المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : د. أكرم حجازي|~| تفجيرات بغداد |~| هل هو أوان الصفوية في العراق؟؟


محب الصحابة الأعجمي
02-12-09, 12:16 AM
تفجيرات بغداد

هل هو أوان الصفوية في العراق؟

د. أكرم حجازي


http://www.almoraqeb.net/main/infimages/myuppic/4af7914eb73c0.jpg



9/11/2009


بحدود شهرين تقريبا أو أكثر بقليل، تعرضت الحكومة العراقية لموجتين شديدتين من الهجمات المدمرة التي نجم عنها مقتل وإصابة مئات الموظفين والمسؤولين والدبلوماسيين. ففي الهجوم الأول الذي وقع في 19/8/2009 تعرضت وزارات الخارجية والمالية والدفاع ومبنى محافظة بغداد إلى هجمات ألحقت فيها دمارا واسعا. وفي الهجوم الثاني (25/10/2009) لحقت وزارة العدل ومجلس محافظة بغداد بسابقاتها وسط دمار شديد فيهما. وحتى الآن ليس ثمة قراءة حاسمة تحدد مسؤولية القوى المسؤولة عما بات يعرف بتفجيرات الأربعاء والأحد. فثمة من يلقي باللائمة على جهات خارجية وإقليمية، وآخر يحملها لإيران وأدواتها الضاربة في البلاد، وثالث يلقي بالمسؤولية على الحكومة والأجهزة الأمنية المتصارعة فيما بينها، ورابع يحملها للأمريكيين أنفسهم. والأرجح أن هذا الغموض والشك في الجهة المسؤولة عن التفجيرات ناجم عن (1) وجود أكثر من جهة تنفذ التفجيرات في العراق، لمصالحها الخاصة، بحيث يصعب على المراقب الجزم في هوية المنفذين في كل حالة ما لم يرد دليل قاطعا، و (2) بسبب وجود شبهات تحوم حول تورط الحكومة العراقية أو الأحزاب الشيعية في التفجيرات، لكنها، شبهات، لا تمتلك أية إجابات حاسمة تجاه ما تثيره من تساؤلات قد تبدو مشروعة.

الملاحظ في التفجيرات الأولى أن الحكومة تجنبت، ما استطاعت، تحميل القاعدة المسؤولية عنها. وركزت اتهاماتها على سوريا التي تؤوي البعثيين وتدعمهم، وسط حملة إعلامية ودبلوماسية قوامها أن: « سوريا هي المسؤولة ولو نفت». وفي التفجيرات الثانية حمّلت الحكومة المسؤولية للبعث، لكنها اضطرت إلى الزج بالقاعدة خاصة بعد أن أعلنت دولة العراق الإسلامية مسؤوليتها عنها. أما لماذا تصر على دور سوريا ومسؤولية البعث وتجاهل مسؤولية القاعدة فهذه قصة أخرى.

لكن الثابت الوحيد لدينا أن دولة العراق الإسلامية كانت الجهة الوحيدة التي أعلنت مسؤوليتها عن موجتي التفجيرات. ونحسب أن هذا الثابت تأكد بدرجة أكبر بعد «رسالة» الشيخ أبو حمزة المهاجر التي وجهها إلى«فوارس بغداد» وتحدث فيها عن التفجيرات الأولى والثانية. وبقطع النظر عن الموقف من التفجيرات التي حظيت، كالعادة، بإدانات واسعة النطاق من شتى القوى المحلية والدولية، حتى المتهمة بالتورط فيها؛ فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه يقول: في أي سياق يمكن قراءة الهجمات على كبرى المؤسسات الرسمية للدولة؟

