الشاعر الرجيم
21-02-08, 12:26 AM
يقف تاريخ الأدب حزيناً دائماً عند أبي حيان التوحيدي . ومصدر الحزن هو أن هذا الكاتب الفيلسوف , والأديب العظيم عاش عيشة ضنكا دائماً , ومات منبوذاً بعد أن أحرق بنفسه كل كتبه , وكادت كتب التاريخ الأدبي تهمله إهمالاً .
عاش التوحيدي في القرن الرابع الهجري حياة صعبة مارس فيها مهناً مختلفة حقيرة كلها لا تتناسب مع قدراته العلمية والثقافية . وبقي وحيداً لم يتزوج , ولم يعرف نعمة الاستقرار , أو كما قال عن نفسه ( فقد الولد النجيب , والصديق الحبيب القريب , وصار غريباً في وطنه , معتاداً الصمت , ملازماً للحيرة , متحملاً للأذى يائساً من جميع ما يرى ) أو كما قال أيضاً :
( فقدت كل صاحب , والله لربما صليت في المسجد فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي , فإن اتفق فبقّال أو عصّار أو قصّاب . وقد أمسيت غريب الحال , غريب النحلة , غريب الخلق , مستأنساً بالوحشة قانعاً بالوحدة )
ولقد كان مصدر غربته هو القرن الرابع الهجري نفسه الذي كان عصر اضطراب أشاعته طبقة القادة الترك , وطبقة الوزراء , وطبقة الحريم , وكثرت فيه المؤامرات , وانتشرت فيه الفتن والمجاعات , وتبخرت رهبة الخلافة , واستولى الأمراء على البلاد , واستقلوا ببعضها , حتى لم يبق للخليفة العباسي سوى بغداد وما يلحق بها . وفي وسط هذا المناخ حاول التوحيدي مثل غيره الاقتراب من بعض الأمراء , إلا أنه فشل دائماً في الحفاظ على صلة دائمة طيبة بأي ممن لحق بهم , مثل الوزير المهلبي أبي محمد الحسن بن محمد الذي كان مقصد الأدباء , ولكنه كان شيعياً متزمتاً , في الوقت الذي كان فيه أبوحيان مفكراً حراً يميل إلى الاعتزال , فنفاه الوزير المذكور من بغداد . كذلك اتصل بابن العميد , الوزير البويهي في الدولة البويهية في فارس , لكن نزق ابن العميد الشاب لم يرق لأبي حيان , وحدث الشيء نفسه مع الصاحب بن عباد , الوزير البويهي الذي خلف ابن العميد بعد مقتله , وكان بينه وبين ابن العميد عداوة قديمة . في هذه المرة لم يستطع التوحيدي مصانعة ابن عباد بالنفاق كما يفعل من حوله من الملتحقين ببلاط الوزير من الأدباء , بل ومدح مرة ابن العميد أمام ابن عباد , برغم ما كان من خلاف بينهما . لقد ترك أبو حيان الصاحب بن عباد وعاد إلى بغداد دون أن يعطيه ابن عباد درهماً واحداً على ثلاث سنوات قضاها عنده , وكتب ابن حيان في (مثالب الوزيرين) بعد ذلك قام أبو الوفا المهندس صديق أبي حيان , والذي اكتسب لقبه من صناعته , قام بالتقريب بين أبي حيان والوزير أبي عبدالله العارض , فأصبح أبو حيان من سمّار الوزير وندمائه لأربعين ليلة , طلب منه بعدها أبو الوفا المهندس أن يدوّنها في كتاب , وهدده إن لم يفعل بقطع ما بينه وبين الوزير , فكتب أبو حيان تحت ضغط الخوف والقهر كتاباً من أجمل الكتب العربية < الأمتاع والمؤانسة> وفي نهاية الكتاب كتب رسالة أنقل إليك بعضاً من فقراتها :
أيها الشيخ سلمك الله بالصنع الجميل , وحقق لك وفيك وبك غاية المأمول , وأنا أسأل الله أن يحفظ عنايتك علي , كسابق اهتمامك بأمري , حتى أملك بهما ما وعدتنيه من تكرمة هذا الوزير الذي قد أشبع كل جائع , وكسا كل عارٍ , وتألف كل شارد , وأحسن إلى كل مسيء . ولم يبق في هذه الجماعة على فقره وبؤسه غيري , مع خدمتي السالفة والآنفة , وبذلي كل مجهود , ونسخي كل عويص , وقيامي بكل صعب , والأمور مقدرة , والحظوظ أقسام , والكدح لا يأتي بغير مافي اللوح )
لكن الظروف كانت أصعب مما يحتمل فهو لايلبث أن يكشف عنها بالتوسل والاستجداء من ظالم لم يعطه ما يشبع جوعه ويسد رمقه قائلاً : ( خلّصني أيها الرجل من التكفف , أنقذني من لبس الفقر , استرني بالإحسان , اكفني مؤنة الغداء والعشاء . إلى متى الكسرة والكسيرة اليابسة , والبقيلة الذاوية , والقميص المرقع . أيها السيد ارع زمام الملح بيني وبينك وتذكر العهد في صحبتي , ودعني من التعلل الذي لا مرد له , والتسويف الذي لا آخر معه ... )
ويظل أبو حيان بعد ذلك يعدد مناقب الوزير ومناقب صديقه أبي الوفا المهندس ثم ينتهي في يأس قائلاً :
