المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نداء من الفقراء


أبوالزبير
23-02-05, 11:29 PM
الحمد لله وسع الخلق فضلاً وغمرهم بالإحسان ،يرزق من يشاء من غير جهد ولا كد ولا ركان وجعل رزق آخرين بأسباب سحائب جوده وتسح بالخير كل أوان ،ووديان خيره لا تنقطع عن الجريان ،لا يمل سؤال السائلين ،ولا يندم من كثرة الطالبين ،ويغضب إن لم يسأله المحتاجين ،فهو جواد يحب الجود ،كريم يحب الكرم
فسبحانَ من كلُ الورى سبحوا له إذا سبحوا وكبروه وهللوا
قريبٌ مجيبٌ يستجيب لمن دعا جوادٌ إذا أعطى العطاء لا يبخلُ
يسحُّ من الإحسان سحاً على الورى وهوبٌ جواد محسنٌ متفضلُ
وأشهد أن الله لا رب غيرُه كريمٌ رحيمٌ يرتجى و يؤملُ
وأشهد أن محمداً عبده خير الناس ،وأزهدهم في طعام ولباس ،كان لا يرد سائلاً ولا يحرم نائلاً ،ولا يغفل عائلاً صلى الله عليه وسلم ما تفاطرت رحمات الإله ، وبقدر من عمت أوليائه وعلى أصحابه ،السابقين بالصدق والإحسان الأغنياء النفس ، القوي بالإيمان ،وعلى فقراء المهاجرين الصابرين على الفقر بغير تضجر ولا عصيان ومن استن بهديه وسائر على نهجهم ..
معاشر الفقراء .. اعلموا رحمكم الله أن الفقر أنواع :-
أوله :- الفقر المطلق لا يخرج عنه بر ولا فاجر ،ويشمل كل مسلم وكافر فكل مخلوق فقير إلى ربه وخالقه ،والله وحده هو الذي لا يحتاج لأحد ولا يفتقر لمخلوق كما قال جل شأنه: ( أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) .. فالإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائها فقراء إلى الله في إيجادهم ،وإعدادهم ،وإمدادهم ،وحفظهم وإسعادهم ،فقراء إليه بكل معنى ، وبكل اعتبار وهذا فقرٌ يشترك فيه جميع الخلق .
ثانيه :- فقر العبادة ،بمعنى الافتقار إليه في كل حال ،واختياره لهذا الفقر ،وهذا المعنى هو ما أراده موسى عليه السلام حين قال: ( رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ) وهو من منازل إياك نعبد وإياك نستعين ،بل أنه هو تحقيق العبودية ،وهذا الفقر هو قمة الغنى كما جاء في الأثر : اللهم اجعلني أفقر خلقك إليك ،وأغناهم بك ،ومنه قوله تعالى: ( و وجدك عائلاً فأغنى ) .
ولذا كان شيخ الإسلام كثيراً ما يردد هذه الأبيات :-
أنا الفقيرُ إلى رب السمواتِ أنا المسكين في جميع حالاتي
أنا المظلومُ لنفسي وهي ظالمتي والخيرُ إن جاءنا من عنده يأتي
لا استطيع لنفسي جلب منفعةٍ ولا عن نفسي دفع المضراتِ
وليس لي دونه مولى يدبرُني ولا شفيع إلى رب البرياتِ
إلا بإذنٍ من الرحمن خالقنا رب السماء كما قد جاء في الآياتِ
ولستُ أملك شيئاً دونه أبداً ولا شريكٌ أنا في بعض ذراتي
والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبداً كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي
وهذه الحال حال الخلقُ أجمعهم وكلهم عنده عبدٌ له آتي
ثالثه :- الفقر بمعنى : انعدام المال أو قلته وهذا درجات ويأتي هنا بمعنى المسكين ، والفرق بين الفقير والمسكين إنما أذا ذكر أحدهما فمعناها واحد ،ولذا أذكر في سياق واحد فالفقير أشد حاجةً من المسكين .
رابعه :- فقر القلب وفقد النفس للرضا والجشع وانعدام القناعة ، قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر: ( إنما الغنى غنى القلب ،والفقر فقر القلب ) .
وفقر القلب : خلوّه من الشعور بالحاجة إلى ربه ومولاه ،وهذا إنما يكون أكثر عند الأغنياء والأقوياء ( يحسب أن ماله أخلده ) ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) .. أبعث هذه الرسالة إلى رجال أمتي ونساء أمتي ،أرسلها للذين يرجون رحمة ربهم ،ويحملون في قلوبهم الرحمة في شهر الرحمة ،وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ،أخاطب فيها أنفساً مؤمنة ،ومشاعر رقيقة ، وقلوب شفيقة تزكت بالصيام ،وأشرقت بالقيام ،وطهرت بالذكر ،وقراءة القرآن .. أخاطبها قبل أن تطمس المادية نورها ،قبل أن تفسد الأنانية صلاحها .. أهزها بهذه الرسالة قبل أن تقسوا القلوب ،فتكون كقلوب الكافرين الذين قال الله عنهم: ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ،قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعمُ من لو يشاءُ الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ) .
أنادي في أولئك الذين ينظرون إلى الفقير والمسكين بازدراء ،ويمنعون الماعون وأهمس لذلك الذي ( يدع اليتيم ،ولا يحض على طعام المسكين ،فليس له اليوم هاهنا حميم ،ولا طعام إلا من غسلين ) .
أخاطبهم وهم في رغد العيش يتنعمون ،قبل أن تجتاح ثرواتكم جوائح البخل ، فيصبح أحدهم بعد غنىً فقيراً ،وبعد عزٍ ذليلاً ،قبل أن تصبحوا – لا قدر الله- سائلين بعد أن كانوا يُسألون ،فإنّ الأيام دول ،والنعم لا تدوم .
أبعث بهذه الرسالة إلى الميسورين ،إلى الخيرين ،إلى الأغنياء أهل فضول الأموال ، إلى من وسعّ الله عليهم الرزق .
أقدمها نيابة عن الفقراء المعوزين ،وعلى لسان المساكين المحتاجين ،وباسم الأيتام والأرامل ،والضعفاء والعاجزين ،أكتبها عن أولئك الذين لا يسألون الناس إلحافاً، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف .
أنقلها عن أناس :-
مزقتهم نيوب الجوع حتى يكاد الشيخُ يعثر بالعيال
يشدون البطون على خواءٍ ويقتسمون أرغف الخيال
يناموا في الشتاءِ بلا غطاء ويمشون في العراء بلا نعال
وليت جراحهم بالجسد لكن جراح النفس أقتل للرجال
يمدون الحبال فليت شعري أنقطع أم سنوصلها بالحبال
أبعث هذه الرسالة قي زمنٍ تمزقت فيه الأمصار ،وتقطعت فيه أسباب المودة ، وقل التعاون.. أبعثها تبرئة للذمة ،ورحمة بتلك الفئة ،لئلا نكون من الذين قال الله فيهم: ( كلا بل لا تكرمون اليتيم ،ولا تحاضون على طعام المسكين ) .
أمالك في رسول الله أسوة حسنة فقد } كان رسول الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده ،وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى وكان لا يسأله أحدٌ شيئاً عنده إلا أعطاه ،قليلاً كان أو كثيراً ،وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبَّ شيءٍ إليه ،وكان أجود الناس بالخير ،يمينه كالريح المرسلة ،وكان أجود ما يكون في رمضان وكان صلى الله عليه وسلم إذا تعرضّ له محتاج آثره على نفسه ،تارةً بطعامه ،وتارةً بلباسه ،وكان يأمر بالصدقة، ويحث على الإحسان ،ويدعوا إلى الإنفاق .. ولقد تأثر به أصحابه وأتباعه وأهله أيما تأثر حتى كانت الصدقة أحب شيءٍ إليهم والمواساة أمراً ملازم لحياتهم ،ومجالسة المساكين عادة لكلِ واحدٍ منهم .. أفلا يكون لك قدوة ألا تقتدي بأبي بكر رضي الله عنه الذي كان يخرج بنفسه – وهو الخليفة- إلى أطراف المدينة ويعمد إلى امرأةٍ عجوز كسيرة فقيرة ،أرملة معيلة ،فكنس بيتها ، ويحلب شاتها ،ويصنع طعامها ثم يرجع لدار الخلافة ولا يدري به أحد ،حتى تتبعه عمر رضي الله عنه وعرف ما يفعل ليقتدي به ،فليكن لك بعمر قدوة حين كان يتعاهد الأرامل بنفسه ويحمل الطحين لهن على ظهره ،ويستسقي لهن الماء بالليل لوحده ،وينطلق للجهات النائية ،ويتفقد الأيتام والضعفاء ويقضِ حوائجهم ، فتعسس ليلة فوجد امرأة توقد النار على قدر ،فسألها ما الذي في القدر ،فأخبرته أنه حجارة تلهي بها الصغار حتى يناموا فليس عندها ما تطهو لهم ،فرجع إلى بيت المال وجاء بدقيق ،فوضعه في القدر وأوقد النار بنفسه ،ولم ينصرف حتى نضج الطعام وأكل الصغار ،وهي لا تدري أنه أمير المؤمنين بل ربما قالت له: لأنت أحقُ بالخلافة من عمر
فمن يباري أبا حفصٍ وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها
ومن رآه أمام القدر منبطحاً والنارُ تأخذُ منه وهو يُذكيها
وقد تخللَ في أثناءِ لحيتِه منها الدخانُ وفوه قد غاب في فيها
يستقبل النارَ خوف النارِ في غده والعينُ من خشية الله سالت مآقيها
رأى هناك أمير المؤمنين على حال تروع – لعمر الله - رائيها
فيا صاحب المال الحلال – بارك الله لك فيما أعطاك – هل اشتريت نفسك بمالك هل أعتقت نفسك من النار بعطائك ونوالك ؟ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) .. وكن متبعٌ بإحسان للميت الكريم عثمان فلا زال ينفق وينفق و ينفق حتى ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة وقال عنه: ( ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم ) { .
وتأمل في هذا المشهد الرائع من حياة أولئك الأخيار الذين عاشوا حياة البذل مع المصطفى المختار ووصفهم الله بأنهم: ( يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .. فقد أخرج أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أُهديّ إليه رأس شاةٍ فقال لأهله: إنّ أخي – أو جاري فلان- أحوج إلى هذا منا فلنبعث به إليه ،فكلما وصل إلى أهل بيت رأوا أن غيرهم أحوج منهم ، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى واحدٍ حتى تداوله سبعة بيوت حتى رجعت إلى الأول ،وقارن بينه وبين حال الناس اليوم مع جيرانهم وتواصلهم، وتفقد بعضهم حال بعض ، و من يبات شبعان وجاره طاوي ،بل وحال كثير من الميسورين الذين هجروا أقاربهم وأرحامهم ولم يبلّوا الرحم ببلاله، ولم يصلها ويتعرف عليها بماله وسؤاله .
يا معاشر الأغنياء : إخوانكم الفقراء يتسآلون أليس فيكم رجلٍ كعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم " زين العابدين " الذي كان يحمل الطعام كل ليلة على ظهره ،ويتتبع به منازل المساكين في ظلمة الليل ،ويضعه عند أبواب بيوتهم وينصرف حتى أن أناساً من فقراء المدينة يعيشون على صدقته وعطاءه ، وهم لا يدرون من يأتيهم به ،فلما مات زين العابدين فقدوا ذاك الذي كان يصلهم كل ليلة من طعام فعرفوا أن هذا الميت هو الذي كان يدسه لهم ، ولما غسلوه -رحمه الله – وجدوا على كتفه أثراً وندوباً حمراء مما كان ينقل من الجُرَب في الليل إلى منازل الأرامل والأيتام ،وأحصوا تلك البيوتات فإذا هو كان يعول مائة بيت بصدقات السر .
