المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف أعيش لحظتي بعمق؟


ظل الهجير
04-08-09, 08:00 PM
من خلال الفكر يتحقق كل شيء ، لأنه مبتدأ كل شيء وقاعدة انطلاق كل عمل أو سلوك .عبر الفكر يمكنك أن ترى كل حياتك ، تمرّ عبر شاشة الذهن في تدفقٍ مستمر .ترى الماضي ، ترى الحاضر ، ترى المستقبل ، تتوقف عند أي مقطعٍ من مقاطع هذه الأزمنة لتعيد قراءته ، تتمعن بالفكر هنا أو هناك ، تقلق …تتألم ..تتصور …تحاول إعادة رسم الحدث من جديد ، تسلط عليه المزيد من الضوء أو تنزع عنه الأضواء لتجعله يعتم أو يضمحل .الفكر يمكن أن يريك الماضي ، ويمكن أن تحاول إعادة صياغته عبر التصور ، ولكنك قطعاً لن تنجح في فعل شيءٍ عملياً ، لأن السفر إلى المستقبل مستحيل فيزيائياً وإن كان جائز ذهنياً .من الطريف أن هناك نظريات تدعي أن السفر إلى الماضي يمكن أن يحصل يوماً ، ولكن هذا لم يحصل أو يثبت بعد .بمقدورك عزيزي القارئ أن تشرك في الفكر ما تشاء من الحواس ، تتذوق الطعم من جديد ، تستنشق الرائحة القديمة من جديد ، تبصر ، تسمع ، تشعر بالرجفة أو الغصة في قلبك ، تخاف مجدداً أو تفرح من جديد .يمكنك هذا ، لأن الدماغ العظيم الذي في رأسك يختزن كل شيء ، صور ، نكهات ، ألوان ، تفاصيل دقيقة لكل حدث ، وما عليك إلا أن تخرج مخزون الذاكرة في لحظات الصفاء عند ضفاف الحالة التأملية التي يكون فيها الجسد في كامل الاسترخاء ، ويكون فيها الفكر رائق صافٍ ، إلا مما أنت مزمعٌ على تخيله أو التفكير فيه وعرضه على شاشة ذهنك الداخلية .
كل هذه الحواس والمخزونات الحسية الموجودة في الدماغ ، تجري فيك ، في رأسك لا في الخارج ، وكل ما يُعرض فهو يُعرض في شاشة ذهنك ، لا شاشة عرضٍ خارجية في بيتك أو خارجه .ما تعرضه ، يمكن أن يكون بعض ذكريات الطفولة أو ربما حدثٌ حدث قبل لحظة ، أو ربما لم يحصل بعد ولكنك تريد له أن يحصل فتتخيله وتتصوره وتغرس فيه أشيائك وحواسك ورغباتك وإيمانك لتعطيه قوة التحقق في المستقبل ، القريب أو البعيد .الفكر …الفكر …بداية كل شيء …كل شيء على الإطلاق …!
وكما قال أحد حكماء العرب القدامى وكان حبيس سجنٍ لأحد خلفاء بنو العباس ، وإذ سأله سجانه بأمر من الخليفة عن حاله أجاب : أو تظنني تعيسٌ يا رجل …لا بل أنا سعيدٌ غاية السعادة ، فجنتي وجحيمي هنا في عقلي …!!بلا … الكلمة …!
والكلمة هي الفكر …!حسناً …قد يقولٌ قائلٌ : وكيف لي أن أعتمد الفكر لأجعل حياتي أجمل وأفضل ؟وأقول له : أعد رسم الماضي من جديد في ذهنك ، لتزيل منه الشوائب التي تلوث الحاضر وتعكره ، وتجعل المستقبل تعيساً …!
لماذا …؟لأن الحاضر وليد الماضي ، والمستقبل جنين الحاضر ، وإن لم يكن الماضي سعيداً أو على الأقل لم تتم تصفية حساباته بعد بشكلٍ مرضي ، فأنه سينعكس على الحاضر فيجعله متوتراً مشدوداً تعيساً ، وحيث يكون الحاضر تعيساً ، فهل تظن أن المستقبل يكون أسعد ..؟
قطعاً لا …!!
حسناً …وكيف لي ولك أن نعيد رسم الماضي ، وقد قلنا أنه سلف أن انتهى ونفذت صلاحيته وليس ممكناً إعادة رسمه فيزيائياً لأن هذا مستحيل مؤقتاً على الأقل ( بأخذ نظرية العودة الفيزيائية للماضي بعين الاعتبار رغم لا معقوليتها ) …؟
الجواب بأن نعيد قراءة الحدث الذي حصل في الماضي وأختُزن في العقل الباطن أو في مكان ما من الدماغ ، إعادة قراءته مجدداً وتغيير شكل التصورات الحسية التي انبثقت منه والتي أعطتنا مفهوماً سلبياً عن أنفسنا ، تغيير شكل التصورات من السلب إلى الإيجاب .هذا وحده ما نستطيع أن نفعله مع حدث حصل في الماضي ورسخت تفاصيله بما فيها من مؤثرات حسية ( صوت ، صورة ، نكهة ، ألوان …الخ ) ، رسخت بقوة في العقل الباطن أو في الدماغ .إعادة قراءة الحدث وإعادة تفسيره على ضوء الوضع الراهن ومستوى الوعي الراهن في حاضرك هذا ، ثم وبأساليب وتقنيات متنوعة وعديدة ، يمكنك أن تغير التأثير السلبي للحدث أو الذكرى إلى مؤثرات إيجابية داعمة لك في توجهاتك الجديدة نحو التقدم والنجاح وتطوير شخصيتك .
لكن قبل أن أسعى لتقنيات إعادة قراءة الماضي وتغيير عوامل السلب إلى إيجاب ، حريٌ بي وبك أن نفعل شيئاً لهذا الذي نعيش فيه الآن إلا وهو اللحظة الراهنة ، الحاضر …!إن أكبر خدمةٍ يمكن أن نؤديها لأنفسنا والآخرين هو أن نتحرر من الماضي بالالتصاق بالحاضر ووعيه بقوة ، فبهذا قبل غيره يمكن أن نشفى من جراح الماضي ويمكن أن نفتح للمستقبل أكثر من بابٍ واسع .دون أن نعني طبعاً أن لا ندرس تقنيات إصلاح الماضي ذهنياً إنما في مقالات أخرى... .

يتبع*