فهد أبو أحمد
08-02-10, 04:06 PM
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الشيخ حمد ابراهيم الحقيل بقلم عبدالله العسكر
لم يكن من وكدي أن أصنع عنوانا لهذا الحديث , فلم يكن من المعتاد أن تحمل مقدمات الكتب عناوين , لكن هذا الكتاب يحتاج إلى مقدمة لا تشبه المقدمات , لهذا السبب وقر في خاطري أن أصنع عنوانا لحديثي هذا والحق أنني ترددت بين ثلاثة عناوين هي : بهجة المجالس أو سلطان الذاكرة أو مجموعة علماء . ثم نازعتني نفسي أن أكتفي بحديث عن الكتاب دون عنوان .
ذلك أن العناوين الثلاثة كلها وربما غيرها تصلح أن تتصدرن حديثي .
وغلبت نفسي وتوكلت على الله واخترت عنوان ( سلطان الذاكرة ) عنواناً لهذا الحديث .
ومناسبة هذا الاستهلال هي : عندما طلب مني الأستاذ الطلعة صلاح الزامل أن أكتب مقدمة لكتابه عن الشيخ حمد الحقيل . قبلت طلبه على الفور .
ولم يكن هذا الطبع من ديدني , لكني مع هذا الكتاب قبلت دون تردد . والسبب أنني لم أجد إلان دافعاً يدفعني , هذا الدافع يمكن في أن الشيخ حمد الحقيل يكاد لا يوجد عنه كتاب أو مقالة طويلة تترجم له وتتحدث عن أعماله المدونة والشفاهية . وهذا وأيم الحق قصور ثقافتنا الحديثة . فعلى أهمية الشيخ حمد الحقيل في خارطة الثقافة السعودية المعاصرة , إلا أن حظه من تناول النقاد لأعماله مثل حظ جزيل بين شدقي ضيغم .
والشيخ حمد الحقيل ولد وترعرع وتعلم في مدينة المجمعة عام 1338 هـ على حد ما أخبرني به , وهو من أسرة نجيبة فيها علماء برعوا في تخصصات كثيرة . وحسب ما يتناقله الرواة فإن قدوم أسرة الحقيل واستيطانهم المجمعة , إنما وقع في حدود سنة 1293 هـ . ولا أظن أن ذها تاريخ يطمئن له المحقق , وذلك أن الفرع الشقيق للفرع الذي استطوطن المجمعة وأقتصد به الفرع الذي يجمع أسر : آل راضي وىل رباح وآل ضبعان وآل فهيد قدموا القصيم واستوطنوا بلدة قصيباء في حدود عام 1140 هـ . فإن كان هذا التاريخ صحيحا . فلا يستبعد إذن أن يكون أبناء عمومتهم قد قدموا المجمعة والحاير في السنة نفسها .
حدثني الشيخ حمد أنه تلقى تعليمه الأول في مدرسة الشيخ حمد الصانع المتوفي في المجمعة سنة 1357 هـ وهو يقول إنه بدأ الدراسة في الكتاب سنة 1344 هـ . ثم رافق والده في سن مبكرة إلى الأحساء وانتظم في مدرسة الشيخ أحمد النعيم . مع كثرة مجالستي للشيخ حمد , فإنني لم أسمع منه ما يشفي الغليل عن أثر مدرسة الشيخ أحمد النعيم وربما يعود السبب إلى أن الشيخ حمد لم ينتظم في المدرسة انتظاماً كاملاً , وذلك أن والده كان ذا تجارة , والتجارة تتطلب كثرة السفر والتنقل . والله أعلم .
ثم بعثه والده لتلقي مزيداً من العلم على يد الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان المتوفي عام 1397 هـ . والشيخ سلميان من أبناء المجمعة الذين نزحوا إلى مكة المكرمة في وقت سابق .
وبهذا يكون الشيخ حمد قد تعرف على تعليم يختلف عن نظيره في المجمعة , وقد يكون اختلف إلى علماء الحرم المكي .
وهو قد درس على يد الشيخ أبن حمدان عدة كتب في الفقه الحنبلي ودرس عليه كتاب الأجرومية في النحو , ودرس عليه شرح منظومة في الفرائض كان الشيخ أبن حمدان , خصوصاً صراحته المتناهية . وأزجال الشيخ حمد الحقيل تحمل النفس لأزجال شيخه ابن حمدان , وبهذا يصح أن نقول إن الشيخ حمد قد تأثر بزجل شيخه , لكن الثابت أن الأثر المعرفي الأكبر , إنما حدث عندما أصبح الشيخ حمد أحد طلاب الشيخ عبد الله العنقري المتوفي في المجمعة سنة 13732 هـ .
