المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغرب أشد عنفاً من العالم الإسلامي. ملايين من المدنيين العرب قتلوا منذ بدء ....


ابن الرمادي
25-04-09, 01:36 PM
الغرب أشد عنفاً من العالم الإسلامي. ملايين من المدنيين العرب قتلوا منذ بدء الحقبة الإستعمارية.
هذا جزء من كتاب ((لماذا تقتل يا زيد)) ننشره للفائدة ولتوسيع المدارك والله المستعان


لقد كان المؤرخ والسياسي الفرنسي الكبير ألكس دي توكفيل Alexis de Tocqueville من أوائل المدافعين بشغف عن الحرية الشخصية، التي كان يفضلها دوماً على المساواة؛ لأن اللامساواة حسب رأيه جاءت "مباشرة من الله"؛ ولذلك فلا عجب من عدم تأييد رجل الدولة المتنور هذا لمبدأ المساواة بين الأجناس كأغلب أقرانه.
في أهم كتاب له نشر سنة 1835 "حول الديمقراطية في أمريكا" طرح توكفيل تساؤلاً يعبر عن حال ذاك الزمان: "ألا يتملك المرء حينما يتابع أحداث العالم الانطباع بأن الأوروبيين بالنسبة لغيرهم من الأجناس البشرية الأخرى كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان؟ فهو يسخرهم لخدمته، وحين لا يتمكن من إخضاعهم يقوم بسحقهم." ولهذا لم يجد هذا المفكر الليبرالي منطقياً "أي سبب لمعاملة الذوات المسلمة وكأنهم مساوون لنا".

وهكذا تماماً تعامل الغرب مع العالم الإسلامي طوال المئتي سنة الأخيرة. لقد طوردت الأسر العربية في عهد الاستعمار "كالضباع وابن آوى والذئاب الجرب". وكانت الاستراتيجية التي أراد بها السادة المستعمرون في القرن التاسع عشر كسر المقاومة المعادية "لرسالتهم التمدينية" هي "دمر، طارد، أرهب" (أوليفه لي كور غروموسن Olivier Le Cour Grandmaison). في الجزائر قاموا لأكثر من مرة بالقضاء على قبائل كاملة بنفث الغاز في الكهوف والمغارات (إنفوماد "Enfumades") بعد لجوء تلك القبائل إليها. ولقد كتب العقيد الفرنسي لوسيان فرانسوا دي موتاناك Lucien-François de Montagnac في رسالة له من الجزائر: "إننا نقتل، إننا نخنق. إن صيحات اليائسين والموتى تختلط بضجيج زمجرة الحيوانات وثغائهم. تسألونني عما نفعله بالنساء. حسناً، نحتفظ ببعضهن كرهائن، ونبادل أخريات بالخيول، وأما الباقي فيبعن كالحيوانات في المزاد." ومن أجل أن يطرد الأفكار السوداء كان يأمر أحياناً ببساطة "بقطع الرؤوس. ليس روؤس الخراشيف إنما رؤوساً بشرية".

الكاتب والصحفي الفرنسي في الجزائر لوي دي بوديكور Louis de Baudicour وصف إحدى هذه المجازر الكثيرة بقوله: "هنا قطع أحد الجنود بدافع التسلية ثدي إحداهن، وهناك حمل آخر طفلاً من رجليه ليهشم رأسه بالجدار." وقد تحدث فيكتور هوغو Victor Hugo عن جنود كانوا يتقاذفون الأطفال بينهم ليتلقونهم برؤوس حرابهم. كانت الآذان المحفوظة في الملح بمائة سو. وأما الرؤوس المقطوعة فكانت مكافأتها أكبر. وكانت العظام العربية تحول أحياناً إلى فحم حيواني (أوليفه لي كور غروموسن Olivier Le Cour Grandmaison).