( أنا الجار القديم , والعبد الشاكر , لكنك مقبل كالمعرض ومقدم كالمؤخر , وموقد كالمخمد , تدنيني إلى حظي بشمالك , وتجذبني عن نيله بيمينك , وتغديني بوعد كالعسل , وتعشيني بيأس كالحنظل )
رسالة غريبة من كاتب كبير اتسم بالصراحة الزائدة , لكنه أيضاً رضي في وقت ما أن يلتحق بالساسة الخونة الملاعين وفقاً لشروطهم , دون أن يعرف قواعد لعبتهم , لذلك لم يفز منهم حتى بالإياب . اشتد القهر بأبي حيان فأحرق كتبه بعد أن قال عنها في رسالة كتبها إلى القاضي علي بن محمد :
( اعلم أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته , فأما ما كان سراً فلم أجد من يتحلّى بحقيقته راغباً , وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالباً , على أني جمعت أكثرها للناس ولطلبي المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم فأحرقت ذلك كله . وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم ودادا , ولقد اضطررت بينهم -بعد الشهرة والمعرفة - في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة وإلى بيع الدين والمروءة وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق , وإلى ما لايحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ويطرح في قلب صاحبه الألم ... )
رسالة تكشف لنا عن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه ذلك العصر ودفع هذا العالم الفيلسوف الأديب العظيم إلى الجوع والعري الدائم , تحت خط الفقر , لقد انتقم من هذا العصر كله حين أحرق كتبه , وكان حرق الكتب شكلاً من أشكال الانتحار .
أخيراً فإنّ الكتابة هي المعجزة الوحيدة التي صنعها أبو حيان على عينيه في عراكه مع زمنه , واغترابه عن أهله , وحلمه المستحيل بأن ينسج بالكلمات ما يحرر الكون ويأسره , وفي سبيل هذا الحلم تطوح ابن بائع التمر , مؤمناً بالعقل حتى في رفضه له , لائذاً بالحدس حين لم تبق له سوى لغة الإشارة باحثاً عن الصداقة حتى في لعناته التي صبها على الأصدقاء الذين لم يجدهم .. معتزاًَ بكتبه التي أحرقها خوفاً عليها من أن تقع في أيدي من لايعرفون قدرها , مؤمناً بالإنسان حتى في هجومه على الإنسان .
__________________
الشاعر الرجيم
عاش التوحيدي في القرن الرابع الهجري حياة صعبة مارس فيها مهناً مختلفة حقيرة كلها لا تتناسب مع قدراته العلمية والثقافية . وبقي وحيداً لم يتزوج , ولم يعرف نعمة الاستقرار , أو كما قال عن نفسه ( فقد الولد النجيب , والصديق الحبيب القريب , وصار غريباً في وطنه , معتاداً الصمت , ملازماً للحيرة , متحملاً للأذى يائساً من جميع ما يرى ) أو كما قال أيضاً :
( فقدت كل صاحب , والله لربما صليت في المسجد فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي , فإن اتفق فبقّال أو عصّار أو قصّاب . وقد أمسيت غريب الحال , غريب النحلة , غريب الخلق , مستأنساً بالوحشة قانعاً بالوحدة )
ولقد كان مصدر غربته هو القرن الرابع الهجري نفسه الذي كان عصر اضطراب أشاعته طبقة القادة الترك , وطبقة الوزراء , وطبقة الحريم , وكثرت فيه المؤامرات , وانتشرت فيه الفتن والمجاعات , وتبخرت رهبة الخلافة , واستولى الأمراء على البلاد , واستقلوا ببعضها , حتى لم يبق للخليفة العباسي سوى بغداد وما يلحق بها . وفي وسط هذا المناخ حاول التوحيدي مثل غيره الاقتراب من بعض الأمراء , إلا أنه فشل دائماً في الحفاظ على صلة دائمة طيبة بأي ممن لحق بهم , مثل الوزير المهلبي أبي محمد الحسن بن محمد الذي كان مقصد الأدباء , ولكنه كان شيعياً متزمتاً , في الوقت الذي كان فيه أبوحيان مفكراً حراً يميل إلى الاعتزال , فنفاه الوزير المذكور من بغداد . كذلك اتصل بابن العميد , الوزير البويهي في الدولة البويهية في فارس , لكن نزق ابن العميد الشاب لم يرق لأبي حيان , وحدث الشيء نفسه مع الصاحب بن عباد , الوزير البويهي الذي خلف ابن العميد بعد مقتله , وكان بينه وبين ابن العميد عداوة قديمة . في هذه المرة لم يستطع التوحيدي مصانعة ابن عباد بالنفاق كما يفعل من حوله من الملتحقين ببلاط الوزير من الأدباء , بل ومدح مرة ابن العميد أمام ابن