المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث بعنوان الأنقلابية في لااله الا الله


أحمد الهيتي
16-11-09, 04:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا البحث أمضيت سنوات في أعداده لا أقول سنوات من العمل المتواصل ولكن كلما سنحت لي الفرصة كنت أضيف اليه واعدّل فيه وقد حرصت أن يكون باسلوب بسيط لكي يفهمه الجميع ..... أرجو ممن يقرأ هذا العمل أن يقرأه في جو هاديء وغير مشوش وأن يقرأه بتأني ويستوعب جيدا ما جاء فيه لأنه يبحث في أمر عظيم بل هو أعظم شيء على الأطلاق وهو لا اله الا الله.
أسال الله تعالى أن ينفع به كل من يقرأه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحمد الهيتي






بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد النبي وعلى آله وصحبه أجمعين
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم
أما بعد : فأني لست عالما ولا شيخا إنما أنا رجل من عامة المسلمين أثار اهتمامي منذ فترة طويلة أمر لا اله إلا الله هذه الكلمة العظيمة بعد أن قرأت أحاديث كثيرة عن النبي (ص) في فضل وعظمة هذه الكلمة فبدأت أبحث وأقرأ وأفتش عن معنى لا اله إلا الله وقد أعانني الله تعالى ويسّر لي حتى خرجت بهذا البحث وأني لأرجو من الله تعالى أن يصل هذا البحث إلى مسامع كل مسلم ليعلم ويفهم الجميع المعنى الحقيقي لـ لا اله إلا الله كما فهمها الناس في زمن النبي محمد(ص).
***
في البداية دعونا نمر مرا سريعا على بعض الأحاديث الواردة في فضل وعظمة لا اله إلا الله ... والأحاديث في هذا الباب كثيرة ولكنا سنأخذ منها ثلاثة فقط
الحديث الأول
هو حديث معاذ بن جبل (رض) عندما سأل النبي (ص) عن الإسلام فقال (ص) :
يا معاذ رأس الأمر لا اله إلا الله
والأمر هو الدين كما يقول النبي (ص) في حديث آخر : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد. فرأس الدين لا اله إلا الله ومعلوم بالعقل والمنطق أن الرأس إذا ذهب فلا نفع في الجسد ... وإذا أختل شيء في الرأس أختل الجسد كله.
الحديث الثاني
هو حديث قدسي يقول النبي (ص) يقول الله تعالى :
لو أن السماوات والأرض وعامرهن غيري وضعت في كفة ووضعت لا اله إلا الله في كفة لرجحت كفة لا اله إلا الله.
سبحان الله ما أعظم هذا الحديث تصوروا لو أن السماوات وما فيها ومن فيها ما عدا الله سبحانه وتعالى ..... والأرض وما فيها من جبال وانهار وبحار وأشجار ودواب وناس كل هذا وضع في كفة ووضعت لا اله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت كفة لا اله إلا الله.
الحديث الثالث
هو حديث البطاقة يقول النبي (ص) :
يؤتى برجل يوم القيامة ليحاسب فتفتح له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر من الذنوب وتوضع في الميزان فيقول الله تعالى يا عبدي هل ظلمناك شيء أليس هذا عملك فيقول العبد بلى يا ربي هذا عملي ويظن العبد انه قد هلك فيقول الله تعالى إن لك عندنا حسنة فتأتي الملائكة ببطاقة فيها لا اله إلا الله فيقول العبد يا ربي وما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة فيقول الله أنك لن ُتظلم شيء فتوضع البطاقة في الكفة الأخرى فتطيش الصحف وترجح كفة البطاقة ويدخل الجنة برحمة الله.
وأعلموا أن الله تعالى خلق الخلق من أجل لا اله إلا الله
وأن الله تعالى خلق السماوات والأرض من أجل لا اله إلا الله
وخلق الجنة والنار من أجل لا اله إلا الله
وأن الله تعالى بعث الأنبياء كلهم بدعوة واحدة هي لا اله إلا الله
أفلا تستحق هذه الكلمة العظيمة أن نفهمها ونتعلمها ... نعم بل تستحق أن نفني حياتنا في فهمها وتعلمها



* * *
وهذا البحث قد أمضيت سنوات في أعداده وهو بعنوان (الانقلابية في لا اله إلا الله). والمقصود بالانقلابية هو أن لا اله إلا الله ليست كلمة اعتيادية إنما هي كلمة متى ما قيلت ُتحدث انقلاب وتغيير في حياة الإنسان. ولكي أوضح مفهوم الكلمة الانقلابية كان لابد أن آتي بكلمة انقلابية تكون كمثال لتوضيح هذا المعنى وهذه الكلمة هي:


كلمة الطلاق


الطلاق كلمة انقلابية إذا قالها الرجل لزوجته يَحدث تغيير في حياة الرجل والمرأة .


*


ولكن هناك مشكلة ... عندما نقول أن الطلاق كلمة انقلابية ُتحدث تغيير في حياة الرجل والمرأة فالأمر واضح بالنسبة لنا فنحن نفهم التغيير الذي ُتحدثه كلمة الطلاق في حياة الإنسان ونشعر بمعنى الانقلابية في كلمة الطلاق ولكنا لا نشعر بالانقلابية في لا اله إلا الله ... أنا الآن أقول لا اله إلا الله .... ما الذي تغير في حياتي ... لاشيء ... أين الانقلابية إذا.


