مشاهدة النسخة كاملة : ابنُ جبرين..والدِّيارُ التي خلتْ!
~سليل المجد~
17-07-09, 03:02 AM
أحمد بن عبد المحسن العسّاف-الرِّياض
في ظهيرةِ يومِ الاثنينِ العشرينَ منْ شهرِ رجبٍ الأصمِّ عامَ 1430 سادَ صمتٌ حزينٌ حينَ تناقلتْ الوسائلُ خبرَ وفاةِ العالمِ الرَّباني الشيخِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ جبرينَ عنْ عمرٍ يناهزُ الثامنةَ والسبعينَ عاماً صرمها في العلمِ والتعليمِ والدَّعوةِ والإصلاحِ وخدمةِ النَّاسِ والدِّفاعِ عنْ الإسلامِ بالقلمِ واللسانِ حتى أغاظَ قوماً وملأَ قلوبهَم حنقاً ونفوسَهم ألما.
وإذا أردنا أنْ نستجليَ الملمحَ الأبرزَ في حياةِ الشيخِ ابنِ جبرينَ-رحمه الله- لرأيناه ماثلاً في "العلم والتعليم" كمشروعِ عمرٍ صرفَ لهُ حياتَه كلَّها منذُ أنْ ثنى ركبتيه في القويعيةِ والرَّينِ عندَ أبيهِ وشيخهِ الثاني أبي حبيبٍ الشثري والشيخِ الأعجوبةِ صالحِ بنِ مطلق وانتهاءً بمسيرتهِ العلميةِ الحافلةِ في الرِّياضِ على كبارِ علمائِها كمحمَّد بنِ إبراهيم وابنِ حميدٍ وابنِ باز-رحمة الله على الجميع-. ولمْ يكتفِ بذلكَ بلْ سلكَ طريقَ الدِّراسةِ النِّظاميةِ حتى نالَ أعلى الشهاداتِ وكانَ مناقشوه يعدُّونَ جلسةَ الحوارِ الأكاديمي معهُ فرصةً لمزيدٍ منْ المذاكرةِ والاستفادةِ؛ وهذا منْ معرفتِهم بباعِ الشيخِ في العلمِ والفهم، وتتلمذَ في دراستهِ النِّظاميةِ على عددٍ كبيرٍ من الأشياخِ منْ مصرَ وغيرها. وكانَ منْ ثمرةِ هذا الجهدِ المباركِ أنْ شرحَ الشيخُ عدداً كبيراً منْ الكتبِ وتجاوزتْ دروسُه الأسبوعيةِ ما أعتاده طلابُ العلم، وشرح الشيخُ أكثرَ منْ أربعينَ كتاباً في الأسبوعِ خلالَ بعضِ الدَّوراتِ والمناسبات، كما ألَّفَ سبعةَ كتبٍ منْ أجلِّها كتابُ خبرِ الآحادِ وَ تحقيقُ شرحِ الزركشي.
ومنْ حرصِ الشيخِ على العلمِ جلوسهُ وحيداً بينَ يدي بعضِ مشايخه؛ وتدريسُه طلاباً لا يزيدونَ عنْ ثلاثة! وحينما غابَ الثلاثةُ ذاتَ مرَّةٍ اكتفى الشيخُ بحضورِ مؤذنِ المسجد، ولعلَّ اللهَ-سبحانه- قدْ اطلَّعَ على حسنِ نيته وصدقهِ فامتلأتْ له المساجدُ بالطُّلابِ والقلوبُ بالحبِّ والتقدير، وممَّا يذكره قُدامى ملازميه أنَّ همَّةَ الشيخِ بالتدريسِ عاليةٌ مهما كانَ العدد، وكانَ يحثُّ العلماءَ على التدريسِ ويؤكدُ منْ خلالِ تجربتهِ الطويلةِ أنَّ العالمَ هوَ أولُ المستفيدينَ منْ الدَّرس.
ويتحلى الشيخُ بتواضعٍ جمّ، فقدْ انتظمَ طالباً ودرَّسهُ وناقشهُ مَنْ كانَ في عدادِ طلابه، وحضرَ عدداً منْ المحاضراتِ العامَّةِ لأقرانهِ ووصفَ بعضَ أكابرِ العلماءِ منْ جيلهِ بقوله: "شيخنا" وهو تعبيرٌ نادرٌ بينَ الأقران، وقدْ ظلَّ الشيخُ حريصاً على حضورِ الدُّروسِ العامَّةِ التي يلقيها شيخُه الإمامُ ابنُ بازٍ ولمْ يثنهِ عنْ ذلكَ جلوسُ الشبابِ عنْ يمينهِ ويساره. وحدَّثني أحدُ الزُّملاءِ أنَّ ابنَ بازٍ أنابَ ابنَ جبرينَ عنهُ لإلقاءِ محاضرةٍ في جامعِ التركي فبدأَ الشيخُ المحاضرةَ بالاستغفارِ ولومِ النَّفسِ على الحديثِ بدلاً منْ الإمامِ ابنِ باز! وممَّا حباهُ اللهُ الذَّاكرةَ القويةَ فكانَ يسردُ ويستحضرُ كأنَّما يقرأُ منْ كتابٍ فُتحَ بينَ عينيه.