وهذا الشيخ الجليل يعد من علماء الحناجلة المتأخرين , وقد تعلم على يديه رجال كثر . وكان له دور تثقيفي إبان حركة الإخوان في عهد الملك عبد العزيز رحم الله الجميع وعلم التاريخ . ولا أبعد النجعة عندما أقول إن الشيخ حمد الحقيل قد تأثر بمعارف الشيخ العنقري ومنهجه إنما هي ثمرة سنوات قضاها مع أستاذه منذ سنة ـ 1352 هـ حتى سنة 1360 هـ ويقل الشيخ حمد إنه قرأ على الشيخ العنقري أغلب كتب الحناجلة , خصوصاً نونية أبن القيم التي قرأها ست مرات .
ونحن نعرف أن للشيخ العنقري عناية خاصة بهذا النونية , وله تعليقات حسان عليها لا تزال للأسف مخطوطة لم تحقق ولم تنشر . كما يعود الفضل بعد الله للشيخ العنقري في جمع مخطوطات كتاب المغني المتفرقة وطلب من تلاميذه , نسخها كاملة .وقد حدثني من أثق به أن الشيخ العنقري كان يراجع مسودة تاريخ الرسوم : ( عنوان السعد والمج في أخبار الحجاز ونجد ) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر المتوفي سنة 1390 هـ أما عم النسب فلا مشايخه أم جل علماء الدين لهم باع في هذا الميدان والشيخ العنقري , ليس بدعاً بينهم , ندرك هذا من اهتمام تلاميذه بهذا العلم فقد أخذوا منه , وعلى رأسهم الشيخ حمد الحقيل والشيخ عبد الرحمن بن قاسم .
ثم درس الشيخ حمد على يد الشيخ محمد بن عبد المحسن الخيال المتوفي عام 1413 هـ . وتعد هذه المدة امتداداً طبيعياً للمدة السابقة . فالشيخ الخيال إنما صورة مصغرة من شيخه العنقري .
أما النقلة المعرفية والمنهجية الثانية وقعت مع قدوم الشيخ عبد الله بن حمدي المتوفي عام 1402 هـ إلى المجمعة , فقد عين الشيخ عبد الله بن حميد قاضياً فيها . وهو سن سنة جديدة في التعليم إذ أصبح لديه أربعة حلقات تعقد في أوقات مختلفة . وهي حلقات جادة من حيث الضبط والحضور والحفظ والنقاش . وقد انتظم الشيخ حمد في هذه الحلقات أجمع . ودرس على يد أستاذه مزيداً من تعلم النحو والفقه والتاريخ والتوحيد .
بقي الشيخ أبن حميد في المجمعة ثلاث سنسن , لكن أثرها أمتد لأكثر من الصفات ما جعله يتبوأ الركز العالي , فقد رزقه الله العقل الراجح والحفظ الواسع , والحكمة في أمور الدين والدنيا . وهو ذو أناة وتروي ويتصف بالفطنة . ونحن ندرك أثر هذا الشيخ في الشيخ حمد , ندركه من قوال الشيخ حمد , وندركه من المنهج المعرفي الذي يتصف به الشيخ حمد , فمهجه التأليفي منهج الشيخ أبن حميد .
هذه إلمامة سريعة عن التكوين العلمي للشيخ حمد . وهي وإن كان مؤلف الكتاب قد يأتي عليها وعلى غيرها بتوسع , إلا أنني أردت أن أبين بعض معالمها . ولعل أكبر معلمة هي اهتمام الشيخ حمد بعلم النسب . ولا غرو فأشياخه الذين تعلم عليهم لهم عناية بهذا العلم , وعلى الأخص الشيخ العنقري والشيخ أبن حميد . وأنا أزعم أن الشيخ حمد استوعب علم النسب في سنة مبكرة .
وكانت جذاذاته وقوة حفظه المعينين اللذين أمداه بشذرات النسب الواردة في كتابة كنز الأنساب . وهو من أشهر كتبه .
أما المعين العلمي الذي أثر في تكوين الشيخ حمد فهو تقلده وظائف دينية في سن مبكرة . وهو قال : لي إنه عين إماما لمسجد قصر إمارة المجمعة من عام 1353 هـ حتى عام 1369 هـ . وقد أتاح له هذا المنصب لقاء جمع غفير من الرجال من أهل المجمعة وسدير , ومن الحاضرة والبادية وفي عام 1367 هـ عين إماماً ومرشداً دينيا للجيش السعودي المرابط في شمال المملكة إبان حرب فلسطين الأولى .
