قلب القصيم
13-02-05, 03:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
محاكمة حاطب
وإليك قصة محاكمة حاطب بطولها كما أخرجها البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثني إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس قال سمعت حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام وكلنا فارس قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا الكتاب فقالت ما معنا كتاب فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: (يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ما صنعت؟!»، قال حاطب: (والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً!»، فقال عمر: (إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه)، فقال: «أليس من أهل بدر؟!»، > وفي بعض روايات غير البخاري: فقال عمر: (بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك)< فقال: «لعل الله أطلع إلى أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم!»، فدمعت عينا عمر وقال: (الله ورسوله أعلم)]
في هذه القصة المشهورة، الثابتة في كتب السنن والسير والمغازي والتراجم، التي أخرجها البخاري وغيره مطولة ومختصرة، أمور غاية في الأهمية، تخالف ما قد يظنه البعض للوهلة الأولى، منها:
الأول: أن ما دار من حوار أعلاه لم يكن في جلسة تبسط وسمر، وإنما كان في جلسة قضاء معتبرة جلس فيها نبي الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، للقضاء، وقام فيها عمر، رضي اله عنه، بدور «المدعي العام»، في حين ترافع حاطب عن نفسه. والروايات إنما نقلت لنا القسم الثاني من الترافع، أما القسم الأول الذي يتم فيه التحقق من واقع الجريمة ومجريات الأحداث فقد فرغ منه ها هنا بالوحي الذي كشف جريمة حاطب، ثم بوضع اليد على المستند المادي (كتاب حاطب لقريش) الذي استحصل عليه فرسان النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: علي والزبير وأبو مرثد الغنوي، رضوان الله وسلامه عليهم، من الظعينة في روضة خاخ، وأحضروه إلى نبي الله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، ولعل الظعينة كانت حاضرة كذلك، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات، وقد أقر حاطب بذلك ولم ينكر، فوقوع الجريمة أمر مفروغ منه.
الثاني: أن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لم ينكر على عمر قوله عن حاطب ابتداءً: (لنه خان الله ورسوله والمؤمنين)، أو (إنه نافق، وارتد عن دينه)، كما جاء في رواية أخرى، وكل واحدة من الجملتين تستلزم الأخرى، والأرجح أن عمر قال كلتا الجملتين فاكتفى بعض الرواة بواحدة منها لكفايتها بالغرض. لم ينكر النبي على عمر مقولته تلك، فلم يقل مثلاً: «ليس هذا ردة أو نفاق»، أو «ليست هذه خيانة لله ورسوله»، أو «لا تقل هذا»، أو نحو ذلك، أو قريباً منه، وذلك في وقت الحاجة الماسة إلى ذلك البيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما وأن الشرع غلظ حرمة المسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، «لعن المؤمن كقتله»، ولا سيما أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنكر فوراً على من وصف «مالك بن الدخشم» بالنفاق لما ظهر من مصاحبته ونصحه للمنافقين، بل ولاتهامهم له بأنه من رووسهم، وأنه «كهف» للمنافقين وملجأ لهم، وكرر ذلك عدة مرات، وأصر على ذلك، كما هو في الحديث الصحيح المشهور، المدروس في الملحق.
وبدلاً من الإنكار على عمر مقولته الشديدة التفت نبي الله، صلوات الله عليه وعلى آله، إلى حاطب وحقق معه، لمعرفة دوافعه، وهل له ثمة عذر أو تأويل. فتصنيف مثل هذا العمل، للوهلة الأولى بناء على ظاهره، بوصفه عملاً مجرداً، بغض النظر عن الأحوال الباطنة، على أنه «ردة ونفاق»، أو «خيانة لله ورسوله والمؤمنين»، أي أنه من أعمال الكفر، هو الحق بتقرير نبي الله الخاتم، المعصوم بعصمة الله، وهو الذي يجب على كل «مدع عام» الترافع والمطالبة به.