ومنْ العبرِ الجليلةِ في حياةِ الشيخِ اقترانُ العلمِ بالعملِ والعبادة؛ فلا رونقَ للعلمِ بلا عمل، وقدْ روى أحدُ العاملينَ في جامعِ القاضي أنَّه رأى الشيخَ يدخلُ منْ بابِ المحرابِ قبيلَ المغربِ ويفطرُ على ثلاثِ تمراتٍ وكأسِ ماءٍ فقطْ ثمَّ يصلي ويلقي درساً بعدَ المغربِ وآخرَ بعدَ العشاءِ ويجيبُ عنْ الأسئلةِ دونَ أنْ يكلَّ أوْ يملَّ وذاكَ لعمرُ اللهِ نشاطُ الرُّوحِ المؤمنةِ التي لا يحتملها جسدُ شيخٍ في عشرِ الثمانينَ لولا الإيمانُ والاحتساب. وذكرَ لي زميلٌ أنَّه ذهبَ للاصطيافِ في "تنومة"-جنوب السعودية- فتفاجأَ بنشاطاتِ الشيخِ وجهودهِ وتلكَ همَّةٌ بلغتْ القمَّةَ وجعلتْ صاحبَها يفني الإجازةَ في الترحالِ بينَ مناطقِ المملكةِ معلمَّاً وداعياً وموجها.
وللشيخِ مواقفٌ صريحةٌ كسرَ فيها حاجزَ الصمتِ والمداراة، ومنها رأيهُ الواضحِ في "حزب الله"؛ إضافةً إلى فتاواه في الشيعةِ الرَّوافض، ومنْ مواقفهِ الشهيرةِ تزكيتُه للعلماءِ والدُّعاةِ الذينَ تناوشتهم سهامُ التصنيفِ الجائرِ فكانَ للشيخِ كلمةُ حقٍّ لا تنسى، وقدْ كانَ الشيخُ مؤيداً لكلِّ عملٍ مباركٍ ينفعُ الأمَّةَ ويحفظُ لها حقوقَها أوْ يصلحُ منْ شأنِها. ومنْ آخرِ مواقفه التي تبينُ إنصافَه تأييدُه للشيخِ القرضاوي ضدَّ هيجانِ الشيعةِ عليهِ ولمْ يلتفتْ ابنُ جبرينَ لخلافهما السابقِ حولَ الشيعةِ وحزبِ الله.
وقدْ حزنَ المسلمونَ لوفاةِ الشيخ؛ فنعاهُ الدِّيوانُ الملكي وبكاه أصحابُ القلوبِ السليمةِ وكثرَ زوارُ موقعِ الشيخِ للتأكدِ منْ الخبر، ثمَّ صلَّتْ عليه جموعٌ غفيرةٌ منْ العامَّةِ والخاصَّةِ في جامعِ الإمامِ تركي بنِ عبدِ الله- الجامعِ الكبير الذي احتضنَ الشيخَ طالباً وعالماً- وأُغلقتْ أبوابه قبلَ الظهرِ بنصفِ ساعة، وتبعهُ المشيعونَ إلى مقبرةِ العودِ حيثُ وسِّدَ الثرى هناك؛ فيا للهِ أيُّ صرحٍ للعلمِ هوى؟ وأيُّ نبعٍ عذبٍ غاض؟ وأيُّ فارسٍ هُمامٍ ترَّجل؟
فاللهمَّ أحسنْ عزاءَ آلهِ وأمتهِ وعوِّض المسلمين واخلفْ عليهم خيراً منْ إمامهم الرَّاحل؛ ونسألُ اللهَ أنْ تقومَ للعلمِ سوقٌ رائجةٌ تحيي الجامعاتِ العلميةِ الكبرى في الرِّياضِ عاصمةِ العلمِ وروضةِ العلماءِ ودوحةِ الحفَّاظ؛ حتى نرى فيها جامعاتٍ كالتي كانتْ في جامعِ دخنةَ وسارةَ والجامعِ الكبيرِ وغيرِها، فحقيقٌ بعاصمتِنا أنْ تكونَ مركزاً علمياً يتسابقُ إليها طلابُ العلمِ منْ أنحاءِ العالم.
~سليل المجد~
17-07-09, 03:04 AM
الحمد لله الذي رفع بعض خلقه على بعض درجات ، وميز بين الخبيث والطيب بالدلائل المحكمات والسمات ، وتفرّد بالملك فإليه منتهى الطلبات والرغبات .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الأسماء الحسنى والصفات ، العالم البصير بأخفى الخفيّات ، الحكم العدل ، فلا يظلم مثقال ذرة ولا يخفى عليه مقدار ذلك في الأرض والسماوات ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات ، والحجج النّيّرات ، الآمر بتنزيل الناس ما يليق بهم من المنازل والمقامات . صلى الله وسلم عليه ، وعلى آله وصحبه السادة النجباء الكرماء الثقات .... أما بعد :
هكذا هي الدنيا كما عهدناها قُلَّبٌ بأهلها ، لا يبقى لها حال ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً ، وإن أسعدت يسيراً أحزنت كثيراً ، لا يركن لها إلا مفتون ، ولا يأمنها إلا جاهلٌ لحالها ، أو لاهٍ عن مصيرها ، جعلها الله فتنة للناس ، ومقرُّ امتحان والتباس.
منذ أن أكرم الله هذه الأمة ببعثة نبيه محمدٍ وأفواج الدعاة المصلحين يتعاقبون فيها، علماء مخلصون، ومربون ربانيون من خلفاء رسول الله الراشدين، وورثته من العلماء العاملين داعين إلى الحق، حاكمين بالقسط، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وإن العناية بسيرتهم، والتذكير بهم، وهم مصابيح الهدى التي أضاءت الطريق، بل حوّلت مجرى التاريخ في ديارها، وأورثت تحولاتٍ فكرية كبرى في عقولها، إن ذلك مما يجب أن تنصرف إليه الهمم، ويعتني به الموجهون، ويذكّر به المذكرون.