~| خطة أمن بغداد |~

لم تكن الخطة جهدا حكوميا فقط بقدر ما كانت تعبيرا عن سلسلة من الجهود قادتها القوات الأمريكية بقيادة الجنرال ديفيد بتريوس بالتعاون مع كافة القوى المحلية والإقليمية. ولما يكون الهدف من الخطة هو ضرب المشروع الجهادي في العراق فمن الطبيعي أن يتركز الجهد على اختراق الجسم السني في مضامينه الجهادية الفاعلة على الأرض. وهذا يعني أن قيام الصحوات ومجالس الإنقاذ والإسناد تحت غطاء محاربة القاعدة بالدرجة الأساس ما كانت لتحظى بمشروعية اجتماعية وسياسية أو لتحقق نجاحات تذكر لولا أن تورطت فيها أجنحة من بعض الجماعات الجهادية الخصيمة للتيار السلفي الجهادي في العراق. وهكذا سرت مشاريع الصحوات في البلاد كالنار في الهشيم لدرجة أنها استوطنت حتى في القرى والأحياء. وتحولت الكثير من الجماعات الجهادية إلى جماعات صحوة مهمتها ملاحقة، ليس القوى السلفية الجهادية فحسب، بل كل من يحمل السلاح ويقاوم القوى الغازية.

بدا العام 2007 الأكثر فداحة في خسائر القوات الأمريكية وحلفائها. وقد سجلت فيه أعلى نسبة من القتلى، مقارنة بالسنوات السابقة، بلغت 961 قتيلا. لكن هذا العدد كان مرشحا ليشكل كارثة محققة على القوات الأمريكية لولا ظهور الصحوات في النصف الثاني من العام، حيث بدأ مؤشر التراجع في الخسائر يظهر جليا ابتداء من شهر تموز / يوليو حيث سجل مقتل 89 جنديا لينتهي العام بمقتل 25 جنديا فقط. أما في سنة 2008 فقد بلغت فعاليات المشروع الجهادي ثلث فعاليات السنة السابقة، أي بمعدل 33.4%، حيث قتل 321 جنديا فقط، وهذا يعني تراجع بنسبة 66.6% مقارنة بعام 2007. وفي السنة الجارية بلغ التراجع أوجه مع مقتل 139 جنديا حتى كتابة هذه المقالة، أي بمعدل تراجع بلغ قرابة الـ 85% مقارنة بسنة 2007.

هذه الصورة قد تكون صحيحة إلى حد كبير فيما يتعلق بالخسائر الأمريكية. والحقيقة أن انخفاض الخسائر لا يمكن رده فقط إلى ظهور الصحوات، كعقبات تحول دون تمكن المجاهدين من الأمريكيين، فهؤلاء اتخذوا من الإجراءات الأمنية ما يقلل من خسائرهم بشكل ملحوظ. فهم لم يعودوا، مثلا، يتحركون في أرجاء العراق مثلما كانوا يفعلون سابقا. أما إذا فعلوا فعلى الصحوات تأمين المرور الآمن لهم وإبلاغهم عن نشاطات الجماعات الجهادية.

إذن الأمريكيون جعلوا من خطة أمن بغداد هدفا لتقليل خسائرهم في الأرواح. ولأن ذلك حصل فعلا فقد ظهرت الصورة وكأن العراق آمن أو أنه يتجه نحو الاستقرار. لكن الوجه الآخر للصورة يتساءل عن الخسائر الفادحة التي تتكبدها الصحوات؟

إن ما جرى في الواقع هو لعبة أمنية متبادلة توارى بموجبها الأمريكيون خلف الصحوات. وفي المقابل اضطر التيار السلفي الجهادي وجماعات المقاومة والجهاد إلى النزول تحت الأرض. وفي المحصلة ظلت الحرب مشتعلة حتى فقدت الصحوات عشرات الرؤوس ومئات القتلى بما يوازي ما يمكن قتله من الأمريكيين عددا لكنه، في المحصلة، أكثر منه أهمية كونه يلعب دور رأس الحربة. هكذا تبدو الصورة خادعة فيما يتعلق بأطروحة انخفاض وتيرة العنف في العراق كونها تخص الأمريكيين أكثر مما تخص ضعف الجماعات الجهادية خاصة دولة العراق الإسلامية التي تكبدت بنسبة ساحقة عبء مواجهة خطة أمن بغداد.