هذه المشكلة سببها نحن .....وأعني بنحن أي نحن العرب في هذا الزمان .... لأننا جميعا عرب أنساب ولسنا عرب لسان أي أن أصولنا عربية ولكنا لا نتكلم اللغة العربية الصحيحة الفصيحة ولا نفهم اللغة كما كان يفهمها العرب عندما بُعث فيهم محمد (ص).
سأعطيكم دليل على ذلك:
أذهب إلى أي بلد عربي وأخرج إلى الشارع واستوقف أي شخص عربي لا على التعيين واسأله قل له يا أخي ما معنى قول الله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام
سيقول لك والله لا أعرف أذهب إلى كتب التفسير وستجد المعنى قل له طيب دعك من القرآن ما معنى قول الشاعر العربي :
عفت الديار محلها فمقامها .......... بمنىً تأبد غولها فرجامها
سيقول لك والله لا أعرف


*


إن من الناس من لا يعرف معنى قول الله تعالى : والعاديات ضبحا فالموريات قدحا
بل إن من العرب من لا يعرف معنى قل أعوذ برب الفلق
ثم بعد هذا نقول نحن عرب لذلك نحن لا نفهم لا اله إلا الله ولا نستشعر الانقلابية فيها.


* * *


هناك سؤال مهم جدا هذا السؤال يقول :
لماذا رفض العرب لا اله إلا الله عندما دعاهم إليها محمد (ص).
لو بحثنا في الجواب على هذا السؤال سنجد أن هناك عدة مفاهيم خاطئة وللأسف هي شائعة بين الناس من هذه المفاهيم ما يقول:
أن العرب في زمن النبي (ص) رفضوا لا اله إلا الله لأنها تضر بمصالحهم لأن وجود الأصنام في مكة وقدوم العرب من أرجاء الجزيرة العربية إلى مكة جعلها مركزا تجاريا وبالتالي فأن الدخول في الإسلام يعني تحطيم هذه الأصنام أي أن مكة لن تعود مركزا تجاريا.
وهذا القول خاطئ ومردود .... لماذا؟
لأنه إذا كان أهل مكة قد رفضوا لا اله إلا الله لأنها تضر بتجارتهم .... طيب لماذا رفضها أهل الطائف وبقية مناطق الجزيرة العربية.
وهذا الأعرابي الذي يرعى الغنم في صحراء الجزيرة العربية والذي رفض أن يقول لا اله إلا الله هل رفضها لأنها تضر بمصلحة أهل مكة.
بالتأكيد لا
ومن هذه المفاهيم مفهوم خاطئ آخر يقول :
أن العرب رفضوا لا اله إلا الله لأنها ستثقل عليهم ... أي بسبب التكاليف مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأن الدخول في الإسلام يعني تحريم الخمر وتحريم الربا والزنا وغيرها.
وهذا أيضا مفهوم خاطئ وقول مردود ... لماذا؟
لأن العرب رفضوا لا اله إلا الله قبل أن ينزّل الله تعالى هذه التكاليف ... وقبل أن يفرض الله تعالى الفرائض ... وقبل أن يحرّم المحرمات... ومعلوم أن أغلب الفرائض والتكاليف والمحرمات نزلت في المدينة أي بعد أكثر من عشر سنوات من البعثة النبوية.
يا أخواني أنا أقصد عندما كان محمد (ص) في الغار وجاءه جبريل (ع) وقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق ... ثم نزل محمد (ص) من الغار وذهب إلى الناس وقال لهم قولوا لا اله إلا الله ..... قالوا لا ... لا نقولها .... لماذا?
ما الذي فهمه الناس من لا اله إلا الله؟
بالتأكيد أنهم لم يفهموا أن لا اله إلا الله تعني الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الخمر وتحريم الربا لأن هذه الأمور لم تكن قد فرضت بعد.
إذا ما الذي فهمه العرب من لا اله إلا الله?
الجواب : أنهم فهموا الانقلابية فهموا أن هذه الكلمة إذا قالوها ستقلب حياتهم كليا فهموها من غير شرح ولا تفسير لأنهم عرب أقحاح


* * *


الآن وقبل أن نبدأ بتحليل وتفسير معنى لا اله إلا الله دعونا أولا نقوم برحلة ..... رحلة إلى الماضي ... إلى مكة قبل 1500 سنة قبل أن يبعث النبي محمد (ص).
سندخل إلى مكة ..... ماذا سنرى ..... سنرى الكعبة المشرفة ونرى حولها أكثر من 360 صنم على عدد القبائل العربية في ذلك الزمان .... لكل قبيلة صنم ... وسنرى أيضا العشرات من الأصنام الصغيرة هنا وهناك . ونرى الناس منهم من يسجد للصنم ومنهم من يحتضنه ومنهم من يقبله ومنهم من يدعوه . سنقترب من واحد من هؤلاء الناس ونجري معه حوار قصير. سأقول له :
مرحبا يا أخا العرب ... أتأذن لي بأن أسألك بعض الأسئلة ؟
فيقول لي نعم تفضل
فأقول له ...... يا أخا العرب أترى هذه السماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وسحاب من خلق هذه السماء؟
سيجيبني ويقول : خلقها الله
الآن سأسأله السؤال الثاني وأقول ... يا أخا العرب أترى هذه الأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وأشجار وناس ودواب من خلق هذا كله؟
سيجيبني ويقول : خلقها الله
الآن سأسأله السؤال الأخير وأقول له .... ولكن ما هذا الصنم الذي أراك عاكفا عليه؟
سيجيبني ويقول هذا الهي
الآن سنترك هذا الرجل العربي ونعود من رحلتنا
وهنا رب قائل يقول: وما يدريك أن الرجل كان سيجيب بهذه الأجوبة نحن لم نذهب فعلا إلى مكة قبل 1500 سنة ... نحن افترضنا هذا الأمر
الجواب : نعم لو تمكنا من إجراء مثل هذه الرحلة وسألنا الناس .... سيكون هذا هو الجواب ما الدليل على ذلك الدليل هو قول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله (الآية 25 سورة لقمان)
وقوله تعالى :
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله (الزخرف 87)
وقوله تعلى :
ولئن سألتهم من خلق السموات و الأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله (العنكبوت 63)
أي يا محمد أسألهم من خلقهم وخلق السماوات والأرض سيقولون الله .... هذا أمر لم يكن العرب المشركون ينكرونه أبدا.