أما النقلة الوظيفية الكبرى فتمت عندما عين قاضياً في بلدة الحزمة , بلدة الأشراف البقوم . واستمر في العمل من عام 1369 هـ حتى عام 1373 هـ . وأزعم أن الأربع سنوات قد صقلت حصيلته من معرفة البادية , وزادت حصيلته من الشعر النبطي , ثم قاضيا في ضرما والمزاحمية من عام 1373 هـ حتى عام 1382 هـ . ثم قاضياً في الخرج من عام 1382 هـ حتى عام 1388 هـ تقاعد وتفرغ للتأليف أو أعادة نشر بعض مؤلفاته السابقة ويلاحظ القارئ أن الشيخ حمد عمل مع البادية ومع الحاضرة , وصادف من القضاياً المختلفات ما جعله ينأى عن إصدار حكم , بل اختار تصالح الفريقين . وهو توجه يصلح للبادية أكثر , على أنه اختيار فقهي معروف في المدرسة الحنبلية . والشيخ حمد في هذا النزوع إنما يسير في الدرب نفيه الذي سار فيه شيخه الشيخ العنقري . فقد سمعت من ثقاة أن الشيخ العنقري يتعمد إرجاء البت في بعض القضايا , على أمل أن ينجح الخصمان للصلح والصلح خير .
ثم إن تجربة العمل في المحاكم زودته ورسخت قدمه في ميدان النسب والشعر النبطي , اللذين هما ذائقة الشعب عموم الجزيرة العربية . ويذكر صاحب هذا الكتاب أن الشيخ حمد نسخ بيده كتاب : ( وصايا الملوك ) بطلب من شاعر سدير المشهور إبراهيم بن جعيثن . وهذا الخبر يبزمني التوقف عنده برهة .
فتمعن رعاك الله هذا شاعر نبطي فحل يكبر الشيخ حمد بعشرات السنين . والشيخ حمد يعرفه معرفة جيدة وبينهما علاقات عمل . وأي عمل . أنا أزعم أن أحاديثهما لا تتعدى الشعر النبطي وشوارد الحكمة العربية . وهما مما برع فيهما الشيخ حمد فيما بعد . إنه يحفظ من حكم وشوارد العرب ما لو جميع لجاء في مجلد ضخم .
وأحد أن أقف عند محظتين في حياة الشيخ حمد . الأولى صالونه الأدبي الذي أمه الجمع الغفير من علماء البلاد ومثقفيهم . هذا الصالون كان أول صالون من جنسه في الرياض ويستقبل الشيخ حمد أصدقاءه ومثقفين كثر بعد صلاة العصر من كل يوم في منزه في حي المربع . وقد قال لي أنه استمر لسنوات منذ عام 1388 هـ . وأنا لا أشك أن صالوه كان مدرسة اختلف إليه علماء من داخل السعودية ومن خارجها . على أن علاقة الشيخ حمد لم تقتصر بعلماء الرياض الذين يرتادون صالونه , بل تعدتها إلى علماء التقاهم في لبنان ومصر . وهو اعتد أن يقضي بعض الوقت في كل عام في تلك البلاد .
والمحطة الثانية هي بعض مؤلفاته , خصوصا كتاب ( كنز الأنساب ) وكتاب ( صيد القلم ) وأنا أجدت وصفا جامعا مانعا لهذا النمط من التأليف والجمع بينهما إلا أن أقول : أن منهجه صعب
المرتقى .
فهو أولا يجمع في إضمامة واحدة الأدب من نثر وشعر , وليس كل أدب , بل هو أدب الشوارد الحكمية والأوابد الوحشية يجمعها لتنظيم ولتدعم بحثه الموسع في النسب . على أنه كل هذا يجمع بين الرواي والاسطراد . يمكننا أن نقول : إنه على شيء من منهج الجاحظ وابن قتيبه .
وكنز الأنساب مصدر فريد في بابه , ولا إدخال من يؤلف في تناول النسب , وفيه يجمع بين المنهج التراثي والمنهج الحديث . والكتاب يصلح أن يفكك ويعاد ترتيبه , عندئذ يصبح سهل التناول . على أن استطراد الشيخ يجعل من كتابه هذا غيره مؤلفاته نزهة ما تعة .
وأعود للعنوان الذي اصطنعته لهذا الحديث وهو ( سلطان الذاكرة ) فالشيخ حمد يتصف بذاكرة واسعة وصلبة .
