المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مزاعم العهد القديم


MARISOLE
26-01-08, 06:59 PM
قيادة يشوع بن نون لبني إسرائيل: بين الواقع والأسطورة
د. أسامة محمد أبو نحل
رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة الأزهرـ غزة



اعتقد بنو إسرائيل أن دخولهم أرض كنعان لن يحتاج حرباً لأنها موعودةٌ لهم من الرب ، لذلك رفضوا دخولها ، لأن ذلك يعني توريطهم في حربٍ مع سكانها الأصليين رغم أن موسى قام بتحريضهم على القتال ، فلم يستجب لموسى إلا أخوه هارون. قال تعالى: "تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى" (الحشر:الآية 14). فقد تمكنت منهم المذلّة ، إذ قالوا لموسى: "ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف. تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة أليس خيراً لنا أن نرجع إلى مصر. فقال بعضهم لبعض نقيم رئيساً ونرجع إلى مصر "(سفر العدد: 1 ـ 4). أي أنهم أعلنوا العصيان ضد شخص موسى نفسه.
والحقيقة فإن التراث الديني لبني إسرائيل مشبع بالأدلّة التي لا تقبل الشك على أن الذين رافقوا موسى إلى سيناء لم يكونوا أكفّاء لحمل عبء التوحيد وفلسفته التجريدية الرفيعة ، ولم يجدوا فيما تقدمه الديانة الجديدة ما يشبع احتياجاتهم إلى الاعتبارات المادية.
وعن شدّة أهل كنعان قال تعالى: "ياقوم ادخلوا الأرضَ المقدسةَ التي كتبَ اللهُ لكم ولا ترتدُّوا على أدبارِكُم فتنقلبوا خاسرينَ* قالوا يا موسى إنَّ فيها قوماً جبَّارينَ وإنَّا لن نَّدخُلهَا حتى يخرُجُوا منها فإِن يخرُجُوا مِنها فإِنَّا داخِلون* قالَ رَجُلانِ من الَّذين يَخَافُونَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهمَا ادخُلُوا عَلَيِهم البَابَ فإِذَا دَخَلتُمُوهُ فإِنَّكُم غَالِبونَ وعَلَى اللهِ فَتَوكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ* قَالُوا يا مُوسى إِنَّا لَن نَّدخُلَهَا أَبَداً مَّا دامُوا فِيهَا فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهُنَا قَاعِدونَ* قَالَ رَبِ إِنّي لا أَملِكُ إلا نفسي وأَخِي فافرُق بَينَنَا وبينَ القومِ الفَاسِقِين* قَالَ فإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم أَربَعينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرضِ ، فَلا تَأسَ عَلَى القومِ الفاسِقينَ" * (المائدة: الآيات 21 ـ 26) . أي أن الجبن صفة جوهرية للشخصية الإسرائيلية حتى مع وجود نبي بين ظهرانيهم ، فهو شعب ليس في كيانه إلا عواطف ذليلة خانعة.
والواضح أن استعداد سكان أرض كنعان الأصليين للمقاومة من جهةٍ وخوف الإسرائيليين من جهةٍ أخرى حمل موسى وأتباعه على الاتجاه شرقاً ، بعد أن أمضى بنو إسرائيل أربعين عاماً من التيه في سيناء ، فدخل فلسطين من الجنوب، ثم اتجه من هناك إلى شرق الأردن ، حيث قاومهم سكان المنطقة من الأدوميين والعموريين ، فاضطر موسى إلى سلوك طريق طويلة إلى خليج العقبة ثم إلى جهات معان ثم إلى مأدبا ، وقيل أن موسى توفى في الجهة الأخيرة ، دون أن يتمكن من دخول أرض كنعان ، واضطر بنو إسرائيل إلى التمركز في جبال سعير جنوبي البحر الميت .
تولى يشوع بن نون القيادة بعد موسى ، غير أن ما قيل عن قيادة يشوع بن نون لبني إسرائيل بعد وفاة موسى تحتاج لبحثٍ خاص وهو ما سيكون موضوع هذه الدراسة لما قيل عن شخصيته الأسطورية ، أو حتى عدم وجوده أساساً على مسرح التاريخ. وينبغي الإشارة إلى أننا سوف نتناول هذا الموضوع بذكر رواية التوراة الخاصة بيشوع بن نون ثم نرّد عليه بما ذكره الباحثون من التقليل بأهمية هذه الشخصية.
ومنذ أن آل أمر بني إسرائيل بعد موت موسى عليه السلام إلى يشوع بن نون خادمه وفتاه ، بدأ كتبة التوراة بوضعه في مركزٍ متقدم لا يقل عن مركز موسى نفسه ، فكما كلّم الرب موسى من قبل ، فقد كلّم يوشع من بعد ، وكما آثر الرب موسى بمعجزة انفلاق البحر في مصر، آثر يوشع بمعجزة شق نهر الأردن وإيقافه عن الجريان في بلاد كنعان ، كما وضع مسير الأفلاك تحت تصرفه ، فالشمس تتوقف عن مغيبها عند "جبعون" والقمر لا يبزغ في حينه على "وادي أيلون".
ودار لغطٌ كبير حول حقيقة ما ورد في سفر يشوع عن كيفية عبور بني إسرائيل مع قائدهم يشوع لنهر الأردن وكيفية استيلائه على جزء من أرض كنعان. لذلك سوف نبدأ بسرد الأحداث التاريخية الخاصة بهذا العبور ومن ثم الاستيلاء على مدينة أريحا كما وردت في سفر يشوع. وإيرادنا لرواية التوراة لا يعني بحالٍ من الأحوال موافقتنا على ما جاء فيها ، ولكننا سوف نذكرها لنقوم فيما بعد بالرد على ما ورد فيها بناءً على ما أثبتته أعمال الحفر التي قام بها الباحثون المنصفون.
تذكر رواية التوراة أن يشوع أرسل بعض العيون ليتجسس على طبيعة الوضع في أريحا قبل مهاجمتها ، وكانت الإسرائيلية "راحاب" وليست الكنعانية أول من قامت بهذا العمل حيث دخلت أريحا للحصول على المعلومات المكلفة بها عن طريق الدعارة وبث الشائعات على أنها من بنات المدينة. وعرف أهل المدينة ـ التي نوى الإسرائيليون غزوها ـ بيت راحاب الفاتنة الجميلة ، ونسوا طبيعة الحذر والتشكك بينما هي تحصل منهم على المعلومات.
ولمّا كانت أريحا أول مدينة يدخلها الإسرائيليون ، فقد لاقت الأهوال على أيديهم ، إذ حاصروها ثم قاموا بإحراقها وقتل سكانها ، كما استولوا فيما بعد على معظم جنوب فلسطين.
وتزعم التوراة أن استيلاء بني إسرائيل على أرض كنعان زمن يشوع كان بناءً على الوعد الذي منحه الرب لهم زمن أجدادهم من إبراهيم حتى موسى.
وإذا كانت الروايات السابقة قد ذكرت أن مهمة غزو بلاد كنعان قد بدأت على يد يشوع بن نون إلاّ أن بعض الباحثين الغربيين في الآونة الأخيرة أعملوا الفكر في محاولة فهم لإعادة تقييم كل المصادر القديمة ، فالعلم الحديث أصبح يعطينا معلومات دقيقة عن أحداث العالم القديم من مختلف المصادر سواء المصرية والبابلية والسورية والكنعانية واليونانية. فأول ما لاحظه الباحثون هو الطبيعة الأسطورية التي اتسم بها وصف المعارك حيث تقف الشمس استجابة لنداء يشوع ، وتنهار الحصون لصراخ بني إسرائيل ، وتنهزم العجلات الحربية أمام جماعات ليس لديها أسلحة تحارب بها.
وبمقارنة ما جاء في سفر يشوع بما ورد في سفر القضاة الذي يتلوه مباشرة ، يظهر لنا أن بني إسرائيل لم يشرعوا في دخول أرض كنعان إلاّ بعد موت يشوع. وهذا السفر الأخير يبين لنا أن الإسرائيليين بعدما خرجوا من سيناء بقوا مدة طويلة يقيمون في منطقة سعير جنوبي البحر الميت ، وأن دخولهم لأرض كنعان لم يكن ضمن حرب شاملة ضد أهالي البلاد ، بل في محاولات فردية قامت بها بعض القبائل الإسرائيلية للتسلل إلى المناطق غير المأهولة بالسكان أولاً.
وتذكر المصادر المصرية أن كنعان كانت طوال القرن الثالث عشر قبل الميلاد خاضعة للنفوذ المصري ، كما توصّل علماء الدراسات التوراتية إلى أن سفر يشوع لا يمثل أية حقيقة تاريخية ، وإنما صاغه كتبة بني إسرائيل أثناء مرحلة السبي البابلي خلال القرن السادس قبل الميلاد ، مستخدمين بعض الروايات القديمة التي تسبق عصر بني إسرائيل والمتضمنة الأخبار المتعلقة بحروب ممالك كنعان فيما بينها. ومما يؤكد ذلك طبيعة أسلوب الكتابة المستعملة نفسه ، ومع ذلك فغالبية العلماء لم تنكر وجود يشوع خليفة موسى كشخصية تاريخية.
وتمكن علماء الحفريات في القرن المنصرم ليس فقط من إثبات كذب أسطورة غزو الإسرائيليين لأرض كنعان بل ونفضوا الغبار أيضاً عن القصة الحقيقية لتسلل قبائل بني إسرائيل إلى المناطق المهجورة في كنعان.
فقد كان الفخار من أهم الوسائل التي اعتمد عليها الأثريون في تحديد التواريخ القديمة وعلاقات الأمم ببعضها البعض ، كما كانت التجارة بين بلاد اليونان وأرض كنعان منتعشة آنذاك بفضل الأساطيل الفينيقية. وكان الفخار اليوناني قد انقطع ولم يُوجد في كنعان في فترة ما بعد القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، مما دعا عالم الآثار الإسرائيلي (إيغال يادين) إلي الزعم بأن مدينة حاصور قد دمرت في ذلك الوقت لعدم وجود هذا النوع من الفخار. ولكن العالم السويدي (أرين فورمارك) المتخصص في الفخارِ اليوناني ، فسّر هذه الظاهرة بأن مدينة "أرجوليس" اليونانية التي كانت تُنتج هذا النوع من الفخار قد تعرّضت خلال تلك الفترة للدمار ، فلم يصل أيّ من إنتاجها من الفخار إلى بلاد الشام آنذاك. ولذلك فإن هذا النوع من الفخار ـ الذي لم يعثر عليه يادين في حاصور ـ لم يتم العثور عليه في أي موضع آخر من بلاد الهلال الخصيب ، لأنه لم يصل إلى هذه المنطقة أصلاً ، وهذا ما ينفي قوله أن حاصور قد دمرت في تلك الفترة.
أما الدليل الذي قدمه يادين للزعم بأن حاصور قد دمرت بالنيران هو موقع المعبد ، ورغم أنه اعترف بأن بقايا السقف الساقط كانت بيضاء إلاّ أنه ذكر أنه وجد رماداً في منطقة المعبد بالقرب من مذبح البخور ، ولم يستطع أن يقدم أي دليل آخر.
وفي دراسةٍ لباحثٍ إسرائيلي هو (إسرائيل فنكلشتاين) بيّن فيها أن الدراسات الأثرية الحديثة أثبتت أن أريحا لم تكن مُحاطة بسورٍ بالمرة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، فترة العصر البرونزي المتأخر. ولم يتم إيجاد أي أثرٍ لأي موقعٍ سكاني في مواقعٍ كثيرة أخرى ورد ذكرها في التوراة ، أي أن دمار المدن الكنعانية لم يكن نتيجة لحملةٍ إحتلالية واحدة بقيادة عسكريٍ واحد (يشوع بن نون) ، بل عملية متواصلة لفترة مائة عام على الأقل تدمّرت خلالها مدن وتجمعات سكنية في المنطقة.
وتؤكد بعض المصادر أن غزو بني إسرائيل لأرضِ كنعان لم يكن كما زعم سفر يشوع بالقتالِ المباشر مع سُكانها الأصليين بل عن طريق "التسلل السلمي" Infiltrate Peacefully أي داخل المناطق غير المأهولة بالسكان أو المناطق التي كان سُكانها متناثرين ، وذلك في الوقت الذي لم تُمارس فيه مصر أي سيطرةٍ حازمة على البلاد. وكان هذا الغزو السلمي أو ما يُسمى بأخذ ملكية الأرض كان متبوعاً بفترة التعزيز عندما استقروا ، ثم دخلت هذه القبائل في صراعٍ مع الكنعانيين.
وكان استقرار الإسرائيليين في أرض كنعان قد أخذَ بالفعل مدةٍ طويلة تميّزت بالإزاحات المتنوعة للبشر. وبناءً على ذلك فإن قصة غزو بلاد كنعان كما وردت في سفر يشوع غير صحيحة ، بل إن يشوع نفسه لم يلعبَ أي دورٍ تاريخي بالنسبة لبني إسرائيل.
وبعد الحرب العالمية الثانية كانت قد ظهرت مدرسة جديدة من علماء الآثار التزمت بقراءة الأدلّة بشكلٍ موضوعي ، ظهر منها "كاثلين كينيون" البريطانية و"أميحاي مازار" الإسرائيلي ، حيث توصلا إلى أن الموجة الثانية من الدمارِ الذي تعرضت له مدن الساحل الكنعاني لم تتم إلاّ عند بداية العصر الحديدي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، وقطعاً لم يكن يشوع هو الفاعل ولا حتى قبائل بني إسرائيل ، وإنما على أيدي أعدائهم الفلسطينيين (أقوام البحر).
وقد اتضح أن الإسرائيليين بعدما خرجوا من سيناء في بداية القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، ظلّوا حوالي القرن من الزمان يقيمون في منطقة سعير الجبلية جنوبي البحر الميت وأن دخولهم فيما بعد لأرض كنعان كان على فترات ومراحل متباعدة. وكانت المناطق التي سكنوها في شرق فلسطين هي المناطق المهجورة والجبلية البعيدة عن ممالك المدن ، حيث ابتنوا لأنفسهم الأكواخ والقرى على سفوح جبال شرق فلسطين بعيداً عن الكنعانيين. وذلك في الوقتِ الذي كان الفلسطينيون فيه قد امتزجوا بأهل كنعان وأخذوا في بناء المدن المحصنة على طول الساحل الغربي.
وفيما يخص هذه القضية بقي أن نُشير إلى السبب الذي مهّد للإسرائيليين لغزو بلاد كنعان والمتمثل في الشقاق والحروب فيما بين الممالك الكنعانية بسبب حكّامها الإقطاعيين المستبدين والذين كان همهم الوحيد هو الحفاظ على سيطرتهم. وكذلك ضعف مصر التي لم تكن قادرة على السيطرةِ التامة على ممتلكاتها في كنعان ، فتركوها على حالِها ، وكان جلّ اهتمامهم فقط هو جمع الجزية على أيدي مأمورين متفسّخين.