مع ذلك فقد بدت الصورة مغرية بالنسبة للأمريكيين حيث رأى بعض الضباط، في أواخر شهر أكتوبر من العام 2007 أنه من الممكن إعلان النصر في العراق بعد أن بدا للأمريكيين أن القاعدة تكبدت خسائر فادحة وضعفت قوتها وتراجع العنف بنسبة الثلث تقريبا. لكن مضت قرابة السنتين ولم يعلن النصر. وفي 30 تموز / يوليو الماضي عادت نغمة إعلان النصر مجددا إلى الواجهة بعد أن تسربت مذكرة سرية للمستشار العسكري الأميركي في بغداد الجنرال تيموثي ريس الذي نصح فيها القيادة العسكرية الأميركية بالقول أنه: « حان الوقت للولايات المتحدة لأن تعلن النصر وأن تعود قواتها إلى وطنها». واستطاعت المذكرة التي نشرتها صحيفة « نيويورك تايمز» أن تجد لها صدى لدى ضباط البنتاغون.

بعد تبني دولة العراق الإسلامية لما أسمته بـ «غزوة الأسير» في تفجيرات الأربعاء (19/8) بدا قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال راي أوديرنو مستفَزا وحائرا من حكاية إعلان النصر، وراهناً تقليص قواته في العراق بـ « تطورات الوضع الأمني». ففي تصريحاته لوكالة الأنباء البريطانية « رويترز 2/10» قال: « لست متأكدا مما إذا كنتم سترون أحدا يعلن النصر في العراق، لأنني في المقام الأول لست متأكدا أننا سنعلن ذلك خلال عشر أو خمس سنوات».

هذه التصريحات تكشف عن حقيقة كون خطة أمن بغداد قد لا تعدو أن تكون مجرد وهم، مما يعني العودة إلى المربع الأول في الصراع مع التيار السلفي الجهادي. ففي حين استندت الخطة إلى مبدأ الإعاقة الأمنية عبر إقامة الحواجز البشرية والمادية في وجه القاعدة فإن تفجيرات بغداد الأولى والثانية أثبتت عقم المبدأ. ولا شك أن إحالة الفشل في هذا السياق إلى الحكومة وأجهزتها الأمنية ودخول القوى السياسية في مماحكات ومزاودات سياسية على بعضها البعض ليس إلا تنصلا من المسؤولية. أما واقع الأمر فقد عبر عنه النائب هادي العامري رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان حين قال في تصريحات له: « إن الجهد الاستخباري لا يزال الغائب الأكبر عن العمل الأمني»، مشيرا إلى أن: « نشر القوات وزيادة حواجز التفتيش في شوارع العاصمة ليست عملا استخباريا»، فضلا عن: «اعتماد الإجراءات الأمنية نفسها دون تغيير فيها، مع تكرار الخروق واستمرارها من دون جدوى».

في المقابل بدا واضحا أن دولة العراق الإسلامية عملت بموجب نظام أمني استخباري لا ينبغي على أية جهة أمنية أن تستخف به أو تقلل من شأنه خاصة وأنه استطاع أن يدرك ما اعترف به العامري ربما للمرة الأولى بأن الإجراءات الأمنية لا تعن بالضرورة جهدا أمنيا. وفي هذا السياق ينبغي التوقف مليّا عند رسالة الشيخ أبي حمزة المهاجر إلى « فوارس بغداد» لاسيما وهو يشيد بجنود وأمراء بغداد واصفا إياهم بـ « درّة الرأس وقرة العين»:
« إن وراء كل عملية العشرات من الاستشهاديين يعملون في ظروف بالغة التعقيد وشديدة الصعوبة ... وكان ولا زال رأينا دوماً في رجال بغداد أنهم من خيرة إخواننا عقيدة وخلقاً ... وتؤكد الأحداث تماسك صفهم وصفاءه من كل خائِن عميل على الرغم من طول فترة العمل وكثرة العارفين به».