والمعارف الشفاهية , خصوصاً الأنساب والشعر النبطي والتاريخ الشفاهي , التي دونها إنما وعاها وحفظها في سنوات كثيرة ولا أشك أن ذاكرته الواسعة شكلت سلطانا نرى معالمه بارزة في كثير من مؤلفاته, وهي أشد بروزاً في أحاديث مجالسه . فلا يحظي المتمعن وهو يستمع للشيخ حمد أن لحظ أن يعب من بحر واسع لا ينظر في ورق ولا يتكأ . هذا الضرب من الاعتماد على ذاكرة صلبة , جعلت بعضهم يصفه ببهجة المجالس وهو حقاً أنيس الجليس . عندما يتصدر المجلس لا تمل من الاستماع إليه , وه ينقلك من علم إلى علم , من فن إلى فن . وهو ينقلك من جد إلى مرح , فسبحان الذي جمع له كل هذا .
ولدى الشيخ حمد روايات شفاهية تخص تاريخ نجد قبل توحيد المملكة وفي أثناء توحيدها . وهي روايات ترد في ثنايا أشعار نبطية , وهي شواهد مهمة لم أرها مدونة فيما بين يدي من مصادر التاريخ ) شيء لا يذكر بجانب ما سمعته منه , وهو يحفظ ملحمة تخص التاريخ الاجتماعي لمدينة المجمعة في ستينات وسبعينات القرن الهجري الفارط , ولو هيء لهذه الملحمة أن ترى النور لاستفاد منها طلاب العلم .
وبقيت كلمتان لابد من قولهما .
الأولى تتعلق ببداية معرفتي الشيخ حمد . لقد قدمني إليه لأول مرة الصديق الأديب ابنه عبد الكريم في النصف الأول من عام 1407 هـ . ولم استغرب طبيعة اللقاء الأول البتة لأنني أعرفه من خلال كتبه , لأنه ينساب في الحديث وكأنه وكأنني على معرفة قديمة .
هذه صفة يختص بها الشيخ حمد . ومنذ ذلك العام ونحن نلتقي على فترات منقطعة . لكنني استفدت منه فائدة قد أسجلها في حديث آخر يتصف الشيخ حمد بصفة الحكمة . وهي صفة جامعة واسعة . والله جلت قدرته يقول : ( ومن يؤتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) كما يتصف بطيب المعشر , وبصدق المظهر والمخبر , وهو لا يتصنع وهو ينحاز للصدق والصراحة .
وهو متواضع , ذو بديهة سريعة . وكم سعدت كما سعد غيري بالمخزون الشعري الذي يزينه فصاحة لسان وحس إلقاء . وهو يذكرني بما اقرأه عن الحفاظ القدماء وهو يذكرني بالجرال الذين كانوا يزينون مجالس الخلفاء . وهو الحفاظ القدماء وهو يذكرني بشعراء النبط الأوائل ,
أنشدني قصيدة جميلة لم أحفظ منها إلا هذا البيت :
أحيا على الكرى وقلبي مولع
والروح تسبح في لظى آلامي
وقلت له لو قلت أحلامي بدل آلامي لتخذت هذا البيت من الشوارد التي أحفظها . فقال هذا لزمني أن أغير كلمة لظى , فقلت صدقت , فإنا محب للشعر ولست بشاعر .
أما الكلمة الثانية فهي تتعلق بمؤلف هذا الكتاب الأستاذ صلاح الزامل . فأنا أشكر له أن أقول شيئا مختصراً عن رجل أجله وأقداره وأرى ضرورة الكتبة عنه .
والحق أن الأستاذ صلاح قد استوعب الشيء الكثير عن حياة الشيخ حمد . وهو فوق هذا جعل من كتابة شاهد على العصر , ذلك أنه استوعب بعض شهادات مجايلي الشيخ حمد ومرة أخرى حسناً فعل . وهو ثالثه جعل من كتابة هذا كتاب تاريخي , ولو شئت تقول هو كتاب يؤرخ لحقبة مهمة من التاريخ الثقافي للبلاد السعودية لما جانبت الصواب وسأكون أكثر سعادة لو عمد المؤلف إلى التوسع في مناقشة التاريخ الوظيفي للشيخ حمد وإيراد بعض القصص المعبرة والأحكام الباهرة لتكون هي الأخرى مرجعاُ للتاريخ القضائي .
وعمل الأستاذ صلاح الزامل يذكر ويشكر وله فضل السبق . والكتاب ماتعمن أوله إلى آخره , وما زاد من أهمية الكتاب القسم الذي يحتوي على بعض الوثائق الشخصية , فهي وثائق ذات دلالة تاريخية مهمة والله الموفق .
