أحمد جراح
15-04-08, 04:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يكاد يخلو إنسان على وجه البسيطة من ما يسميه علماء النفس والاجتماع بـ " تزويق الواقع" ، وأعني بذلك أن الإنسان حين يشعر بعدم تفهم المجتمع أو ممن حوله له فإنه يحاول في قرارة نفسه أن يثبت ذاته من خلال الحديث عن نفسه بأسلوب يبعث على الشفقة أحياناً ، فهو يقول مثلاُ: إن الناس أغبياء وحمقى وهم لا يعرفون قيمتي ولا ما لدي من إمكانيات مقتدرة. وهو يريد عبر هذه الكلمات لفت الانتباه إليه وأنه ذا قيمة لا يستهان بها. إنه تزويق للواقع.
وتزويق الواقع ليس مرضاً نفسيا بل بالعكس هو مطلوب في أحايين كثيرة ، إلا أنه يبقى مثله مثل أي شيء آخر نمارسه في الحياة فإذا زاد عن الحد سينقلب ولا شك إلى الضد كما يقولون.
المؤرخ الإنجليزي الشهير جورج هربرت وِلز صاحب كتاب " معالم تاريخ الإنسانية " وهو أحد أعظم أربعة كتب سطرت في القرن العشرين وهو أيضا قاص وروائي وله الرواية المشهورة " آلة الزمان" ، وقد ألف ولز هذا كراساً. وكان جورج وِلز يطمح منذ شبابه ويحلم بأن يوحد الإنسانية جمعاء تحت مظلة واحدة تشملهم جميعاً ، وكان كل تفكيره ينصب على كيف يمكن أن تكون للبشرية لغة واحدة ودين واحد وشعور واحد وظل يعيش هذا الحلم طيلة شبابه. إلا أنه انتهى في آخر حياته إلى ما ضمنه هذا الكراس وسماه " العقل في أقصى حدود الاحتمال" وقالها صراحة أنه لا حل بته ، لا إلى داخل ولا إلى خارج ، لا إلى فوق ولا إلى تحت ، لا إلى يمين ولا إلى يسار. إنه يأس فاقع وصل إليه هذا المفكر والمؤرخ الكبير.
إن ما دفعني إلى هذه المقدمة شَأنٌ هو بالتأكيد لا يخفى عليكم أخواني وأخواتي ، إنها ظاهرة العوانس لدينا في مجتمعاتنا.
لي قريبة أكن لها احتراما وتقديراً كبيرين في نفسي ، وقبل ما يزيد عن عشر سنوات كنت جالساً إليها ذات مرة وكانت تحدثني عن حبيب لها سوف يخطبها في العاجل القريب ، وكنت أحترق من داخلي غماً ويعتصرني الألم لِما آلَ إليه حالها ، إنها تحاول بعد فقد الأمل أن تزوق الواقع ، وكنت أستمع إليها الأوقات الطوال ولا أنبس ببنت شفه لإدراكي أنها لا تتحدث إلي رغبةً في أن أعلق على حديثها ولا أن أسدي إليها النصيحة ولا حتى كلمة مواساة ، إنها فقط بحاجة لمن يستمع وينصت إليها حتى تُطّلِقَ ما بداخلها من آهات وزفرات ومواجع دفينة علها بعد ذلك تحس بشيء من الراحة والطمأنينة. وأحس كلما استمعت إليها أن منا من يعيش الغربة الحقيقية وبأقسى معانيها وهو لا يزال بين أهله وأحبابه.
نعم.... إنها غربة حين تمرض ولا تجد من يسأل عنك ، وغربة حين تبحث عن من تبثه همومك ولا تكاد ترى من يحس بحالك ، وغربة حين تغيب عن أصحابك وإخوانك ثم تعود فلا يشعر منهم أحد بغيابك تماماً كما لم يشعروا بحضورك.
ها قد مرت عشر سنوات وحبيبها لم يأتي بعد. وكلما مرت ذكراها علي أحس بحسرة و حزن إلى ما حل بمجتمعنا وبأخواتنا المسلمات اللائي ظللن يندبن الحظ ويعزون للمجتمع وللتخلف الثقافي لدينا الحال الذي هم عليه والمأساة التي جرفتهم إلى أسفل القاع. إنه اليأس الفاقع الذي عبر عنه ولز في كتابه.