أيها المسلمون:
يقول ربنا جل وعلا: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، إن ممن رفعهم الله أهل العلم العاملين، الذين هم أركان الشريعة وأمناء الله في خلقه، منهم ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، بهم تحفظ الملة وتقوم الشريعة، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الضالين، فلله درهم وعليه أجرهم، ما أحسن أثرهم، وأجمل ذكرهم، رفعهم الله بالعلم وزيّنهم بالحلم، بهم يُعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة ، يذكرون الغافل ويعلّمون الجاهل، جميع الخلق إلى علمهم محتاجٌ.
هم سراج العياد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق وتموت قلوب أهل الزيغ، مَثَلُهم في الأرض كمَثَل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيّروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا.
لقد رزئت الأمة يوم أمس الاثنين 20 من رجب عام 1430هـ الموافق 13 من يوليو 2009م بفقد الإمام الهمام العالم المحقق الزاهد العابد بقية السلف الصالح والدنا الشيخ الدكتور عبد الله بن عبدالرحمن الجبرين رحمه الله وأكرم مثواه ، وانزل عليه شآبيب رحمته ، وسوانح رحمته ، وعظيم فضله وإنعامه آمين.
يقول الشاعر :
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ --- ولا شاةٌ تضيعُ ولا بعير
ولكن الرزيـة فقد فـذٍ --- يموت بموتـه خلقٌ كثير
هذا يُقال في تصوير مصاب الأمة وتعظيمه بفقد عالم واحد فكيف وشيخنا ابن جبرين ثالة أثافي الفتوى ،حيث قد فقدت الأمة قبله ركناً ركيناً _ بعد الله الجليل _ بفقد سماحة العلامة المجدد ، وحيد دهره ، وعظيم عصره ، سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أغدق الله على جدثه سوابغ فضله ورحمته وإنعامه وبعد أقلَّ من عامين رُزئت الأمة بفقد عالمها المفضال ، سيل العلوم ، ومجدد للعلم الرسوم ، المُحقق المدقق ، فقيه عصره ، ونبيه جيله الإمام العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله رحمة تُلحقه بالرفيق الأعلى في الفردوس الأسنى آمين
وقد قلت ثالثة الأثافي واصفاً لحاله ومرتبته ، لا مُتنقصاً من قدر مشائخي وعلماء هذا البلد المعطاء وإخوانهم من علماء العالم الإسلامي الكبير كلا والله فهم ملء السمع والبصر ، وما كان لمثلي ممن هو عالة على فضلهم ، وبقية موائدهم العلمية ، وقَسْماَ من سنا أنوارهم البهية ، وهم محطُّ أنظار السائلين ، وملجأ الطالبين المُستهدين ، وقد تحمّلوا بعد فقد ابن جبرين التبعة كاملة ، واحتملوا عِبئاً ثقيلاً تنوء به الشُمَّ الصلاب الراسيات ، فلهم منا الولاء الكامل في الحق ، والحب النابع من صميم الفؤاد ، والدعاء الصادق أن يُعينهم على حمل الأمانة ، ومكابدة القيادة ، وهم أهلٌ لذاك وزيادة.
ولكني سمَّيت شيخنا ابن جبرين رحمه الله باسم لا أظنهم يردونه ، ووصفته بوصفٍ لا أظنهم يُنكرونه فله في قلوبهم من الإجلال ، والاعتراف بحقه ما هو أعظم مما نُشير والله يؤتي فضله من يشاء والله واسعٌ عليم.
إني لأكتب هذه الكلمات ولم يمضِ على إيداع شيخنا قبره _ سقاه الله من رحمته _ إلا سويعات قليلة ، فالعيون لا زالت باكية ، والقلوب لا زالت مفجوعة ، والنفوس لا زالت مكلومة ، ولا زالت شاشة هاتفي النقال لم تهدأ من وميض رسائل التعزية والمواساة ، ممن عرف حالي مع شيخي ، ومكانته في قلبي ، ولطيف حنوِّه عليِّ ، وما كانت والحال كذلك لتستطيع النفس أن ترسم ما تريد ، ولا أن تعبر عما تشاء فالكلمات تتعثر بالعَبْرة ، والعين تفقد تمييزها بالدمعة ، ولهذا لن أزيد المواجع ، ولن أظهر الفواجع ففي النفوس ما يكفيها ، فلست أزعم أني الوحيد في حبِّ الشيخ ، ولا بالفريد في قربه فمعي الآلاف بل الملايين من المحبين في طول العالم الإسلامي وعرضه فالله لنا ولهم خيرُ خلَفٍ وذُخرٍ من كل فائت ، بل سأسعى أن أذكر نفسي وإخواني بما يجب علينا ، فديننا قد علمنا كيف ننظر للحياة ، وكيف نُحبُّ الصالحين ، وكيف نؤمن بقضاء الله وقدره ونعلم أنه سبحانه لم يأخذ منا شيئاً قبل حينه ، ولم يظلمنا حقاً نستحقه ولكنها سنة الله في خلقه لا رادَّ لقضائه ، ولا مُعقِّب لحكمه ، ولا إله غيره ، سبحانه وبحمده قال تعالى : { كلُّ نفسٍ ذائقة الموت ...الآية } [آل عمران:185] وقال سبحانه: {... فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون} [النحل:61]
فلم يبق لنا بعد هذا إلا أن نقول لأنفسنا فماذا نحن فاعلون بعد شيخنا ؟
لأننا نحسبه _ رحمه الله _ قد قضى ما عليه ، ورسم لنا طريق أولي الهمم العالية ، والنفوس الأبية التي رفعت الكتاب والسنة بيدٍ ، وشمَّرت بالأخرى عن ساعد العمل والجد ، إلى أن أقعدها المرض ، وأذهلها البلاء.
