المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يا حماس ... [حسين بن محمود] 26 شعبان 1430هـ


محب المجاهدين
19-08-09, 10:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


لماذا يا حماس !!




هذه الأحداث السريعة الغريبة التي عشناها في الأيام الماضية لا يسع المرء فيها إلا أن يقدّم رجل ويؤخر أخرى .. وماذا عسانا أن نقول ونحن نرى أيدٍ طالما أذاقت اليهود الهوان تستهدف اليوم منارات بيوت الله وصدورٌ يختلجها آي التنزيل وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم !! هكذا ، وأمام الناس ، وبنقل شبه حي : يُستهدف مسجد بمن فيه من عامة وعلماء : علماء طالما صدعوا بالحق ونصروا الدين !!


لماذا يا حماس !!

لا أدري جواب هذا السؤال ، وكل ما سمعناه أو قرأنها من مبررات تتلاشى أمام هول هذه المصيبة .. والمصيبة الأدهى أن تكون بعض المبررات التي خرجت من أفواه بعض من ينتسب إلى حماس في الفضايات : لا تعدو أن تكون ترجمة حرفية لما كان يقوله "توني بلير" عن المجاهدين في أفغانستان والعراق - بل حتى عن حماس ذاتها - وبنفس أسلوبه البغيظ !!


لماذا يا حماس !!

أمِن أجل أن لا تُتّهموا بمساندة الإرهاب !! وماذا كنتم تفعلون منذ أن بدأ مشواركم الشيخ أحمد ياسين رحمه الله : غير إرهاب يهود !! أتتنازلون عن هذ الإرهاب !! وفي سبيل أي شيء يكون هذا التنازل !! إن لم تكونوا إرهابيين ، فأخبرونا ما أنتم ، فوالله لم نحب ولم نناصر إلا حماس الإرهابية التي أرهبت اليهود والمرتدين ..


أمِن أجل أن تبيّنوا للأمريكان أو الأوروبيين أنكم تحاربون فكر ومنهج قاعدة الجهاد ؟! أنتم تزعمون أنكم تقاتلون العدو الصائل على فلسطين ، و"قاعدة الجهاد" أعلنوا حربهم على كل صائل في كل بلد إسلامي ، أتستبيحون دمائهم لدفاعهم عن حرمات المسلمين في كل مكان وأخذهم بأوامر رب العالمين ، وأنتم دفاعكم وطني بات لا يتعدى غزة !! أمِنْ أجل أن يرضى عنكم النصارى ، والله لا يرضى عنكم النصارى حتى تنسلخوا من دينكم وتدخلوا دينهم ..


أمن أجل أن تُطمئِنوا حكام العرب ؟! رأس نبي الله يحيى قُطع من أجل بغيّ لعلها أشرف من هؤلاء الحكام .. أنسيتم ما فعلوا بكم في حصار غزة الأخير ، ولا زالوا يحاصرونكم !! أتبتغون عندهم العزة وقد أذلوكم وتخلوا عنكم في أحلك الظروف !!


أمن أجل أن تظهروا بمظهر الوسطية !! آالوسطية تأمركم بقتل الناس في المساجد !! آالوسطية تأمركم بقتل علماء المسلمين وتفجير بيوتهم !!
الوسطية : هي الخيرية والعدالة ، قال السعدي في تفسيره "ووسطا في الشريعة ، لا تشديدات اليهود وآصارهم ، ولا تهاون النصارى" (انتهى) ، وقد تشددتم مع مخالفيكم من المسلمين ، وتهاونتم مع النصارى على كل حال ، فأي وسطية هذه !! إن كنتم تزعمون أن تهاونكم مع النصارى هو من باب المصلحة ، فلماذا لا تكون المصلحة في التهاون مع مخالفيكم من المسلمين !!
الوسطية ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين قال الله في شأنهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ...} ونراكم أشداء على المؤمنين الموحدين رحماء بالكافر جونسون وبمرتدي فتح وبمبعوثي الأمم المتحدة وبرؤساء الدول الأوروربية ، نراكم تُسارعون في مرضاتهم والله تعالى يقول عن أئمة الوسطية {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} ، فقد والله أغظتم المسلمين بفعلتكم هذه وأرضيتم الكفار : وعلى رأسهم اليهود ..


