المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة أعلام الفلاسفه، أدباء، مفكرون، علماء ...


MARISOLE
07-11-08, 04:16 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهhttp://www.eltareekh.com/vb/images/smilies/smile.gif


كل مرة هنا إن شاء الله القي الضوء هنا على شخصية أدبية،علمية،فلسفية... عالمية تاريخية، اثرت في محيطها المحلي او العالمي.
وان شاء الله ينال الموضوع اعجابكم...واتمنى ان تشاركوني فيه (q81)
اختكم ورد:)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

MARISOLE
07-11-08, 04:19 AM
جون لوك



http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/d/d1/JohnLocke.png/465px-JohnLocke.png (http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/d/d1/JohnLocke.png)








جون لوك


جون لوك (1632 - 1704) (John Locke) هو فيلسوف تجريبي و مفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1632) في رنجتون (Wringiton) في إقليم (Somerset) وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A9_%D8%A3%D9%88%D9%83% D8%B3%D9%81%D9%88%D8%B1%D8%AF)، حيث انتخب طالبا مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1684) بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 اصبح طبيباً خاصاً لأسرة انتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD) (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1690) بعنوان "مقالتان عن الحكومة" (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1688) الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85%D8%B1&action=edit&redlink=1) (Filmer) وليس ضد هوبس (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%87%D9%88%D8%A8%D8%B3&action=edit&redlink=1) كما كان يفكر البعض. وهاجر لوك إلى هولندا (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7) عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1689)، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1704). كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية اذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته ، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.

MARISOLE
07-11-08, 04:21 AM
باروخ سبينوزا

http://www.island-of-freedom.com/HOBBES.GIF





سبينـــــــــــــــــــوزا

ولد سبينورزا في عام 1632 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1632)م في أمستردام (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%AF%D8%A7%D9%85)، هولندا (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7)، عن عائلة برتغالية من أصل يهود (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF)ي تنتمي إلى طائفة المارنيين. كان والده تاجرا ناجحا و لكنه متزمت للدين اليهودي، فكانت تربية باروخ أورثودوكسية، ولكن طبيعته الناقدة و المتعطّشة للمعلرفة وضعته في صراع مع المجتمع اليهودي. درس العبرية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%A9) و التلمود (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AF) في يشيبا (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A8%D8%A7&action=edit&redlink=1) (مدرسة يهودية) من 1639 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1639) حتى 1650 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1650)م. في آخر دراسته كتب تعليقا على التلمود (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AF). وفي صيف 1656 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1656) نُبذ سبينوزا من أهله و من الجالية اليهودية في أمستردام (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%AF%D8%A7%D9%85) بسبب إدّعائه أن الله يكمن في الطبيعة والكون، وأن النصوص الدينية هي عبارة عن استعارات ومجازات غايتها أن تعرّف بطبيعةاللهّ. بعد ذلك بوقت قصير حاول أحد المتعصبين للدين طعنه. من 1656 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1656) حتى 1660 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1660) اِشتغل كنظّارتي لكسب قوته. ثم من 1660 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1660) حتى 1663 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1663) اسّس حلقة فكر من أصدقاء له و كتب نصوصه الأولى. من 1663 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1663) حتى 1670 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1670) أقام في بوسبرج (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A8%D9%88%D8%B3%D8%A8%D8%B1%D8% AC&action=edit&redlink=1) و ثم بعد نشر كتابه رسالة في اللاهوت و السياسة (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9_%D9 %81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%88%D8% AA_%D9%88_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8% A9&action=edit&redlink=1) سنة 1670 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1670) ذهب ليستقرّ في لاهاي (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A) حيث اِشتغل كمستشار سرّي لجون دو ويت. في سنة 1676 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1676) تلقّى زيارة من الفيلسوف الألماني "لايبنيتز (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A8%D9%86%D9% 8A%D8%AA%D8%B2&action=edit&redlink=1)". توفّي سبينوزا 1677 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1677) في 21 أبريل.

فكرة


عرف فلاسفة العرب و اليهودي و مؤلفات ديكارت (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AA) و كتب "مقالة في إصلاح الإدراق (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9_%D9 %81%D9%8A_%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD_%D8%A7%D9 %84%D8%A5%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%82&action=edit&redlink=1)" (1662 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1662)). صدر له أثناء حياته "مبادىء فلسفة ديكارت (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%89%D8% A1_%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9_%D8%AF%D9%8A%D9% 83%D8%A7%D8%B1%D8%AA&action=edit&redlink=1)" 1664 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1664) و "كقالة في الللاهوت و السياسة (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%83%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9_%D9 %81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%87%D9% 88%D8%AA_%D9%88_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8% B3%D8%A9&action=edit&redlink=1)" 1670 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1670) . امتاز باستقامة اخلاقه و خطّ لنفسه نهجاٍ فلسفيّاٍ يعتبر أنّ الخير الأسمى يكون في "فرح المعرفة (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%81%D8%B1%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D9 %85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9&action=edit&redlink=1)" اي في "اتّحاد الروح بالطبيعة الكاملة (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D8%AA%D9%91%D8%AD%D8%A7%D8% AF_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD_%D8%A8%D8%A7%D9% 84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%8 3%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9&action=edit&redlink=1)". و اللّه في نظره جملة صفات لا حدّ لها نعرف منها الفكر و هممكانية.و يرى أنّ أهواء الإنسان الدينيةّ و السياسيّة هي سبب بقائه في حالة العبوديّة.
وظف فكرة "الحق الطبيعي (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82_%D8%A7%D9 %84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A&action=edit&redlink=1)" لقد ألف هذا الفيلسوف كتاباً مهماً بعنوان "رسالة في اللاهوت والسياسة"، شرح مضمونها بقوله: وفيها تتم البرهنة على أن حرية التفلسف لا تمثل خطراً على التقوى (الدين) أو على سلامة الدولة، بل إن في القضاء عليها قضاءً على سلامة الدولة وعلى التقوى ذاتها في آن واحد



فيلسوف التنوير قبل أن يظهر التنوير كحركة فكرية شاملة أو كتيار ضخم في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فقد عاش وكتب في النصف الثاني من القرن السابع عشر، أي قبل مائة عام من ظهور فولتير، وديدرو، وروسو، وكانط وسواهم.. وكان قد واجه رجال الدين قبلهم وفي ظروف أشد صعوبة وخطورة. بهذا المعنى فهو الرائد الأول في صحراء شاسعة من الفكر حيث لم يكن أحد حوله لكي يدلّه على الطريق، لكي يتفهّم همومه، أو يتواصل معه.