أرأيتم مثل ابن جبرين ، يحمل في الدعوة والسير إليها جسداً نيَّف على الثمانين عاماً ، يطوف البلاد عرضاً وطولاً ، براً لا جوَّاً ،يُدرّس في دورة علمية ، ويُلقي محاضرة عامة ، ويجيب دعوة داعية ، ويزور جمعية برٍّ أو تحفيظ ، ويكتب لمكتب دعوة أو لجنةٍ إجتماعية ، ويزور عالماً في بلد مروره ، ويسمع من أهل كل قرية عمَّا لديهم عن قريتهم من ذكريات وتاريخ ومن سكنها من أهل فضلٍ وعلم ودعوة ، جدولٌ مملوءٌ بكل نافعٍ ومفيد منذ أن ينطلق من بيته حتى يعود إليه ، إسألوا ابن الشيخ الأستاذ الفاضل والأخ الحبيب سليمان كيف كان يحار في ترتيب جدول أبيه وزياراته ، وهو يرى هذا كله أمام عينيه وقد صدرت موافقة الشيخ بكل أريحية على كل ما فيه فلم تتعود نفسه أن تُغضب حبيباً ، ولم يتعود لسانه أن يردَّ طالباً ، وما بقي على سليمان إلا التوفيق بين كل ذلك مع جزمه أن ذلك كثيرٌ ومرهقٌ للشباب وأصحاب الفتُوَّة فكيف برجلٍ يعانق عِقْده الثامن ، ولكنه في ذات الوقت يعلم أن راحة الشيخ ، وفرحة قلبه ، وسعادة نفسه أن يكون كذلك ، فلله درُّه من حاملٍ لنفس وروحٍ عشقت العلياء فلم ترض بالدون ، وأنست بالقمم فلم تنظر للقيعان ، فهل يعي القاعدون من طلبة العلم عن معانقة المعالي ، وهل يرضى حملة الشهادات الشرعية الذين تأكلوا بشهاداتهم من حُطام الدنيا الفانية وقعدوا ، ونسوا ما تحمَّلوه من عظيم أمانة ، وقعدوا عن تبليغ الديانة ، وركنوا للدنيا وتركوا الناس في ظلام جهلهم وبأيديهم المشاعل هل سيبقون في قيعان الحفر ، بعدما رأوا شيخهم يعانق بهمته الدعوية أبراج السماء.
لقد وصلتني في يوم وفاة شيخنا رسالة نصية من أخٍ مُحبٍّ فاضل هو الشيخ مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي _ وفقه الله _ خففت بحق وقع المصيبة وجلت بعض الهمِّ عن قلبٍ مكلوم ، وجعلت النفس ترمق شيخنا وكأنه يُطلُّ من بين أبراج السماء ، وهذا نصها: [ ( قوموا أيها القاعدون !! ) هذه الرسالة التي خلفها العلامة ابن جبرين برحيله اليوم من هذه الدنيا .. فوا أسفى على عُمْرٍ تقاصر عن هموم الكبار !! ].
إي والله يا أسفى على عمر تقاصر عن هموم الكبار، وهذا هو أول درسٍ نستفيده من حياة شيخنا ، وفاجعة رحيله.
أما الدرس الثاني :
فلئن مات ابن جبرين ، وفارقنا بجسده ، وفات علينا عبير أنفاسه فلقد أبقى لنا ميراثاً لا يخصُّ ورثته فحسب ، بل هو مشاع بين أفراد أمة الإسلام ممن هو اليوم على وجه البسيطة وممن سيأتي إلى قيام الساعة ، إنه العلم الغزير الذي فاض به طيلة حياته ، وما دبجته أنامله وأملاه على طلابه من مسائل محررة ، وكتب محققة ، ورسائل مدونة ، مَنْ لها اليوم يسبر غورها ، وينشر عبيرها ، فلقد صارت التبعة على من خلفه اليوم فهل نعي عِظَم المسؤلية التي ستسألنا الأجيال القادمة عنها ، فهو حقٌّ لها علينا أن نبلغها مالم تسمع ، ونخبرها بمالم تر ، من ميراث هذا العَلَم الهمام ، اللهم يسِّر فلا مُيسِّر سواك ، فالحِمْلُ ثقيل ، والأمانة عظيمة.
أما الدرس الثالث :
لقد عاش ابن جبرين ردحاً من الزمن بيننا سَـرَّ قوماً ، وضَـرَّ آخرين ، نعم لقد سرَّ علمه وبلاغه وهمته أهل الحق ، وطلاَّب العلم ، والباحثين عن الخير والصلاح ، وضرَّ قوماً من أعداء هذه الملة من مبتدعة ، وليبراليين ومتحررين من الفضائل ،وممن كان يحيك الدسائس الفكرية ، والمؤامرات الخفية على هذه البلاد وأهلها فكان شيخنا شجىً في حلوقهم ، وغُصة في صدورهم ، وعقبة في طريقهم ، فقد كان علمه الراسخ ، وقلبه الثابت ، وعلمه المبثوث ، وفتاواه العابرة ، التي ينتظرها الشباب المتوقد المتوثب في كل بقعة من عالمنا الإسلامي الكبير ، مُثبتاً وموجهاً وناصحاً وقائداً لسفينة النجاة الماخرة في عُباب الشبهات والشهوات المتلاطمة ، كم أراح الله به وبفتواه من معضلة ، وردَّ من نازلة ، وبصَّر به من مدلهمَّة لا يعقلها إلا العالِمون من أمثاله .