ألأنكم تختلفون منهجيّاً مع "قاعدة الجهاد" !! ألم تكونوا تتهمون "قاعدة الجهاد" باستهداف المسلمين والمدنيين وقد امتلأت منتدياتكم وكتبكم وتصريحات بعض متحديثكم بهذا الوهم !! ماذا تسمون استهدافكم وقتلكم علماء المسلمين على الملأ وقد رآه الناس وعاينوه !! ثم ما بال الشيوعيين (المرتدين) والعلمانيين (المرتدين) يسرحون ويمرحون في غزة وتأمن مؤسساتهم ومحافلهم !! أليس هؤلاء يخالفونكم في المنهج !! أليس البنا رحمه الله هو القائل "وأريد بالإخوة أن ترتبط القلوب برباط العقيدة ، والعقيدة أوثق الروابط وأقواها" [مجموعة الرسائل : ص22] ، فكيف قدّمتم الشيوعي والملحد على المسلم !!


أمن أجل استتباب الأمن !! أي أمن تحلمون به وقد أثرتم جبل بركان يوشك أن ينفجر ، نسأل الله أن يحقن دماء المسلمين !!


أمن أجل أنهم تكفيريون خوارج !! هذه الألقاب باتت قديمة لا يستخدمها حتى الإعلام العربي البالي ، فهي ألقاب مفضوحة مكشوفة عند الناس ، وهي في نفس الوقت تؤتي نتائج عكسية : فالناس باتوا يحسنون الظن بمن تُضفى عليه هذه الألقاب ، ولذلك تركها الحكام ومن يواليهم .. ثم قولوا لنا بالله عليكم : ماذا تقولون لرجالكم حينما توجهونهم لقتل هؤلاء المسلمين ؟ ألا تقولون لهم بأنهم خوارج خرجوا عن الدين !! فمن هو التكفيري !!


أمن أجل أنهم "سلفية" وأنتم "إخوان" !! لا أدري إلى أي "إخوانية" تنتسبون ، لقد قرأنا كتب البنا ومقالاته ورسائله ولم نجد فيه هذه السلبية تجاه الآخر ، ودونكم مجموعة الرسائل فاقرؤوها ، واقرأوا بعدها رسائل الهضيبي ، فليس فيها دعوة إلى ما فعلتم ، بل الشيخ البنا رحمه الله كان يدعوا إلى العمل مع جميع المؤسسات والهيئات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية ، يدعوا لها بالتوفيق ويتمنى لها الخير ، وقد ذكره بنصه في مجموعة الرسائل ..
إن هذا المنهج الذي أنتم عليه ليس منهج البنا ولا الهضيبي ولا مئات المسلمين الذين قادوا "جماعة الإخوان" في نضالهم ضد أعداء الدين .. لقد قرأنا تراث جماعة "الإخوان المسلمين" وعرفنا آراء مؤسسه ومَن خلفه ، فلا نجد فيما قرأنا ما يؤيد ما تفعلون أو ما تدّعون ، اللهم إلا إن كان عندكم مراجع غير منشورة ولا يطلع عليها غيركم ، إذا كان الأمر كذلك فأنتم حركة باطنية !!

إننا ندعوا أفراد حماس ومن ينتمي إلى "جماعة الإخوان" أن يعيدوا قراءة ما كتبه البنا – رحمه الله – في رسائله وكتبه ، فوالله الذي لا إله غيره : إن تعاليم البنا ومنهجه ليس الذي أنتم عليه اليوم ، وكذلك ما كتبه الهضيبي ، وما كتب سيّد قطب قائد "التنظيم الإخواني الجديد" الذي يحلوا للبعض نفي انتمائه للإخوان رغم ما بذله في سبيل دعوتهم ورغم مباركة الهضيبي لكتاباته والثناء عليها !!