وبرغم كل ذلك كان يرى نابليون الثالث يد الرب في هذا العمل: "إن فرنسا هي ربة الجزائر، لأن الإله أراد ذلك." ولكن الجزائريون كانوا يرون الأمر بشكل مغاير، وقد اضطروا لدفع ثمن باهظ من الدماء لنيل حريتهم. في حرب الاستقلال وحدها ما بين عامي 1954 و1962 دمرت القوى الجوية الفرنسية ثمانية آلاف قرية جزائرية بالنابالم. ومن جانبها أيضاً قامت جبهة التحرير الوطني الجزائرية FLN بأعمال إرهابية مهولة. وقد نبه بحق إلى ذلك ألبر كامو Albert Camus. لكن تلك الأعمال لا تقارب إحصائياً بحالٍ أعمال العنف من جانب المستعمر، الذي قتل خلال فترة التبشير بمدنيته، التي امتدت على مدى مائة وثلاثين عاماً، تبعاً للتقارير الجزائرية أكثر من مليوني جزائري. أما التقديرات الفرنسية فتتحدث عن أكثر من مليون قتيل جزائري ومائة ألف قتيل فرنسي.
العراقيون الذين استعمرتهم بريطانيا لم يكونوا أحسن حالاً. فقد وصمهم ونستون تشرشل Winston Churchill "بنكران الجميل" بسبب ثورتهم ضد الاضطهاد البريطاني عام 1920 فضربهم بالأسلحة الكيماوية - "بتأثير معنوي فائق"، حسب تعليقه. "هارس Harris قاذف القنابل"، الأب الروحي لما يسمى "بالقصف المعنوي" صرح فخوراً بعد هجوم جوي: "لقد أضحى العرب والأكراد يعرفون الآن ماذا يعني القصف الحقيقي؟ بإمكاننا محو قرية كاملة خلال 45 دقيقة." لقد كانت عمليات القصف هذه وسيلة ناجعة لجمع الضرائب في العراق. الضابط في السلاح الجوي الملكي لوينل تشارلتون Lionel Charlton استقال عام 1924 من الخدمة متأثراً بعد أن رأى الضحايا المشوهة في إحدى المستشفيات؛ إنه لم يكن يعلم أن بلده سيقصف العراق مجدداً بعد 80 عاماً مجدداً.
في ليبيا ألقى المستعمرون الطليان براميل من غاز الفوسجين والخردل على الثوار والمدنيين، ووضعوا شيوخ العشائر في الطائرات ليُلْقوا منها من على ارتفاع شاهق. أكثر من مائة ألف مدني أودعوا في معسكرات صحراوية، حيث لقى نصفهم حتفه بشكل مأساوي. واحتجزت فتيات ليبيات كجاريات جنس لكتائب المستعمر. وكذلك استخدم الإسبان الأسلحة الكيماوية خلال ثورات القبائل في المغرب، فكانت النتائج هناك مهولة أيضاً.

لقد كان المثال المحتذى في معاملة العرب هو استراتيجية الإبادة ضد الهنود الحمر في أمريكا؛ حيث كان جنون الفوقية العرقية والمدنية في ذلك الوقت لا حدود له. جوستاف لوبون Gustave Le Bon مؤسس علم النفس الجماعي والمناضل ضد "خرافة المساواة" قسم البشر إلى أربع طبقات: سكان أستراليا وأمريكا الأصليين يمثلون "العرق البدائي"، و"السود" "الدوني"، والعرب والصينيون "المتوسطي" والهندو-أوربيون "العرق العلوي".
وكذلك بعد الحرب العالمية الثانية تعامل الغرب مع العرب غالباً على أنهم أناس دونيون "على مستوى قرد أكثر علوية" (جان باول سارتر Jean-Paul Sartre). وهذا يصدق على حروب التحرر من الاستعمار، وعلى التدخلات لتأمين طرق المواد الخام، وعلى قضية فلسطين، وكذلك على المقاطعة التي فرضتها أمريكا وبريطانيا العظمى على العراق. لقد مات بسبب هذه العقوبات "الشاذة" حسب وصف الفاتيكان ضد العراق طبقاً لتقريرات اليونيسف أكثر من مليون ونصف عراقي، من بينهم حوالي 500000 طفل.