لا شك أنها المرة الأولى التي يكشف فيها مسؤول كبير في التيار السلفي الجهادي عامة ودولة العراق خاصة عن بعض الخصوصيات الأمنية في العمل حين يشير إلى « مكان الإعداد» و « ظروفه» و « طول فترة العمل» والأهم من هذا وذاك « كثرة العارفين به». ولا شك أنه تحد كبير للحكومة وأجهزتها الأمنية خاصة وأنها غالبا ما تتحدث عن اعتقالات في صفوف القاعدة شملت قيادات عسكرية. لكن لو كان هذا صحيحا فلماذا إذن فشلت في منع الهجمات؟ ولماذا تزعم استتباب الأمن في بغداد؟ وما الجدوى من محاولات تشويه الدولة بزعم اختراقها من قبل الخصوم؟

باختصار تبدو القاعدة أو دولة العراق الإسلامية موسي ذو حدين لاسيما وأن جيلها الجديد: « لم يعد يعبأ بكل حملات التشويه والتقبيح» كما يقول الشيخ أبو حمزة المهاجر.
وعليه، فلا الأمريكيون قادرون على مراقبتها في العلن وتحمل خسائر مواجهتها، ولا الحكومة ومؤسساتها وعناصرها بمأمن من هجماتها القاتلة أو تجنب تصميمها على الإطاحة بها وهي تعمل تحت الأرض. ولعل الثابت الأكيد في تفجيرات بغداد أن دولة العراق الإسلامية نجحت، أكثر من مرة، في تجاوز خطة أمن بغداد ووضعتها وراء ظهرها. والطريف أن ما أوردته صحيفة « الاندبندت» البريطانية (2/10) قبل أسبوع من تفجيرات الأحد (25/10) يتوافق إلى حد كبير مع هذه الأطروحة. فقد كتب باتريك كوكبيرن مقالا انتقد فيه تفاخر الحكومة العراقية بتحقيق الأمن في بغداد مشيرا إلى: « أن التفجيرات ليس لها علاقة بخروج القوات الأمريكية من المدن العراقية ... فالمهاجمون كانوا قادرين على التنفيذ بوجود القوات الأمريكية أو بدونها».

~| الهجمات في خطابات القوم |~

كما استفادت الحكومة والميليشيات الشيعية من التجربة السابقة في تأليب السنة عليها بفعل ما اقترفته من جرائم بحقهم؛ كذلك الأمر استفادت دولة العراق الإسلامية من جحيم التجربة. ففي ضوء الهجمات الأخيرة لها يلاحظ أنها تنتقي أهدافها بدقة فائقة. فلا يبدو أنها معنية بحرب طائفية زيادةً على أن الظروف لم تعد تتيح لأي من الجماعات الجهادية الاحتكاك المسلح فيما بينها على خلفية المواقف السياسية أو الأمنية أو حتى في إطار الصراع على جغرافيا الانتشار المسلح. أما المناكفات التي نسمعها بين الحين والحين أو نقرأ عنها فهي على الأغلب واقعة في نطاق الإعلام وليس على الأرض.

قبل تفجيرات الأربعاء والأحد، لم يكن من السهل التنبؤ بتوجهات القاعدة أو دولة العراق الإسلامية عبر الخطابات السابقة أو بعض البيانات السياسية. لكن الأماكن المستهدفة والبيانات الصادرة عن الدولة ذكرتنا ببعض العبارات التي تشكل ملامح استراتيجية جديدة في المواجهات القادمة.

مثلت الانسحابات المتتالية من جبهة الجهاد والإصلاح وصدور سفر الحقيقة عن جماعة الأنصار وكتاب التمايز عن جيش المجاهدين مؤشرات على تراجع الهجمة على المشروع الجهادي في العراق. أما انهيار مشروع الصحوات وملاحقتها اغتيالا أو اعتقالا أو تصفية من قبل الحكومة وانسحاب القوات الأمريكية من المدن فقد عنت أن الساحة باتت بيد الحكومة العراقية وميليشياتها. لكن مثل هذه التطورات ستعني من جهة أخرى أن المشروع الجهادي بدأ يتعافى خاصة بعد أن « انكسرت حدة الموجة » وغدا المشروع الجهادي « أشد من الجبال رسوخا وأعز من النجوم منالا» كما يقول الشيخ أبو عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية في خطابه «حصاد الخير - 11/3/2009 »، والذي تزامن مع خطاب للشيخ أسامة بن لادن بعنوان: « خطوات عملية لتحرير فلسطين» أثنى فيه على المجاهدين في العراق ودعا إلى « دعمهم ... بكل ما يحتاجون إليه» خاصة وأنه يمثل «الفرصة الثمينة النادرة للصادقين في رغبتهم في تخليص الأقصى». لذا لم يكن غريبا أن يعلن الشيخ أبو عمر البغدادي عن نهاية مرحلة « خطة الكرامة» وبداية أخرى « حصاد الخير».