بأي ذنب قُتل الشيخ المقدسي رحمه الله !!

رجل يقول لكم : احكموا بشرع الله ، وأقيموا حدود الله ، واكفروا بأحكام الطاغوت ، أيُقتل من هذه دعوته !! ألأنه أعلن قيام إمارة إسلامية !! أهذا مبرر لقتله ، {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ، لماذا هذه العدوانية على هذه الدعوات القرآنية !! لماذا يا حماس ؟!

لماذا تنعتون شيخاً ابيضّ شعره في الإسلام ، وناصرَ قضايا أمته ، وعلّم الناس أصول توحيد ربّهم : بأن في "عقله هوس" !! سبحان الله !! ليعلم قائل هذا الكلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال في النار" (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي) ، وردغة الخبال : ما سال من جلود أهل النار واعتصر ..


تركتم التجسس على اليهود والنصارى والشيوعيين الملاحدة والعلمانيين المرتدين واشتغلتم بتتبع عورات إخوانكم في الدين !! أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول "يا معشر من أسلم : لا تؤذوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته ، ومن تتبّع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" (الترمذي وابن حبان وصححه) ، وانظروا قدْركم وسمعتكم عند المسلمين اليوم تعرفوا صدق قول نبيكم صلى الله عليه وسلم ..


يقول "هنيّة" بأن هذه الحرب فرُضت عليهم : آالله فرضها عليكم !!
ويقول بأن أهل المسجد هم من بدأ القتال !! وكيف يبدأ القتال من اعتُدي عليه !! أنتم حاصرتم المسجد وهجمتم عليه وهم يدافعون عن أنفسهم ، فكيف يكونون هم من بدأ القتال !!

حتى لو كانوا يكفّرونكم - كما زعمتم - فلا يحل لكم قتلهم بمثل هذا .. أذكّر هنية ومن يخرج علينا في القنوات ليكذب على أتباعه - وغيرهم - بقول النبي صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يسترعيه الله رعيّة يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة" (متفق عليه) ، فمن الغش أن تكذبوا على جنودكم وتقولوا لهم بأن هؤلاء خطر على الأمن وعلى السلطة وأنهم تكفيريون وأنهم "مصابون بلوثة عقلية" وأنهم مفسدون في الأرض !!


لماذا هذا التمادي في الباطل والمخاصمة فيه وأنتم تعلمون حقيقة هؤلاء الشباب – وقائدهم - وأنهم ما أرادوا إلا الدعوة إلى الله والعمل من أجل دينه ، فإصراركم على هذا الكذب عليهم ومخاصمتكم عليه عجيب ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال "من خاصم في باطل وهو يعلم : لم يزل في سخط الله حتى يَنْزِع" (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي) ، والنزع يكون بترك المخاصمة في الباطل والتوبة إلى الله ورد الحقوق إلى أصحابها ..


قال قائلكم بأنكم أرسلتم لهم من يتفاوض معهم !! كم رجل أرسلتم ، وكم أخذتم من مدة للتفاوض ، قيسوا هذا بالمدة التي لا زلتم تتفاوضون فيها مع "فتح" الكافرة المرتدة : تلك الإبتسامات والمغازلات والإجتماعات والوساطات المحلية والدولية واللقاءات والصبر وضبط النفس ، هذا رغم أن فتح قتلوا منكم الكثير وأسروا منكم الكثير وعذّبوا منكم الكثير ، بل هم الذين تواطؤوا مع يهود على قتل الشيخ أحمد ياسين والشيخ الرنتيسي وهذا باعترافكم .. وهم الذين أرادوا تصفية قادتكم فاضطررتم إلى أخذ غزة منهم كما أعلنتم .. أضاقك أنفسكم عن عِبَاد الله ولم تضق عن عُبّاد اليهود !! بل أنتم الآن تفاوضون اليهود !!


