قلب القصيم
11-02-05, 01:14 AM
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم:أبو الحسن الأنصاري/ ندوة قدمت في صوت الأمة 20/3/2004م
إن من أشد ما ابتليت به هذه الأمة في عصر الإنحطاط هذا هم علماء السلاطين؛ المسلطين على عقول وأفهام شباب المسلمين، وهذا الصنف من العلماء عملهم الأساسي ووظيفتهم الدائمة هو أنهم أبواق لسلاطين الجور، يحرفون لأجلهم الكلم عن مواضعه، ويلوون أعناق الأدلة ليستقيم لهؤلاء العملاء الوضع، ويصفو لهم الجو ليعكرو على الأمة أفكارها ومفاهيمها، ويلبسوا عليها دينها الذي هو عصمة أمرها، ومن أخطر هذه الأحكام التي يحرفها هؤلاء الأجراء "ولاية الأمر" ووجوب طاعة " ولي الأمر " على الإطلاق دون قيد أو شرط فأضفوا على هؤلاء الشرعية لا شرعية الدساتير الوضعية فقط بل الشرعية في الإسلام. وسخروا لهم كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وعقدوا لهم الندوات في كل قطر من الأقطار الإسلامية وروجوا لهم الدعايات وأمنوا لهم الحماية ليتمكنوا من بث دعوته المنتنة.
وقد أضفى هؤلاء الحكام على هذا النموذج المسخ من العلماء قدسية لا يجوز مس شخصها ولا الأحكام التي تنتحلها انتحالا على الإسلام ولا مناقشتها.
ولخطورة هذا الواقع المستحدث وجدت أن من الواجب الدق الشديد على هذا الوتر الحساس وهذا الاسفين الذي ينمى في عقول أبناء المسلمين ليفت من عضد هذه الأمة المنكوبة، وأن لا بد من البيان الذي لا لبس فيه خارج نطاق بحث ولاية الأمر في الإسلام كما بحثها الفقهاء بل في إطار آخر حتى لا يلتبس الأمر على أحد مطلقا وحتى لا يفهم الفهم السقيم أو أن يكون هناك لبس في فهم هذه الأحكام حتى يظهر زيف هذه البدعة المنكرة التي أقحمت إقحاما على أحكام الله تعالى، ولنزيل الغبار عن أحكام الشرع لتنجلي هذه الغمة النكراء، التي لم يقل بها صحابي ولا تابعي ولا عالم يتق الله تعالى على مدى تاريخ الأمة الطويل ولا حتى بعد سقوط الخلافة إلى أجل قريب.
سأبدأ بدرسي هذا في سرد بعض الأدلة التي استند إليها القوم ومن ثم تفنيدها وبيان أنه لا يصلح الاستدلال بها وإنزالها على واقع هؤلاء الحكام ولا يشير إلى ذلك لا منطوق النصوص ولا مفهومها بكل دلالات المفهوم.
إن على رأس الأدلة التي استند إليها أولك القوم على وجوب طاعة هؤلاء العملاء قول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.... ﴾ الآية.
2 ـ وما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصى الله «.
3 ـ وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«اسمعو وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله «.
4 ـ وروى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا ؟ قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم «.
5 ـ وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: « بايعنا رسول الله صلى الله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم « وفي رواية مسلم « إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان ».
وأدلة أخرى لا حصر لها كلها حسمت لصالح وجوب طاعة هؤلاء الحكام كل حاكم في دولته.
إن هذه الأدلة وما سواها والتي توجب طاعة " ولي الأمر " إنما هي فيمن ينطبق عليه هذا المصطلح شرعا وليس قانونا فهل هذا المصطلح فهل ينطبق على هؤلاء الحكام.
فلنحاكم هذه الأدلة:
إن كلمة " ولي " إذا أضيف إليها أمر يعني صاحب الشأن فولي الأمر تعني: أصحاب التصرف في شأن الأمة ؛ الذين يملكون زمام الأمور شرعا، وبيدهم قيادة الأمة.
وفي الحديث الصحيح: ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة.