إذن ليست الحكومة ولا المليشيات هي المستفيد الوحيد من التطورات الواقعة أو التجارب السابقة. فما هي إذن وجهة المشروع الجهادي في العراق؟ وإذا كانت المرحلة الأولى قد استهدفت الصحوات بالدرجة الأساس فما هو هدف الثانية؟

في ذات الخطاب «حصاد الخير - 11/3/2009 »، دعا الشيخ أبو عمر البغدادي «كل مسلم» إلى الوقوف « في وجه التحالف الصليبي المجوسي». أما لماذا؟ فـ « حتى لا تباع بغداد بثمن بخس لمجوس إيران وعملائهم». وفي أعقاب انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية، أوائل شهر تموز / يوليو الماضي، واحتفال الحكومة بالحدث أصدرت مؤسسة الفرقان التابعة لدولة العراق الإسلامية شريطا صوتيا للشيخ أبو عمر بغدادي بعنوان: «العز بصيانة الدين والعرض - 8/7/2009 ». لكنه هذه المرة كان أكثر تركيزا ووضوحا وإسهابا فيما يتعلق بالمسألة الصفوية في العراق ومحاولات المصالحة السنية مع الحكومة حين قال:

« إن الثلاثي الرافضي الحاكم في بغداد فيلق بدر - حزب الدعوة - جيش المهدي , ثلاثيٌ عقديٌ خطير تربى في أحضان المدرسة الخمينية الثورية الرافضية، والتي تحمل عداءً وحقداً قلَّ نظيره لكل ما هو سُني أولاً وعربيٌ ثانياً، كرّسته سنون الحرب العراقية الإيرانية والدعم الرسمي للنظام البائد, جاء هذا الثلاثي إلى الحُكم بخطة خطيرة تحمل هدفاً استراتيجياً بعيداً يتم التوصل إليه بأهدافٍ مرحليةٍ تكتيكية».

وعليه فإن:

« هدفهم الأساسي والذي يسعون له بكل قوة هو أن يصبح العراق دولة رافضية يعيش فيها على حدِّ زعمهم أقلياتٌ عرقيةٌ ودينيةٌ على غرار إيران الرافضية الخمينية، ويسعون لذلك بكل وسائل الحيل والخدع والمكر التي اشتهر بها الفرس عبر تاريخهم والتي تُميز ثقافة السياسة الإيرانية المجوسية اليوم، فقد تكرَّس مفهوم الحكم الشيعي لبلادنا تحت دعاوى عدة, وكما صرح قبل أيام القبنشي: " إن العراق لن يحكمه إلا الشيعة " ! ».

من الواضح أن دولة العراق الإسلامية كانت قد بلورت أهدافها بشكل مبكر، وهيأت للضربات القادمة دون أن يلحظها أحد. ولا شك أننا إزاء استراتيجية جديدة من شقين: الأول، يعتبر الأمريكيين هدفا شرعيا في كل الأحوال: « حتى لو لم يكن لهم تواجدٌ إلا في بقعةٍ صغيرةٍ في صحراء العراق بعيدةٍ عن كل أشكال الحياة - العز بصيانة الدين »، أما الثاني، فيرى أن الصفويين، وليس عموم الشيعة، ليسوا بأقل خطر من الأمريكيين حتى لو انسحب هؤلاء من العراق.