ينبغي العلم بأن الأب مالبرانش كان أحد تلامذة ديكارت، مثله في ذلك مثل سبينوزا. وكان موقفه من المعجزات الواردة في الإنجيل يشبه موقف سبينوزا ولكنه لا يخلص إلى نفس النتيجة. فهو لا يعتبر أن المعجزة مستحيلة الحصول على الرغم من تعارضها مع قوانين الفيزياء والطبيعة. وأما بالنسبة لسبينوزا فإن كل التصورات الخيالية الواردة في الكتابات المقدسة وكل القصص والحكايات الخارقة للعادة فإنها مستخدمة فقط كوعاء، أو كأداة ناقلة للوحي، ولا قيمة لها بحد ذاتها وإنما قيمتها في التعاليم الأخلاقية أو الروحية التي تحتويها أو ترمز عليها. وهكذا استبق سبينوزا أحدث النظريات المعاصرة فيما يخص تفسير الإنجيل. وهي النظرية المدعوة بنزع الأسطرة عن الإنجيل والتي قال بها عالم اللاهوت الألماني المتحرر رودولف بولتمان (1884-1976). وكان أستاذاً لتفسير العهد الجديد في جامعة ماربورغ بألمانيا.


وتتلخص نظريته الشهيرة فيما يلي: أن قصص المعجزات الواردة في الإنجيل كالمشي على الماء وبرء الأعمى وسوى ذلك ما هي إلا أساطير، أي حكايات ما قبل علمية. وكانت هي الوسيلة الوحيدة آنذاك لتصور العالم أو لتفسير ظواهره الطبيعية كما كانت الوسيلة الوحيدة لإقناع الناس الذين تسيطر عليهم العقلية الخيالية أو الأسطورية في ذلك الزمان. فالعلم الحديث لم يكن قد نشأ بعد والعقلية السائدة كانت بدائية. وبالتالي فالأسطورة كانت تشكل في العصور القديمة، أي قبل ظهور العلم الحديث، الوسيلة لفهم الوجود البشري أو للتعبير عنه. ولكننا لم نعد بحاجة إليها الآن في عصر العلم والعقل. وبالتالي فبامكاننا أن ننظف الإنجيل من هذه العقلية الأسطورية لكي نتوصل إلى نواته الأخلاقية الحقيقية المختبئة وراء تراكمات الأساطير.


يضاف إلى ذلك أن المعجزة ليست مجانية: فهي ترمز إلى شيء معين، أو إلى تهذيب أخلاقي أو قيمة روحية. ونحن لسنا مضطرين للاقتناع بها ولخرقها لنظام الطبيعة وقوانين الكون لكي نكون مؤمنين. فمن الواضح أننا نعيش الآن في عصر العلم والقوانين الفيزيائية والكيميائية ولم نعد قادرين على تصديق الحكايات التي تقول بأن المسيح كان يبعث الموتى من قبورهم أو يشفي الأعمى بمجرد أن يمرّر يده أمام عينيه أو يمشي على الماء... لسنا مجبرين على تصديق كل ذلك الآن لكي نكون مؤمنين حقيقيين كما كانت تفعل الأجيال السابقة. وإنما يكفي أن نفهم المغزى الكائن وراء المعجزة أو القيمة التي ترمز إليها. وهي قيمة إنسانية تتعاطف مع الأعمى أو المريض أو الفقير المنبوذ أو المرأة المخطئة الخ.. وهذا هو معنى نزع الأسطورة عن الإنجيل: إنه يعني تقديم قراءة عقلانية له، قراءة تليق بعصرنا أو بوعي معاصرينا الذي أصبح مغموساً بالعقلية العلمية وبخاصة في أوروبا. كل هذا استبق عليه سبينوزا بمائتي سنة على الأقل.. وهنا تكمن عظمته أو عبقريته المدهشة بالنسبة لنا.


يحصل كل ذلك كما لو أنه رأى بأم عينيه ما سوف يستجدّ في القرون المقبلة. ففي رأيه إن الكتابات المقدسة لا تقدم لنا معرفة عقلانية عن الأمور والظواهر، وإنما لها قيمة عملية فقط. وبالتالي فلا ينبغي أن نطالبها بما لا تستطيع تقديمه. إنها تقدم لنا فقط التعاليم الأخلاقية التي تهدينا في سلوكنا الحياتي وتؤدي إلى نجاة روحنا في الدار الآخرة. وإذا ما اعترفنا بأن الكتابات المقدسة تحتوي على كلام الله، فإنه ينبغي أن نلخص هذا الكلام بالشرع الإلهي. وهذا الشرع يأمر بشيء أساسي: محبة الله والآخرين. هكذا يلخص سبينوزا الدين كله بعبارة واحدة. ولا يعتبر ذلك اختزالاً عقلانياً للدين. فالنصوص المقدسة نفسها تقول بأن الشرع الإلهي مطبوع في قلب الإنسان. هذا ما نجده في العهد القديم، وهذا ما أكَّد عليه المسيح في العهد الجديد عندما دعا إلى محبة الجار أو الآخر ومعاملته كما نحب أن نُعامَل نحن. هكذا نجد أن الدين، بالنسبة إلى سبينوزا، هو التعامل الأخلاقي مع الآخرين لا أكثر ولا أقل. ولكن لا علاقة للدين بالفكر النظري أو بالتفسير العقلاني لظواهر الطبيعة والكون. فهذه الأشياء من اختصاص العلم الفيزيائي لا الدين. إنها من اختصاص الفلسفة والعقل.


على هذا النحو تمكن سبينوزا من فصل الفلسفة عن اللاهوت وتحديد مجال خاص لكل منهما لا يتعداه داعيا إلى عدم الخلط بينهما كما يفعل التوفيقيون أو التلفيقيون. فللدين مجاله، وللعقل مجاله. وهكذا حرَّر الفلسفة من هيمنة علم اللاهوت المسيحي الذي كان يقمعها طيلة العصور السابقة ويعتبرها خادمة له. ففي رأي سبينوزا، وهو رأي حديث جداً، فإن الفكر الفلسفي يمارس عمله في مجال خارجي كلياً على مجال الإيمان. وإذا ما أخضعنا الفلسفة للإيمان أو للدين فإنها تختنق فوراً، أو تذبل وتموت. والدليل على ذلك ما حصل في عالم الإسلام أو في عالم المسيحية الأوروبية القروسطية قبل أن ينتصر التنوير لاحقا.


هذا لايعني أن سبينوزا كان ملحداً أو كافراً كما تقول الصورة العنيدة الشائعة عنه. فالواقع أنه كان مؤمناً، ولكن بالمعنى الواسع للكلمة: أي بالمعنى الذي يتجاوز نطاق دين محدد بعينه. فهو يتحدث عن الدين الحقيقي بالنسبة للجنس البشري كله، وليس فقط بالنسبة لليهود أو للمسيحيين. وهذا الدين الكوني الذي ينطبق على جميع البشر يتمثل في العقائد التالية: الله موجود، عنايته تشمل كل شيء، إنه قادر على كل شيء، وأمره يقضي بسعادة الإنسان الطيب، وتعاسة الإنسان الشرير، أي بمكافأة المحسن ومعاقبة المذنب. ثم إن نجاتنا في الدار الآخرة تتوقف على نعمته وفضله ومدى فعلنا للخير. يضاف إلى ذلك المبدأ الأساسي التالي: ينبغي أن نحب الله والآخرين وأن نتعامل معهم بشكل مستقيم ونزيه كما نحب أن نُعامَل نحن... هذا هو دين سبينوزا ملخَّصاً في كلمات معدودات. في الواقع، إن هذا التصور يشبه عقيدة الدين الطبيعي التي بلورها فلاسفة الإنجليز ثم أخذها فولتير عنهم في القرن الثامن عشر. وكان الهدف من بلورة هذا التدين الطبيعي (أو العقلاني) هو مكافحة التدين الأصولي أو التعصب الطائفي الذي كان يضرب بأطنابه في كل أنحاء أوروبا آنذاك. فإيمان اللاهوتيين أو رجال الدين كان هو إيمان التعصب وبثّ الفرقة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، أو حتى داخل المسيحيين أنفسهم من كاثوليكيين أو بروتستانتيين...