د / عبد الله بن إبراهيم العسكر
أستاذ التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض
</b></i>
الشيخ حمد ابراهيم الحقيل بقلم عبدالله العسكر
لم يكن من وكدي أن أصنع عنوانا لهذا الحديث , فلم يكن من المعتاد أن تحمل مقدمات الكتب عناوين , لكن هذا الكتاب يحتاج إلى مقدمة لا تشبه المقدمات , لهذا السبب وقر في خاطري أن أصنع عنوانا لحديثي هذا والحق أنني ترددت بين ثلاثة عناوين هي : بهجة المجالس أو سلطان الذاكرة أو مجموعة علماء . ثم نازعتني نفسي أن أكتفي بحديث عن الكتاب دون عنوان .
ذلك أن العناوين الثلاثة كلها وربما غيرها تصلح أن تتصدرن حديثي .
وغلبت نفسي وتوكلت على الله واخترت عنوان ( سلطان الذاكرة ) عنواناً لهذا الحديث .
ومناسبة هذا الاستهلال هي : عندما طلب مني الأستاذ الطلعة صلاح الزامل أن أكتب مقدمة لكتابه عن الشيخ حمد الحقيل . قبلت طلبه على الفور .
ولم يكن هذا الطبع من ديدني , لكني مع هذا الكتاب قبلت دون تردد . والسبب أنني لم أجد إلان دافعاً يدفعني , هذا الدافع يمكن في أن الشيخ حمد الحقيل يكاد لا يوجد عنه كتاب أو مقالة طويلة تترجم له وتتحدث عن أعماله المدونة والشفاهية . وهذا وأيم الحق قصور ثقافتنا الحديثة . فعلى أهمية الشيخ حمد الحقيل في خارطة الثقافة السعودية المعاصرة , إلا أن حظه من تناول النقاد لأعماله مثل حظ جزيل بين شدقي ضيغم .
والشيخ حمد الحقيل ولد وترعرع وتعلم في مدينة المجمعة عام 1338 هـ على حد ما أخبرني به , وهو من أسرة نجيبة فيها علماء برعوا في تخصصات كثيرة . وحسب ما يتناقله الرواة فإن قدوم أسرة الحقيل واستيطانهم المجمعة , إنما وقع في حدود سنة 1293 هـ . ولا أظن أن ذها تاريخ يطمئن له المحقق , وذلك أن الفرع الشقيق للفرع الذي استطوطن المجمعة وأقتصد به الفرع الذي يجمع أسر : آل راضي وىل رباح وآل ضبعان وآل فهيد قدموا القصيم واستوطنوا بلدة قصيباء في حدود عام 1140 هـ . فإن كان هذا التاريخ صحيحا . فلا يستبعد إذن أن يكون أبناء عمومتهم قد قدموا المجمعة والحاير في السنة نفسها .
حدثني الشيخ حمد أنه تلقى تعليمه الأول في مدرسة الشيخ حمد الصانع المتوفي في المجمعة سنة 1357 هـ وهو يقول إنه بدأ الدراسة في الكتاب سنة 1344 هـ . ثم رافق والده في سن مبكرة إلى الأحساء وانتظم في مدرسة الشيخ أحمد النعيم . مع كثرة مجالستي للشيخ حمد , فإنني لم أسمع منه ما يشفي الغليل عن أثر مدرسة الشيخ أحمد النعيم وربما يعود السبب إلى أن الشيخ حمد لم ينتظم في المدرسة انتظاماً كاملاً , وذلك أن والده كان ذا تجارة , والتجارة تتطلب كثرة السفر والتنقل . والله أعلم .
ثم بعثه والده لتلقي مزيداً من العلم على يد الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان المتوفي عام 1397 هـ . والشيخ سلميان من أبناء المجمعة الذين نزحوا إلى مكة المكرمة في وقت سابق .
وبهذا يكون الشيخ حمد قد تعرف على تعليم يختلف عن نظيره في المجمعة , وقد يكون اختلف إلى علماء الحرم المكي .
وهو قد درس على يد الشيخ أبن حمدان عدة كتب في الفقه الحنبلي ودرس عليه كتاب الأجرومية في النحو , ودرس عليه شرح منظومة في الفرائض كان الشيخ أبن حمدان , خصوصاً صراحته المتناهية . وأزجال الشيخ حمد الحقيل تحمل النفس لأزجال شيخه ابن حمدان , وبهذا يصح أن نقول إن الشيخ حمد قد تأثر بزجل شيخه , لكن الثابت أن الأثر المعرفي الأكبر , إنما حدث عندما أصبح الشيخ حمد أحد طلاب الشيخ عبد الله العنقري المتوفي في المجمعة سنة 13732 هـ .