مراجع الدراسة
(1) القرآن الكريم.
(2) العهد القديم : انظر سفر العدد: الإصحاح 14 الآيات 1 ـ 4 .ويشوع: الإصحاح 2 ، 3 ، 4 ، 10 ، 21. والقضاة: الإصحاح الأول.
(3) أحمد سوسة (الدكتور) : العرب واليهود في التاريخ. حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الأثرية ، سلسلة الكتب الحديثة ، ط2 ، دمشق 1973.
(4) أحمد عثمان : تاريخ اليهود. ج1 ، مكتبة الشروق ، القاهرة 1994.
(5) بيان نويهض الحوت : فلسطين . التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين (1917). دار الاستقلال للدراسات والنشر ، ط1 ، بيروت 1991.
(6) توماس طومسون (الدكتور) : التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي. ترجمة : صالح علي سوادح ، ط1 ، بيسان للنشر والتوزيع ، بيروت 1995.
(7) سبتينو موسكاتي : الحضارات السامية القديمة. ترجمه وزاد عليه : د. السيد يعقوب بكر. راجعه : د. محمد القصاص ، دار الرقي ، بيروت 1986.
(8) فؤاد حسنين علي (الدكتور) : إسرائيل عبر التاريخ. ج1 ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، ب.ت.
(9) محمد أديب العامري : عروبة فلسطين في التاريخ. المكتبة العصرية ، بيروت ـ صيدا 1972.
(10) محمد بيومي مهران (الدكتور) : بلاد الشام (سلسلة مصر والشرق الأدنى القديم (8). دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية 1410هـ (1990م).
(11) ــــ: دراسات تاريخية من القرآن الكريم (2) في مصر. دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية 1995.
(12) مصطفى مراد الدباغ : بلادنا فلسطين. ج1 ، القسم الأول ، منشورات دار الطليعة ، بيروت 1965.
(13) جريدة الأيام الفلسطينية. العدد 829 ، السنة الثالثة ، 15/4/1998.
(14) De Vaux (Roland), The Early History of Israel to the Exodus and Convenant of Sinai. Trans. By David Smith, Vol II, Darton, Longman & Todo, London 1978