تبقى نقطة أساسية ينبغي أن نضيفها هنا لكي تكتمل الصورة. في الواقع إن العقيدة المعروضة هنا تخلَّى عنها سبينوزا في كتابه اللاحق "الأخلاق". فتصور الله على أساس أنه قاض أو سيد مهيمن هو تصور خيالي مرفوض تماماً في الكتاب المذكور لأنه يعني تشبيه الله بالإنسان أو بالصفات الإنسانية. نقول ذلك ونحن نعلم أن سبينوزا راح يبلور تصوراً آخر مختلفاً عن الله في كتابه الفلسفي الأساسي. إنه تصور يطابق بين الله وكلية ما هو موجود، أي كلية الطبيعة وقوانين الطبيعة. ولكنه تبنى التصور العقائدي السابق لكي يصل إلى عقول الملايين من البشر المؤمنين بوجود اله شخصي والذين لا يفهمون الله إلا بهذه الطريقة. فالعامة لا تفهم إلا عن طريق التشبيه والتشخيص. في الواقع إن الإيمان بالمعنى التقليدي للكلمة ضروري فقط للعامة، وأما النخبة المثقفة أو الفلسفية فلها طريق آخر يرضيها ويكفيها هو: طريق الغبطة الفلسفية. بمعنى آخر فإن الدين يكفي للعامة، والفلسفة خصصت للنخبة، ولا ينبغي الخلط بينهما. فالنخبة المفكرة يكفيها العقل كهادٍ ودليل، وليست بحاجة إلى كتب مقدسة أو وحي خارق للعادة أو معجزات... إنها قادرة عن طريق العقل على التوصل إلى الحقيقة من جهة وإلى اتباع الفضيلة والاستقامة في سلوكها اليومي من جهة أخرى.


على مدار كتابه "مقالة في اللاهوت السياسي" نلاحظ أن سبينوزا يفترض الشيء الأساسي التالي: ولكن هل كان هو شخصياً يعتقد بأن الله تجلّى للأنبياء؟ هل كان يعتقد بإمكانية حصول الوحي الخارق للعادة؟ إنه على الأقل يعترف بأنه لا يعرف كيف حصل الوحي بالفعل. ففي رأيه إنه عبارة عن ظاهرة خارقة للطبيعة، ظاهرة حصلت في خيال بعض البشر ممن ندعوهم بالأنبياء. وهم أناس يتحلّون بتقى وورع وأخلاقية عالية. ولكن على الرغم من ذلك فإن الوحي لا يرتقي في نظره إلى مستوى المعرفة الفلسفية العقلانية. يضاف إلى ذلك أنه ليس مفيداً إلا بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون فهم هذه المعرفة أو الارتفاع إلى مستواها: أي ليس ضروريا إلا لعامة البشر. هكذا نجد أن سبينوزا قلب الأمور عاليها سافلها. فلأول مرة في تاريخ الفكر يظهر شخص لكي يقول لنا بأن الفلسفة تعلو على الوحي! وكنا قد تعلمنا على مدار العصور السابقة بأن الوحي هو الذي يعلو على كل شيء. ولكن يقال بأن الفارابي سبقه إلى ذلك. مهما يكن من أمر ولكي يرضي سبينوزا أصدقاءه المسيحيين الليبراليين الذين كانوا يحمونه من المتطرفين ويساعدونه ماديا فإنه راح يعترف بوجود شكل من أشكال الوحي يعلو على الوحي المعروف. كيف ذلك؟ وما معنى هذا الوحي الأعلى أو ذو المرتبة العليا؟ يعتقد سبينوزا بأن موسى وعيسى يرتفعان فوق جميع أنبياء التوراة. وبالتالي فالوحي الذي خصا به كان أهم. صحيح أن الأنبياء كلهم كانوا رؤويين: بمعنى أنهم كانوا يرون ما لا يُرى وقادرين ببصيرتهم على كشف أعماق الغيب. وهذه خاصية لا يتمتع بها الناس العاديون. فخيال الأنبياء وحدهم قادر على التواصل مع الاستلهام الإلهي.


ولكن موسى عرف تواصلاً أعلى أو وحياً أعلى عندما تجلّى الله له وجهاً لوجه. إنه كليم الله كما جاء في القرآن. وكان ذلك فضلاً استثنائياً خصَّه الله به دون غيره. بل وأُتيح لموسى أن يتحدث مع الله قليلاً... وهذا ما لم يحصل لبشري قط. أما عيسى فكان حظه أعظم! فالله ذاته تحدث من خلاله أو بفمه. لقد انصهر الله فيه أو تجسد في شخصه. لقد شهد الله حقيقة عن طريق وحي مباشر وكان على تواصل عقلي وذهني معه. وبهذا المعنى، يقول سبينوزا، فإن حكمة الله التي تتفوق على كل حكمة بشرية راحت تتجسد في المسيح على هيئة طبيعة بشرية.


ولكن سبينوزا يقول في مكان آخر بأنه يستحيل أن يتجسد الله في طبيعة بشرية. فكيف يمكن أن نحل هذا التناقض؟ في الواقع لا يمكن فهمه إلا إذا موضعنا سبينوزا في عصره. فالرجل كانت أفكاره خطرة جداً وسابقة لعصرها بكثير. وبالتالي فقد كان مضطراً لتقديم بعض التنازلات للجو المحيط، أي للمسيحيين، دون أن يعني ذلك

MARISOLE
07-11-08, 04:25 AM
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/b/b7/Jean-Jacques_Rousseau_%28painted_portrait%29.jpg/250px-Jean-Jacques_Rousseau_%28painted_portrait%29.jpg (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9:Jean-Jacques_Rousseau_%28painted_portrait%29.jpg)


