الشاعر الرجيم
13-02-08, 02:06 PM
من الشواهد العلمية التي تختص بعلم الكيمياء قول المتنبي في قصيدته الشهيرة
" لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي "
ادرن عيوناً حائرات كأنها ** مركّبةٌ أحداقها فوق زئبق ِ
إذا تجاوزنا المعنى الأدبي للبيت نجد أن الزئبق وبصورته العنصرية السائلة لم يكن معروفاً لدى العلماء المشتغلين بالكيمياء فقط , بل كان معروفا لغيرهم ومنهم الشعراء أو ربما كثر المشتغلون بالكيمياء كثرةً أدت إلى ذيوع وانتشار علومهم مما يعكس -ولو بشكل غير مباشر-مظهراً من مظاهر الحياة العلمية في عصر المتنبي .
فالمتأمل للبيت السابق يجد ملاءمة وتوافقاً عجيبين بين حركة العيون الحائرة وحركة قطرة الزئبق التي لا تكاد تستقر على حال وليس هذا وجه الشبه الوحيد الذي يظن القاريء أن المتنبي قد عناه فقط فهناك من أوجه الشبه تقطع الظن بأن المشبه به وهو الزئبق كان شائع الاستعمال أو على الأقل معروفاً لدى العامة حتى يتسنى لهم إدراك ما يعنيه المتنبي من التشبيه . فمن أوجه الشبه الأخرى بالإضافة إلى الحركة القلقة أو الحيرة -بلغة المتنبي- شكل كل منهما ونعني بالشكل الاستدارة أي أن كلاً منهما على شكل كرة فإذا كانت العين -كماهو معروف- ذات هيئة كروية فإن قطرة الزئبق أيضاً تتشكل ككرة مستديرة نظراً للتوتر السطحي الناتج من كبر قوى التماسك عن قوى الالتصاق هذا فضلاً عن وجه شبه ثالث وهو التماثل بين لونيهما ؛ فبياض العين المائل إلى اللون الفضي يماثل لون الزئبق في حالته العنصرية السائلة .
ولعل الرياضيات هي العلم الذي اختفت -أو كادت تختفي - فيه الشواهد العلمية غير أن حظها كان كبيراً في الشعر العلمي كرسالة ابن الهيثم المؤلفة من اثنتين وخمسين بيتاً من الشعر في علم الجبر , وأراجيز ابن الياسيمن في الجبر أيضاً وغيرهما من أساطين العلماء العرب في الرياضيات الذين تعددت إضافاتهم وابتكاراتهم وشهد بفضلهم جمهرة المستشرقين . ولئن كان ليس من الغريب أن يأتي العلم من أربابه ومريديه فإن الغريب كل الغرابة أن تأتي فكرة رياضية ممن لم يعرف عنه اشتهاره بهذا العلم ونعني به الشاعر العظيم فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة المعري ؛ فقد كانت فكرة (المالا نهاية) وليدة ذهنه المتوقد صاغها بقوله في بيته المشهور :
ولو طارَ جبريلٌ بقيّةَ عمرهِ * من الدهر ما اسطاعَ الخروج من الدهر ِ
والمعروف أن جبريل والدهر خالدان لاتحدّهما نهاية . ومن ناحية أخرى فقد ثبت فضل سبق العرب في معرفة واستنتاج القانون الرياضي المسمّى بقانون التباديل ففي بيت الشاعر القائل :
حبيبٌ بقلبي مليحٌ جميل ** بديعٌ ظريفٌ رشيقٌ عزيز
قد أثبتوا أنه يتفرع عنه بتقديم ألفاظه وتأخيرها أربعون ألفاً وثلاثمائة وعشرون صورة مع الشرح الكامل لقانون التباديل .
____
" لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي "
ادرن عيوناً حائرات كأنها ** مركّبةٌ أحداقها فوق زئبق ِ
إذا تجاوزنا المعنى الأدبي للبيت نجد أن الزئبق وبصورته العنصرية السائلة لم يكن معروفاً لدى العلماء المشتغلين بالكيمياء فقط , بل كان معروفا لغيرهم ومنهم الشعراء أو ربما كثر المشتغلون بالكيمياء كثرةً أدت إلى ذيوع وانتشار علومهم مما يعكس -ولو بشكل غير مباشر-مظهراً من مظاهر الحياة العلمية في عصر المتنبي .
فالمتأمل للبيت السابق يجد ملاءمة وتوافقاً عجيبين بين حركة العيون الحائرة وحركة قطرة الزئبق التي لا تكاد تستقر على حال وليس هذا وجه الشبه الوحيد الذي يظن القاريء أن المتنبي قد عناه فقط فهناك من أوجه الشبه تقطع الظن بأن المشبه به وهو الزئبق كان شائع الاستعمال أو على الأقل معروفاً لدى العامة حتى يتسنى لهم إدراك ما يعنيه المتنبي من التشبيه . فمن أوجه الشبه الأخرى بالإضافة إلى الحركة القلقة أو الحيرة -بلغة المتنبي- شكل كل منهما ونعني بالشكل الاستدارة أي أن كلاً منهما على شكل كرة فإذا كانت العين -كماهو معروف- ذات هيئة كروية فإن قطرة الزئبق أيضاً تتشكل ككرة مستديرة نظراً للتوتر السطحي الناتج من كبر قوى التماسك عن قوى الالتصاق هذا فضلاً عن وجه شبه ثالث وهو التماثل بين لونيهما ؛ فبياض العين المائل إلى اللون الفضي يماثل لون الزئبق في حالته العنصرية السائلة .
ولعل الرياضيات هي العلم الذي اختفت -أو كادت تختفي - فيه الشواهد العلمية غير أن حظها كان كبيراً في الشعر العلمي كرسالة ابن الهيثم المؤلفة من اثنتين وخمسين بيتاً من الشعر في علم الجبر , وأراجيز ابن الياسيمن في الجبر أيضاً وغيرهما من أساطين العلماء العرب في الرياضيات الذين تعددت إضافاتهم وابتكاراتهم وشهد بفضلهم جمهرة المستشرقين . ولئن كان ليس من الغريب أن يأتي العلم من أربابه ومريديه فإن الغريب كل الغرابة أن تأتي فكرة رياضية ممن لم يعرف عنه اشتهاره بهذا العلم ونعني به الشاعر العظيم فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة المعري ؛ فقد كانت فكرة (المالا نهاية) وليدة ذهنه المتوقد صاغها بقوله في بيته المشهور :
ولو طارَ جبريلٌ بقيّةَ عمرهِ * من الدهر ما اسطاعَ الخروج من الدهر ِ
والمعروف أن جبريل والدهر خالدان لاتحدّهما نهاية . ومن ناحية أخرى فقد ثبت فضل سبق العرب في معرفة واستنتاج القانون الرياضي المسمّى بقانون التباديل ففي بيت الشاعر القائل :
حبيبٌ بقلبي مليحٌ جميل ** بديعٌ ظريفٌ رشيقٌ عزيز
قد أثبتوا أنه يتفرع عنه بتقديم ألفاظه وتأخيرها أربعون ألفاً وثلاثمائة وعشرون صورة مع الشرح الكامل لقانون التباديل .
____