أما الفقراء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقسمهم على الموسرين من الصحابة مع قلة ذات اليد ويقول من كان عنده طعام اثنين فليذهب معه بثالثٍ، أو طعام أربعة فلذهب بخامس – إنها المواساة في أنصع معانيها – وكان صلى الله عليه وسلم ينطلق أحياناً بعشرة ،وأبو بكر بثلاث ،وكان الرجل يذهب بالرجل والرجلين ،وكان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشيهم . قال أبو هريرة : وكنا ندعو جعفر بن أبي طالب: أبا المساكين فكنا إذا أتيناه قرّبنا إليه ما حضر ،فأتيناه يوماً فلم يجد عنده شيئاً فأخرج جرةً من عسل فكسرها فجعلنا نلعق منها ،وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه " بأبي المساكين " .
يا نساء المؤمنين المنعمات ،يا من يرفلن في النعم ،ويتقلبن في رغد العيش ، أخواتكن الفقيرات ،والأرامل وغيرهن من المساكين يتساءلن أليس فيكنّ في هذا الزمن أماً لنا ،كأم المساكين: زينب بنت خزيمة رضي الله عنها التي سميت بذلك لكثرة إطعامها للمساكين .
وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: ( خيركن أطولكن يداً ) وفي رواية ( أولكن لحاقاً بي أطولكن يداً ) قالت عائشة رضي الله عنها : فكنا نطاول على الجدار ،ونمدَّ أيدينا لنرى أيتهن أطول يداً ،وكانت زينب بنت خزيمة رضي الله عنها امرأةٌ قصيرة ،ولم تكن بأطولنا ،فكانت أول من ماتت ،ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ،فعرفنا إنما أراد طول اليد بالصدقة فقد كانت رضي الله عنها تعمل بيدها وتتصدق ،وقالت عائشة أيضاً: " لقد ذهبت حميدة متعبدةٌ مفزع اليتامى والأرامل " .
يا من يرتع في نعم الله صباح مساء ،ويتقلب فيما يشتهي جهراً وخفاء .. سل نفسك ما منزلتك في الآخرة ألا تحب أن ترافق المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى ما يكون بينك وبينه في الجنة إلا كما يكون بين الوسطى والسبابة من قرب المنزلة بحث أنه ليس بينهما أصبع أخرى كما قال العلماء بيتيم تكفله قال صلى الله عليه وسلم: ( أنا وكافل اليتيم كهاتين .....) البخاري . قال ابن بطال رحمه الله : " حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به " .
رجال قومي :- من منكم يستطيع أن يترك أمواله وأولاده ووظيفته وعتاده ، ويخرج مجاهداً للأعداء ،لا يلتفت إلى الوراء ،يعرّض نفسه للأخطار ،بائعاً نفسه لله الواحد القهار ،فإن عجزت عن هذا المطلب فهل تستطيع أن تقضي نهارك الدهر صائماً لا تفطر أبداً ،وتُمضي ليلك قائماً راكعاً وساجداً لا تنفتل من صلاة ،ولا ينام لك جفن حتى بزوغ الفجر كل ليلة ،وهذا أصعب وأشق أفلا أدلك على أسهل من ذلك فعلاً وأعظم أجراً ،وأفضل أثراً :- السعي على أرامل ضعيفات وعجائز كسيرات ،أو مساكين منهكين ،أو فقراء منسيين فذلك خير قال صلى الله عليه وسلم: ( الساعي على الأرملة والمسكين ،كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل ،الصائم النهار ) البخاري .
_ أخي يا من أعطاك الله وأغناك ،وتفضل عليك ومن عطاياه آتاك ،هل أعطيت السائلين ؟ هل أشبعت الجائعين ؟ هل وصلت المحتاجين ؟ هل كسوت العراة ؟ وألبست الحفاة ؟ أنّ جزاء ذلك تجده أحوج ما تكون إليه يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم: ( أيما مؤمنٍ أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة ،وأيما مؤمن سقى مؤمن على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمنٍ كسا مؤمناً على عري كساه الله من خضر الجنة ) .
إخواني المترفين المنعمين :- ألا يشعر أحدكم بقسوةٍ في قلبه ؟ أو ضيقٍ في صدره؟ مع ما أنعم الله عليه من متاع الدنيا وزنتها
لقد اشتكى رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه-كما في المسند عن أحمد- فقال عليه الصلاة والسلام: ( إنْ أردت أنْ يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم ) .
قل ابن القيم: " إنْ للصدقة وفعل المعروف تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر ،فإن الكريم المحسن اشرحَ الناس صدراً ،وأطيبهم نفساً ،وأنعمهم قلباً ،والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً ،وأنكرهم عيشاً ،وأعظمهم هماً وغماً " .
أخي المسلم الغني :- ألا تحب أن يستجيب الله دعائك حاجتك وتفرج كرباتك فاسمع كيف يحصل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن تستجاب دعوته وتفرج كربته فلفرج عن معسراً ) رواه أحمد عن ابن عمر
إن كنت تأمل زيادة أرباح أموالك ،والبركة في تجارتك ،فاسمع لهذه القصة التي رواها الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : { بينما رجلٌ يمشي بفلاةٍ من الأرض ،فسمع صوتاً في سحابةٍ إسق حديقة فلان ،فتمنى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة ،فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه ،فتبع الماء،فإذا رجل قائم في حديقته "مزرعته" يحوّل الماء بمسحاته ،فقال له: يا عبد الله ما أسمك ؟ قال: فلان ! للاسم الذي سمع في السحابة ،فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي ؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ،يقول: إسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها ؟ فقال: أما إذ قلت هذا ،فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثاً ،وأرد فيها ثلثه } .
فسبحان من سخر الكون وما فيه للمنفقين والمتصدقين ،وأجرى الأقدار بإسعاد الأخيار .. فهذا يتصدق بثلث ماله ،وعمر بشطر ماله ،وأبو بكر بماله كله ، وعثمان يجهز جيش العسرة ،والله عوف يتصدق بكل تجارته للفقراء والمساكين .
وأنت ماذا قدمت يا صاحب الأموال ؟ لتحفظها بإذن الله من الزوال ؟ وليبارك لك فيها الكبير المتعال ،فإن تنفق ينفق عليك ،وإن توكي يوكي الله عليك والجزاء من جنس العمل .. وأحذر من عاجل العقوبة ،واعتبر بقصة أصحاب الجنة الذين انطلقوا وهم يتخافتون ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ،وغدوا على حردٍ قادرين .. فكاد بهم الله قبل أن يكيدون ،وعاجلهم بالعقوبة قبل أن يصلون، فطاف عليهم طائفٌ من ربك وهم نائمون ،فأصبحت كالصريم .
فما نفعهم الندم ،وما أغنى عنهم التلاوم ،وما ذاك إلا لأنهم يا من أرهقته الذنوب، وقيدته المعاصي ،وآلمته الخطايا ،وكدرت حياته السيئات ،أن من أعظم أسباب مغفرة الذنوب ،وستر العيوب ،وتكفير السيئات ،وحط الخطايا والأوزار الصدقات ،قال صلى الله عليه وسلم: ( الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار ) .. ويا صاحب المال رزقك الله الحلال : اعلم أن المال فتنة ،وهو حبل وثيق يكبل به الشيطان من أراد ،فكم أوقع به العداوة بين الناس ،وكم أوعدهم بالفقر وخوفهم الحاجة وكم علقهم به في الدنيا ،وأشغلهم به عن الآخرة ،وكم استحوذ به على قلوبهم ،وكاد ،أن يعبد عند بعضهم من دون الله ( فتعس عبد الخميصة ،وتعس عبد الخميصة تعس عبد الدينار ،تعس عبد الدرهم ) ولا شيء أبطل لكيد الشيطان ،وأسلم من شره ،وأفك من قيده عدوه والإفتدء منه من الصدقة كما جاء في الحديث – تأمله ( ... وآمركم بالصدقة ،ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ،فأوثقوه يده إلى عنقه ،وقربوه ليضربوا عنقه ،فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم ؟ وجعل يعطي القليل والكثير ،حتى فدى نفسه ) الترمذي .
+ يا من أعطاك الله وأغناك ،ورزقك وأولاك لا تنسى فضل الله عليك الذي وجدك عائلاً فأغنى ، وخلقك
واحذر من بطر النعمة ،وإنكار الفضل ،وجحد المنعم ،فإنك لا تأمل أن يسلبه منك ،ويجعلها في غيرك ،وتكون سائلاً بعد ما كنت مسئول وتذكر قصة النفر الثلاثة الذين من بني إسرائيل أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم ، الأبرص والأعمى والأقرع فابتلاهم الله وأعطى كل واحد ما يتمنى من المال وأذهب ما فيه من عاهةٍ ومرض ،ثم بعد زمن أرسل الله لهم ملك على هيئة رجل فجاء للأبرص: وقال رجل مسكين تقطعت بي الحبالُ في سفري ،فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ عليه في سفري ،فقال له: إن الحقوق كثيرة ،فقال له: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ،فقيراً فأعطاك الله ؟ قال: ورثتُ لكابرٍ عن كابر ،قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت ،وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا ،فقال: إن كنت كاذباً ،فصيرك الله إلى ما كنت ،وأتى الأعمى في صورته ،فقال: رجل مسكين ،وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري ،فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ،أسالك بالذي رد بصرك شاةً أتبلغُ بها في سَفري فقال له: كنت أعمى فردّ الله بصري ،وفقيراً فأغناني ،فخذ ما شئت ،فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ،فقال: أمسك مالك ، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك ،وسخِط على صاحبيك ) رواه البخاري فسلب الله منهما ما أعطاهما من نعم .
وذاك الشقي الأبعد قارون أنعم الله بالمال حتى أن مفاتحه لتنو بالعصبة أولى القوة فأنكر نعمة الله عليه وجحد فضله وقال: إنما أُتيت على علم عندي ،فعجّل الله بعقابه ليكون عبره لمن اغتروا بزينته ،فخسفنا به وبداره الأرض .
فيا من فتح الله عليه الدنيا .. تذكر أن الدنيا فانية ،وأن لها نهاية ،فكيف يا ترى تكون نهايتك ،وعلى أي شيء تكون خاتمتك ،فإن أردت أن يحسن الله الخاتمة فأكثر من صنائع المعروف من صدقة وبذل ،وسعي وتيسير ،وتفريج وإنظار ،فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء ) حديث حسن .
معشر الأخيار : لقد صحت الآثار عن المصطفى المختار ،وتواتر القصص والأخبار منذ القدم وفي هذه الأعصار ،في مختل الأمصار أن التصدق على المحتاجين شفاء ،وأنها للمرض دواء ،فأكلبوا الشفاء لما بكم من أمراض بتفقد الفقراء ،والإحسان إلى المساكين ،وداووا مرضاكم بالصدقة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
وسأل رجل عبد الله بن المبارك فقال: قرحةٌ خرجت من ركبتي منذ سبع سنين وقد عالجت بأنواع العلاج ،وسألت الأطباء فلم أننتفع به ؟ قال: اذهب فانظر موضعاً يحتاج الناس للماء فاحفر هناك بئراً فإنني أرجوا أن ينبع هناك عين ، ويمسك عنك الدم ،ففعل الرجل فبرئ بإذن الله .
ونشرت المجلة العربية مقال يحوي خبر امرأة زوجها في العناية المركزة تزوره في اليوم مرتين ،في المرة الأولى تحضر له ملابس جديدة ونظيفة وتلبسه إياها ثم تذهب إلى بعض الأحياء الفقيرة وتتصدق على المحتاجين والأرامل ثم تعود في الزيارة الثانية وكلها أمل في الله ،ويقين أن الله سيشفيه ببركة تلك الصدقات ، وفجأة في أحد الأيام وبعد أن ألبسته ملابسه وذهبت وخلت عنده الممرضة وإذا هو جالس على الكرسي في أتم صحة وعافية ،وحينها حضرت للزيارة لم تتفاجأ بشفاه فتعجب منها الأطباء فأخبرتهم بخبرها وقالت: إن عندي يقين أن الله سيشفيه إذا تقبل تلك الصدقات فالحمد لله تعالى .