* **


الآن دعونا نقوم بتحليل بسيط لشخصية هذا الرجل الذي أجرينا معه الحوار لنفهم من هم الناس الذين بُعث فيهم محمد (ص) .
هو إنسان بسيط لا يفهم من تعقيدات الحياة التي نعيشها الآن ... حياته عبارة عن الصحراء والإبل والسيف والشعر وغيرها وهو إنسان بسيط جاهل يمكن أن يصنع لنفسه إلها من التمر فإذا جاع أكله.


ولكن


ولكن


لو استطعنا أن نأتي بذلك الرجل من ذلك الزمان إلى هذا الزمان وأجلسه هنا بجانبي ثم آتي بأي دكتور أو بروفيسور في اللغة العربية من هذا الزمان وأجلسه بجانب ذلك العربي وأجري مقارنه بينهما فيما يخص اللغة العربية فقط ....... من برأيكم سيكون الأفضل؟
بالتأكيد ذلك العربي أو أي عربي من ذلك الزمان هو أفضل من أي شخص حامل لشهادة الماجستير أو الدكتوراه في اللغة العربية في هذا الزمان ..... لماذا؟
لأن هذا الدكتور أو البروفيسور إنما درس اللغة العربية دراسة ... وهو في حياته اليومية يتكلم بلهجته المحلية .... إن كان مصريا تكلم باللهجة المصرية وان كان عراقيا تكلم باللهجة العراقية وهكذا. أما هذا العربي فليس عنده سوى هذه اللغة العربية الصحيحة الفصيحة التي شربها مع اللبن..... هذا العربي كان يسمع القصيدة من الشعر الجاهلي من عشرات الأبيات فيحفظها عن ظهر قلب ..... هكذا كان العرب في ذلك الزمان كلهم فطاحل في اللغة العربية.
في مثل هؤلاء الناس بُعث محمد (ص) فقال لهم : قولوا لا اله إلا الله ... من غير أن يشرحها أو يفسرها لهم فقبلها من قبلها ورفضها من رفضها لكنهم جميعا فهموها فهما صحيحا.


* * *


هنا لا بد من التنبيه إلى أمر مهم جدا:
لو ذهبنا الآن إلى أي مكتبة أسلامية وبحثنا في كل كتب الحديث والسيرة النبوية والتاريخ فلن نجد حديثا واحدا ولا رواية واحدة تقول أن محمد (ص) جاء إلى قوم من العرب وقال لهم قولوا لا اله إلا الله فقالوا يا محمد ماذا تعني بـ لا اله إلا الله ...؟ يا محمد فسّر لنا معنى لا اله إلا الله.
والله لن تجد هكذا حديث أبدا .... مما يدل على أن الناس قد فهموا لا اله إلا الله ... وان ما فهموه كان صحيحا ... وإلا لكان النبي (ص) قال لهم ... لعلكم لم تفهموا ما أعني بـ لا اله إلا الله ... دعوني أفسّرها لكم.
وهذا أمر لم يحدث أطلاقا.
إن الخلاف بين النبي (ص) والمشركين لم يكن أبدا على معنى لا اله إلا الله ... إنما كان الخلاف على قبولها أو رفضها.


* * *


الآن وبعد هذه المقدمات والتمهيدات التي كان لابد منها سنبدأ إن شاء الله بتحليل وتفسير معنى لا اله إلا الله والدخول في أعماق هذه الكلمة بحثا عن الانقلاب والانقلابية التي لا نشعر بها نحن في هذا الزمان عندما نتلفظ بهذه الكلمة.


*


هذه العبارة العظيمة لا اله إلا الله تتكون من أربعة أجزاء وهي :
لا - اله - إلا - الله
*
الجزء الأول - لا
الجزء الثاني - اله
الجزء الثالث - إلا
الجزء الرابع - الله
*
الجزء الأول - لا - ......... هذه الـ لا تسمى في اللغة العربية لا النافية ... وهي تنفي ما بعدها وهي ليست غريبة علينا نحن نستخدمها في حياتنا اليومية كثيرا ... فأنا أقول .... لا أكل ... لا أشرب ... لا أريد .... لا أفعل ... فهذه الـ لا واضحة وليس فيها غموض.


* * *



الجزء الثاني من لا اله إلا الله هو كلمة اله.


أله هذه كلمة غامضة وغير واضحة لذلك سأتركها الآن وأعود إليها بعد ذلك.


* * *


الجزء الثالث من لا اله إلا الله هو .... إلاّ.
إلا ّ ... هذه تسمى في اللغة العربية أداة استثناء ويسمى المستثنى بها بالمستثنى بـ إلا وهي أيضا ليست غريبة علينا فنحن نستخدمها في حياتنا اليومية .... مثلا عندما أقول ... أنا أحب الألوان كلها إلا اللون الأحمر فهذه الـ إلا .... أيضا واضحة بالنسبة لنا وليس فيها أي غموض.


