المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم معاونة الكفار المحاربين


قلب القصيم
13-02-05, 03:06 AM
حكم معاونة الكفار المحاربين





«موالاة» الكفار، أي {اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، التي هي شرعاً: «نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين» محرمة قطعاً، وهي من كبائر الذنوب، بموجب الأدلة اليقينية، القطعية ثبوتاً ودلالة، كما سنسرده بعد قليل، وبالإجماع المتيقن القاطع. هذا الحكم مقطوع به بحيث يكفر من ينكره، ويخرج من الإسلام بجحده. ولكن الصحيح أنها ليست فقط من كبائر الذنوب الشنيعة، بل هي من الذنوب المكفرة، أي أن «موالاة الكفار» من أعمال الكفر، يكفر به فاعله بمجرد فعله الظاهر، فيصبح بفعله مرتداً حربياً، ويخرج به من الملة الإسلامية.

v فصل: حقيقة «الموالاة» وماهيتها

المُوَالاة: مصدر من (وَالَى)، على وزن فَاعل، يوالي، موالاة. والولاء هو الدنو والقرب. والموالاة، لكونها على وزن مُفَاعَلَة، تتضمن معاني المبادلة والمقابلة: هذا يتخذا ذاك ولياً. وذاك يبادله الفعل فيتخذه ولياً. فـ«الموالاة» هي «اتِّخَاذ الوَلِيّ».

والأصل الثلاثي لـ«الموالاة» هو: (و ل ي)، والمصدر هو: «الوَلْي»، بسكون اللام، ويعني القرب والدنو. و«الوَلِي» هو القريب، حسياً أو معنوياً، في قرابة النسب مثلاً، و«الأولى» الأقرب، حسياً أو معنوياً، كما هو في حديث المواريث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، أو كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أي لأقرب الذكور إلى الميت، نسباً أو بولاء عتق أو نحوه.

إلا أن العرب كانت تستخدم، عادة، لفظة «قريب»، أو «ذو قربى»، لقرابة النسب، وقلَّ أن تستخدم لفظة «ولِي» في ذلك، ثم كادت أن تقصر لفظة «ولِي» علي قرابة «الحلف». وكان الحلف يعقد للحماية المتبادلة والنصرة، فيصبح الحليف قريباً ممن حالفه قرابة كقرابة النسب، بكل ما لتلك القرابة في المجتمع القبلي من ميزات تشمل عادة التوارث، والنصرة بدون قيد أو شرط، ظالماً أو مظلوماً، على طريقة أهل الجاهلية، بل وحمل اسم القبيلة: فهذا زهري نسباً، وذاك زهري ولاءً. فالموالاة في جوهرها إذا «انتماء» وقرابة كقرابة النسب.

هذه «الموالاة» أو هذا «الحلف» له جانب «دستوري» مهم قد لا يلاحظه كثير من الناس، وهو أنه يتضمن كل المعاني التي تشملها مفاهيم: «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث. وذلك لأن القبائل العربية كانت بمثابة دول: كل قبيلة بمثابة دولة، وتحالفات القبائل بمثابة اتحاد فيدرالي أو كونفيدرالي.


فـ«الحلف» أو «الموالاة» إذا تتضمن معاني «حمل التابعية» أو «المواطنة» في دول العصر الحديث، بل لعلها هي بعينها.

هذا العرف المطرد المستقر جعل معانى النصرة والحلف والانتماء والإعانة والمعونة والتأييد جزءً جوهريا لبعض ما تدل عليه لفظة «ولِي»، حتى كأنه نقل إليها، وكاد المعنى الأصلي، وهو «القرب» و«الدنو»، أن يتراجع إلى الوراء وينسى، فأصبحت «الموالاة» مرادفة لـ«المحالفة» و«المناصرة»، أو كادت. وعلى هذا نزل القرآن فأقر الاصطلاح العرفي في جوهره، وأضاف اليه معاني وقيود شرعية، كما سيتبين قريباً، إن شاء الله.


و«المَوْلَى»، على وزن مَفْعَل، تستخدم مرادفاً ترادفاً تامَّآ للفظة: «الوَلِي»، بل لعلها الأكثر انتشاراً لسهولتها على اللسان في مقابل ثقل الياء المشددة في لفظة «الوَلِي»، فتجد الناس تقول عن الرجل: (مولى آل فلان)، ولا تكاد تسمع: (ولَِي آل فلان)!

ومن أسماء الله الحسنى: «الولِي» بمعنى «الناصر» في المقام الأول، ولكنها تتضمن معنى «القريب» أيضاً، وكلاهما، أي «الناصر»، «القريب» من الأسماء الإلاهية الحسنى أيضاً.


و(الموالاة) أعم من (التَوَلِّي)، على وزن تَفَعُّل، وهو من صيغ المبالغة، وتعني الاستغراق في «الموالاة»، والمبالغة فيها.


فبما أن الموالاة هي في الأصل: النصرة، والحلف، والإعانة،والقرب، بغض النظر عن مرتبة هذا القرب ودرجته، فكل من حالفته، ونصرته، وأعنته، وقربته، فقد أَوْلَيْتَه، ووَالَيْتَه. والمعنى: حالفته، ونصرته، وأعنته، وقربته، وأدنيته إلى نفسك، فيكون حينئذ «التولِّي» هو: (الاستغراق والإنقطاع التام في نصرة الولي، ومحالفته، وإعانته، ودعمه، وتأييده»، ، وتقريبه)، أو هو: (تقديم كامل النصرة، والمحالفة، والإعانة، والدعم، ، والتأييد للمتولَّى، بحيث يكون المتولِّي مع المتولَّى كالظل مع الجسم)، أو هي: (الموالاة المطلقة العامة)، فـ«التولي» هو أعلى مراتب «الموالاة»، ومعنى النصرة والحلف جوهري فيها، بل هو أساسها وأصل تكوينها، كما أسلفنا.

و«المعاداة» هي الضد التام لـ«الموالاة»: والولاء ضد العداء. والولاية ضد العداوة. والوَلِيّ ضد العدو. والموالاة تدور حول معاني: الحلف، والنصرة، والمتابعة، والدعم، والتأييد، والقرابة، و«المعاداة» هي ضدها التام، وليس مجرد عدم وجودها، فمن وقف على «الحياد»، أي المحايد، ليس ولياً، ولا هو عدواً، أي لا يرد في حقه المعاملة كالعدو ولا المعاملة كالولي.




v فصل: تغليظ حرمة «موالاة» للكفار الحربيين، وكفر فاعل ذلك

«موالاة» الكفار، أي {اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، التي هي شرعاً: «نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين» محرمة قطعاً، وهي من أعمال الكفر، يكفر به فاعله بمجرد فعله، فيصبح بفعله مرتداً، ويخرج به من الملة الإسلامية، بغض النظر عن معتقده، وأحواله القلبية، إلا من قام به «مانع» من موانع تكفير المعين المعروفة، كالجهل والتأويل، كما هو بين من قصة حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، أو من تمتع برخصة شرعية منصوص عليها كما هو في حال «التقية»، وإن كانت حال «التقية» تتعلق بواقع ليس هو في الحقيقة واقع «الموالاة» المُعَرَّفة آنفاً، وإنما هي شيء آخر، كما هو مفصل في كتابنا: (الموالاة والمعاداة).


ومن باب أولى أن يكون «التولي للكفار»، أو بلفظ آخر «الموالاة المطلقة العامة للكفار» من المحرمات المكفرة، لأنه يعني الاستغراق والتفاني في الدفاع عن الكفار الحربيين، وإعانتهم بالمال، والنفس، والرأي، وإعانتهم ونصرتهم على المسلمين. وهذا يقتضي بالضرورة الشك في صدق الإسلام، أو جحوده، أو بغضه، أو احتقاره والسخرية منه، أو نبذه والإعراض عنه إعراضاً كلياً، أو عدم المبالاة به أو إقامة أي وزن له. وكل ذلك كفر صريح يُخْرِج من الملة الإسلامية، لا محالة، وذلك بإجماع الأمة المتيقن.


v قال الرب، جل جلاله، وتقدست أسماؤه: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير}، (آل عمران؛ 3:28). قوله: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}، يعني انقطاع صلته بالله كلية، وهذا لا يكون إلا لمن خرج من الإسلام، وارتد عنه، ودخل في الكفر، أما الفاسق الملَّي فله بالله بقية صلة، لوجود أصل الإيمان، واسم الإسلام:

ــ كما قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى في تفسيره لهذه الآية: [وهذا نهي من اللّه عز وجل للمؤمنين عن أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر يتخذ لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال معه للساكن الذي لقيه ساكن. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، يعني بذلك فقد برئ من اللّه، واللّه برئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. {إلاّ أن تتقوا منهم تقاة}، إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم علي ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل]، قلت: سنتكلم عن «التقاة» فيما بعد، إن شاء الله.


ــ وقال الإمام ابن جرير الطبري، رحمه الله، في موضع آخر: [من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء، أي قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر]، ثم قال: [ومن تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، أي من أهل دينهم وملتهم. فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه].

v وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين
v فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيه، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو بأمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}، (المائدة؛ 5:51-52)، أي يصبحوا نادمين في الدنيا قبل الآخرة، ثم في الآخرة يشهد عليهم المؤمنون بحبوط الأعمال والخسران الأبدي: {ويقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم؟! حبطت أعمالهم فأصبحو خاسرين}، ومن فعل ذلك فهو مرتد ولا شك، وهو لن يضر الله شيئاً، وسوف يستبدله الله بمن هو خير منه، لذلك عقَّب ربنا، جل وعز، بعد ذلك فوراً، بعد هذه الآية الكريمة، قائلا: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم}، ثم أكد الله أن «ولاية» المؤمنين هي لله ورسوله والذين آمنوا فقط، حصراً، وأن أهل هذه الولاية هم، حتماً، حزب الله الغالب المنصور، فقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة وهم راكعون
v ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، (المائدة؛ 5:51-56). فذكره، جل وعلا، الردة في خلال الكلام عن موالاة الكافرين يشعر بأمور منها:


أولاً: أن الكفر والردة أكثر ما يكون ممن كان قبل ذلك مؤمناً، إنما يأتي من هذا المدخل الشيطاني الخبيث: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، لخوف الدوائر والهزائم، وطلب النصرة والعزة منهم. فليست القضية في الأغلب قضية تصديق وتكذيب، أو إقرار وجحود، بل هي حرص على حظوظ الدنيا من الشرف والرياسة والمكانة والمكاسب، وخوف من الهزائم والخسائر والدوائر.

ثانياً: أن الخوف من الهزيمة، والحذر من الدوائر ليست عذراً أو رخصة في ارتكاب «الموالاة» المحرمة المهلكة.

ثالثاً: أن «الموالاة» المنهي عنها، وهي: (اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين)، التي هي: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، كفر وردة، وليست مجرد كبيرة من كبائر الذنوب، لأن الله قد حكم، ولا أحسن من حكمه: {من يتولهم منكم، فإنه منهم}، {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} وهذا يفيد انقطاع الصلة بالله مطلقا (ليس من الله في شيء)، ولا يكون ذلك إلا بالكفر، أما الفاسق الملَّي فله بالله بقية صلة، لوجود أصل الإيمان، واسم الإسلام، كما أسلفنا. كما تفيد أن من يتولهم (فإنه منهم)، أي كافر من جملة الكفار. هذا هو قول جمهور الأئمة والفقهاء كما ظهر لنا:

ــ فقد قال الإمام الحجة ابن حزم رحمه الله: [صح أن قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، إنما هو على ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين]، قلت: أبو محمد من أهل الاستقراء لمسائل الإجماع، وله مصنف قيم في هذا، وهو متشدد في دعوى الإجماع، فقوله: (وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) نص صريح في أنه إجماع يقيني لكافة الأمة.

ــ وقال، رضي الله عنه، في «المحلَّى»: [من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك.

وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد من المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.

أما من كان محارباً للمسلمين، معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.

وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذراً، ونسأل الله العافية.) ثم يقول: (ولو أن كافراً مجاهداً [لعله أساء التعبير وهو يعني: مقاتلاً، أو لعله تصحيف للفظة مجاهراً] غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بغير دين الإسلام: لكفر معه كل من عاونه، وأقام معه، وإن ادعى أنه مسلم ــ لما ذكرنا].


v وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: [أخبر الله في هذه الآية أن متوليهم هو منهم، فقوله سبحانه: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء}، يدل على أن الإيمان المذكور ينافي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً)، وقال في موضع آخر: ({ومن يتولهم منكم}، فيوافقهم ويعينهم {فإنه منهم}].


v وقال ابن القيم رحمه الله: [إن الله قد حكم، ولا أحسن من حكمه، أنه من تولى اليهود والنصارى فهو منهم: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن، كان له حكمهم، وهذا عام].


v وقال الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ: [وأخبر سبحانه وتعالى أن من تولاهم فهو منهم)]، (أوثق عرى الإيمان: 26-27).


v وقال الشيخ حمد بن عتيق: [قد دلّ القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه]، (الرسائل والمسائل النجدية 1/745).

v وقال الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ: [إن كل من استسلم للكفار، ودخل بطاعتهم، وأظهر موالاتهم، فقد حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام، ووجب جهاده، ولزمت معاداته]، (الدرر السنية ج7 ص11).

v وقال تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله، والنبي، وما أنزل إليه، ما اتخذوهم أولياء}، (المائدة؛ 5:81). فالإيمان بالله والنبي يتناقض مع اتخاذ الكافرين أولياء، بالمعنى المذكور أعلاه، ألا وهو: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، و«لو» أداة تقدير امتناع لامتناع، فمن المحال أن يكون الإيمان الشرعي، كما يطلبه ويعرفه الشارع تبارك وتعالى، موجوداً مع «اتخاذ الكافرين أولياء» في نفس الوقت. هذا ممتنع لا يوجد في العالم قط!

v وقال، تعالى ذكره، وسما مقامه: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولوكانوا آباءهم، او أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ..}، (المجادلة؛ 58:22). وهذا كسابقه يثبت استحالة وجود «الإيمان» الشرعي مع وجود «موادة الكفار»، ولو كانوا أقرب الأقرباء، وقد فصلنا القول في هذه الآية الكريمة في كتانبا: (الموالاة والمعاداة) وبرهنا أن «الموادة» المذكورة فيها ليس هي «المودة» القلبية، وإنما هي في حقيقتها «الموالاة» المبين معناها آنفاً.

v قال، جل جلاله: {لاتتخذوا أباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان}، (التوبة؛ 9:23). فليست القرابة، مهما كانت حميمة، عذراً في «موالاة الكفار»!

v وجعل، تباركت أسماؤه، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين الصفة الرئيسية المميزة للمنافقين نفاقاً اعتقادياً خالصاً مخرجاً من الملة، أهل الدرك الأسفل من النار، فقال: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً
v الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً}، إلى قوله، جل من قائل، في نفس السياق، وتكملة للكلام: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً؟!
v إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً}، (النساء؛ 4:138-145)، فظهر بذلك أن أكثر النفاق المخرج من الملة، المردي بصاحبه في الدرك الأسفل من النار، هو من هذا النوع الملعون: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين).

v وقال، جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ v إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ v لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ v قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ v رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ v لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ v عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ v لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ v إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، (الممتحنة؛ 60:1-8).