وذلك لا يأتي دون تحقق ما شرعه الله تعالى لأن الأمر لا يؤول لأحد دون بيعة مطلقا فلم يدل على ذلك لا الكتاب ولا السنة ولا إجماع الصحابة ولا إجماع الفقهاء لمن يتبناه ولا اجماع الأمة لمن يتبناه.
إن الحاكم في الإسلام حكم بأمر من الله كما تصبح الأجنبية زوجة بكلمة من الله تعالى وهي العقد الشرعي المشتمل على الشروط والأركان.
ولنعد بعد هذه التوطئة ولنناقش الأدلة التي طرحها هؤلاء ولنبين كيف أنزلت على غير واقها التي شرعت له.
أولا قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾.
وبعد الرجوع إلى الحكم الشرعي وحقيقة متى يكون المسلم ولي أمر شرعي للمسلمين تجب طاعته وتحرم معصيته والخروج عليه، وجدنا أن أية صبغة شرعية على أي عقد من العقود لا تستقيم دون وجود أركانها وشروطها وهي الرضا والقبول دون الإكراه ضمن ماحدده الشرع لذلك وأول الأمور التي تضفي بها الأمة على الحاكم شرعيته هي البيعة.
وهي تعني: إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للمبايع في غير معصية في المنشط والمكره وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه، قال ابن خلدون: " اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في ذلك ويطيق فيما يكلفه من الأمر على المنشط والمكره..... " إلى آخر ما قاله ابن خلدون رحمه الله تعالى.
وهذه البيعة لا تنعقد إلا بشروط لا بد من تحققها وهي:
1 ـ أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة.
2 ـ أن يكون المتولي لعقد البيعة ـ بيعة الإنعقاد ـ أهل الحل والعقد.
3 ـ أن يجيب المبايع إلى البيعة.
4 ـ أن يتحد المعقود له بأن لا تنعقد البيعة لغير واحد لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ».
5 ـ أن تكون البيعة على كتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: « أطيعوني ما أطعت الله فيكم..... «
6 ـ الاختيار التام للمبايع في البيعة.
فإذا توفر هذا كله أصبح هذا المسلم وليا شرعيا لأمر المسلمين، وبهذا ينطبق عليه ما جاء في الآية السابقة الذكر.
قال ابن حجر في الفتح قال الطيبي: " أعاد الفعل في قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ إشارة إلى استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك في قوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق، فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله ".
وهذا واضح جلي لكل ذي بصيرة. قال تعالى: ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾.
والشاهد في هذه الآية أن الإمام المطاع يجب أن يكون من المسلمين وأنه مبايع على الكتاب والسنة وأنه إذا وقع خلاف بينه وبين رعيته فالحكم في ذلك كتاب الله وسنة رسوله، لا هواه وبطشه، فدل على ذلك تقييد سلطته باتباع الكتاب والسنة.
أما الأحاديث التي أنزلها هؤلاء زورا وبهتانا على طاعة الحكام الجبريين فهي واضحة وجلية في منطوقها ومفهومها أن الذي تجب له الطاعة شرعا هو الإمام المبايع بالرضا والاختيار وهو الذي أضفت عليه الشرعية البيعة فأصبح بذلك حاكما شرعيا للمسلمين استمد شرعيته وسلطانه منهم من حيث أن الله تعالى أسند إليهم هذا السلطان.
فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي« فمن دلالة لفظة " استعمل " نصل إلى صراحة من استعمله وهو الذي بيده الصلاحية للاستعمال بشروطه كما ورد في آخر الحديث. وقوله: «ما أقام فيكم كتاب الله « فالمخوّل بإقامة كتاب الله هو المنوب من قبل من بيده النيابة وهي الأمة التي جعل لها وحدها السلطان.لأنه بهذه النيابة أصبحا وليا شرعيا للأمر من أنابه لتجب طاعة أمره.
أما الحديث الثاني: والذي أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم أن مسار الحكم سيتغير وسوف يؤثر عليهم السلطان المبايع فهذه الأثرة ليست حكما بالكفر وإنما هي من إساءات تطبيق الإسلام كون الحكم قد انتقل إلى ملك عضوض بعدما كان غير ذلك في عهد الخلفاء الراشدين.