فهل سنبقى على منواله؟ ، ونسير على طريقه سدَّاً منيعاً لكل فتنة ، فتموت الأعداء بغيظها ، وتحترق بلظاها ، أما أننا سنركن للدعة والخمول ، وننسى حمل المشعل الذي كان يحمله شيخنا فتسرح الأعداء جذلة مسرورة بما تحقق لها من تخطي العقبة الكؤود ، وانطفاء النار المحرقة ، لا حقق الله آمالهم ، ولا بلغهم الله مُناهم آمين.
الدرس الرابع :
مات ابن جبرين كما يموت البشر ، وسنموت مثل ما مات لكن السؤال الذي يجب أن نسأله أنفسنا هل نُريد أن نموت كما مات شيخنا أم لا ؟
إنه ليس من أحدٍ يرى جنازة الشيخ ، وأعداد المشيعين ، وتأثر المحبين ، واثر فاجعة الفقد على الناس ، ويسمع من مآثر شيخنا وأعماله ، وأقواله التي نصر الله بها الحق وأهله ، ورفع الله بها أعلام الأمة ، وكشف الله بها الغمة ، إلا ويتمنى أن يكون كذلك ، ولكن هل سألنا أنفسنا لماذا بلغ ابن جبرين ذلك ؟
إننا نحسبه والله حسيبه قد سبك كل ذلك بإخلاص وتقوى ، ومخافة من الله جلية ، وتعبِّد لله عظيم ، وزُهْدٍ لهذه الدنيا واضح ، وتواضعٍ جمٍّ أخجل المخالفين فكيف بالموافقين المحبين ؟
لقد عاش شيخنا كبيراً في همته ، قريباً من ربه ، ذليلاً لمولاه ، متعبداً في سفره وإقامته ، متوثباً لكل معروف ، يُمضي يومه في عبادة وقربة ، أو شفاعة وكشف كربة ، أو علم يبثه بين الأنام ، مُحتسباً لا يكلُّ ولا يملُّ ، متجدد في كل وقت ، متعففٌ في صمت ، يُفرحه العطاء ، ويؤنسه الوفاء.
إن حياة شيخنا كلها دروسٌ وعبر ، ما تأملها منصفٌ إلا عرف ماذا فقد المسلون بفقده ، وماذا يجب علينا من بعده ، وإني وإن كنت قد أسهبت وبسطت القول إلا أنني أعترف في حقه بالتقصير ،وأعلم أن له عليَّ من الحق الكثير ، وقد سلكت فيما أظن سبيل العدل ، وحاولت أن أبتعد عن الإطراء الذي كان يكرهه شيخنا ونهانا عنه قبل ذلك شرعنا ولسان حالي كما قال الإمام ابن القيم في نونيته :
يارب غَفْراً قد طغت أقلامنا *** يارب معذرةً من الطغيانِ
هذا ما تيسَّر على عجل ، مع تعب النفس وأثر الكلل ، ووقع المصيبة ، وخطر المقام ، وكِبَر الحق ، وقلة البضاعة أقدمه هديَّة من محبٍّ صادق ، ومعترفٍ بالتقصير لكل من خلَّف الشيخ من أهله وذويه ، وطلبته ومحبيه ، في كل مكان من المعمورة مقدماً للعذر وملتمساً للقبول من الله ذي المنن السابغة ، والنعم الظاهرة والباطنة قياماً ببعض الواجب ، سائلاً المولى الكريم أن يُسبغ على شيخنا ووالدنا فضله وإنعامه ، ويُجزل مثوبته ، وأن يجزيه خير ما جزى عالماً عن أمته ، وينقله إلى أعالي الجنان ، ويُسكنه فسيح دار المنان ويعوض الأمة خيراً مما فُقد منها ويجعل في ذريته وعقبه الخير والهدى والبركة آمين
وصلى الله وبارك على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
~سليل المجد~
17-07-09, 03:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
غالبا ما يهون وقع مصيبة فقد الأحباب توقع حصول هذه المصيبة والدخول في مقدماتها. والإنسان الذي لديه شخص كبير في السن يعاني من أمراض مختلفة لا يحزن لفقده كما يحزن لفقد قريب له مات فجأة أو بدون مقدمات.
وهذا الكلام إنما ينطبق على عامة الناس الذين لا أثر لهم في الحياة يذكر.
ولقد بلغ سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين- رحمه الله- عمرا طويلا وعانى من مرض عضال ودخل في غيبوبة لمدة أشهر، ومع ذلك كله فقد كان وقع موته عظيما على من عرف منزلة مثله.
إن فقد الشيخ - رحمه الله- لا يدرك خطره إلا من عرف أن هؤلاء العلماء هم أمنة للأمة فإذا ذهبوا أتى الأمة ما توعد.
ولقد قال بعض السلف في تفسير قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) الرعد 41، أن المقصود بنقص الأرض هنا هو موت العلماء.
إن فقد مثل الشيخ ابن جبرين رحمه الله هو بمثابة دفن لجزء من ميراث النبوة الذي لا يوجد إلا عند مثله (وإن العلماء ورثة الأنبياء).
إن فقد أمثال الشيخ ابن جبرين رحمه الله هو بداية لفتح باب عظيم من أبواب الضلال حيث يقبض العلم ويتخذ الناس رؤوسا جهالا يفتون الناس بغير علم. قال صلى الله عليه وسلم:
(إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
لعمرك ما الرزية فقد مال.......ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية موت شيخ.......يموت بموته خلق كثير
إننا- والله- لا نحزن على فقد الشيخ بقدر ما نحزن على فقد قلوب لم تقدر وجود أمثال هذه الجبال الشم حق قدرها وإلا فإنا نعلم- بحسن ظننا بربنا وشهادة نبينا عليه الصلاة والسلام- أن ما عند الله خير للشيخ، كيف وقد بذل الشيخ رحمة الله عمره معلما للخير داعيا لعقيدة السلف آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وكيف وقد شهد له البعيد والقريب بالخيرية وقد قال صلى الله عليه وسلم (أنتم شهداء الله في أرضه).