نعم، وايم الله: في هذه الآيات المحكمات فصل الخطاب، من عند رب الأرباب، إذ هي تتضمن قسمة حاصرة لجميع الكفار إلى صنفين:

الصنف الأول: المحاربون: وهم كل من قاتلنا في الدين، أو أخرجنا من ديارنا، أو ظاهر على إخراجنا، مثل قريش على زمن نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسلينات وتبريكات من الله، ومثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في وقتنا الحاضر. وفي هؤلاء فقط، لا غير، حصر النهي والتحريم لـ«الموالاة»، لأن قوله، جل وعز: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ} من صيغ الحصر، ومن فعل ذلك فهو من الظالمين. وظلمه هذا ظلم أكبر، أي ظلم الكفر، كما بينته الآيات الأخرى، وكما سيأتي.

الصنف الثاني: المسالمون: وهم كل من ليس بحربي، أي كل كافر لا يندرج تحت الصنف الأول، وهم أنواع:

(1) ذميون: أهل ذمة الله وذمة رسوله، وهؤلاء عادة وفي الأصل من المواطنين المقيمين في دار الإسلام، الحاملين للتابعية الإسلامية، ومن كان في حكمهم. وهؤلاء هم الأقرب والأكثر حقوقاً عند الدولة الإسلامية، وعند المسلمين، بل هم «أمة» أو أمم مع المسلمين، كما عبرت عنه صحيفة المدينة.

(2) معاهدون: أهل العهود والميثاق، كمواثيق حسن الجوار، وعدم الاعتداء، والتبادل التجاري والفني، وغير ذلك.

(3) الموادعون: من لم يكن بينهم وبين المسلمين حرب قط، ومع ذلك لم يتم أي تعاقد أو ميثاق. وذلك كحال الحبشة على زمان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وحال الدول المحايدة مثل السويد في العصر الحاضر، وأكثر دول أفريقيا التي نشأت البارحة، وأكثر دول أمريكا الجنوبية، إلا من اشترك في العدوان الدولي على العراق أو أفغانستان. فهذا يكون عادة في الأقطار البعيدة عن دار الإسلام، أو البعيدة عن بلاد المسلمين.

(4) المهادنون: وهم الذين كانوا البارحة محاربين، ثم تم التعاقد معهم فقط على وقف إطلاق النار، أي على وقف القتال، وما يتعلق به، كحال قريش في هدنة الحديبية بعد انعقادها، وحتى لحظة انتقاضها.

فهؤلاء «المسالمون» لم يرد نهي عن البر بهم والإقساط إليهم:

الإقساط: وهو مصدر من لفظة «أقسط» أي تعدى على غيره بالقسط، وهو العدل، أي عامل بالعدل. فهو المعاملة بالعدل والقسط. ولم كانت جميع النصوص تنص قطعاً على وجوب العدل، وتحريم الظلم، وتغليظ القول فيه، وتشديد الوعيد عليه، صار هذا النص دليلاً على وجوب المعاملة بالعدل والقسط، بلا محاباة أو هوادة، وليس على مجرد الرخصة في ذلك، كما قد يتوهم من فسد ذوقه الشرعي، أو ضعف فهمه لطرائق العرب في كلامها، ولم يجمع جميع نصوص الباب فيمضيها على عمومها وإطلاقها فلا يخصصها أو يقيدها إلا ببرهان منها.

أما البر: فهو بمعناه العام: كل إحسان. والبر هو الضد التام للفجور والإثم، بنص كلام الله، جل جلاله: {إن الأبرار لفي نعيم
v وإن الفجار لفي جحيم}، وبنص كلام نبيه الخاتم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، ..الحديث»، وفي صحيفة المدينة مكررا بكثرة: «وأن البر دون الإثم»، وغيرها كثير متواتر.


أما الإحسان الواجب، وهو العدل، فقد مضى، وهو فريضة لا تنازل عنها، ولا محيص منها، فبقي كل إحسان مستحب زائد على مجرد العدل. فالترخيص بالإحسان يعني ها هنا ضرورة استحبابه، والإثابة عليه. وفاعل البر مثاب، لأن البر مندوب إليه أو واجب، وكل ذلك محل الثناء والمثوبة من الله، جل جلاله. لا فرق بين بر لمسلم، أو كافر، ولا فرق بين رفق بإنسان أو دابة، ما دام براً، وقد سمَّاه الله براً، ومن أصدق من الله قيلاً؟!

وقد يتوهم إنسان أن القسمة، قسمة الكافرين إلى صنفين، حاصرة، ولكن قسمة المعاملة ليست بحاصرة: فالمحاربون لهم المعاداة والبغضاء والمحاربة وجوباً، فلا تجوز لهم «الموالاة»، مطلقاً،أما المسالمون فلهم البر والإقساط. ولكن ماذا عن «الموالاة» للكفار المسالمين؟! وما هو حكمها؟!

والجواب أن «الموالاة» المنهي عنها في حق المحاربين لا وجود لها، ولا يمكن أن تكون في العالم، في حق المسالمين، فهي معدومة، والمعدوم لا حكم له، لأنه ليس بشيء، وإن كان الذهن يقدره، ولكن لا وجود له في الواقع، لأن «الموالاة» المنهي عنها في حق المحاربين فعلاً، أو المنهمكين في الاستعداد للحرب تعني معونتهم في فعاليات الحرب، أو الإعداد للحرب من تجسس على الأسرار الأمنية والعسكرية، والتحريض على الحرب، والتحريش بها، ونحوه. والمسالم لا يتصور صدور ذلك منه لأنه إن فعل شيئاً من ذلك انقلب حربياً، وانتقضت ذمته أو عهده أو موادعته أو هدنته. وقد أكد الوحي المنزل هذه الحقيقة، إذ قال رب العزة، تباركت أسماؤه، وجل جلاله، حصراً: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون
v ومن يتولَّى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، (المائدة؛ 5:55)، فحصر «الموالاة» في الله ورسوله والمؤمنين، فلا تكون لغيرهم مطلقاً. فمقولتنا السابقة وهي: (كون «الموالاة» المنفية عن المحاربين لا وجود لها، ولا يمكن أن تكون في العالم، في حق المسالمين) إذاً بينة واضحة بالنص، كما هي بضرورة الحس والعقل. فالناس إذاً ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: المسلمون، وهؤلاء موالاتهم واجبة، ومعاداتهم محرمة وهي من أكبر الكبائر المحرمة، بل هي من الكفر: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، ولا يبعد أن يكون هذا، أي معاداة المؤمن ومقاتلته، كفراً ينقل عن الملة، ويحبط به العمل كله: أوله وآخره، وظاهره وباطنه، عياذاً بالله. فالمسلم، ضرورة، ولي وصديق أبداً، ما دام مسلماً.

الصنف الثاني: الكفار المسالمون، وهؤلاء موالاتهم غير واردة أصلاً، لأنها محال لا وجود له في العالم، كما لخصناه آنفاً، وفصلناه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، ولهم كل التسامح، والعدل، والقسط وجوباً، والتعامل بالحسنى، والمداراة، والمجاملة، والمسالمة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، والبر، استحباباً. وإن شئت فقل: أن العلاقة معهم علاقة «حياد»: لا موالاة ولا معاداة. وهو «حياد إيجابي» لأنك تعاملهم بالقسط والبر.


الصنف الثالث: الكفار الحربيون، أو الكفار المعدون للحرب، فهؤلاء معاداتهم واجبة، وموالاتهم محرمة مكفرة، فالكافر الحربي عدو أبداً، ما دام كافراً حربياً. هذه الموالاة المحرمة المكفرة يخرج فاعلها عن الملة، ويرتد عن الإسلام إن كان مسلماً قبل ذلك، بل هو على التحقيق حينئذ مرتد حربي، تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي المفصلة في مواضعها من كتب الفقه والعقائد، وإليك أهمها:

(1) هدر دمه، واستحقاقه للقتل، لأنه محارب لله ورسوله كما هو في آية المائدة، إذا قدر عليه، ولم يكن تاب قبل القدرة عليه.

(2) انفساخ نكاحه فوراً، وسقوط ولايته على القاصرين من أولاده وذوي قرابته، وسقوط ولايته في النكاح عن من كانت له ولاية نكاح عليهن من النساء من ذوي قرابته.

(3) إباحة ماله، ووجوب استيفائه، عند القدرة، إلى بيت مال المسلمين، أو أخذه غنيمة من قبل المجاهدين. فلا تجوز للمسلمين وراثته، ولا يرث هو (أو هي) من المسلمين.

(4) عدم جواز دفنه في مقابر المسلمين، لأن الدفن مع المسلمين كرامة لا يستحقها إلا المسلم، وهو (أو هي) كافر حربي مرتد، وليس بمسلم.

(5) ومعلوم أن المسلمة لا تحل لكافر، لا فرق بين مرتد وأصلي، وأن المرتدة ليست كتابية، فلا تحل لمسلم.


(6) معاملته بالمعاداة والبغضاء والمقت التي يستحقها كل كافر حربي.


(7) لا فرق بين الرجال والنساء في هذا الحكم. فالمرأة الحربية، المباشرة للقتال فعلاً، يهدر دمها كالرجل الحربي سواء، ولو كانت محاربتها تقتصر على الغناء أو إلقاء الشعر أو التمثيل، كما عامل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قينات قريش المحاربات له فقط بالغناء والشعر، فأهدر دمائهن، وأمر بقتلهن، وأمر برمي المرأة التي وقفت على سور الطائف، أثناء حصارها، فكشفت عورتها استهزاءً بالمسلمين. كل ذلك مع نهيه العام عن قتل النساء، وتشديده في ذلك.

(8) ويكفر كل من أظهر الرضا بحاله، أو استحل مصاهرته، إذا بلغه هذا الحكم، واطلع على أدلته، وقامت عليه الحجة فيه، ولم يكن معذوراً بإكراه ملجئ.


v وقال، تباركت أسماؤه: {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين}، (الجاثية؛ 45:19). فلا يجوز تولي الظالم ونصرته وتأييده، أيا كان دين الظالم أو دين المظلوم. وأشنع ذلك إذا كان الظالم هو الكافر الحربي المعتدي الذي قاتلنا في الدين أو أخرجنا من ديارنا أو ظاهر على إخراجنا.

v وقال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها؟! فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا
v إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً
v فأولئك عسى اللّه أن يعفو عنهم وكان اللّه عفوًّا غفورًا}، (النساء؛ 4:97-99). وروى البخاري في تفسيرها بإسناد صحيح عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم، على عهد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضْرَب عنقُه، فيقتل، فأنزل الله هذه الآية. لاحظ أن هؤلاء ما كانوا يشاركون في القتال، أو يباشرونه، وإنما يحضرون مع الجيش الكافر (لتكثير سواده)، وهم في الأغلب مكرهون على الخروج، فيقتل أحدهم على هذه الحالة المنكرة القبيحة. ولا عذر لهم، حتى ولو كانوا مكرهين في الخروج، مرغمين على حضور صف القتال، لأن الواجب كان على القادرين منهم على الهجرة أن يهاجروا فوراً قبل أن يقع أحدهم في هذه الورطة الملعونة.

v وروى الطبراني في الكبير، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».

ــ وأخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً).

لاحظ ان الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا إتباعاً للحديث قبله وعملاً بالفهم الصحيح له، ولغيره من نصوص الكتاب والسنة المتضافرة، لم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، القلبي المجرد، والكينونة مع المحبوبين باطناً، و«البغض» القلبي المجرد الشامل للمقت، والتحقير، بل لا بد من «الموالاة» وهي النصرة، والإعانة، والتحالف، والإنتماء، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للتباعد، والهجر، والخذلان، والمنابذة، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!

v وقال أحمد: حدثنا إسماعيل أخبرنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أتيته، فقلت: (والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء أن لا آتيك، ولا آتي دينك)، وجمع بهز بين كفيه: (وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله، تبارك وتعالى، ورسوله؛ وإني أسألك بوجه الله: بم بعثك الله إلينا؟!)، قال: «بالإسلام!»، قلت: (وما آيات الإسلام؟!)، قال: «أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم: أخوان نصيران! لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملا! وتفارق المشركين إلى المسلمين. ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟! ألا إن ربي عز وجل داعي وإنه سائلي هل بلغت عباده وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ ثم إنكم مدعوون، مفدمة أفواهكم بالفدام، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه»، قلت: (يا نبي الله: هذا ديننا؟!)، قال: «هذا دينكم: وأينما تحسن يكفك»]، وهذا إسناد حسن جيد، إن شاء الله تعالى.

v وفي صحيح البخاري مرفوعاً: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قيل: (أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟!)، قال: «تمنعه عن الظلم، فذلك نصرك إياه!».