* * *


الجزء الرابع والأخير من لا اله إلا الله هو ....... الله.
الله ...... هو الله سبحانه وتعالى وهو غني عن التعريف.
إذا أين الغموض في هذه العبارة؟
يبدو مما تقدم أن الجزء الوحيد الغير واضح هو الجزء الثاني وهو كلمة ....اله.
اله ... هذه كلمة غير واضحة لذلك علينا أن نزيل الغموض عن هذه الكلمة ماذا نفعل؟
نذهب إلى اللغة العربية نفتح أي قاموس أو معجم لألفاظ العرب ثم نبحث عن معنى كلمة اله ........ سنجد أن كلمة اله تعني :
معبود
الآن اذهب إلى عبارة - لا اله إلا الله - وأمسح كلمة اله واكتب محلها كلمة معبود فتصبح العبارة الآن:
لا معبود إلا الله
هل معنى هذا أن من يقول لا معبود إلا الله له نفس ثواب من يقول لا اله إلا الله؟
الجواب نعم له نفس الأجر والثواب مثل رجل يقول اللهم صل على محمد والثاني يقول اللهم صل على نبينا والآخر يقول اللهم صل على المصطفى كل هذه العبارات لها معنى واحد.
طيب ... الآن لا اله إلا الله أصبحت ........ لا معبود إلا الله
ولكن العبارة لا تزال غامضة وغير واضحة ... ثم أني لا أجد أي انقلابية في الموضوع ... ماذا أفعل؟
أذهب إلى اللغة العربية مرة أخرى وأفتح معجم الألفاظ العربية ولكن هذه المرة سأبحث عن كلمة معبود سأجد أن كلمة معبود تعني :
مقصود بالعبادة
الآن سأذهب إلى عبارة .... لا معبود إلا الله ... وأمسح كلمة معبود وأكتب محلها مقصود بالعبادة فتصبح العبارة كالآتي :
لا مقصود بالعبادة إلا الله
ولكن العبارة لا تزال غير واضحة المعنى .... أنا أفهم أن مقصود تعني الشيء الذي يُقصد
ولكن ما معنى عبادة؟
عبادة ....... هذه الكلمة غير واضحة بالنسبة لي ماذا أفعل؟
أيضا أذهب إلى اللغة العربية ولكن هذه المرة لن أذهب إلى القاموس ولكن سأفترض أن اللغة العربية شخص يمكنني التحدث معه فأذهب إلى اللغة العربية وأقول لها:
يا لغتنا العزيزة .... ما معنى كلمة عبادة؟
أجابتني اللغة العربية وقالت :
أنت ماذا تريد من معنى كلمة عبادة ... تريد المعنى اللغوي أم المعنى الشرعي للعبادة . إن كنت تريد المعنى اللغوي فأنا أعطيك إياه وان كنت تريد المعنى الشرعي فهذا ليس عندي فأنا لغة ولست دين أذهب إلى كتب الشريعة وستجد فيها المعنى الشرعي للعبادة.
وهذا صحيح جدا ما قالته اللغة العربية لذلك سأعيده لأهميته
أنا ذهبت إلى اللغة العربية وقلت لها .... يا لغتنا العزيزة ما معنى العبادة أجابتني اللغة العربية وقالت :
أنت عن ماذا تسأل .... عن المعنى اللغوي للعبادة أم المعنى الشرعي الديني للعبادة إن كنت تريد المعنى اللغوي للعبادة فأنا أعطيك إياه وان كنت تريد المعنى الشرعي للعبادة فهذا ليس عندي أذهب وابحث عنه في كتب العقائد والأديان.
الآن وقبل أن أجيب اللغة العربية أريد أن أوضح مفهوم المعنى اللغوي والمعنى الشرعي ولكي نوضح مفهوم المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لابد من ذكر بعض الأمثلة:
المثال الأول
الإسلام هذا الدين العظيم فيه مجموعة من الشرائع والقوانين ....... واحد من هذه القوانين يقول:
على كل من دخل في هذا الدين إذا كان لديه مال زائد عن حاجته ومر على هذا المال مدة سنة كاملة فيجب عليه أن يطهر هذا المال بأن يخرج منه ما قيمته 2.5% تذهب إلى الفقراء والمساكين وغيرهم. هذا هو قانون تطهير الأموال.
الإسلام أراد أن يسمي هذا القانون ..... لم يشأ أن يسميه قانون التطهير ماذا فعل .... ذهب إلى اللغة العربية وأخذ من اللغة العربية كلمة تعطي نفس معنى التطهير وهي كلمة زكاة.
أخذ هذه الكلمة من اللغة العربية ووضعها على هذا القانون فأصبح قانون الزكاة .....أو فريضة الزكاة.
كلمة زكاة كلمة موجودة في اللغة العربية قبل أن يبعث محمد (ص) بمئات السنين وليس لها أي علاقة بالدين كانت العرب تستعملها في معنى التطهير والتنقية كان الرجل من العرب يأتي بيته وثوبه متسخ فيخلعه ويعطيه لزوجته ويقول لها : يا امرأة خذي هذا الثوب فزكيه ...... ولأن زوجته عربيه أيضا فهي تفهم ما يعني فتأخذ الثوب وتطهره.
بعد أن جاء الإسلام أصبح لكلمة زكاة معنيان المعنى اللغوي الأول ويعني التطهير والتنقية والمعنى الثاني هو الشرعي الديني وهو نسبة 2.5 % من المال الزائد الذي مرت عليه مدة سنة كاملة.


المثال الثاني


لنأخذ قانون آخر من قوانين الإسلام ... هذا القانون يقول : إذا جاء الشهر التاسع العربي على كل من دخل في هذا الدين أن يمتنعوا عن الأكل والشرب وبقية المفطرات من الفجر إلى غروب الشمس فإذا غربت الشمس جاز لهم الأكل والشرب وبقية المفطرات إلى الفجر وهكذا حتى ينتهي الشهر.
هذا هو قانون الامتناع عن الأكل والشرب وبقية المفطرات.
الإسلام لم يشأ أن يسمه قانون الامتناع ماذا فعل ... ذهب إلى اللغة العربية ... واختار من اللغة العربية كلمة تعطي نفس معنى الامتناع وهي كلمة الصيام أخذ كلمة الصيام من اللغة العربية ووضعها على هذا القانون فأصبح قانون الصيام ... أو فريضة الصيام.
كلمة صيام موجودة في اللغة العربية قبل أن يُبعث محمد (ص) وقبل أن يُخلق محمد (ص) وكانت العرب تستعملها في معنى الامتناع ... امتناع عن الكلام .. امتناع عن الخروج....امتناع عن أي شيء. عندما أخذ الإسلام هذه الكلمة من اللغة العربية ووضعها على هذا القانون أصبح لها معنيان المعنى اللغوي الأول ويعني الامتناع المطلق ... امتناع عن أي شيء.
والمعنى الثاني هو المعنى الشرعي الديني وهو الامتناع عن المفطرات في النهار سواء في شهر رمضان أو في صوم النافلة.