فهي استئثار بالحكم وولاية العهد ومظلمة في الأموال وغيرها، ويظهر جليا للعيان قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه: » تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم»، فالحق الذي عليهم من وجوب طاعة من نصبوه وأنابوه عنهم في تطبيق شرع الله تعالى عليهم ورعاية شئونهم على أساسه.فعدم اعطائه لكم بعض الحقوق لا يوجب الخروج عليه.
وأما حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ ففي قوله صلى الله عليه وسلم «وعلى أن لا ننازع الأمر أهله»، فكلمة أهله تدل على أنه لم يصبح أهلا له إلا بإعطائه الأهلية لذلك، ولم يعط أحد الأمر دون معطي، والمعطي هي الأمة التي جعلت لهذا المسلم الولاية عليها، ورواية «إلا أن تروا كفرا بواحا» تدل على أنه قبل ذلك لم يكن كفرا وإنما بيعة على الكتاب والسنة، وأن الكفر بدر بعدما كان غير ذلك ولا يعني طاعة لحاكم مسلم ثم كفر أي خرج من دائرة الإسلام.
صحيح أن الحاكم هو كل من يتولى النظر في شؤون الناس ومن لا يكون كذلك فليس بحاكم، وكذلك الأمير العام هو الذي يكون له صلاحية النظر في شئون الناس ومن لا يكون كذلك ليس بحاكم، فهذا المعنى ينطبق على الخليفة وعلى الملك وعلى كل نظام من أنظمة الحكم في العالم قديما وحديثا.
إلا أن كل خليفة حاكم وأمير وليس كل حاكم وأمير خليفة، فالخليفة لفظ للحاكم الذي ينوب عن الأمة في إقامة حكم الله تعالى ببيعة شرعية.
وفي الإسلام حدد السلطان الإسلامي بأنه الحكم بما أنزل الله، وحدد نظام الحكم في الإسلام بأنه نظام الخلافة، وجعل وحده نظاما للحكم للدولة الإسلامية، وحددت الطريقة التي يقام بها الخليفة وهي البيعة.
إن اللبس الذي حصل عند بعض المسلمين ـ دون علماء السلاطين فإنهم لم يحصل عندهم لبس وإنما فعلوا ذلك بأجور مدفوعة ـ فهذا اللبس أتى لأنهم أنزلوا حكام اليوم منزلة الخلفاء، وطبقوا عليهم أحاديث الطاعة وحرمة الخروج، مع أن حكام اليوم لا يعتبرون حكاما شرعيين لأنهم يحكمون في دور كفر، ويطبقون أنظمة الكفر فلا ينطبق عليهم معنى الخروج بل ينطبق عليهم معنى الإزالة وإقامة الخلافة الإسلامية.
وكذلك الخروج على الحاكم لا يكون إلا بعد طاعة له واجبة من الله تعالى لأن الخروج هو تحلل من البيعة، أما إذا لم تكن هناك بيعة ولا طاعة في أعناق المسلمين وحكمهم بالكفر في دار كفر فإن موضوع الخروج لا ينطبق عليه أصلا.ولا يبحث هذا الموضوع أصلا لأن الموضوع هو موضوع تحويل دار الكفر إلى دار الإسلام وليس موضوع خروج من عدمه.
وأما قضية الكفر البواح الذي ورد في حديث عبادة بن الصامت فواضح انطباقه على دار الإسلام وعلى الحاكم الشرعي الذي حكم الناس عن طريق البيعة الشرعية المكتملة الشروط والأركان فحديث عبادة ابن الصامت واضح وصريح على البيعة التي بها تجب الطاعة، وكذلك معنى كلمة الكفر البواح فيه واضحة على أن المقصود منها المعصية الغير مكفرة.
وكذلك لو قلنا بأن هؤلاء الحكام وقعت لهم بيعة من أولي الحل والعقد، فإن هذه البيعة وقعت في غير محلها فاقدة لشروط الصحة فتقع باطلة شرعا لا تترتب عليها أي آثار مطلقا لا وجوب طاعة ولا حرمة خروج من أساسه.