وهذا الشيخ الجليل يعد من علماء الحناجلة المتأخرين , وقد تعلم على يديه رجال كثر . وكان له دور تثقيفي إبان حركة الإخوان في عهد الملك عبد العزيز رحم الله الجميع وعلم التاريخ . ولا أبعد النجعة عندما أقول إن الشيخ حمد الحقيل قد تأثر بمعارف الشيخ العنقري ومنهجه إنما هي ثمرة سنوات قضاها مع أستاذه منذ سنة ـ 1352 هـ حتى سنة 1360 هـ ويقل الشيخ حمد إنه قرأ على الشيخ العنقري أغلب كتب الحناجلة , خصوصاً نونية أبن القيم التي قرأها ست مرات .
ونحن نعرف أن للشيخ العنقري عناية خاصة بهذا النونية , وله تعليقات حسان عليها لا تزال للأسف مخطوطة لم تحقق ولم تنشر . كما يعود الفضل بعد الله للشيخ العنقري في جمع مخطوطات كتاب المغني المتفرقة وطلب من تلاميذه , نسخها كاملة .وقد حدثني من أثق به أن الشيخ العنقري كان يراجع مسودة تاريخ الرسوم : ( عنوان السعد والمج في أخبار الحجاز ونجد ) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر المتوفي سنة 1390 هـ أما عم النسب فلا مشايخه أم جل علماء الدين لهم باع في هذا الميدان والشيخ العنقري , ليس بدعاً بينهم , ندرك هذا من اهتمام تلاميذه بهذا العلم فقد أخذوا منه , وعلى رأسهم الشيخ حمد الحقيل والشيخ عبد الرحمن بن قاسم .
ثم درس الشيخ حمد على يد الشيخ محمد بن عبد المحسن الخيال المتوفي عام 1413 هـ . وتعد هذه المدة امتداداً طبيعياً للمدة السابقة . فالشيخ الخيال إنما صورة مصغرة من شيخه العنقري .
أما النقلة المعرفية والمنهجية الثانية وقعت مع قدوم الشيخ عبد الله بن حمدي المتوفي عام 1402 هـ إلى المجمعة , فقد عين الشيخ عبد الله بن حميد قاضياً فيها . وهو سن سنة جديدة في التعليم إذ أصبح لديه أربعة حلقات تعقد في أوقات مختلفة . وهي حلقات جادة من حيث الضبط والحضور والحفظ والنقاش . وقد انتظم الشيخ حمد في هذه الحلقات أجمع . ودرس على يد أستاذه مزيداً من تعلم النحو والفقه والتاريخ والتوحيد .
بقي الشيخ أبن حميد في المجمعة ثلاث سنسن , لكن أثرها أمتد لأكثر من الصفات ما جعله يتبوأ الركز العالي , فقد رزقه الله العقل الراجح والحفظ الواسع , والحكمة في أمور الدين والدنيا . وهو ذو أناة وتروي ويتصف بالفطنة . ونحن ندرك أثر هذا الشيخ في الشيخ حمد , ندركه من قوال الشيخ حمد , وندركه من المنهج المعرفي الذي يتصف به الشيخ حمد , فمهجه التأليفي منهج الشيخ أبن حميد .
هذه إلمامة سريعة عن التكوين العلمي للشيخ حمد . وهي وإن كان مؤلف الكتاب قد يأتي عليها وعلى غيرها بتوسع , إلا أنني أردت أن أبين بعض معالمها . ولعل أكبر معلمة هي اهتمام الشيخ حمد بعلم النسب . ولا غرو فأشياخه الذين تعلم عليهم لهم عناية بهذا العلم , وعلى الأخص الشيخ العنقري والشيخ أبن حميد . وأنا أزعم أن الشيخ حمد استوعب علم النسب في سنة مبكرة .
وكانت جذاذاته وقوة حفظه المعينين اللذين أمداه بشذرات النسب الواردة في كتابة كنز الأنساب . وهو من أشهر كتبه .
أما المعين العلمي الذي أثر في تكوين الشيخ حمد فهو تقلده وظائف دينية في سن مبكرة . وهو قال : لي إنه عين إماما لمسجد قصر إمارة المجمعة من عام 1353 هـ حتى عام 1369 هـ . وقد أتاح له هذا المنصب لقاء جمع غفير من الرجال من أهل المجمعة وسدير , ومن الحاضرة والبادية وفي عام 1367 هـ عين إماماً ومرشداً دينيا للجيش السعودي المرابط في شمال المملكة إبان حرب فلسطين الأولى .