أخير أيها الإخوة أقول لكم إن الميت هو ميت الأحياء الذي وجوده كعدمه أو وجوده شر من عدمه:
ليس من مات فاستراح بميت......إنما الميت ميت الأحياء
إن ما نشر الشيخ رحمه الله من علم يجعله حيا حاضرا بينا ومن فاته شخص الشيخ فلا يفتونه علمه، وإن لدينا من العلماء الأحياء من هم في مصاف الشيخ رحمه الله فهل سننتظر حتى تطوى أعمارهم ويكون قصارى ما نملك هو التحسر والتفجع. أتمنى أن لا.
اللهم اغفر لشيخنا ابن جبرين وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين اللهم افسح له في قبره ونور له فيه.
والســــلام
~سليل المجد~
17-07-09, 03:06 AM
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مقدرِ الأقدار، مصرفِ الأمور، مُكَوِّر الليل على النهار، تذكرةً لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار.
الذي أيقظ من خلقه مَن اصطفاه فأدخلهم في جملة الأخيار، ووفق من اجتباه من عبيده فجعله من المقربين الأبرار، وبصّر من أحبه فزهدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهب لدار القرار، واجتنابِ ما يسخطه والحذر من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجد في طاعته وملازمة ذكره بالعشي والإبكار، وعند تغاير الأحوال، وجميع آناء الليل والنهار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار. أحمده أبلغ الحمد على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الأحد الصمد العزيز الحكيم
كثيرة هي الفواجع والمصائب في هذه الحياة الدنيا، وأكثر هذه الفواجع وآلمها موت العلماء، تلك المصيبة التي تتعدى آثارها بيت الفقيد وأهله وصحبه، لتصل إلى آماد بعيدة في الأمة عامة. وفي أحيان كثيرة يقف المرء مشدوهاً أمام هذه المصائب ولربما حاول استبعادها من شدة وقعها لأول وهلة، إذ يفزع الإنسان في لحظة ما إلى آمال حبيسة في نفسه سرعان ما تجيش لتتحكم في سلوكياته، وهذا ما عبّر عنه أبو الطيب المتنبي حينما بلغه خبر موت من كان مولعاً بحبها فما أن وصله الخبر حتى قال:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر* فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
وهذا الذي كان عندما سمعت بموت شيخنا العالم الكبير الحبر البحر العلامة الفقية
الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله رحمة واسعة
ولا شك أن موت العلماء كسر لا يجبر وثلمة لا تسد ، ذلك أن العلم يموت بموت حامليه .
قال محمد بن الحسين : إذا مات العلماء تحير الناس ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، مصيبة ما أعظمها على المسلمين .
قال ابن عبد البر رحمه الله : أنشدني احمد بن عمر بن عبد الله في قصيدة له :
وذهاب العلم عنا………في ذهاب العلماء
فهم أركان دين الـ………ـله في الأرض الفضاء
فجزاهم ربهم عنـ ……ـا بمحمود الجزاء
وقال آخر :
تعلم ما الرزية فقد مال……ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حبر………يموت بموته خلق كثير
ولكن الله تعالى برحمته وطوله وقوته وحوله ، ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ، أولئك هم الأقلون عدداً ، الأعظمون عند الله قدراً ، قال ( : " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " . وفي رواية : " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة " .
نسأل الله أن يتغمد شيخنا برحمته وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، وأن يجزيه عن الأمة خير الجزاء والله إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، فاللهم اخلفه في عقبه واجعله في عليين واخلف الأمة خيراً في مصيبتها أمين
~سليل المجد~
17-07-09, 03:08 AM
كم هو صعب على القلم أن يكتب عن شخصية كمثل شخصية شيخنا العلامة الشيخ الدكتور / عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين رحمه الله، ولكنني أجد أنني مضطر لذلك فألم الفراق وتذكر مثل هذه القامة العلمية الكبيرة ، محفز كبير لأصحاب النفوس الضعيفة والهمم الدانية من أمثالي للتشبه بمثل هؤلاء الكبار.
وقد كان لي الشرف بالحج عام 1410هـ، وقد رافقنا سماحته رحمه الله وجمع من أبناءه وأهله وفقهم الله، ولقد شدني جداً مواقف عجيبة من الشيخ رحمه الله في تلك الأيام القليلة، وكم كنت أتعجب كثيراً من تلك المواقف التي تدل على جلده في العبادة والطاعة مع كبر سنه رحمه الله، لكن لا عجب فالعالم الرباني من أمثال سماحه الشيخ رحمه الله – نحسبه كذلك – قدوته وأسوته نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قام من الليل حتى تفطرت قدماه ثم يقول أفلا أكون عبداً شكوراً.
وسأكتفي بثلاثة مواقف للشيخ رحمه الله تدل على ما ذكرت:-
أولاً/ كان رحمه الله إمامنا في جمع الصلوات المفروضة، وكان يصلي بنا بخشوع وطمأنينة ، صلاة ليس بالطويلة التي تؤثر على الكبير أو المريض ولا القصيرة التي تخل بالصلاة وسكينتها، وكان يحرص رحمه الله أن يوجه المصلين بكلمة توجهيه تحمل في طياتها غالباً ما يجب على المسلم والمسلمة في أعمال الحج القادمة ، يعلمنا ذلك بعد كل فرض، فلا يمل حديثه، حتى بات يصلي معنا من ليس معنا في هذه الحملة، وكان رحمه الله يجيب على أسئلة المستفتين بعد ذلك دون تضجر من كثرتها أو إهمال لشئ منها ، كل ذلك بأسلوب علمي بديع يدل على غزارة علمه وفقهه رحمه الله .