MARISOLE
26-01-08, 07:00 PM
حدود مملكة داود
بين روايات العهد القديم والدراسات الحديثة
د. أسامه محمد أبو نحل
الأستاذ المساعد بقسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة الأزهر ـ غزة

أدت الهزائم المتتالية ببني إسرائيل إلى إدراك شيوخها بضرورة اتحاد قبائلهم لمواجهة خطر الفلسطينيين، فطلبوا من زعيمهم الديني النبي صموئيل آخر القضاة ـ الذين حكموهم ـ تعيين ملكاً عليهم، نظراً لتقدمه في السن. فاختار لهم شاءول بن قيس ( (http://www.fustat.com/ancient_hist/mazaim2.shtml#_ftn1)1) ليكون أول ملك على بني إسرائيل، الذي نشأ في أسرة فقيرة متواضعة، وكان يرعى أبقار أبيه، وبذلك انتهت فترة عصر القضاة بعد أن ألقى النبي صموئيل خطبة الوداع ببني إسرائيل حيث بيّن فيها معارضته للنظام الملكي.
وادعّت التوراة أن القبائل الإسرائيلية الاثنتى عشرة التي كانت منتشرة فوق الجبال الفلسطينية قد عقدت تحالفاً في شكيم، وتشير بعض الاجتهادات إلى أن هذه القبائل قد أرسلت وفوداً أو ممثلين عنها لتشكيل مجلس للعشائر، إلاَّ أن هذا الرأي تم رفضه حتى من بعض التوراتيين الذين يعتقدون اعتماداً على النص التوراتي، بأن القبائل المتحالفة كانت تفتقر إلى حكومة مركزية أو وحدة سياسية في الوقت الذي كانت فيه الممالك الآرامية من عمونيين ومؤابيين وأدوميين قد تشكلت منذ فترة طويلة، وتحول هذا التحالف إلى دولة سياسية بقيادة شاءول.
وفكرة الملكية عند بني إسرائيل لـم تأتِ من مصادر خارجية فحسب، وإنما تشكلت هذه الفكرة بالتدريج على أُسس مُقتبسة من جيرانهم ومن الدول المجاورة لهم؛ غير أنها اختلفت نوعاً ما في ناحيتين: فالتنظيم القبلي بقي لأغراضٍ إدارية من جهة، كما أن الملك كان عليه أن يحكم وفق أوامر يهوه (إله بني إسرائيل)، يضاف إلى ذلك اختلاط الموسويين (أتباع موسى عليه السلام) خلال عصر القضاة بالكنعانيين فعرفوا منهم الملكية، مما حملهم إلى النظر في فوائد الحكومة الملكية، ولعل ما شاهـدوه من أبهة الملك في الشعوب المحيطة بهم دفعهم للإقتداء بهم، فجمعوا كلمتهم ونصبوا عليهم ملكاً، وبذلك تحولت المحالفة الضعيفة بين القبائل إلى مملكة إسرائيلية، وكانت فترة الملكية الفترة الفاصلة في تاريخ بني إسرائيل مع أنها لم تقم على أساس ثابت، فلم يستطع ملوكها العظـام أمثـال داود وسليمـان القضاء تماماً على عوامل الهدم داخل مملكتهم.
بـــدأ عهد الملكية بالملك شاءول ولم تتعدَّ حدود مملكته، عشيرته بنيامين، وكان مسكنه عبارة عن خيمة، وحاول قيادة بني إسرائيل وإخـراجهم من وضع المذلة والانحلال، فلم ينجح، وظل الكنعانيون يقاومونه، هم والفلسطينيون (أقوام البحر)، وكان شاءول قد اتخذ من "جيبا" عاصمة له، واستبدل بذلك التجمع حول الإله يهوه بالحكم الملكي الذي لم يرض عنه المتدينون واعتبروا التطور الجديد تقليداً أجنبياً، الأمر الذي أضعــف قوة شاءول الذي حاول السيطرة على الوضع بالأساليب العسكرية، إلاَّ أنه بقى يفتقر إلى السلطة المركزية وانضمام القبائل تحت لوائه، وكان لهذه الحالة أثرها المباشر على الأوضاع العسكرية والصراع مع الفلسطينيين.
وأُصيب شاءول في أواخر حياته بلوثة عقلية فاتهم كثير من أتباعه بالخيانة ومن بينهم داود الذي عمل لديه موسيقياً وزوجه ابنته ميكال وجعله أحد كبار قواده، وانتهى أمر شاءول بهزيمته على يد الفلسطينيين وقتلهم لأولاده الثلاثة وإصابته هو بجروحٍ بليغة أدت إلى موته في معركة "جلبوع" (فقوعة) من أرض فلسطين، ودلت الحفريات في "تل الفول" على أن شاءول لم يحكم سوى جزء صغير من أرض فلسطين، وبذلك لم ينجح شاءول بتوحيـد الشمال والجنوب وتحرير بني جلدته من يد العبودية رغم أن النظام الملكي بقي قائمـاً بعــده، ودام حكم شاءول على قومه قرابة العامين.
فترة حكم داود (1010- 971 ق.م.):
بدأ الصعود الرهيب لنجم داود، الذي جعل من الإسرائيليين قوة سياسية، كان داود في بداية أمره حامل سلاح لشاءول، الذي عمد فيما بعد على إبعاده لغيرةٍ وقعت في نفسه من داود نتيجة لانتصارات الأخير ضد الفلسطينيين من ناحية ولنبوءة النبي صموئيل لشاءول بأن الرب سيمنح المملكة لداود، والأكثر من ذلك أنه حاول قتله، فهرب داود إلى بيت لحم في الضفة الغربية لنهر الأردن.
ونقوم هنا بإيراد تاريخ النبي والملك داود كما ورد في العهد القديم مع تحفظنا الشديد بل ورفضنا القاطع لما ورد في روايات العهد القديم فيما يمس شخص نبي مرسل مثل داود وذلك بتصوير تلك الروايات له بأنه شخص غير سوي يرتكب الفاحشة ـ تعالى الله عما يقولون وعما يصورون به نبي من أنبيائه ـ كما نتحفظ فيما يخص الرواية التي تحدثت عن مملكة داود المترامية الأطراف والتي بلغت من نيل مصر إلى فرات العراق، وسوف نقوم بالرد على تلك الادعاءات في حينها.
زعم العهد القديم أن داود كوّن في منفاه زمرة مسلحة للغزو كما تدعي التوراة، وعمل داود مع مرتزقته في خدمة الفلسطينيين، الذين كانوا آنذاك يحاربون بني إسرائيل، وضاعف داود غاراته لحساب "أخيش" ملك جت الفلسطيني، وفي ذلك ورد في التوراة ما نصه: "وضرب داود الأرض ولم يستبق رجلاً ولا امرأة وأخذ غنماً وبقراً وحميراً وجمالاً وثياباً ورجع وجاء إلى أخيش"، وبذا اعتقد "أخيش" الملك الفلسطيني أن داود قد أصبح مكروهاً من بني جلدته الإسرائيليين، وبالتالي أصبح عبداً مخلصاً له.
ويعلق المفكر الفرنسي رجاء جارودي على غارات داود على قومه بأن الأمر في هذه الغارات لم يكن أمر تحريم وإبادة مقدسة، أمر بها يهوه الرب، كما كانت على عهد يشوع بن نون، وإنما كانت مجرد عمليات سطو مسلح، دنيوية محضة، وسياسية، قامت بها المملكة التي سوف يشيدها داود، لا مع الفــرق المجندة في الأسباط بل مع جنده المحترفين من كل جنس، والذين كان لهم تأثير هائل متفوق، غير أن الفكر الإنساني يرفض هذه الهراءات المزعومة والمنسوبة إلى نبي من أنبيـــاء الله، رغم أن المروجين لها هم الإسرائيليين أنفسهم أتباع داود، فكيف يحل لنبي من الناحية الدينية أن يكوّن عصابة مسلحة من المرتزقة يكون عملها الأساسي قتل الأنفس وسرقة الماشية والثياب، فضلاً عن ذلك اتهام داود نفسه بأنه قد عمل مرتزقاً لدى أعداء قومه، ويرُد القرآن الكريم على هؤلاء ليدحض مكرهم بتدنيس سيرة نبي صالح من أنبياء الله هو داود ـ الذي ضرب به رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل لمن أراد العمل بحرفة شريفة كريمة ـ قال تعالى: "... وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ".
لم يتردد داود كذلك في أن تكون له علاقات مع قبائل الجنوب، ومع قبيلة (سبط) يهوذا، وهذا ما يفسر لنا سر تولي داود الحكم فيما بعد على قبائل بني إسرائيل، ولمَّا كان داود قـد تـزوج من ميكـال ابنة شاءول، فقد كان صهراً للملك القديم، وهو ما جعله الخليفة الشرعي لحكم بني إسرائيل، خاصة وأن أبناء شاءول كانوا قد قُتلوا في موقعة جلبوع، فمسح أبناء قبيلة يهوذا داوداً وعينوه ملكاً عليهم.
ابتدأ حكم الملك داود (971-1010 ق.م.) على وجه التقريب، وبرغم أن داود كان في بداية حكمه خاضعاً لنفوذ أسياده الفلسطينيين، غير أنه تمكن في نهاية عهده من حكم أوسع رقعة من الأرض عرفتها المملكة الإسرائيلية، ولوقتٍ طويل كانت نظرة الفلسطينيين تجاه داود حيادية ـ أثناء الصراعات الإسرائيلية الداخلية ـ فداود كان قد التجأ إلى "مؤاب" لمّا أراد كسب حليف لـــه ضد غريمه شاءول، كما كان قد أبرم اتفاقاً مع الفلسطينيين، وبناءً عليه أقطعه الفلسطينيون "مدينة صقلغ"، فأصبح بطبيعة الأمر خاضعاً لهم، ولم يكن هذا الأمر سهلاً على داود، فهو موقف يناقض بصيرته الثابتة في الشئون السياسية والدبلوماسية، ويبدو أنه كان مرغماً عليه، والدليل على ذلك أنه لمَّا تولى الحكم أمر بالقضاء على سكان صقلغ بالــذات ( أي المدينة التي آوته من قبل)، فأمر بقتل جميع سكانها نساءً ورجالاً وأطفالاً، كما زعمـت التـوراة أن داود استطاع فيما بعـد من بنـاء دولتـه، واختـار أورشـليم( (http://www.fustat.com/ancient_hist/mazaim2.shtml#_ftn2)2) مركزاً لها، بعد أن دخلها مع مـرتزقته وسماها "مدينة داود" واستقدم داود تابوت العهد الذي أخذه الفلسطينيين، ووضعه في أورشليم، ليجعل من هذه المدينة مركزاً للرابطة بين الأسباط الأثنى عشر حدود مملكة داود:
كانت مملكة داود تمتد تقريباً من جبل الكرمل وتل القاضي إلى جبل الشيخ شمالاً وإلى حدود مصر ونهر الموجب جنوباً، وكانت تمتد إلى الصحراء شرقاً، وهذا أعظم اتساع لأي مملكة إسرائيلية، أما الساحل الفلسطيني الممتد شمالي يافا إلى جنوب غزة فكان تابعاً لمصر، ويتضح من ذلك أن كـل فلسطين لـم تقع تحت حكم الإسرائيليين حتى في ذروة فتوحاتهم، وهذا ما نميل إليه.