قلت: هذا مفهوم جديد للنصرة لم يسبق إليه سيدي أبو القاسم محمد بن عبد الله، رسول الله، وخاتم النبيين، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، حسب علمي، في تاريخ البشرية، ولا عجب فقد علمه ربه، وأدبه فأحسن تأديبه!

v وفي الصحيحين مرفوعاً: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه: من كان في حاجة أخيه، كان الله، عز وجل، في حاجته! ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة! ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة». قلت: من أسلم أخاه وخذله، فهو قطعاً لم ينصره أصلاً، ولم يتولاه.

v كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، بإسناد حسن، مرفوعاً: «المؤمن مرآة أخيه. والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه». كف الضيعة، والإحاطة من وراء من أعمال الموالاة والنصرة، فمن قصَّر عنها فليس له من موالاة المؤمنين كبير نصيب.

v و«الموالاة» الدينية الإيمانية لا تنقطع بما قد يقع بين المؤمنين من تظالم، وقتال، وشر، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين
v إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون}، (الحجرات؛ 49:9). يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية شارحاً: (على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه ــ وإن ظلمه ــ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، ...}، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب، ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه، والإهانة والعقاب لأعدائه)، (مجموع الفتاوى: ج28/208).


فالمسلم ولي وصديق ضرورة، ما دام مسلماً. وحتى الضرورة، والإكراه الملجيء بالتهديد بالقتل المؤكد، لا يبيح للمسلم أن ينصر الكفار الحربيين على قتال المسلمين وقتلهم لأن جمهور العلماء، بل إجماعهم، على أن المكره على القتل ليس له أن يفعل ذلك، لأن نفسه ليست أولى من نفوس الآخرين بالصيانة والحفظ، هذا بين واضح، وإليك كلام جيد للإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رضي الله عنه:

v حيث قال الإمام في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكرَه المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).


v وله في «كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه»، (ج: 28 ص: 537) كلام جيد من زاوية أخرى: [...، بل قد أمر النبى المكره فى قتال الفتنة بكسر سيفه وليس له أن يقاتل، وإن قتل، كما فى صحيح مسلم عن أبى بكرة قال قال رسول الله أنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشى و الماشى فيها خير من الساعى ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بابله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج أن إستطاع النجاة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فقال رجل يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين فيضربنى رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلنى قال يبوء باثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار]

هل سمعتم وتدبرتم يا أعداء الله، فقهاء السلاطين، الذين أفتيتم باستقدام القوات الكافرة، والقتال تحت رايتها لدفع «ظلم» العراق المزعوم للكويت، بدعوى الضرورة المكذوبة، بل وسميتم جريمتكم النكراء جهاداً؟! فانتهى الأمر باستعمار بلادكم، ووقوعكم تحت هيمنة الكفار: ينهبون خيرات بلادكم، ويقتلون المسلمين ويحاصرونهم، ويمكنون صهاينة اليهود من رقابكم، ويؤبِّدون اغتصابهم لفلسطين، وتسلطهم على بيت الله المقدس، وينشرون الربا، والزنا، واللواط، وسائر الفواحش والفتن في بلادكم، حتى ضربت عليكم الذلة والمسكنة، كما ضربت على فسقة بني إسرائيل من قبل. كل هذا وأنتم ساكتون، سكوت الشياطين الخرس، فبعداً وسحقاً لكم، وتعساً لكم، وأضل أعمالكم!

لذلك لا يجوز أن تبقى أدنى شبهة في الحرمة المغلظة لـ«موالاة الكفار» بالمعنى المحرر آنفا وهو: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، هذا حكم يقيني قاطع، يكفر الإنسان بجحده، ويخرج من الملة الإسلامية برده: هذا إجماع متيقن من أهل الإسلام كلهم.

والحق الذي لا شك فيه أنها، أي هذه «الموالاة» المحرمة، ليست مجرد كبيرة فظيعة من كبائر الذنوب، بل هي من أعمال الكفر، يكفر الإنسان بفعلها، فيصبح مرتداً. فإن كانت نصرته بقتال مع الكفار، أو بقول أو مال أو مشورة أو عمل متعلق بأعمال القتال، أو تجسس لهم على أسرار المسلمين الأمنية والعسكرية، أو بمعونة لهم في الإعداد للحرب، أو في التحريض عليها والتحريش بها، من فعل شيئاً من هذا: كفر وارتد وأصبح حربياً، ملحقاً بمقاتلتهم، معدوداً في صفوفهم، لما أسلفنا.


ويقوي هذا الحكم ويشهد لصحته، ويؤكده، أي الحكم بردة وكفر من قاتل مع الكفار ضد المسلمين، أو أعانهم في حربهم بيد، أو مال، أو قلم، أو لسان بمجرد فعله الظاهر، بغض النظر عن معتقده، وبغض النظر عن أحواله القلبية، ما جاء في سبب نزول قوله، تباركت أسماؤه: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا؟! أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟! ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً
v ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء؛ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله؛ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم؛ ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً}، (النساء؛ 4:88-89)، حيث ورد في سبب نزولها ما أخرجه البخاري:

v في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاربي: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد قال سمعت زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين ...الآية}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد». وهو كذلك في صحيح مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة بنحوه. وفي «المعجم الكبير»: حدثنا أبو مسلم الكشي ثنا سليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق قالا ثنا شعبة به].


v وأخرجه البخاري من طريق أخرى: [حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر وعبد الرحمن قالا حدثنا شعبة عن عدي عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: {فما لكم في المنافقين فئتين...}، رجع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وكان الناس فيهم فرقتين فريق يقول اقتلهم وفريق يقول لا فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين}، وقال: « إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة»]. وأخرجه النسائي في سننه «الكبرى»: [أنا محمد بن بشار حدثنا محمد عن شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت به]. وهو بعينه في الترمذي، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، وعبد الله بن يزيد هو الأنصاري الخطمي وله صحبة).

v وأخرجه البخاري من طريق ثالثة: [حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، قال: (لما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه وكان أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فرقتين فرقة تقول :نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا..}، وقال: « إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة»].


v وأخرجه الإمام أحمد بأسانيد صحاح: [حدثنا بهز ثنا شعبة قال عدى بن ثابت أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع أناس خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة تقول بقتلتهم وفرقة تقول لا فأنزل الله عز وجل: {فما لكم في المنافقين فئتين ..}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما تنفى النار خبث الفضة». وأخرجه من طريق عفان حدثنا شعبة، ومن طريق فياض بن محمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة بنحوه].


v وهو في «سنن البيهقي الكبرى» بسنده، ونسبه إلى الشيخين، البخاري ومسلم، ثم عقَّب: [قال الشافعي: (ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله، عز وجل، من قولهم وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا). قال البيهقي: (هو بين في المغازي عن موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهما قال موسى بن عقبة (الإسناد الذي تقدم في قصة الخندق) فلما اشتد البلاء على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: «والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا وأن يدفع الله، عز وجل، مفاتح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله!»، فقال رجل ممن معه لأصحابه: (ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نغنم كنوز فارس والروم ونحن هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله لما يعدنا إلا غرور)، وقال آخرون ممن معه: (ائذن لنا فإن بيوتنا عورة!)، وقال آخرون: (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا!)، وسمى بن إسحاق القائل الأول معتب بن قشير والقائل الثاني أوس بن قيظي)]


ففي هذا الحديث الصحيح الصريح عاتب الله المسلمين عتاباً شديداً بلغ حد التوبيخ على اختلافهم في تقويم من خذل المسلمين بانسحابه من ميدان القتال قبيل المعركة، كما فعل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه يوم أحد، لأن المسألة واضحة كالشمس: هذا لا يصدر إلا عن منافق، قد كفر وارتد عن دينه، كما شهد الله عليهم: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}. ومن كان هذا حاله، أي أنه منافق يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، فلا يجوز قتله، ولا قتاله، بل يعامل معاملة المسلم إلا ما استثناه الشرع من تحريم الصلاة عليه، أو القيام على قبره لمن علم بحاله علم يقين، ونحو ذلك. هذا حكم الله في من من خذل المسلمين وانسحب من جيشهم، أو انسحب من ميدان المعركة قبيل وقوعها، وانحاز جانباً، فلا شك أن من قاتل مع المشركين، أو عاونهم في قتالهم بيد أو قلم أو لسان شر من ذلك وأوغل في الإثم والكفر، من باب أولى.


v أما ما جاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه يعنى أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم ما لكم رجعتم قالوا أصابنا وباء المدينة فاجتوينا المدينة فقالوا أما لكم في رسول الله أسوة فقال بعضهم نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا هم مسلمون فأنزل الله عز وجل: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ... }، الآية. فنقول: هذا مرسل، ولا تقوم الحجة اليقينية بمرسل، مع ما في الإسناد، غير هذا، من نظر، مثل عنعنة ابن إسحاق، ولكن يشهد له أن الآية التالية في هذا السياق تنص على قطع الولاية مع هؤلاء حتي «يهاجروا»، فكأنها أوضح في حق من قطع هجرته وفارق دار الإسلام.

وعلى كل حال، لو فرضنا ثبوت هذا الحديث، فإن الحكم يكون في هذه الحالة أشد، لإن جرم من قطع هجرته، وفارق دار الإسلام، أي تخلًَّى عن تابعية دار الإسلام وحمل تابعية دار الكفر، أي من اتد «أعرابياً بعد الهجرة»، أقل شناعة ممن خذل المسلمين بترك القتال معهم، وانسحب من جيش المسلمين في الطريق إلى المعركة، أو انسحب من ميدان المعركة قبيل بدئها، فأسلمهم إلى عدوهم، وهذا خذلان وترك للواجب المتعين قبيل مباشرته، وعند الحاجة الملحة للقيام بذلك الواجب، وهذا بدوره أقل شناعة من حال من هو محل دراستنا ها هنا وهو: من قاتل مع المشركين أو أعانهم في قتالهم بيد، أو مال، أو قلم، أو لسان، أو من أفشى لهم أسرار المسلمين الأمنية والعسكرية، أو من حرضهم على الحرب، أو أعان في الإعداد لها، فهذا، ليس مجرد «خذلان»، و«إسلام» المسلم لسطوة الكافر، وترك للواجب، أي ليس مجرد «ترك» وموقف «سلبي»، بل هي فعاليات وأعمال وموقف «إيجابي» في إعانة الكافر على المسلم، فهذا أفظع وأشنع، وهذا قطعاً، أولى بالكفر والردة.

نعم، هذا هو الصحيح يقيناً: أن من يتولى الكفار، بمعنى: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، فهو كافر مثلهم، عدو لله ورسوله، خارج عن الإسلام، ولا يجوز صرف الآيات عن ظاهرها، وعمومها إلا ببرهان من الله. كما يشهد لذلك ما حدث لحاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، وهو مهاجر بدري، من السابقين الأولين، عندما كاتب قريشاً مخبراً إياها احتمال توجه رسول الله، صلوات الله عليه وعلى آله، إليهم بجيشه، وذلك لضمان سلامة بعض قراباته المقيمين في مكة من انتقام قريش وغضبتها. وعندما انكشف الأمر طالب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بضرب عنقه: (لأنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين) أو (لأنه نافق، وارتد عن دينه). وقصة محاكمة حاطب بن أبي بلتعة تتضمن أحكاماً في غاية الأهمية وتتطلب دراسة مدققة ليس هذا مكانها، وقد أشبعنا ذلك في باب مستقل من كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، فليراجع.

لذلك كله لا يجوز أن تبقى أدنى شبهة في التحريم المغلظ المطلق لموالاة الكفار، بكل أنواعها، وألوانها، وأحوالها، إلا ما ثبت استثناؤه من الله ورسوله، كما فصلنا بعضه أعلاه. ولما كان الأصل هو التحريم المغلظ المطلق الأبدي، وجب الاقتصار على الحد الأدنى والأيسر من الموالاة في حالة الأخذ بالرخصة، وبقدر الضرورة أو الحاجة، لا غير.


وهذه الرخصة التي امتن الله بها على عباده هي «التقاة»، لدفع الضرر عن النفس والأهل والولد والمال والمصالح، أي لاتقاء ما يحذر منه، وهي في جوهرها حمل تابعية دار الكفر، أو الحصول على أمانهم وحق الإقامة في ديارهم، أو التمتع بحق اللجوء السياسي في ديارهم، ونحو ذلك، وفي المقابل عدم محاربتهم أو تهديد أمنهم. نعم: في هذا كفاية، وفوق الكفاية، للتمتع بالحماية القانونية للنفس والأهل والمال والمصالح، وللسلامة مما يحذر منه، وذلك بمشاركة أهل تلك الدار في أكثر حقوقهم الأساسية التني يحتاجونها في حياتهم اليومية.


نعم: قد يستغرب بعض من لا يعرف من الإسلام إلا الجوانب الشعائرية والعاطفية والروحانية، مع الجهل بالجوانب السياسية والجتماعية والدولية، من إدخال «حمل التابعية» في باب «الموالاة والمعاداة»، ولو بمعنى من المعاني، ولكننا سبق أن أوجزنا الكلام على ذلك عند مناقشة معنى «الموالاة» في عرف العرب الاصطلاحي في أوائل هذا البحث، ولكن إتمام البرهان على صحة ذلك من الناحية الشرعية يتطلب بحثاً طويلاً، لا مكان له ها هنا، وهو في الملحق الموسوم: «تابعية دار الإسلام»، من كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، فليراجع هناك.