الثالث: أن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، صدق حاطباً في مقولته: (والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله). وتصديقه، صلوات الله عليه وعلى آله، لحاطب، فيه جوانب مهمة تحتاج إلى نظرة عميقة مدققة، ومن تلك الجوانب:
(أ) أنه تصديق بغير بينة، كما تقتضيه أصول المرافعة والتقاضي الشرعي: [البينة على المدعي]، فإنما كان، على الأرجح، بوحي من الله، وقد انقطع الوحي بوفاته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، ولا عجب: فالقصة كلها من انكشاف جريمة حاطب إلى ها هنا قد لعب الوحي فيها دوراً خارقاً، وهذا من معجزات سيدنا محمد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله. لذلك يجب حمل من فعل مثل فعلة حاطب على الردة والكفر، وتطبيق أحكام ذلك على فاعله في الدنيا، فلا يقبل منه الاعتذار أو المزاعم المجردة، إلا إذا قامت البينة الشرعية على خلاف ذلك، أو وجدت القرائن القوية المسوغة لدرء الحدود، ومن باب أولى درء التعازير، كما هو في هذه الحالة.
(ب) أن تصديقه لحاطب ها هنا يعني ضرورة أن حاطباً صدق في التعبير عن معتقده، وذكر دوافعه وتأوُّله، ولا يعني ضرورة أن قوله صحيح في نفس الأمر. فحاطب كان يعتقد، صادقاً متأولاً، أن ما فعله ليس من باب «تولي» الكفار، وهو من ثم ليس من أعمال الردة والكفر، وظن أن ما اعتذر به من طلب الحماية للأهل والأقارب يجيز فعلته الشنعاء، وأنه رخصة، وهذا ليس بصحيح في حقيقة الأمر، لأن فعلته في ذاتها «تولي» للكفار، بشهادة الله عندما عاتبه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء: تلقون إليهم بالمودة، ...}، (الممتحنة؛ 60:1)، وتولي الكفار من أعمال الكفر ولا شك، لا سيما وأن النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، لم ينكر، كما أسلفنا، على عمر مقولته المتضمنة لذلك: (إنه نافق، وارتد عن دينه، وأنه خان الله ورسوله والمؤمنين)
وهذا مثل شهادة الله جل وعلى على أن المنافقين كاذبون في قولهم: (نشهد إنك لرسول الله) يعني أنهم لا يعتقدون هذا، بل معتقدهم هو خلاف ذلك، فهم كاذبون في التعبير عن معتقدهم، مع كون مقولتهم بأن: (محمداً، صلوات الله عليه وعلى آله، رسول الله) مقولة حق وصدق في نفس الأمر وواقعه، بشهادة الله، جل وعز: {والله يعلم أنك لرسوله}.
فتصديق المخبِر قد يكون من جهة مطابقة قوله لاعتقاده، كما هو حال حاطب هنا، أو من جهة مطابقة قوله للواقع. والواقع الحسي وضرورات العقل، وكذلك نصوص الشرع، تبرهن أنه لا تلازم بين الجهتين: فقد يجتمعان، وقد ينفردان، كما هو في المثال السابق من شهادة المنافقين أن محمداً رسول الله.
(ج) وهو أهم الجوانب: أن حاطباً، رضي الله عنه، لم يحكم النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بكفره وردته، لا لأن عمله لم يكن من أعمال الكفر، وهو والله من أقبح أعمال الكفر، ولكن لوجود مانع من موانع «تكفير المعيَّن» في حقه، ألا وهو: (التأويل)، كما أسلفنا، ولعله ظن أنه يسوغ له ذلك من باب «التقاة»، أو لأن ما فعله (لا يضر الله، ولا رسوله)، كما عبر هو عن ذلك، أو لغير ذلك من التأويلات المحتملة، لا سيما أن مكانة حاطب الاجتماعية كانت في غاية الضعف فقد كان، على الأرجح، ما زال عبداً مملوكاً لبعض القرشيين، ولم يستكمل تحرير نفسه، ودفع مكاتبته، إلا عند فتح مكة، (وذلك قبل نسخ جواز استرقاق الكفار للمسلمين، والتشريع بتحرر المملوك، فور إسلامه، من رق الكافر).