جان جاك روسو






جان جاك روسو (28 يونيو (http://ar.wikipedia.org/wiki/28_%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88)1712 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1712)-2 يوليو (http://ar.wikipedia.org/wiki/2_%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%88)1778 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1778)) فيلسوف و كاتب و محلل سياسي سويسري (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%B3%D8%B1%D8%A7) ، ولد في جنيف (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%81) وقضى فيها طفولته وشبابه المبكر وذهب إلى باريس (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3) وهو في الثلاثين من عمره وبعد عدة رحلات استقر فيها وكتب فيها أهم مؤلفاته "العقد الاجتماعي" الذي يوصف بأنه "إنجيل الثورة" وقد بدأه بالاحتجاج الصارخ على طغيان عصره : ولد الإنسان خيَّرا بطبعه ولكن المجتمع هو الذي يفسده. وتقوم نظرية روسو على وجود تعاقد بين الانسان والمجتمع الذي يعيش فيه ، وبمقتضى هذا العقد الاجتماعي يتنازل الإنسان عن جزء من حريته وحقوقه الطبيعية لهذا المجتمع مقابل تعهد المجتمع بصيانة هذه الحقوق وحماية الأفراد ، وكان روسو في كتاباته يدعو إلى الديمقراطية والحرية والمساواة ، ويرجع تأثير روسو المتعاظم في الناس إلى المشاعر القوية التي كان يشحن بها كتاباته وكان من أشد المتأثرين بهذه الكتابات روبسبير (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B3%D8%A8%D9%8A%D8%B1) الذي لعب دورا عظيما في أحداث الثورة . جــــان جــاك روســــــــو 1712 - 1778 م
نشأته :
ولد جان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) من عائلة فرنسية الأصل في مدينة جنيف في سويسرا عام 1712. تميزت حياة روسو ومنذ ولادته بالشقاء والتشرد والتعاسة، فبعد ولادته بأسبوع توفيت والدته لتتركه يتلقى العناية من الآخرين. وفي وصف شخصيته التعسة نراه يتذكر في كتاب "الاعترافات": "لقد ولدت ضعيفاً ومريضاً، وقد دفعت والدتي حياتها ثمن ولادتي، هذه الولادة التي كانت أول مصائبي".
لم يبلغ السادسة من عمره الا وكان أبوه يحمله على قراءة القصص الروائية والكتب الفلسفية ، بقى له والده كثير الخيال سريع التأثر يحب نفسه يميل للعاطفة أكثر من ميله للعقل.. نمّى الوالد في طفله حبّ الوطن لأنه وإن رأى أماكن كثيرة لكنه لم يرَ أجمل من وطنه.







حياته :



دروس في حياة " روسّو ":‏
تلقى روسو درساً عملياً على يد "كاهن" كان يرعاه... طلب روسو بعض المال من الكاهن، وكان قد رأى أن الناس يعطونه الصدقات حتّى يجمعها فقال الكاهن الذي أراد من هذه الحادثة درساً: " ... أنا مسؤول عنك ويجب أن لا أمسَّ نقوداً وُضعت أمانة في يدي ...". ثم منحه من ماله الخاص. وبدأ نقاش بعد الدرس بين الكاهن والفتى حول سير العظماء ممّا أثر في حياة الشاب.‏


تأثر روسو في كتابه هذا بما كان يحدث في إنجلترا وماكان يحدث في الماضي البعيد في عصر أفلاطون وسقراط وأرسطو..وأصبح كتاب "العقد الاجتماعي "إنجيل الثورة الفرنسية بعد وفاة روسو 1778 ففي سنة 1788م كان قادة الثورة يقرؤون العقد الاجتماعي في الشوارع ويهتفون له، وعنه قال نابليون: " لو لم يكن روسو ما حدثت الثورة الفرنسية " فروسو بذر بذور الثورة فيما كتب وشاركه في ذلك عّدوه اللدود " فولتير "، إذ لم يجرؤ على النقد الحر أحدٌ قبل الثورة الفرنسية إلاّ فولتير وروسو اللذين كانا من عشاق الحرية والصراحة في الرأي والقول، فكتب روسو يدافع عن الفقراء وينتصر للعامة تقوده العاطفة والوجدان الحي وقلبه الحساس وكتب فولتير يقوده عقله وذكاؤه النادر ،واطلاّعه الواسع، يعلي من شأن العقل والمواهب العقلية، مُطالباً بنقل السيطرة من رجال الكنيسة إلىرجال العقل والتفكير ..‏
كان فولتير لا يعطف علىالفقراء في حين كان روسو يتألم لهم ويدافع عن حقوقهم ..‏
وقد قيل: إن السر في عظمة فولتير إنه كان ينادي بما كان يفكر فيه الشعب .‏
والسر في عظمة روسو انه كان ينادي بمايشعر به الشعب ..‏
حين كان " فولتير" و" روسو " كان الصوت الحر والرأي الصريح .قال أحد قادة الجيش للملك " لويس السادس عشر ": " في أيام لويس الرابع عشر لم يجرؤ أحد أن يتكلم....وفي عصر لويس الخامس عشر كان الناس يتهامسون وفي عصر جلالتكم قد رفعواأصواتهم..."‏
صار روسو أحد عمالقة الفكر المؤثرين بكتابيه " العقد الاجتماعي " و" إميل ".‏
ولكن الناس لا ينسون كتابه الهام " الاعترافات " الذي لم يكن لكتابٍ من التأثير في الأدب الفرنسي على مدى قرن من الزمان مثلما كان لهذا الكتاب،فقد كان " الأمَّ" لكتب الاعترافات التي كتبها الرومانسيون الأول ،كما قد فتح هذا الكتاب في فن القصة القصيرة مقاصير الحياة الداخلية كمايقول" رومان رولان"


نهايته : وعندما صدر كتابه " العقد الاجتماعي " عام 1762وبعده كتاب " إميل " منعت حكومتا فرنسا وجنيف تداول هذين الكتابين وطورد روسّو،لينتقل بين عدة أماكن ويسافر إلىانجلترا عام 1766 حيث غدا هناك " مواطن شرف "وعاد ليموت بعيداً عن باريس في منطقة ريفية جميلة وبعد انتصار الثورة الفرنسية حمله الثوار المنتصرون إلى مدافن العظماء في باريس بعد ستة عشر عاماً، قضاهامدفوناً في أحضان الطبيعة ،واحتفل بنقل رفاته احتفالاً عظيماً لأنهم كانوا يعتبرون كتابه ( العقد الاجتماعي إنجيل الحرية )....كمااعتبر كتابه " إميل " إنجيل التربية ..‏
من أشهر أقواله :
المفكرون حينما يختلفون يكون اختلافهم فلسفة وحينما يتفقون يكون اتفاقهم علماً.
" خُلق الإنسان حُراً..."‏