المثال الثالث


كلمة كفر .. والفعل كفر يكفر .... هذه الكلمة موجودة في اللغة العربية قبل الإسلام ومعنى هذه الكلمة ليس له أي علاقة بالدين.
الكفر لغة هو التغطية ..... والكافر في اللغة العربية هو الفلاح أو المزارع وقد أكتسب هذا الاسم من عمله فهو يكفر البذور في الأرض أي يحفر لها حفرة صغيرة ثم يغطيها بالتراب.
عندما بعث الله تعالى النبي محمد (ص) كانت صفة هذا النبي موجودة في كتب اليهود والنصارى لكنهم أخفوها ومزقوا الصحف التي فيها صفة النبي (ص) أي أنهم غطوا الحق بالباطل فسماهم الله كفار ..... وكذلك كل من يرفض الدين ويغطي الحق بالباطل يسمى كافرا.
بعد أن جاء الإسلام أصبح لكلمة كفر معنيان المعنى اللغوي ويعني التغطية ... التغطية المطلقة تغطية أي شيء والمعنى الشرعي الديني ويعني تغطية الحق بالباطل.


*


تصور لو أنك الآن تذهب إلى أحد الحقول أو البساتين وتجد أحد الفلاحين يصلي صلاة الظهر مثلا فتقترب منه بعد أن يكمل صلاته وتسلم عليه وتقول :
السلام عليك يا كافر ماذا سيحصل؟
سيغضب طبعا ...... لماذا?
لأنه فهم المعنى الشرعي ....... بينما أنت كنت تقصد المعنى اللغوي ثم تخيل لو أنك دخلت إلى المدينة المنورة في أيام الرسول (ص) ووجدت بعض أصحاب النبي محمد (ص) يعملون في حقل أو بستان ثم اقتربت من واحد منهم وقلت له : السلام عليك يا كافر ماذا سيحصل لن يحصل شيء ... سيرد عليك ويقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لماذا ... لأنه عربي ... ولأنه فهم أنك تقصد المعنى اللغوي وليس المعنى الشرعي وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.


*
وكذلك بقية الكلمات مثل صلاة ووضوء وحج وإيمان وفسق ... كل هذه الكلمات هي كلمات عربية لها معنى لغوي وعندما أخذها الإسلام أصبح لها معنى آخر هو المعنى الشرعي.
أعتقد الآن أن مسألة المعنى اللغوي والمعنى الشرعي أصبحت واضحة.
الآن نكمل من حيث توقفنا
أنا ذهبت إلى اللغة العربية وقلت لها ما معنى عبادة قالت لي ... أنت ماذا تريد من العبادة تريد المعنى اللغوي أم المعنى الشرعي إن كنت تريد المعنى اللغوي فأنا أعطيك إياه وان كنت تريد المعنى الشرعي فهذا ليس عندي فأنا لغة ولست دين.
أنا سأجيب اللغة العربية وأقول لها:
نعم يا لغتنا العربية أعطني المعنى اللغوي للعبادة .... أنا أصلا أبحث عن المعنى اللغوي وليس المعنى الشرعي ... لماذا؟
لأن النبي محمد (ص) عندما نزل من الغار وذهب إلى الناس وقال لهم قولوا لا اله إلا الله بالتأكيد أن الناس لم يفهموا المعنى الشرعي للعبادة وهو الصلاة والصوم والحج والزكاة وتحريم الخمر وتحريم الربا والزنا لأن هذه الأمور لم تكن قد شرعت بعد بالتأكيد أن الناس قد فهموا المعنى اللغوي للعبادة.
فيا لغتنا العزيزة أعطني المعنى اللغوي للعبادة
قالت اللغة العربية :
العبادة: كلمة كانت العرب تستعملها في موضعين أثنين ... فكانت العرب تقول طريق معبد وبعير معبد.
انتهى تعريف اللغة العربية لكلمة العبادة
سأعيد هذا الجزء لأهميته
أنا قلت للغة العربية أعطني المعنى اللغوي للعبادة فقالت: العبادة ... كلمة كانت العرب تستخدمها في أمرين فكانت العرب تقول طريق معبد وتقول بعير معبد
الآن لنشرح معنى طريق معبد وبعير معبد


*
أولا الطريق المعبد :


عندما كان الناس يسافرون في ذلك الزمان كان هناك طرق تربط بين المدن مثلا طريق بين مكة والمدينة وطريق بين مكة والطائف وطريق إلى الشام وطريق إلى اليمن وغيرها ... هذه الطرق هي طرق معبدة ما المقصود بطرق معبدة أي أنها طرق ترابية لكن من كثرة ما مشى الناس عليها أصبحت معلومة وواضحة وممهدة ولو اقتربنا من هذا الطريق ونظرنا إليه لوجدنا انه تراب ولكن هذا التراب تغير ... كيف تغير .... أصبحت تربته مرصوصة ومكبوسة وصلبة لكثرة ما داس الناس عليها.
هذا الانقلاب في حال التربة من تربة هائجة تذريها الرياح إلى تربة مرصوصة وصلبة ... هذا الانقلاب كانت العرب تسميه تعبيد .......... وهذا هو المقصود بالطريق المعبد.