جاءت ترجمة التوجه الجديد سريعا عبر هجمات استهدفت رموز الحكم. لكن هذه المرة صيغت بيانات تبنيها بلغة عنيفة لا تقل عن لغة الهجمات ذاتها. وفي كلا البيانين كان الهدف واحدا والاختيار حاسما بما يدل على سمة المرحلة القادمة حيث تكون الصفوية بكافة أشكالها هي أحد أهم الأهداف المركزية في الصراع. وبلغة البيان الأول فإن مدينة كبغداد نشأت سنية المذهب والتاريخ والسلطة، وازدهرت حتى باتت مقر الخلافة وحاضرة العالم الإسلامي، لن يحكمها صفوي أيا كانت النتائج، فـ: « لئن أبيد أبناء دولة الإسلام عن بكرة أبيهم خيرٌ لهم من أن يحكمهم رافضيٌّ خبيث أو أن تستظلّ بغداد برايات الصفويين يوما واحداً». لذا كانت وجهة الهجمات بحسب البيان الأول: « معاقل الكفر وحصون الشرك للحكومة الصفوية المرتدّة ... أو ... أركان هذه الدّولة الخبيثة المنحورة، ومن أعانها ونصرها وثبّت أركانها» أو، بلغة البيان الثاني: « معاقل الكفر وأركان الدولة الرافضية الصفوية في أرض الخلافة».

حتى صحيفة « الواشنطن بوست» الأمريكية لاحظت أن: « التفجيرات الأخيرة على خلاف الأولى لم تعد تستهدف المساجد أو الأماكن التي يسكن فيها هذا الطيف من السكان أو ذاك ولكن ضرب مباني الحكومة». ومع ذلك فإن أبرز ما في التوجه الجديد أنه لم يعد يأخذ بعين الاعتبار ردود الفعل السياسية والإعلامية ممن وصفهم بـ: « رؤوس الكفر في الحكومة المرتدّة ومن سيطبّل لهم» أو من أية جهة كانت. فهو يعلم أنه لن يفلت من بيانات الإدانة والتنديد والاستنكار، حقا أو ظلما، لكنه مع ذلك يبدو أنه ملّ من دفع الطعون والشبهات عن نفسه إزاء ما بات يظن أنها ليست سوى حملات تشويه لن ينشغل بها بعد اليوم. بل نراه يحسم في الأمر، منذ الهجمة الأولى، بنقطتين محددتين وكأنه يريد أن يبلغ رسالة لمن يهمه الأمر:
• الأولى تؤكد: « إنّنا لن نعطّل جهاد المشركين ومدافعة الكفّار المتعيّنة لأجل من يسقط شهيدا كما قرّر علمائنا».
• والثانية تشدد على: « أنّ جنود دولة الإسلام لا تهمّهم جعجعات التهديد، ولا صيحات الاستنكار والتنديد، ولا حملات التشويه التي سيطلقونها». فهو في هذه النقطة بالذات يتحدث عن جيل جديد في العراق خَبِرَ التجربة، بحلوها ومرها، ولم يعد: « يعبأ بكل حملات التشويه والتقبيح التي تهدف إلى حرف المسيرة وضياع الهدف».

~| خلط الأوراق |~

لا شك أن ضرب رموز السلطة والحكم وإيقاع خسائر فادحة في مناطق أشبه بالقلاع العسكرية شديدة التحصين هو أمر مهين لأية سلطة أو دولة. بل هو أمر مخزٍ ومذل. فالمسألة هنا لا تتعلق بعبوة ناسفة أو مهاجمة دورية أو مركز أو موقع أو سيطرة، بل رموز عظمى من المفترض، وهي كذلك، بعيدة عن متناول الأيدي. وفي السياق يمكن أن يقال بأن دولة العراق الإسلامية تمارس انتقاما بشعا ضد أكبر مراكز القوى في العراق الطائفي الجديد، أو أنها تصفي حسابات معه، أو أنها تعلن عن انطلاقة جديدة بالغة الشراسة بعد سنتين من هجمة شاملة تعرضت فيها ما لم تتعرض له أية جماعة أخرى ومن كافة القوى. لكن، ولو نظريا، لماذا لم تستهدف «الدولة» الأمريكيين بالذات خاصة وأن الجهد الذي بذلته في التحضير لضرب المشروع الصفوي في العراق كان من الممكن أن تبذله في ضرب الأمريكيين؟ فعلى الأقل كانت لتتلافى النقد فضلا عن أنها ستحظى بتأييد أكبر.