أما في الآخرة : فيا من تؤمن بالله واليوم الآخر ما حالك في ذلك اليوم ؟ ما موقعك يوم الشدائد والأهوال ،حين تشيب ذوائب الأطفال ،وتضع ذوات الحمل الأحمال ؟ ما لك يم تقف حافياً عارياً ذاهلاً ،تحت شمس محرقة ،قد دنت من الرؤوس قيد ميل وأسالت العرق حتى يغلي فيه المجرمون ،من أين لك بظلٍ يحميك ؟ أو فيءٍ يخفف عنك ، وعن الشمس يواريك ؟ ما لك في ذلك اليوم من ظل إلا تحت صدقتك فعلى قدرها يكون مقدار ظلك كما قال صلى الله عليه وسلم: ( كل أمريءٍ في ظل صدقته يوم القيامة بين الناس ) .
أخي الكريم :- إنّ الأمر شديد ،والناقد بصير ،والعقبة كؤود لا يجتازها إلا أهل المرحمة ،والإطعام في أيام الجوع والمسغبة كما قال تعالى: ( فلا اقتحم العقبة ،وما أدراك ما العقبة ،فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) .
ومن لك في تلك الأهوال ؟ ومن ينجيك من تياك الكرب ؟
اليوم تخليص نفسك غداً قال صلى الله عليه وسلم: ( من نفسّ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا ،نفسّ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة- فأكثر من تفريج الكربات لتنفس يوم القيامة كل كرباتك – ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ،ومن ستر مسلماً ستره الله ) .
معاشر أهل الخير من المسلمين :- إخوانكم الفقراء من أبناء دينكم يقولون
لماذا كل طائفةٍ أغاثت بنيها غيركم يا أهل الهلال
ونحن المسلمين ننام حتى يضيق الدهرُ بالنوم الخبال

هبوهم بعض سائمة البراري هبوهم بعض سابلة الفمالِ
أنسيتم فاتقوا يوماً ثقيلاً به النيرانُ تقذفُ كالجبالِ
ويتسآلون هل الدين مجرد انتساب بغير احتساب ؟ هل الدين ركوع وسجود وأذكار ؟ هل الدين شعارات وكلام ؟
أم أن الدين ولاء ومحبة ،وتراحم وتكاتف ،وتعاون وتآلف ،أين الأخوة في الله أين مولاة المؤمنين ؟ أين روابط التقوى ؟ ونحن في بلد الخير والسخاء ،وفي ديار البذل والعطاء ،وأمكنه الإغاثة والاستسقاء ..
أين من يعطي بلا ملل ؟ أين من ينفق بلا كلل أما سمعت { أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً } أين الخيرية التي أخبر بها خير البرية صلى الله عليه وسلم بقوله: ( خير الناس أنفعهم للناس ) .. فالخضر عليه السلام خرق سفينة المساكين لتنجوا من غضب الظالمين ،ورفع جدار الأيتام في أرض البخل التي أبت أن تطعمهم وقال: ( أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ لهما ) فما بالنا لا نجبر كسر إخواننا ،ونشد أزرهم /ونشاركهم مآسيهم وغصصهم وهو يعيشون بين أظهرنا ،ويستغيثون بنا وينشدون دعمنا وينتظرون عوننا ..
أم بلد عندنا الإحساس ؟ لثرة المساس ؟ وذلة الإرتكاس ..
فاسمع لهذين الموقفين في عصرين سالفين مختلفين ،في بلدين متغايرين وتأمل صدق الولاء للمؤمنين ،وتحرك المشاعر مع أحوال المستضعفين وتفاعل العواطف ، وتحولها إلى أعمال إيجابية ،ومواقف إيمانية .
الموقف الأول : في دمشق زمن العز بن عبد السلام أصاب الناس غلاءٌ فاحشٌ وحاجةٌ شديدةٌ حتى رخصت أثمان البساتين فصارت تباع بالثمن القليل فأعطته زوجته مصاغاً من ذهب لها ،وقالت: أشتر لنا بستاناً نصيّف فيه فذهب ليشتري البستان فرأى ما يعيشه الناس من جوعٍ وفاقةٍ ،فباع المصاغ واشترى به طعاماً وتصدق به على المحتاجين ثم رجع ،فقالت له زوجته : يا سيدي أاشتريت لنا ؟ قال: نعم بستاناً في الجنة ،إنما وجدت الناس في شدةٍ وحاجة فتصدقت بثمنه ، قالت: فجزاك الله خيراً .
وهذا محمد بن عبدوس المالكي من أهل المغرب ،بينما كان نائماً في إحدى الليالي قام فزعاً فخرج لأحد أصحابه ودقّ عليه الباب في ليلة شاتيةٍ شديدة البرودة وقال: ما نمت الليلة غماً لفقراء أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين لا يستطيعون النوم من شدة البرد ،ثم قال: هذه مائة دينار غلَّة ضيعتي هذا العام أي محصول بستاني لا يمسي عليك الليل وبقي منه شيء اجعله في المحتاجين .. وقد صدق أبو الدرداء في وصف حال كثير من الميسورين من المسلمين بقوله : ما أنصف إخواننا الأغنياء يحبوننا في الله ،ويفارقوننا في الدنيا إذا لقيته قال : أحبك يا أبا الدرداء ، فإذا احتجته امتنع .
إنّ المحرومين من سعة الرزق ،الضائقون ذرعاً بالديون ،المتعففون عن السؤال : لينادون إخوانهم الميسورين أليس في قلوبكم رحمة ورأفة ؟ أما في أنفسكم شفقة وحنان ؟ أين المشاعر الفياضة ؟ أين الأحاسيس الدفاقة ؟ هل تدرون أنّ في المسلمين بل وفي جيرانكم وأبناء بلدتكم من هو أمس الحاجة لما لا تحتاجون إليه فيهم فقير متعفف ،ومديون يتأسف ،وأرملةٌ تتكفف ،ويتيمٌ يتأفف ،فلم لا يكون في المجتمع غنياً بهم يرأف ،ومواسياً على حالهم يتعرف ..
أخي الموسر الكريم :- بارك الله لك في مالك ،نريد ثمن لعبةً من لعب أطفالك نشتري بها لأطفالنا ثوباً وحذاء ،وشيئاً من ثمن زينة نساؤكم لنشتري به مل نستر به عوراتنا ،وقطع من أثاثكم الذي تغيرونه كل عام لنجلس عليه ،ونلتحف به ، فنحن منذ سنين نفترش البلاط ونلتحف سقفاً هشاً نطلب قليلاً من أجار عقاراتكم ،وزكاة أموالكم نسدد بها قيمة الإيجارات التي تراكمت علينا لعجزنا عن سدادها ، والله يقول: ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) .
هذه جزء من مآسينا يا معاشر الأغنياء – فاذكرونا إذا اجتمع على ألوان الأطعمة اللذيذة ،وافترشتم الأسرة الوثيرة ،وركبتم السيارات الفارهة اذكرونا إذا ضحكتم مع أبنائكم ،وسهرتم مع أصحابكم ،وجلستم على ألعابكم ،فإن لم تذكرونا فتذروا أنّ الأيام دول ،والهر قُلّب ،تذكروا أن دوام الحال من المحال ،فلا غنى يدوم و لا فقر
دنياك التي تزهو ولا تدري بما فيها إياكَ إياك لا تأمن عواديها
تحلو الدنيا لأجيالٍ فتنعشهم ويدرك الموتُ أجيالاً فيشقيها
عاريةُ المال تُرد لصاحبها أكنف البيت قد عادت لبانيها
لا دارَ للموت بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعُها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
فاعمل لدارٍ غداً رضوانُ خازنها الجارُ أحمد و الرحمنُ بانيها
قصورها ذهب ،والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أيها الأغنياء
إنه لمن القسوة والشقاء أن يقبض الغني بخلاً ،ولا يصنع المعروفَ في أهله ،ويمنع المحتاجين ،ويعرض عن المساكين ،ويتردد مراراً قبل أن يخرج ريالاً بينما هو يبادر إلى صرف الأموال على الكماليات ،ويباشر على أصدقائه الأغنياء في المناسبات .
أيها الأغنياء :- إنّ ما ينفقه أحدكم في ليلة سمر ،أو رحلة أنس ليكفي البائس الفقير ،زمناً طويلاً ،ويكف يده عن التسول ..
معاشر الأغنياء :- أمِنْ المرؤة أن يرفل الغني في ملابس النعمة وثياب الرفاهية ، وحوله من المسلمين ،بل من أقاربه وجيرانه من يقرصه برد الشتاء ويحرقه حر الصيف ،بلا دفاية ولا تكييف ،من العار والخزي أن ترمى الأطعمة في براميل الزبالة وبين أظهرنا من يعتصره الجوع وتدق عظامه الحاجة لا يجد ما يأكله ولو خبزه أو ضلع دجاجة ..
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة : يمنع نفسه مما تشتهي ويقول مخاطباً لها: قرقري أو لا تقرقري لن تشبعي حتى يشبع أطفال المدينة ..
اتقوا الله في البؤساء الذين أصابتهم الضراء ،والفقراء الذين أعوزهم الغذاء والكساء فقد كاد الفقرُ أن يكون كفراً ،وقد استعاذ من الفقرَ النبي صلى الله عليه وسلم ،وما ذاك إلا لما يترتب عليه من بلاء وشد شتات الأسر ،وضياع الأبناء ، وانشغال الآباء ،وذل المسألة ،والانحراف عن الأخلاق السوية ،فكم من فقراء لا مورد لهم ،ولا معيل يعينهم ،يجرهم شياطين الإنس والجن إلى طرق ملتوية للحصول المال الذي يسددن به عوزهم كالسرقة وترويج المخدرات ،بل وكم من أيتام لا آباء يصرفون عليهم ،ولا من يكفلهم ويضمهم إليه تشردوا في الشوارع ،وتلصصوا على المنازل فاستغل المجرمون حاجتهم ،وعرضوا عليهم الأعطية والهدية ،لتحقيق رغباتهم البهيمية ،فتمتعوا في البداية ،ثم سقطوا في مستنقع الرذيلة أمام ضغط الحاجة فتحولوا إلى مجرمين والمجتمع الذي أهملهم ، وأحجم عن سدِّ فاقتهم يتملُ وزرَ انحرافِهم ،وإثم انجرافهم بل وكم من عفيفة شريفة ،لا عائل لها ولا ساعي على حاجتها ،وتقطع قلبها على أيتامها الصغار ، أو والديها الكبار ،وطرقت أبواب المحسنين ،وبحث عن عمل شريف ،تسدّ به فقرها وعوزها ،فتسلط عليها الأشرار ،وصاروا يساومونها على عفتها وهي تقاوم ذلك الإغراء ،وتمتنع عن الانحناء ،حتى ألمت بها السنين ،وأسقطتها الحاجة الماسّة ، فما لبثت أن أسلمت نفسها مكرةٌ وكارهةٌ لخبيث ينهش عرضها من أجل دريهمات تحافظ بها على أخر رمق من عمرها ،وتطعم فلذات كبدها ،وأرضخها الفقر ،وألجأها إلى الحرام العوز وقلبها يرجف وعينها تدمع ،ولو صبرت لكان خيراً لها – وما كان ذلك ليكون لو سترها المحسنون وعطف عليها الموسرون ، ولكن حين تخلى عنها أصحاب الأيدي البيضاء ،وغفل عن حالها أصحاب القلوب الرحيمة ،ولم يبال بها أصحاب الأموال والثروة ،ولم يهتم بحالها أصحاب الإصلاح والدعوة ،تلطخت بالرذيلة ،واكتست رداء الفعلة الشنيعة .. وما قصة أصحاب الغار منكم ببعيد وفيها ( اللهم كانت لي بنت عم وكانت أحبَ الناس إليَ ،فأرتها عن نفسها فامتنعت مني ،حتى ألمّتْ بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينا على أن تُخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أُحِلُ لك حتى تفض الخاتم إلا بحقه ...... الحديث ) ..