وبهذا استفدنا منه في هذه الأيام القليلة علماً كثيراً وفوائد جمة.
ثانيا/ وهذا الموقف كان يوم عرفة حيث نزل رحمه الله من الحافلة ونزلنا معه بعد أن وصلنا إلى عرفات فكان أول ما أمرنا به أن نستعد للصلاة فصلينا الظهر والعصر، ثم أوصى القائمين على الحملة بسرعة وضع طعام الغداء لنتفرغ للعبادة والدعاء، وقد اجتمعنا معه رحمه الله في مكان واحد قبل الغداء فوالله إن أكثر الناس كانوا يتحدثون فيما بينهم ويتسامرون استعداداً للطعام وكان رحمه الله تتحرك شفتاه بذكر الله انشغل بذلك عن الحديث مع الناس .
ثالثا/ وهو أيضاً موقف حدث في عرفات فقد رأيته رحمه الله قام بعد الغداء واستقبل القبلة يدعو وكان الحر شديداً حتى أننا كنا نرفع أيدينا بالدعاء فيرهقنا الحر فنرتاح لفترة ، وكنت أنظر إليه فوالله لقد كان رحمه الله على حاله التي بدأ فيها بالدعاء رافعاً يده حتى تحركنا لمزدلفة، فتعجبت كثيراً من رجل بمثل سن الشيخ وعمره كيف يصبر على مثل هذه العبادة مع وجود المشقة الظاهرة والحر الشديد، واستصغرت نفسي ولكن
اذا كانت النفوس كباراً تعبت في حملها الأجسام
فرحم الله شيخنا رحمه الله رحمة واسعة وجعله من ورثة الفردوس الأعلى، وأحسن الله عزاء الجميع في فقد سماحة الشيخ رحمه الله.
~سليل المجد~
17-07-09, 03:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
جاء من المدينة النبوية للتو، وقَبِل دعوة كريمة ليلقي محاضرة في قاعة إحدى المدارس الكبرى بجدة، والتي كان يُقام بها درسٌ علميّ أسبوعيّ.
وافق الشيخ ابن جبرين - رحمه الله - مع ارتباطه الشديد وتعنى ليلقي على أكثر من 500 امرأة محاضرة قيمة مرصّعة بآيات الله البيّنات، مدعمة بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - تفيض نصحًا ولطفًا وتوجيهًا للمرأة لتكميل مقامات العبودية لله - جل وعلا - وتوعية بدورها ومسئوليتها وحقوقها، لقد كانت فريدة..
أتدرون لم؟
لأن الداعية التي كانت تلقي دروسها المنتظمة في نفس القاعة كانت قد ألبست الشيخ - رحمه الله - عباءة التحزب، ورمته لدى خواص تلميذاتها بألوان التهم ..
ولكن الجميع استمع إلى الشيخ - رحمه الله - بإنصات عجيب.. وحُق له ولنا ...
قبل انتهاء المحاضرة جُمعت الأسئلة من الحاضرات وكانت كثيرة جدًّا لم يتسنّ فرزها جميعًا . ولا زالت النساء يبعثن بأسئلتهن .. واستمر في الإجابة عن الاستفسارات والأسئلة قرابة الساعة، سوى المحاضرة التي استغرقت نحو الساعة والنصف... لقد تأخر عن موعده المحدد بأكثر من نصف ساعة ... حتى توقف من يقرأ الأسئلة طالبًا من الشيخ أن يغادروا ليلحقوا بموعدهم .. فقال الشيخ لا بأس هؤلاء نساء وحقهم علينا كبير .. وواصل والنساء يبعثن بأسئلتهن التي حُجزت بعضها رأفة بالشيخ ... هذا هو الشيخ مقدر النساء.. مقبل على تعليمهن ومعتن بهن، رحمه الله.فعلت مكانته في نفوس الحاضرات في نفس المكان الذي أسيء إليه فيه.
بعدها بعام أُعلن أنه سيشارك في الدورة العلمية الصيفية التي تقام كل عام في جامع الملك سعود بطريق المدينة الطالع بجدة..
فسررت أيّما سرور، حضرت فوجدت الجامع ممتلئ بالنسوة رغم أنه الأسبوع الخامس من الدورة حيث اعتدنا أن يقل عدد الطلاب والطالبات كلما طال الأمد..
شرح جزءًا من كتاب التوحيد للعلامة المقريزي، وجزءًا من أخصر المختصرات لابن بلبان الحنبلي - رحم الله الجميع - بعد الفجر مدة أسبوع كامل.
كان شرحه للتوحيد يستقر في النفس دون أن يحتاج إلى تقييد كراريس، وتوضيحه للفقه ما فتحت كتابًا في الفقه إلا وأذكر طريقته الميسرة المتفنّنة..
وإذا قيل له هذا سؤال من إحدى الأخوات أولاه عناية في تفصيل الجواب، والاستدلال والسبر والتقسيم ، ليشعر المرأة أنك مهمة وأنك أخت الرجل في طلب العلم وغيره،
مؤتسيًا بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عندما أقبل على النساء وخصص لهن يومًا يعلمهن ويفقههن فيه، كما كان يخصص لهن حديثًا في خطبة العيد.
وإنا لنأمل أن ينشر نتاج الشيخ بشكل أوسع فحتى الآن لا ندري عن اكتمال بعض السلاسل كشفاء العليل شرح منار السبيل ونحوه.
كما نأمل أن يطور موقع الشيخ - رحمه الله - ليضم شروحات الشيخ الصوتية مخرجة على هيئة كتب رقمية، كذا مجموع فتاواه...
