهم مكرهين . و هذه هي الوسيلة العظمى التي مكنت اليونان من إقامة جمهوريات أثينا و إسبارطة .و كذلك فعل الرومان , و هذا الأصل لم يزل المثال القديم لأصول توزيع الإدارات في الحكومات الملكية و الجمهوريات على أنواعها إلى هذا العهد .
ثم يذكر كيف أن { عقيدة التشريك عدا كونها باطلة في ذاتها ... فإنها انتشرت و عمت و جندت جيشا عرمرما يخدم المستبدين كنمرود إبراهيم و فرعون موسى و البرهمي و البادري و الصوفي .. و قد جاءت التوراة لترفع عقيدة التشريك مستبدلة مثلا أسماء الآلهة المتعددة بالملائكة و لكن لم يرض ملوك ال كوهين بالتوحيد فأفسدوه بالاستبداد ثم جاء الإنجيل بسلسبيل الدعة و الحلم فصادف أفئدة محروقة بنار القساوة و الاستبداد و كان أيضا مؤيدا لناموس التوحيد و لكن لم يقوى دعاته الأولون على تفهيم تلك الأقوام المنحطة( المنهكة من الاستبداد ) , الذين بادروا لقبول النصرانية قبل الأمم المترقية . . ثم لما انتشرت النصرانية و دخلها أقوام مختلفون , تلبست ثوبا غير ثوبها , كما هو شأن الأديان التي سبقتها فامتزجت بأزياء و شعائر الإسرائيليين و أشياء من الأساطير و غيرها و أشياء من مظاهر الملوك و نحوها , و هكذا صارت تعظم رجال الكهنوت إلى درجة اعتقاد النيابة عن الله و العصمة عن الخطأ و قوة التشريع, مما رفضه البروتستانت أي الراجعون في الأحكام لأصل الإنجيل ..
ثم جاء الإسلام مهذبا لليهودية و النصرانية مؤسسا على الحكمة و العزم هادما للشرك , و محكما لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الأرستقراطية و الديموقراطية فأسس التوحيد و نزع كل سلطة دينية أو تغليبية تتحكم بالنفوس , و أوجد مدينة فطرية سامية} .
ثم نرى الكواكبي مترحما على ذاك { الطراز السامي من الرياسة و هو الطراز النبوي المحمدي لم يخلفه فيه حقا غير آبي بكر ثم عمر ثم اخذ بالتناقص , وصارت الأمة تطلبه و تبكيه من عهد عثمان إلي الآن , و سيدوم بكائها إلى يوم الدين إذا لم تنتبه بتعويضه بطراز سياسي شوري , ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب التي لربما يصح أن نقول , إنها قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاد منه المسلمون .
و هذا القرآن الكريم مشحون بتعاليم إماتة الاستبداد و إحياء العدل و التساوي حتى في القصص منه ,و من جملتها قول بلقيس ملكة سبأ من عرب تبَع تخاطب أشراف قومه : (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة و أولو بأس شديد , و الأمر إليك فأنظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أهلها أذلة و كذلك يفعلون ) .
فهذه القصة تعلم كيف ينبغي:
أن يستشير الملوك الملأ أي أشراف الرعية , و أن لا يقطعوا أمرا إلا برأيهم
و تشير إلى لزوم أن تحفظ القوة و البأس في يد الرعية ,
و أن يخص الملوك بالتنفيذ فقط , و أن يكرموا بنسبة الأمر إليهم تكريما ,
و تقبح شأن الملوك المستبدين .
و من هذا الباب ما ورد في قصة موسى عليه السلام مع فرعون في قوله تعالى : ( و قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ) أي قال الأشراف بعضهم لبعض : ماذا رأيكم ؟ ( قالوا ) خطابا لفرعون و هو قرارهم : (أرجه و أخاه و أرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم ) ثم وصف مذكراتهم بقوله تعالى : ( فتنازعوا أمرهم ) أي رأيهم ( بينهم و أسروا النجوى ) أي أفضت مذكراتهم العلنية إلى النزاع فأجروا مذاكرة سرية طبق ما يجري الآن في المجالس العمومية} .
ثم ينكب الكواكبي على إدراج أمثلة في تأيد وتأكيد معاني المشاركة و المشاورة و يتهم علماء الاستبداد بتحريف الكلم عن موضعه ثم يستنتج عدم وجوب طاعة الظالمين و إن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعا للفتنة التي تحصد أمثالهم حصدا .