ألا فأدركوا كل هؤلاء – يرحمكم الله- وسارعوا بانتشالهم بتقديم الصدقات لهم والسعي على شئونهم . مما هم فيه ومبادرة من لا زال يقاوم الشر بإيجاد البديل الحلال للقضاء على أسباب الجريمة والوقاية خير العلاج فإن من أكبر أسباب انتشار الجرائم والمخدرات والسرقة والزنا ما تعيشه تلك الفئة من فقر وحاجة ، و عوزٍ وفاقة .. ولكن صدق من قال :
وبين الناس صنفٌ ذو ثراءٍ في الدنيا يحقق ما اشتهاه
فيرتع في النعيم بلا حسابٍ ويعمى عن أخيه فلا يراهُ
وقد سلك الطريق بغير وعي فلا يدري إلى أي اتجاه
وبين ضلوعه ألمٌ دفينٌ تردد في جوانحه صداهُ
يعاني الفقر لا يدري لماذا يغالبه ويمعن في أذاهُ ؟
فسار وفي حناياهُ دموعٍ وفي عينيه نارٌ من لظاهُ
تعامى الناس عنه فلم يواسوا وقد صُموا فما سمعوا نداه ُ
أخ الإسلام إنّ البرَّ شيءٌ يسرك في القيامة لأن تراهُ
أخوك البائس المسكين يبدو بلا مالٍ و يخجله حياهُ
فجدُ بالخيرِ و استبعد العطايا فيومَ الدين يجزيك الإله
يا معاشر الأغنياء والموسرين :-
تأملوا كيف آمر الشارع الحكيم بحسن المعاملة للفقراء ،وفي هذا أوضح دلاله على اهتمام الدين بالفقراء فهلا عرفنا شرعنا وعملنا به :



1/ العدل مع الفقير :
وعدم هضمه حقه ،والحذر من الميل مع الأغنياء ،وتفضيلهم بمجرد غناهم قال عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ،إنْ يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بمها ) .
2/ الأمر بتزويج الفقراء :
بألا يكون فقر المسلم سبب مانعاً له من التزويج إذا رضيتم دينه وأمانته وأخلاقه قال عز وجل : ( وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .
قال ابن مسعود رضي الله عنه: " التمسوا الغنى في النكاح " .
3/ جعل نصيب للفقراء في العبادات المالية :
- في الزكاة :- إنما الصدقات للفقراء والمساكين .
- في الهدي والأضحية :- ( فكلوا منها وأطعموا البائس والفقير ) المساكين وابن السبيل .
- في الفيء والغنيمة :- ( واعلموا أما ما غنمتم من شيء فإن لله خمسهُ وللرسول ولذوي القربى واليتامى ) .
- في الكفارات :- ( فكفارته إطعام عشرة مساكين ) .
- زكاة الفطر :- فهي خاصة للفقراء .
- يعطى من الإرث إذا حضر القسمة ( وإذا حضر القسمة ........ الآية ).
4/ الحث على مساعدة الفقراء والمساكين وإطعامهم والتصدق عليهم .
جعلها من صفات أهل الجنان قواه تعالى: ( وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم ) ،
السائل : هو المظهر فقره فهو يسأل الله .
الفقير : هو المتعفف الذي يظنه الناس غير محتاج .
به نص بعض العلماء على أن الكافر الذي إذا كان فقيراً فلا جزية عليه ، رحمة به وإشفاقاً عليه ،فكيف إن كان مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله .
5/ الحث على حب الفقراء والمساكين ومجالستهم :
قال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات ،وترك المنكرات ، وحب المساكين ) رواه أحمد وروي أيضاً عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ( أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبعِ :أمرني بحُب المساكين والدنوِّ منهم ... ) وذلك لأن حب المساكين يدل على الإخلاص لله والمحبة فيه ،ويزيل الكبر ، ويوجب صلاح القلب والرضا برزق الله ،وعدم ازدراء فضل الله عليه ..
فذلك دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتلك وصيته وأمره ، بل أن كان صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم ،فمرضت امرأة مسكينة فأخبر بمرضها صلى الله عليه وسلم فقال: أذا ماتت فأذنوني ،فأخرج بجنازتها ليلاً وكرهوا أن يوقظوه ،فلما أصبح أُخبر بالذي كان منها ،قال:ألم آمركم أن تؤذِنوني بها ،قالوا:يا رسول الله من كرهنا أن نوقظك ليلاً فخرج صلى الله عليه وسلم حتى صفّ الناس على قبرها ،وكبر أربع تكبيرات ) النسائي .
6/ التحذير رمن طرد المساكين ، ومنه
( ويأتيهم يعني الفقير لحاجةٍ فيقولوا ارجع إلينا غداً .. ) .

معاشر الفقراء :-
هنيئاً لكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه ،فو الله للفقر الذي لا يُذل الإنسان ولا يهينه لهو خير من الغنى الذي يطغي الإنسان ويضله ويعميه ..
قال صلى الله عليه وسلم لفقراء المهاجرين من أهل الصفة فقال لهم: ( كيف أصبحتم فيقولون بخيرٍ يا رسول الله فيقول هل أنتم اليوم خير أو إذا غُدي على أحدكم بجفنةٍ وريح بأخرى ويغدو في حُلةٍ ويروح في أخرى ،وستر أحدكم بيته كما تُستر الكعبة ؟ قالوا:يا رسول الله أنصيب ذلك ونحن على ديننا ؟ قال:نعم ، فقالوا إذ ذاك ، قال: لا ،بل أنتم اليوم خير ،إنكم إذ أصبتموها تحاسدتم ، وتقاطعتم وتباغضتم ) .
النفس تجزع أن تكونَ فقيرةً والفقرُ خيرٌ من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أ.... ...............لا يكفيها

1/ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجُلّ أصحابه كانوا فقراء
وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم عاش على شظف العيش ،وجفاف الفقر دمصض الحاجة ،وقلة ذات اليد ،وجدب النفقة ،وعَوَز المعيشة ،وحرارة الجوع، ومرارة القلة وقد خُيّر بين أن يكون ملِكاً رسولاً ،أو عبداً رسولاً فقال بل عبداً رسولاً أجوع يوماً فأسأل ربي ،وأشبع يوماً فأحمد ربي ..
2/ وقد سأل رسولنا صلى الله عليه وسلم ربه بقوله: ( اللهم أحيني مسكيناً ، وتوفني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ) .
والمراد بالمسكنة هنا ما يرجع معناها إلى التواضع والإخبات أو ترجع إلى حالة الكفاف ،وهي حالة سليمة بين الغنى المُطفي والفقر المؤلم المُنسي ،وصاحبها معدود من الفقراء ،يدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً ) وفي رواية (قوتاً ) والله لا يختار لرسولنا إلا الأفضل والأكمل .
3/ الفقراء أكثر أهل الجنة :
كما روى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اطلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء...) .
4/ أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء كما أنهم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يدخل فقراء المُسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمس مائة عام ) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .
يدل على ذلك ما جاء في الأثر : كما في مسند الإمام أحمد :- إلتقى مؤمنان على باب الجنة ،مؤمن غني ،ومؤمن فقير ،كانا في الدنيا ،فأدخل الفقير الجنة ، وحُبس الغني ما شاء الله أن يُحبس ،ثم أدخل الجنة ،فلقيه الفقير ،فقال: أي أخي ماذا حبسك ؟ والله لقد حُبست حتى خفتُ عليك ،فقال: أي أخي حُبستُ بعدك محبساً فظيعاً كريهاً ،وما وصلت إليك حتى سال مني العرق ما لو وردَه ألف بعيرٍ كلها آكلةٍ حمضٍ لصدّرت عنه رواء ) .
عن أبن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حوضي كما بين عدن وعمّان ، أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك أكوابه مثل نجوم السماء ، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً أول الناس عليه وروداً صعاليك المهاجرين ،قال قائل: ومن هم يا رسول الله قال: الشعثة رؤوسهم ،الشحِبة وجوهُهم ،الدنسة ثيابُهم لا يفتح لهم السُّدد ،لا ينكحون المتنعمات ،الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون الذي لهم ) أخرجه أحمد وهو صحيح لغيره .
ولما سمعه عمر بن عبد العزيز قال: لكني نكحتُ المتنعمات ،وفُتح لي السدد ونكحت فاطمة بنت عبد الملك ..
عن أبي سعيد الخدري قال:قلت : يا رسول الله أي الناس أشدُّ بلاءً قال: الأنبياء، قلت يا رسول الله ثم من ؟ قال: ثم الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحوِّيها وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء ) ابن ماجه .
- ابن ماجه " إن الله يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال " .
أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: ما كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلعت الشمس فقال : يأتي الله قومٌ يوم القيامة ــــ كنوز الشمس ،فقال أبو بكر: أنحن هم يا رسول الله ؟ قال: لا ولكم خير كثير ،ولكنهم الفقراء ، والمهاجرين الذين يحشرون من أقطار الأرض ...)
همّ الفقراء وشكواهم :
1/ ص 310 ، ص 97 الصفة .
أيها الأخ الحبيب وأنتي أختي يا من ابتلاكم الله بالفقر ،وقد علمتم فضل الفقير الصابر ،وما أُعدّ الله له من منزله ،ولا يحسبن أحدكم أن الفقر دائم لا يحول ولا يزول فالله مغير الأحوال يرزق من يشاء بغير حساب ،وبين طرفة عين والتفاتتها- يغير الله من حالٍ إلى حال فاسمعوا إلى أبي هريرة أعلام الفقراء والمساكين ،ومن صبر على الفقر الشديد حيى أفضى به إلى الظل المديد يقول عن نفسه " والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد على كبدي الجوع ،وإن كنت لأشد الجوع على بطني من الجوع ،ولقد رأيتني أصرع في المسجد فيقول الناس إنه مجنون ،وما بي جنون ،وما بي إلا الجوع " ..
وكان أجيراً عن امرأة يقول لها ابنه غزوان ،فصار بعد صبرٍ طويل أميراً على المدينة وتزوج ابنة غزوان لمروان وكان يقول متحدثاً بنعمة الله " الحمد لله الذي جعل الدين قِواماً ،وجعل أبا هريرة إماماً ،الحمد لله الذي أطعمني الخمير ، وألبسني الحرير ، الحمد لله الذي زوجني ابنة غزوان بعد أن كنتُ أجيراً لها بطعام بطني فأرحلتني ،فأرحلتها كما أرحلتني ،وأبذل الأسباب التي تزيل عنك همّ الفقر، وغم الحاجة فقد جعل الله لكل شيءٍ سبباً فمن ذلك :-
1/ تقوى الله كما قال عز وجل: ( ومن يتق اله يجعل له مخرجاً ويرزقه ..) .
2/ التعلق بالآخرة قال صلى الله عليه وسلم: ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع الله شمله ،وأتته الدنيا وهي راغمة ،ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ،وفرّق عليه شمله ،ولم يأته من الدنيا إلا قدّر له ) رواه الترمذي عن أنس .
3/ العبادة بأنواعها ومنها :-
المتابعة بين الحج والعمرة قال صلى الله عليه وسلم ...
الذكر قال مكحول رحمه الله ......
4/ السعي في طلب الرزق بالطرق المشروعة ،وعدم انتظار أعطيات الناس أو سؤالهم ....
فأعزوا أنفسكم بالتعفف فمن يستعفف يعفه الله ،واستعففوا بالله عن خلقه فمن يستعفف يغنه الله وارتفعوا عن ذل المسألة فإنها عار وفضيحة في الدنيا والآخرة واسلكوا ...
أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ،فقال: أما في بيتك شيء ؟ حِلسٌ نلبس بعضه ،ونبسطُ بعضه ،وقعْبٌ نشرب فيه من الماء ،قال:ائتني بهما ،قال: فأتاه بهما ،فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري هذين ؟ قال رجلٌ : أنا أخذهما بدرهم ،قال صلى الله عليه وسلم : من يزيد على درهم مرةً أو مرتين ،قال رجل: أنا أخذهما بدرهمين ،فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً – فأساً – فأتني به ،فأتاه به ،فشدّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عُوداً بيده ،ثم قال له :اذهب فاحتطب وبع ،ولا أرينك خمسة عشر يوماً ،فذهب الرجل يحتطب ويبيع ،فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة .....) .
انتهى ،،


من دروس فضيلة الشيخ حميدان الجهني إمام وخطيب جامع عبدالعزيز بن باز والمدرس باالمعهد العلمي والمشرف العام على المنتدى المفتوح للشباب بمدينة تبوك .