كان لـ اعترافات جان جاك روسو،[1] (http://www.koolpages.com/almalaika/roso.html#_edn1) التي كُتبت بين 1765-1770 ونُشرت بين 1781-1788 تأثير تاريخي مهم لأنها قدمت طرقاً جديدة لفهم النفس وعلاقتها بالآخرين الذين تعيش في وسطهم. شجاعة الكاتب وتصميمه على إعادة تقييم ما يعتبر القيِّم والتافه، الصواب والخطأ، في حياته يؤثر حتى على من يقرأ الكتاب بعد اكثر من مأتي عام بعد صدوره.
الحقائق المعروفة عن حياة روسو محدودة، ربما بسبب الاعترافات التي أعلن فيها انه سيقول الحقيقة كاملة وان اهتم اكثر في واقع الأمر بشرح مبادئه والدفاع عن نفسه. ترك روسو منزله في سن الخامس عشرة وذهب للحياة مع السيدة دوارنز التي حمته وصارت فيما بعد المرأة التي ارتبط بعلاقة معها. عمل في عدة مجالات من سكرتير الى مسئول حكومي في باريس حيث استقر سنة 1745. وقد عاش هناك مع ثريسال قاسور التي ادعت فيما بعد أنها أنجبت له خمسة أطفال ذهبوا جميعا الى منزل الأيتام لرفضه رعايتهم. ان كانت لم تقدم اي أدلة لاثبات هذه الادعاءات، فهو لم يسع لنفيها. أحياناً كثيرة، اضطر روسو للهرب من فرنسا الى سويسرا بسبب بعض ما كتبه، كما ذهب الى لندن سنة 1766 ونزل في ضيافة الفيلسوف ديفد هيوم. وقد سُمح له بالعودة الى باريس سنة 1770، وكان السماح مشروطا بالتوقف عن أنتقاد نظام الدولة في كتاباته.
أثارت أفكار روسو التي شرحها في رواية جوليا وفي مذكراته ومقالاته السياسية التي كان أهمها العقد الاجتماعي ضجة كبيرة أثناء حياته. فقد آمن روسو بان المؤسسات الحكومية تُدمر حياة الإنسان، وبان الجنس البشري سينحط مع مرور الزمن اذا لم يرجع الناس الى الطبيعة ويطبقون أسسها على نظم الحياة الاجتماعية. وهو كذلك يؤمن بان فضائل الإنسان العادي تميزه على الطبقات العليا التي أفسدها الثراء البالغ والترف المدقع.
مذكراته إذاً تختلف عما كتب من قبل في هذا المجال: فبعكس القديس أوجستن الذي يسعى جاهداً للسمو بروحه فوق سطوة للذات العابرة، وينتقد نفسه بمرارة لبحثه المحموم عنها في شبابه، يقضي روسو الكثير من الوقت في وصف وتحليل اللذات التي يجدها في حياته، وكأن الإقرار بها بصراحة إنجازاً أخلاقياً كبيراً. تصوير نفسه بهذه الطريقة، كلذة وعاطفة، يدل على تعلق الكاتب بنفسه لدرجة النرجسية، اي التركيز على النفس لدرجة عزلها عن الآخرين والواقع الذي تعيش فيه. وهو كذلك يصف نفسه ككائن يتميز بمشاعر سامية عظيمة، وأفكار مشوشة فوضوية، مما يجعله يعتبر العواطف لا العقل أساساً لسلوكه. وهذه النظريات تخلق الشخصية الأساسية في الاعترافات، التي نراها كثيرا وهي تسعى للتعبير عن مشاعر طبيعية يرفضها المجتمع. رسم نفسه بهذه الطريقة، كلذة وعاطفة، بدون اي تحليل لما تعلمه من تجاربه، يدل فعلا على تعلق الكاتب بنفسه.