وإن قلنا افتراضا أنها وقعت بيعة فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: « إلا أن تروا كفرا بواحا«؟
إن هذا الحديث بينت معانيه الروايات الأخرى الصحيحة «إلا أن تكون معصية الله بواحا «،
» ما لم يأمركم بإثم بواحا »، فهذه الروايات قرائن تدل على أن الكفر المقصود منه المعصية وليس الكفر المخرج من الملة. والبرهان المقصود في الحديث: الدليل من كتاب أو سنة وهذا الدليل صريح في دلالته على الإثم لا يحتمل التأويل.
وهذه الأدلة كذلك لا تنطبق على حكام اليوم لأنهم حكام جبريون لم يبايعوا من قبل الأمة لا على كتاب الله ولا على غيره بل وسدت لهم الأمور من قبل الكفار ليكونوا لهم نواطير وحرس على أفكارهم ومفاهيمهم المضلة.
ثم أنه أي معصية بواح لم تبدر من هؤلاء ولَيتَها كانت معصية واحدة بل كوارث لا تعد ولا تحصى، ولو أن إحدى هذه الكوارث بدرت من خليفة راشد لكانت الأمة قد ارتكبت أكبر المعاصي وأعظمها إن لم تزله.
إنّ كل هذه الكوارث التي حلت بالأمة ـ ناهيك عن الحكم بالكفر ـ ألا تكفي لخلع هؤلاء؟، فتمكين الكافر من رقاب المسلمين وإعانته على احتلال بلادهم وسلب ثرواته وإفقارهم، وعقد أحلاف عسكرية كل حلف منها قاصم للظهر وعمل هؤلاء الحكام كأجهزة استخبارات للكافر على الأمة ألا يكفي في ذلك فتنة للمسلمين؟.
ولو تحدثنا عن اجرام هؤلاء الحكام على مدى التسعين عاما المنصرمة التي حكموا بها الأمة لما استطعنا أن نحصر عشر جرائمهم.
يقول الشاعر:
رأيت الذنوب تميت القلوب وتورث بالذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها
لقد وقع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانها
نسأل الله تعالى أن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها ويقمع أعداءها ويمكن لها في الأرض بخلافة راشدة على منهاج النبوة تكشف زيغ الزائغين إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
اخوكم قلب القصيم
__________________
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم:أبو الحسن الأنصاري/ ندوة قدمت في صوت الأمة 20/3/2004م
إن من أشد ما ابتليت به هذه الأمة في عصر الإنحطاط هذا هم علماء السلاطين؛ المسلطين على عقول وأفهام شباب المسلمين، وهذا الصنف من العلماء عملهم الأساسي ووظيفتهم الدائمة هو أنهم أبواق لسلاطين الجور، يحرفون لأجلهم الكلم عن مواضعه، ويلوون أعناق الأدلة ليستقيم لهؤلاء العملاء الوضع، ويصفو لهم الجو ليعكرو على الأمة أفكارها ومفاهيمها، ويلبسوا عليها دينها الذي هو عصمة أمرها، ومن أخطر هذه الأحكام التي يحرفها هؤلاء الأجراء "ولاية الأمر" ووجوب طاعة " ولي الأمر " على الإطلاق دون قيد أو شرط فأضفوا على هؤلاء الشرعية لا شرعية الدساتير الوضعية فقط بل الشرعية في الإسلام. وسخروا لهم كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وعقدوا لهم الندوات في كل قطر من الأقطار الإسلامية وروجوا لهم الدعايات وأمنوا لهم الحماية ليتمكنوا من بث دعوته المنتنة.
وقد أضفى هؤلاء الحكام على هذا النموذج المسخ من العلماء قدسية لا يجوز مس شخصها ولا الأحكام التي تنتحلها انتحالا على الإسلام ولا مناقشتها.
ولخطورة هذا الواقع المستحدث وجدت أن من الواجب الدق الشديد على هذا الوتر الحساس وهذا الاسفين الذي ينمى في عقول أبناء المسلمين ليفت من عضد هذه الأمة المنكوبة، وأن لا بد من البيان الذي لا لبس فيه خارج نطاق بحث ولاية الأمر في الإسلام كما بحثها الفقهاء بل في إطار آخر حتى لا يلتبس الأمر على أحد مطلقا وحتى لا يفهم الفهم السقيم أو أن يكون هناك لبس في فهم هذه الأحكام حتى يظهر زيف هذه البدعة المنكرة التي أقحمت إقحاما على أحكام الله تعالى، ولنزيل الغبار عن أحكام الشرع لتنجلي هذه الغمة النكراء، التي لم يقل بها صحابي ولا تابعي ولا عالم يتق الله تعالى على مدى تاريخ الأمة الطويل ولا حتى بعد سقوط الخلافة إلى أجل قريب.