وقد شهد النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، لحاطب أنه صادق في التعبير عن معتقده وتصوير دوافعه ومبرراته. وكلامه الذي دافع به عن نفسه، كما رواه البخاري وغيره، هو لفظ المدافع المتأول، وليس لفظ المذنب المقر بالذنب، كما يظهر من أدنى تأمُّل لنص ذلك الكلام. فهذا الحديث الصحيح الصريح أصل في عدم تكفير المعين الذي قام بعمل من أعمال الكفر، أو تلفظ بلفظ من ألفاظ الكفر، إذا عذر بـ«التأويل».
وكون حاطب متأولاً أمر مشهور كالمتفق عليه بين العلماء، فقد قال الحافظ في «الفتح»: [وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه]، (فتح الباري: 8/634). وقال ابن كثير في تفسيره: [وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير}، ولهذا قبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان عندهم من الأموال والأولاد]، (تفسير ابن كثير: 4/347)، والظاهر أن ابن كثير يعني أن حاطباً، رضي الله عنه، تأول آية «التقية» على غير تأويلها فأخطأ.
وقد وقعت قصة «تأويل» أخرى لأحد البدريين من الصحابة، وهو قدامة بن مظعون، الذي شرب الخمر متأولاً حلها في قصة مشهورة، أيام خلافة عمر بن الخطاب، فناظره الصحابة حتى رجع عن ذلك، ثم أقاموا عليه الحد، لأن جلد الشارب حد لا مسامحة فيه!
أما تزكية حاطب، والشهادة له بأنه مؤمن لم يكفر بالرغم من ارتكابه مكفراً، إنما ثبتت بهذا الحديث، فقط لا غير. أما من استشهد بخطاب الله له في سورة الممتحنة بالإيمان، مع جملة المخاطبين من المؤمنين، حيث قال تباركت أسماؤه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء: تلقون إليهم بالمودة، ...}، من استشهد بذلك فما أصاب ولا أحسن، لأن المخاطبة بإسم الإيمان لا تدل على عدم كفر بعض المخاطبين، لا سيما إذا كان الخطاب عاماً كما هو ها هنا: {يا أيها الذين آمنوا}، بل يجوز في كلام العرب تسمية الشخص أو الأشخاص بوصف كان في سابق حالهم، حتى لو انتقلوا منه، فلم يعودوا مستحقين للوصف الآن لحظة الخطاب، ومن أمثلة ذلك:
(1) قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: ...»، وذكر منها: «التارك لدينه»، لذلك قال الإمام ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: [وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه، ولو انتقل عنه، لاستثنائه المرتد من المسلمين، وهو باعتبار ما كان]، (فتح الباري: 12/204)
(2) قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: ..»، فذكر منهم: «ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي»، فوصفه أنه من «أهل الكتاب» مع كونه الآن مسلماً إنما هو من باب تسميته بسابق حاله. وهذا موجود كذلك بعينه في الكتاب العزيز: {وإن من أهل الكتاب لمن يومن بالله وما أنزل إليكم}، (آل عمران؛ 3:199).
(د) قد يستشكل قول عمر مرة ثانية: (إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه)، مصراً على مطالبته بالرغم من سماعه النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، يقول: «صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً!»، فكأنه كذَّب النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، وعصى أمره، وأصر على أن لا يقول خيراً؟! هذا فهم خاطئ لما حدث، حتى مع التسليم بأن اللفظ المروي هو عين لفظ عمر، مع أن الأرجح أنه رواية بالمعنى فقط، كما يدل تتبع ألفاظ الروايات المختلفة. والفهم الصحيح أنه إنما طالب بعقوبة حاطب على الجريمة التي وقعت بالفعل، وهو محق في ذلك، أو لعله ظن أنه حد لا تساهل فيه، أو أنه لم يعلم أن «التأويل» من موانع التكفير، أو ما شاكل، وذلك هو الذي فهمه النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، من مطالبة عمر وإصراره، فلذلك بين له أن حاطباً من أهل بدر، وهم ذوي مكانة خاصة، وسابقة كبيرة، تجعلهم أهلاً لإقالة العثرات، حتى الشنيع منها.