أما النقلة الوظيفية الكبرى فتمت عندما عين قاضياً في بلدة الحزمة , بلدة الأشراف البقوم . واستمر في العمل من عام 1369 هـ حتى عام 1373 هـ . وأزعم أن الأربع سنوات قد صقلت حصيلته من معرفة البادية , وزادت حصيلته من الشعر النبطي , ثم قاضيا في ضرما والمزاحمية من عام 1373 هـ حتى عام 1382 هـ . ثم قاضياً في الخرج من عام 1382 هـ حتى عام 1388 هـ تقاعد وتفرغ للتأليف أو أعادة نشر بعض مؤلفاته السابقة ويلاحظ القارئ أن الشيخ حمد عمل مع البادية ومع الحاضرة , وصادف من القضاياً المختلفات ما جعله ينأى عن إصدار حكم , بل اختار تصالح الفريقين . وهو توجه يصلح للبادية أكثر , على أنه اختيار فقهي معروف في المدرسة الحنبلية . والشيخ حمد في هذا النزوع إنما يسير في الدرب نفيه الذي سار فيه شيخه الشيخ العنقري . فقد سمعت من ثقاة أن الشيخ العنقري يتعمد إرجاء البت في بعض القضايا , على أمل أن ينجح الخصمان للصلح والصلح خير .
ثم إن تجربة العمل في المحاكم زودته ورسخت قدمه في ميدان النسب والشعر النبطي , اللذين هما ذائقة الشعب عموم الجزيرة العربية . ويذكر صاحب هذا الكتاب أن الشيخ حمد نسخ بيده كتاب : ( وصايا الملوك ) بطلب من شاعر سدير المشهور إبراهيم بن جعيثن . وهذا الخبر يبزمني التوقف عنده برهة .
فتمعن رعاك الله هذا شاعر نبطي فحل يكبر الشيخ حمد بعشرات السنين . والشيخ حمد يعرفه معرفة جيدة وبينهما علاقات عمل . وأي عمل . أنا أزعم أن أحاديثهما لا تتعدى الشعر النبطي وشوارد الحكمة العربية . وهما مما برع فيهما الشيخ حمد فيما بعد . إنه يحفظ من حكم وشوارد العرب ما لو جميع لجاء في مجلد ضخم .
وأحد أن أقف عند محظتين في حياة الشيخ حمد . الأولى صالونه الأدبي الذي أمه الجمع الغفير من علماء البلاد ومثقفيهم . هذا الصالون كان أول صالون من جنسه في الرياض ويستقبل الشيخ حمد أصدقاءه ومثقفين كثر بعد صلاة العصر من كل يوم في منزه في حي المربع . وقد قال لي أنه استمر لسنوات منذ عام 1388 هـ . وأنا لا أشك أن صالوه كان مدرسة اختلف إليه علماء من داخل السعودية ومن خارجها . على أن علاقة الشيخ حمد لم تقتصر بعلماء الرياض الذين يرتادون صالونه , بل تعدتها إلى علماء التقاهم في لبنان ومصر . وهو اعتد أن يقضي بعض الوقت في كل عام في تلك البلاد .
والمحطة الثانية هي بعض مؤلفاته , خصوصا كتاب ( كنز الأنساب ) وكتاب ( صيد القلم ) وأنا أجدت وصفا جامعا مانعا لهذا النمط من التأليف والجمع بينهما إلا أن أقول : أن منهجه صعب
المرتقى .
فهو أولا يجمع في إضمامة واحدة الأدب من نثر وشعر , وليس كل أدب , بل هو أدب الشوارد الحكمية والأوابد الوحشية يجمعها لتنظيم ولتدعم بحثه الموسع في النسب . على أنه كل هذا يجمع بين الرواي والاسطراد . يمكننا أن نقول : إنه على شيء من منهج الجاحظ وابن قتيبه .
وكنز الأنساب مصدر فريد في بابه , ولا إدخال من يؤلف في تناول النسب , وفيه يجمع بين المنهج التراثي والمنهج الحديث . والكتاب يصلح أن يفكك ويعاد ترتيبه , عندئذ يصبح سهل التناول . على أن استطراد الشيخ يجعل من كتابه هذا غيره مؤلفاته نزهة ما تعة .
وأعود للعنوان الذي اصطنعته لهذا الحديث وهو ( سلطان الذاكرة ) فالشيخ حمد يتصف بذاكرة واسعة وصلبة .