وحمل تابعية دار الكفر، أو الحصول على أمانهم وحق الإقامة في ديارهم، أو التمتع بحق اللجوء السياسي في ديارهم، وفي المقابل عدم محاربتهم أو تهديد أمنهم، هو نوع من «الموالاة» بلا شك كما هو نص الآيات في آخر سورة الأنفال (راجع الملحق الموسوم: «تابعية دار الإسلام»، من كتابنا: «الموالاة والمعاداة»)، إلا أنه ليس من النوع المذموم المكفر، فالاستثناء في قوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}، هو استثناء منقطع، لأن حمل التابعية أو الإقامة الدائمية في دار الكفر ليس هو من جنس «الموالاة» المكفرة المذمومة في هذه الآية، ألا وهي: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك)، بل هو نوع ثان مستقل من «الولاية» بنص الآيات في آخر سورة الأنفال، وهذا النوع الثاني هو المستثنى في الآية استثناءً منقطعاً دفعاً لوهم أو شبهة كونه من الصنف الأول، وهو في الحقيقة ليس منه أصلاً، ولا من جنسه، وليس حكم هذا من حكم ذاك. وهذه الشبهة قد تنشأ لتشابه اللفظ والاشتراك في مادة الأصل اللغوي: «و ل ي»، ووجود معنى «القرب» أو «التقرب» في النوعين الإثنين، ولما جرت عليه عادة الناس في اعتبار «ترك نصرة طرف» ما كما لو كانت «نصرة للطرف الآخر»، مع كونها ليست كذلك بالضرورة.


ونزيد هذا إيضاحاً فنقول: إذا حصرنا معنى «الموالاة» المكفرة المذمومة في هذه الآية في النوع الأول، ألا وهو: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك)، وذلك بقرينة كفر فاعل ذلك على كل حال، إذا فعلنا ذلك فإن الاستثناء يصبح منقطعاً، ويكون تقدير الكلام في الآية الكريمة حينئذ: [أن من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك)، قد بريء منه الله وبريء هو من الله بارتداده عن الإسلام، ودخوله الكفر، ولكن من أقام إقامة دائمية في دار الكفر أو استمتاع بأمانهم ولم ينابذهم أو يحاربهم، وفق ميثاقه معهم، حتى ولو كانوا هم في حالة حرب مع المسلمين، وذلك «تقية» أي حذراً مما يحذر منه، فليس هو من هذا الصنف، ولا يسري عليه هذا الحكم، أما إذا تجاوز حدود «التقية» هذه، ونصر الكفار فعلياً بلسان، أو مال، أو يد، أو سلاح، أو نفس، أو تجسس، أو حرض على قتال المسلمين، أو شارك في الإعداد لحرب المسلمين، فيكون حينئذ عمله هذا من أعمال «الموالاة» المذكورة في الصنف الأول، ويكفر بذلك كما كفروا].


فالـ«المولاة» المرخص بها حالة «التقاة» ينطبق عليها:

(1) ماهيتها: هي «حمل تابعية» الدولة الكافرة الحربية، أو «المواطنة» فيها، أو «الإقامة الدائمية» بأمان تحت سلطانها، ونحو ذلك.

(2) أهلها: المقيمون هناك من الأفراد المسلمين، المغلوبين على أمرهم تحت سلطان الكفار الحربيين.

(3) حدها: ملاحظة الأمان مع السلطة الكافرة وعدم خرقه، أي الامتناع عن الفعاليات القتالية ضد السلطة الكافرة ومواطنيها. أما تجاوز ذلك بفعل أو قول فل يجوز، وتبقى (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك) ممنوعة محرمة تحريماً باتاً مطلقاً، مفضية إلى كفر صاحبها، وارتداده عن الإسلام فيصبح بذلك مرتداً كافراً حربياً.


وبهذا يظهر جلياً خطأ حاطب بن أبي بلتعة الفاحش: فهو ليس من أهل «التقاة»، لأنه ليس مقيماً في مكة تحت سلطان قريش، ولا هو اقتصر على حدودها، بل تجاوز الحد إلى الأفعال المهلكة المكفرة، إذ أفشى لهم سراً عسكرياً للمسلمين.

وعلى ذلك يكون الانخراط في أحزاب الكفار الحربيين السياسية التي تتبنى أفكار ومفاهيم ومعالجات الكفر، وتطبقها عند الوصول إلى الحكم، وتتبنى سياسات معادية للإسلام والمسلمين في الداخل والخارج، وربما شاركت في قمع المسلمين، واضطهادهم، واحتلال بلادهم، كما هو حال أحزاب الهند الرئيسية، أو الكيان الصهيوني المغتصب في فلسطين، أو روسيا، أو ما هو شر من ذلك: الانخراط في قواتهم المسلحة وجيوشهم، ومحاربة المسلمين تحت رايتهم، كما فعلت الهند وتفعل في كشمير، وفعلت أمريكا وتفعل في العراق وأفغانستان، أو روسيا في الشيشان، كل ذلك تجاوز لحد «التقاة» المرخص به، فكل ذلك نصرة فعالة لهم، ولا يكون ذلك إلا من كافر حربي، ملعون في الدنيا ولآخرة، ومن كان مسلماً قبل ممارسته لذلك، فإنه يصبح بذلك كافراً مرتداً حربياً، تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي،التي سلف ذكر بعضها.



v فصل: الاستعانة بالكفار والاستنصار بهم على المسلمين

وقد يتسائل إنسان فيقول: حكم «موالاة الكفار»، بالبيان والتفصيل المذكور آنفاً، واضح مفهوم، ولكن ماذا عن الاستعانة بالكافر والاستنصار به لقتال المسلمين، وما هو حكمها؟!

والجواب: أن العبرة بوقائع الأشياء وحقائقها، وليس بالمسميات، فالاستعانة بالكافر والاستنصار به لقتال مسلم لا بد أن يكون حصراً من أحد الأنواع الآتية:

(1) أن تكون القيادة للكافر، فالحرب حربه، والجيش جيشه، والراية رايته، ولو لمدة زمنية محدودة، ولو لطرفة عين. فواقع المستنصر ها هنا أنه في الحقيقة أصبح معينا للكافر في حربه للمسلمين، وأنه متورط في جريمة «موالاة الكفار»، فهو كافر مرتد بذلك، لما أسلفنا.


(2) أن يقاتل كل فريق من جهته مستقلاً، فالكافر له حرب وجبهة وقيادة مستقلة، وراية مستقلة، والمستنصر له حرب وجبهة وقيادة مستقلة وراية مستقلة. وهذا كذلك من «موالاة الكفار» المكفرة، لأن قتال المسلم حال اشتباكه في جبهة أخرى مع الكفار هو ضرورة إعانة للكافر في قتاله للمسلم. وهذا قد يتصور وقوعه في حالة الاشتراك مع الكفار في «الأحلاف العسكرية»، كحلف الأطلسي، وحلف بغداد، ونحوه. وهذه «الأحلاف العسكرية» محرمة حرمة قاطعة على كل حال، حتى ول كانت موجهة حصراً ضد الكفار، كما سنبينه قريباً في فصل مستقل، فإذا أفضت إلى مقاتلة المسلمين فتكون حينئذ من «موالاة الكفار» المكفرة، المخرجة لفاعلها من الإسلام، المردية له في نار جهنم، كما سنفصله في موضعه.


(3) أن تكون القيادة للمسلم، والجيش جيشه، والحرب حربه، والراية رايته؟! ففي هذه الحالة لا ترد مسألة «الموالاة»، لأن هذا مسلم يقاتل مسلمين آخرين بحق أو باطل، وله راية، وهو صاحب القيادة: فالقتال قتاله، والقضية قضيته، والراية رايته، والكفار هم الذين نصروه وخدموه، فهم الجنود والخدم والمعاونون، وهو القائد والسيد والمخدوم، فعلاً وحقيقة، لا صورة وإسماً.

نعم: لا ترد قضية «الموالاة» هنا، وإنما الواجب هو السؤال: هل هذا قتال مشروع أم لا؟! وإن كان مشروعاً فهل تجوز الاستعانة بالكفار في القتال، تحت الراية الإسلامية والقيادة الإسلامية، أم لا؟!

(أ) فإن لم يكن مشروعاً فهو بذاته جرم شنيع، لأن «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» فحتى لو كانت الاستعانة بالكافر جائزة، فهي هنا ممنوعة، لأن الحلال لا يجوز أن يخدم الحرام، أو يؤدي إلى الحرام؛

(ب) وإن كان مشروعاً فيكون السؤال عن جواز الاستعانة بالمشركين في القتال تحت الراية الإسلامية والقيادة الإسلامية. وفي هذا خلاف مشهور بين العلماء قديماً وحديثاً، والأرجح الأصح أنها جائزة مع الكراهة، كما قال السادة الأحناف، بلا فرق بين الاستعانة بذمي، أو أجنبي، متطوع أو مأجور، وإن كانت الاستعانة خلاف الأولى، وتركها أفضل.


وهذا إنما يكون عادة في حق أفراد من الكفار، ومن الصعب تصوره في حق الدول، إلا أن تكون دولة تابعة للدولة الإسلامية، خاضعة للقيادة الإسلامية العليا، كما كان حال دويلات اليهود في المدينة تحت قيادة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث كانت علاقتهم معه تشبه ( Commonwealth) ، أو عندما دخلت خزاعة في صلح النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ كانت خزاعة حاضرة حين كتبت معاهدة الصلح بين قريش وبين المسلمين في عام الحديبية، فحين ورد في المعاهدة النص: (انه من احب ان يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن احب ان يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه) وبناء على هذا النص تواثبت خزاعة فقالوا: (نحن في عقد محمد وعهده)، وتواثبت بنو بكر بن كنانة فقالوا: (نحن في عقد قريش وعهدهم). فصارت خزاعة مع المسلمين في هذه المعاهدة التي بين قريش والمسلمين، وأدخلها الرسول، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في حمايته، وتحت رايته، كجماعة من دولته بحسب المعاهدة، أو كدولة تابعة له وتحت قيادته. وعلى أي حال فهذا مبحث آخر غير مبحث «الموالاة».

ونسارع فنقول: لا بد أن يكون المسلم في قتال مشروع ضد مسلمين آخرين، كالمحاربين من قطاع الطرق والقراصنة وتجار المخدرات، أو الخوارج المكفرين بالذنوب، أو البغاة الخارجين على السلطان بالقوة المسلحة، ونحو ذلك، وأن يكون القتال قتاله، والقضية قضيته، والراية رايته، والقيادة قيادته، والكفار هم الذين نصروه وخدموه، فهم الجنود والخدم والمعاونون، وهو القائد والسيد والمخدوم، في حقيقة الأمر لا بالرمز والصورة، فما أسهل تزوير الرموز والصور.


وايم الله: لم تكن حرب أمريكا ضد العراق فيما سمّوه بـ«تحرير الكويت» من هذا الباب في صدر ولا ورد: فالحرب حربهم، والقضية قضيتهم، والراية رايتهم. وكل إنسان في العالم، بل وكل «حمار» أيضاً، يعلم أن الأمير البليد خالد بن سلطان آل سعود، (قائد القوات المشتركة!!)، ما كان إلا صورة هزيلة لذر الرماد في العيون، واستغفال السذج والبسطاء، ولم يكن له من الأمر شيء، ولا حتى كان مأذوناً له في إعطاء التصريحات للصحافة والتلفاز. ولايؤثر على هذا كونهم إنما جاؤوا في البداية بطلب «رسمي» من طاغوت الجزيرة فهد بن عبد العزيز، الأشيمط الزاني، فظهر هذا في تلك اللحضة بصورة «الاستعانة» و«الاستنصار»، لأن اللحظات التالية أظهرت يقيناً أن الحرب حربهم، والقيادة قيادتهم، والراية رايتهم، والأهداف الاستراتيجية أهدافهم، والمخططات السياسية والعسكرية خططهم.


وحتى على التسليم جدلاً بأن أمريكا كانت مسالمة قبل بدء القتال، وهو باطل يقيناً لأنها مظاهرة لإسرائيل الكافرة المعتدية المحاربة في إخراج أهل فلسطين من ديارهم، وإذلالهم، وإبادتهم. ولكن على التسليم بذلك الباطل جدلاً، فهي وراء البحار، لم يقع عليها اعتداء، ولم يدخل جندي عراقي واحد أراضيها، ولم يبادرها العراق بإطلاق نار أو قتال أو غيره، ولم يهاجم لها طائرة، ولا أغرق لها سفينة، فليس له حق شرعاً من ثم أن تأتي لقتال العراق، ثم محاصرته، والإصرار العنيد على محاصرته حتى هذه الساعة، ولا هي مخولة شرعاً بتحرير الكويت ورفع الظلم عن أهله، إن كان هناك ظلم قد وقع أصلاً، ولا هي مأذون لها شرعاً بالدفاع عن عرش آل سعود، إن كان عرشهم في خطر.

لذلك فإنها بمجرد مجيء قواتها لمقاتلة العراق، على التقدير الأبعد، أصبحت في حالة حرب فعلية مع العراق، أي مع مسلمي العراق وبقية المواطنين فيه، فهي من ثم في حالة حرب مع الإسلام والمسلمين، لأن المسلمين أمة واحدة من دون الناس، سلمهم واحدة، وحربهم واحدة. فهي إذاً لم تعد موادعة، إذ الموادعة انتهت، ولا معاهدة، إذ العهود والمواثيق انتقضت. فكل من نصرها في حربها على العراق بقول أو فعل أو مشورة أو رأي أو مال أو قتال أو إذن ياستخدام قواعد، أو إذن بالطيران في المجال الجوي أو الإبحار في المياه الإقليمية أو ما شابه فقد «اتخذها ولياً من دون المؤمنين»، وهو قد كفر وارتد بذلك، وقد حبط عمله، فبعداً وتعساً له. وهو بذلك أصبح كافراً مرتداً حربياً تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي التي أوجزنا ذكرها.



