المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في بيتي عٌش


أحمد جراح
11-04-08, 02:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة والأخوات .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




من فلسفة الحياة أنها تأتينا كل يومٍ بجديد ، شيء مفرح وشيء مبكٍ ، شيء جذاب وآخر يبعث على القرف والازدراء ، أمور تافهة وأخرى تنهد بسببها عش الزوجية ، أخبار تفرحنا وأخرى تقتل فينا الأمل ، إنها باختصار شديد يوم لك ويوم عليك.و المتتبع لحياة الناس ومسيرتهم يجد أن ما يعكر صفوهم أكثر مما يجلب لهم السعادة، حتى سمعنا بأناس لا هم لهم إلا الشكوى ولو كان ضياع إبرة خياطة.




أسئلة يطرحها بعضنا على نفسه أو حتى على من هو حوله: هل أنا سعيد في حياتي؟ وما مدى تضحيتي لأجل سعادة زوجتي و أولادي؟ ترى هل قمت بما عليَّ من واجبات على أحسن وجه أم أن هذا دون المرجو مني؟ و هل يكفي أن أُحَبْ دون أن أُحِب؟ وهل أولادي يعيشون حياتهم كما باقي الأولاد أم أني منغص عليهم؟ وما هو دور الإيثار في معاملتي لزوجتي وأولادي؟.

وبما أنني أؤمن بمبدأ أن في كل ما في الوجود يصلح أن يكون عبرة فلا أقل من أن أستزيد من هذه الحياة ما يجعلني أتلمس ولو للحظات حقيقة الأمور وما تبنى عليه مصداقية الأشياء التي حولنا.

عند شباك حجرتي يتربع عش لزوجين من العصافير صغير وكان ذلك في أيام الصيف الفائت، وكنت كلما دخل الفجر أرقب الزوجين و هما في حالة استعداد للخروج بحثا عن طعام لصغارهما، فكنت أختصر عليهما كثيراً من العناء بجلب الكثير من الحبوب ووضعها عند حافة العش – لأن العش موجود في حفرة صغيرة لا تدخلها الشمس مما يجعل المكان بارداً – ومع مرور الأيام نمت علاقة بيني وبين العصفورين فكنت أرقب عودتهما في المساء إلى العش. حتى جاء يوم جعلني أنظر إلى هذه العجماوات بنوع من الإكبار والاعتراف بأن من البشر من هو دون العصافير في تعامله وخاصة في بيت الزوجية.
في ذلك اليوم فتحت الشباك لأنظر كعادتي للعصفورين فرأيت الأب وهو يفرد جناحيه ويلصق بطنه بالجدار الدافئ مدة من الزمن ثم يدخل إلى العش ويجلس على صغاره لتدفئتهم من برودة المكان ، فتعجبت من صنيعه لأرتكس بعد ذلك إلى واقعنا المأساوي وما حل لبني البشر من دمار وعلى جميع الأصعدة والمستويات. أتكون العصافير أحسن حالاً منا؟ أم أننا لا زلنا أطفالاً في مواجهة معترك الحياة وأهوالها؟ لا بل ما الخير الذي سأجنيه لو أني فتحت على زوجتي وأولادي باب اللوم والتعصب والسب والشتم واللعن وأحياناً كثيرة الطرد والرمي بالشارع؟.
أيكون كثيراً عليّ لو أني تلطفت مع أخ لي أو أخت ينتظر أو تنتظر مني كلمة مواساة لتخفف من لوعتها؟ أم سيكون مكلفاً لو أمسكت بيد أخ لي وأرتب عليه معزياً؟.
منذ زهاء ما يزيد عن ثمان سنوات اتصلت بي سيدة كريمة توفي زوجها منذ زمن طويل ولها ولدان - ذكر وأنثى – ولاحظت من خلال حديثها أنها تكتم آهة وثقلاً تعجز عنه الجبال كما يقال .
فسألتها عن حالتها فقالت:
لقد مات زوجي وما عاد لي في بلدي إمكانية للعيش - بسبب الاضطهاد- وجئت إلى بلاد الغرب طمعاً في عيش يسترني وأولادي من الأيام ، بعد مدة من تواجدي أصبت بالسرطان وكانت الحالة في بدايتها والإمكانية متوفرة للقضاء على المرض ، إلا أنني لا أملك ثمن العملية وهنا بدأت مأساتي مع بني جلدتي من إخواني المسلمين. لم أترك باباُ إلا وطرقته ولا سبيلاً إلا وسرت فيه طمعاً في أن يرق لي قلب أخ مسؤول أو متمول يمكنه مساعدتي ، ولكن سدت كل الأبواب حتى أنها ذكرت لي مكالمتها مع أحد المسؤولين المسلمين وهو إمام و مسؤول مسجد ومركز إسلامي فقال لها وبالحرف الواحد: فلتذهبي إلى حيث ألقت ولا شأن لنا بك ولا بمصابك – أو شيئاً يشبه هذا - .
عندها أحست أن لا مفر من أن تتنصر هي وأولادها لتفتح لها أبواب المساعدات من كل حد وصوب، وقامت بالعملية وتحسنت حالتها.
قمت وكأي مسلم بسؤالها وهل لا زلت نصرانية حتى هذه الساعة؟ فلاحظت أنها كانت تنتظر سؤالي هذا فأجابت أن من المستحيل أن أغير ديني بأي دين آخر ولكنها الحاجة وقد صدق أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه حين قال " لو كان الفقر رجلاً لقتلته ".
هذه الحالة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ولا زال في الجعبة الكثير ولكنها لفته لمن كان له قلب ولمن يحمل هم إخوانه وأخواته. ولست في مقام التقنيط والعياذ بالله ولكنه التذكير وبلا شك أن بإزاء هذا أخوة وأخوات ممن مَنَّ الله عليهم بحب الناس والعطف عليهم والتودد إليهم بصنوف الهبات. ولن أنس ما أنس ما ذكره لي رجل حبيب على قلبي صدوق – أحسبه كذلك والله حسيبه- عن صديق له يقول: حين كنت صغيراً أحببت أكل ورك الدجاج وكان ذلك أشهى ما أحب من الأكل ولا أبدله بأي صنف آخر من الأكلات أبداً ، ولكني لاحظت أن جميع أخوتي وأخواتي يشاركنني نفس هذه المحبة فكنت أجلس على مائدة الطعام مع والديَّ وإخوتي وكلما قٌدِمَ لي ورك كنت أعتذر بعدم رغبتي فيه إيثاراً مني لإخوتي على نفسي وظللت على هذا الحال سنون متطاولة لا آكل الورك. فقلت في نفسي أنت والله من نفتقده في حياتنا.
" المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه " عبارة طالما سمعناها ورددناها فهلا عملنا بها.