سأبدأ بدرسي هذا في سرد بعض الأدلة التي استند إليها القوم ومن ثم تفنيدها وبيان أنه لا يصلح الاستدلال بها وإنزالها على واقع هؤلاء الحكام ولا يشير إلى ذلك لا منطوق النصوص ولا مفهومها بكل دلالات المفهوم.
إن على رأس الأدلة التي استند إليها أولك القوم على وجوب طاعة هؤلاء العملاء قول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.... ﴾ الآية.
2 ـ وما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصى الله «.
3 ـ وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«اسمعو وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله «.
4 ـ وروى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا ؟ قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم «.
5 ـ وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: « بايعنا رسول الله صلى الله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم « وفي رواية مسلم « إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان ».
وأدلة أخرى لا حصر لها كلها حسمت لصالح وجوب طاعة هؤلاء الحكام كل حاكم في دولته.
إن هذه الأدلة وما سواها والتي توجب طاعة " ولي الأمر " إنما هي فيمن ينطبق عليه هذا المصطلح شرعا وليس قانونا فهل هذا المصطلح فهل ينطبق على هؤلاء الحكام.
فلنحاكم هذه الأدلة:
إن كلمة " ولي " إذا أضيف إليها أمر يعني صاحب الشأن فولي الأمر تعني: أصحاب التصرف في شأن الأمة ؛ الذين يملكون زمام الأمور شرعا، وبيدهم قيادة الأمة.
وفي الحديث الصحيح: ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة.
وذلك لا يأتي دون تحقق ما شرعه الله تعالى لأن الأمر لا يؤول لأحد دون بيعة مطلقا فلم يدل على ذلك لا الكتاب ولا السنة ولا إجماع الصحابة ولا إجماع الفقهاء لمن يتبناه ولا اجماع الأمة لمن يتبناه.
إن الحاكم في الإسلام حكم بأمر من الله كما تصبح الأجنبية زوجة بكلمة من الله تعالى وهي العقد الشرعي المشتمل على الشروط والأركان.
ولنعد بعد هذه التوطئة ولنناقش الأدلة التي طرحها هؤلاء ولنبين كيف أنزلت على غير واقها التي شرعت له.
أولا قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾.
وبعد الرجوع إلى الحكم الشرعي وحقيقة متى يكون المسلم ولي أمر شرعي للمسلمين تجب طاعته وتحرم معصيته والخروج عليه، وجدنا أن أية صبغة شرعية على أي عقد من العقود لا تستقيم دون وجود أركانها وشروطها وهي الرضا والقبول دون الإكراه ضمن ماحدده الشرع لذلك وأول الأمور التي تضفي بها الأمة على الحاكم شرعيته هي البيعة.
وهي تعني: إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للمبايع في غير معصية في المنشط والمكره وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه، قال ابن خلدون: " اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في ذلك ويطيق فيما يكلفه من الأمر على المنشط والمكره..... " إلى آخر ما قاله ابن خلدون رحمه الله تعالى.
وهذه البيعة لا تنعقد إلا بشروط لا بد من تحققها وهي:
1 ـ أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة.
2 ـ أن يكون المتولي لعقد البيعة ـ بيعة الإنعقاد ـ أهل الحل والعقد.
3 ـ أن يجيب المبايع إلى البيعة.
4 ـ أن يتحد المعقود له بأن لا تنعقد البيعة لغير واحد لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ».
5 ـ أن تكون البيعة على كتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: « أطيعوني ما أطعت الله فيكم..... «
6 ـ الاختيار التام للمبايع في البيعة.
فإذا توفر هذا كله أصبح هذا المسلم وليا شرعيا لأمر المسلمين، وبهذا ينطبق عليه ما جاء في الآية السابقة الذكر.