تابع فى الصفحة التالية

قلب القصيم
13-02-05, 03:06 AM
حكم معاونة الكفار المحاربين





«موالاة» الكفار، أي {اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، التي هي شرعاً: «نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين» محرمة قطعاً، وهي من كبائر الذنوب، بموجب الأدلة اليقينية، القطعية ثبوتاً ودلالة، كما سنسرده بعد قليل، وبالإجماع المتيقن القاطع. هذا الحكم مقطوع به بحيث يكفر من ينكره، ويخرج من الإسلام بجحده. ولكن الصحيح أنها ليست فقط من كبائر الذنوب الشنيعة، بل هي من الذنوب المكفرة، أي أن «موالاة الكفار» من أعمال الكفر، يكفر به فاعله بمجرد فعله الظاهر، فيصبح بفعله مرتداً حربياً، ويخرج به من الملة الإسلامية.

v فصل: حقيقة «الموالاة» وماهيتها

المُوَالاة: مصدر من (وَالَى)، على وزن فَاعل، يوالي، موالاة. والولاء هو الدنو والقرب. والموالاة، لكونها على وزن مُفَاعَلَة، تتضمن معاني المبادلة والمقابلة: هذا يتخذا ذاك ولياً. وذاك يبادله الفعل فيتخذه ولياً. فـ«الموالاة» هي «اتِّخَاذ الوَلِيّ».

والأصل الثلاثي لـ«الموالاة» هو: (و ل ي)، والمصدر هو: «الوَلْي»، بسكون اللام، ويعني القرب والدنو. و«الوَلِي» هو القريب، حسياً أو معنوياً، في قرابة النسب مثلاً، و«الأولى» الأقرب، حسياً أو معنوياً، كما هو في حديث المواريث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، أو كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أي لأقرب الذكور إلى الميت، نسباً أو بولاء عتق أو نحوه.

إلا أن العرب كانت تستخدم، عادة، لفظة «قريب»، أو «ذو قربى»، لقرابة النسب، وقلَّ أن تستخدم لفظة «ولِي» في ذلك، ثم كادت أن تقصر لفظة «ولِي» علي قرابة «الحلف». وكان الحلف يعقد للحماية المتبادلة والنصرة، فيصبح الحليف قريباً ممن حالفه قرابة كقرابة النسب، بكل ما لتلك القرابة في المجتمع القبلي من ميزات تشمل عادة التوارث، والنصرة بدون قيد أو شرط، ظالماً أو مظلوماً، على طريقة أهل الجاهلية، بل وحمل اسم القبيلة: فهذا زهري نسباً، وذاك زهري ولاءً. فالموالاة في جوهرها إذا «انتماء» وقرابة كقرابة النسب.

هذه «الموالاة» أو هذا «الحلف» له جانب «دستوري» مهم قد لا يلاحظه كثير من الناس، وهو أنه يتضمن كل المعاني التي تشملها مفاهيم: «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث. وذلك لأن القبائل العربية كانت بمثابة دول: كل قبيلة بمثابة دولة، وتحالفات القبائل بمثابة اتحاد فيدرالي أو كونفيدرالي.


فـ«الحلف» أو «الموالاة» إذا تتضمن معاني «حمل التابعية» أو «المواطنة» في دول العصر الحديث، بل لعلها هي بعينها.

هذا العرف المطرد المستقر جعل معانى النصرة والحلف والانتماء والإعانة والمعونة والتأييد جزءً جوهريا لبعض ما تدل عليه لفظة «ولِي»، حتى كأنه نقل إليها، وكاد المعنى الأصلي، وهو «القرب» و«الدنو»، أن يتراجع إلى الوراء وينسى، فأصبحت «الموالاة» مرادفة لـ«المحالفة» و«المناصرة»، أو كادت. وعلى هذا نزل القرآن فأقر الاصطلاح العرفي في جوهره، وأضاف اليه معاني وقيود شرعية، كما سيتبين قريباً، إن شاء الله.


و«المَوْلَى»، على وزن مَفْعَل، تستخدم مرادفاً ترادفاً تامَّآ للفظة: «الوَلِي»، بل لعلها الأكثر انتشاراً لسهولتها على اللسان في مقابل ثقل الياء المشددة في لفظة «الوَلِي»، فتجد الناس تقول عن الرجل: (مولى آل فلان)، ولا تكاد تسمع: (ولَِي آل فلان)!

ومن أسماء الله الحسنى: «الولِي» بمعنى «الناصر» في المقام الأول، ولكنها تتضمن معنى «القريب» أيضاً، وكلاهما، أي «الناصر»، «القريب» من الأسماء الإلاهية الحسنى أيضاً.


و(الموالاة) أعم من (التَوَلِّي)، على وزن تَفَعُّل، وهو من صيغ المبالغة، وتعني الاستغراق في «الموالاة»، والمبالغة فيها.


فبما أن الموالاة هي في الأصل: النصرة، والحلف، والإعانة،والقرب، بغض النظر عن مرتبة هذا القرب ودرجته، فكل من حالفته، ونصرته، وأعنته، وقربته، فقد أَوْلَيْتَه، ووَالَيْتَه. والمعنى: حالفته، ونصرته، وأعنته، وقربته، وأدنيته إلى نفسك، فيكون حينئذ «التولِّي» هو: (الاستغراق والإنقطاع التام في نصرة الولي، ومحالفته، وإعانته، ودعمه، وتأييده»، ، وتقريبه)، أو هو: (تقديم كامل النصرة، والمحالفة، والإعانة، والدعم، ، والتأييد للمتولَّى، بحيث يكون المتولِّي مع المتولَّى كالظل مع الجسم)، أو هي: (الموالاة المطلقة العامة)، فـ«التولي» هو أعلى مراتب «الموالاة»، ومعنى النصرة والحلف جوهري فيها، بل هو أساسها وأصل تكوينها، كما أسلفنا.

و«المعاداة» هي الضد التام لـ«الموالاة»: والولاء ضد العداء. والولاية ضد العداوة. والوَلِيّ ضد العدو. والموالاة تدور حول معاني: الحلف، والنصرة، والمتابعة، والدعم، والتأييد، والقرابة، و«المعاداة» هي ضدها التام، وليس مجرد عدم وجودها، فمن وقف على «الحياد»، أي المحايد، ليس ولياً، ولا هو عدواً، أي لا يرد في حقه المعاملة كالعدو ولا المعاملة كالولي.




v فصل: تغليظ حرمة «موالاة» للكفار الحربيين، وكفر فاعل ذلك

«موالاة» الكفار، أي {اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، التي هي شرعاً: «نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين» محرمة قطعاً، وهي من أعمال الكفر، يكفر به فاعله بمجرد فعله، فيصبح بفعله مرتداً، ويخرج به من الملة الإسلامية، بغض النظر عن معتقده، وأحواله القلبية، إلا من قام به «مانع» من موانع تكفير المعين المعروفة، كالجهل والتأويل، كما هو بين من قصة حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، أو من تمتع برخصة شرعية منصوص عليها كما هو في حال «التقية»، وإن كانت حال «التقية» تتعلق بواقع ليس هو في الحقيقة واقع «الموالاة» المُعَرَّفة آنفاً، وإنما هي شيء آخر، كما هو مفصل في كتابنا: (الموالاة والمعاداة).


ومن باب أولى أن يكون «التولي للكفار»، أو بلفظ آخر «الموالاة المطلقة العامة للكفار» من المحرمات المكفرة، لأنه يعني الاستغراق والتفاني في الدفاع عن الكفار الحربيين، وإعانتهم بالمال، والنفس، والرأي، وإعانتهم ونصرتهم على المسلمين. وهذا يقتضي بالضرورة الشك في صدق الإسلام، أو جحوده، أو بغضه، أو احتقاره والسخرية منه، أو نبذه والإعراض عنه إعراضاً كلياً، أو عدم المبالاة به أو إقامة أي وزن له. وكل ذلك كفر صريح يُخْرِج من الملة الإسلامية، لا محالة، وذلك بإجماع الأمة المتيقن.


v قال الرب، جل جلاله، وتقدست أسماؤه: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير}، (آل عمران؛ 3:28). قوله: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}، يعني انقطاع صلته بالله كلية، وهذا لا يكون إلا لمن خرج من الإسلام، وارتد عنه، ودخل في الكفر، أما الفاسق الملَّي فله بالله بقية صلة، لوجود أصل الإيمان، واسم الإسلام:

ــ كما قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى في تفسيره لهذه الآية: [وهذا نهي من اللّه عز وجل للمؤمنين عن أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر يتخذ لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال معه للساكن الذي لقيه ساكن. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء، يعني بذلك فقد برئ من اللّه، واللّه برئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. {إلاّ أن تتقوا منهم تقاة}، إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم علي ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل]، قلت: سنتكلم عن «التقاة» فيما بعد، إن شاء الله.


ــ وقال الإمام ابن جرير الطبري، رحمه الله، في موضع آخر: [من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء، أي قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر]، ثم قال: [ومن تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، أي من أهل دينهم وملتهم. فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه].

v وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين
v فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيه، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو بأمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}، (المائدة؛ 5:51-52)، أي يصبحوا نادمين في الدنيا قبل الآخرة، ثم في الآخرة يشهد عليهم المؤمنون بحبوط الأعمال والخسران الأبدي: {ويقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم؟! حبطت أعمالهم فأصبحو خاسرين}، ومن فعل ذلك فهو مرتد ولا شك، وهو لن يضر الله شيئاً، وسوف يستبدله الله بمن هو خير منه، لذلك عقَّب ربنا، جل وعز، بعد ذلك فوراً، بعد هذه الآية الكريمة، قائلا: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم}، ثم أكد الله أن «ولاية» المؤمنين هي لله ورسوله والذين آمنوا فقط، حصراً، وأن أهل هذه الولاية هم، حتماً، حزب الله الغالب المنصور، فقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة وهم راكعون
v ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، (المائدة؛ 5:51-56). فذكره، جل وعلا، الردة في خلال الكلام عن موالاة الكافرين يشعر بأمور منها:


أولاً: أن الكفر والردة أكثر ما يكون ممن كان قبل ذلك مؤمناً، إنما يأتي من هذا المدخل الشيطاني الخبيث: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، لخوف الدوائر والهزائم، وطلب النصرة والعزة منهم. فليست القضية في الأغلب قضية تصديق وتكذيب، أو إقرار وجحود، بل هي حرص على حظوظ الدنيا من الشرف والرياسة والمكانة والمكاسب، وخوف من الهزائم والخسائر والدوائر.

ثانياً: أن الخوف من الهزيمة، والحذر من الدوائر ليست عذراً أو رخصة في ارتكاب «الموالاة» المحرمة المهلكة.

ثالثاً: أن «الموالاة» المنهي عنها، وهي: (اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين)، التي هي: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، كفر وردة، وليست مجرد كبيرة من كبائر الذنوب، لأن الله قد حكم، ولا أحسن من حكمه: {من يتولهم منكم، فإنه منهم}، {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} وهذا يفيد انقطاع الصلة بالله مطلقا (ليس من الله في شيء)، ولا يكون ذلك إلا بالكفر، أما الفاسق الملَّي فله بالله بقية صلة، لوجود أصل الإيمان، واسم الإسلام، كما أسلفنا. كما تفيد أن من يتولهم (فإنه منهم)، أي كافر من جملة الكفار. هذا هو قول جمهور الأئمة والفقهاء كما ظهر لنا:

ــ فقد قال الإمام الحجة ابن حزم رحمه الله: [صح أن قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، إنما هو على ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين]، قلت: أبو محمد من أهل الاستقراء لمسائل الإجماع، وله مصنف قيم في هذا، وهو متشدد في دعوى الإجماع، فقوله: (وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) نص صريح في أنه إجماع يقيني لكافة الأمة.

ــ وقال، رضي الله عنه، في «المحلَّى»: [من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك.

وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد من المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.

أما من كان محارباً للمسلمين، معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.

وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذراً، ونسأل الله العافية.) ثم يقول: (ولو أن كافراً مجاهداً [لعله أساء التعبير وهو يعني: مقاتلاً، أو لعله تصحيف للفظة مجاهراً] غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بغير دين الإسلام: لكفر معه كل من عاونه، وأقام معه، وإن ادعى أنه مسلم ــ لما ذكرنا].


v وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: [أخبر الله في هذه الآية أن متوليهم هو منهم، فقوله سبحانه: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء}، يدل على أن الإيمان المذكور ينافي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً)، وقال في موضع آخر: ({ومن يتولهم منكم}، فيوافقهم ويعينهم {فإنه منهم}].


v وقال ابن القيم رحمه الله: [إن الله قد حكم، ولا أحسن من حكمه، أنه من تولى اليهود والنصارى فهو منهم: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن، كان له حكمهم، وهذا عام].


v وقال الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ: [وأخبر سبحانه وتعالى أن من تولاهم فهو منهم)]، (أوثق عرى الإيمان: 26-27).


v وقال الشيخ حمد بن عتيق: [قد دلّ القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه]، (الرسائل والمسائل النجدية 1/745).

v وقال الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ: [إن كل من استسلم للكفار، ودخل بطاعتهم، وأظهر موالاتهم، فقد حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام، ووجب جهاده، ولزمت معاداته]، (الدرر السنية ج7 ص11).

v وقال تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله، والنبي، وما أنزل إليه، ما اتخذوهم أولياء}، (المائدة؛ 5:81). فالإيمان بالله والنبي يتناقض مع اتخاذ الكافرين أولياء، بالمعنى المذكور أعلاه، ألا وهو: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، و«لو» أداة تقدير امتناع لامتناع، فمن المحال أن يكون الإيمان الشرعي، كما يطلبه ويعرفه الشارع تبارك وتعالى، موجوداً مع «اتخاذ الكافرين أولياء» في نفس الوقت. هذا ممتنع لا يوجد في العالم قط!

v وقال، تعالى ذكره، وسما مقامه: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولوكانوا آباءهم، او أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ..}، (المجادلة؛ 58:22). وهذا كسابقه يثبت استحالة وجود «الإيمان» الشرعي مع وجود «موادة الكفار»، ولو كانوا أقرب الأقرباء، وقد فصلنا القول في هذه الآية الكريمة في كتانبا: (الموالاة والمعاداة) وبرهنا أن «الموادة» المذكورة فيها ليس هي «المودة» القلبية، وإنما هي في حقيقتها «الموالاة» المبين معناها آنفاً.

v قال، جل جلاله: {لاتتخذوا أباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان}، (التوبة؛ 9:23). فليست القرابة، مهما كانت حميمة، عذراً في «موالاة الكفار»!

v وجعل، تباركت أسماؤه، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين الصفة الرئيسية المميزة للمنافقين نفاقاً اعتقادياً خالصاً مخرجاً من الملة، أهل الدرك الأسفل من النار، فقال: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً
v الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً}، إلى قوله، جل من قائل، في نفس السياق، وتكملة للكلام: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً؟!
v إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً}، (النساء؛ 4:138-145)، فظهر بذلك أن أكثر النفاق المخرج من الملة، المردي بصاحبه في الدرك الأسفل من النار، هو من هذا النوع الملعون: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين).

v وقال، جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ v إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ v لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ v قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ v رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ v لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ v عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ v لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ v إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، (الممتحنة؛ 60:1-8).