الرابع: أن علة منع قتل حاطب بن أبي بلتعة، تعزيراً، على تلك الجريمة الشنعاء، إنما هو كونه بدرياً، له سابقة وخصوصية. فدل على جواز إيقاع عقوبة الإعدام على مرتكب مثل تلك الجريمة، جوازاً، لا وجوباً (أي أنها ليست حداً لازماً، لا يمكن العفو عنه أو التسامح فيه، بل هي تعزير، يترك لاجتهاد الإمام والقاضي في الأحوال العينية، وهذا هو عينه قول الإمام مالك، وهو الصواب هنا إن شاء الله)، وجواز تخفيفها لأهل السابقة والفضل العظيم، كسائر التعزيرات، وفق ما صح من قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، ما خلا الحدود»، وذلك بخلاف مسطح بن أثاثة، رضي الله عنه، وهو بدري، الذي جلده النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حد «القذف»، وبخلاف قدامة بن مظعون الذي جلده عمر الحد لشرب الخمر، إذ لا مسامحة في الحدود إذا بلغت السلطان!
ــ فـ«المانع» من قتل حاطب تعزيراً على جريمته هو «كونه بدرياً»، أي كونه من أهل سابقة عظيمة في الإسلام،
ــ أما «المانع» من الحكم بكفره هو شخصياً بعينه هو «التأويل»، الذي هو من الموانع المعتبرة في حق كل شخص معين قام بعمل كفري أو تلفظ بمقولة كفرية.
الخامس: أن جريمة حاطب الشنعاء تقتصر على أنه أسر إلى الكفار بسر، وقد حرص مع هذا على أن يكون كتابه بلفظ عام (لا يضر الله، ولا رسوله)، كما دافع هو عن نفسه (راجع ترجمته في «الإصابة» كما هي في أحد الملاحق من كتابنا «الموالاة والمعاداة»)، فضلاً عن كون مكانة حاطب الاجتماعية في غاية الضعف كما أسلفنا. وبالرغم من تلك «الأعذار» و«الشبهات» كلها فقد كان فعله من أفعال الكفر ولا شك.
لذلك فلابد من الحكم بالردة والكفر، من باب أولى، على من شارك مع الكفار الحربيين، علناً وجهاراً، متبجحاً فخوراً، في القتال بسيف أو قلم أو لسان، أو أظهر الرضا والتأييد لسياساتهم العدوانية في المؤتمرات الحزبية، أو المحافل الجماهيرية، أو القنوات الفضائية، لأن حال هذا شر من حال حاطب؟! نعم: إن كان ما فعله حاطب هو من أفعال الكفر فأفعال هؤلاء في الكفر أوغل، وبالذم واللعنة أولى!
السادس: أن فعلة حاطب جاءت لأنه حذر على أهله من بطشة المشركين الحربيين من قريش، وهذه «تقاة» ولا شك، كما هو مبين في الفصل المسمَّى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، من كتابنا: «الموالاة والمعاداة»، ولكن خطأه إنما هو في اعتقاده أنه من أهل «التقاة»، كما أنه أخطأ في معرفة المدى المسموح به أي نوع «الولاية» المسموح بها في التقاة، وهو ليس كذلك كما سيظهر أيضاً بعد قليل.فـ«التقاة» لها:
(1) معنى معيَّن محدد.
(2) ولها حد لا تتجاوزه.
(3) ولها أهل مخصوصون محددون.
وقد ألحقنا طرفاً من الروايات الصحيحة لهذه القصة المهمة في فصل مستقل في أحد الملاحق من كتابنا «الموالاة والمعاداة». كما أن الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني أشبع إيراد أقوال العلماء في هذه المسألة في «الفتح»، شرحه للبخاري، فلتراجع.
__________________
الدكتور محمد بن عبدالله المسعري
أمين عام تنظيم التجديد الإسلامي، والناطق الرسمي له.
