محمد أمين الموصلي
05-04-05, 09:10 PM
سَمِرَ الخليفةُ أبو جعفر المنصورُ ذاتَ ليلةٍ فذكرَ خلفاءَ بني أميةَ وسيرهم و أنهم كانوا لم يزالوا على إستقامةٍ حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفينَ الذين كانَ همهم _ معَ عظمِ شأنِ الملكِ وجلالةِ قدرهِ _ قصدَ الشهواتِ وإيثارَ اللذاتِ و الدخولَ في معاصي اللّهِ و مساخطهِ جهلآً باستدراجِ اللّهِ وأمناً من مكرهِ فسلبهمُ اللّهُ العزَّ ونقلَ عنهم النعمةّ, فقال َ أحدً جلساءِ المنصورِ وهو صالحُ بن علي : يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ عبدَ اللّهِ بن مروان لمّا دخلَ أرضَ النوبةِ هارباً فيمن معهُ , سألَ ملكُ النوبةِ عنهم فأخبِرَ , فركبَ إلى عبدِ اللّهِ فكلمهُ بكلامٍ عجيبٍ لا أحفظهُ و أزعجهُ _ أخرجه_ عن بلدهِ , فإن رأى أميرُ المؤمنينَ أن يدعوَ بهِ منَ الحبسِ فيحضرنا هذهِ الليلةَ فيخبرنا عن ذلكَ , فأمرض المنصورُ بإحضارهِ و سألهُ عنِ القصةِ فقالَ (( يا أميرَ المؤمنينَ قدمنا أرضَ النوبةِ وقدْ أخبرَ الملكُ بأمرنا , فدخلَ عليَّ رجلٌ أقنى الأنفِ- طوال, حسنُ الوجهِ , فقعدَ على الأرضِ .. فقلتُ ما يمنعكَ أن تقعدَ على ثيابنا؟ فقالَ إني ملكٌ ويحقُ للملكِ أن يتواضعَ إذا رفعهُ اللّهُ , ثمَّ قالَ : لأي شئٍ تشربونَ الخمرَ وهي محرمةٌ عليكم؟ قلتُ : إجترأَ على ذلكَ عبيدنا و غلماننا و أتباعنا. قال : فلمَ تطأونَ الزروعَ بدوابكم والفسادُ محرمٌ عليكم ؟ قلتُ : يفعلُ ذلكَ عبيدنا و أتباعنا بجهلهم . قال: فلمَ تلبسونَ الديباجَ والحريرَ وتستعملونَ الذهبَ و الفضةَ و ذلكَ محرمٌ عليكم ؟ قلتُ : ذهبَ الملكُ عنّا و قلَّ أنصارنا فانتصرنا بقومٍ منَ العجمِ دخلوا في ديننا فلبسوا ذلكَ على الكرهِ منّا, قال: فأطرقَ مليّاً وجعلَ يقلبُ يدهُ وينكتُ الأرضَ ويقولُ : عبيدنا و أتباعنا وقومٌ دخلوا في ديننا و زالَ الملكُ عنّا يرددهُ مراراً . ثمَّ قالَ ليسَ ذلكَ كذلكَ ولكنكم قومٌ استحللتم ما حرمَ اللّهُ وركبتم مانهاكم عنهُ وظلمتم من مُلِّكتُم أمرهم فسلبكم اللّهُ العزَّ وألبسكم الذلَّ بذنوبكم ولله فيكم نقمةً لم تبلغ غايتها و أخافُ أن يحلَّ بكم العذابُ و أنتم ببلدي , وإنما الضيافةُ ثلاثة أيامٍ فتزودوا ما احتجتم وارتحلوا عن بلدي )).. من قصص العرب.