اعترافات


من الكتاب الأول: (الأعوام 1712-1719)
سأبدأ بمشروع ما قام به أحد من قبل، ولن يقدر غيري فيما بعد على تكراره. ارغب برسم صورتي بكل صدق الطبيعة للقارئ. انا فقط اعرف مشاعري وأسرار قلبي، وأدرك كم اختلف عن كل من أراه حولي من الناس. أغامر بالقول انه ليس هناك مثيل لي على قيد الحياة، وهذا لا يعني انني افضل بالضرورة، بل انني من نوع آخر فحسب. سيكتشف القارئ بعد قراءة هذه الصفحات هل أخطأت الطبيعة في خلقي، ام صنعت الأفضل.
حين يدق ناقوس الساعة، سأقف أمام خالقي المعظم وهذا الكتاب في يدي، قائلا بشجاعة: "هذا ما فكرت به وفعلته . لم انس ذكر الطالح من أفعالي، ولم أضف من الخير ما لم يكن موجودا بالفعل. أؤكد الان ان الإضافات النادرة الموجودة إنما كانت لتعويض تفاصيل لم أجدها في ذاكرتي، وبانني ما ذكرت ابدا ما عرفت بعدم صدقه. عرضت نفسي كما كنت: حقيراً استحق الاحتقار او عظيماً سامياً في فكري، حسب ما كنت عليه في تلك المرحلة. كشفت نفسي كما رأتها عيناك يا خالقي العظيم. اجمع حولي الان كل اخوتي، ودعهم يسمعون اعترافي ويندبون لفشلي ومساوئي. ثم دع أي واحد منهم يكشف بذات الصدق أسرار قلبه ثم يقول لو كان يجرؤ: "كنت افضل من هذا الرجل."
شعرت قبل ان أفكر، وهذا هو نصيب الإنسان الذي عانيته اكثر من غيري. لا اعرف ما فعلته حتى بلغت سن السادسة، ولا أتذكر كيف او متى تعلمت القراءة. ولكني أتذكر أول قراءاتي وتأثيرها علي. تركت أمي بعد وفاتها بعض القصص الرومانسية، وكنا أنا وأبى نقرا منها كل يوم بعد العشاء. في البداية، كان الهدف هو مساعدتي على تعلم القراءة بمساعدة كتب مسلية، ولكننا بعد ذلك أعجبنا بالقصص وصرنا نقضي جل الليل في هذا العمل. أحيانا، كان والدي يخجل حين يسمع صوت تغريد الطيور في الفجر الباكر ويقول: "لنذهب للنوم، فأنا اكثر طفولة منك."
بهذه الطريقة الخطرة تعلمت ما هو اكثر من القراءة وفهم ما اطلع عليه، لأنني كذلك عرفت اكثر من غيري من الأطفال طبيعة الرغبات والعواطف البشرية. لم افهم بالطبع طبيعة العلاقات بين الجنسين، ولكنني أحسست بالمعاناة التي تتضمنها. هذه العواطف الغامضة التي أحسست بها واحدة تلو الأخرى لم تسيطر على قدراتي الفكرية فحسب، ولكنها ساهمت في صياغة نمط معين من التفكير الذي عانيت منه، بحيث رأيت العالم بصورة رومانسية حالمة، ولم تفلح التجربة حتى هذه اللحظة في معالجة هذا الطبع.
ما كان لي ان اعرف الشر، حين لم أر أمامي سوى أمثلة الخير وافضل الناس. لم بستمع أبى او عمتي او الأقارب والأصحاب لما قلت، ولكنهم وهبوني الحنان والرعاية وأحببتهم لهذا السبب. ما طلبت سوى القليل، وهذا تحقق دائما. اقسم انني لم اعرف معنى كلمة "نزوة" حتى بدأت بالدراسة مع معلم. باستثناء الأوقات التي قضيتها في القراءة والكتابة مع والدي، او حين ذهبت المربية بي للتجول، بقيت مع عمتي، جالسا بجوارها، متطلعا لها وهي تحيك الثياب، مستمعا لغنائها، وكنت قانعا بهذا. مرحها ولطفها وجمالها الرقيق يبقيان في ذاكرتي لدرجة انني أستطيع تذكر نظرتها وسلوكها والحنان الذي أبدته نحوي. أستطيع تذكر ثيابها وطريقتها في التمشي وحتى كيفية ترتيبها لشعرها بدون ان أنسى الخصلتين من الشعر الأسود اللتين تركتهما فوق جبينها، وهو الأسلوب السائد خلال تلك الأيام.
لانها كانت تعرف عددا كبيرا من الأغاني التي غنتها بصوتها الرقيق العذب تعلمت منها حب الموسيقى التي درستها وكتبت عنها في مرحلة مقبلة من حياتي. اما مرحها، فقد طرد كل الأحزان من عالمها وحياة من حولها من الناس. عذوبة صوتها تبقى في ذاكرتي، وحتى هذه اللحظة افرح حين استرجع بعض تلك الأنغام والكلمات. هاأنا الآن، وقد كبر بي العمر وأحاطت بي الهموم، ومع ذلك لا أزال ابكي حين أهمهم بأحد تلك الأنغام بصوت مكسور مرتعش.
قضيت جل حياتي وأنا أتوق لحب متبادل، بدون أن انبس بأي حرف يدل على عواطفي لمن عشقتهم. مع أنني عانيت الأمرين من الخجل الشديد الذي منعني من البوح بمشاعري، فقد كنت دائما أضع نفسي والحبيب في مواقف تدل على مشاعري. كنت أجد لذة في الجلوس بجوار قدمي حبيبتي المتعجرفة، مطيعا لأوامرها، طالبا منها الغفران، وكلما ازداد خيالي التهابا اشتد تمسكي بالعفة. من الواضح ان هذا الأسلوب في ممارسة الحب لا يؤدي الى نتائج ملموسة ولن يشكل أي خطورة تذكر على براءة المحبوب. لهذا السبب لم امتلك من عشقت في الواقع، وان كان لي كل لذات الجسد في الخيال. وهكذا حافظ الخجل على صفاء روحي وعفة جسدي لذات السبب الذي كان، بشيء من الجرأة، سيلقيني في خضم الحسية الحيوانية.
أنا اذا رجل مزدوج الشخصية: في لحظة أكون عاطفيا مجنونا متهورا لا اعرف الحذر والخوف او حتى الحشمة، لا يمنعني من الوقاحة والعنف سوى خوفي على من احب. ولكنني في لحظة أخرى أصير كسولا أعاني من الخجل الشديد الذي يمنعني حتى من الحركة: مجرد كلمة لابد من قولها، او حركة لابد من فعلها، تقض مضجعي. الخوف والخجل يسيطران علي لدرجة أنني أتمنى الهروب من نظرات البشرية جمعاء، وهذا لدرجة أنني لو اضطررت للفعل، فلن اعرف التصرف القويم من شدة الاضطراب. ساعة العاطفة، تأتى لي الكلمات الصحيحة، ولكنني في الحوار العادي لا أجدها، واعاني الأمرين لمجرد ان تبادل الكلمات ضرورة حياتية.
بالإضافة لهذا، لا ارغب بما يمكن للنقود شراءه. لا أريد سوى اللذة التي لا يسممها المال ويشوهها. مثلا، احب الطعام والشراب، ولكنني لا أطيق قيود المجتمع الراقي او فوضى الحانات مما يحتم علي الشرب وتناول الطعام برفقة صديق. وحيدا، يسرح خيالي بعيدا ولا اشعر بلذات الفم. ذات الصفة تميز علاقاتي بالنسوة: فلو رغب دمي بهن، يظل قلبي يبحث عن الحنان. النسوة اللواتي يعرضن أجسادهن للبيع لا يمتلكن السحر الذي يخلبني. وهذا هو الحال مع كل ما أراه حولي من لذات: لو كان للذة سعر، لكانت لذة فاترة بالنسبة لي. أريد اللذة التي تكون فقط للإنسان الذي يعرف كيف يستمتع بها، لا لكل من امتلك القدرة على شرائها.
اعشق الحرية وابغض القيود والصعاب والاعتماد على الغير. طالما تبقى النقود في محفظتي، ستضمن لي الاستقلال وتخلصني من الحاجة للبحث عن وسائل لتعويض ما فقدت وهي ضرورة ابغضها. وهكذا يجعلني الخوف من الفاقة بخيلا. يمكن ان يكون المال وسيلة للتحرر، ولكن في حالة استسلام المرء للجشع والسعي وراء المزيد، يصير وسيلة للاستعباد. ولذلك أتمسك بما لدي و لا اطلب المزيد.
سبب لا مبالاتي هو ان لذة الملكية لا تستحق معاناة السعي لها. اما تبذيري فيسببه نوع من الكسل: حين تأتى الفرصة المؤتية للتلذذ بالصرف، استخدمها. النقود لا تغريني مثل الأغراض، بسبب وجود وسيط بين الرغبة والمرغوب، واختفائه في لحظة الاستهلاك. حين ارى ما أريد، ارغب باقتنائه، أما لو شاهدت الوسيلة للوصول له فقط، فلا يكون للإغراء القوة نفسها. لهذا السبب مارست السرقة، وحتى الان، اسرق الصغائر لان هذا افضل من السؤال والسعي، ولكني لا اذكر أبداً أنني سرقت أي شيء من المال.


من الكتاب الثاني (سنوات 1728-1731)
...تعلمت درسا أخلاقياً هاما، قد يكون الوحيد الذي يملك أي قيمة عملية، وهو ان أتجنب تلك المواقف الني تجبرني على الاختيار بين مسئوليتي ورغبتي، بحيث يكون مكسبي على حساب خسارة الآخرين وإلحاق الأضرار بهم. بغض النظر عن مدى التزام الفرد الذي يصل لهذا الموقع بالفضيلة مبدئيا، ستراه يضعف شيئا فشيئاً بدون ان يشعر بهذا الضعف، ويصير ظالما شريرا بفعله، بدون ان يكف عن تصور انه ما زال عادلا في قلبه.
اعتمادي على هذا المبدأ جعل الكثير من المعارف يتهمونني بالغباء، بعدم القدرة على اتخاذ القرار، وحتى بضعف الشخصية. في الواقع، لم ارغب أبداً بلعب أدوار تشبه أدوار الآخرين او تختلف عنهم، بل رغبت بإخلاص بفعل الصواب. لذلك تجنبت دائما الموقع الذي سيتيح لي حرية الاختيار بين مصلحتي ومصالح الآخرين لانه قد يخلق في قلبي الرغبة السرية لإلحاق الضرر بهم.
...أحببت بصدق واخلاص تام حرمني من السعادة. لم تكن العواطف ابدا اكثر حيوية وصفاء مما كانت عليه في حالتي. فقد كنت مستعدا للتضحية بسعادتي الف مرة من اجل إسعاد الإنسان الذي أحببته للحظة واحدة. كانت سمعتها اكثر أهمية من حياتي، وما كنت مستعدا لإزعاجها للحظة واحدة من اجل لذتي. هذا الإحساس جعلني أعيش الحب في وسط من الحذر والسرية مما حرمني من الوصول لأي نتيجة. عدم نجاحي مع النساء سببه اذا تعلقي الشديد بهن.