أبوالزبير
23-02-05, 11:29 PM
الحمد لله وسع الخلق فضلاً وغمرهم بالإحسان ،يرزق من يشاء من غير جهد ولا كد ولا ركان وجعل رزق آخرين بأسباب سحائب جوده وتسح بالخير كل أوان ،ووديان خيره لا تنقطع عن الجريان ،لا يمل سؤال السائلين ،ولا يندم من كثرة الطالبين ،ويغضب إن لم يسأله المحتاجين ،فهو جواد يحب الجود ،كريم يحب الكرم
فسبحانَ من كلُ الورى سبحوا له إذا سبحوا وكبروه وهللوا
قريبٌ مجيبٌ يستجيب لمن دعا جوادٌ إذا أعطى العطاء لا يبخلُ
يسحُّ من الإحسان سحاً على الورى وهوبٌ جواد محسنٌ متفضلُ
وأشهد أن الله لا رب غيرُه كريمٌ رحيمٌ يرتجى و يؤملُ
وأشهد أن محمداً عبده خير الناس ،وأزهدهم في طعام ولباس ،كان لا يرد سائلاً ولا يحرم نائلاً ،ولا يغفل عائلاً صلى الله عليه وسلم ما تفاطرت رحمات الإله ، وبقدر من عمت أوليائه وعلى أصحابه ،السابقين بالصدق والإحسان الأغنياء النفس ، القوي بالإيمان ،وعلى فقراء المهاجرين الصابرين على الفقر بغير تضجر ولا عصيان ومن استن بهديه وسائر على نهجهم ..
معاشر الفقراء .. اعلموا رحمكم الله أن الفقر أنواع :-
أوله :- الفقر المطلق لا يخرج عنه بر ولا فاجر ،ويشمل كل مسلم وكافر فكل مخلوق فقير إلى ربه وخالقه ،والله وحده هو الذي لا يحتاج لأحد ولا يفتقر لمخلوق كما قال جل شأنه: ( أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) .. فالإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائها فقراء إلى الله في إيجادهم ،وإعدادهم ،وإمدادهم ،وحفظهم وإسعادهم ،فقراء إليه بكل معنى ، وبكل اعتبار وهذا فقرٌ يشترك فيه جميع الخلق .
ثانيه :- فقر العبادة ،بمعنى الافتقار إليه في كل حال ،واختياره لهذا الفقر ،وهذا المعنى هو ما أراده موسى عليه السلام حين قال: ( رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ) وهو من منازل إياك نعبد وإياك نستعين ،بل أنه هو تحقيق العبودية ،وهذا الفقر هو قمة الغنى كما جاء في الأثر : اللهم اجعلني أفقر خلقك إليك ،وأغناهم بك ،ومنه قوله تعالى: ( و وجدك عائلاً فأغنى ) .
ولذا كان شيخ الإسلام كثيراً ما يردد هذه الأبيات :-
أنا الفقيرُ إلى رب السمواتِ أنا المسكين في جميع حالاتي
أنا المظلومُ لنفسي وهي ظالمتي والخيرُ إن جاءنا من عنده يأتي
لا استطيع لنفسي جلب منفعةٍ ولا عن نفسي دفع المضراتِ
وليس لي دونه مولى يدبرُني ولا شفيع إلى رب البرياتِ
إلا بإذنٍ من الرحمن خالقنا رب السماء كما قد جاء في الآياتِ
ولستُ أملك شيئاً دونه أبداً ولا شريكٌ أنا في بعض ذراتي
والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبداً كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي
وهذه الحال حال الخلقُ أجمعهم وكلهم عنده عبدٌ له آتي
ثالثه :- الفقر بمعنى : انعدام المال أو قلته وهذا درجات ويأتي هنا بمعنى المسكين ، والفرق بين الفقير والمسكين إنما أذا ذكر أحدهما فمعناها واحد ،ولذا أذكر في سياق واحد فالفقير أشد حاجةً من المسكين .
رابعه :- فقر القلب وفقد النفس للرضا والجشع وانعدام القناعة ، قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر: ( إنما الغنى غنى القلب ،والفقر فقر القلب ) .
وفقر القلب : خلوّه من الشعور بالحاجة إلى ربه ومولاه ،وهذا إنما يكون أكثر عند الأغنياء والأقوياء ( يحسب أن ماله أخلده ) ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) .. أبعث هذه الرسالة إلى رجال أمتي ونساء أمتي ،أرسلها للذين يرجون رحمة ربهم ،ويحملون في قلوبهم الرحمة في شهر الرحمة ،وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ،أخاطب فيها أنفساً مؤمنة ،ومشاعر رقيقة ، وقلوب شفيقة تزكت بالصيام ،وأشرقت بالقيام ،وطهرت بالذكر ،وقراءة القرآن .. أخاطبها قبل أن تطمس المادية نورها ،قبل أن تفسد الأنانية صلاحها .. أهزها بهذه الرسالة قبل أن تقسوا القلوب ،فتكون كقلوب الكافرين الذين قال الله عنهم: ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ،قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعمُ من لو يشاءُ الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ) .
أنادي في أولئك الذين ينظرون إلى الفقير والمسكين بازدراء ،ويمنعون الماعون وأهمس لذلك الذي ( يدع اليتيم ،ولا يحض على طعام المسكين ،فليس له اليوم هاهنا حميم ،ولا طعام إلا من غسلين ) .
أخاطبهم وهم في رغد العيش يتنعمون ،قبل أن تجتاح ثرواتكم جوائح البخل ، فيصبح أحدهم بعد غنىً فقيراً ،وبعد عزٍ ذليلاً ،قبل أن تصبحوا – لا قدر الله- سائلين بعد أن كانوا يُسألون ،فإنّ الأيام دول ،والنعم لا تدوم .
أبعث بهذه الرسالة إلى الميسورين ،إلى الخيرين ،إلى الأغنياء أهل فضول الأموال ، إلى من وسعّ الله عليهم الرزق .
أقدمها نيابة عن الفقراء المعوزين ،وعلى لسان المساكين المحتاجين ،وباسم الأيتام والأرامل ،والضعفاء والعاجزين ،أكتبها عن أولئك الذين لا يسألون الناس إلحافاً، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف .
أنقلها عن أناس :-
مزقتهم نيوب الجوع حتى يكاد الشيخُ يعثر بالعيال
يشدون البطون على خواءٍ ويقتسمون أرغف الخيال
يناموا في الشتاءِ بلا غطاء ويمشون في العراء بلا نعال
وليت جراحهم بالجسد لكن جراح النفس أقتل للرجال
يمدون الحبال فليت شعري أنقطع أم سنوصلها بالحبال
أبعث هذه الرسالة قي زمنٍ تمزقت فيه الأمصار ،وتقطعت فيه أسباب المودة ، وقل التعاون.. أبعثها تبرئة للذمة ،ورحمة بتلك الفئة ،لئلا نكون من الذين قال الله فيهم: ( كلا بل لا تكرمون اليتيم ،ولا تحاضون على طعام المسكين ) .
أمالك في رسول الله أسوة حسنة فقد } كان رسول الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده ،وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى وكان لا يسأله أحدٌ شيئاً عنده إلا أعطاه ،قليلاً كان أو كثيراً ،وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبَّ شيءٍ إليه ،وكان أجود الناس بالخير ،يمينه كالريح المرسلة ،وكان أجود ما يكون في رمضان وكان صلى الله عليه وسلم إذا تعرضّ له محتاج آثره على نفسه ،تارةً بطعامه ،وتارةً بلباسه ،وكان يأمر بالصدقة، ويحث على الإحسان ،ويدعوا إلى الإنفاق .. ولقد تأثر به أصحابه وأتباعه وأهله أيما تأثر حتى كانت الصدقة أحب شيءٍ إليهم والمواساة أمراً ملازم لحياتهم ،ومجالسة المساكين عادة لكلِ واحدٍ منهم .. أفلا يكون لك قدوة ألا تقتدي بأبي بكر رضي الله عنه الذي كان يخرج بنفسه – وهو الخليفة- إلى أطراف المدينة ويعمد إلى امرأةٍ عجوز كسيرة فقيرة ،أرملة معيلة ،فكنس بيتها ، ويحلب شاتها ،ويصنع طعامها ثم يرجع لدار الخلافة ولا يدري به أحد ،حتى تتبعه عمر رضي الله عنه وعرف ما يفعل ليقتدي به ،فليكن لك بعمر قدوة حين كان يتعاهد الأرامل بنفسه ويحمل الطحين لهن على ظهره ،ويستسقي لهن الماء بالليل لوحده ،وينطلق للجهات النائية ،ويتفقد الأيتام والضعفاء ويقضِ حوائجهم ، فتعسس ليلة فوجد امرأة توقد النار على قدر ،فسألها ما الذي في القدر ،فأخبرته أنه حجارة تلهي بها الصغار حتى يناموا فليس عندها ما تطهو لهم ،فرجع إلى بيت المال وجاء بدقيق ،فوضعه في القدر وأوقد النار بنفسه ،ولم ينصرف حتى نضج الطعام وأكل الصغار ،وهي لا تدري أنه أمير المؤمنين بل ربما قالت له: لأنت أحقُ بالخلافة من عمر
فمن يباري أبا حفصٍ وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها
ومن رآه أمام القدر منبطحاً والنارُ تأخذُ منه وهو يُذكيها
وقد تخللَ في أثناءِ لحيتِه منها الدخانُ وفوه قد غاب في فيها
يستقبل النارَ خوف النارِ في غده والعينُ من خشية الله سالت مآقيها
رأى هناك أمير المؤمنين على حال تروع – لعمر الله - رائيها
فيا صاحب المال الحلال – بارك الله لك فيما أعطاك – هل اشتريت نفسك بمالك هل أعتقت نفسك من النار بعطائك ونوالك ؟ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) .. وكن متبعٌ بإحسان للميت الكريم عثمان فلا زال ينفق وينفق و ينفق حتى ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة وقال عنه: ( ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم ) { .
وتأمل في هذا المشهد الرائع من حياة أولئك الأخيار الذين عاشوا حياة البذل مع المصطفى المختار ووصفهم الله بأنهم: ( يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .. فقد أخرج أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أُهديّ إليه رأس شاةٍ فقال لأهله: إنّ أخي – أو جاري فلان- أحوج إلى هذا منا فلنبعث به إليه ،فكلما وصل إلى أهل بيت رأوا أن غيرهم أحوج منهم ، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى واحدٍ حتى تداوله سبعة بيوت حتى رجعت إلى الأول ،وقارن بينه وبين حال الناس اليوم مع جيرانهم وتواصلهم، وتفقد بعضهم حال بعض ، و من يبات شبعان وجاره طاوي ،بل وحال كثير من الميسورين الذين هجروا أقاربهم وأرحامهم ولم يبلّوا الرحم ببلاله، ولم يصلها ويتعرف عليها بماله وسؤاله .
يا معاشر الأغنياء : إخوانكم الفقراء يتسآلون أليس فيكم رجلٍ كعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم " زين العابدين " الذي كان يحمل الطعام كل ليلة على ظهره ،ويتتبع به منازل المساكين في ظلمة الليل ،ويضعه عند أبواب بيوتهم وينصرف حتى أن أناساً من فقراء المدينة يعيشون على صدقته وعطاءه ، وهم لا يدرون من يأتيهم به ،فلما مات زين العابدين فقدوا ذاك الذي كان يصلهم كل ليلة من طعام فعرفوا أن هذا الميت هو الذي كان يدسه لهم ، ولما غسلوه -رحمه الله – وجدوا على كتفه أثراً وندوباً حمراء مما كان ينقل من الجُرَب في الليل إلى منازل الأرامل والأيتام ،وأحصوا تلك البيوتات فإذا هو كان يعول مائة بيت بصدقات السر .
