المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب : اللاجئين العرب في بلاد الغرب (مقالة لفيصل القاسم)


المقتطف
07-04-05, 09:54 PM
لعل بيت محمود درويش الشهير (أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة) ينطبق على الوضع الذي آلت إليه أحوال بعض المعارضات العربية اللاجئة في الغرب. فقد ظن بعض المعارضين العرب (وبعض الظن إثم) أن أوروبا وأمريكا قد تكونان المكان الأمثل لممارسة المعارضة ضد الأنظمة العربية، فهما أولاً بعيدتان جغرافياً عن الدول العربية وكانتا توفران للمعارضين أجواء لا يحلمون بها في أوطانهم. وقد شهد العمل العربي المعارض بعض الازدهار في الغرب حيث كانت جماعات المعارضة تصدر منشوراتها الورقية والالكترونية بحرية وتشن الحملة الإعلامية تلو الأخرى على أنظمة الحكم التي تعارضها. حتى إن بعض المعارضات أطلقت قنوات فضائية قضّت بها مضاجع بعض الحكومات وأرقتها. وقد اعتقد هؤلاء المعارضون أن السماء مفتوحة أمامهم كي يتمادوا في إزعاج الأنظمة العربية. لكنهم بدأوا يدركون الآن أنهم وصلوا إلى "السماء الأخيرة".
لا شك أن من حق المعارضات العربية أن تلجأ إلى البلدان الغربية وغيرها لتتخذ منها منصة لإعلان معارضتها ضد الأنظمة العربية خاصة وأن تلك الأنظمة لم تترك للناس أي مجال للتنفس السياسي في الداخل. فالمعارض العربي إما أن يقبع خلف القضبان إلى ما شاء الله أو يهرب من بلده إلى بلاد الله الواسعة كي يتمكن من التعبير عن معارضته. لكن المعارضين العرب على ما يبدو إما أنهم كانوا ساذجين أو كانوا يمارسون سياسة "حافة الهاوية" بحيث يستغلون الحرية الممنوحة لهم في الغرب إلى آخر قطرة وليأت الطوفان من بعدها. طبعاً ليس بإمكاننا أن نحكم كيف كانوا يفكرون. ولا نعرف إذا كانوا مدركين لما كانت تخبئه لهم الأيام. فالدول الغربية لم ولن تكون أبداً أماً حنوناً للمعارضين العرب، فهي ليست جمعيات خيرية أو مأوى آمناً للمطلوبين، فكذبة إيواء المعارضين تحت شعار "حقوق الإنسان" لم تعد تنطلي على أحد، فما الفائدة أن توفر بعض الدول الغربية مأوى بسيطاً لنفر قليل من المعارضين العرب بينما تقوم قواتها المسلحة بغزو بلد عربي وسحل الآلاف من مواطنيه كما يحدث في العراق وغيره؟

إن استضافة المعارضين العرب في الغرب وغض الطرف عن ممارساتهم هي باختصار لعبة سياسية مفضوحة كان يجب ألا تنطلي على أحد. والمعارضون ليسوا أكثر من بيادق فيها لأغراض أكبر منهم بكثير. لقد هاجمني أحد المعارضين الإسلاميين على الهواء مباشرة ذات مرة لأنني سألته لماذا لجأ كإسلامي إلى بلاد "الكفر"، فرد غاضباً: "لأن نظام بلاده لاحقه وضيّق عليه فلم يجد أمامه سوى أوروبا تحتضن نشاطه المعارض". وقد قالها بنوع من الإطراء على مضيفيه. لكنه الآن يقبع في غياهب أحد سجونهم غير معزز ولا مكـّرم مثله مثل العديد من المعارضين الذين ظنوا أنهم آمنون في بلاد "الديمقراطية وحقوق الإنسان والعسل والحليب". للأسف الشديد لم يدرك الكثير من المعارضين وخاصة الإسلاميين منهم أن استضافتهم كانت لغاية في نفس يعقوب أكثر منها عملاً إنسانياً. فقد استخدمت بعض الدول الغربية أشخاصاً من أمثال أبي حمزة المصري ذي المظهر "الرهيب" للإساءة للإسلام والمسلمين، فقد كان الرجل يظهر على شاشات التلفاز الأوروبية ويهز بيده الاصطناعية التي صممها على شكل خطاف معقوف ويطلق تصريحات "طالبانية" غارقة في التخلف والجهل معطياً الانطباع للأوروبيين أنه قائد إسلامي بامتياز. لم يدرك صاحبنا وغيره من هواة الشاشة أنهم كانوا مجرد أدوات بشعة لأغراض خطيرة وأن إفساح المجال لهم كي يصولوا ويجولوا على هواهم في الأراضي الأوروبية لم يكن حباً فيهم وبمعارضتهم لبعض الأنظمة العربية بل لأهداف تكشفت جلياً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألا وهي شيطنة الإسلام والمسلمين بما في ذلك تسفيه عقيدتهم والتطاول على مقدساتهم والعبث بمناهجهم الدراسية ومدارسهم الدينية. وأكبر دليل على ذلك أن أبا حمزة المصري وأمثاله اختفى معظمهم الآن وراء القضبان ولم يتبق منهم في اذهان المواطن الأوروبي سوى صورتهم البشعة التي روجها الإعلام الغربي على مدى سنوات.