من الكتاب الثالث (1731-1732)
شعرت بمدى تعلقي بالسيدة دوانز حين غابت عني. قنعتُ ساعة تواجدنا سويا، أما حين غيابها، فتململتُ وعانت روحي من عدم الاستقرار. حاجتي للبقاء معها عصفت بروحي وملأت عينيي بالدموع أحياناً. لا أستطيع ان أنسى ذلك اليوم حين فرح الجميع بالأعياد، ولكنني، بسبب رحيلها لمدينة أخرى، تركت الأفراح وقريتي وتجولت في الريف وقلبي مفعم بالرغبة في ان اقضي عمري معها. أدركت استحالة ما ارغب به، وعرفت ان ما أسعدني الآن ساعة البقاء معها لن يبقى. هذه المعرفة أحزنتني، ولكنه كان حزنا بلا ألم، شتتته الآمال اكثر من مرة. أصوات الأجراس وتغريد الطيور، جمال النهار وسحر الطبيعة، ومساكن الفلاحين المتناثرة في كل مكان، والتي حلمت بان يكون مسكننا واحدا منها، كل هذه العوامل سمت بروحي لنشوة لا يمكن وصفها. لا أتذكر أبداً أنني وجدت مثل هذه السعادة في الحلم بالمستقبل، وحين تحقق الحلم لم يختلف كثيرا عما رايته في خيالي مما جعلني اعتبره رؤيا منت علي بها السماء. الخطأ الوحيد كان في رؤيتي للمدة: لأنني تصورت أننا سنقضي الأيام والشهور في هدوء دائم، بينما لم يبق الواقع الا لحظات. خسارة! سعادتي الدائمة كانت فقط في حلم تحقق في لحظة ومضى سريعا تاركا الذكرى ومعرفة ما كان.
لماذا، حين وجدت الكثيرين من الشرفاء في طفولتي، لا أري الا القليلين في كبري؟ هل اندثر ذلك النوع من البشر؟ لا، ولكن الطبقة التي ابحث عنها ما عادت كما كانت. بين الناس لا تتحدث العواطف الجياشة الا فيما ندر، اما بين الصفوف الارقى، فهي قد كُبتت تماما، ولا يُسمع الا صوت يدل على الغرور والرغبة في المصلحة.
نقيضان يتحدان في نفسي بطريقة يصعب علي فهمها: عواطف نشطة عاصفة، تقابلها أفكار ضعيفة بطيئة النمو لا تتضح معالمها الا بعد فوات الأوان. من الممكن القول ان عقلي وقلبي لا ينتميان لذات الفرد: فالإحساس يحتل روحي بسرعة البرق، ولكن، بدلا من المعرفة، التهب حماساً وافقد القدرة على الرؤية. اشعر بكل شيء ولا أرى أي شيء. فحين تخترقني العاطفة، افقد القدرة على التفكير الذي يحتاج للسكينة. الغريب هو انني برغم عواطفي الجياشة، أظل قادرا على الوصول للقرار الصائب خاصة لو لم أتعجل.
هذا البطء في التفكير وحيوية العاطفة لا يتدخلان فقط في حواري مع الآخرين، ولكني أحس، حتى في ساعات الوحدة والعمل، بالأفكار تنتظم في رأسي بصعوبة شديدة، تنموا هناك وتنضج فقط مع مرور الكثير من الوقت. العاطفة التي تفيض في داخلي مع بداية اي مشروع فكري تحرمني من القدرة على الكتابة وتجبرني على الانتظار. ثم تهدا العاصفة ويتضح المشهد لناظري ويأخذ كل شيء مكانه الطبيعي، ولكن فقط بعد فترة طويلة قد ضاعت في الفوضى والضياع.


من الكتاب الرابع (1731-1732)
قررت الذهاب الى لوسان حتى أستطيع البقاء بجوار بحيرتها الجميلة. نادرا ما اتخذت القرارات المهمة بمنطقية اكثر. ما يبدو كحلم في الأفق البعيد لا يكفي لدفعي للتصرف. عدم معرفة الفرد بما سيحدث يجعلني أرى التخطيط للمستقبل كعملية خداع يسقط المغفلين ضحايا لها. مثل غيري، كثيرا ما أطلقت العنان لخيالي وحلمت بالمستقبل، ولكن على شرط ان لا يتطلب تحقيق الحلم أي عناء. اقل اللذات العابرة أهمية تغريني اكثر من كل متع الجنة. لكن اكثر ما أخشاه هو اللذة التي ينتج عنها الألم لأنني احب اللذة خالصة بلا أي معاناة.
كلما اقتربت من إقليم فاود، أحس بمشاعر تطغى عليها ذكرى السيدة وارنس التي ولدت هناك، ووالدي الذي عاش في ذات المكان، والمدموزيل دفولسن التي عرفت معها أيام الحب الأول، وعدة رحلات سعيدة أخرى قمت بها لذات المكان حين كنت طفلا. ما أن أملت بالسعادة والآمن اللذين افتقدهما الان حتى شددت رحالي الى إقليم فاود بجوار البحيرة. أتمنى هنالك ان يكون لدي صديق مخلص وزوجة تحبني وبقرة وقارب صغير، وهو كل ما يحتاجه الإنسان ليكون سعيدا في هذا العالم. ما يؤسفني هو طبع السكان المحليين الذي يختلف كثيرا عن جمال المكان.
خلال هذه الرحلة، سلمت نفسي للأحزان السعيدة[2] (http://www.koolpages.com/almalaika/roso.html#_edn2) واستمتعت بألف لذة فريدة. كم مرة جلست على ضفة النهر وبكيت وشاهدت دموعي تسقط للنهر وتذوب في مياهه. زيارتي لباريس خيبت أملى. جمال بعض المدن الريفية التي زرتها من قبل، وتنظيم شوارعها، جعلني أتوقع ان تكون باريس مدينة عظيمة. تصورت في خيالي بلدا جميلة بقدر ما هي جليلة، لا يوجد فيها سوى القصور الذهبية والشوارع الواسعة. ولكني، حين وصلت لضاحية سنت ماركو صُدمت بمرأى الشوارع القذرة والمنازل السود المكفهرة والإحساس العام بالفقر والديون المستحقة، الذي جسده منظر المتسولين ومرقعي الثياب المستعملة وبائعي القبعات القديمة. كل هذا حُفر في ذاكرتي وخلق انطباعا سلبيا لم يغيره كل ما رأيت فيما بعد من عظمة، وحتى هذه اللحظة، لا ارغب بالحياة في العاصمة بسبب هذا الانطباع الأولى. طوال الوقت الذي اضطررت لقضائه في العاصمة، سعيت جاهدا للفرار منها.
هذه هي نتيجة الخيال الذي يبالغ ويتوقع اكثر مما هو موجود فعلا. سمعتهم يمتدحون باريس، فتصورت أنها اعظم من بابل في العصور الغابرة، ثم جاء الواقع ليحطم هذا التصور. ذات الشيء حدث حين زرت الأوبرا التي هرعت لها في اليوم التالي لوصولي وتكرر عدة مرات بعد ذلك.
مناظر الريف الجميلة، الهواء النقي، الصحة التي تتجدد مع المشي، غياب كل ما يذكر الإنسان بالحاجة للآخرين، كل هذا يحرر الروح ويخلق الشجاعة الفكرية في نفس الإنسان ويلقي بها في خضم الطبيعة التي تراها بحيث تستطيع جمع، اختيار، وامتلاك كل ما تريد بلا خوف أو موانع. اشعر وكأنني أتحكم بالطبيعة نفسها، بينما يحلق قلبي من مكان لاخر، مختلطاً ومتوحدا بكل ما يشفيه حتى تسكره النشوة.
في المساء استلقي في الجو النقي، أنام على سرير من الزهور. أتذكر أنني قضيت ليلة سعيدة خارج المدينة حيث أحاطت بي الحدائق من كل ناحية. ذلك اليوم كان شديد الحرارة، اما المساء فكان بديعا، لان الندى رطب الأرض، وهدأ الجو بلا نسيم، بينما تعالى تغريد الطيور. تاركاً لقلبي ومشاعري حرية الاستمتاع بكل شيء، غارقا في حلمي، استمررت في التجول حتى آخر الليل بدون أدنى شعور بالإرهاق.