Muhammad@tajdeed.net
محاكمة حاطب
وإليك قصة محاكمة حاطب بطولها كما أخرجها البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثني إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس قال سمعت حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام وكلنا فارس قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا الكتاب فقالت ما معنا كتاب فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: (يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ما صنعت؟!»، قال حاطب: (والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً!»، فقال عمر: (إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه)، فقال: «أليس من أهل بدر؟!»، > وفي بعض روايات غير البخاري: فقال عمر: (بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك)< فقال: «لعل الله أطلع إلى أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم!»، فدمعت عينا عمر وقال: (الله ورسوله أعلم)]
في هذه القصة المشهورة، الثابتة في كتب السنن والسير والمغازي والتراجم، التي أخرجها البخاري وغيره مطولة ومختصرة، أمور غاية في الأهمية، تخالف ما قد يظنه البعض للوهلة الأولى، منها:
الأول: أن ما دار من حوار أعلاه لم يكن في جلسة تبسط وسمر، وإنما كان في جلسة قضاء معتبرة جلس فيها نبي الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، للقضاء، وقام فيها عمر، رضي اله عنه، بدور «المدعي العام»، في حين ترافع حاطب عن نفسه. والروايات إنما نقلت لنا القسم الثاني من الترافع، أما القسم الأول الذي يتم فيه التحقق من واقع الجريمة ومجريات الأحداث فقد فرغ منه ها هنا بالوحي الذي كشف جريمة حاطب، ثم بوضع اليد على المستند المادي (كتاب حاطب لقريش) الذي استحصل عليه فرسان النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: علي والزبير وأبو مرثد الغنوي، رضوان الله وسلامه عليهم، من الظعينة في روضة خاخ، وأحضروه إلى نبي الله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، ولعل الظعينة كانت حاضرة كذلك، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات، وقد أقر حاطب بذلك ولم ينكر، فوقوع الجريمة أمر مفروغ منه.
الثاني: أن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لم ينكر على عمر قوله عن حاطب ابتداءً: (لنه خان الله ورسوله والمؤمنين)، أو (إنه نافق، وارتد عن دينه)، كما جاء في رواية أخرى، وكل واحدة من الجملتين تستلزم الأخرى، والأرجح أن عمر قال كلتا الجملتين فاكتفى بعض الرواة بواحدة منها لكفايتها بالغرض. لم ينكر النبي على عمر مقولته تلك، فلم يقل مثلاً: «ليس هذا ردة أو نفاق»، أو «ليست هذه خيانة لله ورسوله»، أو «لا تقل هذا»، أو نحو ذلك، أو قريباً منه، وذلك في وقت الحاجة الماسة إلى ذلك البيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما وأن الشرع غلظ حرمة المسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، «لعن المؤمن كقتله»، ولا سيما أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنكر فوراً على من وصف «مالك بن الدخشم» بالنفاق لما ظهر من مصاحبته ونصحه للمنافقين، بل ولاتهامهم له بأنه من رووسهم، وأنه «كهف» للمنافقين وملجأ لهم، وكرر ذلك عدة مرات، وأصر على ذلك، كما هو في الحديث الصحيح المشهور، المدروس في الملحق.
وبدلاً من الإنكار على عمر مقولته الشديدة التفت نبي الله، صلوات الله عليه وعلى آله، إلى حاطب وحقق معه، لمعرفة دوافعه، وهل له ثمة عذر أو تأويل. فتصنيف مثل هذا العمل، للوهلة الأولى بناء على ظاهره، بوصفه عملاً مجرداً، بغض النظر عن الأحوال الباطنة، على أنه «ردة ونفاق»، أو «خيانة لله ورسوله والمؤمنين»، أي أنه من أعمال الكفر، هو الحق بتقرير نبي الله الخاتم، المعصوم بعصمة الله، وهو الذي يجب على كل «مدع عام» الترافع والمطالبة به.