لقد أظهرتم للناس بأن يهوداً أصدق منكم : فقد نفيتم وجود "تنظيمات جهادية" تتفق في منهجها مع "قاعدة الجهاد" ، وصرّح اليهود بخلاف ذلك ، فأظهرتم بأحداث رفح : صدق اليهود وكذبكم !! فأين عقلكم !! أكنتم تطمعون في التعتيم الإعلامي !! أفي عصر الفضائيات والشبكة العالمية وفي عصر باتت آلات التصوير في متناول الأطفال !!


لماذا يا حماس !!

لماذا فتحتم على أنفسكم وعلى المسلمين باب شر كان بإمكانكم سدّه بالعقل والحكمة !! ألا تخافون يا قادة حماس أن يصيبكم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفُق به ، ومن شقَّ عليهم فاشقق عليه" (مسلم) ، فأنتم تجاوزتم المشقة إلى القتل : قتل في بيت من بيوت الله ، قتلتم عالماً حمل في صدره كلام الله وفي قلبه إفراد الله بالعبادة ..


لا أعرف عاقلاً إلا واستنكر هذه الفعلة الشنيعة ، وقد رأينا أناساً أخياراً كانوا بالأمس إذا رأوا صورة "هنيّة" دعوا الله له بالنّصر والثبات ، أما اليوم : فأعقل هؤلاء من يسكت ، وأكثرهم بين طعن ولعن ، والعياذ بالله !!


أمّا من تأثّر ببعض ما قاله متحدثوكم من أباطيل : فالكذب حبله قصير ، والصدق منجاة ، والإعتراف بالخطأ والرجوع عنه خير من التمادي في الباطل .. إن الأمر عند المسلمين ليس ألاعيب سياسية ومناورات حزبية ، بل هذا أمر الإسلام ، وفلسطين من ثغور الإسلام ، وغزة أرض للمسلمين ، فمن لم يكن على قدر من المسؤولية فليتنحى ، فالمسألة ليس فيها مجاملات ، وفلسطين ليست ملكاً لحزب أو جماعة ، بل هي أرض للمسلمين جميعا ..


أتدرون ما فعلتم يا حماس :

-لقد خسرتم الكثير من التعاطف الشعبي في العالم الإسلامي ، فكل من كان يتعاطف معكم ومع "قاعدة الجهاد" أصبح يتعاطف مع "قاعدة الجهاد" فقط ، وهؤلاء هم عامة الأمة ..
-أضحكتم عليكم يهود ، فها هو باراك يجلس على أريكته ورجله على الأخرى يحتسي القهوة ويهمس في أذن قومه : لقد كفاكم هؤلاء شر أعدائكم ..
-أضحكتم عليكم النصارى : فأكثر القنوات الفضائية النصرانية نقلت الأحداث بتهكّم وسخرية عليكم ، بل حتى بعض القنوات البوذية والهندوسية ، ناهيك عن القنوات العربية ..
-خسرتم رصيدكم عند كثير من العلماء والدعاة الذين راوا أفعالكم ثم سمعوا تصريحاتكم وعرفوا زيفها ، ومن كان يؤيدكم بات لا يستطيع إعلان هذا التأييد لكم ، وكثير منهم الآن يراجع موقفه منكم ، فهل من رجعة !!
-فتحْتم للحكام باب شر يلِجون منه على المسلمين ، فقد سنَنْتم لهم سنة قتل العلماء ، ومن يعترض عليهم يقولون له : هذه حماس - التي صَمَمْتم آذاننا بمنهجها الصافي وجهادها - تقتل العلماء في فلسطين - وفي بيوت الله - لأدنى شبهة ..
-أثرتم الأضغان والأحقاد بين المسلمين في غزة خاصة ، وفي العالم الإسلامي عامة ..
-أقللتم من شأن العلماء بقتلكم الشيخ المقدسي ، فأصبح دم العلماء رخيص بعده ، رحمه الله ..