وإذا كان الهدف من استضافة أمثال ابي قتادة وأبي حمزة المصري يهدف إلى تبشيع صورة المسلمين فإن إفساح المجال لمعارضين آخرين كان لأغراض سياسية ربما لابتزاز بعض الأنظمة. بعبارة أخرى فإن المعارضين العرب مهما كبر حجمهم ليسوا في نهاية المطاف اكثر من ورقة مساومة في أيدي الحكومات الغربية "الحنونة" أو غيرها. فالدول ليست مستعدة أن تضحي بعلاقاتها مع بعضها البعض من أجل عيون بعض المعارضين. وقد شاهدنا أين انتهى المطاف بالثائر الكردي عبد الله أوجلان وكارلوس وغيرهما. وها هي بعض الدول الغربية تتبرأ من بعض المعارضين العرب بعد أن اكتشفت فجأة أن لهم علاقات مشبوهة. يا سلام! لقد عاشوا على أراضيها عشرات السنين وهي تراقب تحركاتهم عن كثب ثم تتحفنا بمفاجأة مفادها أن بعضهم مرتبط بمنظمات إرهابية!! ومما يثير السخرية أكثر فأكثر أن بعض الحكومات الأوروبية مستعدة للتخلي حتى عن بعض المعارضين العرب الذين حصلوا على جنسياتها. لا شك أنه من الصعب جداً أن تتخلص من معارض عربي يحمل جنسية أوروبية. لكن الدول الأوربية تعرف كيف تؤكل الكتف. فبما أن القانون لا يسمح لها باعتقال مواطن يحمل جنسيتها فإن الأمريكيين يحلون لها المشكلة وذلك بتقديم طلب للسلطات الأوربية بتسليم أحد الأشخاص بتهمة التعاطف أو الارتباط بمنظمات توصف بأنها إرهابية. وبما أن هناك اتفاقيات تسليم مجرمين بين أمريكا وتلك الدول فإن عملية التخلص من بعض المعارضين العرب تتم بيسر بعد أن تكون قد تحايلت على القوانين الوطنية بشكل مفضوح. وبذلك تكون السلطات الأوروبية قد أوفت بالوعود التي قطعتها لبعض الحكومات العربية بالتخلص من هذا المعارض المزعج أو ذاك.