الثالث: أن النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، صدق حاطباً في مقولته: (والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله). وتصديقه، صلوات الله عليه وعلى آله، لحاطب، فيه جوانب مهمة تحتاج إلى نظرة عميقة مدققة، ومن تلك الجوانب:
(أ) أنه تصديق بغير بينة، كما تقتضيه أصول المرافعة والتقاضي الشرعي: [البينة على المدعي]، فإنما كان، على الأرجح، بوحي من الله، وقد انقطع الوحي بوفاته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، ولا عجب: فالقصة كلها من انكشاف جريمة حاطب إلى ها هنا قد لعب الوحي فيها دوراً خارقاً، وهذا من معجزات سيدنا محمد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله. لذلك يجب حمل من فعل مثل فعلة حاطب على الردة والكفر، وتطبيق أحكام ذلك على فاعله في الدنيا، فلا يقبل منه الاعتذار أو المزاعم المجردة، إلا إذا قامت البينة الشرعية على خلاف ذلك، أو وجدت القرائن القوية المسوغة لدرء الحدود، ومن باب أولى درء التعازير، كما هو في هذه الحالة.
(ب) أن تصديقه لحاطب ها هنا يعني ضرورة أن حاطباً صدق في التعبير عن معتقده، وذكر دوافعه وتأوُّله، ولا يعني ضرورة أن قوله صحيح في نفس الأمر. فحاطب كان يعتقد، صادقاً متأولاً، أن ما فعله ليس من باب «تولي» الكفار، وهو من ثم ليس من أعمال الردة والكفر، وظن أن ما اعتذر به من طلب الحماية للأهل والأقارب يجيز فعلته الشنعاء، وأنه رخصة، وهذا ليس بصحيح في حقيقة الأمر، لأن فعلته في ذاتها «تولي» للكفار، بشهادة الله عندما عاتبه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء: تلقون إليهم بالمودة، ...}، (الممتحنة؛ 60:1)، وتولي الكفار من أعمال الكفر ولا شك، لا سيما وأن النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، لم ينكر، كما أسلفنا، على عمر مقولته المتضمنة لذلك: (إنه نافق، وارتد عن دينه، وأنه خان الله ورسوله والمؤمنين)
وهذا مثل شهادة الله جل وعلى على أن المنافقين كاذبون في قولهم: (نشهد إنك لرسول الله) يعني أنهم لا يعتقدون هذا، بل معتقدهم هو خلاف ذلك، فهم كاذبون في التعبير عن معتقدهم، مع كون مقولتهم بأن: (محمداً، صلوات الله عليه وعلى آله، رسول الله) مقولة حق وصدق في نفس الأمر وواقعه، بشهادة الله، جل وعز: {والله يعلم أنك لرسوله}.
فتصديق المخبِر قد يكون من جهة مطابقة قوله لاعتقاده، كما هو حال حاطب هنا، أو من جهة مطابقة قوله للواقع. والواقع الحسي وضرورات العقل، وكذلك نصوص الشرع، تبرهن أنه لا تلازم بين الجهتين: فقد يجتمعان، وقد ينفردان، كما هو في المثال السابق من شهادة المنافقين أن محمداً رسول الله.
(ج) وهو أهم الجوانب: أن حاطباً، رضي الله عنه، لم يحكم النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بكفره وردته، لا لأن عمله لم يكن من أعمال الكفر، وهو والله من أقبح أعمال الكفر، ولكن لوجود مانع من موانع «تكفير المعيَّن» في حقه، ألا وهو: (التأويل)، كما أسلفنا، ولعله ظن أنه يسوغ له ذلك من باب «التقاة»، أو لأن ما فعله (لا يضر الله، ولا رسوله)، كما عبر هو عن ذلك، أو لغير ذلك من التأويلات المحتملة، لا سيما أن مكانة حاطب الاجتماعية كانت في غاية الضعف فقد كان، على الأرجح، ما زال عبداً مملوكاً لبعض القرشيين، ولم يستكمل تحرير نفسه، ودفع مكاتبته، إلا عند فتح مكة، (وذلك قبل نسخ جواز استرقاق الكفار للمسلمين، والتشريع بتحرر المملوك، فور إسلامه، من رق الكافر).