والمعارف الشفاهية , خصوصاً الأنساب والشعر النبطي والتاريخ الشفاهي , التي دونها إنما وعاها وحفظها في سنوات كثيرة ولا أشك أن ذاكرته الواسعة شكلت سلطانا نرى معالمه بارزة في كثير من مؤلفاته, وهي أشد بروزاً في أحاديث مجالسه . فلا يحظي المتمعن وهو يستمع للشيخ حمد أن لحظ أن يعب من بحر واسع لا ينظر في ورق ولا يتكأ . هذا الضرب من الاعتماد على ذاكرة صلبة , جعلت بعضهم يصفه ببهجة المجالس وهو حقاً أنيس الجليس . عندما يتصدر المجلس لا تمل من الاستماع إليه , وه ينقلك من علم إلى علم , من فن إلى فن . وهو ينقلك من جد إلى مرح , فسبحان الذي جمع له كل هذا .
ولدى الشيخ حمد روايات شفاهية تخص تاريخ نجد قبل توحيد المملكة وفي أثناء توحيدها . وهي روايات ترد في ثنايا أشعار نبطية , وهي شواهد مهمة لم أرها مدونة فيما بين يدي من مصادر التاريخ ) شيء لا يذكر بجانب ما سمعته منه , وهو يحفظ ملحمة تخص التاريخ الاجتماعي لمدينة المجمعة في ستينات وسبعينات القرن الهجري الفارط , ولو هيء لهذه الملحمة أن ترى النور لاستفاد منها طلاب العلم .
وبقيت كلمتان لابد من قولهما .
الأولى تتعلق ببداية معرفتي الشيخ حمد . لقد قدمني إليه لأول مرة الصديق الأديب ابنه عبد الكريم في النصف الأول من عام 1407 هـ . ولم استغرب طبيعة اللقاء الأول البتة لأنني أعرفه من خلال كتبه , لأنه ينساب في الحديث وكأنه وكأنني على معرفة قديمة .
هذه صفة يختص بها الشيخ حمد . ومنذ ذلك العام ونحن نلتقي على فترات منقطعة . لكنني استفدت منه فائدة قد أسجلها في حديث آخر يتصف الشيخ حمد بصفة الحكمة . وهي صفة جامعة واسعة . والله جلت قدرته يقول : ( ومن يؤتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) كما يتصف بطيب المعشر , وبصدق المظهر والمخبر , وهو لا يتصنع وهو ينحاز للصدق والصراحة .
وهو متواضع , ذو بديهة سريعة . وكم سعدت كما سعد غيري بالمخزون الشعري الذي يزينه فصاحة لسان وحس إلقاء . وهو يذكرني بما اقرأه عن الحفاظ القدماء وهو يذكرني بالجرال الذين كانوا يزينون مجالس الخلفاء . وهو الحفاظ القدماء وهو يذكرني بشعراء النبط الأوائل ,
أنشدني قصيدة جميلة لم أحفظ منها إلا هذا البيت :
أحيا على الكرى وقلبي مولع
والروح تسبح في لظى آلامي
وقلت له لو قلت أحلامي بدل آلامي لتخذت هذا البيت من الشوارد التي أحفظها . فقال هذا لزمني أن أغير كلمة لظى , فقلت صدقت , فإنا محب للشعر ولست بشاعر .
أما الكلمة الثانية فهي تتعلق بمؤلف هذا الكتاب الأستاذ صلاح الزامل . فأنا أشكر له أن أقول شيئا مختصراً عن رجل أجله وأقداره وأرى ضرورة الكتبة عنه .
والحق أن الأستاذ صلاح قد استوعب الشيء الكثير عن حياة الشيخ حمد . وهو فوق هذا جعل من كتابة شاهد على العصر , ذلك أنه استوعب بعض شهادات مجايلي الشيخ حمد ومرة أخرى حسناً فعل . وهو ثالثه جعل من كتابة هذا كتاب تاريخي , ولو شئت تقول هو كتاب يؤرخ لحقبة مهمة من التاريخ الثقافي للبلاد السعودية لما جانبت الصواب وسأكون أكثر سعادة لو عمد المؤلف إلى التوسع في مناقشة التاريخ الوظيفي للشيخ حمد وإيراد بعض القصص المعبرة والأحكام الباهرة لتكون هي الأخرى مرجعاُ للتاريخ القضائي .
وعمل الأستاذ صلاح الزامل يذكر ويشكر وله فضل السبق . والكتاب ماتعمن أوله إلى آخره , وما زاد من أهمية الكتاب القسم الذي يحتوي على بعض الوثائق الشخصية , فهي وثائق ذات دلالة تاريخية مهمة والله الموفق .
د / عبد الله بن إبراهيم العسكر
أستاذ التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض
</b></i>