ينتابني شعور بين الحين والآخر أن ما نحن فيه من وضع مزري ما هو إلا انعكاس لحالة القلق التي بداخلنا وصدق الكاتب الشهير ديل كارنيجي مؤلف الكتاب الماتع " دع القلق وابدأ الحياة" حين عنون لكتاب له وسماه " النجاح بداخلك" . ورسالته واضحة لمن أدرك أن النجاح الخارجي لا يكون إلا بعد النجاح الداخلي.
والحقيقة التي لا مرية فيها عندي هو أننا قد فقدنا البوصلة ولهذا فنحن نقرر ونعمل وفق ما تمليه علينا أُطُرُنَا التي اصطنعناها ونحسب أنها جامعة مانعة. فالتاجر مثلاً حين يريد بيع سلعته فإنه سيبحث بلا شك عن المكان المناسب والبضاعة المناسبة ليكسب من مشروعه. ولو أنه عاكس الواقع فلن يجديه ذلك إلا مزيداً من الخسائر. وكذلك الحال بالنسبة للفرد في المجتمع ، فحين يترك الفرد في المجتمع مسؤولياته على عاتق غيره وينظر إلى نفسه على أنه جاوز القنطرة حينها فقط سندرك مدى الهوة السحيقة التي نعيشها. وما حال العوانس في بلادنا عنا بخافٍ.
لعلكم الآن تتساءلون عن الحل لهذه الأزمة التي عصفت بمجتمعنا! سأكون دعياً إن قلت إنني أحمل في جيبي الطلسم السحري لأزماتنا ، ولكني أطلب من كل واحدٍ منا أن يحمل همَ إخوانه وأخواته في المجتمع كبداية ربما تبعث بعد ذلك إلى نوع من المواساة والتفهم لحال الغير وهي وميض له ما بعده من الخير إن شاء الله ، وعليك أخي الكريم وأختي الفاضلة أن تتصور فيما لو مرضت – لا قدر الله – عن مدى سعادتك وفرحتك بزيارة الأحباب والخلان لك ليسألوا عن حالك ويعودوك ومدى تأثير ذلك على صحتك وعافيتك. إنه أمر لا يكلفنا فلساً واحداً. وإذا كان الكلب الذي صحب أصحاب الكهف قد جعل الله له قدراً فذكره في كتابه فما بالك بأخيك المسلم الذي يقول لا إله إلا الله.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين. آمين اللهم آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يكاد يخلو إنسان على وجه البسيطة من ما يسميه علماء النفس والاجتماع بـ " تزويق الواقع" ، وأعني بذلك أن الإنسان حين يشعر بعدم تفهم المجتمع أو ممن حوله له فإنه يحاول في قرارة نفسه أن يثبت ذاته من خلال الحديث عن نفسه بأسلوب يبعث على الشفقة أحياناً ، فهو يقول مثلاُ: إن الناس أغبياء وحمقى وهم لا يعرفون قيمتي ولا ما لدي من إمكانيات مقتدرة. وهو يريد عبر هذه الكلمات لفت الانتباه إليه وأنه ذا قيمة لا يستهان بها. إنه تزويق للواقع.
وتزويق الواقع ليس مرضاً نفسيا بل بالعكس هو مطلوب في أحايين كثيرة ، إلا أنه يبقى مثله مثل أي شيء آخر نمارسه في الحياة فإذا زاد عن الحد سينقلب ولا شك إلى الضد كما يقولون.
المؤرخ الإنجليزي الشهير جورج هربرت وِلز صاحب كتاب " معالم تاريخ الإنسانية " وهو أحد أعظم أربعة كتب سطرت في القرن العشرين وهو أيضا قاص وروائي وله الرواية المشهورة " آلة الزمان" ، وقد ألف ولز هذا كراساً. وكان جورج وِلز يطمح منذ شبابه ويحلم بأن يوحد الإنسانية جمعاء تحت مظلة واحدة تشملهم جميعاً ، وكان كل تفكيره ينصب على كيف يمكن أن تكون للبشرية لغة واحدة ودين واحد وشعور واحد وظل يعيش هذا الحلم طيلة شبابه. إلا أنه انتهى في آخر حياته إلى ما ضمنه هذا الكراس وسماه " العقل في أقصى حدود الاحتمال" وقالها صراحة أنه لا حل بته ، لا إلى داخل ولا إلى خارج ، لا إلى فوق ولا إلى تحت ، لا إلى يمين ولا إلى يسار. إنه يأس فاقع وصل إليه هذا المفكر والمؤرخ الكبير.
