المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمة تاريخية لوزير العدل السعودي تعيد الحكمة والعقلانية للمؤسسة الدينية


أصفر عرقوب
25-10-09, 08:26 PM
حديث وزير العدل الشيخ محمد العيسى، الذي نشرته يوم أمس جريدة "الرياض" ووضح فيه المرامي والأبعاد العظيمة من إنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في "ثول"، ترك أصداء إيجابية كبيرة وصفت حديثه بالأكثر عقلانية والتزاماً بمقاصد الدين الإسلامي الحنيف التي تحث على العلم والتفوق.
وأعاد وزير العدل في حديثه روح الدين وحكمته وعقلانيته إلى المؤسسة الدينية في السعودية التي باتت تعاني من الجمود والتحجر، الأمر الذي دفعها إلى معارضة عدد من المشاريع العظيمة التي تعود على السعوديين والمسلمين بالخير، مثلما حدث في قضية توسعة المسعى الشهيرة، والقضية الأخيرة وهي "الاختلاط " بجامعة الملك عبد الله.
وأتى حديث الدكتور العيسى في وقته المناسب تماماً معيداً الهيبة والعقل لهيئة كبار العلماء، الهيئة التي باتت تمثل بالنسبة للكثيرين عائقاً للنهضة والتقدم، وداعية للجمود والتراجع، خصوصاً مع تقاطر آراء عدد من كبار العلماء في مختلف مناطق العالم الإسلامي، قامت بمباركة وتأييد هذه المشاريع الضخمة والعظيمة، التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين من أجل عزة ونهضة المسلمين.
يقول أحد المعلقين على حديث وزير العدل حول جامعة الملك عبد الله لـ"السياسي": "أهمية حديث الدكتور العيسى أنه يأتي بهذا العمق والتمكن والتأصيل الفقهي، والفهم المقاصدي ليكشف، ليس لنا فقط ولكن للعالم، أن لدينا رجال دين على قدر كبير من الفهم الديني والعقلاني والمسؤولية والاهتمام بمصالح الناس ومستقبلهم، الأمر الذي يجعلهم يستوعبون عظمة هذه المشروعات فيقفون في صفها، ويدعمونها ولا يناهضونها مثل ما يفعل البعض من الغارقين بالتشدد والمنعزلين عن دورة الحياة".
في الواقع أثار حديث الشيخ، عبر طريقته الفقهية العميقة وأسلوبه الجميل في الشرح والتحليل والاستنتاج، مشاعر كبيرة من التفاؤل والراحة بوجود مثل هذه الأصوات الدينية العقلانية داخل المؤسسة الدينية الرسمية، الأمر الذي يعتبر فرصة لطغيان مثل هذا التصور على منهج هذه المؤسسة، بحيث تمثل عوناً للمسلمين، وتساعدهم في عملية الانتقال من التخلف إلى التقدم، وتجعلهم منسجمين مع حياتهم في ذات الوقت الذي يحافظون فيه على تعاليم وقيم دينهم.
وفي حديث خاص لـ "السياسي" مع أحد المفكرين قال إنه رأى في سطور العيسى "رجل دين مستنير يدرك أن المسلمين لن يعودوا إلى سابق عهدهم إلا باحتضان العلم الحديث، مثلما فعل أسلافهم الذين بنوا حضارة مجيدة قائمة بشكل أساسي على التعمق في العلم والإيمان".
وأُعتبر حديث وزير العدل، الذي نشرته الجريدة على صدر صفحتها الأولى، الأكثر عمقاً وتأصيلاً لقضية الاختلاط بين كل الأحاديث التي نشرتها وسائل الإعلام لكبار رجال الدين في العالم الإسلامي، مثل الشيخ يوسف القرضاوي، ومفتي مصر الشيخ علي جمعة، والشيخ أحمد الكبيسي، الذين باركوا خطوة الملك في إنشاء مثل هذا الصرح العلمي الكبير، بحسب ما اتفقوا جميعاً.
ووصف الدكتور العيسى في حديثه جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للعلوم والتقنية، بأنها "تمثل منعطفاً مهماً، ونقطة تحول تاريخية، ولم تكن ميلاد لحظة، بل هاجس أمة، اختزلها القدر في عزيمة رجل، لتضاف في سجل الخالدين بعد أن تكونت في ربع قرن من الفكر والتدبر، والتأسيس والصياغة، يحفزها ماضٍ إسلامي يعتز بإرثه، وصروحه، وأثره وتأثيره، عز عليه غياب مجده العلمي، وحضوره الفكري، قروناً تطاول عهدها، واندرست معالمها". مؤكداً أن لـ "خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - يحفظه الله - خطوات موفقة في سبيل إعادة إرثنا التليد؛ ليكون في مستوى الحضور والريادة، مستذكراً منجزات قاماتنا الكبرى، وحلقات وصلنا، وتواصلنا مع العالم أجمع، في شهود حضاري وتألق علمي، على حين فترة من الانقطاع والفتور".
وفي إشارته اللافتة والحكيمة إلى الآراء التي عارضت مشروع الجامعة بحجة الاختلاط قال الوزير العيسى: "أما الاجتهادات الأخرى سواء بأوهامها أو تجاوزاتها، فإنها تحال بكل ثقة على مقاصد الدين، ووضوح نصوصه، ورحابة ساحته، فهي الكفيلة بتجاوزها دون الدخول معها في سجال أو نقاش، لكونها من أيسر وأعبر المحطات التي تمر بها النجاحات".