وتذكر بعض المراجع أن مملكة داود كان لها السيطرة على كل فلسطين والمناطق الصحراوية المحيطة بها وجزء كبير من سوريا، غير أن الكاتب الإسرائيلي "إسرائيل فنكلشتاين" يذكر أن من القضايا التي ذكرت في التوراة ويجب أن تُفسر بشكلٍ مغاير وفقاً للمكتشفات الأثرية الجديدة، وصف التوراة للملك داود كحاكمٍ لإحدى الدول الإمبريالية الأقوى في الشرق القديم، ففنكلشتاين يعتقد أن داود لم يكن سوى حاكم عسكري قبلي مع ضابط عسكري ممتاز.
وينفي الأستاذ أحمد عثمان ما جاء في سفر صموئيل الثاني، من أن داود كان قد استولى على مدينة القدس الحصينة من اليبوسيين أوائل القرن العاشر قبل الميلاد، وأن الوحيد الذي فتحت له هذه المدينة أبوابها لاستقباله في سلامٍ هو الفرعون المصري "تحتمس الثالث" قبل داود بخمسة قرون، لذا عُرفت فيما بعد باسم "أورشليم" أي "مدينة السلام". كما يؤكد أحمد عثمان أن قصة الإمبراطورية الإسرائيلية المترامية الأطراف إنما استعارها الكهنة لشحذ همة بني إسرائيل لكي يتعظوا بما جرى لهم فلا يعودون إلى عبادة الأصنام، كما أنه ليس صحيحاً ما جاء في سفر الملوك الثاني من أن مدينة القدس كانت عاصمة لمملكة يهوذا عندما حطمها "نبوخذ نصّر" فيما بعد عام 586 ق. م. ، لأنها كانت ما تزال في يد أصحابها اليبوسيين (الكنعانيين) الذين أفناهم جيش الملك البابلي عن أخرهم وترك مدينتهم حطاماً، فكل الأدلة المتوفرة تؤكد أن بني إسرائيل لم يدخلوا أبداً إلى أورشليم، ولم يقدسوا في معبدها؛ ولكن الإسرائيليين ـ الذين أصبحوا يهوداً بعدما فرض عليهم الكاهن عزرا تعاليمه وأوامر الملك الفارسي أرتحششتا حيث كان يعمل في بلاطه ـ العائدين من بابل هم أول من فعل ذلك بعد سقوط الإمبراطورية البابلية على يد "قورش" ملك الفرس، والجدير بالذكر أن كُتب التوراة الخمسة الأولى والمنسوبة إلى موسى هي فقط التي كُتبت خلال القرن السادس قبل الميلاد، أما أسفار العهد القديم الأخرى فلم تأخذ شكلها الحالي إلا بعد ذلك بثلاثة قرون.
كانت قبائل يهوذا تسكن المنطقة الجبلية المحيطة بمدينة القدس الحصينة، لذلك نجد أن ادعاء كتبة سفر صموئيل الثاني بأن داود استولى على هذه المدينة ليس له أساس من الصحة، ورغم ذلك استمرت كتب أسفار الملوك التالية في اعتبار أورشليم عاصمة لمملكة يهوذا وإن كان من الواضح أن هذه المدينة لم تكن لها علاقة بما يجري من أحداث، وإنما أراد كتبة العهد القديم عند إعادة صياغة هذه الكتب جمع اليهود على مدينة يقدسونها مع تبرير حق لهم فيها، الأمر الذي لم يتم إلاَّ بعد دمار هذه المدينة وقتل سكانها الأصليين على أيدي البابليين.
وكان أهل يهوذا يقيمون مذابحهم وعباداتهم عند قمم الجبال العالية شأنهم في ذلك شأن باقي الشعوب الكنعانية، وكانت القدس بسبب وجود المسطح الصخري الواقع أعلى المدينة شمالاً، تعتبر أهم منطقة للعبادة في كل أرض كنعان، ولكن موقع المدينة الحصين ووجود أسوار قوية حولها، جعلها أقل عرضة لهجمات الأعداء إلى أن فتحت أبوابها لاستقبال "تحتمس الثالث" خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد عندما أدركت عدم جدوى مواجهة جيشه القوي فركز فيها الملوك المصريون فرقـة عسكريـة من المركبات والخيالة ثم أقام مذبح الصخرة وهذا ينفي ما زعمه سفر الملوك الأول من أن "سليمان بن داود" هو الذي قام ببناء هذا المعبد.
وعلى الرغم من أن الدراسات التاريخية الحديثة قد عجزت تماماً عن إثبات أي علاقة بين قبائل بني إسرائيل ومدينة القدس قبل منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، عندما سمح لهم الفرس بسكناها، إلاَّ أن المراجع التــاريخية لا تزال تصر على قبول روايات العهد القديم فيما يتعلق بهذه المدينة، وكان مبررهم هو عدم وجود مصادر تاريخية تغطي تلك الحقبة الزمنية سوى أسفار العهد القديم.
ولقد بُذلت عدة محاولات لمنع ظهور أي دليل تاريخي يبين عكس ما ذكرته أسفار العهد القديم خلال القرن العشرين، منها نتائج أعمال الحفريات التي تتعارض بشكل واضح وصريح مع هذه الروايات، وكان ممن عارض هذه الروايات البروفسور الأمـريكي "طوماس طومسون" أستاذ علم الآثار في جامعة ماركويت بولاية ميللوكي والذي كان جزاؤه الطرد من عمله عندما نشر نتيجة الدراسات التي قام بها في فلسطين والمتضمنة العديد من الأدلة القاطعة على عدم صحة الرواية التوراتية في هذا الصدد.
ويضيف أحمد عثمان أن ما جاء في رواية سفر صموئيل وسفر الملوك الأول بشأن إقامة داود لإمبراطورية تمتد فيما بين نهري النيل والفـرات أورثها لأبنه سليمان بعد موتـه ـ لم يكن لها وجود من الأساس، فداود لم يستطع السيطرة على هذه المنطقة فحسب بل لم يستطع السيطرة على جميع أرض كنعان.
والأدلة التاريخية تؤكد أن أكبر رقعة استطاعت دولة داود تحقيقها من "دان" (تل القاضي) في الشمال إلى "بئر السبع" في الجنوب، ولم يكن لبني إسرائيل وجود في أي موقع على الساحل الفلسطيني ولا في الجليل شمالي فلسطين باستثناء موقع صغير عند تل القاضي، وتشير الأدلة التاريخية إلى أن داود مثله في ذلك مثل شاءول من قبله، كان ملكاً يرأس تحالفاً من القبائل الإسرائيلية التي سكنت الهضاب الفلسطينية.
ويُلاحظ أن الكهنة أثناء وجودهم في بابل خلال القرن السادس قبل الميلاد قد أعادوا صياغة كتب العهد القديم، فاستعاروا من الكتابات المصرية قصة حروب "تحتمس الثالث" الذي قام بإنشاء إمبراطورية مصرية بين النيل والفرات والمنقوشة على جدران معبد الكرنك، وأضافوها إلى رواية ملكهم داود، بل أنهم لم يحاولوا مزج الجزء الذي استعاروه من المصادر المصرية، وأدخلوه كما هو دونما تعديل كبير في وسط الرواية الرئيسية، فظهر واضحاً أنه لا علاقة له بباقي القصة، فنجد داود ومعه جيشه المؤلف من 600 رجل يحاربون في صراع داخلي بين القبائل الإسرائيلية، أو مع الفلسطينيين، وفجأة ترد تفاصيل معركة كبيرة تخوضها جيوش منظمة في مواقع محصنة عديدة من أرض الهلال الخصيب، ولم يكن صدق الرواية التاريخية يهم الكهنة في شيء، بل كان هدفهم الرئيسي من ادعاء هذه الانتصارات العظيمة هو حث بني إسرائيل على ترك عبادة الأوثان والعودة إلى ديانة موسى.
والحقيقة، أن السبب الذي جعل الكهنة يختارون قصة تحتمس الثالث لصالح داود، ليس فقط لأن الملك المصري كان أول من استطاع بناء إمبراطورية اشتملت على معظم أجزاء العالم المعروف في عصره، وليس فقط لأن الجزء الأول من اسمه "تحوت" يصبح في العبرية "دود" وهو الاسم العبري لداود، وإنما أيضاً ـ حسب الأستاذ أحمد عثمان ـ لأن تحتمس الثالث هذا كان الملك المصري الذي أراد الزواج من سارة زوجة إبراهيم الخليل وجدة بني إسرائيل لمَّا حضرت إلى مصر مع إبراهيم، وإن كان لم يدخل بها( (http://www.fustat.com/ancient_hist/mazaim2.shtml#_ftn3)3)
ودولة داود في أقصى اتساع لها، كانت مائة وعشرين ميلاً في أطول أطوالها، وستين ميلاً في أعرض أعراضها، فإذا خرج الرجل من طلوع الشمس من القدس متجهاً ناحية الشرق أو الشمال أو الغرب، يكون بمقدوره بلوغ أطرافها في فترة وجيزة من الصباح، أي أنه لا يقطع أثني عشر ميلاً في أي من هذه الاتجاهات إلاَّ ويكون قد خرج من حدود تلك المقاطعة.
أقام داود علاقات طيبة مع جيرانه الفينيقيين في لبنان وساحل فلسطين الشمالي، إذ يبدو أنه كان خاضعاً لهم، وكانت العلاقة بين مملكة صور ممثلة بملكها حيرام وإسرائيل مبنية على المنفعة المتبادلة بينهما، فصور كانت فقيرة بالمحاصيل الزراعية بينما إسرائيل كانت بحاجة ماسة إلى المواد التي تنقلها التجارة البحرية، كما كانت بحاجة للخشب اللازم للبناء والموجود بوفرة في فينيقيا.
على أية حال، كان عهد داود في مجمله عهد يسر ورخاء، إذ بلغت في عهده الحياة السياسية والتجارية درجة عالية من التقدم في الوقت الذي احتفظ فيه الدين إلى حد بعيد ببساطته الأولى ونقائه القديم، والتفسير الوحيـد والمحتمل لأن تلصق التـوراة هـذه الصـور اللا أخلاقية بداود ومن بعده أبنه سليمان هو أنهما خرجا عن التقاليد العرفية لبني إسرائيل وتزوجا من غير بنات إسرائيل، فالمعروف تاريخياً أن سليمان كان قد تزوج العديد من النساء الأجنبيات واللاتي لا يدن بديانة يهوه.
مع اقتراب وفاة داود، بدأ الصراع يدب بين أبنائه تنازعاً على خلافته، غير أن داود تدخل في الأمر وحسم الموقف واختار سليمان وأمر بمسحه ملكاً على قبائل إسرائيل، ثم مات داود بعيد ذلك بزمن قصير.