وقد شهد النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، لحاطب أنه صادق في التعبير عن معتقده وتصوير دوافعه ومبرراته. وكلامه الذي دافع به عن نفسه، كما رواه البخاري وغيره، هو لفظ المدافع المتأول، وليس لفظ المذنب المقر بالذنب، كما يظهر من أدنى تأمُّل لنص ذلك الكلام. فهذا الحديث الصحيح الصريح أصل في عدم تكفير المعين الذي قام بعمل من أعمال الكفر، أو تلفظ بلفظ من ألفاظ الكفر، إذا عذر بـ«التأويل».
وكون حاطب متأولاً أمر مشهور كالمتفق عليه بين العلماء، فقد قال الحافظ في «الفتح»: [وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه]، (فتح الباري: 8/634). وقال ابن كثير في تفسيره: [وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير}، ولهذا قبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان عندهم من الأموال والأولاد]، (تفسير ابن كثير: 4/347)، والظاهر أن ابن كثير يعني أن حاطباً، رضي الله عنه، تأول آية «التقية» على غير تأويلها فأخطأ.
وقد وقعت قصة «تأويل» أخرى لأحد البدريين من الصحابة، وهو قدامة بن مظعون، الذي شرب الخمر متأولاً حلها في قصة مشهورة، أيام خلافة عمر بن الخطاب، فناظره الصحابة حتى رجع عن ذلك، ثم أقاموا عليه الحد، لأن جلد الشارب حد لا مسامحة فيه!
أما تزكية حاطب، والشهادة له بأنه مؤمن لم يكفر بالرغم من ارتكابه مكفراً، إنما ثبتت بهذا الحديث، فقط لا غير. أما من استشهد بخطاب الله له في سورة الممتحنة بالإيمان، مع جملة المخاطبين من المؤمنين، حيث قال تباركت أسماؤه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء: تلقون إليهم بالمودة، ...}، من استشهد بذلك فما أصاب ولا أحسن، لأن المخاطبة بإسم الإيمان لا تدل على عدم كفر بعض المخاطبين، لا سيما إذا كان الخطاب عاماً كما هو ها هنا: {يا أيها الذين آمنوا}، بل يجوز في كلام العرب تسمية الشخص أو الأشخاص بوصف كان في سابق حالهم، حتى لو انتقلوا منه، فلم يعودوا مستحقين للوصف الآن لحظة الخطاب، ومن أمثلة ذلك:
(1) قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: ...»، وذكر منها: «التارك لدينه»، لذلك قال الإمام ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: [وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه، ولو انتقل عنه، لاستثنائه المرتد من المسلمين، وهو باعتبار ما كان]، (فتح الباري: 12/204)
(2) قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: ..»، فذكر منهم: «ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي»، فوصفه أنه من «أهل الكتاب» مع كونه الآن مسلماً إنما هو من باب تسميته بسابق حاله. وهذا موجود كذلك بعينه في الكتاب العزيز: {وإن من أهل الكتاب لمن يومن بالله وما أنزل إليكم}، (آل عمران؛ 3:199).
(د) قد يستشكل قول عمر مرة ثانية: (إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه)، مصراً على مطالبته بالرغم من سماعه النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، يقول: «صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً!»، فكأنه كذَّب النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، وعصى أمره، وأصر على أن لا يقول خيراً؟! هذا فهم خاطئ لما حدث، حتى مع التسليم بأن اللفظ المروي هو عين لفظ عمر، مع أن الأرجح أنه رواية بالمعنى فقط، كما يدل تتبع ألفاظ الروايات المختلفة. والفهم الصحيح أنه إنما طالب بعقوبة حاطب على الجريمة التي وقعت بالفعل، وهو محق في ذلك، أو لعله ظن أنه حد لا تساهل فيه، أو أنه لم يعلم أن «التأويل» من موانع التكفير، أو ما شاكل، وذلك هو الذي فهمه النبي، صلوات الله عليه وعلى آله، من مطالبة عمر وإصراره، فلذلك بين له أن حاطباً من أهل بدر، وهم ذوي مكانة خاصة، وسابقة كبيرة، تجعلهم أهلاً لإقالة العثرات، حتى الشنيع منها.