نعم، وايم الله: في هذه الآيات المحكمات فصل الخطاب، من عند رب الأرباب، إذ هي تتضمن قسمة حاصرة لجميع الكفار إلى صنفين:

الصنف الأول: المحاربون: وهم كل من قاتلنا في الدين، أو أخرجنا من ديارنا، أو ظاهر على إخراجنا، مثل قريش على زمن نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسلينات وتبريكات من الله، ومثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في وقتنا الحاضر. وفي هؤلاء فقط، لا غير، حصر النهي والتحريم لـ«الموالاة»، لأن قوله، جل وعز: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ} من صيغ الحصر، ومن فعل ذلك فهو من الظالمين. وظلمه هذا ظلم أكبر، أي ظلم الكفر، كما بينته الآيات الأخرى، وكما سيأتي.

الصنف الثاني: المسالمون: وهم كل من ليس بحربي، أي كل كافر لا يندرج تحت الصنف الأول، وهم أنواع:

(1) ذميون: أهل ذمة الله وذمة رسوله، وهؤلاء عادة وفي الأصل من المواطنين المقيمين في دار الإسلام، الحاملين للتابعية الإسلامية، ومن كان في حكمهم. وهؤلاء هم الأقرب والأكثر حقوقاً عند الدولة الإسلامية، وعند المسلمين، بل هم «أمة» أو أمم مع المسلمين، كما عبرت عنه صحيفة المدينة.

(2) معاهدون: أهل العهود والميثاق، كمواثيق حسن الجوار، وعدم الاعتداء، والتبادل التجاري والفني، وغير ذلك.

(3) الموادعون: من لم يكن بينهم وبين المسلمين حرب قط، ومع ذلك لم يتم أي تعاقد أو ميثاق. وذلك كحال الحبشة على زمان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وحال الدول المحايدة مثل السويد في العصر الحاضر، وأكثر دول أفريقيا التي نشأت البارحة، وأكثر دول أمريكا الجنوبية، إلا من اشترك في العدوان الدولي على العراق أو أفغانستان. فهذا يكون عادة في الأقطار البعيدة عن دار الإسلام، أو البعيدة عن بلاد المسلمين.

(4) المهادنون: وهم الذين كانوا البارحة محاربين، ثم تم التعاقد معهم فقط على وقف إطلاق النار، أي على وقف القتال، وما يتعلق به، كحال قريش في هدنة الحديبية بعد انعقادها، وحتى لحظة انتقاضها.

فهؤلاء «المسالمون» لم يرد نهي عن البر بهم والإقساط إليهم:

الإقساط: وهو مصدر من لفظة «أقسط» أي تعدى على غيره بالقسط، وهو العدل، أي عامل بالعدل. فهو المعاملة بالعدل والقسط. ولم كانت جميع النصوص تنص قطعاً على وجوب العدل، وتحريم الظلم، وتغليظ القول فيه، وتشديد الوعيد عليه، صار هذا النص دليلاً على وجوب المعاملة بالعدل والقسط، بلا محاباة أو هوادة، وليس على مجرد الرخصة في ذلك، كما قد يتوهم من فسد ذوقه الشرعي، أو ضعف فهمه لطرائق العرب في كلامها، ولم يجمع جميع نصوص الباب فيمضيها على عمومها وإطلاقها فلا يخصصها أو يقيدها إلا ببرهان منها.

أما البر: فهو بمعناه العام: كل إحسان. والبر هو الضد التام للفجور والإثم، بنص كلام الله، جل جلاله: {إن الأبرار لفي نعيم
v وإن الفجار لفي جحيم}، وبنص كلام نبيه الخاتم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، ..الحديث»، وفي صحيفة المدينة مكررا بكثرة: «وأن البر دون الإثم»، وغيرها كثير متواتر.


أما الإحسان الواجب، وهو العدل، فقد مضى، وهو فريضة لا تنازل عنها، ولا محيص منها، فبقي كل إحسان مستحب زائد على مجرد العدل. فالترخيص بالإحسان يعني ها هنا ضرورة استحبابه، والإثابة عليه. وفاعل البر مثاب، لأن البر مندوب إليه أو واجب، وكل ذلك محل الثناء والمثوبة من الله، جل جلاله. لا فرق بين بر لمسلم، أو كافر، ولا فرق بين رفق بإنسان أو دابة، ما دام براً، وقد سمَّاه الله براً، ومن أصدق من الله قيلاً؟!

وقد يتوهم إنسان أن القسمة، قسمة الكافرين إلى صنفين، حاصرة، ولكن قسمة المعاملة ليست بحاصرة: فالمحاربون لهم المعاداة والبغضاء والمحاربة وجوباً، فلا تجوز لهم «الموالاة»، مطلقاً،أما المسالمون فلهم البر والإقساط. ولكن ماذا عن «الموالاة» للكفار المسالمين؟! وما هو حكمها؟!

والجواب أن «الموالاة» المنهي عنها في حق المحاربين لا وجود لها، ولا يمكن أن تكون في العالم، في حق المسالمين، فهي معدومة، والمعدوم لا حكم له، لأنه ليس بشيء، وإن كان الذهن يقدره، ولكن لا وجود له في الواقع، لأن «الموالاة» المنهي عنها في حق المحاربين فعلاً، أو المنهمكين في الاستعداد للحرب تعني معونتهم في فعاليات الحرب، أو الإعداد للحرب من تجسس على الأسرار الأمنية والعسكرية، والتحريض على الحرب، والتحريش بها، ونحوه. والمسالم لا يتصور صدور ذلك منه لأنه إن فعل شيئاً من ذلك انقلب حربياً، وانتقضت ذمته أو عهده أو موادعته أو هدنته. وقد أكد الوحي المنزل هذه الحقيقة، إذ قال رب العزة، تباركت أسماؤه، وجل جلاله، حصراً: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون
v ومن يتولَّى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، (المائدة؛ 5:55)، فحصر «الموالاة» في الله ورسوله والمؤمنين، فلا تكون لغيرهم مطلقاً. فمقولتنا السابقة وهي: (كون «الموالاة» المنفية عن المحاربين لا وجود لها، ولا يمكن أن تكون في العالم، في حق المسالمين) إذاً بينة واضحة بالنص، كما هي بضرورة الحس والعقل. فالناس إذاً ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: المسلمون، وهؤلاء موالاتهم واجبة، ومعاداتهم محرمة وهي من أكبر الكبائر المحرمة، بل هي من الكفر: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، ولا يبعد أن يكون هذا، أي معاداة المؤمن ومقاتلته، كفراً ينقل عن الملة، ويحبط به العمل كله: أوله وآخره، وظاهره وباطنه، عياذاً بالله. فالمسلم، ضرورة، ولي وصديق أبداً، ما دام مسلماً.

الصنف الثاني: الكفار المسالمون، وهؤلاء موالاتهم غير واردة أصلاً، لأنها محال لا وجود له في العالم، كما لخصناه آنفاً، وفصلناه في كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، ولهم كل التسامح، والعدل، والقسط وجوباً، والتعامل بالحسنى، والمداراة، والمجاملة، والمسالمة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، والبر، استحباباً. وإن شئت فقل: أن العلاقة معهم علاقة «حياد»: لا موالاة ولا معاداة. وهو «حياد إيجابي» لأنك تعاملهم بالقسط والبر.


الصنف الثالث: الكفار الحربيون، أو الكفار المعدون للحرب، فهؤلاء معاداتهم واجبة، وموالاتهم محرمة مكفرة، فالكافر الحربي عدو أبداً، ما دام كافراً حربياً. هذه الموالاة المحرمة المكفرة يخرج فاعلها عن الملة، ويرتد عن الإسلام إن كان مسلماً قبل ذلك، بل هو على التحقيق حينئذ مرتد حربي، تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي المفصلة في مواضعها من كتب الفقه والعقائد، وإليك أهمها:

(1) هدر دمه، واستحقاقه للقتل، لأنه محارب لله ورسوله كما هو في آية المائدة، إذا قدر عليه، ولم يكن تاب قبل القدرة عليه.

(2) انفساخ نكاحه فوراً، وسقوط ولايته على القاصرين من أولاده وذوي قرابته، وسقوط ولايته في النكاح عن من كانت له ولاية نكاح عليهن من النساء من ذوي قرابته.

(3) إباحة ماله، ووجوب استيفائه، عند القدرة، إلى بيت مال المسلمين، أو أخذه غنيمة من قبل المجاهدين. فلا تجوز للمسلمين وراثته، ولا يرث هو (أو هي) من المسلمين.

(4) عدم جواز دفنه في مقابر المسلمين، لأن الدفن مع المسلمين كرامة لا يستحقها إلا المسلم، وهو (أو هي) كافر حربي مرتد، وليس بمسلم.

(5) ومعلوم أن المسلمة لا تحل لكافر، لا فرق بين مرتد وأصلي، وأن المرتدة ليست كتابية، فلا تحل لمسلم.


(6) معاملته بالمعاداة والبغضاء والمقت التي يستحقها كل كافر حربي.


(7) لا فرق بين الرجال والنساء في هذا الحكم. فالمرأة الحربية، المباشرة للقتال فعلاً، يهدر دمها كالرجل الحربي سواء، ولو كانت محاربتها تقتصر على الغناء أو إلقاء الشعر أو التمثيل، كما عامل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قينات قريش المحاربات له فقط بالغناء والشعر، فأهدر دمائهن، وأمر بقتلهن، وأمر برمي المرأة التي وقفت على سور الطائف، أثناء حصارها، فكشفت عورتها استهزاءً بالمسلمين. كل ذلك مع نهيه العام عن قتل النساء، وتشديده في ذلك.

(8) ويكفر كل من أظهر الرضا بحاله، أو استحل مصاهرته، إذا بلغه هذا الحكم، واطلع على أدلته، وقامت عليه الحجة فيه، ولم يكن معذوراً بإكراه ملجئ.


v وقال، تباركت أسماؤه: {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين}، (الجاثية؛ 45:19). فلا يجوز تولي الظالم ونصرته وتأييده، أيا كان دين الظالم أو دين المظلوم. وأشنع ذلك إذا كان الظالم هو الكافر الحربي المعتدي الذي قاتلنا في الدين أو أخرجنا من ديارنا أو ظاهر على إخراجنا.

v وقال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها؟! فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا
v إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً
v فأولئك عسى اللّه أن يعفو عنهم وكان اللّه عفوًّا غفورًا}، (النساء؛ 4:97-99). وروى البخاري في تفسيرها بإسناد صحيح عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم، على عهد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضْرَب عنقُه، فيقتل، فأنزل الله هذه الآية. لاحظ أن هؤلاء ما كانوا يشاركون في القتال، أو يباشرونه، وإنما يحضرون مع الجيش الكافر (لتكثير سواده)، وهم في الأغلب مكرهون على الخروج، فيقتل أحدهم على هذه الحالة المنكرة القبيحة. ولا عذر لهم، حتى ولو كانوا مكرهين في الخروج، مرغمين على حضور صف القتال، لأن الواجب كان على القادرين منهم على الهجرة أن يهاجروا فوراً قبل أن يقع أحدهم في هذه الورطة الملعونة.

v وروى الطبراني في الكبير، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».

ــ وأخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً).

لاحظ ان الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا إتباعاً للحديث قبله وعملاً بالفهم الصحيح له، ولغيره من نصوص الكتاب والسنة المتضافرة، لم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، القلبي المجرد، والكينونة مع المحبوبين باطناً، و«البغض» القلبي المجرد الشامل للمقت، والتحقير، بل لا بد من «الموالاة» وهي النصرة، والإعانة، والتحالف، والإنتماء، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للتباعد، والهجر، والخذلان، والمنابذة، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!

v وقال أحمد: حدثنا إسماعيل أخبرنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أتيته، فقلت: (والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء أن لا آتيك، ولا آتي دينك)، وجمع بهز بين كفيه: (وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله، تبارك وتعالى، ورسوله؛ وإني أسألك بوجه الله: بم بعثك الله إلينا؟!)، قال: «بالإسلام!»، قلت: (وما آيات الإسلام؟!)، قال: «أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم: أخوان نصيران! لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملا! وتفارق المشركين إلى المسلمين. ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟! ألا إن ربي عز وجل داعي وإنه سائلي هل بلغت عباده وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ ثم إنكم مدعوون، مفدمة أفواهكم بالفدام، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه»، قلت: (يا نبي الله: هذا ديننا؟!)، قال: «هذا دينكم: وأينما تحسن يكفك»]، وهذا إسناد حسن جيد، إن شاء الله تعالى.

v وفي صحيح البخاري مرفوعاً: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قيل: (أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟!)، قال: «تمنعه عن الظلم، فذلك نصرك إياه!».