إن ما دفعني إلى هذه المقدمة شَأنٌ هو بالتأكيد لا يخفى عليكم أخواني وأخواتي ، إنها ظاهرة العوانس لدينا في مجتمعاتنا.
لي قريبة أكن لها احتراما وتقديراً كبيرين في نفسي ، وقبل ما يزيد عن عشر سنوات كنت جالساً إليها ذات مرة وكانت تحدثني عن حبيب لها سوف يخطبها في العاجل القريب ، وكنت أحترق من داخلي غماً ويعتصرني الألم لِما آلَ إليه حالها ، إنها تحاول بعد فقد الأمل أن تزوق الواقع ، وكنت أستمع إليها الأوقات الطوال ولا أنبس ببنت شفه لإدراكي أنها لا تتحدث إلي رغبةً في أن أعلق على حديثها ولا أن أسدي إليها النصيحة ولا حتى كلمة مواساة ، إنها فقط بحاجة لمن يستمع وينصت إليها حتى تُطّلِقَ ما بداخلها من آهات وزفرات ومواجع دفينة علها بعد ذلك تحس بشيء من الراحة والطمأنينة. وأحس كلما استمعت إليها أن منا من يعيش الغربة الحقيقية وبأقسى معانيها وهو لا يزال بين أهله وأحبابه.
نعم.... إنها غربة حين تمرض ولا تجد من يسأل عنك ، وغربة حين تبحث عن من تبثه همومك ولا تكاد ترى من يحس بحالك ، وغربة حين تغيب عن أصحابك وإخوانك ثم تعود فلا يشعر منهم أحد بغيابك تماماً كما لم يشعروا بحضورك.
ها قد مرت عشر سنوات وحبيبها لم يأتي بعد. وكلما مرت ذكراها علي أحس بحسرة و حزن إلى ما حل بمجتمعنا وبأخواتنا المسلمات اللائي ظللن يندبن الحظ ويعزون للمجتمع وللتخلف الثقافي لدينا الحال الذي هم عليه والمأساة التي جرفتهم إلى أسفل القاع. إنه اليأس الفاقع الذي عبر عنه ولز في كتابه.
ينتابني شعور بين الحين والآخر أن ما نحن فيه من وضع مزري ما هو إلا انعكاس لحالة القلق التي بداخلنا وصدق الكاتب الشهير ديل كارنيجي مؤلف الكتاب الماتع " دع القلق وابدأ الحياة" حين عنون لكتاب له وسماه " النجاح بداخلك" . ورسالته واضحة لمن أدرك أن النجاح الخارجي لا يكون إلا بعد النجاح الداخلي.
والحقيقة التي لا مرية فيها عندي هو أننا قد فقدنا البوصلة ولهذا فنحن نقرر ونعمل وفق ما تمليه علينا أُطُرُنَا التي اصطنعناها ونحسب أنها جامعة مانعة. فالتاجر مثلاً حين يريد بيع سلعته فإنه سيبحث بلا شك عن المكان المناسب والبضاعة المناسبة ليكسب من مشروعه. ولو أنه عاكس الواقع فلن يجديه ذلك إلا مزيداً من الخسائر. وكذلك الحال بالنسبة للفرد في المجتمع ، فحين يترك الفرد في المجتمع مسؤولياته على عاتق غيره وينظر إلى نفسه على أنه جاوز القنطرة حينها فقط سندرك مدى الهوة السحيقة التي نعيشها. وما حال العوانس في بلادنا عنا بخافٍ.
لعلكم الآن تتساءلون عن الحل لهذه الأزمة التي عصفت بمجتمعنا! سأكون دعياً إن قلت إنني أحمل في جيبي الطلسم السحري لأزماتنا ، ولكني أطلب من كل واحدٍ منا أن يحمل همَ إخوانه وأخواته في المجتمع كبداية ربما تبعث بعد ذلك إلى نوع من المواساة والتفهم لحال الغير وهي وميض له ما بعده من الخير إن شاء الله ، وعليك أخي الكريم وأختي الفاضلة أن تتصور فيما لو مرضت – لا قدر الله – عن مدى سعادتك وفرحتك بزيارة الأحباب والخلان لك ليسألوا عن حالك ويعودوك ومدى تأثير ذلك على صحتك وعافيتك. إنه أمر لا يكلفنا فلساً واحداً. وإذا كان الكلب الذي صحب أصحاب الكهف قد جعل الله له قدراً فذكره في كتابه فما بالك بأخيك المسلم الذي يقول لا إله إلا الله.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين. آمين اللهم آمين.