ويستغرب الكواكبي: { جعل للفظة العدل معنى عرفي و هو الحكم بمقتضى ما قاله الفقهاء حتى أصبحت لا تدل على غير هذا المعنى , مع إن العدل لغة تعني التسوية .
و قد عدد الفقهاء من لا تقبل شهادتهم لسقوط عدالتهم فذكروا حتى من يأكل ماشيا في الأسواق , ولكن شيطان الاستبداد أنساهم أن يفسقوا الأمراء الظالمين فيردوا شهادتهم , و ما عذرهم في تحويل معنى الآية : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ) إلى أن هذا الفرض هو فرض كفاية لا فرض عين ؟؟ و المراد هنا سيطرة أفراد المسلمين بعضهم على بعض , لا إقامة فئة تسيطر على حكامهم كما اهتدت إلى ذلك الأمم الموفقة للخير , فخصصت منها جماعات باسم مجالس نواب , فتخلصوا من شآمة الاستبداد. أليست هذه السيطرة و هذا الاحتساب بأهم من السيطرة و الاحتساب على الأفراد ؟ و من يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا , و أوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا , و عدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين ؟؟؟
الهم إن المستبدين و شركائهم قد جعلوا دينك غير الدين الذي أنزلت فلا حول ولا قوة إلا بك .
نعم , لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب , حيث أرسل لهم رسولا من أنفسهم أسس لهم أفضل حكومة أسست في الناس , جعل قاعدتها قوله {كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته } أي كل منكم سلطان عام و مسؤول عن الأمة . و هذه الجملة هي أسمى و أبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين و الآخرين , فجاء من المنافقين من حرف المعنى عن ظاهره و عموميته إلى أن المسلم راعٍ على عائلته و مسؤول عن عائلته فقط . كما حرفوا معنى الآية : {المؤمنون بعضهم أولياء بعض } إلى ولاية الشهادة دون الولاية العامة . و هكذا غيروا مفهوم اللغة , و بدلوا الدين , و طمسوا العقول حتى جعلوا الناس ينسون لذة الاستقلال , و عزة الحرية , بل جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر .
وكأن المسلمين لم يسمعوا بقول الرسول عليه السلام : (( الناس سواسية كأسنان المشط ,
لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى )). و هذا الحديث من أصح الأحاديث لمطابقته للحكمة و مجيئه مفسرا الآية { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فإن الله عز وجل شأنه ساوى بين عباده مؤمنين و كافرين في المكرمة بقوله { وكرمنا بني آدم } ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين فقط . و معنى التقوى لغة ليس كثرة العبادة كما صار ذلك حقيقة عرفية غرسها علماء الاستبداد القائلين في تفسير ( عند الله ) أي في الآخرة دون الدنيا بل التقوى لغة هي الاتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازاً من عقوبة الله . فقوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم كقوله إن أفضل الناس أكثرهم ابتعادا عن الآثام و سوء عواقبها }.
و يسهب الكواكبي في شرح و تفصيل: { ان الإسلامية مؤسسة على أصول الحرية برفعها كل سيطرة و تحكم , بأمرها بالعدل و المساواة و القسط والإخاء .. وقد جعلت أصول حكومتها الشورى "الأرستقراطية " أي شورى أهل الحل و العقد في الأمة بعقولهم لا بسيوفهم . ..و من المعلوم أنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقا في غير مسائل إقامة الشعائر ومنها القواعد العامة التشريعية التي لا تبلغ مائة قاعدة و حكم } .. إلى أن يتأسف على هذا الدين: { الحر , الحكيم , السهل , المسح , الذي رفع الإصر و الأغلال , و أباد الميزة و الاستبداد , الدين الذي فقد الأنصار الأبرار و الحكماء الأخيار فسطا عليه المستبدون و المرشحون للاستبداد , و اتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة و تقسيم الأمة , و جعلوه آلة لأهوائهم السياسية فضيعوا مزاياه و حيروا أهله بالتفريغ و التوسيع , و التشديد و التشويش , و إدخال ما ليس فبه ...
و بهذا التشديد الذي أدخله على الدين منافسو المجوس ,انفتح على الآمة باب التلوم على النفس , و اعتقاد التقصير المطلق } .