من الكتاب الخامس (1732-1736)
يقال أن السيف يمزق غمده، وهذه هي قصتي. عواطفي أعطتني الحياة، وعواطفي قتلتني. أي عواطف اعني؟ تفاهات كفت مع ذلك لتشويقي وكأنني أسعى لامتلاك عروش الدنيا بما فيها. أهمها سببتها النساء. فحين امتلكت احداهن، هدأت حواسي، بينما ظل قلبي متأججاً. الحاجة للحب التهمتني حتى ساعة النشوة. كان لي السيدة دوارنز التي لعبت دور الأم، وكان لي صديق مخلص، ولكني مكثت بلا حبيبة. تصورت واحدة في مكانها ورسمتها بألف صورة لخداع نفسي. ولو كانت المرأة التي احتظنتها هي السيدة دوارنز، لما بقيت أي رغبة او متعة. متعة! وهل هذه من نصيب الإنسان؟ لو كنت قد جربت لمرة واحدة متعة الحب التامة، لا اعتقد ان جسدي الضعيف كان سيستحملها. كنت قد مت فورا.
وهكذا احترقت بنار الحب، ولكن بلا شخص احبه، وهذا الوضع كان اكثر ما أتعبني. كنت متململا بعد ان سمعت بعلاقة السيدة دوانز برجل سيئ، وبسلوكها غير الرزين الذي خشيت ان يحطمها في وقت قريب. خيالي القاسي الذي تصور دائما المصائب رسم لي صورة واقعية لما سيحدث. وهكذا تناوبتني حالات الخوف والرغبة حتى وصلت لحال يرثى لها.

من الكتاب السادس
في هذه الأيام بدأت مرحلة السعادة القصيرة في حياتي، تلك الأيام الآمنة التي تجعلني أقول، "لقد عشت فعلا." ليت تلك اللحظات تعود من جديد، وتمضي ببطء شديد. كيف يمكنني تذكر وذكر ما لم يقال بالكلمات، بل أحسست واستمتعت به؟ استيقظت وكنت سعيدا، تركتها وكنت سعيدا. تجولت في الحقول والوديان، قرأت، عملت في الحديقة، بينما جاءت السعادة ورائي في كل مكان بلا سبب. الفرحة نشأت في أعماقي وما تركتني للحظة واحدة.
أتمنى لو عرفت اذا كانت ذات الأفكار الطفولية تأتى لغيري من الناس؟ أثناء دراستي، بينما كنت أعيش حياة الملاك الطاهر، عانيت من الخوف من إمكانية ذهابي الى الجحيم. سالت نفسي، "في أية حال انا الآن؟ لو مت في هذه اللحظة، ماذا سيكون مصيري؟" للكاثوليك اعتقاداتهم بخصوص هذه المسالة، ولي شخصيا رأي آخر. وقد استخدمت وسائل سيجدها البعض مضحكة، بل مجنونة، للتخلص من الخوف الذي عانيته. ذات يوم، بينما كنت أفكر في هذا الموضوع البائس، بدأت بإلقاء بعض الأحجار على الأشجار المجاورة لتسلية نفسي، وفكرت: "سألقى بهذا الحجر على تلك الشجرة، ولو أصبتها، فسيعني هذا ان الله سيرحمني، اما لو لم أصبها، فقد حلت بي اللعنة." ألقيت الصخرة بقلب خافق ويد مرتعشة، ولكنها أصابت الهدف خير إصابة. أقول الحق، كانت شجرة كبيرة سهل علي أصابتها. ومع ذلك، لم اشك أبدا بان روحي قد نجت من نيران الجحيم. حين أتذكر هذا الحدث، لا اعرف هل يجدر بي الضحك او البكاء. العظماء سيضحكون من هذا السفه، ولكنني اقسم بأنني آمنت آنذاك بنجاة روحي من العذاب.





[1] (http://www.koolpages.com/almalaika/roso.html#_ednref1) المصدر الذي نعتمد عليه في هذه الترجمة هو: Jean-Jacques Rousseau, “Confessions,” The Norton Anthology of World Masterpieces New York: Norton, 1985.
اما مصدر المعلومات المذكورة في التمهيد فهو مقال Howard Hugo في ذات الكتاب (ص: 463-4).
[2] (http://www.koolpages.com/almalaika/roso.html#_ednref2) يعتبر روسو الحزن حالة نفسية تتيح للوعي الفرصة للتأمل في النفس والمجتمع، ولذلك يصفه بانه حزن سعيد. وهذا الاتجاه نحو تقدير عواطف مثل الكآبة وغيرها من احوال البأس النفسي من المزايا الاساسية للمدرسة الرومانسية التي شاعت في اوربا القرن التاسع عشر، وكان روسو من مؤسسيها .


/
/
/

ابو عبد الجليل
09-11-08, 12:29 AM
هؤلاء فلاسفة كانت لهم نظرتهم الخاصة

... بنت الجنوب ...
12-11-08, 07:08 AM
بارك الله فيك



(qq115)

الهلالي
12-11-08, 12:56 PM
دائما مواضيعك لها رونق خاص من التميز والابداع
الف شكر ورد