أما الفقراء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقسمهم على الموسرين من الصحابة مع قلة ذات اليد ويقول من كان عنده طعام اثنين فليذهب معه بثالثٍ، أو طعام أربعة فلذهب بخامس – إنها المواساة في أنصع معانيها – وكان صلى الله عليه وسلم ينطلق أحياناً بعشرة ،وأبو بكر بثلاث ،وكان الرجل يذهب بالرجل والرجلين ،وكان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشيهم . قال أبو هريرة : وكنا ندعو جعفر بن أبي طالب: أبا المساكين فكنا إذا أتيناه قرّبنا إليه ما حضر ،فأتيناه يوماً فلم يجد عنده شيئاً فأخرج جرةً من عسل فكسرها فجعلنا نلعق منها ،وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه " بأبي المساكين " .
يا نساء المؤمنين المنعمات ،يا من يرفلن في النعم ،ويتقلبن في رغد العيش ، أخواتكن الفقيرات ،والأرامل وغيرهن من المساكين يتساءلن أليس فيكنّ في هذا الزمن أماً لنا ،كأم المساكين: زينب بنت خزيمة رضي الله عنها التي سميت بذلك لكثرة إطعامها للمساكين .
وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: ( خيركن أطولكن يداً ) وفي رواية ( أولكن لحاقاً بي أطولكن يداً ) قالت عائشة رضي الله عنها : فكنا نطاول على الجدار ،ونمدَّ أيدينا لنرى أيتهن أطول يداً ،وكانت زينب بنت خزيمة رضي الله عنها امرأةٌ قصيرة ،ولم تكن بأطولنا ،فكانت أول من ماتت ،ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ،فعرفنا إنما أراد طول اليد بالصدقة فقد كانت رضي الله عنها تعمل بيدها وتتصدق ،وقالت عائشة أيضاً: " لقد ذهبت حميدة متعبدةٌ مفزع اليتامى والأرامل " .
يا من يرتع في نعم الله صباح مساء ،ويتقلب فيما يشتهي جهراً وخفاء .. سل نفسك ما منزلتك في الآخرة ألا تحب أن ترافق المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى ما يكون بينك وبينه في الجنة إلا كما يكون بين الوسطى والسبابة من قرب المنزلة بحث أنه ليس بينهما أصبع أخرى كما قال العلماء بيتيم تكفله قال صلى الله عليه وسلم: ( أنا وكافل اليتيم كهاتين .....) البخاري . قال ابن بطال رحمه الله : " حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به " .
رجال قومي :- من منكم يستطيع أن يترك أمواله وأولاده ووظيفته وعتاده ، ويخرج مجاهداً للأعداء ،لا يلتفت إلى الوراء ،يعرّض نفسه للأخطار ،بائعاً نفسه لله الواحد القهار ،فإن عجزت عن هذا المطلب فهل تستطيع أن تقضي نهارك الدهر صائماً لا تفطر أبداً ،وتُمضي ليلك قائماً راكعاً وساجداً لا تنفتل من صلاة ،ولا ينام لك جفن حتى بزوغ الفجر كل ليلة ،وهذا أصعب وأشق أفلا أدلك على أسهل من ذلك فعلاً وأعظم أجراً ،وأفضل أثراً :- السعي على أرامل ضعيفات وعجائز كسيرات ،أو مساكين منهكين ،أو فقراء منسيين فذلك خير قال صلى الله عليه وسلم: ( الساعي على الأرملة والمسكين ،كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل ،الصائم النهار ) البخاري .
_ أخي يا من أعطاك الله وأغناك ،وتفضل عليك ومن عطاياه آتاك ،هل أعطيت السائلين ؟ هل أشبعت الجائعين ؟ هل وصلت المحتاجين ؟ هل كسوت العراة ؟ وألبست الحفاة ؟ أنّ جزاء ذلك تجده أحوج ما تكون إليه يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم: ( أيما مؤمنٍ أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة ،وأيما مؤمن سقى مؤمن على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمنٍ كسا مؤمناً على عري كساه الله من خضر الجنة ) .
إخواني المترفين المنعمين :- ألا يشعر أحدكم بقسوةٍ في قلبه ؟ أو ضيقٍ في صدره؟ مع ما أنعم الله عليه من متاع الدنيا وزنتها
لقد اشتكى رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه-كما في المسند عن أحمد- فقال عليه الصلاة والسلام: ( إنْ أردت أنْ يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم ) .
قل ابن القيم: " إنْ للصدقة وفعل المعروف تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر ،فإن الكريم المحسن اشرحَ الناس صدراً ،وأطيبهم نفساً ،وأنعمهم قلباً ،والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً ،وأنكرهم عيشاً ،وأعظمهم هماً وغماً " .
أخي المسلم الغني :- ألا تحب أن يستجيب الله دعائك حاجتك وتفرج كرباتك فاسمع كيف يحصل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن تستجاب دعوته وتفرج كربته فلفرج عن معسراً ) رواه أحمد عن ابن عمر
إن كنت تأمل زيادة أرباح أموالك ،والبركة في تجارتك ،فاسمع لهذه القصة التي رواها الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : { بينما رجلٌ يمشي بفلاةٍ من الأرض ،فسمع صوتاً في سحابةٍ إسق حديقة فلان ،فتمنى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة ،فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه ،فتبع الماء،فإذا رجل قائم في حديقته "مزرعته" يحوّل الماء بمسحاته ،فقال له: يا عبد الله ما أسمك ؟ قال: فلان ! للاسم الذي سمع في السحابة ،فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي ؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ،يقول: إسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها ؟ فقال: أما إذ قلت هذا ،فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثاً ،وأرد فيها ثلثه } .
فسبحان من سخر الكون وما فيه للمنفقين والمتصدقين ،وأجرى الأقدار بإسعاد الأخيار .. فهذا يتصدق بثلث ماله ،وعمر بشطر ماله ،وأبو بكر بماله كله ، وعثمان يجهز جيش العسرة ،والله عوف يتصدق بكل تجارته للفقراء والمساكين .
وأنت ماذا قدمت يا صاحب الأموال ؟ لتحفظها بإذن الله من الزوال ؟ وليبارك لك فيها الكبير المتعال ،فإن تنفق ينفق عليك ،وإن توكي يوكي الله عليك والجزاء من جنس العمل .. وأحذر من عاجل العقوبة ،واعتبر بقصة أصحاب الجنة الذين انطلقوا وهم يتخافتون ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ،وغدوا على حردٍ قادرين .. فكاد بهم الله قبل أن يكيدون ،وعاجلهم بالعقوبة قبل أن يصلون، فطاف عليهم طائفٌ من ربك وهم نائمون ،فأصبحت كالصريم .
فما نفعهم الندم ،وما أغنى عنهم التلاوم ،وما ذاك إلا لأنهم يا من أرهقته الذنوب، وقيدته المعاصي ،وآلمته الخطايا ،وكدرت حياته السيئات ،أن من أعظم أسباب مغفرة الذنوب ،وستر العيوب ،وتكفير السيئات ،وحط الخطايا والأوزار الصدقات ،قال صلى الله عليه وسلم: ( الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار ) .. ويا صاحب المال رزقك الله الحلال : اعلم أن المال فتنة ،وهو حبل وثيق يكبل به الشيطان من أراد ،فكم أوقع به العداوة بين الناس ،وكم أوعدهم بالفقر وخوفهم الحاجة وكم علقهم به في الدنيا ،وأشغلهم به عن الآخرة ،وكم استحوذ به على قلوبهم ،وكاد ،أن يعبد عند بعضهم من دون الله ( فتعس عبد الخميصة ،وتعس عبد الخميصة تعس عبد الدينار ،تعس عبد الدرهم ) ولا شيء أبطل لكيد الشيطان ،وأسلم من شره ،وأفك من قيده عدوه والإفتدء منه من الصدقة كما جاء في الحديث – تأمله ( ... وآمركم بالصدقة ،ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ،فأوثقوه يده إلى عنقه ،وقربوه ليضربوا عنقه ،فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم ؟ وجعل يعطي القليل والكثير ،حتى فدى نفسه ) الترمذي .
+ يا من أعطاك الله وأغناك ،ورزقك وأولاك لا تنسى فضل الله عليك الذي وجدك عائلاً فأغنى ، وخلقك
واحذر من بطر النعمة ،وإنكار الفضل ،وجحد المنعم ،فإنك لا تأمل أن يسلبه منك ،ويجعلها في غيرك ،وتكون سائلاً بعد ما كنت مسئول وتذكر قصة النفر الثلاثة الذين من بني إسرائيل أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم ، الأبرص والأعمى والأقرع فابتلاهم الله وأعطى كل واحد ما يتمنى من المال وأذهب ما فيه من عاهةٍ ومرض ،ثم بعد زمن أرسل الله لهم ملك على هيئة رجل فجاء للأبرص: وقال رجل مسكين تقطعت بي الحبالُ في سفري ،فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ عليه في سفري ،فقال له: إن الحقوق كثيرة ،فقال له: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ،فقيراً فأعطاك الله ؟ قال: ورثتُ لكابرٍ عن كابر ،قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت ،وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا ،فقال: إن كنت كاذباً ،فصيرك الله إلى ما كنت ،وأتى الأعمى في صورته ،فقال: رجل مسكين ،وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري ،فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ،أسالك بالذي رد بصرك شاةً أتبلغُ بها في سَفري فقال له: كنت أعمى فردّ الله بصري ،وفقيراً فأغناني ،فخذ ما شئت ،فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ،فقال: أمسك مالك ، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك ،وسخِط على صاحبيك ) رواه البخاري فسلب الله منهما ما أعطاهما من نعم .
وذاك الشقي الأبعد قارون أنعم الله بالمال حتى أن مفاتحه لتنو بالعصبة أولى القوة فأنكر نعمة الله عليه وجحد فضله وقال: إنما أُتيت على علم عندي ،فعجّل الله بعقابه ليكون عبره لمن اغتروا بزينته ،فخسفنا به وبداره الأرض .
فيا من فتح الله عليه الدنيا .. تذكر أن الدنيا فانية ،وأن لها نهاية ،فكيف يا ترى تكون نهايتك ،وعلى أي شيء تكون خاتمتك ،فإن أردت أن يحسن الله الخاتمة فأكثر من صنائع المعروف من صدقة وبذل ،وسعي وتيسير ،وتفريج وإنظار ،فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء ) حديث حسن .
معشر الأخيار : لقد صحت الآثار عن المصطفى المختار ،وتواتر القصص والأخبار منذ القدم وفي هذه الأعصار ،في مختل الأمصار أن التصدق على المحتاجين شفاء ،وأنها للمرض دواء ،فأكلبوا الشفاء لما بكم من أمراض بتفقد الفقراء ،والإحسان إلى المساكين ،وداووا مرضاكم بالصدقة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
وسأل رجل عبد الله بن المبارك فقال: قرحةٌ خرجت من ركبتي منذ سبع سنين وقد عالجت بأنواع العلاج ،وسألت الأطباء فلم أننتفع به ؟ قال: اذهب فانظر موضعاً يحتاج الناس للماء فاحفر هناك بئراً فإنني أرجوا أن ينبع هناك عين ، ويمسك عنك الدم ،ففعل الرجل فبرئ بإذن الله .
ونشرت المجلة العربية مقال يحوي خبر امرأة زوجها في العناية المركزة تزوره في اليوم مرتين ،في المرة الأولى تحضر له ملابس جديدة ونظيفة وتلبسه إياها ثم تذهب إلى بعض الأحياء الفقيرة وتتصدق على المحتاجين والأرامل ثم تعود في الزيارة الثانية وكلها أمل في الله ،ويقين أن الله سيشفيه ببركة تلك الصدقات ، وفجأة في أحد الأيام وبعد أن ألبسته ملابسه وذهبت وخلت عنده الممرضة وإذا هو جالس على الكرسي في أتم صحة وعافية ،وحينها حضرت للزيارة لم تتفاجأ بشفاه فتعجب منها الأطباء فأخبرتهم بخبرها وقالت: إن عندي يقين أن الله سيشفيه إذا تقبل تلك الصدقات فالحمد لله تعالى .