قلت: هذا مفهوم جديد للنصرة لم يسبق إليه سيدي أبو القاسم محمد بن عبد الله، رسول الله، وخاتم النبيين، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، حسب علمي، في تاريخ البشرية، ولا عجب فقد علمه ربه، وأدبه فأحسن تأديبه!

v وفي الصحيحين مرفوعاً: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه: من كان في حاجة أخيه، كان الله، عز وجل، في حاجته! ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة! ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة». قلت: من أسلم أخاه وخذله، فهو قطعاً لم ينصره أصلاً، ولم يتولاه.

v كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، بإسناد حسن، مرفوعاً: «المؤمن مرآة أخيه. والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه». كف الضيعة، والإحاطة من وراء من أعمال الموالاة والنصرة، فمن قصَّر عنها فليس له من موالاة المؤمنين كبير نصيب.

v و«الموالاة» الدينية الإيمانية لا تنقطع بما قد يقع بين المؤمنين من تظالم، وقتال، وشر، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين
v إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون}، (الحجرات؛ 49:9). يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية شارحاً: (على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه ــ وإن ظلمه ــ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، ...}، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب، ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه، والإهانة والعقاب لأعدائه)، (مجموع الفتاوى: ج28/208).


فالمسلم ولي وصديق ضرورة، ما دام مسلماً. وحتى الضرورة، والإكراه الملجيء بالتهديد بالقتل المؤكد، لا يبيح للمسلم أن ينصر الكفار الحربيين على قتال المسلمين وقتلهم لأن جمهور العلماء، بل إجماعهم، على أن المكره على القتل ليس له أن يفعل ذلك، لأن نفسه ليست أولى من نفوس الآخرين بالصيانة والحفظ، هذا بين واضح، وإليك كلام جيد للإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رضي الله عنه:

v حيث قال الإمام في «الفتاوى الكبرى»، (ج: 4 ص: 351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكرَه المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج: 28 ص: 540).


v وله في «كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه»، (ج: 28 ص: 537) كلام جيد من زاوية أخرى: [...، بل قد أمر النبى المكره فى قتال الفتنة بكسر سيفه وليس له أن يقاتل، وإن قتل، كما فى صحيح مسلم عن أبى بكرة قال قال رسول الله أنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشى و الماشى فيها خير من الساعى ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بابله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج أن إستطاع النجاة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فقال رجل يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين فيضربنى رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلنى قال يبوء باثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار]

هل سمعتم وتدبرتم يا أعداء الله، فقهاء السلاطين، الذين أفتيتم باستقدام القوات الكافرة، والقتال تحت رايتها لدفع «ظلم» العراق المزعوم للكويت، بدعوى الضرورة المكذوبة، بل وسميتم جريمتكم النكراء جهاداً؟! فانتهى الأمر باستعمار بلادكم، ووقوعكم تحت هيمنة الكفار: ينهبون خيرات بلادكم، ويقتلون المسلمين ويحاصرونهم، ويمكنون صهاينة اليهود من رقابكم، ويؤبِّدون اغتصابهم لفلسطين، وتسلطهم على بيت الله المقدس، وينشرون الربا، والزنا، واللواط، وسائر الفواحش والفتن في بلادكم، حتى ضربت عليكم الذلة والمسكنة، كما ضربت على فسقة بني إسرائيل من قبل. كل هذا وأنتم ساكتون، سكوت الشياطين الخرس، فبعداً وسحقاً لكم، وتعساً لكم، وأضل أعمالكم!

لذلك لا يجوز أن تبقى أدنى شبهة في الحرمة المغلظة لـ«موالاة الكفار» بالمعنى المحرر آنفا وهو: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، هذا حكم يقيني قاطع، يكفر الإنسان بجحده، ويخرج من الملة الإسلامية برده: هذا إجماع متيقن من أهل الإسلام كلهم.

والحق الذي لا شك فيه أنها، أي هذه «الموالاة» المحرمة، ليست مجرد كبيرة فظيعة من كبائر الذنوب، بل هي من أعمال الكفر، يكفر الإنسان بفعلها، فيصبح مرتداً. فإن كانت نصرته بقتال مع الكفار، أو بقول أو مال أو مشورة أو عمل متعلق بأعمال القتال، أو تجسس لهم على أسرار المسلمين الأمنية والعسكرية، أو بمعونة لهم في الإعداد للحرب، أو في التحريض عليها والتحريش بها، من فعل شيئاً من هذا: كفر وارتد وأصبح حربياً، ملحقاً بمقاتلتهم، معدوداً في صفوفهم، لما أسلفنا.


ويقوي هذا الحكم ويشهد لصحته، ويؤكده، أي الحكم بردة وكفر من قاتل مع الكفار ضد المسلمين، أو أعانهم في حربهم بيد، أو مال، أو قلم، أو لسان بمجرد فعله الظاهر، بغض النظر عن معتقده، وبغض النظر عن أحواله القلبية، ما جاء في سبب نزول قوله، تباركت أسماؤه: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا؟! أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟! ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً
v ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء؛ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله؛ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم؛ ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً}، (النساء؛ 4:88-89)، حيث ورد في سبب نزولها ما أخرجه البخاري:

v في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاربي: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد قال سمعت زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين ...الآية}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد». وهو كذلك في صحيح مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة بنحوه. وفي «المعجم الكبير»: حدثنا أبو مسلم الكشي ثنا سليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق قالا ثنا شعبة به].


v وأخرجه البخاري من طريق أخرى: [حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر وعبد الرحمن قالا حدثنا شعبة عن عدي عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: {فما لكم في المنافقين فئتين...}، رجع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وكان الناس فيهم فرقتين فريق يقول اقتلهم وفريق يقول لا فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين}، وقال: « إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة»]. وأخرجه النسائي في سننه «الكبرى»: [أنا محمد بن بشار حدثنا محمد عن شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت به]. وهو بعينه في الترمذي، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، وعبد الله بن يزيد هو الأنصاري الخطمي وله صحبة).

v وأخرجه البخاري من طريق ثالثة: [حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، قال: (لما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه وكان أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فرقتين فرقة تقول :نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا..}، وقال: « إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة»].


v وأخرجه الإمام أحمد بأسانيد صحاح: [حدثنا بهز ثنا شعبة قال عدى بن ثابت أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع أناس خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة تقول بقتلتهم وفرقة تقول لا فأنزل الله عز وجل: {فما لكم في المنافقين فئتين ..}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما تنفى النار خبث الفضة». وأخرجه من طريق عفان حدثنا شعبة، ومن طريق فياض بن محمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة بنحوه].


v وهو في «سنن البيهقي الكبرى» بسنده، ونسبه إلى الشيخين، البخاري ومسلم، ثم عقَّب: [قال الشافعي: (ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله، عز وجل، من قولهم وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا). قال البيهقي: (هو بين في المغازي عن موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهما قال موسى بن عقبة (الإسناد الذي تقدم في قصة الخندق) فلما اشتد البلاء على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: «والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا وأن يدفع الله، عز وجل، مفاتح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله!»، فقال رجل ممن معه لأصحابه: (ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نغنم كنوز فارس والروم ونحن هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله لما يعدنا إلا غرور)، وقال آخرون ممن معه: (ائذن لنا فإن بيوتنا عورة!)، وقال آخرون: (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا!)، وسمى بن إسحاق القائل الأول معتب بن قشير والقائل الثاني أوس بن قيظي)]


ففي هذا الحديث الصحيح الصريح عاتب الله المسلمين عتاباً شديداً بلغ حد التوبيخ على اختلافهم في تقويم من خذل المسلمين بانسحابه من ميدان القتال قبيل المعركة، كما فعل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه يوم أحد، لأن المسألة واضحة كالشمس: هذا لا يصدر إلا عن منافق، قد كفر وارتد عن دينه، كما شهد الله عليهم: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}. ومن كان هذا حاله، أي أنه منافق يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، فلا يجوز قتله، ولا قتاله، بل يعامل معاملة المسلم إلا ما استثناه الشرع من تحريم الصلاة عليه، أو القيام على قبره لمن علم بحاله علم يقين، ونحو ذلك. هذا حكم الله في من من خذل المسلمين وانسحب من جيشهم، أو انسحب من ميدان المعركة قبيل وقوعها، وانحاز جانباً، فلا شك أن من قاتل مع المشركين، أو عاونهم في قتالهم بيد أو قلم أو لسان شر من ذلك وأوغل في الإثم والكفر، من باب أولى.


v أما ما جاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه يعنى أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم ما لكم رجعتم قالوا أصابنا وباء المدينة فاجتوينا المدينة فقالوا أما لكم في رسول الله أسوة فقال بعضهم نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا هم مسلمون فأنزل الله عز وجل: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ... }، الآية. فنقول: هذا مرسل، ولا تقوم الحجة اليقينية بمرسل، مع ما في الإسناد، غير هذا، من نظر، مثل عنعنة ابن إسحاق، ولكن يشهد له أن الآية التالية في هذا السياق تنص على قطع الولاية مع هؤلاء حتي «يهاجروا»، فكأنها أوضح في حق من قطع هجرته وفارق دار الإسلام.

وعلى كل حال، لو فرضنا ثبوت هذا الحديث، فإن الحكم يكون في هذه الحالة أشد، لإن جرم من قطع هجرته، وفارق دار الإسلام، أي تخلًَّى عن تابعية دار الإسلام وحمل تابعية دار الكفر، أي من اتد «أعرابياً بعد الهجرة»، أقل شناعة ممن خذل المسلمين بترك القتال معهم، وانسحب من جيش المسلمين في الطريق إلى المعركة، أو انسحب من ميدان المعركة قبيل بدئها، فأسلمهم إلى عدوهم، وهذا خذلان وترك للواجب المتعين قبيل مباشرته، وعند الحاجة الملحة للقيام بذلك الواجب، وهذا بدوره أقل شناعة من حال من هو محل دراستنا ها هنا وهو: من قاتل مع المشركين أو أعانهم في قتالهم بيد، أو مال، أو قلم، أو لسان، أو من أفشى لهم أسرار المسلمين الأمنية والعسكرية، أو من حرضهم على الحرب، أو أعان في الإعداد لها، فهذا، ليس مجرد «خذلان»، و«إسلام» المسلم لسطوة الكافر، وترك للواجب، أي ليس مجرد «ترك» وموقف «سلبي»، بل هي فعاليات وأعمال وموقف «إيجابي» في إعانة الكافر على المسلم، فهذا أفظع وأشنع، وهذا قطعاً، أولى بالكفر والردة.

نعم، هذا هو الصحيح يقيناً: أن من يتولى الكفار، بمعنى: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين)، فهو كافر مثلهم، عدو لله ورسوله، خارج عن الإسلام، ولا يجوز صرف الآيات عن ظاهرها، وعمومها إلا ببرهان من الله. كما يشهد لذلك ما حدث لحاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، وهو مهاجر بدري، من السابقين الأولين، عندما كاتب قريشاً مخبراً إياها احتمال توجه رسول الله، صلوات الله عليه وعلى آله، إليهم بجيشه، وذلك لضمان سلامة بعض قراباته المقيمين في مكة من انتقام قريش وغضبتها. وعندما انكشف الأمر طالب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بضرب عنقه: (لأنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين) أو (لأنه نافق، وارتد عن دينه). وقصة محاكمة حاطب بن أبي بلتعة تتضمن أحكاماً في غاية الأهمية وتتطلب دراسة مدققة ليس هذا مكانها، وقد أشبعنا ذلك في باب مستقل من كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، فليراجع.

لذلك كله لا يجوز أن تبقى أدنى شبهة في التحريم المغلظ المطلق لموالاة الكفار، بكل أنواعها، وألوانها، وأحوالها، إلا ما ثبت استثناؤه من الله ورسوله، كما فصلنا بعضه أعلاه. ولما كان الأصل هو التحريم المغلظ المطلق الأبدي، وجب الاقتصار على الحد الأدنى والأيسر من الموالاة في حالة الأخذ بالرخصة، وبقدر الضرورة أو الحاجة، لا غير.


وهذه الرخصة التي امتن الله بها على عباده هي «التقاة»، لدفع الضرر عن النفس والأهل والولد والمال والمصالح، أي لاتقاء ما يحذر منه، وهي في جوهرها حمل تابعية دار الكفر، أو الحصول على أمانهم وحق الإقامة في ديارهم، أو التمتع بحق اللجوء السياسي في ديارهم، ونحو ذلك، وفي المقابل عدم محاربتهم أو تهديد أمنهم. نعم: في هذا كفاية، وفوق الكفاية، للتمتع بالحماية القانونية للنفس والأهل والمال والمصالح، وللسلامة مما يحذر منه، وذلك بمشاركة أهل تلك الدار في أكثر حقوقهم الأساسية التني يحتاجونها في حياتهم اليومية.


نعم: قد يستغرب بعض من لا يعرف من الإسلام إلا الجوانب الشعائرية والعاطفية والروحانية، مع الجهل بالجوانب السياسية والجتماعية والدولية، من إدخال «حمل التابعية» في باب «الموالاة والمعاداة»، ولو بمعنى من المعاني، ولكننا سبق أن أوجزنا الكلام على ذلك عند مناقشة معنى «الموالاة» في عرف العرب الاصطلاحي في أوائل هذا البحث، ولكن إتمام البرهان على صحة ذلك من الناحية الشرعية يتطلب بحثاً طويلاً، لا مكان له ها هنا، وهو في الملحق الموسوم: «تابعية دار الإسلام»، من كتابنا: (الموالاة والمعاداة)، فليراجع هناك.