مهما كانت المعارضات العربية ذات قيمة سياسية للدول الغربية فإنها تظل أقل قيمة بكثير من الثمار التي يمكن أن تجنيها الأنظمة الغربية من وراء الصفقات التي تعقدها مع الدول التي ينتمي إليها المعارضون. فالمعارضات العربية مغلوبة على أمرها مادياً لا بل إن بعضها يعتاش على الإعانات الاجتماعية في أوروبا وبالتالي فهي عالة اقتصادية على الحكومات الأوروبية والأمريكية ولا يمكن أن تحقق للأنظمة الغربية الكثير إلا طبعاً إذا فعلت ما فعلته المعارضة العراقية السابقة التي وصلت إلى بغداد على ظهر الدبابات الأمريكية. لكن هذا لا تقرره المعارضات وحدها، فلا بد أن تلتقي مصالح الأمريكيين مع مصالح المعارضين وإلا فإن المعارضين يظلون بلا قيمة تـُذكر. وقد حدثني أحد المعارضين العرب الذين ينسقون مع السلطات الأمريكية ضد أحد الأنظمة العربية أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يسألونهم: "ماذا بإمكانكم أن تقدموا لنا أيها المعارضون أكثر من النظام الذي تريدون مساعدتنا للتخلص منه؟" فالأنظمة العربية وخاصة تلك التي تتظاهر بمعاداتها للأمريكيين في وسائل إعلامها،كما كان يقول المسؤولون الأمريكيون، هي سخية جداً في الوفاء بالمتطلبات والإملاءات الأمريكية إلى حد أن أحد الأنظمة كان يفاجيء الأمريكيين بكرمه الزائد ومبالغته في تنفيذ الأوامر الأمريكية. فكان المعارضون يردون على ذلك بالقول: "إننا فقراء ولا يمكن أن نقدم لكم شيئاً" مما كان يثير ضحك الأمريكيين الذين تعودوا على السخاء العربي الرسمي الهائل. هل يستطيع الأمريكيون أو غيرهم أن يقاوموا الإغراءات المادية والسياسية الرهيبة التي تعرضها بعض الأنظمة العربية عليهم؟ بالطبع لا؟ فالصفقات الاقتصادية والتجارية في نهاية المطاف أثمن للأمريكيين من كل المعارضات العربية مجتمعة.

إن الصفقات الأخيرة بين الأوروبيين والأمريكيين من جهة وبعض الدول العربية من جهة أخرى لإخراس بعض المعارضات العربية اللاجئة في الغرب كشفت زيف الدعم الأمريكي والغربي عموماً للإصلاح في العالم العربي. فقد وعدت واشنطن في وثيقة مشروع "الشرق الأوسط الكبير" بأنها ستدعم حركات المعارضة والمجتمع المدني العربية لتشجيع الديمقراطية. لكن ما نراه هذه الأيام من تحالفات مفضوحة بين بعض الحكومات العربية والأمريكيين والأوروبيين يدحض هذه الأكذوبة السمجة ويفضح مروجيها. ومن سخرية القدر أن إحدى الحركات العربية المعارضة التي بدأت تحاصرها أمريكا بوضع اسمها على لائحة المنظمات الإرهابية تتخذ من كلمة "الإصلاح" اسماً لها!! ولا شك أن المعارضات العربية الأخرى في أمريكا وأوروبا بدأت تتلمس "صلعاتها" هذه الأيام بعد أن رأت الأمريكيين والأوروبيين يقلبون لغيرها ظهر المجن. هل يتعلم المعارضون العرب بعد كل ذلك أن المعارضة من بلاد "حقوق الإنسان والديمقراطية" المزعومة أصبحت لا تقل خطراً عن المعارضة من داخل البلاد العربية حتى لو بدت الأولى مغرية ومريحة في البداية؟ فالأمور دائماً بخواتميها. فغض الطرف عن أعمال هذه المعارضة العربية أو تلك لبضعة سنوات لا يعني بالضرورة مباركة تصرفاتها بل قد يكون مجرد فخ كبير. فقد سمحت إحدى الدول الأوروبية ذات مرة للإرهابي الشهير أبي نضال بأن يستخدم حساباً بنكياً في أحد البنوك لأكثر من خمس سنوات. وقد ظن الرجل أن السلطات إما أنها لا تدري بالحساب البنكي أو أنها موافقة عليه. لكن كم كان مخطئاً، فالسلطات في ذلك البلد الأوروبي لم تغض الطرف عن الحساب "الإرهابي" بل أبقته كي تتعرف من خلاله على حركة أموال تلك المنظمة الإرهابية وغيرها. فلا تظنن أن كل من يمد لك حبلاً يريد أن ينقذك، فلربما أراد لك أن تشنق نفسك به! وها هي الحبال التي مُدت لبعض المعارضات العربية في الخارج وقد بدأت تلتف حول رقابها!


الدكتور / فيصل القاسم

lorans elarab
07-01-07, 02:15 AM
عزيزى المفتنطف اشكرك جزيل الشكر لاهتمامك بالعرب المغتربين

كاتم الونة
16-01-07, 07:19 PM
بارك الله فيك .. ونفع بك


وجزاك الله خيرا