إن حرب العراق الراهنة تظهر كذلك امتهاناً بالغاً للعالم الإسلامي؛ فقد قتل آلاف المدنيين عند دخول القوات تحت القيادة الأمريكية هناك. كثيرون قصفوا بالقنابل - بعضهم بالذخيرة الملوثة باليورانيوم - ليتحولوا إلى أصحاب العاهات. حيث أحصت دراسة نشرت في المجلة الطبية المتخصصة "لانست Lancet" قام بها أطباء أمريكيون وعراقيون أكثر من 600000 عراقي فقدوا حياتهم حتى تموز 2006 بسبب فوضى الحرب التي سببتها كتائب الاحتلال؛ حيث قتل 31 % بشكل مباشر من قبل قوات التحالف بقيادة أمريكا، و24 % بسبب العنف الطائفي والعمليات الانتحارية، ولم يعرف الفاعل لدى 45 % من الموتى. وحسب "لانست" فإن عدداً كبيراً من القتلى بالرصاص يشير أيضاً إلى "العلاقة المباشرة للجيش الأمريكي".
وكذلك ذكرت دراسة لمعهد الأبحاث البريطاني المستقل ORBنشرت في خريف 2007 أن عدد القتلى العراقيين فاق المليون وكذلك عدد الجرحى؛ حيث فقدت تقريباً كل ثاني أسرة في بغداد أحد أفرادها. أما صدام حسين فقد تسبب حسب "منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch" خلال 23 عاماً من فترة حكمه في موت 290000 عراقي مدني.
منذ خريف عام 2007 وعدد القتلى في العراق في تراجع. ولكن رغم ذلك لا زال يموت حسب تقديرات حذرة للخبراء 6000 عراقي مدني كل شهر في فوضى هذه الحرب. هؤلاء يشكلون ضعف عدد القتلى في 11/9/2001 في مركز التجارة العالمي. الشعب يعيش اليوم وضعاً أسوأ مما كان عليه تحت حكم صدام (كوفي أنان). ولا يعتقد أن هناك كثير من العراقيين ممن يقول: "عظيم، بلدنا دُمر، قتلانا تجاوزوا المليون، مشردينا بلغوا أربعة ملايين ونصف، نسبة الموت بين أطفالنا من أعلى النسب في العالم، بالكاد توجد الكهرباء وكذلك الماء والدواء، نسبة البطالة والتضخم تجاوزت 50 بالمائة، حتى المشي في الطريق بات بالكاد ممكناً - ولكن الأمر كان مجدياً حقاً، فصدام قد ولى."
خلال المئتي سنة الأخيرة لم يقم ولا لمرة واحدة أي بلد إسلامي بالهجوم على الغرب. القوى الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة الأمريكية كانت هي دائماً المعتدية، لا المعتدى عليها. وقد قتل منذ بدء الاستعمار ملايين من المدنيين العرب. الغرب هو السبّاق في قائمة القتل المحزنة بأكثر من 10 : 1. والنقاش الدائر حالياً حول العنف المزعوم من جانب العالم الإسلامي يقلب الحقائق التاريخية رأساً على عقب. الغرب كان ولا زال أكثر عنفاً من العالم الإسلامي. وليس عنف المسلمين بل عنف بعض الدول الغربية هو مشكلة عصرنا.

من أراد أن يفهم التطرف الإسلامي، يجب عليه أن يرى العالم لو لمرة واحدة من منظار أحد المسلمين، فأفقنا ليس هو نهاية العالم. إن كل شاب مسلم يتابع الأخبار في التلفاز، يرى في كل يوم، كما في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان والصومال وفي أماكن أخرى، النساء المسلمات والأطفال والرجال وهم يموتون بأسلحة غربية، بيد حلفاء غربيين وجنود غربيين.
مما يدعو إلى التهكم أن تتساءل العقول الغربية بوجوه مكفهرة، عن سبب انحطاط "الحضارة العربية التي سادت يوماً عسكرياً واقتصادياً وثقافياً" (هانس ماغنوس إنسنسبرغرHans Magnus Enzensberger). لقد كان للغرب دور أساسي في ذلك؛ إذ خلّف ورائه عند انسحابه من المستعمرات بلادً منهوبة لا دماء فيها. لقد كانت نسبة غير الأميين في الجزائر عند بدء الاستعمار في عام 1830 أعلى 40 % منها في فرنسا وإنجلترا. في عام 1962 عند انسحاب القوات الفرنسية كانت هذه النسبة أقل من 20 %. لقد سرق الاستعمار من العالم العربي أكثر من مائة عام من التطور. وقد قرر توكفيل Tocqueville معبراً عن خيبة أمله بعد 17 عام من احتلال فرنسا للجزائر: "لقد انطفأت الأنوار. لقد جعلنا المجتمع الإسلامي أكثر فقراً وأكثر جهلاً وأقل إنسانية."