في أعقاب التفجيرات علق نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية بالقول أنها تستهدف عرقلة إجراء الانتخابات القادمة. لعل في هذا قدر من الصحة لكنه ليس واضحا بما يكفي. والأرجح أن الضربات جاءت لتنسف فكرة بات يعتقد بها البعض من أهل السنة ترى بأن العراق بات آمنا أو أنه، على الأقل، يتجه نحو الاستقرار، وبالتالي فلا مفر من تحقيق مصالحة بين القوى كافة والاندراج في الوضع الجديد ولو بصيغة تحفظ ماء الوجه لبعض الجماعات الجهادية خاصة وأن التيار السلفي الجهادي غير مقبول من أحد، كما أن بقاء الأمر على حاله، من تهميش واستبعاد لأهل السنة وإهدار لحقوقهم، غير مقبول أيضا.

والحقيقة أن العام الجاري شهد ضغوطا مكثفة من قبل نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن باتجاه المصالحة وإقرار قانون جديد للانتخابات يلغي حالة المحاصصة الطائفية التي ميزت القانون القديم ويسمح بمشاركة أوسع من قبل السنة. ووصل الأمر بما يشبه أزمة بين الأمريكيين والمالكي على خلفية التفاهم مع الضباط البعثيين وغيرهم. وفعلا فشلت محاولة التصالح معهم، فلا الشيعة يقبلون بعودة البعثيين ولا الأكراد أيضا. لذا فما أن وقعت التفجيرات الأولى حتى اجتمعت الحكومة ودوائرها على تحميل البعثيين وسوريا المسؤولية عنها، وحين وقعت التفجيرات الثانية هددت الحكومة وبلسان أكثر من مسؤول فيها خاصة وزير الخارجية هوشيار زيباري بنقل المسألة إلى مجلس الأمن والدعوة إلى تشكيل محكمة دولية لملاحقة البعثيين. أما الذين راهنوا على الاندراج في الصيغة الجديدة فلم يحظو بحق ولا باطل. وبات واضحا أن أحدا من أركان الحكم القائم ليس معنيا بأي شكل من أشكال المصالحة.

على كل، أيا كانت الاحتمالات فإن التفجيرات نجحت في قلب الطاولة وأعادت خلط الأوراق من جديد. بل أنها أبقت بغداد على حالها منقسمة بين المنطقة الخضراء أو متمترسة خلف الحواجز الاسمنتية أو الدروع البشرية ومئات السيطرات الأمنية. وفي الحالتين ثمة حالة مستمرة من الهلع والخوف والرعب بما يكفي لِأَن تفقد المدينة صفتها الطبيعية وتتحول إلى مكان موحش. فإذا كانت بغداد، بعرف الحكومة وأجهزتها الأمنية وقواها الطائفية، آمنة ومستقرة بهذه الصيغة فلتكن. لكن إذا كانت القاعدة قادرة على ضرب رموز القوة والسيطرة بهذه القسوة فهل سيكون من الأجدى كما قال أحد النواب العراقيين: « أن نحزم حقائبنا ونترك البلد للقاعدة».

الأكيد أن التوجه السلفي الجهادي في أحدث خلاصاته بدا وكأنه يعيد بلورة أدبيات الصراع ويرسل رسالة ذات مضمون محدد لكل القوى المحلية بالدرجة الأساس سواء كانت حكومية أو جهادية أو مستقلة مفادها: أن القتال في العراق سيستمر بصورة أشد قسوة مما مضى، طالما أن في البلاد عدو طائفي فضلا عن العدو الأمريكي. لكن هذه المرة دون الالتفات إلى ردود الفعل. فمع وجود هذه القوى لن يكون هناك تفاوض ولا مصالحة ولا استقرار. فما الفائدة إذن من تجاهل هذا الواقع الذي ينذر بحرب مفتوحة لا حدود لها؟ ثم من يستطيع أن يتنبأ بماهية الهجمات القادمة وأهدافها، إنْ كانت رؤوسا كبرى أو مؤسسات، خاصة وأن الشيخ أبو حمزة المهاجر حث جنوده على تخصيص ساعة في اليوم للتفكير في ابتكار وسائل جديدة في المواجهة بما يجعل من المقاتلين كافة شركاء في المشروع على نفس القدر من القيادات المتمرسة؟



منقول بتصرف يسير جدا
المراقب للدراسات والأبحات الإجتماعية
http://www.almoraqeb.net (http://www.almoraqeb.net/)/