أما في الآخرة : فيا من تؤمن بالله واليوم الآخر ما حالك في ذلك اليوم ؟ ما موقعك يوم الشدائد والأهوال ،حين تشيب ذوائب الأطفال ،وتضع ذوات الحمل الأحمال ؟ ما لك يم تقف حافياً عارياً ذاهلاً ،تحت شمس محرقة ،قد دنت من الرؤوس قيد ميل وأسالت العرق حتى يغلي فيه المجرمون ،من أين لك بظلٍ يحميك ؟ أو فيءٍ يخفف عنك ، وعن الشمس يواريك ؟ ما لك في ذلك اليوم من ظل إلا تحت صدقتك فعلى قدرها يكون مقدار ظلك كما قال صلى الله عليه وسلم: ( كل أمريءٍ في ظل صدقته يوم القيامة بين الناس ) .
أخي الكريم :- إنّ الأمر شديد ،والناقد بصير ،والعقبة كؤود لا يجتازها إلا أهل المرحمة ،والإطعام في أيام الجوع والمسغبة كما قال تعالى: ( فلا اقتحم العقبة ،وما أدراك ما العقبة ،فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) .
ومن لك في تلك الأهوال ؟ ومن ينجيك من تياك الكرب ؟
اليوم تخليص نفسك غداً قال صلى الله عليه وسلم: ( من نفسّ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا ،نفسّ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة- فأكثر من تفريج الكربات لتنفس يوم القيامة كل كرباتك – ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ،ومن ستر مسلماً ستره الله ) .
معاشر أهل الخير من المسلمين :- إخوانكم الفقراء من أبناء دينكم يقولون
لماذا كل طائفةٍ أغاثت بنيها غيركم يا أهل الهلال
ونحن المسلمين ننام حتى يضيق الدهرُ بالنوم الخبال

هبوهم بعض سائمة البراري هبوهم بعض سابلة الفمالِ
أنسيتم فاتقوا يوماً ثقيلاً به النيرانُ تقذفُ كالجبالِ
ويتسآلون هل الدين مجرد انتساب بغير احتساب ؟ هل الدين ركوع وسجود وأذكار ؟ هل الدين شعارات وكلام ؟
أم أن الدين ولاء ومحبة ،وتراحم وتكاتف ،وتعاون وتآلف ،أين الأخوة في الله أين مولاة المؤمنين ؟ أين روابط التقوى ؟ ونحن في بلد الخير والسخاء ،وفي ديار البذل والعطاء ،وأمكنه الإغاثة والاستسقاء ..
أين من يعطي بلا ملل ؟ أين من ينفق بلا كلل أما سمعت { أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً } أين الخيرية التي أخبر بها خير البرية صلى الله عليه وسلم بقوله: ( خير الناس أنفعهم للناس ) .. فالخضر عليه السلام خرق سفينة المساكين لتنجوا من غضب الظالمين ،ورفع جدار الأيتام في أرض البخل التي أبت أن تطعمهم وقال: ( أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ لهما ) فما بالنا لا نجبر كسر إخواننا ،ونشد أزرهم /ونشاركهم مآسيهم وغصصهم وهو يعيشون بين أظهرنا ،ويستغيثون بنا وينشدون دعمنا وينتظرون عوننا ..
أم بلد عندنا الإحساس ؟ لثرة المساس ؟ وذلة الإرتكاس ..
فاسمع لهذين الموقفين في عصرين سالفين مختلفين ،في بلدين متغايرين وتأمل صدق الولاء للمؤمنين ،وتحرك المشاعر مع أحوال المستضعفين وتفاعل العواطف ، وتحولها إلى أعمال إيجابية ،ومواقف إيمانية .
الموقف الأول : في دمشق زمن العز بن عبد السلام أصاب الناس غلاءٌ فاحشٌ وحاجةٌ شديدةٌ حتى رخصت أثمان البساتين فصارت تباع بالثمن القليل فأعطته زوجته مصاغاً من ذهب لها ،وقالت: أشتر لنا بستاناً نصيّف فيه فذهب ليشتري البستان فرأى ما يعيشه الناس من جوعٍ وفاقةٍ ،فباع المصاغ واشترى به طعاماً وتصدق به على المحتاجين ثم رجع ،فقالت له زوجته : يا سيدي أاشتريت لنا ؟ قال: نعم بستاناً في الجنة ،إنما وجدت الناس في شدةٍ وحاجة فتصدقت بثمنه ، قالت: فجزاك الله خيراً .
وهذا محمد بن عبدوس المالكي من أهل المغرب ،بينما كان نائماً في إحدى الليالي قام فزعاً فخرج لأحد أصحابه ودقّ عليه الباب في ليلة شاتيةٍ شديدة البرودة وقال: ما نمت الليلة غماً لفقراء أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين لا يستطيعون النوم من شدة البرد ،ثم قال: هذه مائة دينار غلَّة ضيعتي هذا العام أي محصول بستاني لا يمسي عليك الليل وبقي منه شيء اجعله في المحتاجين .. وقد صدق أبو الدرداء في وصف حال كثير من الميسورين من المسلمين بقوله : ما أنصف إخواننا الأغنياء يحبوننا في الله ،ويفارقوننا في الدنيا إذا لقيته قال : أحبك يا أبا الدرداء ، فإذا احتجته امتنع .
إنّ المحرومين من سعة الرزق ،الضائقون ذرعاً بالديون ،المتعففون عن السؤال : لينادون إخوانهم الميسورين أليس في قلوبكم رحمة ورأفة ؟ أما في أنفسكم شفقة وحنان ؟ أين المشاعر الفياضة ؟ أين الأحاسيس الدفاقة ؟ هل تدرون أنّ في المسلمين بل وفي جيرانكم وأبناء بلدتكم من هو أمس الحاجة لما لا تحتاجون إليه فيهم فقير متعفف ،ومديون يتأسف ،وأرملةٌ تتكفف ،ويتيمٌ يتأفف ،فلم لا يكون في المجتمع غنياً بهم يرأف ،ومواسياً على حالهم يتعرف ..
أخي الموسر الكريم :- بارك الله لك في مالك ،نريد ثمن لعبةً من لعب أطفالك نشتري بها لأطفالنا ثوباً وحذاء ،وشيئاً من ثمن زينة نساؤكم لنشتري به مل نستر به عوراتنا ،وقطع من أثاثكم الذي تغيرونه كل عام لنجلس عليه ،ونلتحف به ، فنحن منذ سنين نفترش البلاط ونلتحف سقفاً هشاً نطلب قليلاً من أجار عقاراتكم ،وزكاة أموالكم نسدد بها قيمة الإيجارات التي تراكمت علينا لعجزنا عن سدادها ، والله يقول: ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) .
هذه جزء من مآسينا يا معاشر الأغنياء – فاذكرونا إذا اجتمع على ألوان الأطعمة اللذيذة ،وافترشتم الأسرة الوثيرة ،وركبتم السيارات الفارهة اذكرونا إذا ضحكتم مع أبنائكم ،وسهرتم مع أصحابكم ،وجلستم على ألعابكم ،فإن لم تذكرونا فتذروا أنّ الأيام دول ،والهر قُلّب ،تذكروا أن دوام الحال من المحال ،فلا غنى يدوم و لا فقر
دنياك التي تزهو ولا تدري بما فيها إياكَ إياك لا تأمن عواديها
تحلو الدنيا لأجيالٍ فتنعشهم ويدرك الموتُ أجيالاً فيشقيها
عاريةُ المال تُرد لصاحبها أكنف البيت قد عادت لبانيها
لا دارَ للموت بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعُها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
فاعمل لدارٍ غداً رضوانُ خازنها الجارُ أحمد و الرحمنُ بانيها
قصورها ذهب ،والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أيها الأغنياء
إنه لمن القسوة والشقاء أن يقبض الغني بخلاً ،ولا يصنع المعروفَ في أهله ،ويمنع المحتاجين ،ويعرض عن المساكين ،ويتردد مراراً قبل أن يخرج ريالاً بينما هو يبادر إلى صرف الأموال على الكماليات ،ويباشر على أصدقائه الأغنياء في المناسبات .
أيها الأغنياء :- إنّ ما ينفقه أحدكم في ليلة سمر ،أو رحلة أنس ليكفي البائس الفقير ،زمناً طويلاً ،ويكف يده عن التسول ..
معاشر الأغنياء :- أمِنْ المرؤة أن يرفل الغني في ملابس النعمة وثياب الرفاهية ، وحوله من المسلمين ،بل من أقاربه وجيرانه من يقرصه برد الشتاء ويحرقه حر الصيف ،بلا دفاية ولا تكييف ،من العار والخزي أن ترمى الأطعمة في براميل الزبالة وبين أظهرنا من يعتصره الجوع وتدق عظامه الحاجة لا يجد ما يأكله ولو خبزه أو ضلع دجاجة ..
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة : يمنع نفسه مما تشتهي ويقول مخاطباً لها: قرقري أو لا تقرقري لن تشبعي حتى يشبع أطفال المدينة ..
اتقوا الله في البؤساء الذين أصابتهم الضراء ،والفقراء الذين أعوزهم الغذاء والكساء فقد كاد الفقرُ أن يكون كفراً ،وقد استعاذ من الفقرَ النبي صلى الله عليه وسلم ،وما ذاك إلا لما يترتب عليه من بلاء وشد شتات الأسر ،وضياع الأبناء ، وانشغال الآباء ،وذل المسألة ،والانحراف عن الأخلاق السوية ،فكم من فقراء لا مورد لهم ،ولا معيل يعينهم ،يجرهم شياطين الإنس والجن إلى طرق ملتوية للحصول المال الذي يسددن به عوزهم كالسرقة وترويج المخدرات ،بل وكم من أيتام لا آباء يصرفون عليهم ،ولا من يكفلهم ويضمهم إليه تشردوا في الشوارع ،وتلصصوا على المنازل فاستغل المجرمون حاجتهم ،وعرضوا عليهم الأعطية والهدية ،لتحقيق رغباتهم البهيمية ،فتمتعوا في البداية ،ثم سقطوا في مستنقع الرذيلة أمام ضغط الحاجة فتحولوا إلى مجرمين والمجتمع الذي أهملهم ، وأحجم عن سدِّ فاقتهم يتملُ وزرَ انحرافِهم ،وإثم انجرافهم بل وكم من عفيفة شريفة ،لا عائل لها ولا ساعي على حاجتها ،وتقطع قلبها على أيتامها الصغار ، أو والديها الكبار ،وطرقت أبواب المحسنين ،وبحث عن عمل شريف ،تسدّ به فقرها وعوزها ،فتسلط عليها الأشرار ،وصاروا يساومونها على عفتها وهي تقاوم ذلك الإغراء ،وتمتنع عن الانحناء ،حتى ألمت بها السنين ،وأسقطتها الحاجة الماسّة ، فما لبثت أن أسلمت نفسها مكرةٌ وكارهةٌ لخبيث ينهش عرضها من أجل دريهمات تحافظ بها على أخر رمق من عمرها ،وتطعم فلذات كبدها ،وأرضخها الفقر ،وألجأها إلى الحرام العوز وقلبها يرجف وعينها تدمع ،ولو صبرت لكان خيراً لها – وما كان ذلك ليكون لو سترها المحسنون وعطف عليها الموسرون ، ولكن حين تخلى عنها أصحاب الأيدي البيضاء ،وغفل عن حالها أصحاب القلوب الرحيمة ،ولم يبال بها أصحاب الأموال والثروة ،ولم يهتم بحالها أصحاب الإصلاح والدعوة ،تلطخت بالرذيلة ،واكتست رداء الفعلة الشنيعة .. وما قصة أصحاب الغار منكم ببعيد وفيها ( اللهم كانت لي بنت عم وكانت أحبَ الناس إليَ ،فأرتها عن نفسها فامتنعت مني ،حتى ألمّتْ بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينا على أن تُخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أُحِلُ لك حتى تفض الخاتم إلا بحقه ...... الحديث ) ..