أسأل الله الكريم أن يصفي سرائرنا وأن يبارك لنا فيما أعطانا ورزقنا وأن ينزع الغل والحسد والحقد من صدورنا ويطهر قلوبنا ويبعد عنا رجس الشيطان إنه ولي ذلك والقادر عليه.. آمين اللهم آمين.

الحميراء
11-04-08, 04:59 PM
أخي الفاضل أحمد
موضوعك كلمة رائع قليلة في حقه
تطرقت خلاله لمواضيع متفرقة تنصب نحو معنى وآحد وتدور فيه وهو التضحية بجميع أنواعها (هذا مافهمته)
سواء في العلاقة الزوجية أو في العلاقات العامة
ولن ينجح الإنسان ويفلح في حياته لو قدس نفسه وتعالى على غيره
هي الحياة وهم الناس فيها بقدر ماتعطي بقدر ماتجد
الأهم من الله الخالق ثم من الناس
سلمت يمينك على هذه الدرر
ولاتحرمنا من جديدك

أحمد جراح
11-04-08, 06:55 PM
أختي الحميراء أشكرك على مرورك الطيب وبارك الله فيك.

الفوز
12-04-08, 02:52 AM
أخوي الدكتور (أحمد جراح) راح تسأل ليه قلت الدكتور ؟؟ صراحه
شعوري بمجرد ماقريت أسمك قبل لاأبدأ بمتابعت جميع مواضيعك القيمه والهادفه والراقيه صحيح ألي يطلع من القلب يدخل القلب نرجع للموضوع،،لقد فتحت جرحاً يعاني منه الأغلبيه العظمى من المسلمين في هذا الوقت ولكن هذا الوقت كلن ومصلحته وألي ما فيه مصلحه !!!
يعني (شيلني وأشيلك )(ظبطني وأظبطك)يعني مافيه شئ لله أو أحتساب الأجرالله أكبر من الجميع ويرحمنا برحمته وترجع مكارم الأخلاق والقيم
أأأأأأأأأأأأمين
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .أختك الفوووز

أحمد جراح
12-04-08, 10:05 AM
أختي الفوز
أكرمك الله وأشكرك على طيب معدنك وأصالة ردكِ ، أما كلمة دكتور فكثيرة جداً ولست أهلاً لها. وأسأل الله ان يديم الأخوة بيننا والله الموفق.

أم اليسر
12-04-08, 06:48 PM
أخي الكريم أحمد جراح حفظك الله وحماك والخير أعطاك وجعل الجنة مثوانا ومثواك

لقد حركت مكامن الرحمة في قلبي وجعلت لها صدى فلله درك يا أخي

وبالنسبة لكوامن الخير أنا أشبهها بالسكر الذي يقبع أسفل كأس الشاي عندما نتركه

لانشعر بوجوده ولكن بمجرد تحريكه ولو بالشيء اليسير نشعر بلذته وطعمه

وهكذا هي المحبه والرحمه بين قلوب ملايين البشر وخاصة الازواج وغيرهم

أكرر شكري وتقديري لشخصك ولقلمك وأخط لك يا أخي إعجابي بما تسطره

بارك الله فيك وفيما تسطره 000000000000000ودمت لنا جميعا

أحمد جراح
12-04-08, 08:21 PM
أختي أم اليسر
بل أنا من يتشرف بوجوده بينكم ، وبورك فيك وفي تشجيعك وتعليقاتك المتميزة.

الدنيا لحظه
14-04-08, 05:33 PM
موضوع رائعه جزاك الله خير على هذا الابداع

أحمد جراح
14-04-08, 05:50 PM
أختي الدنيا لحظة.
أشكر لكِ مرورك الكريم وبارك الله فيكِ وفي إطلالتكِ

قصيمى مغترب
16-04-08, 12:17 AM
موضوع رائع وهادف ياليت نحس بلى حولنا من محتاجين ونحن عليهم ونساعدهم مثل منت ساعدت العصافير ووفرت لهم الحبوب ....

البرحيه
16-04-08, 01:01 AM
موضوع رائع ارى ان ينقل للحوار الفكري ليستفيد منه اكبر شريحه ممكنه .........جزاك الله خيرا