الآن سنشرح معنى بعير معبد


البعير....آية من آيات الله سبحانه وتعالى ... يقول الله تعالى ... أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت... هذا الحيوان يولد ويكبر حتى يصل إلى عمر معين تبدأ عند ذلك مرحلة الاستفادة من هذا الحيوان كواسطة للنقل والحمل ولكن هذا الحيوان لا يمكن الاستفادة منه أبدا ما لم يروض ويدرب. كيف؟
يدرب هذا الحيوان على الانقياد ..... فعندما تقود البعير أنت بحاجة لأن تعطي هذا البعير مجموعة من الإيعازات والأوامر ويجب أن يفهمها ... مثلا إذا أردت أن تضع الحمولة على ظهر البعير فيجب أن يجلس أولا لكي تتمكن من وضع الحمولة على ظهره لذلك يجب أن يفهم الأمر أجلس ثم الأمر أنهض ثم سر إلى الأمام ثم أستدر يمين وأستدر يسار ثم الأمر توقف.
هذه الأوامر لا تكون عن طريق الكلام بل عن طريق شد الحبل فشد الحبل إلى الأسفل يعني أجلس وشد الحبل إلى الأعلى يعني انهض وسحب الحبل إلى أمام يعني سر إلى الأمام وشد الحبل إلى الخلف يعني توقف وسحب الحبل إلى جهة اليمين يعني أستدر يمين والى اليسار يعني أستدر يسارا.
ولو أتينا ببعير لم يروض أو لم يدرب وربطنا في رقبته الحبل وسحبنا الحبل إلى الأمام فهو لن يمشي إلى الأمام حتى لو أجتمع على سحب الحبل عشرة رجال ..... وكذلك في أمر الجلوس فلو أجتمع عشر رجال يجرون الحبل إلى الأسفل فلن يجلس هو ليس حيوان عنيد أو متمرد ولكن هو لا يفهم ماذا تريد منه ... هو لا يفهم أن شد الحبل إلى الأسفل معناها اجلس.
لذلك ماذا كانت العرب تفعل في ذلك الزمان وحتى يومنا هذا؟
عندما يصل البعير إلى عمر معين يأخذه الأعرابي خارج القطيع ويأتي بحبل وعصا يربط الحبل برأس البعير ويبدأ بترويضه. كيف يروضه?
يجر الحبل إلى الأسفل ويضرب البعير بالعصا ويستمر بالضرب إلى أن يجلس البعير فإذا جلس توقف الأعرابي عن الضرب ويكرر هذه العملية عدة مرات فيفهم البعير أن شد الحبل إلى الأسفل معناها اجلس. ثم يقوم الأعرابي بسحب الحبل إلى الأعلى وفي نفس الوقت يضرب البعير بالعصا ويستمر بالضرب إلى أن ينهض البعير فإذا نهض توقف الأعرابي عن الضرب فيفهم البعير أن سحب الحبل إلى الأعلى معناها انهض وبنفس الطريقة يعلم البعير كيف يسير إلى الأمام وكيف يستدير يمينا ويسارا هذه العملية تستمر لعدة أيام ... ولكن في النهاية ماذا سيحصل؟
في النهاية ستحصل على حيوان مختلف كليا عن السابق ستحصل على حيوان في غاية الطاعة والانقياد حتى أنك لن تحتاج إلى أي قوة أو مجهود في قيادة هذا البعير طيلة حياته فبأصبعين أثنين من أصابعك أسحب الحبل سحبة خفيفة إلى الأسفل سيجلس مباشرة ثم بسحبه خفيفة للحبل إلى الأعلى سينهض مباشرة وكذلك إلى الأمام والى اليمين واليسار ستجد أن هذا البعير أصبح طيّعا ليّنا في غاية الذل والانقياد


***


هذا الانقلاب في حال البعير كانت العرب تسميه تعبيد.
تحويل البعير من حيوان لا يفهم ما تريد منه إلى حيوان في غاية الطاعة والذل والانقياد لسيده كانت العرب تسميه تعبيد.


*


كان الأعراب يربون الإبل في البادية ثم يأتون بها إلى أسواق مكة أو المدينة ليبيعونها فيأتي تجار الإبل ويتفحصوها فإذا أراد التاجر شراء البعير كان يسأل الأعرابي ويقول له : يا أعرابي ... أمعّبدٌ بعيرك هذا ؟
فيجيب الأعرابي : انه أطوع لك من بنانك.
حدثني أحد الأخوة وهو من العرب البدو في موريتانيا كان زميلا لي يدرس الزراعة في بغداد وكنت أسأله عن تربية الإبل وكيف التعامل معها فقال لي : نحن في موريتانيا لا نربط البعير من رقبته أو من رأسه وإنما نثقب أنف البعير ونضع فيه حلقة معدنية تسمى الزرد وبهذه الحلقة نربط حبل رفيع ثم نقود البعير بهذا الحبل. فقلت له : لكنك إن سحبت الحبل بقوة سيشرم أنف البعير ... فقال : صدقني أن هذا لا يحدث أبدا فالبعير بعد أن يطوّع (أي يعبّد) فانك لن تحتاج معه إلى القوة أبدا فبأصبعين أثنين من أصابع يدك أسحب الحبل قليلا سيجلس مباشرة لأنه وكما ذكرنا ليس حيوان متمرد أو معاند إنما هو لا يفهم ما تريد منه ومتى ما فهم استجاب وأطاع وذلّ. على عكس الإنسان فالإنسان قد يفهم لكنه لا يستجيب ولا يطيع ولا يذل.


* * *


إذا عندما جاء محمد (ص) إلى العرب وقال لهم قولوا لا اله إلا الله ... ماذا فهم الناس فهموا أن لا اله إلا الله ستقلب حالهم مع الله كما ينقلب حال البعير بعد أن يعبّد
فهموا أن لا اله إلا الله ستعبّدهم إلى الله كما يعبّدون هم الإبل لأنفسهم وأن لا اله إلا الله ستقلب حياتهم من الانفلات والبعد عن الله إلى الذل والطاعة والانقياد إلى الله كما أنقلب حال البعير فأصبح في غاية الذل والطاعة والانقياد لذلك الأعرابي فإذا أمره بالجلوس جلس وإذا أمره بالنهوض نهض وإذا أداره يمينا استدار وان أداره يسارا استدار ... هكذا سيكون حالهم مع الله إذا قال لهم أفعلوا هذا فعلوه وإذا قال لهم لا تفعلوا هذا لا يفعلوه ... وإذا أمرهم بأمر أطاعوه وان نهاهم عن شيء اجتنبوه ... وان أحل لهم شيئا أحلوه وان حرم عليهم شيئا حرموه.
هذا هو الانقياد وهذا هو التعبيد ... فمن قبل هذا الانقلاب قبل لا اله إلا الله ودخل في الإسلام ومن رفض هذا الانقلاب وأحب حياة الانفلات رفض لا اله إلا الله وبقي على دين الشرك