ألا فأدركوا كل هؤلاء – يرحمكم الله- وسارعوا بانتشالهم بتقديم الصدقات لهم والسعي على شئونهم . مما هم فيه ومبادرة من لا زال يقاوم الشر بإيجاد البديل الحلال للقضاء على أسباب الجريمة والوقاية خير العلاج فإن من أكبر أسباب انتشار الجرائم والمخدرات والسرقة والزنا ما تعيشه تلك الفئة من فقر وحاجة ، و عوزٍ وفاقة .. ولكن صدق من قال :
وبين الناس صنفٌ ذو ثراءٍ في الدنيا يحقق ما اشتهاه
فيرتع في النعيم بلا حسابٍ ويعمى عن أخيه فلا يراهُ
وقد سلك الطريق بغير وعي فلا يدري إلى أي اتجاه
وبين ضلوعه ألمٌ دفينٌ تردد في جوانحه صداهُ
يعاني الفقر لا يدري لماذا يغالبه ويمعن في أذاهُ ؟
فسار وفي حناياهُ دموعٍ وفي عينيه نارٌ من لظاهُ
تعامى الناس عنه فلم يواسوا وقد صُموا فما سمعوا نداه ُ
أخ الإسلام إنّ البرَّ شيءٌ يسرك في القيامة لأن تراهُ
أخوك البائس المسكين يبدو بلا مالٍ و يخجله حياهُ
فجدُ بالخيرِ و استبعد العطايا فيومَ الدين يجزيك الإله
يا معاشر الأغنياء والموسرين :-
تأملوا كيف آمر الشارع الحكيم بحسن المعاملة للفقراء ،وفي هذا أوضح دلاله على اهتمام الدين بالفقراء فهلا عرفنا شرعنا وعملنا به :



1/ العدل مع الفقير :
وعدم هضمه حقه ،والحذر من الميل مع الأغنياء ،وتفضيلهم بمجرد غناهم قال عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ،إنْ يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بمها ) .
2/ الأمر بتزويج الفقراء :
بألا يكون فقر المسلم سبب مانعاً له من التزويج إذا رضيتم دينه وأمانته وأخلاقه قال عز وجل : ( وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .
قال ابن مسعود رضي الله عنه: " التمسوا الغنى في النكاح " .
3/ جعل نصيب للفقراء في العبادات المالية :
- في الزكاة :- إنما الصدقات للفقراء والمساكين .
- في الهدي والأضحية :- ( فكلوا منها وأطعموا البائس والفقير ) المساكين وابن السبيل .
- في الفيء والغنيمة :- ( واعلموا أما ما غنمتم من شيء فإن لله خمسهُ وللرسول ولذوي القربى واليتامى ) .
- في الكفارات :- ( فكفارته إطعام عشرة مساكين ) .
- زكاة الفطر :- فهي خاصة للفقراء .
- يعطى من الإرث إذا حضر القسمة ( وإذا حضر القسمة ........ الآية ).
4/ الحث على مساعدة الفقراء والمساكين وإطعامهم والتصدق عليهم .
جعلها من صفات أهل الجنان قواه تعالى: ( وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم ) ،
السائل : هو المظهر فقره فهو يسأل الله .
الفقير : هو المتعفف الذي يظنه الناس غير محتاج .
به نص بعض العلماء على أن الكافر الذي إذا كان فقيراً فلا جزية عليه ، رحمة به وإشفاقاً عليه ،فكيف إن كان مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله .
5/ الحث على حب الفقراء والمساكين ومجالستهم :
قال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات ،وترك المنكرات ، وحب المساكين ) رواه أحمد وروي أيضاً عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ( أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبعِ :أمرني بحُب المساكين والدنوِّ منهم ... ) وذلك لأن حب المساكين يدل على الإخلاص لله والمحبة فيه ،ويزيل الكبر ، ويوجب صلاح القلب والرضا برزق الله ،وعدم ازدراء فضل الله عليه ..
فذلك دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتلك وصيته وأمره ، بل أن كان صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم ،فمرضت امرأة مسكينة فأخبر بمرضها صلى الله عليه وسلم فقال: أذا ماتت فأذنوني ،فأخرج بجنازتها ليلاً وكرهوا أن يوقظوه ،فلما أصبح أُخبر بالذي كان منها ،قال:ألم آمركم أن تؤذِنوني بها ،قالوا:يا رسول الله من كرهنا أن نوقظك ليلاً فخرج صلى الله عليه وسلم حتى صفّ الناس على قبرها ،وكبر أربع تكبيرات ) النسائي .
6/ التحذير رمن طرد المساكين ، ومنه
( ويأتيهم يعني الفقير لحاجةٍ فيقولوا ارجع إلينا غداً .. ) .

معاشر الفقراء :-
هنيئاً لكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه ،فو الله للفقر الذي لا يُذل الإنسان ولا يهينه لهو خير من الغنى الذي يطغي الإنسان ويضله ويعميه ..
قال صلى الله عليه وسلم لفقراء المهاجرين من أهل الصفة فقال لهم: ( كيف أصبحتم فيقولون بخيرٍ يا رسول الله فيقول هل أنتم اليوم خير أو إذا غُدي على أحدكم بجفنةٍ وريح بأخرى ويغدو في حُلةٍ ويروح في أخرى ،وستر أحدكم بيته كما تُستر الكعبة ؟ قالوا:يا رسول الله أنصيب ذلك ونحن على ديننا ؟ قال:نعم ، فقالوا إذ ذاك ، قال: لا ،بل أنتم اليوم خير ،إنكم إذ أصبتموها تحاسدتم ، وتقاطعتم وتباغضتم ) .
النفس تجزع أن تكونَ فقيرةً والفقرُ خيرٌ من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أ.... ...............لا يكفيها

1/ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجُلّ أصحابه كانوا فقراء
وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم عاش على شظف العيش ،وجفاف الفقر دمصض الحاجة ،وقلة ذات اليد ،وجدب النفقة ،وعَوَز المعيشة ،وحرارة الجوع، ومرارة القلة وقد خُيّر بين أن يكون ملِكاً رسولاً ،أو عبداً رسولاً فقال بل عبداً رسولاً أجوع يوماً فأسأل ربي ،وأشبع يوماً فأحمد ربي ..
2/ وقد سأل رسولنا صلى الله عليه وسلم ربه بقوله: ( اللهم أحيني مسكيناً ، وتوفني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ) .
والمراد بالمسكنة هنا ما يرجع معناها إلى التواضع والإخبات أو ترجع إلى حالة الكفاف ،وهي حالة سليمة بين الغنى المُطفي والفقر المؤلم المُنسي ،وصاحبها معدود من الفقراء ،يدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً ) وفي رواية (قوتاً ) والله لا يختار لرسولنا إلا الأفضل والأكمل .
3/ الفقراء أكثر أهل الجنة :
كما روى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اطلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء...) .
4/ أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء كما أنهم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يدخل فقراء المُسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمس مائة عام ) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .
يدل على ذلك ما جاء في الأثر : كما في مسند الإمام أحمد :- إلتقى مؤمنان على باب الجنة ،مؤمن غني ،ومؤمن فقير ،كانا في الدنيا ،فأدخل الفقير الجنة ، وحُبس الغني ما شاء الله أن يُحبس ،ثم أدخل الجنة ،فلقيه الفقير ،فقال: أي أخي ماذا حبسك ؟ والله لقد حُبست حتى خفتُ عليك ،فقال: أي أخي حُبستُ بعدك محبساً فظيعاً كريهاً ،وما وصلت إليك حتى سال مني العرق ما لو وردَه ألف بعيرٍ كلها آكلةٍ حمضٍ لصدّرت عنه رواء ) .
عن أبن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حوضي كما بين عدن وعمّان ، أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك أكوابه مثل نجوم السماء ، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً أول الناس عليه وروداً صعاليك المهاجرين ،قال قائل: ومن هم يا رسول الله قال: الشعثة رؤوسهم ،الشحِبة وجوهُهم ،الدنسة ثيابُهم لا يفتح لهم السُّدد ،لا ينكحون المتنعمات ،الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون الذي لهم ) أخرجه أحمد وهو صحيح لغيره .
ولما سمعه عمر بن عبد العزيز قال: لكني نكحتُ المتنعمات ،وفُتح لي السدد ونكحت فاطمة بنت عبد الملك ..
عن أبي سعيد الخدري قال:قلت : يا رسول الله أي الناس أشدُّ بلاءً قال: الأنبياء، قلت يا رسول الله ثم من ؟ قال: ثم الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحوِّيها وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء ) ابن ماجه .
- ابن ماجه " إن الله يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال " .
أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: ما كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلعت الشمس فقال : يأتي الله قومٌ يوم القيامة ــــ كنوز الشمس ،فقال أبو بكر: أنحن هم يا رسول الله ؟ قال: لا ولكم خير كثير ،ولكنهم الفقراء ، والمهاجرين الذين يحشرون من أقطار الأرض ...)
همّ الفقراء وشكواهم :
1/ ص 310 ، ص 97 الصفة .
أيها الأخ الحبيب وأنتي أختي يا من ابتلاكم الله بالفقر ،وقد علمتم فضل الفقير الصابر ،وما أُعدّ الله له من منزله ،ولا يحسبن أحدكم أن الفقر دائم لا يحول ولا يزول فالله مغير الأحوال يرزق من يشاء بغير حساب ،وبين طرفة عين والتفاتتها- يغير الله من حالٍ إلى حال فاسمعوا إلى أبي هريرة أعلام الفقراء والمساكين ،ومن صبر على الفقر الشديد حيى أفضى به إلى الظل المديد يقول عن نفسه " والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد على كبدي الجوع ،وإن كنت لأشد الجوع على بطني من الجوع ،ولقد رأيتني أصرع في المسجد فيقول الناس إنه مجنون ،وما بي جنون ،وما بي إلا الجوع " ..
وكان أجيراً عن امرأة يقول لها ابنه غزوان ،فصار بعد صبرٍ طويل أميراً على المدينة وتزوج ابنة غزوان لمروان وكان يقول متحدثاً بنعمة الله " الحمد لله الذي جعل الدين قِواماً ،وجعل أبا هريرة إماماً ،الحمد لله الذي أطعمني الخمير ، وألبسني الحرير ، الحمد لله الذي زوجني ابنة غزوان بعد أن كنتُ أجيراً لها بطعام بطني فأرحلتني ،فأرحلتها كما أرحلتني ،وأبذل الأسباب التي تزيل عنك همّ الفقر، وغم الحاجة فقد جعل الله لكل شيءٍ سبباً فمن ذلك :-
1/ تقوى الله كما قال عز وجل: ( ومن يتق اله يجعل له مخرجاً ويرزقه ..) .
2/ التعلق بالآخرة قال صلى الله عليه وسلم: ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع الله شمله ،وأتته الدنيا وهي راغمة ،ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ،وفرّق عليه شمله ،ولم يأته من الدنيا إلا قدّر له ) رواه الترمذي عن أنس .
3/ العبادة بأنواعها ومنها :-
المتابعة بين الحج والعمرة قال صلى الله عليه وسلم ...
الذكر قال مكحول رحمه الله ......
4/ السعي في طلب الرزق بالطرق المشروعة ،وعدم انتظار أعطيات الناس أو سؤالهم ....
فأعزوا أنفسكم بالتعفف فمن يستعفف يعفه الله ،واستعففوا بالله عن خلقه فمن يستعفف يغنه الله وارتفعوا عن ذل المسألة فإنها عار وفضيحة في الدنيا والآخرة واسلكوا ...
أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ،فقال: أما في بيتك شيء ؟ حِلسٌ نلبس بعضه ،ونبسطُ بعضه ،وقعْبٌ نشرب فيه من الماء ،قال:ائتني بهما ،قال: فأتاه بهما ،فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري هذين ؟ قال رجلٌ : أنا أخذهما بدرهم ،قال صلى الله عليه وسلم : من يزيد على درهم مرةً أو مرتين ،قال رجل: أنا أخذهما بدرهمين ،فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً – فأساً – فأتني به ،فأتاه به ،فشدّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عُوداً بيده ،ثم قال له :اذهب فاحتطب وبع ،ولا أرينك خمسة عشر يوماً ،فذهب الرجل يحتطب ويبيع ،فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة .....) .
انتهى ،،


من دروس فضيلة الشيخ حميدان الجهني إمام وخطيب جامع عبدالعزيز بن باز والمدرس باالمعهد العلمي والمشرف العام على المنتدى المفتوح للشباب بمدينة تبوك .