مراجع الدراسة
1ـ سورة البقرة: الآية 251.
2ـ سفر صموئيل الأول، الإصحاحات 8، 9، 12، 13-16، 18، 28، 19، 20، 25، 27.
3ـ سفر صموئيل الثاني، الإصحاحات 2، 27، 5، 6، 8-11.
4ـ سفر أخبار الأيام الأول، سفر 18.
5ـ أحمد عثمان: تاريخ اليهود، ج1، مكتبة الشروق، القاهرة 1994.
6ـ د. بيان نويهض الحوت: فلسطين: التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين (1917)، ط1، دار الاستقلال للدراسات والنشر، بيروت 1991.
7ـ جريدة الأيام الفلسطينية، العدد 829، 15/4/1998.
8ـ توماس طومسون: التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، ترجمة: صالح علي سوادح، ط1، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت 1995.
9ـ رجاء جارودي: فلسطين أرض الرسالات الإلهية، ترجمة: د. عبد الصبور شاهين، مكتبة دار التراث، القاهرة 1986.
10ـ سبينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمه وزاد عليه: د. السيد يعقوب بكر، راجعه: د. محمد القصاص، دار الرقي، بيروت 1986.
11ـ د. فؤاد حسنين علي: إسرائيل عبر التاريخ، ج1، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون تاريخ.
12ـ د. فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ترجمة: د. جورج حداد وعبد الكريم رافق، أشرف على مراجعته وتحريره: د. جبرائيل جبور، ج1، دار الثقافة، بيروت 1958.
13ـ د. كامل سعفان: اليهود .. تاريخاً وعقيدة، كتاب الهلال، العدد 364، القاهرة، أبريل 1981.
14ـ محمد أديب العامري: عروبة فلسطين في التاريخ، المكتبة العصرية، بيروت - صيدا 1972.
15ـ مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، القسم الأول، ط1، منشورات دار الطليعة، بيروت 1965.
16ـ د. معاوية إبراهيم: فلسطين من أقدم العصور إلى القرن الرابع قبل الميلاد، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات التاريخية، ط1، بيروت 1990.
17ـ هارفي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، ط1، مكتبة مدبولي، القاهرة 1411هـ (1991م).