* * *


هذه هي الانقلابية في لا اله إلا الله نراها واضحة جلية في المعنى اللغوي للعبادة


*


أتذكر أخي القارئ عندما قمنا بتلك الرحلة الافتراضية إلى مكة وأجرينا حوار مع ذلك العربي المشرك وسألناه من خلق السماوات والأرض فقال ... الله ثم سألناه ما هذا الصنم الذي نراك عاكفا عليه فقال ... هذا الهي.
فالعرب وهم فطاحل اللغة كانوا يميزون بين كلمة رب وكلمة اله كلمة رب تعني مالك الشيء أو صاحبه أو سيده. والاعتراف بالرب لا يعني الانقياد له تماما كما لو أننا أتينا إلى قطيع من الإبل يملكه أعرابي ثم أتينا إلى بعير غير معبّد في ذلك القطيع وسألناه من سيدك أو من يملك هذا القطيع ؟
سيقول لك ذلك الأعرابي الذي يسوق القطيع هو مالكنا.
ولكنه غير معبد أي أنه لا ينقاد لسيده على الرغم من أنه يعترف بأن ذلك الأعرابي هو سيده ومالكه.
هكذا كان حال العرب قبل أن يُبعث فيهم محمد (ص) يعترفون بأن الله هو خالقهم وخالق السماوات والأرض لكنهم لا ينقادون إليه ولا يذلون له فبعث الله محمد (ص) بـ لا اله إلا الله كلمة التوحيد. والتوحيد هنا يعني الجمع بين الاعتراف بأن الله هو الخالق والمالك من جهة ... والذل والانقياد له من جهة أخرى.


*


وهل تذكر أخي القارئ عندما سألت اللغة العربية عن معنى كلمة عبادة ماذا قالت لي؟
قالت إن كنت تريد المعنى اللغوي فانا أعطيك إياه وان كنت تريد المعنى الشرعي للعبادة فهذا ليس عندي أذهب وابحث عنه في كتب العقائد والأديان.
إذا لنذهب الآن ونبحث عن المعنى الشرعي للعبادة بعد أن أوضحنا المعنى اللغوي.


*


أول من فسّر كلمة العبادة هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهنا رب قائل يقول :
لماذا أول من فسّر العبادة هو ابن تيمية رحمه الله هل عجز من كان قبله مثل الأمام مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد ابن حنبل عن تفسيرها؟
الجواب: هو أن آخر الأئمة الأربعة كان الأمام أحمد ابن حنبل والأمام أحمد ابن حنبل عاش وتوفي في زمن الدولة العباسية ..... ماذا يعني هذا؟
يعني أن الناس كانت تتكلم اللغة العربية الفصيحة أي أن الناس لم تكن بحاجة إلى من يفسر لهم معنى العبادة أما في زمن ابن تيمية ... ما الذي حصل؟
الذي حصل أن العرب اختلطوا بالعجم والترك والتتار وظهرت اللهجات وضاعت اللغة العربية وضاع معها الدين وأخذ الناس يسألون عن أمور لم يكن يسأل عنها أحد من قبل وعندما سُئل رحمه الله عن معنى العبادة قال:
العبادة أسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الصالحة فالصوم عبادة والصلاة عبادة والدعاء عبادة والتوكل عبادة والنذر عبادة ... وهي كمال الذل والانقياد إلى الله تعالى كما كانت العرب تقول بعير معبّد وطريق معبّد.
انتهى كلامه رحمه الله.


أنظر كيف جاء بالمعنى الشرعي ثم وصله بالمعنى اللغوي الذي من دونه لا سبيل إطلاقا لفهم هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد كلمة لا اله إلا الله.


* * *


من ثمرات هذا البحث


أولاً : الفهم الصحيح الواضح لمعنى لا اله إلا الله وأنها تعني التعبيد والانقياد إلى الله تعالى ... لأن كثير من الناس في هذا الزمان يعتقدون أن لا اله إلا الله تعني أنه لم يخلق السماوات والأرض إلا الله وأن الله وحده هو خالقنا ورازقنا ولا شريك له في هذا الأمر ولقد بينا فيما تقدم أن هذا ليس معنى لا اله إلا الله.
ثانياً : فضل الجيل الأول من المهاجرين والأنصار .... عندما نزل جبريل عليه السلام على محمد (ص) في الغار لأول مرة وقال أقرأ باسم ربك الذي خلق ... ثم نزل محمد (ص) إلى الناس وقال لهم قولوا لا اله إلا الله ..... في ذلك الوقت لم يكن الله تعالى قد فرض الفرائض ولا حرّم المحرمات ... أي أن لا اله إلا الله كانت مجرد عهد بالانقياد والانصياع إلى الله تعالى فيما سيأمر به لاحقا .... فمن قبلها فقد قبلها وهو لا يدري ماذا سيطلب الله منه وبماذا سيكلفه بعد ذلك أي انه قبل الانقياد للغيب والمجهول ... وهذا لعمري غاية الأيمان والتسليم .... وهذا هو فضل الجيل الأول من أصحاب النبي (ص) على سائر المسلمين إلى يوم القيامة. أما بعد وفاة النبي (ص) فان كل من يدخل الإسلام بما في ذلك نحن في هذا الزمان فنحن نعلم ما الذي يريده الله منّا وبماذا يأمرنا وما هي الفرائض والتكاليف التي تأتي بعد لا اله إلا الله.


ثالثاً : هذا البحث يرد على كل من يعتقد أن من يقول لا اله إلا الله يدخل الجنة حتى لو لم يؤدي فرائض الله ولم يلتزم بشرع الله ولم ينصاع لأوامر الله عز وجل أي أنه يقول لا اله إلا الله باللسان فقط ... من غير أن يكون معبّدا لله وحجتهم في ذلك الأحاديث الواردة عن النبي (ص) مثل حديث : من قال لا اله إلا الله دخل الجنة.
نعم هناك أحاديث كثيرة مثل هذا الحديث ولكن أنظر عندما قال محمد (ص) هذا الحديث من كان يخاطب ... كان يخاطب عربا أقحاح يفهمون أن لا اله إلا الله تعني الانقلاب من حال الانفلات إلى التعبيد والذل والانقياد قوم كانوا يعبّدون الإبل بأيديهم ويتعايشون معها يوميا ويعلمون جيدا كيف هو حال البعير قبل أن يعبّد وكيف ينقلب حاله بعد التعبيد.