الرابع: أن علة منع قتل حاطب بن أبي بلتعة، تعزيراً، على تلك الجريمة الشنعاء، إنما هو كونه بدرياً، له سابقة وخصوصية. فدل على جواز إيقاع عقوبة الإعدام على مرتكب مثل تلك الجريمة، جوازاً، لا وجوباً (أي أنها ليست حداً لازماً، لا يمكن العفو عنه أو التسامح فيه، بل هي تعزير، يترك لاجتهاد الإمام والقاضي في الأحوال العينية، وهذا هو عينه قول الإمام مالك، وهو الصواب هنا إن شاء الله)، وجواز تخفيفها لأهل السابقة والفضل العظيم، كسائر التعزيرات، وفق ما صح من قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، ما خلا الحدود»، وذلك بخلاف مسطح بن أثاثة، رضي الله عنه، وهو بدري، الذي جلده النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حد «القذف»، وبخلاف قدامة بن مظعون الذي جلده عمر الحد لشرب الخمر، إذ لا مسامحة في الحدود إذا بلغت السلطان!
ــ فـ«المانع» من قتل حاطب تعزيراً على جريمته هو «كونه بدرياً»، أي كونه من أهل سابقة عظيمة في الإسلام،
ــ أما «المانع» من الحكم بكفره هو شخصياً بعينه هو «التأويل»، الذي هو من الموانع المعتبرة في حق كل شخص معين قام بعمل كفري أو تلفظ بمقولة كفرية.
الخامس: أن جريمة حاطب الشنعاء تقتصر على أنه أسر إلى الكفار بسر، وقد حرص مع هذا على أن يكون كتابه بلفظ عام (لا يضر الله، ولا رسوله)، كما دافع هو عن نفسه (راجع ترجمته في «الإصابة» كما هي في أحد الملاحق من كتابنا «الموالاة والمعاداة»)، فضلاً عن كون مكانة حاطب الاجتماعية في غاية الضعف كما أسلفنا. وبالرغم من تلك «الأعذار» و«الشبهات» كلها فقد كان فعله من أفعال الكفر ولا شك.
لذلك فلابد من الحكم بالردة والكفر، من باب أولى، على من شارك مع الكفار الحربيين، علناً وجهاراً، متبجحاً فخوراً، في القتال بسيف أو قلم أو لسان، أو أظهر الرضا والتأييد لسياساتهم العدوانية في المؤتمرات الحزبية، أو المحافل الجماهيرية، أو القنوات الفضائية، لأن حال هذا شر من حال حاطب؟! نعم: إن كان ما فعله حاطب هو من أفعال الكفر فأفعال هؤلاء في الكفر أوغل، وبالذم واللعنة أولى!
السادس: أن فعلة حاطب جاءت لأنه حذر على أهله من بطشة المشركين الحربيين من قريش، وهذه «تقاة» ولا شك، كما هو مبين في الفصل المسمَّى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، من كتابنا: «الموالاة والمعاداة»، ولكن خطأه إنما هو في اعتقاده أنه من أهل «التقاة»، كما أنه أخطأ في معرفة المدى المسموح به أي نوع «الولاية» المسموح بها في التقاة، وهو ليس كذلك كما سيظهر أيضاً بعد قليل.فـ«التقاة» لها:
(1) معنى معيَّن محدد.
(2) ولها حد لا تتجاوزه.
(3) ولها أهل مخصوصون محددون.
وقد ألحقنا طرفاً من الروايات الصحيحة لهذه القصة المهمة في فصل مستقل في أحد الملاحق من كتابنا «الموالاة والمعاداة». كما أن الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني أشبع إيراد أقوال العلماء في هذه المسألة في «الفتح»، شرحه للبخاري، فلتراجع.
__________________
الدكتور محمد بن عبدالله المسعري
أمين عام تنظيم التجديد الإسلامي، والناطق الرسمي له.
Muhammad@tajdeed.net