( (http://www.fustat.com/ancient_hist/mazaim2.shtml#_ftnref1)1) الاسم القرآني شاءول هو طالوت: "ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ... وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ... " الآيات.
البقرة: الآيات 246 ـ 247.
( (http://www.fustat.com/ancient_hist/mazaim2.shtml#_ftnref2)2) سوف يتم الرد على هذا الزعم في موضعه.
( (http://www.fustat.com/ancient_hist/mazaim2.shtml#_ftnref3)3) مع ملاحظة أن الفرعون الذي أراد الزواج من السيدة سارة، لم يكن تحتمس الثالث؛ لأن ظهور إبراهيم الخليل وزوجته سارة سبق هذا الفرعون بعدة قرون ولا يُعرف على وجه التحديد الفرعون الذي أراد الزواج منها

MARISOLE
26-01-08, 07:01 PM
مزاعم العهد القديم (3)
فترة حكم سليمان عليه السلام

د. أسامه محمد أبو نحل
الأستاذ المساعد بقسم التاريخ، جامعة الأزهر ـ غـزة

تولى "النبي سليمان" (عليه السلام) المُلك والحكم بعد وفاة أبيه النبي "داود" (عليه السلام) حوالي العام 970 ق.م، وفي عهده بدأ تفتت عمل أبيه في وحدة الأسباط الإسرائيلية، فبمجرد اعتلائه العرش أمر بقتل "يوآب" أكثر قواد داود خبرة ومهارة، وما كسبه سليمان لم يكن بالحرب كما فعل أبوه بل بسياسته الخارجية المرتكزة على المداهنة والمصارحة، فنجده قد استنجد بفرعون مصر - شيشنق- وتزوج من ابنته كما تزعم التوراة، وكانت هدية الزواج التي قدمها الفرعون لابنته تتمثل في مساعدته لسليمان علـى الانتقام من الكنعانيين وحرق مدينة جـازر، وبذلك عاد للفـراعنـة شيء من النفـوذ في عهـد الملك سليمان.
ومن الشعوب المجاورة التي عمل سليمان على استرضائها عن طريق المصاهرة، المؤابيين والعمونيين والآدوميين والصيدونيين والحيثيين حتى قيــل إن سليمان تزوج من سبعمائة امرأة وكان لديه ثلاثمائة من السراري، مما أغضب الرب عليه لأن نساءه بقين يتبعن آلهتهن الوثنية، وكانت نساءه قد أملن قلبه إلى تلك الآلهة ولم يكن اعتقاده بيهوه كاملاً كما كان والده داود. هذا ما ورد في توراة بني إسرائيل عن نبي مرسل كرمه الله بالحكمة، إلى أن البعض أنقص زوجاته السبعمائة إلى ستين وسراريه الثلاثمائة إلى ثمانين.
كانت الحكمة من أكثر الصفات التي اشتهر بها سليمان، فعُرف بسليمـــان الحكيم، وقيل إنه تكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت أناشيده ألفاً وخمساً، وما من مؤرخٍ إلا ووقف إزاء حكمته، وهذا ما ينفي ما ورد آنفاً عن إتباع سليمان لآلهة الوثنيين.
وادّعت التوراة أن عهد سليمان امتاز بتقدم تجاري عظيم، كلفته السيطرة على الطرق التجارية في سوريا وفلسطين وعلى الطريق المؤدي إلى البحر الأحمر، ومن أعماله التي قام بكثير منها بالاشتراك مع الفينيقيين، رحلة إلى "أوفير" التي ربما وجدت على ساحل الصومال، وادّعى كتبة التوراة أن سليمان حاول إقامة سفن له في ميناء عصيون جابر "إيلات حالياً" على شاطىء البحر الأحمر الواقعة ضمن أراضي الآدوميين، كما أرسل قوافل برية بمشاركة صديقه الملك حيرام الفينيقي ملك صور، وحيرام هذا لم يساهم مع صديقه سليمان في التجارة فحسب، وإنما كما زعمت التوراة في بناء الهيكل المشهور بهيكل سليمان، إذ أرسل له العمال المهرة لبناء هذا الهيكل حيث تفتقد إسرائيل لهم، وبذا انتقل بنو إسرائيل من عبادة "يهوه" في خيمة متنقلة، إلى عبادته في هيكل حجري.
استغرق بناء الهيكل سبع سنوات، وعمل فيه قرابة الثلاثين ألفاً من العمال، الذين نقلوا خشب الأرز من فينيقيا عبر البحر إلى شاطىء يافا، كما جاء المهندسون والبناءون المهرة والنجارون من "صور" لبناء الهيكل؛ وبذا كان الإشراف على البناء فينيقياً، وغالبية العمال كانوا من الكنعانيين، وكان التصميم داخل الهيكل وكذلك النقوش كنعانية، وفي الصلوات كانت الطقوس أيضاً كنعانية.
منح سليمان لحيرام - نتيجة لمساعدته الضخمة له في بناء الهيكل وقصره الذي استغرق بناؤه ثلاث عشرة سنة - مكافأة عبارة عن تنازله له عن عشرين مدينة كنعانية في الجليل الأعلى شرقي عكا.
والحقيقة، أنه ما زالت هذه الروايات والحكايات الأسطورية التي تحدثت عن إنجازات وأعمال سليمان غير مدعومة بوثائق تاريخية، ولكن أعداداً كبيرة من علماء اللاهوت والأثريين التوراتيين ذهبوا للبحث عن مخلفات سليمان المعمارية وما تحويه من كنوز ومقتنيات، فشغلوا أنفسهم بالمخططات التفصيلية للقصر والمعبد اعتماداً على الوصف التوراتي دون أن يعثروا على مخلفات مادية تبرر مثل هذه التصورات.
وراح المنقبون يعملون في القدس منذ أن تم إنشاء أول جمعية للآثار عام 1865م، التي سميت بصندوق استكشاف فلسطين، ومازالت الحفريات الأثرية تجري على نطاق واسع من قبل المحتلين الإسرائيليين، وخاصة في منطقة الحرم الشريف الذي تتوسطه الصخرة المشرفة والأحياء المحيطة به. وكثيراً ما نُسبت المخلفات التي تسبق العصر الإسلامي إلى الفترات الإسرائيلية القديمة حتى تلك التي تعود إلى العهود اليونانية والرومانية، إلى أن قامت الباحثة الإنكليزية المشهورة "كاثلين كينيون" بحفرياتها في المدينة وتمكنت من إعادة تأريخ عدد من المخلفات المعمارية اعتماداً على تسلسل الطبقات السكنية والشواهد الأثرية المرتبطة بها.
فإذا كانت التوراة قد وصفت سليمان بأنه بانياً كبيراً، غير أن الباحث الإسرائيلي "إسرائيل فنكلشتاين"، يقول أن الملك الإسرائيلي "آحاب" بالتحديد الذي تحدثت عنه التوراة بصفته حاكماً ضعيفاً تزوج من امرأة زانية تُدعى "إيزابيل"، كان على ما يبدو البنّاء الأكبر للأبنية التاريخية المهمة، وكل هذا ظهر أثر اكتشاف خطأ في التاريخ، فالمكتشفات التي أُرجعت لفترة داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد، بُنيت على ما يبدو بعد ذلك بمائة سنة في فترة الملك آحاب.
إن ما يُسمى بتحريك التاريخ الذي لم يتم البرهنة عليه بعد بشكل كامل يسمى من قبل علماء الآثار اليوم بـ "تعديل فنكلشتاين" نسبة للباحث "إسرائيل فنكلشتاين" الذي سبق ذكره.
وفي اجتماع علماء الآثار الذي عُقد في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في نهاية عام 1997م، قال البروفيسور دافيد اوسيشكين من جامعة تل أبيب والذي شارك قبل 38 عاماً في كشف أحد قصور الملك سليمان، أنه غيَّر رأيه، وهو اليوم يتفق مع تفسير فنكلشتاين.
ويذكر فنكلشتاين: "مقابل الادعاء المعروف والقائل أن كل ما ورد في التوراة يقف على أرضٍ صلبة، فإن الأمر ليس على هذا النحو الآن، وأنا أعلم أنني زرعت بذور الشك".
سياسة سليمان الداخلية:
يزعم العهد القديم أن الملك سليمان عمل على تأمين عرشه في الداخل، بإتباع سياسة تفتيت أي تحالف قد يقوم بين القبائل الإسرائيلية التي طمحت إلى التمتع بنوع من الحكم الديمقراطي، كما وضع الحواجز بين الحدود بينها لخلق مشكلة من شأنها التفرقة بين هذه القبائل وتلهيها عن الانتباه لتصرفاته بما يرتكبه من مخالفات شرعية، فعمل على تقسيم المملكة إلى اثنتي عشرة محافظة على رأس كل منها وكيل مهمته جمع الضرائب التي يحتاج إليها كما فرض على كل وكيل إعاشة الملك وحاشيته وجيشه وخيله شهراً، وأكثر سليمان من بناء المباني الحكومية والملكية.
وتحمَّل الإسرائيليون كارهين جميع هذه التكاليف، فكان الممول لا يكاد يفيق من ضريبة حتى تدهمه إدارة الضرائب بأخرى، بالإضافة إلى المبالغة في الإنتاج للتصدير بغية الحصول على الأموال الضرورية للملك وحاشيتــه، وبلغ من شدة هذه الضرائب أن البلاد رغم مظاهر الرخاء، كانت تسير نحو أزمة اقتصادية، فكان للعامل الاقتصادي دور مهم في الأزمة السياسية التي تلت بالفعل موت سليمان.
أدت كثرة الضرائب التي فرضها سليمان على شعبه إلى قيامهم بالثورة ضده بقيادة "يربعام بن نباط" الذي طمع في الحكم، وعندما فشل في مسعاه لجأ "يربعام" إلى فرعون مصر "شيشنق" الذي رحب به، فكان ذلك سبباً لانقسام بني إسرائيل فيما بعد وبداية لأفول مجدهم وعزهم الذي لم يدم أكثر من سبعين سنة أو أقـــل، وهذا ما ينفي قطعياً أن سليمان قد تزوج من ابنته.
حاول سليمان الملك تقليد الإمبراطوريات المحيطة به، والتي كان للمركبات فيها دور كبير في الحرب، ورغم أنه لم يحارب قط، فقد بنى لنفسه إسطبلات واسعة لخيول مركباته الحربية في مدينة مجدو، وذلك لمجرد الأبهة، وقد ألقت بعثات الحفائر الأمريكية في مدينة "مجدو" القديمة الضوء على هذه الإسطبلات، فلقد عثر المكتشفون وخاصة ما قام به "جاى P.L.O. Guy" على بقايا إسطبلات الخيول والتي كانت دائماً تنتظم حول فناء دائري مبلط بملاطٍ من الحجر الجيري وما يزال الكثير من هذه الإسطبلات محتفظاً بمعالف طعام الخيل، كما لا تزال أجزاء من معدات السقي ظاهرة، كما تدل فخامة الاصطبلات والعناية الشديدة التي بذلت بوفرة في المباني والخدمات على أن الخيل كانت مرغوباً فيها في تلك الأيام، وعندما تم الكشف عن المبنى بأكمله، قدر بعض الباحثين لكل إسطبل 450 حصاناً، ولكل حظيرة 150 عربة، هذا وقد كُشفت نظائر لهذه الإسطبلات في بيت شان وحاصور وتعنك.