لنا وقفة عتاب شديدة مع حماس ..

أنتم "حركة المقاومة الإسلامية" ، وتاريخكم القريب ينفي هذا الإسم عنكم : فقد توقّفتْ حركتكم بتكبيلكم أيديكم بهذه المعاهدات ، اللهم إلا حركتكم الأخيرة في رفح !! ولا نسمع عن مقاومة : واليهود يتحرشون بكم من مدة ، ولا مقاومة ..

أما الإسلامية : فالحكم عندكم ليس إسلامي ، والحكومة ليست شرعية ، ونقصد هنا : الشرعية الإسلامية لا الديمقراطية .. لا يمكن لأي حكومة أن تكون شرعية إلا إذا حكمت بشرع الله ، ولا يمكن لمسلم أن يقبل حكماً غير شرع الله ، وكل حكم يخالف شرع الله فهو باطل عند جميع المسلمين ، ومن قَبِله فقد حادّ الله ورسوله ورضي بالكفر ، ورضي أن يكون عابداً لمن قنن تلك القوانين : وهم اليهود والنصارى ، وعلى المسلمين أن يعلموا بأنه : لا طاعة في معصية..


ولعلي أوجه كلمة لإخواني المسلمين من الشباب الغيورين على الدين المتسارعين في الحكم على الأعيان ، موضحاً ما جاء أعلاه :

المؤسسة الحكومية ليست إسلامية ، وذلك لأنها لا تتحاكم إلى أحكام الشريعة الإسلامية ، فكل حكومة لا تتحاكم إلى الشريعة الإسلامية : هي حكومة غير إسلامية (كفرية) ، وليست لها شرعية ، ونقصد هنا : الشرعية الإسلامية ، فلا توصف حكومة بأنها شرعية أو إسلامية إلا إذا حكمت بالأحكام الشرعية ، فيجب أن يكون هذا واضحاً عند كل مسلم ، وهذا التعريف (أو الحد) أطلقه العلماء على دار الكفر ، فقالوا : دار الكفر هي الدار التي تكون فيها أحكام الكفر ظاهرة وإن كان جل أهلها من المسلمين (قاله أبو يوسف والكاساني) ، وقال ابن مفلح : هي التي غلب عليها أحكام الكفر ..


أما أفراد الحكومة والعاملين فيها والشعب : فهؤلاء يختلف الحكم عليهم بحسب حالهم ، ويكون الحكم فيهم بعد النظر في توفر الشروط وانتفاء الموانع ، والإجتهاد في هذا يحتاج إلى : علم بالأحكام الشرعية ، وعلم بالواقع (واقع الفرد والمحيط) ، وعلم بمعرفة تنزيل الأحكام على الواقع ..


هذه النصيحة ليست دفاعاً عن أحد أو حباً في أحد – كما يتوهم البعض – فلا يقدّم حب أحد على حكم الشرع ، فالحق مقدّم على كل إنسان ، لكنها كلمة إشفاق على بعض الشباب المتسرعين الذين يُلقون بأنفسهم في اتون هذه المعضلة دون دراية ، وبعضهم يغيب عنه أنه : مسؤول عن كلامه ، وأن الكلمة تلقي بصاحبها في نار جهنّم سبعين خريفا ، وأن تكفير من ليس بكافر يعود حكمه على صاحبه فيكْفر - والعياذ بالله – من حيث لا يشعر ..


لقد اغتر البعض بإطلاق القادة حكم الردة على حكام العرب ، وظنوا أنهم يسعهم ما وسع القادة ، ولكن غاب عن هؤلاء أن القادة لم يُفتوا عن جهل بأحكام أو بواقع ، ولم يُفتوا إلا بعد أن استفتوا بعض العلماء فأفتوهم ، ولم يُعلنوا الحكم إلا بعد أن علموا أن في إعلانه مصلحة دينية ، وهم إلى الآن لم يكفّروا أعيان قادة حماس أو أفرادهم ..