رحم الله الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين، وجزاه خير ما جزى عالمًا عن أمته.. وأخلف للأمة بخير، وخلفه في أهله بخير..
~سليل المجد~
17-07-09, 03:10 AM
دع عنك ذكرَ فلانةٍ وفلانِ واذكُر مصاباً هزني وشجاني
فَقدُ السماحة والبشاشة والتقى فقد بن جبرين هدَّ مني كياني
حقا رَحَلتَ أخَا المآثر والندى وتركتنا في عالم الأحزان
علمٌ تَجَلبَبَ بالمَهَابةِ والتقَى أكرم به من عالمٍ رباني
قوامُ لَيلٍ بالنهارِ صيامه بكاءُ كالبصري أو زَاذَانِ
تبكي الأراملُ واليتامى فَقدَه وبكى عليه القاصي قبل الداني
تبكي المساجد شَيخَها وإمامها من كل ناحية وكل مكان
يا لوعةَ القلبِ السليبِ لفقدهِ لكنَّ تلك إرادةُ الرحمنِ
موتُ الأئمةِ ثُلمةٌ في ديننا والخطبُ أعظمُ يا أخا العرفانِ
يا لائمي في حُبِّهِ وبكائه مهلا هداك الله من إنسان
مهلا هداك الله ما هذا الجفا حبُ ابن جبرينَ ليس بالعصيان
دعني أسحُ الدمع مدرارا على كَنزِ العلومِ وفارسِ الميدان
سيظلُ هذا الشيخ نبراساً على نهجِ النبوةِ والهُدى الرباني
نجمٌ هوى من بعدِ طولِ تألقٍ يهدي الأنامَ بحكمةٍ وتفانـي
يهوي إلى العَليا وليس لأسفلٍ فالشيخ فاقَ بنورهِ القمران
ما مات هذا الشيخ إلا شامخا كذبوا وقالوا فر من سجان
فليفرحوا بوفاته أو يشمتوا فالموت حق يا أخا العرفان
أرأيتمُ كيف الحشود تقاطرت كتقاطر العُمَّارِ في رمضان
هذا علوٌّ في الحياةِ بعـــلمه وبموته حاز العلوَّ الثاني
قمرٌ منيرٌ للأنامِ وللدُنــى في ظلمة الأيام والحَدَثَان
يا حُسنَهُ قد لُفَّ في أكفانهِ وعلا على الأعناق والأبدان
شيخ تميز بالبصيرة والهدى في زحمة الأقوال والأعيان
يفتي بنص الوحي غير مجاوز آيَ الكتاب وسنةَ العدنانِ
آيُ القُران وديعةٌ في صدره والسنةُ الغراءُ بين جِنَانِ
فهو الأصُوليُّ الفَقِيهُ العارفُ بمسائل التوحيد والإيمان
تبكي المعارفُ والعلومُ إمامها والفقه يبكي العالم الربَّاني
شيخٌ جليل طالما أجلى العمى عنا بكل براعة وبيان
عَلَمٌ إمامٌ قدوةٌ متبوعةٌ ولسانُ صدقٍ طاهرُ الأردانِِ
متألهٌ متخشعٌ متفكرٌ يهوى العلا سمحٌ بلا نكرانِ
أما التواضع والزهادة والتقى حدِّث بها عنه بلا كتمان
فمعيشة الشيخ الإمام مناهج للزهد والأخلاق والإحسان
جمُ المناقِبِ طَاوَلَت أخلاقهُ قِمم الجبالِ ومنتهى البنيانِ
فهوَ الكريمُ كذا الرحيمُ بخصمهِ وهو المجيبُ إذا دُعي لِطِعان
لا يغضبُ الشيخُ الجليلُ لنفسهِ أبدا ولا يجني على إنسانِ
أما إذا انتُهِكَت معالِمُ ديننا فلغَضبَةِ الشيخ صدىً رنانِ
يا رب فارحَم شيخنا واغفر لهُ واجعله في الفردوس أعلى جنان
واجمعه يا رب بإخوان الصفا كابن العثيمينَ وكالألباني
وبشيخهِ ورفيقِهِ في دربهِ أعني ابن بازِ العالم الرباني
يا آل جبرين اصبروا واستبشروا فالشيخ في روح وفي ريحان
إني شرفتُ بمدحهِ ورِثَائهِ والعجزُ فيما سَطَرتهُ ببنانِ
فالشيخُ أعظمُ من جميعِ مديحنا لكنه جَهدُ المقلِّ العَاني
احساس ومشاعر
17-07-09, 01:49 PM
الله يرحمك يا شيخنا الفاظل واسكنك في اعلى عليين مع الانبياء والصديقين والصالحين والشهداء وحسن اولئك رفيقا
أميرة الوجود
17-07-09, 03:03 PM
رحمكــ الله ياشيخنــــــــــا وأسكنكــ فسيييييييح جناته..آآآآآآآآآآآآآآآآميييييين...
بندر الايداء
17-07-09, 04:12 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
رحم الله الشيخ العلامة عبدالله ابن جبرين رحمة واسعة
وجمعنا به في الفردوس الاعلى من الجنة
تم دمج المواضيع السبعة التي تتحدث عن الشيخ رحمه الله
وجزاك الله خيرا ونفع بك
حفظك الله
ابو محمد المرواني
19-07-09, 12:04 AM
رحم الله شيخنا رحمة واسعه وادخله فسيح جناته ومشكر على الموضوع والله ينفع بك
أبو أنس حاتم
19-07-09, 05:02 AM
جزاك الله خيرا
الهنـوف
19-07-09, 12:33 PM
بارك الله فيك
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir