المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ينبع في مذكرات الرحالة الأوربيين من سنة 1230هـ إلى سنة 1270هـ


أسرني الأمل
04-01-09, 09:53 PM
حظيت مدينة ينبع البحر بزيارات لبعض الرحالة الأوروبيين، ودونوا بعضاً من عادات وتقاليد أهل ينبع، وكتبوا وصفاً عن المدينة، بالرغم أن ما دونوه هو انطباعاتهم الشخصية والتي لا تخلو في بعض الأحيان من المبالغات.

وممن زار مدينة ينبع البحر كلا من: جون لويس بركهارت سنة 1230هـ، وموريس تاميزييه سنة 1249هـ، وشارل ديديه سنة 1270هـ. ونستعرض فيما يلي ما دونه كل واحد منهم، مع التنبيه بأنني أوردت جميع ما ذكره كل واحد منهم دون حذف أو نقص، بالرغم أن بعض العبارات تحتاج إلى تعليق عليها.

1- جون لويس بيركهارت: زار ينبع في طريقه إلى مصر سنة 1230هـ وقال عنها:

(( رأينا ينبع عند شروق الشمس، بعد السفر طوال الليل على أرض غير صالحة. وبلغنا بوابة المدينة بعد خمس عشرة ساعة ونصف، وكنا نسير بخطى بطيئة. وقبل بوابة المدينة مباشرة، اجتزنا خوراً صغيراً في الميناء حيث كانت المياه منخفضة لكنها تمتد إلى مسافة كبيرة في مد داخل اليابسة.

لقد لاقيت بعض الصعوبة في إيجاد غرفة في أحد خانات المدينة التي كانت ملأى بالجنود الذين حصلوا على إذن بالعودة إلى القاهرة بعد آخر حملة لهم على الوهابين الجنوبيين، وقد أتوا إلى هنا من جدة ومكة. وكان هناك، فضلاً عنهم، العديد من الحجاج الذين عقدوا النية على الإبحار إلى السويس أو القصير، بعد عودتهم من المدينة. من بين هؤلاء، كانت امرأة محمد علي باشا التي كانت قد وصلت من المدينة؛ وكان هناك أربع سفن تتحضر لنقل حاشيتها ومرافقيها وأمتعتها. وبعد أن أودعت أمتعتي في غرفة مبهجة على سطح أحد الخانات، مشيت نحو الميناء، لأستعلم عن السفر إلى مصر. وسرعان ما علمت أن ذلك كان أمراً مستحيلاً في الوقت الحاضر. فقد أعطيت أوامر صارمة بمنع أيّ كان من الإبحار إلا الجنود الذين كانوا قد حجزوا ثلاث أو أربع سفن جاهزة للانطلاق؛ وكان منهم ما يفوق الألف وخمسمائة جندي، بمن فيهم العديد من الحجاج الأتراك الذين ظنوهم جنوداً لأنهم يحملون السلاح وقد ارتدوا ثياباً مماثلة لثيابهم، لا يزالون ينتظرون وسيلة تؤمن نقلهم.

بينما كنت جالساً في مقهى قرب الميناء، مرت ثلاث جنازات على فترات قصيرة ومتلاحقة. وعند التعبير عن دهشتي أمام هذا الأمر، علمت أن العديد من الناس قد توفوا خلال تلك الأيام القليلة التي انتشرت فيها الحمى. وقد سمعت، حين كنت في بدر، أن حمى خبيثة كانت سائدة في ينبع، لكني لم أعر الخبر اهتماماً كبيراً. ثم رأيت عدة جنازات أخرى فيما تبقى من النهار، إلا أنه لم تكن لديّ أدنى فكرة عن السبب الذي يكمن وراء ذلك العدد الكبير من الوفيات. إلى أن جاء الليل وصعدت إلى غرفتي التي كانت تشرف على جزء كبير من المدينة. وسمعت حينها أصواتاً لا تعد ولا تحصى تتعالى في كل اتجاه في صراخ يفطر القلب، وهو صراخ يرافق النفس الأخير الذي يتلفظ به صديق أو قريب، في أنحاء الشرق كلها. في تلك اللحظة راودتني الفكرة باحتمال وجود الطاعون. وحاولت عبثاً طرد مخاوفي، أو على الأقل إخمادها عبر النوم. لكن الصراخ المروع أبقاني مستيقظاً طوال الليل. وعندما نزلت في الصباح الباكر إلى الخان، حيث كان العديد من العرب يشربون قهوتهم، عبّرت لهم عن مخاوفي؛ لكني ما لبثت أن تلفظت بكلمة طاعون حتى أرسلوا في طلبي يسألونني عما إذا كنت أجهل أن الله قام بنبذ ذلك المرض وإلى الأبد من الأراضي المقدسة في الحجاز؟ إن منطقاً كهذا لا يقبل الجدل أو الجواب بين مسلمين، لذلك فقد خرجت بحثاً عن بعض المسيحيين اليونانيين الذين رأيتهم في الشارع في اليوم السابق، وحصلت منهم على تأكيد لمخاوفي.

فقد انتشر الطاعون منذ عشرة أيام، وقد كان لعدة أشهر يفتك في القاهرة بحدة شديدة، وقد ماتت نسبة كبيرة من السكان في السويس. ونقلت من ذلك المرفأ، سفينتان محملتان بالأقمشة القطنية حمولتيهما إلى جدة، ومنها إلى ينبع. ولم يشهد أحد من قبل الطاعون في الحجاز، أو على الأقل، ليس ما يمكن أن تسترجعه ذاكرة الإنسان. وكان من الصعب على السكان إقناع أنفسهم بوقوع مثل هذا الحدث، خاصة في وقت تم فيه استرجاع المدن المقدسة من أيدي الوهابيين. ولم تكن علاقات التبادل مع مصر بمثل هذا الحجم كما هي الحال الآن، لذلك فليس غريباً أن يتم نقل هذا البلاء إلى الحجاز. وفي حين كان عشرة أو خمسة عشرة شخصاً يموتون كل يوم، لم يستطيع عرب المدينة التصديق بأن الوباء كان هو الطاعون. بالرغم من أن مظهر الصفراء المعتاد على أجسام المصابين وتطور الوباء السريع الذي نادراً ما كان يستغرق أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام، كان من شأنه أن يشكل أدلة مقنعة. وازدادت نسبة الوفيات بعد وصولي بخمسة أو ستة أيام، فكان أربعون أو خمسون شخصاً يموتون في يوم واحد. وهي في شعب يقدر عدده بخمسة أو ستة آلاف نسبة فظيعة. وبدا السكان الآن يشعرون بالذعر. وبما أنهم غير مهيئين للخضوع للخطر بصبر وروية كما يفعل الأتراك في كل جزء آخر من الشرق، فقد تدفقت الأغلبية الساحقة منهم إلى الطبيعة، فباتت المدينة مهجورة. لكن الوباء لحق بالمهجرين واللاجئين الذين خيموا قرب بعضهم بعضاً، فعاد الكثير منهم بعد أن عجزوا عن إيجاد حل للمشكلة. وقد برروا فرارهم بالقول: «إن الله يرسل هذا الوباء برحمته ليدعونا إليه، لكننا نعي حقارتنا وندرك أننا لسنا جديرين بنعمه وفضله، لذلك نرى من الأفضل تجنبه والفرار منه»، وهي حجة سمعتها تردد مراراً وتكراراً. ولو أني كنت بصحة جيدة وأتمتع بكامل قواي، لكنت بلا شك لحقت بهم إلى الصحراء، لكني شعرت بالوهن الشديد وعدم القدرة على بذل أي جهد. فضلاً على ذلك فقد فكرت في احتمال هروبي من الوباء بالانغلاق في غرفتي المنعزلة، وبدأت أمني النفس أكثر فأكثر بالآمال في الذهاب إلى مصر سريعاً. غير أني أصبت بخيبة الأمل. ولعلي كنت تمكنت من إيجاد وسيلة للإبحار على الفور عبر تقديم بعض الهدايا وقليل من الرشوة؛ لكن السفن الجاهزة للإبحار كانت الآن مكتظة جداً ومليئة بالجنود المرضى، بحيث إن البقاء في المدينة الملوثة بالوباء كان أفضل من الرحيل في وسيلة النقل تلك. وبعد بضعة أيام، علمت أن مركباً صغيراً مكشوفاً وخالياً من الجند كان جاهزاً للإبحار إلى القصير، فوافقت فوراً على الذهاب على متنه؛ لكن انطلاقه كان يؤجل من يوم إلى يوم حتى الخامس عشر من شهر أيار / مايو، حين غادرت أخيراً ينبع بعد إقامة دامت ثمانية عشر يوماً وسط الطاعون.

لربما كانت حالتي الصحية المتدهورة والحمى الوضيعة التي رزحت تحت وطأتها هي التي أمنت لي الحماية. ففضلاً عن كل رعايتي وحرصي، كنت معرضاً لمرات عديدة لالتقاط العدوى. لقد كان شارع ينبع الكبير مرصوفاً بالمرضى ممن ينازعون الموت ويطلبون الصدقات. وكان هناك عربي يلفظ أنفاسه الأخيرة في فناء الخان حيث كنت أقيم. كما أن سيد الخان فقد أختاً له وابناً من عائلته؛ وروى لي حين جلس على سجادتي، كيف مات ابنه الليلة الفائتة بين ذراعيه. وقد عارضت قلة الحرص لدى خادمي كل الإجراءات التي اتخذتها بدافع الحيطة؛ فبعد أن افتقدته لعدة أيام في الصباح الباكر، استعلمت عن سبب غيابه، فأخبرني أنه ذهب لتقديم يد العون في غسل جثث الموتى. فالفقراء الذين ماتوا خلال الليل، قد عرضوا في الصباح الباكر على النعوش، على شاطئ البحر بغية غسلهم قبل الصلاة على أجسادهم في المسجد، واعتقد خادمي أن الاشتراك في هذه المهمة هو عمل مثاب كان يقوم به عدة زنوج حجاج صدف وجودهم في ينبع. وعبرت له عن رغبتي في بقائه في المنزل من الآن فصاعداً، فنادراً ما يستطيع أحد المرور في السوق من غير أن يمس أناساً مصابين بالمرض أو على الأقل، أولئك الذين كانوا على اتصال مباشر معهم.

يبدو أن الوباء من النوع الأشد إذ أن القليل جداً من المصابين تمكنوا من النجاة منه؛ كما سادت الحالة نفسها جدة. ولم يكن العرب يستعملون أي نوع من الأدوية، فسمعت عن أناس استخدموا الحجامة، وعن آخرين عولجوا عبر وضع لزقة ساحبة على عنقهم؛ غير أن هذه الحالات ظلت نادرة، ولم يقم الناس كلهم باعتمادها وتقليدها. وكما هي العادة يدفن الميت بعد بضع ساعات من الوفاة؛ وقد جرت حادثتان خلال إقامتي في ينبع حين تم دفن شخصين وهما بعد على قيد الحياة، بعد أن ظنوهما ميتين، بسبب الغيبوبة التي وقعا فيها حين اشتد المرض عليهما، والتي اعتبرت موتاً. وقد أعطى أحدهما إشارات تدل على أنه لا يزال حياً، وذلك في اللحظة التي كانوا يضعونه فيها في القبر، فتم إنقاذه. أما جسد الآخر فقد وجد ويداه تغطيهما الدماء وكذلك وجهه وقد مزق الكفن تماماً من جراء الجهود والمحاولات غير المجدية التي بذلها في محاولته النهوض؛ وذلك حين تم فتح قبره بعد عدة أيام من دفنه لوضع جثة قريب له. وعند رؤية ذلك، قال الناس إن الشيطان قام بتشويه جسده بعد أن عجز عن إيذاء روحه.

لقد أولى حاكم ينبع عنايةً وحرصاً كبيرين لإخفاء معدل الوفيات الصحيح في المدينة. لكن هتافات «لا إله إلا الله» الدينية، التي تشير إلى جنازة أحد المسلمين، كانت تتناهي إلى الأذن من كل حيّ وجهة في المدينة. وقد أحصيت منها بنفسي اثنتين وأربعين في يوم وأحد. ويصبح الطاعون بالنسبة إلى الفقير عيداً حقيقياً؛ حيث إن كل عائلة تذبح خروفاً عند وفاة أي واحد من أفرادها، إذا ما كانت قادرة على تحمل النفقات، وتقوم في اليوم التالي باستضافة النساء والرجال في الجوار كله في منزلها. فتدخل النساء إلى الشقق وتعانق كل نساء العائلة وتؤاسيهن، فيعرضن أنفسهن للعدوى في كل لحظة. ويجب أن نعزو الانتشار السريع للطاعون في المدن الإسلامية إلى هذه العادة المتبعة أكثر من أي سبب آخر؛ فما أن يضرب الطاعون عائلة حتى ينتقل بنجاح إلى الجوار كله.

في أحد شوارع ينبع جذع لشجرة نخل ممد على الطريق، لوحظ أن العديد من الناس الذين مروا فوقه ما لبثوا أن أصيبوا بالطاعون، لذلك ساد الظن بأن الشيطان قد أتخذ هناك موقعه المفضل لإصابة المارين. لذلك عمد العرب إلى إتباع طريق فرعية غير مباشرة. وعندما بلغ الطاعون أشده في ينبع، قام العرب بجر ناقة في موكب عبر المدينة وقد غطيت تماماً بكل أنواع الزينة والريش والأجراس، وعندما بلغوا المقبرة نحروها ورموا بلحمها إلى النسور والكلاب. لقد أملوا في أن يسرع الطاعون المنتشر في المدينة ويأوي إلى جسد الجمل، وفي أنهم عبر نحر الضحية، سيتخلصون من الوباء على الفور. وقد سخر العديد من العرب العاقلين من ذلك.

لقد بنيت مدينة ينبع على الجهة الشمالية لخليج عميق يؤمن مكاناً ملائماً لرسو السفن، وتحميه من الرياح العنيفة جزيرة واقعة على مدخله. وترسوا السفن قريباً على الشاطئ، والمرفأ فسيح بما يكفي لاحتواء أكبر أسطول. والمدينة مقسمة إلى قسمين بخور صغير ويدعى القسم الأكبر "ينبع" بشكل حصري، ويحمل الآخر على الجهة الغربية، اسم "القعد" ويسكنه الملاحون بشكل أساسي. ويواجه القسمان البحر، وقد أحاط بهما في الجهات الأخرى جدار مشترك متين جداً، تم بناؤه بإتقان أكبر من ذلك الذي في جدة والطائف والمدينة، وتحميه بروج عديدة. لقد تم تشيده بجهد السكان وعملهم الموحد ليشكل حماية من الوهابين إذ أن الجدار القديم كان مهدماً ويحيط بجزء واحد فقط من المدينة. ويضم الجدار الجديد منطقة تبلغ تقريباً ضعف المساحة التي تشغلها المناطق السكنية، ويبقى بينه وبين تلك الأخيرة مربعات كبيرة مكشوفة، يتم استعمالها كمقابر أو كأمكنة لتخييم القوافل أو لتدريب الجود، أو تترك أرضاً مهجورة. ويتطلب امتداد الحائط ومساحته فرقة كبيرة من الجند لحمايته عند النقاط كلها، والأشخاص المسلحون في ينبع كلهم غير مناسبين لذلك.

لينبع بوابتان باتجاه الشرق والشمال، باب "المدينة" وباب "المصري". وقد بنيت منازل المدينة بشكل أسوأ منه في أيّ مدينة أخرى في الحجاز. فبنيتها خشنة غليظة بحيث إن القليل من الحجارة التي استعملت في بنائها قد صقل سطحها. والحجر كلسي مليء بالثقوب وذو لون أبيض ناصع مما يجعل من منظر المدينة أمراً مزعجاً للنظر. ولأغلب المنازل طابق أرضي فقط. وليس هناك أي صرح كبير في المكان باستثناء ثلاثة أو أربعة مساجد سيئة البناء وبضعة خانات عامة شبه مهدمة ومنزل الحاكم على شاطئ البحر (وهو سيئ البناء).

إن ينبع مدينة عربية كاملة، فالقليل من الأجانب قد أستوطن هنا. ومن الهنود الذين لهم مستعمرات عديدة في مكة وجدة والمدينة، نجد فقط شخصين أو ثلاثة، وهم أصحاب متاجر؛ إذ أن التجار كلهم من العرب باستثناء بعض الأتراك الذين يقيمون هنا أحياناً بشكل مؤقت. وينتمي معظم السكان إلى قبيلة "جهينة" البدوية في هذا الجوار (الذي يمتد شمالاً على طول شاطئ البحر)، وقد أصبح العديد منهم مستوطنين، واختلطت بهم عدة عائلات من الشرفاء الذين هم أصلاً من مكة. ولا يزال المستوطنون في هذه المدينة، أو كما يدعون الينبعاويين، يعيشون ويتزيون كالبدو. فهم يعتمرون "الكفية" أو المنديل الحريري، يربطونها على أجسادهم بحزام جلدي. إن مأكلهم وطريقة عيشهم كلها كمأكل وطريقة عيش البدو، كذلك سلوكهم وعاداتهم. ولكل من الفروع المختلفة لقبيلة "جهينة" المستقرة هنا، شيخها. وهم يتعاركون مع بعضهم بعضاً كما يفعلون لو كانوا يخيمون في الطبيعة، فيتبعون القوانين نفسها في عدائيتهم وثأرهم الدموي كالبدو.

إن المهنة الأساسية لأهل ينبع هي التجارة والملاحة. وتملك المدينة نحو أربعين أو خمسين سفينة مرتبطة بفروع تجارة البحر الأحمر كلها، ويقودها أبناء المدينة أو العبيد. وتتكرر باستمرار الرحلات بين ينبع ومصر. وقد استقر العديد من أهل ينبع في السويس والقصير، وبعضهم استقر في القاهرة وقنا في شمال مصر حيث يتاجرون مع بلدهم الأصلي ويتاجر آخرون مع بدو الحجاز وعلى شواطئ البحر الأحمر حتى "مويلح" ويتبادلون في مخيماتهم المؤن التي تأتي إلى ينبع من مصر، لقاء الماشية والزبدة والعسل، ثم يبيعونها مجدداً عند عودتهم إلى المدينة وبربح كبير.

إن أهل ينبع هم أقل تحضراً من أهل جدة أو مكة، ويتسم سلوكهم بالفظاظة والوحشية أحياناً. لكن من جهة أخرى، فإن تصرفاتهم أكثر تنظيماً، كما أنهم أقل انجرافاً في الرذائل من الأخيرين، وهم يتمتعون عامةً، في أنحاء الحجاز كلها، بكل المميزات التي يُضفيها الاسم المحترم.

وعلى الرغم من عدم وجود أفراد واسعي الثراء في المدينة، إلا أن الجميع يتمتعون بوفرة ويسر أكثر مما يتوفر حتى ممن في مكة. فالعائلات المحترمة كلها في ينبع لها منزل ريفي في الوادي المثمر الخصب المدعو "ينبع النخل" أو "قرا ينبع" أو "ينبع البر" الذي يقع على مسافة ست أو سبع ساعات من هنا، على سفح الجبال في الاتجاه الشمالي الشرقي. وهو يشبه الأودية في الجديدة والظفرة، حيث تنمو أشجار النخيل وتزرع الحقول، وهو يمتد مسيرة سبع ساعات طولاً ويحتوى على ما يفوق الاثنتي عشرة قرية صغيرة منتشرة على جانب الجبل. إن القرية الأساسية هي "سويقة"، وهي المكان الذي تقام عليه السوق، حيث يقيم شيخ قبيلة "جهينة" الجليل والذي يعترف به بدو هذه القبيلة وأهل ينبع كذلك.

يزرع أهل "جهينة" وادي ينبع دون غيرهم، وهم إما مستوطنون ويبقون هنا طوال السنة، وإما يبقون بعض المزارعين في مزارعهم بينما يظلون هم مخيمين في الجبل، فلا يقيمون في الوادي إلا عند قطاف التمر، حيث يذهب كذلك أهل ينبع كلهم الذين يملكون حدائق فيه ويبقون لمدة شهر. ويتم هناك زرع أنواع الفاكهة كلها التي تتزود بها سوق ينبع. وسمعت أن المنازل قد بنيت من الحجر وأن لها مظهراً أفضل من تلك التي في الجديدة. ويعتبر أهل ينبع هذا الوادي كمقر إقامتهم الأصلي الذي يشكل له المدينة والمرفأ مستعمرة. وتمر قافلة الحج المصرية عبر ينبع النخل حيث تذهب إلى بدر في رحلة تستمر ليلة واحدة. لذلك لا تمر أبداً هذه القافلة من مرفأ ينبع بالرغم من أن العديد من الأفراد فيها، يأخذون من "المستورة" الطريق إلى ينبع عند عودتهم من مكة، وذلك للقيام ببعض المعاملات التجارية في المدينة، ثم ينضمون إلى القافلة شمال ينبع على مسافة يوم واحد.

تتعاطى تجارة ينبع بالمؤن بشكل رئيسي، ولا نجد مخازن كبيرة للبضائع هنا، لكن تعرض في المتاجر بعض السلع الهندية والمصرية من الألبسة للبيع. وليس مالكو السفن تجاراً، كما هم في جدة، ولكنهم مجرد ناقلين للبضائع، غير أنهم يستثمرون دائماً أرباحهم في بعض المضاربات التجارية الصغيرة. وتشغل تجارة النقل إلى "المدينة" العديد من الناس، ولتجار هذه المدينة كلها عملاء بين عرب ينبع. وفي زمن السلم، تنطلق القافلة إلى المدينة كل أسبوعين، لكنها كانت مؤخراً ترحل كل شهر فقط بسبب قلة الجمال. وهناك أحياناً عربات برية تتجه إلى جدة ومكة وأحياناً إلى "الوجه" و"مويلح"، وهما المحطتان المحصنتان للقافلة المصرية على البحر الأحمر. إن أهل ينبع هم مهربو بضائع جسورون، فلا تدخل أي سفينة لهم المرفأ من غير أن يتم إرسال جزء كبير من حمولتها على الشاطئ خلسة للتهرب من الضرائب الكبيرة. وتذهب لهذا الغرض إلى المرفأ ليلاً مجموعات من عشرين أو ثلاثين رجلاً وقد تسلحوا جيداً. وهم إذا ما تم اكتشافهم، يقاومون ضباط الجمارك بالقوة غالباً.

إن ضواحي المدينة جرداء قاحلة تماماً، فلا نرى فيها أي أشجار أو خضرة، سواء أكان داخل الجدران أم خارجها. وقد غُطيَ السهل بالرمال خلف أرض الملح، بالقرب من البحر، ويبقى كذلك حتى يبلغ الجبال. ونرى جبلاً شاهقاً إلى الشمال الشرقي حيث تأخذ السلسلة الكبيرة اتجاهاً يميل أكثر إلى الغرب باتجاه بدر. وأعتقد أنه جبل "رضوى" الذي يذكره الجغرافيون العرب أحياناً، والذي يضعه السمهودي على مسافة يوم واحد من ينبع وأربعة أيام من المدينة. وعلى مسافة نحو ساعة واحدة شرقي المدينة، تقع مجموعة آبار للمياه العذبة، وتُدعى "عسيلية"، وقد بنيت لري بعض حقول الشمام (أو البطيخ الأصفر). ويخيم البدو هناك أحياناً. وقد قامت في ذلك الوقت فرقة من الخيالة الأتراك بنصب الخيم قرب تلك الآبار.

في المدينة عدة آبار للمياه المالحة، لكنها تخلو من الخزانات. ويتم التزود بالمياه الصالحة للشرب من بعض الخزانات الكبيرة التي تقع على مسافة خمس دقائق سيراً من بوابة "المدينة"، حيث تُجمع مياه الأمطار. وقد حُفرت أقنية صغيرة عبر السهول المجاورة لتحويل مجرى جداول مياه الأمطار إلى هذه الخزانات. وهي فسيحة ومرصوفة بطريق جيدة تحت الأرض، ويكفي بعضها لتزويد المدينة بأسرها لعدة أسابيع. وهي ملك لعائلات خاصة بناها أسلافها، وهم يبيعون المياه بأسعار معينة يحددها الحاكم الذي يأخذ كذلك منهم ضريبة. والمياه ذات نوعية ممتازة وهي أفضل من أي مياه في أي مدينة أخرى في الحجاز حيث لا يجتهد السكان بما يكفل إنشاء خزانات مماثلة. وحين تتخلف أمطار الشتاء، يعاني سكان ينبع بشدة، ويرغمون على ملء قرباتهم من آبار "عسيلية" البعيدة.

وأهل ينبع كلهم مسلحون على الرغم من أنهم نادراً ما يظهرون ذلك علناً، وهم عادة يحملون هرواة ثقيلة في يدهم. ويحتفظ القليل منهم بالجياد، إلا أن لقبيلة جهينة المستقرة في ينبع النخل سلالة جيدة من جياد نجد، لكن عددها قليل. وتحتفظ كل عائلة بالحمير لإحضار المياه إلى المدينة. كما أننا نحس هنا بقلة الخدم والعمال أكثر مما نحس به في مدن الحجاز الأخرى. فإن أياً من أهل ينبع لن يشترك في أي عمل يدوي إذا ما كان لديه أمل ولو كان ضئيلاً في تأمين لقمة عيشه بوسائل أخرى. إن الفلاحين المصريين الذين تم تركهم هنا على هذا الساحل بعد تأديتهم الحج، والمرغمون على كسب المال لكي يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، يعملون حمالين وعمال، فيحضرون الخشب والماء. وقد رأيت أحدهم يدفع ليرة ونصف لأحد الرجال ليحمل له ثقلاً لمسافة خمسمائة ياردة من الشاطئ إلى أحد المنازل.

ينبع هي الأرخص مكاناً في الحجاز فيما يتعلق بالمؤن، وتتوافر فيها المياه الجيدة التي تبدو أكثر منفعة للصحة منها في جدة. وكان يمكن أن تكون الإقامة فيها مقبولة لولا تلك الكمية غير المعقولة من الذباب الذي يكتظ به الساحل. فلا يخرج أحد من منزله دون أن يحمل مروحة في يده لطرد تلك الحشرات، كما أنه من المستحيل تناول الطعام دون ابتلاع بعضها التي تدخل إلى الفم فور فتحه. ونرى سُحُباً منها تمر فوق المدينة، وهي توجد حتى على السفن التي تبحر مبتعدة عن المرفأ، وتبقى على متنها خلال الرحلة كلها)).

أسرني الأمل
04-01-09, 09:55 PM
- موريس تاميزييه: زار ينبع في طريقه إلى جدة سنة 1249هـ وقال عنها:



(( ظللنا نحاذي شاطئاً رملياً منخفضاً، وقد انتصبت سلسلة من الجبال وهي تقف في مواجهة السهل الآخر. وقد بدأت في الظهور عند "العصر" أعداد معينة من منارات المساجد، بحيث أصبحت بادية للعيان على امتداد الأفق. وبدأت المنازل والأسوار تقترب شيئاً فشيئاً، وأعطتنا نظرة مبدئية عن تلك المدينة ذات الأهمية المتوسطة والمعقولة.

والآن أطلت علينا نسمة هادئة. وإذا بالقبطان ينادي: انتبهوا هناك حاجز على الجانب الأيمن من السفينة. وقامت "أبو جاموس" بكل إذعان بالالتفاف في شكل ربع دائرة، ثم قامت بكل سرعة بعبور المياه الكائنة بين اثنين من السلاسل الصخرة حيث كانت الأمواج تندفع مزمجرة في غضب. ثم نادى الريس مرة أخرى قائلاً: ارم المرساة. وعلى الفور تم إلقاء المرساة في المحيط، حيث هبطنا في ميناء ينبع.

وعند مشاهدة تلك المدينة قام كل حاج بارتداء أبهى حلة لدية من الملابس، وبمجرد وصولنا إلى الميناء بدأت القوارب بنقلنا في رحلات متتابعة نحو اليابسة.

ونظراً لعدم قيام الأتراك بوضع أية عبَّارة يقوم الناس عن طريقها بالعبور بطريقة مريحة، فقد قام أقل المسافرين ثراء بالهبوط في داخل الماء الذي وصل حتى منتصف أفخاذهم، بينما قام البحارة بحمل أولئك الذين بدوا غير قادرين على الخوض فوق أكتافهم لكي يحصلوا منهم على مكافأة مالية.

وقد قام هؤلاء الرفاق الشجعان بنشر أنفسهم في كل أرجاء المكان، في البازارات والمساجد، وآخرون في المقاهي والحمامات، وكان ذلك يتوقف على حاجتهم لتدبير بعض المواد التموينية اللازمة لوجباتهم، وكانوا يقومون بتوجيه صلواتهم لله عز وجل أو يقومون بإنعاش أجسادهم بالاستحمام للتخفيف عنها من مآسي رحلة السفر الطويلة بالبحر.

ظللنا في ينبع بعض الوقت. وقد كانت أكثر المدن الساحلية أهمية بعد السويس. وهي محاطة كلية بسور جرى ترميمه حديثاً، وهو محروس بعدة أبراج مراقبة مزودة بالمدافع التي تم استيرادها حديثاً من مصر. وهي تحتوي على بوابتين تطلان على اليابسة، إضافة إلى عدة بوابات أخرى تطل على البحر من ناحية الميناء.

أما بالنسبة للأرض التي شيدت عليها، والتي تأخذ شكلاً مستديراً، فهي قاحلة. ومع ذلك فيجري تزويدها بالمواد الغذائية بواسطة البدو الذين يقومون بزراعة السهول والأودية المجاورة.

وقد قام المفرطون في الثراء من البدو القاطنين بهذا الجزء من الجزيرة العربية بالاستقرار في بقعة يطلق عليها "ينبع النخل" (أي ينبع المشهورة بأشجار نخيلها)، وذلك بغرض تميزها كشيء منفصل عن تلك التي كنا نوجد بها، والتي تحمل اسم "ينبع البحر" (أي ينبع المواجهة أو المطلة على البحر). ويمتلك المواطنين أعداداً هائلة من صهاريج تخزين المياه، إضافة إلى ذلك يتم جلب المزيد من المياه النقية من الآبار الموجودة بداخل البلد.

ويعود الفضل إلى اكتساب ينبع أهميتها إلى المدينة المنورة التي يتوجه إليها المسلمون لزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد لاحظت الليمون ضمن البضائع المعروضة للبيع في أحد البازارات، كما لاحظت أيضاً الملح الأبيض الذي يتم تجميعه على الشواطئ الساحلية، إضافة إلى نوع آخر وجميل من الملح الذي يميل إلى اللون الوردي والذي يتم جلبه من الجبال المجاورة.

وتعمل المدينة كسوق ومركز تجاري لرجال الأعمال من تجار المدينة. والميناء عميق ومصمم بطريقة متقنة. لدرجة تعطي السفن القادمة ميزة الوصول بجوار المنازل بأعمدتها المائلة الضخمة.
مع ذلك نجد أن مدخل الميناء خطير إلى حد ما عند انحسار المد، وذلك ناتج عن كونه محاطاً بالصخور البارزة على سطح الماء.

وتتكون الحامية العسكرية التي تتولى حراسة مدينة ينبع من كتيبة تضم (300) جندي نظامي من المشاة.
بمجرد فراغ البحارة من إنجازهم لأعمالهم تمت إعادة الحجيج إلى الباخرة. تم رفع المرساة وعاودنا الاستمرار في مواصلة رحلتنا مرة أخرى)).

أسرني الأمل
04-01-09, 09:56 PM
3- شارل ديديه: زار ينبع في طريقه إلى جدة سنة 1270هـ وقال عنها:



(( كانت الأمسية الهادئة والليلية الجميلة تنبئان أن البحر سيكون هادئاً في اليوم التالي، وقد حصل ذلك بالفعل إبان فترة الصباح كلها. أما البحارة الذين لم يكن لديهم منذ غادرنا السويس ما يفعلونه تقريباً، فقد بدؤوا بالتجديف الذي كان يترافق لشحذ الهمم بغناء رتيب وحزين، لم أحفظ منه إلا الكلمة الأولى، يا سيدي، لأنها كانت تردد كثيراً، وعلى الدوام بالتنغيم نفسه. يقوم البحارة، شأنهم شأن العرب كلهم، بكل أعمالهم على وقع الغناء، فهم، سواء كانوا ينشرون الأشرعة أم يطوونها، وسواء كانوا يلقون المرساة أم يرفعونها، يغنون معاً لزيادة السرعة والعمل بتوافق، وإن لكل مناورة نصها الغنائي الخاص، ولكن ذلك لم يكن ليمنع من تنفيذ المناورة بكثير من الاضطراب والبطء. لكن الهدوء لم يستمر على كل الأحوال طويلاً؛ إذ هَب بعد عدة ساعات هواء الشمال، الذي يهب لمدة تسعة أشهر في السنة على البحر الأحمر، والذي يسهم في سرعة الإبحار، مما جعلنا نصل عند الظهيرة إلى ينبع.

إن ينبع ميناء المدينة المنورة، تبعد عنها مسيرة خمسة أيام إلى الشرق، وميناؤها واسع، وآمن جداً، لأنه محمي بجزيرة العباسي، ويغشاه الناس كثيراً. إن السفن التي تذهب من السويس إلى جدة، ومن جدة إلى السويس، تلقى مراسيها كلها فيه، وهناك رحلات تكاد تكون يومية مع القصير، وهي مدينة بحرية صغيرة تقع في الأراضي المصرية، وتصل البحر الأحمر بالنيل عن طريق قنا.

ينبع مدينة ذات أهمية ضئيلة، سيئة العمارة، تكاد تكون مقفرة، ومحاطة بسور مهدم في كثير من المواضع، يوشك أن يسقط في كل أجزائه، ومحصن بأبراج هي في حالة تشبه حالة السور سوءاً. ويقسم خور الخليج المدينة إلى قسمين غير متساوين، ويشكل أصغر القسمين ما يشبه الربض (الضاحية) تسمى القعد ويسكنها البحارة. وأن سوق ينبع كثير السلع، ويباع فيها التمر ذو النوعية الجيدة؛ وإن تمور المدينة مشتهرة بأنها أفضل تمور العالم. والتمر هو الغذاء المفضل لدى البدو، وهم يطعمونه أحصنتهم أيضاً.

لقد قمت بجولة طويلة عبر شوارعها، ولكنني لم أستفد من ذلك شيئاً ذا بال. رأيت عدداً من البيوت الخربة التي لا يكلف الناس أنفسهم، كما هي العادة في البلاد الإسلامية، عناء إصلاحها أو إزالة أنقاضها التي تضفي على تلك المدن المهدمة هيئة كئيبة.

كان فوق بعض الأبواب نقوش محفورة في الحائط، ومخصصة لدفع شر العين الشريرة، وبينما كنت مشغولاً بالنظر إلى أحد تلك النقوش الخرافية محاولاً تفسيره، أطلت إحدى العجائز برأسها، وبدا أنها تظن أنني لم آت إلى هنا إلا بقصد إصابة منزلها بالعين؛ لذلك نظرت إليَّ نظرة ملؤها الحقد والخوف والرعب، حتى إنني كنت سأصُعق لو كانت النية تكفي لذلك.

كان حمالة القاهرة ينزعجون عندما كنت أتوقف أمام البيوت التي كانت أبوابها أو شرفاتها تلفت نظري، وقد جر عليَّ فضولي الكثير من لعناتهم، أما في ينبع فقد رأيت مشهداً معاكساً لذلك المشهد الصامت مع العجوز، كان هناك فريق من الأولاد، وكانوا عراة، وأكبرهم لا يتجاوز الرابعة من عمره، وكانوا يقيمون حفلة صاخبة لم يقطعها وجودي بينهم. كان أحد الأولاد يقرع بضربات مزدوجة على دربوكة أكبر منه، وكان الآخرون يرقصون وقد تحلقوا وسط الغبار.

إن الدربوكة المستخدمة في مثل هذه الحفلات هي عبارة عن صحيفة مجوفة، بيضوية الشكل أكثر منها دائرية، مصنوعة من الطين الخشن الذي مدوا فوقه رقعة من الجلد. وإن هذه الآلة البدائية هي المرافق الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ووجودها أساسي في كل الحفلات العربية، نسمع صوتها في كل مكان، لقد سبق لي أن سمعتها في أثناء اليوم على متن مركب محلي عائد من القصير، وقد خرج أقارب القادمين الجدد وأصدقاؤهم للاحتفال بعودتهم احتفالاً عامراً يستمر طوال النهار.

لقد ابتليت ينبع بأعداد هائلة من الذباب، يغزو كل شيء، أماكن البيع، والبيوت والمساجد، ويصل إلى المراكب التي ترسو في الميناء، ويكثر في السوق على وجه الخصوص، حتى إن السوق يكتسي باللون الأسود، يهجم على الطعام والشراب والأشخاص. ويكثر الذباب في البلاد التي تنتج التمر؛ لأن كل ما هو حلو المذاق يجذبه، ولكن أشجار النخيل بعيدة عن المدينة، ولا يمكن القول إنها سبب مثل هذا الغزو؛ وينبغي البحث عن سبب آخر، وإن سألت السكان الأصليين فإنهم يجيبونك جادين، وهم يعتقدون ذلك، أن ملك الذباب وملكته يسكنان في ينبع، وأن الذباب يأتي من كل أنحاء العالم ليؤدي لهما فروض الطاعة.

ليس في المدينة إلا بئر واحدة، ماؤها أجاج، والناس مجبرون للحصول على مياه الشرب على حفظ ماء المطر وسيول الشتاء في خزانات تم بناؤها لهذه الغاية، وعندما ينقصهم الماء، فإن عليهم الذهاب بعيداً جداً للبحث عنه في آبار عسيلية ما يجعل ثمنه مرتفعاً جداً. وليس في داخل المدينة إلا شجرة أو شجرتان من النخيل منفردتان أمام المسجد، وليس هناك أكثر من ذلك خارجها. وقد خرجت من باب المدينة المنورة للقيام بجولة في الريف فلم أر شجرة واحدة، ولم أكشف إلا الصحراء العقيمة التي تمتد قاحلة وعارية من البحر إلى الجبال. ولا نجد بعض المزروعات والمساحات الخضراء إلا على بعد ست أو سبع ساعات من المسير، وذلك في ينبع النخل؛ وهي تقع في واد كبير مزروع بنخيل التمر والقمح، ويملك فيها السكان الأغنياء حدائق ومنازل ريفية، يذهبون إليها على الحمير لأنه ليس فيها إلا عدد قليل من الخيول، ويقضون فيها شهراً في السنة إبان موسم التمر.

إن في ذلك الوادي الواقع أسفل الجبال عدداً من القرى يقارب اثنتي عشرة قرية، بيوتها مبنية من الحجارة، وهي إن صح التعبير، أحسن بناء من بيوت المدينة نفسها، ولكن ليس بدرجة كبيرة، ويسكن في إحدى تلك القرى كبير مشايخ قبيلة جهينة الكبيرة، والتي ينتمي إليها سكان ينبع. لقد ظلت قبيلة جهينة متمسكة بالبداوة، مع أنها كانت تسكن المدينة، لقد حافظت على زي جيرانها في الصحراء، مع أنها أصبحت مستقرة، ويتكون زي الصحراء من ثوب من الكتان، أو الحرير، حسب الحالة المادية لصاحبه، مشدود إلى الخصر بحزام من الجلد، وفوق الثوب عباءة بيضاء فضفاضة على الجسد قصيرة الأكمام. وأما الرأس فهو مغطى بكَفَّيَة؛ وهي منديل من القطن المصبوغ باللون الأحمر، أطرافه موشاة بالحرير الأصفر، وتسقط أطرافها المزدانة بالأهداب على الكتفين، ويمسكها على الرأس حبل من صوف الإبل يسمى عقال، وهو ملفوف عدة لفات حول الرأس. ويحمل الرجال أسلحة مخفية، وفي أيديهم عوضاً عن الخيزرانة هرواة تكفي ضربة واحدة منها لأن تصرع ثوراً.

إن سكان ينبع بدو في ملابسهم، وهم بدو في عاداتهم الخاصة أيضاً، باستثناء أنهم يعملون مختارين بالتجارة والملاحة، وهم يذهبون يومياً لهذا الغرض إلى القصير والسويس. إنهم مهربون بارعون، وبطريقة علنية غالباً، وهم في نزاع دائم مع رجال الجمارك الأتراك. لقد انتشر صيتهم في الحجاز كله بحسن الأخلاق، مما يميزهم من سكان المدن المقدسة، التي انحدرت فيها القيم الأخلاقية وخصوصاً في مكة المكرمة.

إنهم يحتقرون أي عمل يدوي، وأي وظيفة خدمية، ولا يرضى أحد منهم أن يكون خادماً، ولكنهم في مقابل ذلك اشتهروا بخشونة طباعهم، وأنهم يسلكون في بعض الأحيان سلوكاً فظاً. إن كل ما أستطيع قوله عبر تجربتي أنني وجدت حظهم من المدينة قليل، ولكنني لم أتعرض لأي إهانة منهم. وإذا حكمنا عليهم من خلال عاداتهم فيمكن القول إنهم كثيروا التطير، فقد كانوا عندما بلغ انتشار الطاعون ذروته في ينبع، يطوفون أحياء المدينة، وهم يقودون جملاً، لكي يحمَّلوه الوباء كله ويركزونه عليه، ثم يذبحونه في مكان مخصص، وهم يتخيلون أنهم بقتله إنما يقتلون في الوقت نفسه انتشار الوباء.

وبعد أن جبت المدينة في كل الاتجاهات، ولما كنت لا أود الإبحار ثانية إلا عند غروب الشمس فإنني بانتظار حلول موعد الإبحار استقر بي المطاف على باب أحد المقاهي الواقعة في أكثر شوارع المدينة سكاناً، وبالقرب من المسجد، وقد سنحت لي بذلك الفرصة لأرى أمام عيني، خلال عدة ساعات مرور كل السكان الذكور؛ ولم أر أية امرأة.

في البدء هاهم المؤمنين يذهبون إلى صلاة العصر في المسجد المجاور، ثم يأتي بعد ذلك الغواصون الذين طالما ألحوا عليَّ، وبأدب جم، لأزور أماكن غوصهم. وكان يمر أمامي أيضاً جيئة وذهاباً، وبأناقة، عدد من الباشي بوزوق الأرناؤط والأكراد الذين يشكلون حامية تحتفظ بها الدولة العثمانية هنا، والذين كانوا يصطنعون هيئة الشجاعة للتأثير فيَّ، وهم مسلحون بغدَّاراتهم الطويلة، متلفعون ببرانسهم البيضاء.

ثم جاء دور الحاكم ليمر بعدهم، وهو لم يأت إلا بدافع الفضول، ولكي يلتمس زيارتي، ولكنه لما كان مجرد أفندي، فإنه لم يكن له ما يؤهله لكي أمنَّ عليه بهذا التمييز، فإنه لم يكن عليَّ أن أخصه بأي مجاملة. وربما أدهش بعض الناس رؤيتي أتحدث غير مرة عن موضوع آداب العشرة، وأتخذ منه موقفاً متصلباً. ولكن ذلك ضروري في الشرق، حيث لكل شيء قواعده، وحيث تطبق الرسميات بصرامة شديدة.

إن ديوان الحاكم الذي لم أذهب ‘ليه، يقع في منزل ذي مظهر جميل، إنه أجمل بيت في المدينة، أقيم قرب البحر في مكان متميز، وبينما كنت أمر أمامه لأعود إلى الميناء، عرتني الدهشة، عندما رأيت على مقربة منه تحت سقيفة، ستة مدافع متروكة هناك منذ ما يقارب ثلاثين سنة، تركها محمد علي أو ابنه إبراهيم باشا بعد حرب الوهابين، وهي في حالة جيدة، ولم يكن وجودها نشازاً في أي رحبة مدفعية أوربية.

وفي اليوم التالي نشر السنبوك قلوعه عندما نادى المؤذن الذي كان من أعلى المنارة يدعو المؤمنين لأداء أولى الصلوات الخمس في اليوم، وتُسمَّى أذان الفجر. وعندما طلعت الشمس كنا قطعنا عدداً من الأميال)).




المصادر:

1- رحلات إلى شبه الجزيرة العربية، تأليف جون لويس بيركهارت، ترجمة هتاف عبد الله.

2- رحلة في بلاد العرب، تأليف موريس تاميزييه، ترجمة د. محمد بن عبد الله آل زلفة.

3- رحلة إلى الحجاز، تأليف شارل ديدييه، ترجمة د. محمد خير البقاعي.



.....

halabi2
08-01-09, 06:10 AM
http://www.bentvip.com/up/20080708184638.gif

الهلالي
08-01-09, 06:32 AM
بارك الله فيك فراوله
يعطيك الف عافيه على المجهود المتميز

أسرني الأمل
08-01-09, 03:20 PM
http://www.bentvip.com/up/20080708184638.gif
مشكوره يالغلا على مرورك الرائع

أسرني الأمل
08-01-09, 03:21 PM
مشكور يالفارس على مرورك الرائع