لا يستلزم نفي الكفر عن الإنسان أن يكون من أهل الطاعة ، فقد يأتي الكبائر والموبقات التي تستوجب العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، فليس كل من لا يُكفَّر يكون بريئاً صالحاً وليّاً من أولياء الله ، بل قد يكون من أظلم الناس وأفسق الناس وأفجر الناس وأكثر الناس ضرراً على الإسلام والمسلمين ، ومع ذلك يكون مسلماً ، وبعض العلماء لم يكفّر الحجّاج رغم قتله للصحابة والتابعين ..


هذا التساهل في التكفير جاء رداً طبيعياً على ظاهرة الإرجاء التي انتشرت في العالم الإسلامي .. ليس كل كبيرة تُكفِّر صاحبها ، وليس كل معصية يسلم صاحبها من الكفر ، فنواقض الإسلام معاصي وذنوب تُخرج أصحابها من الملّة ، ولكن هذا الإخراج يكون بضوابط شرعية ، فلا بد من إعمالها ..


إن أمر التكفير ليس بالهيّن ، وكتب السلف – كما أن فيها تكفير لبعض الطوائف – فإن فيها تحذير شديد من تكفير الأعيان ، ومن أشد من حذّر عن مثل هذا : شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – في مجموع فتاواه ، وله رسائل عديدة في المسألة ، وقد اخترت منها رسالة لعلي أنشرها قريباً – مع بعض الحواشي والتعليقات – لأهميتها ..

لا يظن ظان أن الشرع ليس فيه تكفير الأعيان ، بل تكفير الأعيان من الدين بمكان ، وأحكام الردّة مبثوثة في كتب الفقه ، ولكن لمثل هذا الحكم رجاله ، فهو من دقائق العلوم التي يحتاج صاحبها لأدوات شرعية : من معرفة ماهية الردة وما يدخل تحتها ، وأحكامها وضوابطها وكيفية إسقاطها على الأفراد ..


أيها الشاب الغيور : لا أقول لك لا تغضب ، ولا أقول لك لا تنفعل مع الأحداث ، ولكن أقول لك : اضبط هذا الغضب بضابط الشرع ، وكل أمرك كذلك ينبغي أن يكون وفق ضوابط الشرع .. اقرأ عن هذه الضوابط واسأل عنها أهل العلم ، فإن لم تنضبط بضوابط الشرع : ربما تكون أنت ومن تنْتَقد في منزلة واحدة ، وربما يكون أفضل منك بعد وقوعك فيه بغير ضوابط شرعية ..


أنت مسلم ، والمسلم يراقِب أقواله وأفعاله ويزنها بميزان دقيق ، وهذا الميزان ليس اختياري ، بل هو مفروض عليك من قِبل خالقك ، وإن لم يزن خصمك بهذا الميزان فلا تكن مثله .. تدبّر قول الله تعالى {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} ، فهذا جاهل جهل على مؤمن ، فلم يكن رد المؤمن بجهل مثله .. إن المؤمن يترفّع أن يساوي الجاهل في جهالته .. المؤمن كالشامة بين الناس يتميّز بخُلقه وحكمته وعقله وطاعته لربّه ، وليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء ..


أقول لك هذا لأني أريد أن يكون أنصار الجهاد أعلى وأرفع من غيرهم ، وأن يكونوا أضبط للِسانهم وأعمالهم - بضوابط الشرع - من غيرهم .. بمَ نتميّز إن لم يكن بإلزام أنفسنا أوامر ربّنا - سبحانه وتعالى - ووصايا نبينا صلى الله عليه وسلم !!