عباد , برغم ما كان من خلاف بينهما . لقد ترك أبو حيان الصاحب بن عباد وعاد إلى بغداد دون أن يعطيه ابن عباد درهماً واحداً على ثلاث سنوات قضاها عنده , وكتب ابن حيان في (مثالب الوزيرين) بعد ذلك قام أبو الوفا المهندس صديق أبي حيان , والذي اكتسب لقبه من صناعته , قام بالتقريب بين أبي حيان والوزير أبي عبدالله العارض , فأصبح أبو حيان من سمّار الوزير وندمائه لأربعين ليلة , طلب منه بعدها أبو الوفا المهندس أن يدوّنها في كتاب , وهدده إن لم يفعل بقطع ما بينه وبين الوزير , فكتب أبو حيان تحت ضغط الخوف والقهر كتاباً من أجمل الكتب العربية < الأمتاع والمؤانسة> وفي نهاية الكتاب كتب رسالة أنقل إليك بعضاً من فقراتها :
أيها الشيخ سلمك الله بالصنع الجميل , وحقق لك وفيك وبك غاية المأمول , وأنا أسأل الله أن يحفظ عنايتك علي , كسابق اهتمامك بأمري , حتى أملك بهما ما وعدتنيه من تكرمة هذا الوزير الذي قد أشبع كل جائع , وكسا كل عارٍ , وتألف كل شارد , وأحسن إلى كل مسيء . ولم يبق في هذه الجماعة على فقره وبؤسه غيري , مع خدمتي السالفة والآنفة , وبذلي كل مجهود , ونسخي كل عويص , وقيامي بكل صعب , والأمور مقدرة , والحظوظ أقسام , والكدح لا يأتي بغير مافي اللوح )
لكن الظروف كانت أصعب مما يحتمل فهو لايلبث أن يكشف عنها بالتوسل والاستجداء من ظالم لم يعطه ما يشبع جوعه ويسد رمقه قائلاً : ( خلّصني أيها الرجل من التكفف , أنقذني من لبس الفقر , استرني بالإحسان , اكفني مؤنة الغداء والعشاء . إلى متى الكسرة والكسيرة اليابسة , والبقيلة الذاوية , والقميص المرقع . أيها السيد ارع زمام الملح بيني وبينك وتذكر العهد في صحبتي , ودعني من التعلل الذي لا مرد له , والتسويف الذي لا آخر معه ... )
ويظل أبو حيان بعد ذلك يعدد مناقب الوزير ومناقب صديقه أبي الوفا المهندس ثم ينتهي في يأس قائلاً :
( أنا الجار القديم , والعبد الشاكر , لكنك مقبل كالمعرض ومقدم كالمؤخر , وموقد كالمخمد , تدنيني إلى حظي بشمالك , وتجذبني عن نيله بيمينك , وتغديني بوعد كالعسل , وتعشيني بيأس كالحنظل )
رسالة غريبة من كاتب كبير اتسم بالصراحة الزائدة , لكنه أيضاً رضي في وقت ما أن يلتحق بالساسة الخونة الملاعين وفقاً لشروطهم , دون أن يعرف قواعد لعبتهم , لذلك لم يفز منهم حتى بالإياب . اشتد القهر بأبي حيان فأحرق كتبه بعد أن قال عنها في رسالة كتبها إلى القاضي علي بن محمد :
( اعلم أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته , فأما ما كان سراً فلم أجد من يتحلّى بحقيقته راغباً , وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالباً , على أني جمعت أكثرها للناس ولطلبي المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم فأحرقت ذلك كله . وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم ودادا , ولقد اضطررت بينهم -بعد الشهرة والمعرفة - في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة وإلى بيع الدين والمروءة وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق , وإلى ما لايحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ويطرح في قلب صاحبه الألم ... )
رسالة تكشف لنا عن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه ذلك العصر ودفع هذا العالم الفيلسوف الأديب العظيم إلى الجوع والعري الدائم , تحت خط الفقر , لقد انتقم من هذا العصر كله حين أحرق كتبه , وكان حرق الكتب شكلاً من أشكال الانتحار .
أخيراً فإنّ الكتابة هي المعجزة الوحيدة التي صنعها أبو حيان على عينيه في عراكه مع زمنه , واغترابه عن أهله , وحلمه المستحيل بأن ينسج بالكلمات ما يحرر الكون ويأسره , وفي سبيل هذا الحلم تطوح ابن بائع التمر , مؤمناً بالعقل حتى في رفضه له , لائذاً بالحدس حين لم تبق له سوى لغة الإشارة باحثاً عن الصداقة حتى في لعناته التي صبها على الأصدقاء الذين لم يجدهم .. معتزاًَ بكتبه التي أحرقها خوفاً عليها من أن تقع في أيدي من لايعرفون قدرها , مؤمناً بالإنسان حتى في هجومه على الإنسان .
__________________
الشاعر الرجيم