وخطبت ملكة سبأ العربية وده – التي لم يُعرف بعد اسمها - طالبة منه المعونة، وقصة هذه الملكة مع سليمان مشهورة ووردت في القرآن الكريم.
وبموت سليمان الملك ودفنه، دُفن معه أيضاً حُلم بني إسرائيل بإقامة قوة إسرائيلية ضخمة إلى الأبد، كما يذكر الأستاذ مصطفى مراد الدباغ.
ويبدو أن الأستاذ الدباغ لم يخطر بباله وقت كتابته لهذه العبارة، أن الإسرائيليين سيقومون بعد ذلك بفرض سياستهم على جميع الدول العربية والإسلامية، ومن ثم اضطرار هذه الدول للاعتراف بوجودها كدولة ذات سيادة من ناحية، والاعتراف بقوتها الحربية ومقدرتها السياسية من ناحية أخرى وعجزهم عن مقاتلتها اللهم إلاَّ حركات المقاومة في فلسطين ولبنان وما أنزلوه بها من خسائر.
والحقيقة أن صورة الملك سليمان النبي في القرآن الكريم تختلف اختلافاً بيناً وجوهرياً عما وردت في توراة بني إسرائيل، وإن اتفقا معاً في أن سليمان كان من "آل داود" كما أنه ورث الحكم عن أبيه. "وورث سليمان داود" و " ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب"، كما لم يرد في القــرآن أي إشارة لزيجات سليمان المبالغ بها التي وردت في العهـــد القديم، ولم يرد كذلك أي خبر عن إتباعه لأهواء زوجاته بإتباع آلهتهن.
وذكر الأستاذ أحمد عثمان، أن القصة القرآنية تختلف اختلافاً جوهرياً عن قصة العهد القديم في:
1- عدم ذكر أي شيء عن مملكة سليمان الممتدة ما بين النيل والفرات.
2- ولم تذكر أنه قام ببناء معبد القدس.
3- لم يرد في القرآن أي ذكر للقدس أو بيت المقدس، فيما يخص الروايات المتعلقة بسليمان أو بأبيه داود.
إن وهم اتساع حدود مملكة سليمان التي ورد ذكرها في العهد القديم يعتبره أكثر الباحثين من قبيل المبالغات، فمملكة سليمان التي يتبجح اليهود بعظمتها كانت أشبه ما تكون بمحمية مصرية مرابطة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة الذين كانت أهم أهدافهم حماية حدودهم الشرقية من غارات الأقوام الطامعة بمصر وفي مقدمتهم الآشوريون.
ويعلق المؤرخ المشهور "ويلز Wells" في كتابـــه "معالم تاريخ الإنسانية" ص 279، 283 على التمادي في هذه الخيالات والمبالغات في تصوير حدود مملكتي داود وسليمان، فيقول: "ولا يستطيع أحد أن يزعم أن أرض الميعاد وقعت يوماً بيد العبرانيين (الإسرائيليين)، ويلوح أن داود وضع نفسه في حماية حيرام ملك صور فثبتت هذه المحالفة الفينيقية ملكه".
ويشرح "ويلز" كيفية تصوير كتبة التوراة لمملكة سليمان في صورة تفوق الواقع بكثير قال: "من الخير ألاَّ تغيب عن بالنا التقديرات النسبية للأمور، فسليمان وهو في أوج مجده ليس إلا ملكاً صغيراً يحكم مدينة صغيرة، وكانت دولته من الهزال وسرعة الزوال بحيث أنه لم تنقض بضعة أعوام على وفاته حتى استولى شيشنق أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم، ونهب معظم ما فيها من الكنوز، ويقف كثير من النقاد موقف المستريب إزاء قصة مجد سليمان التي توردها أسفار الملوك والأيام، وهم يقولون إن الكبرياء القومي لدى كتاب متأخرين هو الذي دعاهم إلى إضافة أشياء إلى القصة والمبالغة فيها ".
فضلاً عن ذلك، فالتوراة تشير إلى أن سيطرة داود امتدت إلى نهر الفرات، ولاشك أن هذا الادعاء مستبعد كلياً، ويُعد من قبيل المبالغة والخيال شأنه شأن الإسهاب في وصف منشآت سليمان بمنتهى الضخامة والفخامة.
والمصدر الوحيد الذي تحدث عن أعمال داود وسليمان وعن دورهما السياسي والعمراني في أرض كنعان هو التوراة فقط، إذ لم يعثر الآثريون على أي أثر من هذا الدور، ومعلوم أن التوراة - كما سبق وأشرنا مراراً - كُتبت في وقتٍ لاحق وكُتب أكثرها أثناء السبي البابلي وسط المحيط البابلي السومري الذي اعتاد أهله وصف أعمال الآلهة الخارقة العادة على نمط الأساطير الخيالية للتأثير بها على نفوس الجماهير، مما أدى إلى تقليد كتبة التوراة للأقوام الذين عاشوا بينهم، فوصفوا عظمة داود وسليمان على طريقة كتابة الأساطير البابلية والسومرية والكنعانية في وصف خوارق آلهتهم، وصف التوراة لعظمة دولة سليمان واتساع حدودها حشو لا يعدو أسلوب المبالغة الذي اعتاده أقوام تلك العصور.
ويضيف الدكتور أحمد سوسة في دراسته الرائعة التي ينفي بها وجود دولة إسرائيلية ممتدة من النيل إلى الفرات زمن داود وسليمان: إن هذه الدولة لم توجد لعدة أسباب منها: أن اللغة التي تكلم بها داود وسليمان هي اللغة الكنعانية حيث لم يكن قد توافر لبني إسرائيل أي مقومات قومية وثقافية أو حتى حضارة خاصة بهم، بل كانت حضارتهم قائمة على تراث كنعاني بحت. أما اللهجة العبرية المقتبسة من الآرامية التي تم بها كتابة التوراة في الأسر لم تظهر إلاَّ في وقتٍ متأخر، أي بعد عصر داود وسليمان وهذا يعني أن كتابة العهد القديم لم يكن قد ظهر إلى الوجود في ذلك الزمن. أما المزامير التي ترجع إلى عهد داود وأمثال سليمان فهي من أصل كنعاني، وكانت تُتلى آنذاك باللغة الكنعانية وعلى الطريقة الدينية الكنعانية، ثم قام الكهنة اليهود بترجمتها فيما بعد إلى العبرية وعُدت من الأسفار المقدسة في التوراة، وهذا كله يثبت أن فلسطين بقيت كنعانية في ثقافتها وحضارتها ولغتها زمن داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد، وأن دويلة داود وسليمان لم تكن إلاَّ دويلة قائمة على تراث كنعاني بحت تمثل أقلية صغيرة بين دويلات عــريقة في حضارتها السامية العربية تحيط بها من جميع أطرافها، وتؤكد التوراة أن مملكة سليمان كانت مملكة وقتية آلت إلى الزوال بعيد وفاته.
ويذهب البعض إلى وجود تشابه بين قصة الملك سليمان مع حياة الفرعون المصري "أمنوحتب الثالث‎" من ناحية عدد الزيجات وتعدد الاعتقادات وأعمال البناء، فأمنوحتب الثالث - تاسع ملوك الأسرة 18، الذي حكم نحو 39 عاماً عند بداية القرن 14 ق.م. - كان كثير الزيجات بسبب السلام الذي ساد عصره، كما استغل الثراء الذي وصلت إليه مصر في أعمال البناء سواء في مصر أو في بلاد سورية وكنعان، فشيّد المعابد والقصور والمدن المحصنة وكان لوجود عدد كبير من أسرى الحروب آنذاك أثر فعال في زيادة القوى العاملة التي استخدمت في أعمال قطع الحجارة و البناء.
ولما شارك "أمنوحتب الرابع" (اخناتون) أبيه في الحكم، دعا اخناتون إلى عبادة معبود ليس له صورة سماه (آتون) كمعبودٍ واحد للمصريين والأجانب، مما كان له أثر كبير في تغيير أشكال الاعتقادات المصرية. والواضح أن أمنوحتب الثالث - على الرغم من عدم تركه للاعتقادات القديمة - أخذ بالاقتناع بالدعوة الجديدة التي بدأها ابنه.
ولا يتضح التشابه الكبير بين تاريخ أمنوحتب الثالث وقصة سليمان التي وردت في سفر الملوك الأول في كثرة زوجاته الأجنبيات أو تعدد اعتقاداته الدينية في آخر أيامه فحسب، بل بأعمال البناء التي قام بها أمنوحتب الثالث في كل المواقع التي جاء ذكرها في قصة سليمان، فبينما لم يتم العثور على آية بقايا لهذه المباني تعود إلى القرن العاشر ق.م.، القرن الذي عاش فيه سليمان، نجد الأدلة كلها تؤكد أن هذه الأعمال نفسها تمت قبل عصر سليمان بنحو أربعة قرون، أي في عصر أمنوحتب الثالث.
كما كانت توجد حامية مصرية شمالي قلعة القدس وتشير الدلائل إلى أن الفرعون المصري ابتنى هناك معبداً، كما تتفق التفاصيل التي وردت في القصة مع أشكال المعابد المصرية التي أنشأها الفرعون في بيسان ومجدو وحاصور.
وأكدت البعثة الأمريكية التي قامت بالكشف عن القصر الذي بناه أمنوحتب الثالث غربي الأقصر، أنه كان مكوناً من البيوت نفسها التي ورد ذكرها في قصة سليمان.
هكذا اقتبس الكتبة الإسرائيليون قصة أمنوحتب الثالث الذي قام ببناء معبد الصخرة لتدعيم الحق التاريخي لبني إسرائيل في ملكية القدس، ولسوف نلاحظ بعد قليل أن إمبراطورية بني إسرائيل المزعومة ستختفي من الوجود تماماً بمجرد موت سليمان، فلا قصور ولا حصون، وإنما العودة إلى مملكتي إسرائيل ويهوذا مرة ثانية ومن ثمّ حروبهم مع الفلسطينيين شركائهم في حكم بلاد كنعان.
وفيما يخص الرواية التوراتية التي تحدثت عن زواج الملك سليمان من ابنة فرعون مصر شيشنق، نجد المصادر المصرية لا تذكر أي شيء عن هذا الزواج، وكل ما أكدته هذه المصادر هو أن شيشنق خرج إلى فلسطين، وهزم عدداً من ممالكها، ولكن لا ذكر لسليمان ولا لإمبراطوريته بل توجد رواية تقول أن شيشنق دخل القدس واستولى على أوانيها الذهبية الموجودة في معبدها، فالفراعنة منعوا زواج بناتهن من الملوك الأجانب، لأنهن - حسب النظام الفرعوني - آلهة.