إن أعقل هذه الأمة بعد نبيّها صلى الله عليه وسلم : أبو بكر الصدّيق ، وقد تتبعت سيرته ودرست شخصيّته ، فرأيت فيه خصلة لم أرها في كثير من الصحابة : لم يتكلّم الصديق رضي الله عنه في حضرة النبي صلى الله عليه وسلّم إلا أن يُسأل فيُجيب (إلا نادراً) ، وكان دائماً ينتظر قول أو فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبدي رأيه في أي شيء ، لأن الأسلم للمسلم أن يعرف الحكم الشرعي من المصدر ، فلا يُفتي قبل تحصيل العلم ..
كان هادئاً ساكتاً في أكثر الأوقات ، وكان سكوته في بعض المواقف محيّر ، والدارس المدقق في سيرته يجد بأن سكوته في كل الأحوال كان منتهى الحكمة والعقل ، وكلامه القليل في كل الأحوال كان منتهى الحكمة والعقل ، وكان أقل الناس اظهاراً لغضب أو انفعال رغم المواقف الكثيرة التي تقتضي ذلك (في مقياس الناس) ، ومع ذلك كان أشد الصحابة في الحق وأنصرهم له ، وموقفه من المرتدين خير دليل !!


أما من دعى للإنتقام والأخذ بالثأر لما حصل في رفح ، فأقول له :

أخي الحبيب : خصلتان يحبهما الله سبحانه وتعالى في المرء : الحلم والأناة ، فمن حازهما فقد حاز خيراً كثيرا .. فالحلم : ضدّه الغضب ، قال ابن الأثير في معنى الحلم : الأناة والتثبّت في الأمور ، وذلك من شعار العقلاء (انتهى) .. أما الأناة فضدها التسرّع ، فمن ملَكَهُ غضبه وكان متسرّعاً فهو طائش متهوّر غير عاقل ..

ولك أخي في نبيّك أسوة حسنة في التعامل مع مثل هذه المصائب ، فقد ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره في سورة النحل تحت قوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل : 126-128) : قال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة النحل كلها بمكة ، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أُحد حين قُتل حمزة رضي الله عنه ومُثّل به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم" ، فلما سمع المسلمون ذلك قالوا : والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ، فأنزل الله {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السورة ، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم.
وقد روي هذا من وجه آخر متصل ، فقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا الحسن بن يحيى ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول لله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين استشهد ،فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه ، أو قال لقلبه ، فنظر إليه وقد مُثّل به ، فقال : "رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولاً للرحم ، فعولاً للخيرات ، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك" فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة وقرأ {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به} إلى آخر الاَية ، فكفّر رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني عن يمينه - وأمسك عن ذلك ، وهذا إسناد فيه ضعف ، لأن صالحاً هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة ، وقال البخاري: هو منكر الحديث ، وقال الشعبي وابن جريج : نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم لنمثلن بهم فأنزل الله فيهم ذلك.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثنا هدية بن عبد الوهاب المروزي ، حدثنا الفضل بن موسى ، حدثنا عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلاً ، ومن المهاجرين ستة ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربيّن عليهم ، فلما كان يوم الفتح قال رجل : لا تعرف قريش بعد اليوم ، فنادى مناد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمَّن الأسود والأبيض إلا فلاناً وفلاناً - ناساً سماهم - فأنزل الله تبارك وتعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به} إلى آخر السورة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نصبر ولا نعاقب" [هذا الحديث أخرجه الحاكم وصحح إسناده ووافقه الذهبي ، والترمذي وقال : حسن غريب ، وقد جاء عندهم بألفاظ مشابهة] ، وهذه الاَية الكريمة لها أمثال في القرآن ، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ثم قال : {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} الاَية. وقال : {والجروح قصاص} ثم قال {فمن تصدق به فهو كفارة له} وقال في هذه الاَية : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ثم قال {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}. (انتهى كلامه رحمه الله) ..