قال ابن حجر في الفتح قال الطيبي: " أعاد الفعل في قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ إشارة إلى استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك في قوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق، فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله ".
وهذا واضح جلي لكل ذي بصيرة. قال تعالى: ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾.
والشاهد في هذه الآية أن الإمام المطاع يجب أن يكون من المسلمين وأنه مبايع على الكتاب والسنة وأنه إذا وقع خلاف بينه وبين رعيته فالحكم في ذلك كتاب الله وسنة رسوله، لا هواه وبطشه، فدل على ذلك تقييد سلطته باتباع الكتاب والسنة.
أما الأحاديث التي أنزلها هؤلاء زورا وبهتانا على طاعة الحكام الجبريين فهي واضحة وجلية في منطوقها ومفهومها أن الذي تجب له الطاعة شرعا هو الإمام المبايع بالرضا والاختيار وهو الذي أضفت عليه الشرعية البيعة فأصبح بذلك حاكما شرعيا للمسلمين استمد شرعيته وسلطانه منهم من حيث أن الله تعالى أسند إليهم هذا السلطان.
فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي« فمن دلالة لفظة " استعمل " نصل إلى صراحة من استعمله وهو الذي بيده الصلاحية للاستعمال بشروطه كما ورد في آخر الحديث. وقوله: «ما أقام فيكم كتاب الله « فالمخوّل بإقامة كتاب الله هو المنوب من قبل من بيده النيابة وهي الأمة التي جعل لها وحدها السلطان.لأنه بهذه النيابة أصبحا وليا شرعيا للأمر من أنابه لتجب طاعة أمره.
أما الحديث الثاني: والذي أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم أن مسار الحكم سيتغير وسوف يؤثر عليهم السلطان المبايع فهذه الأثرة ليست حكما بالكفر وإنما هي من إساءات تطبيق الإسلام كون الحكم قد انتقل إلى ملك عضوض بعدما كان غير ذلك في عهد الخلفاء الراشدين.
فهي استئثار بالحكم وولاية العهد ومظلمة في الأموال وغيرها، ويظهر جليا للعيان قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه: » تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم»، فالحق الذي عليهم من وجوب طاعة من نصبوه وأنابوه عنهم في تطبيق شرع الله تعالى عليهم ورعاية شئونهم على أساسه.فعدم اعطائه لكم بعض الحقوق لا يوجب الخروج عليه.
وأما حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ ففي قوله صلى الله عليه وسلم «وعلى أن لا ننازع الأمر أهله»، فكلمة أهله تدل على أنه لم يصبح أهلا له إلا بإعطائه الأهلية لذلك، ولم يعط أحد الأمر دون معطي، والمعطي هي الأمة التي جعلت لهذا المسلم الولاية عليها، ورواية «إلا أن تروا كفرا بواحا» تدل على أنه قبل ذلك لم يكن كفرا وإنما بيعة على الكتاب والسنة، وأن الكفر بدر بعدما كان غير ذلك ولا يعني طاعة لحاكم مسلم ثم كفر أي خرج من دائرة الإسلام.
صحيح أن الحاكم هو كل من يتولى النظر في شؤون الناس ومن لا يكون كذلك فليس بحاكم، وكذلك الأمير العام هو الذي يكون له صلاحية النظر في شئون الناس ومن لا يكون كذلك ليس بحاكم، فهذا المعنى ينطبق على الخليفة وعلى الملك وعلى كل نظام من أنظمة الحكم في العالم قديما وحديثا.
إلا أن كل خليفة حاكم وأمير وليس كل حاكم وأمير خليفة، فالخليفة لفظ للحاكم الذي ينوب عن الأمة في إقامة حكم الله تعالى ببيعة شرعية.
وفي الإسلام حدد السلطان الإسلامي بأنه الحكم بما أنزل الله، وحدد نظام الحكم في الإسلام بأنه نظام الخلافة، وجعل وحده نظاما للحكم للدولة الإسلامية، وحددت الطريقة التي يقام بها الخليفة وهي البيعة.