وأضاف مُظهراً قدرته الكبيرة على الشرح والتفصيل: "لقد سمعنا جميعاً عن التوجس من الاختلاط، بحجة تطبيق مفاهيم الإسلام في صيانة المرأة، وحراسة فضيلتها، وعفافها، فكان من الأسف الخلط في هذا «الاختلاط»، وهو ما لا يُعرف في قاموس الشريعة الإسلامية إلا في أحكام محدودة - كمباحث الزكاة - المنبتة الصلة عن معنى هذا المصطلح الوافد، ليشمل في الطروحات المتأخرة ببدعة مصطلحية لا تُعرف في مدونات أهل العلم، في سياق تداخل مصطلحها المحدث بمصطلح الخلوة المحرمة، التي لا تجيزها فطرة أي مسلم له كرامة وشيمة، فضلاً عن احترامه لأحكام شريعته التي صانت الأعراض، ووضعت السياج المنيع، لأي سبيل قد تخترق هذه المُسلَّمة الإسلامية المتفق عليها".
وربط وزير العدل تحليلاته لمفهوم الاختلاط بالتأصيل الفقهي حيث يقول شارحاً: "ومن نماذج الاختلاط اجتماع النساء في الجهاد، حيث يضطلعن بنقل الماء إلى المجاهدين ومداواة جرحاهم، وهذا سائغ شرعاً، وإن أفضى إلى مخالطة النساء للرجال، لما يتولد عن هذه الأعمال من تحقيق المصالح الشرعية، يشهد لهذا ما روته الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها - قالت: «كنا نغزو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى إلى المدينة». وفي رواية: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نسقي، نداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة».
ويضيف: "ومن اجتماع المرأة بالرجل للمصلحة الشرعية، اجتماع الرجال بالنساء لوعظهن وتعليمهن، ففي الصحيح عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد، فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد، ثم مال على النساء ومعه بلال، فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن».
وأوضح الدكتور العيسى عن حكمته وفهمه الواقعي ومنهجيته في التيسير على الناس في هذا المقطع الرائع الذي قال فيه: "ولو عممنا قاعدة الاختلاط لمنعنا من اجتماع الرجال والنساء في الأسواق والأماكن العامة، فلا ترى المرأة وحولها رجل، لدخول ذلك في معنى الاختلاط المحدث !! وكلام فقهاء الإسلام في هذا واضح ومبسوط في مدوناتهم، لا نطيل بذكره، ويهمنا أن نشير إلى أن تحريم الحلال كتحليل الحرام. والعجب من أناس احتاطوا تحت ذريعة سد الذرائع في أمور لم يجر الاحتياط لها في شعائر الإسلام، فناقضوا مشروعهم ونعوا على أنفسهم".
وفي واحد من أجمل المقاطع التي ذكرها الوزير في حديثه، كاشفاً عن فكره المستنير والواسع للعلاقة بين الدين والدنيا، ورؤيته العقلانية في استيعاب المتغيرات قال: "وكلنا نستذكر أن الدولة في عهد التأسيس احتوت نماذج سجلها التاريخ، وما كان لها أن تتجاوزها لولا ما تتمتع به من أصالة في فكرها الإسلامي الواعي، في فصول متتالية، من أبرزها التحفظ على تعليم المرأة، وتحريم وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، ذاكرتنا لا تنسى المواقف المتسرعة من تقنية الاتصال البرقي، وأثير الإعلام وغيرها، كثير، وما ظلم الإسلام مثلما ظلم بالافتراء عليه، وتعظم الفرية عندما تستعار له بعض المفاهيم الوافدة والتصورات القاصرة، على أنها من دين الله وما هي من دين الله".
.. تعتبر هذه الكلمة للوزير من أجمل ما طُرح في هذه القضية، حيث أتت شاملة ووافية وتضم التأصيل النقلي والفهم العقلي، ورؤى جوهرية ومقاصدية عميقة تثير الإعجاب، وقدرة كبيرة على استيعاب هذه الرابطة العميقة بين مصالح الناس ودينها، الأمر الذي يعود بالفائدة عليهم جميعاً.
بالإضافة إلى سمعة هذا الوزير الشاب الناصعة كرجل نزيه وصادق، ويحمل بداخله هماً إصلاحياً حقيقياً لم يتردد في تطبيقه من أول يوم وصله إلى الوزارة، وبالإضافة إلى مرونته وعصريته، الأمر الذي جعله مواكباً دائماً للتغيرات، ليس فقط عبر إطلاعه على الكتب العلمية والفكرية الحديثة بالإضافة إلى معرفته التراثية الواسعة، ولكنه أيضا مواكب على مستوى التقنية بل واستطاع مؤخراً أن يدخلها إلى وزارته، ولديه الآن صفحة خاصة على موقع الفيس بوك.
إضافة إلى كل هذه المزايا والإنجازات التي حققها، هو الآن يسجل هذا الاسم الفقهي اللامع في الوقت الملائم، الذي ظن فيه البعض أن دماء الدين والحكمة والعقل قد جفت تماماً في شرايين المؤسسة الدينية.
ويأمل الكثيرون أن حضور الدكتور العيسى بمثل هذه القوة والعمق سيعني دعماً للصوت المعتدل، وستكون لحظة تاريخية عندما يصبح هو صوت المؤسسة الدينية التي أصبحت تقوم بخنق نفسها بيديها.


http://www.alssiyasi.com:1899/?browser=view&EgyxpID=45231&lang_id=0

المراد
25-10-09, 09:01 PM
مشكور على الطرح