فهذا أسد الله وسيّد الشهداء وعم النبي وأخوه من الرّضاع : يُقتل ويُمثَّل به ويُلاك كبده في منظر تقشعرّ منه النفوس ، ومع ذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم العفو والصبر ، لا لشيء إلا لأن هذا العفو من مصلحة الدعوة ، والنبي صلى الله عليه وسلم عاقب العرنيين فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا ، فعاملهم بالمثل في الحادثة المشهورة ، وكان ذلك أيظاً لمصلحة الدعوة ، فالأمر ليس انتقاماً شخصياً أو حزبياً ، بل الأمر أمر هذا الدين : فما كان مِن العمل فيه مصلحة للدين فعلناه ، وما لم يكن فيه مصلحة للدين لمن نفعله ، ونصبر ونحتسب أجر الصبر عند الله ..


إن المعاملة بالمثل أمر مشروع في الدين ، ولكن تقديم مصلحة الدين أولى ، وعدم الأخذ بالثأر لمقتل الحبيب أو القريب أمر غاية في الصعوبة ، ولو انتقم النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بعد الفتح لما رأينا مسلَمة الفتح ودورهم في تأريخ الأمة ، ولاستعدى عليه بقية قبائل العرب التي ترى لمكة ولأهلها حُرمة ، ففِعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله كله كان لمصلحة الدعوة ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يثأر لنفسه ولا ينتقم لها حتى من الكفار ، ولم يُؤثَر عنه صلى الله عليه وسلم أنه غضب لحظِّ نفسه ، إلا أن تُنتهك حرمات الدين : عندها لا يقف لغضبه - صلى الله عليه وسلم – شيء ..


أدعو الإخوة في رفح إلى تحكيم العقل وتقديم مصلحة الدعوة على حظ النفس أو الجماعة ، وأن يراجعوا أمورهم برويّة ويستشيروا أهل العلم والعقل ، وأن لا يستثيرهم الغوغاء والدهماء ، فهم على أشد ثغور الإسلام ، والعدو اليهودي مترصّد قديم المكر عظيم الخبث ، وكذا المرتدين في "فتح" ، فالله الله في دينكم وفي ثغركم وفي دعوتكم ، والله الله في دماء المسلمين ، فإن الفتنة إذا أطلّت برأسها : لا تُفرّق بين بريء ومتّهم ..


الزموا الصبر ، واحتسبوا الأجر ، وعليكم بالدعوة إلى الله ، وإعداد العدة للجهاد في سبيل الله ، ولا يشغلنّكم أحد عن نشر العقيدة الصحيحة بين الناس ، ودعوتهم إلى توحيد خالقهم ، وإن لزم الأمر: فاستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ، ولا تُثيروا الناس عليكم ، واحذروا مكر الأعداء : فلا نستبعد أن يقوم اليهود أو المندسين من المرتدين بأعمال ينسبونها إليكم ليوقعوا بكم ، فكونوا على حيطة وحذر أكثر من ذي قبل .. لا أقول لكم افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا ، ولكن أقول : ضعوا نصب أعينكم مصلحة الدعوة وقدموها على كل شيء ..


نسأل الله أن يحفظ إخواننا في فلسطين ، وأن يعلي فيها راية الدين ، وأن يبرم لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته ، وأن ينصر المجاهدين فيها على العدو ، وأن يتقبّل من مات في سبيل دينه في الشهداء ، وأن يحقن دماء المسلمين ، ويوحّد صفوفهم ، ويمكّنهم من عدوهم اليهودي الخبيث وكل من يواليه من أهل الردة والخيانة ..


والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ..


كتبه
الراجي عفو ربه
حسين بن محمود
26 شعبان 1430هـ

نحو النجاة
21-08-09, 05:46 PM
حسبنا الله ونعم الوكيل

اللهم تقبل الشيخ أبو نور المقدسي شهيدا عنك ومن قتل معه ..

وانتقم اللهم من قاتليه

الهنـوف
09-09-09, 07:25 PM
يعطيك العافيه