مراجع الدراسة
(1)القرآن الكريم (سورة النمل: الآيات 19-44، النمل: الآية 16، سورة ص: الآية 30).
(2)العهد القديم (الملوك الأول 2/27 – 35، الملوك الأول 3/1، 9/16، الملوك الأول 11/2-5، الملوك الأول 4/32 – 34، الملوك الأول 9/26-28، سفر الملوك الأول، الإصحاحين الثامن والتاسع، الملوك الأول 4/21 – 29، الملوك الأول 11/26 – 41، الملوك الأول 9/19، الملوك الأول 10/1 – 13).
(3)أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ، حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الأثرية، ط2، سلسلة الكتب الحديثة، دمشق 1973.
(4) أحمد عثمان: تاريخ اليهود، ج1، مكتبة الشروق، القاهرة 1994.
(5) بيان نويهض الحوت: فلسطين. التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين (1917)، ط1، دار الاستقلال للدراسات والنشر، بيروت 1991.
(6)رجاء جارودي: فلسطين أرض الرسالات الإلهية، ترجمة: د. عبد الصبور شاهين، مكتبة دار التراث، القاهرة 1986.
(7) سبينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة: د. السيد يعقوب بكر، راجعه: د. محمد القصاص، دار الرقي، بيروت 1986.
(8) د. فؤاد حسنين علي: إسرائيل عبر التاريخ، ج1، دار النهضة العربية، القاهرة، دون تاريخ.
(9) د. محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم، ج3، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1995.
(10)مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، القسم الأول، ط1، منشورات دار الطليعة، بيروت 1965.
(11)د. معاوية إبراهيم: فلسطين من أقدم العصور إلى القرن الرابع قبل الميلاد، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات التاريخية، ط1، بيروت 1990.
(12)ول وايريل ديورانت: قصة الحضارة، مج1، ج1، ترجمة: د. زكي نجيب محمود، القاهرة 1971.
(13)وليم أولبريت: آثار فلسطين، ترجمة: د. زكي إسكندر ود. محمد عبد القادر محمد، مراجعة: د. سعاد ماهر، ط2، دار الأسوار، عكا 1988.
(14)جريدة الأيام الفلسطينية، العدد 829، بتاريخ 15/4/1998.

الهنـوف
27-01-08, 12:00 AM
بارك الله فيكم وجزيتم خيرا ً ..

*أسيرة الذكرى*
27-01-08, 10:03 AM
http://my.internetacademy.jp/~a01030225/images/thanx.gif

MARISOLE
28-01-08, 03:52 PM
http://gallery.7lm.com/data/media/19/fdc327ba09.gif

... بنت الجنوب ...
30-01-08, 03:09 AM
http://www3.0zz0.com/2007/06/19/08/78698438.gif

MARISOLE
30-01-08, 03:59 AM
http://gallery.7lm.com/data/media/19/fdc327ba09.gif

سمي الظبي
15-02-08, 06:33 AM
يعطيك العافية
:)

MARISOLE
22-02-08, 04:12 PM
http://img54.imageshack.us/img54/7906/21124277wb8.gif

أم أديم
03-04-08, 11:30 PM
الله يعطيك العافيه

MARISOLE
05-04-08, 01:51 PM
http://abeermahmoud2006.jeeran.com/446-Thanks.gif