*


واعلم أخي القارئ أن كل ما ذكرناه عن معنى لا اله إلا الله ... والعبادة والانقلاب والطريق المعبد والبعير المعبد كل هذا كان يمر في ذهن أي عربي من ذلك الزمان في جزء من الثانية عندما يسمع لا اله إلا الله تماما كما لو أنك خرجت الآن إلى الشارع وسألت أي شخص وقلت له ... هل عندك جهاز كومبيوتر في البيت؟ سيجيبك وبسرعة أما أن يقول لك نعم عندي ... أو يقول لك لا ليس عندي. لكنه فهم معنى الكلمة لأن أدمغتنا وفي جزء من الثانية تحلل معنى هذه الكلمة.
الآن إعكس الأمر تخيل أنك ذهبت إلى مكة قبل البعثة والتقيت برجل من ذلك الزمان وقلت له : يا أخا العرب أريد أن أهديك جهاز كومبيوتر .... ماذا سيحصل ... لن يفهم ... لأن أدمغتهم لا تحلل هذه الكلمة وإذا أردت أن تشرح له معنى كلمة كومبيوتر ستحتاج إلى وقت وجهد حتى يفهم.
هذا هو حالنا تماما عندما نسمع لا اله إلا الله أدمغتنا لا تحلل معنى هذه الكلمة ... كلمة (اله) بمعناها اللغوي إنما نخلط بينها وبين كلمة الله أو بينها وبين كلمة رب لأننا ابتعدنا كثيرا عن حياة العرب والصحراء والتعايش مع الإبل ... وابتعدنا أكثر عن اللغة العربية التي هي السبيل الوحيد لفهم هذا الدين العظيم.


* * *


أخي القارئ بعد أن قرأت هذا البحث ... أظن أن في نفسك شيء تريد أن تقوله ... ولعلك تقول : يا أخي .. هذه لا اله إلا الله .. هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد .. جئت تفسرها فأخذتنا إلى الصحراء والتراب والبعير.
فأقول لك : نعم يا أخي هذا هو دينك ... أنزله الله تعالى على قوم كانت حياتهم الصحراء والبعير واللغة العربية فخاطبهم الله بلغتهم ... بل وتحداهم بلغتهم حتى أنهم وهم فطاحل اللغة وهم العرب الأقحاح كان يعجزهم هذا القرآن. واسمع إلى عبد الله ابن عباس وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كما سماه النبي (ص) يقسم بالله ويقول :
والله إن لي كذا من السنين ما قرأت سورة فاطر لا في صلاة ولا على المنبر مخافة أن أََسأل عن معنى كلمة فاطر وكنت لا أعرف ما فاطر حتى كنت يوما في سفر فرأيت أعرابيان في الصحراء يتصارعان على بئر كل واحد منهم يقول أنا فطرته فعلمت أن فطرَ الشيء أوجده.
وهؤلاء جهابذة التفسير الطبري وابن كثير يستعينون بالشعر الجاهلي في تفسير معاني القرآن في مواضع كثيرة فيستدلون على معنى الكلمة من خلال موضعها في القصيدة وماذا كان يقصد بها الشاعر.
وأعلم أخي القارئ أن هذا القرآن لم ينزل بلسان أهل مكة ولا بلسان أهل الطائف ولا بلسان أهل المدينة إنما نزل باللغة العربية الأصلية النقية البليغة والتي لم يكن يتكلم بها في ذلك الزمان إلا الأعراب من أهل البادية في الجزيرة العربية لذلك تجد أن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم جميعا كانوا إذا أشكلت عليهم كلمة في القرآن ولم يعرفوا لها معنى كانوا يسألون عنها الأعراب من أهل البادية فيخبرهم الأعراب بمعنى تلك الكلمة.
وأليك أخي القارئ هذه الرواية: كان احد الصحابة يوما يقرأ القرآن والى جانبه أعرابي مشرك لم يدخل الإسلام فقرأ الصحابي الآية من سورة المائدة خطئاً فقال:
إن تعذبهم فأنهم عبادك وان تغفر لهم فأنك أنت الغفور الرحيم
فقال الأعرابي ... ما هذا بكلام رب
فتنبه الصحابي إلى انه قد أخطأ فقرأها بالقراءة الصحيحة وقال:
إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم
فقال الأعرابي ... هذا كلام رب.
بالله عليكم من منا لو ُقرأت عليه هذه الآية بالصيغة الأولى سيشعر أن فيها خطأ في البناء البلاغي وهي ليس فيها أي خطأ لغوي.


* * *


فهذا قرآنك قد نزل بلسان الأعراب .... والأعراب هم البدو وما هي حياة البدو غير الصحراء والبعير واللغة العربية.
أنا لا أقول أن من أراد أن يفهم هذا الدين العظيم فعليه أن يعيش حياة الأعراب في البادية ... فحتى البدو في زماننا هذا لا يتكلمون اللغة العربية الصحيحة.
ولكن أقول أن من أراد أن يفهم هذا الدين فيجب عليه ... يجب عليه ... أن يفهم اللغة العربية.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية فان له قولا أولى أن يخط بماء الذهب حينما قال:
لا سبيل لفهم الدين الإسلامي إلا بفهم اللغة العربية.
أخيراً أختم من حيث بدأت فأقول:
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على محمد النبي وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحمد الهيتي

الوديع الهادي
18-11-09, 01:48 PM
http://up2.mlfnt.net/images/ghzvp0q5f4u8cuojwi.gif
وجعله في موازين حسناتك

تـــرف الكويت
18-11-09, 07:59 PM
سلمت يمينك وجزاك الله خير