إن اللبس الذي حصل عند بعض المسلمين ـ دون علماء السلاطين فإنهم لم يحصل عندهم لبس وإنما فعلوا ذلك بأجور مدفوعة ـ فهذا اللبس أتى لأنهم أنزلوا حكام اليوم منزلة الخلفاء، وطبقوا عليهم أحاديث الطاعة وحرمة الخروج، مع أن حكام اليوم لا يعتبرون حكاما شرعيين لأنهم يحكمون في دور كفر، ويطبقون أنظمة الكفر فلا ينطبق عليهم معنى الخروج بل ينطبق عليهم معنى الإزالة وإقامة الخلافة الإسلامية.
وكذلك الخروج على الحاكم لا يكون إلا بعد طاعة له واجبة من الله تعالى لأن الخروج هو تحلل من البيعة، أما إذا لم تكن هناك بيعة ولا طاعة في أعناق المسلمين وحكمهم بالكفر في دار كفر فإن موضوع الخروج لا ينطبق عليه أصلا.ولا يبحث هذا الموضوع أصلا لأن الموضوع هو موضوع تحويل دار الكفر إلى دار الإسلام وليس موضوع خروج من عدمه.
وأما قضية الكفر البواح الذي ورد في حديث عبادة بن الصامت فواضح انطباقه على دار الإسلام وعلى الحاكم الشرعي الذي حكم الناس عن طريق البيعة الشرعية المكتملة الشروط والأركان فحديث عبادة ابن الصامت واضح وصريح على البيعة التي بها تجب الطاعة، وكذلك معنى كلمة الكفر البواح فيه واضحة على أن المقصود منها المعصية الغير مكفرة.
وكذلك لو قلنا بأن هؤلاء الحكام وقعت لهم بيعة من أولي الحل والعقد، فإن هذه البيعة وقعت في غير محلها فاقدة لشروط الصحة فتقع باطلة شرعا لا تترتب عليها أي آثار مطلقا لا وجوب طاعة ولا حرمة خروج من أساسه.
وإن قلنا افتراضا أنها وقعت بيعة فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: « إلا أن تروا كفرا بواحا«؟
إن هذا الحديث بينت معانيه الروايات الأخرى الصحيحة «إلا أن تكون معصية الله بواحا «،
» ما لم يأمركم بإثم بواحا »، فهذه الروايات قرائن تدل على أن الكفر المقصود منه المعصية وليس الكفر المخرج من الملة. والبرهان المقصود في الحديث: الدليل من كتاب أو سنة وهذا الدليل صريح في دلالته على الإثم لا يحتمل التأويل.
وهذه الأدلة كذلك لا تنطبق على حكام اليوم لأنهم حكام جبريون لم يبايعوا من قبل الأمة لا على كتاب الله ولا على غيره بل وسدت لهم الأمور من قبل الكفار ليكونوا لهم نواطير وحرس على أفكارهم ومفاهيمهم المضلة.
ثم أنه أي معصية بواح لم تبدر من هؤلاء ولَيتَها كانت معصية واحدة بل كوارث لا تعد ولا تحصى، ولو أن إحدى هذه الكوارث بدرت من خليفة راشد لكانت الأمة قد ارتكبت أكبر المعاصي وأعظمها إن لم تزله.
إنّ كل هذه الكوارث التي حلت بالأمة ـ ناهيك عن الحكم بالكفر ـ ألا تكفي لخلع هؤلاء؟، فتمكين الكافر من رقاب المسلمين وإعانته على احتلال بلادهم وسلب ثرواته وإفقارهم، وعقد أحلاف عسكرية كل حلف منها قاصم للظهر وعمل هؤلاء الحكام كأجهزة استخبارات للكافر على الأمة ألا يكفي في ذلك فتنة للمسلمين؟.
ولو تحدثنا عن اجرام هؤلاء الحكام على مدى التسعين عاما المنصرمة التي حكموا بها الأمة لما استطعنا أن نحصر عشر جرائمهم.
يقول الشاعر:
رأيت الذنوب تميت القلوب وتورث بالذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها
لقد وقع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانها
نسأل الله تعالى أن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها ويقمع أعداءها ويمكن لها في الأرض بخلافة راشدة على منهاج النبوة تكشف زيغ الزائغين إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
اخوكم قلب القصيم
__________________