وحمل تابعية دار الكفر، أو الحصول على أمانهم وحق الإقامة في ديارهم، أو التمتع بحق اللجوء السياسي في ديارهم، وفي المقابل عدم محاربتهم أو تهديد أمنهم، هو نوع من «الموالاة» بلا شك كما هو نص الآيات في آخر سورة الأنفال (راجع الملحق الموسوم: «تابعية دار الإسلام»، من كتابنا: «الموالاة والمعاداة»)، إلا أنه ليس من النوع المذموم المكفر، فالاستثناء في قوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}، هو استثناء منقطع، لأن حمل التابعية أو الإقامة الدائمية في دار الكفر ليس هو من جنس «الموالاة» المكفرة المذمومة في هذه الآية، ألا وهي: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك)، بل هو نوع ثان مستقل من «الولاية» بنص الآيات في آخر سورة الأنفال، وهذا النوع الثاني هو المستثنى في الآية استثناءً منقطعاً دفعاً لوهم أو شبهة كونه من الصنف الأول، وهو في الحقيقة ليس منه أصلاً، ولا من جنسه، وليس حكم هذا من حكم ذاك. وهذه الشبهة قد تنشأ لتشابه اللفظ والاشتراك في مادة الأصل اللغوي: «و ل ي»، ووجود معنى «القرب» أو «التقرب» في النوعين الإثنين، ولما جرت عليه عادة الناس في اعتبار «ترك نصرة طرف» ما كما لو كانت «نصرة للطرف الآخر»، مع كونها ليست كذلك بالضرورة.


ونزيد هذا إيضاحاً فنقول: إذا حصرنا معنى «الموالاة» المكفرة المذمومة في هذه الآية في النوع الأول، ألا وهو: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك)، وذلك بقرينة كفر فاعل ذلك على كل حال، إذا فعلنا ذلك فإن الاستثناء يصبح منقطعاً، ويكون تقدير الكلام في الآية الكريمة حينئذ: [أن من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى: (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك)، قد بريء منه الله وبريء هو من الله بارتداده عن الإسلام، ودخوله الكفر، ولكن من أقام إقامة دائمية في دار الكفر أو استمتاع بأمانهم ولم ينابذهم أو يحاربهم، وفق ميثاقه معهم، حتى ولو كانوا هم في حالة حرب مع المسلمين، وذلك «تقية» أي حذراً مما يحذر منه، فليس هو من هذا الصنف، ولا يسري عليه هذا الحكم، أما إذا تجاوز حدود «التقية» هذه، ونصر الكفار فعلياً بلسان، أو مال، أو يد، أو سلاح، أو نفس، أو تجسس، أو حرض على قتال المسلمين، أو شارك في الإعداد لحرب المسلمين، فيكون حينئذ عمله هذا من أعمال «الموالاة» المذكورة في الصنف الأول، ويكفر بذلك كما كفروا].


فالـ«المولاة» المرخص بها حالة «التقاة» ينطبق عليها:

(1) ماهيتها: هي «حمل تابعية» الدولة الكافرة الحربية، أو «المواطنة» فيها، أو «الإقامة الدائمية» بأمان تحت سلطانها، ونحو ذلك.

(2) أهلها: المقيمون هناك من الأفراد المسلمين، المغلوبين على أمرهم تحت سلطان الكفار الحربيين.

(3) حدها: ملاحظة الأمان مع السلطة الكافرة وعدم خرقه، أي الامتناع عن الفعاليات القتالية ضد السلطة الكافرة ومواطنيها. أما تجاوز ذلك بفعل أو قول فل يجوز، وتبقى (نصرة الكفار الحربيين، ومحالفتهم، وإعانتهم، ودعمهم، وتأييدهم على المسلمين، أو إفشاء أسرار المسلمين العسكرية والأمنية للكفار، أو تحريض الكفار على قتال المسلمين، أو معونتهم في الإعداد لحرب المسلمين، ونحو ذلك) ممنوعة محرمة تحريماً باتاً مطلقاً، مفضية إلى كفر صاحبها، وارتداده عن الإسلام فيصبح بذلك مرتداً كافراً حربياً.


وبهذا يظهر جلياً خطأ حاطب بن أبي بلتعة الفاحش: فهو ليس من أهل «التقاة»، لأنه ليس مقيماً في مكة تحت سلطان قريش، ولا هو اقتصر على حدودها، بل تجاوز الحد إلى الأفعال المهلكة المكفرة، إذ أفشى لهم سراً عسكرياً للمسلمين.

وعلى ذلك يكون الانخراط في أحزاب الكفار الحربيين السياسية التي تتبنى أفكار ومفاهيم ومعالجات الكفر، وتطبقها عند الوصول إلى الحكم، وتتبنى سياسات معادية للإسلام والمسلمين في الداخل والخارج، وربما شاركت في قمع المسلمين، واضطهادهم، واحتلال بلادهم، كما هو حال أحزاب الهند الرئيسية، أو الكيان الصهيوني المغتصب في فلسطين، أو روسيا، أو ما هو شر من ذلك: الانخراط في قواتهم المسلحة وجيوشهم، ومحاربة المسلمين تحت رايتهم، كما فعلت الهند وتفعل في كشمير، وفعلت أمريكا وتفعل في العراق وأفغانستان، أو روسيا في الشيشان، كل ذلك تجاوز لحد «التقاة» المرخص به، فكل ذلك نصرة فعالة لهم، ولا يكون ذلك إلا من كافر حربي، ملعون في الدنيا ولآخرة، ومن كان مسلماً قبل ممارسته لذلك، فإنه يصبح بذلك كافراً مرتداً حربياً، تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي،التي سلف ذكر بعضها.



v فصل: الاستعانة بالكفار والاستنصار بهم على المسلمين

وقد يتسائل إنسان فيقول: حكم «موالاة الكفار»، بالبيان والتفصيل المذكور آنفاً، واضح مفهوم، ولكن ماذا عن الاستعانة بالكافر والاستنصار به لقتال المسلمين، وما هو حكمها؟!

والجواب: أن العبرة بوقائع الأشياء وحقائقها، وليس بالمسميات، فالاستعانة بالكافر والاستنصار به لقتال مسلم لا بد أن يكون حصراً من أحد الأنواع الآتية:

(1) أن تكون القيادة للكافر، فالحرب حربه، والجيش جيشه، والراية رايته، ولو لمدة زمنية محدودة، ولو لطرفة عين. فواقع المستنصر ها هنا أنه في الحقيقة أصبح معينا للكافر في حربه للمسلمين، وأنه متورط في جريمة «موالاة الكفار»، فهو كافر مرتد بذلك، لما أسلفنا.


(2) أن يقاتل كل فريق من جهته مستقلاً، فالكافر له حرب وجبهة وقيادة مستقلة، وراية مستقلة، والمستنصر له حرب وجبهة وقيادة مستقلة وراية مستقلة. وهذا كذلك من «موالاة الكفار» المكفرة، لأن قتال المسلم حال اشتباكه في جبهة أخرى مع الكفار هو ضرورة إعانة للكافر في قتاله للمسلم. وهذا قد يتصور وقوعه في حالة الاشتراك مع الكفار في «الأحلاف العسكرية»، كحلف الأطلسي، وحلف بغداد، ونحوه. وهذه «الأحلاف العسكرية» محرمة حرمة قاطعة على كل حال، حتى ول كانت موجهة حصراً ضد الكفار، كما سنبينه قريباً في فصل مستقل، فإذا أفضت إلى مقاتلة المسلمين فتكون حينئذ من «موالاة الكفار» المكفرة، المخرجة لفاعلها من الإسلام، المردية له في نار جهنم، كما سنفصله في موضعه.


(3) أن تكون القيادة للمسلم، والجيش جيشه، والحرب حربه، والراية رايته؟! ففي هذه الحالة لا ترد مسألة «الموالاة»، لأن هذا مسلم يقاتل مسلمين آخرين بحق أو باطل، وله راية، وهو صاحب القيادة: فالقتال قتاله، والقضية قضيته، والراية رايته، والكفار هم الذين نصروه وخدموه، فهم الجنود والخدم والمعاونون، وهو القائد والسيد والمخدوم، فعلاً وحقيقة، لا صورة وإسماً.

نعم: لا ترد قضية «الموالاة» هنا، وإنما الواجب هو السؤال: هل هذا قتال مشروع أم لا؟! وإن كان مشروعاً فهل تجوز الاستعانة بالكفار في القتال، تحت الراية الإسلامية والقيادة الإسلامية، أم لا؟!

(أ) فإن لم يكن مشروعاً فهو بذاته جرم شنيع، لأن «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» فحتى لو كانت الاستعانة بالكافر جائزة، فهي هنا ممنوعة، لأن الحلال لا يجوز أن يخدم الحرام، أو يؤدي إلى الحرام؛

(ب) وإن كان مشروعاً فيكون السؤال عن جواز الاستعانة بالمشركين في القتال تحت الراية الإسلامية والقيادة الإسلامية. وفي هذا خلاف مشهور بين العلماء قديماً وحديثاً، والأرجح الأصح أنها جائزة مع الكراهة، كما قال السادة الأحناف، بلا فرق بين الاستعانة بذمي، أو أجنبي، متطوع أو مأجور، وإن كانت الاستعانة خلاف الأولى، وتركها أفضل.


وهذا إنما يكون عادة في حق أفراد من الكفار، ومن الصعب تصوره في حق الدول، إلا أن تكون دولة تابعة للدولة الإسلامية، خاضعة للقيادة الإسلامية العليا، كما كان حال دويلات اليهود في المدينة تحت قيادة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث كانت علاقتهم معه تشبه ( Commonwealth) ، أو عندما دخلت خزاعة في صلح النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ كانت خزاعة حاضرة حين كتبت معاهدة الصلح بين قريش وبين المسلمين في عام الحديبية، فحين ورد في المعاهدة النص: (انه من احب ان يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن احب ان يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه) وبناء على هذا النص تواثبت خزاعة فقالوا: (نحن في عقد محمد وعهده)، وتواثبت بنو بكر بن كنانة فقالوا: (نحن في عقد قريش وعهدهم). فصارت خزاعة مع المسلمين في هذه المعاهدة التي بين قريش والمسلمين، وأدخلها الرسول، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في حمايته، وتحت رايته، كجماعة من دولته بحسب المعاهدة، أو كدولة تابعة له وتحت قيادته. وعلى أي حال فهذا مبحث آخر غير مبحث «الموالاة».

ونسارع فنقول: لا بد أن يكون المسلم في قتال مشروع ضد مسلمين آخرين، كالمحاربين من قطاع الطرق والقراصنة وتجار المخدرات، أو الخوارج المكفرين بالذنوب، أو البغاة الخارجين على السلطان بالقوة المسلحة، ونحو ذلك، وأن يكون القتال قتاله، والقضية قضيته، والراية رايته، والقيادة قيادته، والكفار هم الذين نصروه وخدموه، فهم الجنود والخدم والمعاونون، وهو القائد والسيد والمخدوم، في حقيقة الأمر لا بالرمز والصورة، فما أسهل تزوير الرموز والصور.


وايم الله: لم تكن حرب أمريكا ضد العراق فيما سمّوه بـ«تحرير الكويت» من هذا الباب في صدر ولا ورد: فالحرب حربهم، والقضية قضيتهم، والراية رايتهم. وكل إنسان في العالم، بل وكل «حمار» أيضاً، يعلم أن الأمير البليد خالد بن سلطان آل سعود، (قائد القوات المشتركة!!)، ما كان إلا صورة هزيلة لذر الرماد في العيون، واستغفال السذج والبسطاء، ولم يكن له من الأمر شيء، ولا حتى كان مأذوناً له في إعطاء التصريحات للصحافة والتلفاز. ولايؤثر على هذا كونهم إنما جاؤوا في البداية بطلب «رسمي» من طاغوت الجزيرة فهد بن عبد العزيز، الأشيمط الزاني، فظهر هذا في تلك اللحضة بصورة «الاستعانة» و«الاستنصار»، لأن اللحظات التالية أظهرت يقيناً أن الحرب حربهم، والقيادة قيادتهم، والراية رايتهم، والأهداف الاستراتيجية أهدافهم، والمخططات السياسية والعسكرية خططهم.


وحتى على التسليم جدلاً بأن أمريكا كانت مسالمة قبل بدء القتال، وهو باطل يقيناً لأنها مظاهرة لإسرائيل الكافرة المعتدية المحاربة في إخراج أهل فلسطين من ديارهم، وإذلالهم، وإبادتهم. ولكن على التسليم بذلك الباطل جدلاً، فهي وراء البحار، لم يقع عليها اعتداء، ولم يدخل جندي عراقي واحد أراضيها، ولم يبادرها العراق بإطلاق نار أو قتال أو غيره، ولم يهاجم لها طائرة، ولا أغرق لها سفينة، فليس له حق شرعاً من ثم أن تأتي لقتال العراق، ثم محاصرته، والإصرار العنيد على محاصرته حتى هذه الساعة، ولا هي مخولة شرعاً بتحرير الكويت ورفع الظلم عن أهله، إن كان هناك ظلم قد وقع أصلاً، ولا هي مأذون لها شرعاً بالدفاع عن عرش آل سعود، إن كان عرشهم في خطر.

لذلك فإنها بمجرد مجيء قواتها لمقاتلة العراق، على التقدير الأبعد، أصبحت في حالة حرب فعلية مع العراق، أي مع مسلمي العراق وبقية المواطنين فيه، فهي من ثم في حالة حرب مع الإسلام والمسلمين، لأن المسلمين أمة واحدة من دون الناس، سلمهم واحدة، وحربهم واحدة. فهي إذاً لم تعد موادعة، إذ الموادعة انتهت، ولا معاهدة، إذ العهود والمواثيق انتقضت. فكل من نصرها في حربها على العراق بقول أو فعل أو مشورة أو رأي أو مال أو قتال أو إذن ياستخدام قواعد، أو إذن بالطيران في المجال الجوي أو الإبحار في المياه الإقليمية أو ما شابه فقد «اتخذها ولياً من دون المؤمنين»، وهو قد كفر وارتد بذلك، وقد حبط عمله، فبعداً وتعساً له. وهو بذلك أصبح كافراً مرتداً حربياً تسري عليه جميع أحكام المرتد الحربي التي أوجزنا ذكرها.



تابع فى الصفحة التالية